← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1239

المدخل في تاريخ السنة

هانى فقيه

Полный текст (197 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ضعفاء الرجال"، لابن عديّ، وغيرها. ٣ - لكن بعد ذلك تطور هذا الفنّ بعد القرن الخامس، وأصبح العلماء يفردون كتباً مستقلةّ في بيان الأحاديث الموضوعة ونقدها، والكشفِ عن أحوال المتهمين بها، ومن أهمّ هذه المؤلَّفات: "تذكرة الموضوعات" (١)، لأبي الفضل، محمد بن طاهر المقدسي، المعروف بابن القيسراني (ت: ٥٠٧ هـ)، قال في مقدّمته: "هذه أحاديث رواها الكَذَبَةُ والمجروحون والضعفاء والمتروكون، يتداولها الناس في احتجاجهم ومناظراتهم، أَوْرَدْتُها على ترتيب ألفاظ حروفها، لتكون أقرب على من أراد معرفة الحديث الذي يريده منها" (٢)، والكتاب مطبوع. كذلك ألَّف الحافظ الحسين بن إبراهيم الجورقاني (ت: ٥٤٣ هـ): "الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير"، وهو مرتّب على الكتب والأبواب، يورد الأحاديث الموضوعة بأسانيدها، ثم يُفَصِّل القول في الحُكْم عليها، وكثيراً ما يذكر ما يعارضها من الأحاديث الصحيحة، للتدليل على وضعها، والكتاب مطبوع. ومن أشهر كتب الموضوعات، كتاب: "الموضوعات"، للحافظ أبي الفرج، عبد الرحمن بن علي، المعروف بابن الجوزي الحنبلي (ت: ٥٩٧ هـ) رحمه الله تعالى، وهو مطبوع. وقد انتقد جمع من العلماء كابن الصلاح (٣) والنووي (٤) والسيوطي (٥) هذا

стр. 142

الكتاب، واتهموا مؤلِّفه بالتساهل في الحُكْم على الأحاديث بالوضع، حيث أورد فيه أحاديث ليست بموضوعة، وإنما هي من قبيل الضعيف، بل وبعضها أحاديث صحيحة وحسنة، منها حديث في صحيح مسلم، وهو حديث أبي هريرة ﵁، مرفوعاً: «يوشك، إنْ طالتْ بك مدة، أن ترى قوماً في أيديهم مثل أذناب البقر، يغدون في غضب الله، ويروحون في سخط الله» (١). قال الحافظ ابن حجر ﵀: "لم أقف في الموضوعات (يعني لابن الجوزي) على شيء حَكَمَ عليه وهو في أحد الصحيحين غير هذا الحديث، وإنها لغفلة شديدة" (٢). لكن نبَّه ابن حجر إلى أنَّ "غالب ما في كتاب ابن الجوزي موضوع، والذي يُنتقد عليه بالنسبة إلى ما لا يُنتقد قليل جداً" (٣). وللحافظ جلال الدين السيوطي (ت: ٩١١ هـ) كتاب: "اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة"، اختصر فيه "الموضوعات" لابن الجوزي، واستدرك عليه، وتعقّبه في بعض الأحاديث، وهو مطبوع. ومن كتب الموضوعات كذلك: "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة"، للقاضي محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ)، أفاد فيه من مؤلَّفات من سَبَقَه، وعليه بعض المآخذ في ذكر ما ليس بموضوع في الموضوعات (٤)، وهو مطبوع ومتداول.

стр. 143

* ثامناً: كتب في الجمعِ بين بعض الكتب الحديثية: ١ - لم يكد القرن الرابع الهجري ينصرم حتى أصبح عَمَلُ كثير من العلماء قاصراً على الجمع والترتيب، أو الاختصار والتهذيب، أو الشرْح لكتب من تقدَّمهم. وبعض الناس يعيب مثل هذا، ويعدّه من علامات الجمود الفكري، وقلّة الابتكار في الأمة! وليس الأمر كذلك، فإن الجمع والترتيب، والشرح والتهذيب، إذا كان بصورة جيدة، فإنه من مقاصد التأليف الصحيحة، التي تقرّب العلوم وتيسّرها على الباحثين والمستفيدين. ٢ - ومن جملة المؤلَّفات في هذا الدور: كتب في الجمع بين بعض الكتب الحديثية، فتجمعُ بين أحاديث كتابين، أو أكثر في مصنّف واحد. ٣ - ومن أشهر ما أُلِّف في ذلك: "الجمع بين الصحيحين"، للحافظ أبي عبد الله، محمد بن نصر الحُميدي الأندلسي الظاهري (ت: ٤٨٨ هـ)، جَمَعَ فيه بين أحاديث صحيح البخاري وصحيح مسلم، وزاد عليهما زيادات ليستْ فيهما من كتب المستخرجات. وقد انتقده أهلُ العلم بسبب هذه الزيادات، فإنه كما يقول السخاوي: "ربما يسوق الحديث الطويل، ناقلاً له من مستخرج البُرقاني أو غيره، ثم يقول: اختصره البخاري، فأخرج طَرَفاً منه، ولا يبيّن القدْر المقتصر عليه، فيلتبس على الواقف عليه، ولا يميّزه إلا بالنظر في أصله" (١). والكتاب مطبوع متداول. وألَّف الحافظ أحمد بن بