سنة تسع ومائتين
فيها طال القتال بين عبد الله بن طاهر، ونصر بن شبث [١] العقيلي، إلى أن حصره في قلعة ونال منه. فطلب نصر الأمان، فكتب له المأمون أمانا وبعثه إليه، فنزل وهدم الحصن.
وفيها توفي الحسن بن الأشيب أبو عليّ البغدادي قاضي طبرستان بعد قضاء الموصل. روى عن شعبة وحريز بن عثمان وطائفة. وكان ثقة مشهورا.
وحفص بن عبد الله السّلميّ أبو عمرو النيسابوريّ، قاضي نيسابور.
سمع مسعرا، ويونس بن أبي إسحاق. وأكثر عن إبراهيم بن طهمان. ومكث عشرين سنة يقضي بالآثار. وكان صدوقا.
وأبو علي الحنفيّ عبيد الله بن عبد المجيد [٢] البصريّ. روى عن قرّة بن خالد، ومالك بن مغول، وطائفة.
стр. 912
وعثمان بن عمر بن فارس العبديّ البصريّ، الرّجل الصالح. روى عن ابن عون، وهشام بن حسّان [١] ، ويونس بن يزيد، وطائفة. توفي في ربيع الأول بالبصرة.
ويعلى بن عبيد الطنافسيّ، أبو يوسف الكوفيّ. روى عن الأعمش، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والكبار.
فعن أحمد بن يونس قال: ما رأيت أفضل منه، [وكان يريد بعمله الله تعالى] [٢] .
стр. 913
سنة عشر ومائتين
فيها على ما قاله ابن الجوزي في «الشذور» [١] عرّس المأمون على بوران، ففرش له يوم البناء حصير من ذهب، ونثر عليه ألف حبة من الجوهر، وأشعل بين يديه شمعة عنبر وزنها مائة رطل. ونثر على القواد رقاع بأسماء ضياع. فمن وقعت بيده رقعة أشهد له الحسن بالضيعة. وكان الحسن بن سهل يجري في مدة إقامة المأمون عنده على ستة وثلاثين ألف ملاح، فلما أراد المأمون الإصعاد أمر له بألف ألف دينار، وأقطعه مدينة الصلح.
وقال ابن الأهدل: وفي سنة عشر ومائتين، تزوج المأمون بوران بنت الحسن بن سهل [٢] بواسط، وكان عرسا لم يسمع بمثله في الدّنيا، نثر فيه على الهاشميين، والقواد، والوجوه، بنادق مسك فيها رقاع متضمنة لضياع، وجوار، ودواب، ومن وقع في حجره بندقة ملك ما فيها. وأقام أبوها الجيش كله بضعة عشر يوما، فكتب له المأمون بخراج فارس والأهواز سنة، ودخل عليها في الليلة الثالثة من وصوله، فلما قعد عندها نثرت جدّتها ألف درّة، فقال لها: سلي حوائجك. فقالت: الرضى عن إبراهيم بن المهدي [٣] ففعل، ولما أصبح جلس للنّاس، فقال له أحمد بن يوسف الكاتب: باليمن
стр. 914
والبركة، وشدة الحركة، والظفر في المعركة. فقال يعرّض بحيضها:
فارس ماض بحربته ... صادق بالطّعن في الظّلم
رام أن يدمي فريسته ... فاتّقته من دم بدم [١]
انتهى ما قاله ابن الأهدل.
وفيها توفي أبو عمرو الشّيبانيّ، إسحاق بن مرار الكوفيّ اللغويّ صاحب التصانيف، وله تسعون سنة. وكان ثقة علّامة خيّرا فاضلا.
والحسن بن محمد بن أعين الحرّانيّ أبو علي مولى بني أميّة. روى عن فليح بن سليمان، وزهير بن معاوية، وطائفة.
وفيها علي بن جعفر الصّادق بن محمد بن علي بن الحسين العلويّ الحسينيّ. روى عن أبيه، وأخيه موسى، وسفيان الثوريّ، وكان من جلّة السادة الأشراف.
ومحمد بن صالح بن بيهس الكلابيّ، أمير عرب الشّام وسيّد قيس، وفارسها، وشاعرها، والمقاوم لأبي العميطر السفياني والمحارب له، حتّى شتّت جموعه، فولاه المأمون دمشق، وكانت له آثار حسنة.
وفيها مروان بن محمد الطّاطريّ [٢] أبو بكر الدّمشقيّ، صاحب سعيد ابن عبد العزيز. كان إماما ثقة متقنا صالحا خاشعا من جلّة الشاميين.
قال الطبرانيّ: كل من يبيع ثياب الكرابيس بدمشق يسمى الطّاطري.
انتهى.
стр. 915
وفيها، أو في التي قبلها- كما جزم به ابن الجوزي، وابن ناصر الدّين- أبو عبيدة معمر بن المثنّى التيميّ البصريّ اللغويّ العلّامة الأخباريّ صاحب التصانيف. روى عن هشام بن عروة، وأبي عمرو بن العلاء. وكان أحد أوعية العلم.
قال ابن ناصر الدّين: حكى عنه البخاريّ في تفسير القرآن لبعض لغاته، وكان حافظا للعلوم، إماما في مصنفاته.
قال الدارقطنيّ: لا بأس به، إلّا أنه يتّهم بشيء من رأي الخوارج.
انتهى.
وقال ابن الأهدل: وفي سنة تسع ومائتين توفي معمر بن المثنّى التيمي- تيم قريش- مولاهم. كان مع استجماعه لعلوم جمة مقدوحا فيه بأنه يرى رأي الخوارج ويدخله في نسبه وغير ذلك. وكانت تصانيفه نحو مائتي مصنف. قرأ عليه الرّشيد شيئا منها.
قال أبو نواس: الأصمعي بلبل في قفص، وأبو عبيدة أديم طوي على علم، وخلف الأحمر جمع علوم النّاس وفهمها.
وإنما قال ذلك، لأن الأصمعيّ كان حسن العبارة، وكان معمر سيء العبارة.
وحضر أبو عبيدة ضيافة لموسى بن عبد الرّحمن الهلالي فوقع على ثوبه المرق، فأقبل موسى يعتذر إليه، فقال: لا عليك فإن مرقكم لا يؤذي.
أي ما فيه دسم.
وله «كتاب المجاز» . وسبب تصنيفه أنه سئل عن قوله تعالى:
طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ ٣٧: ٦٥ [الصافات: ٦٥] . قيل له: إن الوعد والإيعاد لا يكون إلّا بما عرف، وهذا لم يعرف. فقال: خوطب العرب بقدر كلامهم، كقول امرئ القيس:
стр. 916
أيقتلني [١] والمشرفيّ مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال [٢]
والغول لم يروها قطّ، ولكنها مما يهولهم. وله مع الأصمعيّ مناظرات.
وممن أخذ عنه أبو عبيد القاسم بن سلّام. انتهى كلام ابن الأهدل، والله أعلم.
стр. 917
سنة إحدى عشرة ومائتين
وفيها أمر المأمون فنودي: برئت الذّمة ممن ذكر معاوية بخير، وأن أفضل الخلق بعد النّبيّ- ﷺ عليّ ﵁ [١] .
وفيها توفي [٢] أبو الجوّاب أحوص بن جوّاب الكوفيّ. روى عن يونس بن أبي إسحاق، وسفيان الثوري، وجماعة.
وخرّج له مسلم، وأبو داود، والترمذي، وغيرهم.
قال في «المغني» [٣] : أحوص بن جوّاب صدوق.
وقال ابن معين: ليس بذاك القوي.
وقال أبو حاتم: صدوق. انتهى.
وأبو العتاهية إسماعيل بن القاسم العنزيّ الكوفيّ الشّاعر المشهور مولى عنزة. مولده بعين التّمر بليدة بالحجاز بقرب [٤] المدينة، وأكثر النّاس ينسبونه إلى القول بمذهب الفلاسفة. وكان يقول بالوعيد وتحريم المكاسب، ويتشيّع على مذهب الزيدية. وكان محيّرا وهو من مقدّمي المولّدين، ومن
стр. 918
طبقة بشّار بن برد، وأبي نواس. أعطاه المهديّ مرّة سبعين ألفا وخلع عليه.
ولما ترك الشعر حبسه في سجن الجرائم وحبس معه بعض أصحاب زيد الهاشمي، حبس ليدل عليه فأبى، فضربت عنقه.
وقيل لأبي العتاهية: إن قلت الشعر وإلا فعلنا بك مثله. فقاله فأطلقوه.
ويقال: إن أبا نواس وجماعة من الشعراء معه، دعا [١] أحدهم بماء يشربه فقال:
عذب الماء فطابا ثم قال: أجيزوا، فتردّدوا ولم يعلم أحد منهم ما يجانسه في سهولته وقرب مأخذه، حتّى طلع أبو العتاهية، فقالوا: هذا، قال: وفيم أنتم؟ قالوا:
قال أحدنا نصف بيت ونحن نخبط في تمامه. قال: وما الذي قال؟ قالوا:
عذب الماء فطابا فقال أبو العتاهية:
حبّذا الماء شرابا ومن رائق شعره قوله في عتبة جارية الخيزران- وكان يهواها ويشبّب بها- وهو [٢] :
بالله يا حلوة العينين زوريني ... قبل الممات وإلّا فاستزيريني
هذان أمران فاختاري أحبّهما ... إليك أو لا فداعي الموت يدعوني
إن شئت موتا [٣] فأنت الدّهر مالكة ... روحي وإن شئت أن أحيا فأحيني [٤]
стр. 919
يا عتب ما أنت إلّا بدعة خلقت ... من غير طين وخلق النّاس من طين
إنّي لأعجب من حبّ يقرّبني ... ممّن يباعدني منه ويقصيني [١]
أمّا الكثير فلا أرجوه منك ولو ... أطمعتني في قليل كان يكفيني [٢]
وقوله في تشبيه البنفسج:
ولاز ورديّة تزهو بزرقتها ... بين الرّياض على حمر اليواقيت
كأنّها ورقاق القضب تحملها ... أوائل النّار في أطراف كبريت [٣]
قال الشريف العباسي في «شرح الشواهد» : كان أبو العتاهية في أول أمره يتخنّث ويحمل زاملة المخنّثين، ثم كان يبيع الفخار، ثم قال الشعر فبرع فيه وتقدّم.
ويقال: أطبع الناس بالشعر بشار، والسيد الحميري، وأبو العتاهية.
وحدّث خليل بن أسد النّوشجاني [٤] : قال: أتى [٥] أبو العتاهية إلى منزلنا فقال: زعم الناس أني زنديق، والله ما ديني إلا التوحيد، فقلنا: فقل شيئا نتحدث به عنك، فقال:
ألا إنّنا كلّنا بائد ... وأيّ بني آدم خالد
وبدؤهم كان من ربّهم ... وكلّ إلى ربّه [٦] عائد
стр. 920
فيا عجبا كيف يعصى الإل ... هـ أم كيف يجحده الجاحد
وفي كلّ شيء له شاهد [١] ... يدلّ على أنّه واحد [٢]
وكان من أبخل النّاس مع يساره وكثرة ما جمع من الأموال.
وأبو العتاهية لقب غلب عليه لأنه كان يحب الشهوة والمجون، فكني بذلك لعتوه. انتهى ملخصا.
وفيها أبو زيد الهرويّ سعيد بن الرّبيع البصريّ، وكان يبيع الثياب الهرويّة [٣] . روى عن قرّة بن خالد وطائفة.
وفيها، أو في سنة عشر- وهو الصحيح- يحيى السّيلحيني بن إسحاق [٤] . والسّيلحين موضع بالحيرة [٥] . كان ثقة صدوقا.
وطلق بن غنّام النخعيّ الكوفيّ كاتب حكم شريك القاضي. روى عن مالك بن مغول وطبقته. وهو وأبو زيد الهروي أقدم من مات من شيوخ البخاري.
وفيها عبد الله بن صالح العجليّ الكوفيّ المقرئ المحدّث، والد الحافظ أحمد بن عبد الله العجلي نزيل المغرب. قرأ القرآن على حمزة.
وسمع من إسرائيل وطبقته، وأقرأ وحدّث ببغداد.
وفيها عبد الرّزّاق بن همّام العلّامة الحافظ أبو بكر الصنعانيّ، صاحب
стр. 921
المصنفات. روى عن معمر، وابن جريج، وطبقتهما. ورحل الأئمة إليه إلى اليمن. وله أوهام مغمورة في سعة علمه. عاش بضعا وثمانين سنة، وتوفي في شوال.
قال ابن ناصر الدّين: وثقه غير واحد، لكن نقموا عليه التشيّع. انتهى.
وعليّ بن الحسين بن واقد، محدّث مرو، وابن محدّثها. روى عن أبيه، و [عن] أبي حمزة السّكّري [١] .
وخرّج له الأربعة.
قال في «المغني» [٢] : علي بن الحسين بن واقد المروزيّ صدوق وثق.
وقال أبو حاتم: ضعيف. انتهى.
ومعلّى بن منصور الرّازيّ الفقيه نزيل بغداد [٣] . روى عن اللّيث بن سعد وغيره.
روي أنه كان يصلي فوقع عليه كور الزنابير، فأتم صلاته، فنظروا فإذا رأسه قد صار هكذا من الانتفاخ، وهو من الثقات.
стр. 922
سنة اثنتي عشرة ومائتين
فيها جهّز المأمون جيشا عليهم محمد بن حميد الطّوسيّ لمحاربة بابك الخرّمي.
وفيها أظهر المأمون القول بخلق القرآن مع ما أظهر في العام الماضي من التشيّع، فاشمأزت منه القلوب، وقدم دمشق فصام بها رمضان، ثمّ حجّ بالنّاس.
وفيها توفي الحافظ أسد بن موسى الأمويّ نزيل مصر، ويقال له:
أسد السّنّة. روى عن شعبة وطبقته، ورحل في الحديث، وصنف التصانيف، وهو أحد الثقات الأكياس.
والفقيه أبو حيّان إسماعيل بن حمّاد بن أبي حنيفة الإمام. روى عن مالك بن مغول وجماعة. وولي قضاء الجانب الشرقي ببغداد، ثم ولي قضاء البصرة، وكان موصوفا بالزهد، والعبادة، والعدل في الأحكام.
والحسين بن حفص الهمدانيّ الكوفيّ قاضي أصبهان ومفتيها. أكثر عن سفيان الثّوري وغيره. وكان دخله في العام مائة ألف درهم، وما وجبت عليه زكاة.
وفيها المحدّث خلّاد بن يحيى الكوفيّ بمكة. روى عن عيسى بن طهمان وطبقته، وهو من كبار شيوخ البخاري.
стр. 923
وزكريا بن عدي الكوفيّ. روى عن جعفر بن سليمان وطائفة.
قال ابن عوف البزوريّ [١] : ما كتبت عن أحد أفضل منه، وحديثه في «الصحيحين» .
وأبو عاصم النّبيل، الضّحّاك بن مخلد [٢] الشيبانيّ محدّث البصرة، توفي في ذي الحجة وقد نيّف على التسعين. سمع من يزيد بن أبي عبيد وجماعة من التابعين. وكان واسع العلم. ولم ير في يده كتاب قطّ.
قال عمر بن شبّة [٣] : ما رأيت مثله.
وقال البخاريّ: سمعت أبا عاصم يقول: ما اغتبت أحدا قطّ منذ عقلت أن الغيبة حرام.
وروى عنه أحمد، والبخاريّ، وغيرهما، وهو ثقة متقن.
وفيها أبو المغيرة، عبد القدّوس بن حجّاج الخولانيّ الحمصيّ الحافظ محدّث حمص. سمع الأوزاعيّ وطبقته، وأدركه البخاريّ وهو ثقة.
وفيها الفقيه أبو مروان عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون صاحب مالك. كان فصيحا مفوّها، وعليه دارت الفتيا في زمانه بالمدينة.
وفيها مفتي الأندلس عيسى بن دينار الغافقيّ، صاحب ابن القاسم، وكان صالحا ورعا مجاب الدعوة، مقدّما [٤] في الفقه على يحيى بن يحيى
стр. 924
وفيها أبو عبد الله محمد بن يوسف الفريابيّ الحافظ، في أول السنة بقيساريّة. أكثر عن الأوزاعيّ والثّوري. أدركه البخاريّ، ورحل إليه الإمام أحمد فلم يدركه، بل بلغه موته بحمص، فتأسّف عليه، وهو ثقة ثبت.
стр. 925
سنة ثلاث عشرة ومائتين
فيها توفي أسد بن الفرات الفقيه أبو عبد الله المغربيّ، صاحب مالك، وصاحب «المسائل الأسدية» التي كتبها عن ابن القاسم.
وخالد بن مخلد القطوانيّ، أحد الحفّاظ بالكوفة. رحل وأخذ عن مالك وطبقته.
وقال أبو داود: صدوق شيعيّ.
وعبد الله بن داود الخريبيّ [١] الحافظ الزاهد. سمع الأعمش والكبار. وكان من أعبد أهل زمانه. توفي بالكوفة في شوال وقد نيّف على التسعين، وهو ثقة.
وأبو عبد الرّحمن المقرئ، عبد الله بن يزيد، شيخ مكّة وقارئها ومحدّثها. روى عن ابن عون والكبار، ومات في عشر المائة، وقرأ القرآن سبعين سنة.
وعمرو [٢] بن عاصم الكلابيّ الثقة البصريّ. روى عن طبقة شعبة.
قال في «المغني» [٣] : صدوق مشهور.
قال بندار: لولا شيء لتركته. انتهى.
стр. 926
وفيها عبيد الله بن موسى العبسيّ [١] الكوفيّ الحافظ. روى عن هشام بن عروة والكبار، وقرأ القرآن على حمزة، وكان إماما في الفقه، والحديث، والقرآن. موصوفا بالعبادة والصلاح، لكنه من رؤوس الشيعة.
وعمرو بن أبي سلمة التّنّيسيّ [٢] الفقيه. وأصله دمشقي. روى عن الأوزاعيّ وطبقته.
قال في «المغني» [٣] : ثقة.
وقال أبو حاتم: لا يحتج به. انتهى.
ومحمد بن سابق البغداديّ. روى عن مالك بن مغول وجماعة.
وقيل: توفي في السنة الآتية.
ومحمد بن عرعرة بن البرند الشّاميّ البصريّ. روى عن شعبة وطائفة. توفي في شوال.
وفيها الهيثم بن جميل البغداديّ الحافظ، نزيل أنطاكية. روى عن جرير بن حازم وطبقته، وكان من ثقات المحدّثين وصلحائهم وأثباتهم [٤] .
ويعقوب بن محمد الزّهريّ المدنيّ الفقيه الحافظ. روى عن إبراهيم بن سعد وطبقته، وهو ضعيف يكتب حديثه.
وفيها قتل المأمون عليّ بن جبلة الشاعر العكوّك السمين، أحد المبرزين من الموالي في الشعر، وكان ولد أعمى، وقيل: عمي صغيرا من الجدري [٥] .
стр. 927
حكى المبرّد قال: أخبرني علي بن القاسم قال: قال لي عليّ بن جبلة: زرت أبا دلف العجلي، فكنت لا أدخل إليه إلّا تلقّاني ببشره، ولا أخرج عنه إلّا تلافاني ببرّه. فلما أكثر ذلك هجرته أياما حياء منه، فبعث إليّ أخاه معقلا، فقال: يقول لك الأمير: هجرتنا وقعدت عنا، فإن كنت رأيت تقصيرا فيما مضى فاعذر فإننا نتلافاه في المستقبل ونزيد فيما يجب من برّك.
فكتبت إليه بهذه الأبيات:
هجرتك لم أهجرك من كفر نعمة ... وهل يرتجى نيل الزيادة [١] بالكفر
ولكنّني لمّا أتيتك زائرا ... فأفرطت في برّي عجزت عن الشّكر
فم الآن [٢] لا آتيك إلّا مسلّما ... أزورك في الشّهرين يوما أو الشّهر
فإن زدتني برّا تزايدت جفوة ... فلا نلتقي طول الحياة إلى الحشر [٣]
فلما نظر فيها معقل استحسنها- وكان أديبا شاعرا أشعر من أخيه أبي دلف- فقال: جوّدت والله، وأحسنت، أما إن الأمير سيعجب بهذه الأبيات والمعاني، فلما أوصلها إلى أبي دلف استحسنها وكتب إليّ بهذه الأبيات:
ألا ربّ ضيف [٤] طارق قد بسطته ... وآنسته قبل الضيافة بالبشر
أتاني يرجّيني فما حال دونه ... ودون القرى من نائلي عنده ستري [٥]
رأيت له [٦] فضلا عليّ بقصده ... إليّ وبرّا لا يعادله شكري [٧]
فلم أعد أن أدنيته وابتدأته ... ببشر وإكرام وبرّ على برّ
стр. 928
وزوّدته مالا سريعا نفاده [١] ... وزوّدني مدحا يدوم [٢] على الدّهر [٣]
ووجّه الأبيات مع وصيف وألف دينار، فلذلك قلت فيه قصيدتي الغرّاء التي سارت واشتهرت في العجم والعرب:
إنما الدّنيا أبو دلف ... بين باديه ومحتضره
فإذا ولّى أبو دلف ... ولّت الدّنيا على أثره [٤]
حدّث الزّعفرانيّ قال: لما بلغ المأمون قول عليّ بن جبلة في أبي دلف:
كلّ من في الأرض من عرب ... بين باديه إلى حضره
مستعير منك مكرمة ... يكتسيها يوم مفتخره [٥]
استشاط غضبا وقال: ويل لابن الزانية، يزعم أنا لا نعرف مكرمة إلّا وهي مستعارة من أبي دلف، وطلبه، فهرب، فكتب في طلبه وأخذه، فحمل إليه، فلما مثل بين يديه قال: يا ابن اللّخناء [٦] أنت القائل كيت وكيت؟ وقرأ البيتين. أجعلتنا نستعير المكارم منه. فقال: عنيت أشكال أبي دلف، وأما أنتم فقد أبانكم الله بالفضل عن سائر عباده لما اختصكم به من النّبوّة، والكتاب، والحكمة، والملك، وما زال يستعطفه حتّى عفا عنه.
стр. 929
وقال بعض الرّواة: قتله، وقال: أما إني لا أستحلّ دمك بهذا القول، ولكني أستحلّه بكفرك وجرأتك على الله سبحانه إذ تقول في عبد ضعيف مهين تسوي بينه وبين ربّ العزّة:
أنت الذي تنزل الأيام منزلها ... وتنقل الدّهر من حال إلى حال
وما مددت مدى طرف إلى أحد ... إلّا قضيت بأرزاق وآجال [١]
ذاك الله- ثم أمر فسلّ لسانه من قفاه. والأول أصح، وأنه مات حتف أنفه.
ومن مدح العكوّك لحميد بن عبد العزيز الطّوسي:
إنّما الدّنيا حميد ... وأياديه الجسام
فإذا ولّى حميد ... فعلى الدّنيا السّلام [٢]
وفيها توفي إسحاق بن مرار النحويّ اللغويّ أحد الأئمة الأعلام.
أخذ عنه أحمد بن حنبل، وأبو عبيد القاسم بن سلّام، ويعقوب بن السّكّيت.
وقال في حقّه: عاش مائة وعشرين سنة، وكان يكتب بيده إلى أن مات رحمه الله تعالى.
стр. 930
سنة أربع عشرة ومائتين
وفيها التقى محمد بن حميد الطّوسيّ وبابك الخرّمي، فهزمهم بابك وقتل الطّوسيّ.
وفيها توجّه [١] عبد الله بن طاهر بن الحسين على إمرة خراسان.
وأعطاه المأمون خمسمائة ألف دينار. وكان عبد الله من آدب النّاس وأعلمهم بأيام العرب. وسيأتي ذكره في سنة ثمان وعشرين ومائتين. عند ذكر وفاته [٢] .
وكان من أخصّائه وأخصاء والده عوف بن محلّم [٣] الشاعر، اختصّه بمنادمته طاهر بن الحسين، فلما مات طاهر اعتقد عوف أنه يخلص من قيد الملازمة، فلوى عبد الله بن طاهر هذا يده عليه، وتمسّك به، واجتهد عوف على التخلّص منه فلم يقدر، حتّى خرج عبد الله من العراق يريد خراسان وعوف عديله يسامره ويحادثه، فلما شارفوا الرّيّ سحرة وقد أدلجوا، فإذا بقمريّ [٤] يغرّد على سروة بأشجى صوت وأرقّ نغمة، فالتفت عبد الله إلى
стр. 931
عوف فقال: ألا تسمع هذا الصوت ما أرقّه وأشجاه، قاتل الله أبا كبير [١] الهذلي حيث يقول:
ألا يا حمام الأيك فرخك [٢] حاضر ... وغصنك ميّاد ففيم تنوح [٣]
فقال عوف: أيها الأمير أحسن والله أبو كبير [٤] وأجاد، إنه كان في هذيل أربعون شاعرا من المحسنين دون المتوسطين، وكان أبو كبير [٤] من أشعرهم، وأشهرهم، وأذكرهم، وأقدرهم.
قال عبد الله: أقسمت عليك إلا أجزت له هذا البيت، فقال: أصلح الله الأمير، شيخ مسنّ وأحمل على [٥] البديهة وعلى معارضة مثل أبي كبير [٦] وهو من قد علمت! فقال: سألتك بحق طاهر إلّا أجزته، فقال:
أفي كلّ عام غربة ونزوح ... أما للنّوى من ونية فيريح
لقد طلّح البين المشتّ ركائبي ... فهل أرينّ البين وهو طليح [٧]
وأرّقني بالرّيّ شجو [٨] حمامة ... فنحت وذو الشوق المشتّ [٩] ينوح
على أنها ناحت ولم تذر عبرة [١٠] ... ونحت وأسراب الدموع سفوح
стр. 932
وناحت وفرخاها بحيث تراهما ... ومن دون أفراخي مهامه فيح
ألا يا حمام الأيك فرخك [١] حاضر ... وغصنك ميّاد ففيم تنوح
أفق لا تنح من غير شيء فإنني ... بكيت زمانا والفؤاد صحيح
ولوعا وشطّت غربة دار زينب ... فها أنا أبكي والفؤاد قريح
عسى جود عبد الله أن يعكس النّوى ... فتضحي [٢] عصا التّطواف وهي طليح
فإنّ الغنى يدني الفتى من صديقه ... وعدم الفتى بالمقترين [٣] طروح [٤]
فاستعبر عبد الله ورقّ له لمّا سمع من تشوّقه إلى أولاده. وقال: يا أبا محلّم ما أحسن ما تلطفت به لحاجتك، وإني والله بك لضنين وبقربك لشحيح، ولكن والله لا جاوزت هذا حتّى ترجع إلى أهلك، وأمر له بثلاثين ألف درهم نفقة، ورحّله وردّه من موضعه، فأدركته المنية قبل وصوله إلى أهله، ولما ردّه عبد الله قال عوف:
يا بن الذي دان له المشرقان ... وألبس الأمن به [٥] المغربان
إن الثمانين وبلّغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
وأبدلتني بالنّشاط [٦] انحنا ... وكنت كالصّعدة تحت السّنان
وعوّضتني من زماع الفتى ... وهمّه همّ الهجين الهدان
وهمت بالأوطان وجدا بها ... وبالغواني أين مني الغوان
فقرّباني بأبي أنتما ... من وطني قبل اصفرار البنان
стр. 933
وقبل منعاي إلى نسوة ... أوطانها حوران والرّقّتان
حيا قصور الشّاذياخ [١] الحيا ... من بعد عهدي وقصور المباني [٢]
وهذه القصور التي ذكرها كلها بمرو، ونيسابور، وهي مساكن آل طاهر، وكان عوف يألفها لكثرة غشيانه إيّاها ومقامه معهم فيها، فلذلك دعا لها.
ومن شعر عوف:
وكنت إذا صحبت رجال قوم ... صحبتهم وشيمتي [٣] الوفاء
فأحسن حين يحسن محسنوهم [٤] ... وأجتنب الإساءة إن أساءوا
وأبصر ما يريبهم بعين ... عليها من عيونهم غطاء [٥]
وكان عوف من بلغاء الشعراء وفصحائهم واختصت به بنو طاهر ولزمهم لمزيد ميلهم إليه وكثرة منحهم له كأبي الطّيب مع بني حمدان، غير أن عوفا لم يلحقه طمع أبي الطيب الذي فارق له بني حمدان.
وفيها توفي أحمد بن خالد الذّهبيّ الحمصيّ راوي المغازي عن ابن إسحاق، وكان مكثرا حسن الحديث.
وأبو أحمد حسين بن محمد المرّوذيّ [٦] المؤدّب ببغداد، ونسبته
стр. 934
بفتح الميم وضم الراء مع سكون الواو ويليها ذال مكسورة معجمة بعدها ياء النسبة، نسبة إلى مرو الرّوذ من أشهر مدن خراسان، وكان من حفاظ الحديث الثقات. روى عن ابن أبي ذئب، وشيبان [١] ، وأحمد بن حنبل [٢] . وروى عنه أحمد أيضا وغيره.
وفيها الفقيه عبد الله بن عبد الحكم أبو محمد المصريّ وله ستون سنة. وكان من جلّة [٣] أصحاب مالك. أفضت إليه الرياسة بمصر بعد أشهب، وسمع «الموطأ» على مالك.
يقال: إنه دفع للشّافعيّ عند قدومه ألف دينار، وأخذ له من تاجر ألفا، ومن رجلين آخرين ألفا. وله مصنفات في الفقه، وهو مدفون إلى جانب الشّافعيّ.
وفيها معاوية بن عمرو الأزديّ أبو عمرو البغداديّ الحافظ المجاهد.
روى عن زائدة وطبقته، وأدركه البخاريّ. وكان بطلا شجاعا معروفا بالإقدام.
كثير الرّباط.
стр. 935
سنة خمس عشرة ومائتين
فيها دخل المأمون من درب المصّيصة إلى الرّوم، وافتتح حصن قرّة عنوة، وتسلّم ثلاثة حصون بالأمان، ثم قدم دمشق.
وفيها توفي الحافظ إسحاق بن عيسى بن الطّباع البغداديّ نزيل أدنه. سمع الحمّادين وطائفة.
وفيها مفتي أهل بلخ أبو سعيد خلف بن أيوب العامريّ صاحب أبي يوسف. سمع من عوف الأعرابي وجماعة من الكبار، وكان زاهدا قدوة. روى عنه يحيى بن معين والكبار.
وفيها العلّامة أبو زيد الأنصاري سعيد بن أوس البصريّ اللغويّ وله ثلاث وتسعون سنة. روى عن سليمان التيمي، وحميد الطّويل، والكبار.
وصنف التصانيف.
قال بعض العلماء: كان الأصمعيّ يحفظ ثلث اللغة، وكان أبو زيد يحفظ ثلثي اللغة، وكان صدوقا صالحا. وغلبت عليه النوادر كالأصمعيّ، مع أن الأصمعيّ كان يقبّل رأسه ويقول: أنت سيدنا منذ خمسين سنة.
وكان سفيان الثّوري يقول: الأصمعيّ أحفظ [١] الناس، وأبو عبيدة أجمعهم، وأبو زيد أوثقهم.
стр. 936
وكان النّضر بن شميل، وأبو زيد، واليزيديّ في معاملة واحدة.
وصنف أبو زيد في اللغة نحو عشرين مصنفا. وضجر شعبة يوما من إملاء الحديث، فرأى أبا زيد في أخريات الحلقة، فقال:
استعجمت دار ميّ ما تكلّمنا ... والدّار لو كلّمتنا ذات أخبار
ألا تعال يا أبا زيد، فجاءه، فتحادثا وتناشدا الأشعار، فقال له بعض الحاضرين: يا أبا بسطام، نقطّع [١] إليك ظهور الإبل فتدعنا وتقبل على الأشعار؟ فقال: أنا أعلم بالأصلح لي. أنا والله الذي لا إله إلا هو في هذا أسلم مني في ذلك، كأنه يروّح قلبه عند السآمة.
ومثل هذا ما روي أن ابن عبّاس كان يقول لأصحابه: أحمضوا.
وكما قال أبو الدّرداء: إني لأجمّ [٢] نفسي بشيء من الباطل لأستعين به على الحق.
وفيها محمد بن عبد الله الأنصاريّ بن المثنى أبو عبد الله قاضي البصرة وعالمها ومسندها. سمع سليمان التّيمي، وحميد، والكبار، وعاش سبعا وتسعين سنة. وهو من كبار شيوخ البخاري، وهو ثقة مشهور.
وفيها محمد بن المبارك الصّوريّ أبو عبد الله الحافظ صاحب سعيد ابن عبد العزيز.
قال يحيى بن معين: كان شيخ دمشق بعد أبي مسهر.
стр. 937
وقال أبو داود [١] : هذا رجل الشّام بعد أبي مسهر.
وهو شيخ الإسلام. ومن كلامه السديد المتين: كذب من ادعى محبة الله ويده في قصاع المترفين.
وفيها [أبو] السّكن [٢] مكي بن إبراهيم البلخيّ الحافظ. روى عن هشام بن حسّان والكبار، وهو آخر من روى من الثقات عن يزيد بن أبي عبيد [٣] ، عاش نيفا وتسعين سنة.
وفيها أبو عامر قبيصة بن عقبة السّوائيّ الكوفيّ العابد الثقة. أحد الحفاظ. روى عن فطر بن خليفة [٤] وطبقته، وأكثر عن الثّوري، وهو أحد شيوخ الإمام أحمد.
قال إسحاق بن سيّار: ما رأيت شيخا أحفظ منه.
وقال آخر: كان يقال [له] : راهب الكوفة [٥] .
وكان هنّاد بن السري إذا ذكره دمعت عيناه، وقال: الرجل الصالح [٦] .
وفيها محدّث مرو علي بن الحسن [٧] بن شقيق [٨] . روى عن أبي
стр. 938
حمزة السّكّري وطائفة. وعنه البخاريّ وغيره. وكان محدّث مرو. وكان حافظا كثير العلم، كثير الكتب. كتب الكثير حتّى كتب التوراة، والإنجيل، وجادل اليهود والنصارى.
ويحيى بن حمّاد البصريّ الحافظ، ختن [١] أبي عوانة. سمع شعبة وطبقته.
وفيها الأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة، إمام العربية، المجاشعيّ البصريّ. كان يقول: ما وضع سيبويه في «كتابه» شيئا إلا وعرضه عليّ. وكان يرى أنه أعلم به مني، وأنا اليوم أعلم به منه. وزاد في العروض بحرا على الخليل [٢] ، وكان أجلع [٣]- وهو الذي لا تنضم شفتاه على أسنانه [٤] ، والخفش: صغر العينين مع سوء بصرهما- ومصنفاته بضعة عشر مصنفا.
وأما الأخفش الأكبر، فهو عبد الحميد بن عبد الحميد. أخذ عنه أبو عبيدة، وسيبويه، وهو مجهول الوفاة.
وأما الأخفش الصغير، فهو عليّ بن سليمان البغداديّ النحويّ. قاله ابن الأهدل [٥] .
стр. 939
وفيها كما قاله ابن ناصر الدّين، بدل بن المحبّر [١] اليربوعيّ، حدّث عنه البخاريّ وغيره [٢] .
стр. 940
سنة ست عشرة ومائتين
فيها عزا المأمون، فدخل الرّوم وأقام بها ثلاثة أشهر، وافتتح أخوه عدة حصون، وأغار جيشه، فغنموا وسبوا، ثم رجع إلى دمشق، ودخل الدّيار المصرية.
وفيها توفي أبو حبيب حبّان [١] بن هلال البصريّ الحافظ الثقة. روى عن شعبة وطبقته.
قال الإمام أحمد: إليه المنتهى في التثبّت بالبصرة.
توفي في رمضان، وكان قد امتنع من التحديث قبل موته بأعوام.
وفيها أبو العلاء الحسن بن سوّار البغويّ نزيل بغداد. روى عن عكرمة بن عمّار وأقرانه. وكان ثقة صاحب حديث.
وعبد الله بن نافع الأسديّ الزّبيريّ المدنيّ الفقيه. روى عن مالك وجماعة، ووصفه الزّبير بن بكّار بالفقه والعبادة والصوم.
وخرّج له مسلم، والأربعة.
قال في «المغني» [٢] : عبد الله بن نافع الصائغ عن مالك، وثّق.
стр. 941
وقال البخاري: في حفظه شيء.
وقال أحمد بن حنبل: لم يكن بذاك في الحديث. انتهى.
وعبد الصّمد بن النّعمان البزّاز ببغداد. روى عن عيسى بن طهمان وطبقته، وكان أحد الثقات. ولم تقع له رواية في الكتب الستة.
وفيها العلّامة أبو سعيد عبد الملك بن قريب الباهليّ البصريّ الأصمعيّ اللغويّ الأخباريّ. سمع ابن عون والكبار، وأكثر عن أبي عمرو بن العلاء، وكانت الخلفاء تجالسه وتحب منادمته، وعاش ثمانيا وثمانين سنة، وله عدة مصنفات. قاله في «العبر» [١] .
وقال ابن الأهدل: تصانيفه تزيد على ثلاثين.
روي عنه أنه قال: أحفظ أربعة عشر ألف أرجوزة [٢] منها المائة والمئتان.
وكان الشافعيّ يقول: ما عبّر أحد بأحسن من عبارة الأصمعي.
وعنه [٣] قال: سألت أبا عمرو بن العلاء عن ثمانية آلاف مسألة، وما مات حتّى أخذ عني ما لا يعرفه فيقبله مني ويعتقده.
وعنه [٣] قال: كنت بالبادية طوّافا وأكتب ما سمعت، فقال لي أعرابي:
أنت كالحفظة تكتب لفظ اللفظة، فكتبته أيضا.
وعنه قال: رأيت شيخا بالبادية قد سقط حاجباه [على عينيه] [٤] وله مائة وعشرون سنة وفيه بقية، فسألته، فقال: تركت الحسد فبقي الجسد، وأنشد:
ألا أيّها الموت الذي ليس تاركي ... أرحني فقد أفنيت كلّ خليل
стр. 942
أراك بصيرا بالّذين أحبّهم ... كأنّك تنحو نحوهم بدليل
ونوادره تحتمل مجلدات، وإعطاء الرّشيد والمأمون له واسع.
ولما صنف كتابا في الخيل مجلدا واحدا، وصنف أبو عبيدة في ذلك خمسين مجلدا، امتحنهما الرّشيد، فقرب لهما فرسا فلم يعرف أبو عبيدة أعيان الأعضاء، وأما الأصمعيّ فجعل يسمي كل عضو ويضع يده عليه، وينشد ما قالت العرب فيه. فقال له الرّشيد: خذه. قال: فكنت إذا أردت أن أغضب أبا عبيدة ركبته إليه.
ورثى أبو العالية الشّاميّ [١] الأصمعيّ فقال:
لا درّ درّ نبات [٢] الأرض إذ فجعت ... بالأصمعيّ لقد أبقت لنا أسفا
عش ما بدا لك في الدّنيا فلست ترى ... في النّاس منه ولا من علمه خلفا [٣]
ومن مسنده عن عائشة- ﵂ عن النّبيّ- ﷺ قال: «إيّاكم ومحقّرات الذّنوب، فإنّ لها من الله طالبا» [٤] . وبإسناده عن عليّ- كرم الله وجهه- أنه قال: هذا المال لا يصلحه إلّا ثلاث: أخذه من حلّه، ووضعه في حقّه، ومنعه من السّرف. وبإسناده قال: قال النّبي- ﷺ «من أنعم الله عليه، فليحمد الله، ومن
стр. 943
استبطأ الرّزق فليستغفر الله، ومن حزبه أمر فليقل: لا حول ولا قوّة إلّا بالله» [١] . وقد أورده الحافظ ابن حجر في «أسماء الرجال» [٢] وقال فيه: صدوق سنّيّ. وجعله في الطبقة التاسعة من صغار أتباع التابعين، كالشّافعيّ، ويزيد ابن هارون، وعبد الرّزّاق، وغيرهم. انتهى.
وفيها قاضي دمشق محمّد بن بكّار بن بلال العامليّ. أخذ عن سعيد ابن عبد العزيز وطبقته، وكان من العلماء الثقات.
ومحمد بن سعيد بن سابق الرّازيّ محدّث قزوين. روى عن أبي جعفر الرّازي وطبقته.
وهود بن خليفة الثقفيّ البكراويّ البصريّ الأصمّ، وله إحدى وتسعون سنة. روى عن يونس بن عبيد، وسليمان التيمي، والكبار.
قال الإمام أحمد: ما كان أضبطه عن عوف الأعرابي.
وقال ابن معين: ضعيف.
وأبو يوسف محمد بن كثير الصنعانيّ ثم المصّيصيّ. روى عن الأوزاعي، ومعمر، وكان محدّثا حسن الحديث.
стр. 944
سنة سبع عشرة ومائتين
في وسطها دخل المأمون بلاد الرّوم، فنازل لؤلؤة [١] مائة يوم، ولم يظفر بها، فترك [٢] على حصارها عجيفا [٣] فخدعه أهلها وأسروه ثم أطلقوه بعد جمعة، ثمّ أقبل عظيم الرّوم توفيل فأحاط بالمسلمين، فجهّز المأمون نجدة وغضب، وهمّ بغزو قسطنطينيّة، ثم فتر لشدة الشتاء.
وفيها كان الحريق العظيم [٤] بالبصرة، حتّى أتى على أكثرها كما قيل [٥] .
وفيها، وقيل في التي مضت، توفي الحجّاج بن منهال البصريّ أبو
стр. 945
محمد الأنماطيّ السّمسار [١] كان سمسارا بأنماط [٢] وكان يأخذ من كل دينار حبة إذا باع بالسّمسرة. حدّث عنه البخاريّ وغيره. وسمع شعبة وطائفة.
وكان ثقة صاحب سنّة.
وفيها شريح بن النّعمان البغداديّ الجوهريّ الحافظ يوم الأضحى.
روى عن حمّاد بن سلمة وطبقته، وكان ثقة مبرّزا.
وفيها موسى بن داود الضبّيّ أبو عبد الله الكوفيّ الحافظ. سمع شعبة وخلقا.
[قال الدارقطنيّ] [٣] : كان مصنّفا مكثرا مأمونا.
وقال ابن عمّار: كان ثقة زاهدا صاحب حديث، وولي قضاء طرسوس حتّى مات.
وهشام بن إسماعيل الدّمشقيّ العطّار، أبو عبد الملك، الخزاعيّ القدوة. روى عن إسماعيل بن عيّاش، وكان ثقة.
стр. 946
سنة ثماني عشرة ومائتين
فيها احتفل المأمون لبناء مدينة طوانة من أرض الرّوم [١] وحشد لها الصنّاع من البلاد، وأمر ببنائها ميلا في ميل [٢] وولّى ولده العبّاس أمر بنائها.
وفيها امتحن المأمون العلماء بخلق القرآن، وكتب في ذلك إلى نائبه على بغداد، وبالغ في ذلك، وقام في هذه البدعة قيام متعبّد بها، فأجاب أكثر العلماء على سبيل الإكراه، وتوقف طائفة ثم أجابوا وناظروا فلم يلتفت إلى قولهم، وعظمت المصيبة بذلك وتهدّد على ذلك بالقتل، ولم يصب [أحد] [٣] من علماء العراق إلّا أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح، فقيّدا وأرسلا إلى المأمون وهو بطرسوس. فلما بلغا الرّقّة جاءهم الفرج بموت المأمون.
قال ابن الأهدل: ومرض محمد بن نوح ومات بالطريق، وهو الذي كان يشدّ أزر أحمد ويشجّعه.
ولما مات المأمون عهد إلى أخيه المعتصم، فامتحن الإمام أيضا وضرب
стр. 947
بين يديه بالسّياط، حتّى غشي، ثم أطلقه وندم على ضربه، ولحق من تولى ضربه عقوبات ظاهرة.
وكان المأمون يكنى بأبي العبّاس ويسمّى بعبد الله، وكان أبيض ربعة، حسن الوجه، أعين، أديبا، شجاعا، له همّة عالية في الجهاد، ومشاركته في علوم كثيرة. وكان في اعتقاده معتزليا شيعيا. استقل بالخلافة عشرين سنة، ومات وله ثمان وأربعون سنة. انتهى كلام ابن الأهدل.
وقال ابن الفرات: روى يحيى بن حمّاد الموكبيّ عن أبيه قال:
وصفت للمأمون- ﵀ جارية بكل ما توصف به امرأة من الجمال والكمال، فبعث في شرائها، فأتي بها في وقت خروجه إلى بلاد الرّوم، فلما همّ بلبس درعه خطرت بباله، فأمر بإخراجها فأخرجت إليه، فلما نظر إليها أعجب بها وأعجبت به، فقالت: ما هذا؟ قال: أريد الخروج إلى بلاد الرّوم، فقالت: يا سيدي قتلتني والله، وتحدّرت دموعها وأنشأت:
سأدعو دعوة المضطرّ ربّا ... يثيب على الدّعاء ويستجيب
لعلّ الله أن يكفيك حربا [١] ... ويجمعنا كما تهوى القلوب [٢]
فضمّها المأمون إلى صدره وأنشد:
فيا حسنها إذ يغسل الدّمع كحلها ... وإذ هي تذري دمعها بالأنامل [٣]
صبيحة قالت في الوداع [٤] قتلتني ... وقتلي بما قالت بتلك المحافل
ثم قال للخادم: احتفظ بها وأصلح لها ما تحتاج إليه من المقاصير
стр. 948
والجواري إلى وقت رجوعي، فلولا ما قال الأخطل:
قوم إذا حاربوا شدّوا مآزرهم ... دون النّساء ولو باتت بأطهار [١]
لأقمت.
قال [٢] : فلما دخلت الجارية إلى منزلها وخرج المأمون اعتلّت علّة شديدة، وورد نعي المأمون- رحمه الله تعالى- فلما بلغها ذلك تنفّست الصعداء وقالت- وهي تجود بنفسها-:
إنّ الزّمان سقانا من مرارته ... بعد الحلاوة كاسات فأروانا
أبدى لنا تارة منه فأضحكنا ... ثمّ انثنى تارة أخرى فأبكانا [٣]
ثم شهقت شهقة واحدة فماتت. انتهى.
وحكي أن المأمون أتي بجارية فائقة الجمال بارعة الكمال، وكان في رجلها عرج، فلما نظر إليها المأمون أعجبه جمالها وساءه عرجها، فقال للنخّاس [٤] : خذ بيد جاريتك، فلولا عرجها لاشتريتها. فقالت: يا أمير المؤمنين إني وقت حاجتك إليّ تكون رجلي بحيث لا تراها، فأعجبه جوابها وأمر بشرائها، وأن يعطى مولاها ما احتكم، وحظيت عنده.
وكان له حلم شديد، كان يقول: والله إني لأخشى أن لا أثاب على الحلم والعفو لما أرى فيهما من اللّذة، ولو علم النّاس ذلك لتقرّبوا إليّ بالجناية.
وكان حسن المحاضرة، لطيف المسامرة. فمن ذلك ما ذكر أبو الفرج الأصفهاني في كتاب «الأغاني» [٥] قال: لمّا تواتر النقل عند المأمون عن
стр. 949
يحيى بن أكثم بن محمد بن قطن [١] بن سمعان التميميّ الأسديّ [٢] المروزيّ القاضي بأنه يلوط أراد امتحانه، استدعاه وأوصى مملوكا له بأن يقف عندهما وحده، وإذا خرج المأمون يقف المملوك عند يحيى ولا ينصرف، وكان المملوك في غاية الحسن، فلما اجتمعا في المجلس وتحادثا ساعة قام المأمون كأنه يقضي حاجة، فوقف المملوك وتجسس المأمون عليهما، وكان أمره أن يعبث بيحيى، فلما عبث به المملوك، سمعه المأمون وهو يقول: لولا أنتم لكنا مؤمنين، فدخل المأمون وهو ينشد:
وكنّا نرجّي أن نرى العدل ظاهرا ... فأعقبنا بعد الرّجاء قنوط
متى تصلح الدّنيا ويصلح أهلها ... وقاضي قضاة المسلمين يلوط! [٣]
وهذان البيتان لأبي حكيمة راشد بن إسحاق الكاتب [٤] وله فيه مقاطيع كثيرة. انتهى كلام صاحب «الأغاني» .
وروى الحافظ أبو بكر أحمد صاحب «تاريخ بغداد» في «تاريخه» [٥] أن المأمون قال ليحيى بن أكثم من الذي يقول؟:
قاض يرى الحدّ في الزّناء ولا ... يرى على من يلوط من باس
قال: أما تعرف يا أمير المؤمنين من قاله؟ قال: لا. قال: يقوله الفاجر أحمد بن أبي نعيم الذي يقول:
لا أحسب الجور ينقضي وعلى ال ... أمّة وال من آل عبّاس
قال: فأفحم المأمون خجلا وقال: ينبغي أن ينفى أحمد بن أبي نعيم
стр. 950
إلى السّند، وهذان البيتان من أبيات أولها [١] :
أنطقني الدّهر بعد إخراس ... لنائبات أطلن وسواسي
يا بؤس للدّهر لا يزال كما ... يرفع ناسا يحطّ من ناس
لا أفلحت أمّة وحقّ لها ... بطول نكس وطول إعكاس
ترضى بيحيى يكون سائسها ... وليس يحيى لها بسوّاس
قاض يرى الحدّ في الزّناء ولا ... يرى على من يلوط من باس
يحكم للأمرد الغرير على ... مثل جرير ومثل عبّاس
فالحمد لله كيف قد ذهب ال ... عدل وقلّ الوفاء في النّاس
أميرنا يرتشي وحاكمنا ... يلوط والرّاس شرّ ما راس
لو صلح الدّين واستقام لقد ... قام على النّاس كلّ مقياس
لا أحسب الجور [٢] ينقضي وعلى ال ... أمّة وال من آل عبّاس
انتهى.
وحكى أبو الفرج معافى بن زكريا النهرواني [٣] في كتاب «الجليس والأنيس» [٤] عن محمد [بن مسلم] [٥] السّعدي قال: وجّه إليّ القاضي يحيى ابن أكثم قاضي المأمون- رحمهما الله- فصرت إليه، فإذا عن يمينه قمطرة [٦] مجلّدة، فجلست، فقال [لي] : افتح هذه القمطرة [٧] ففتحتها فإذا بشيء [٨]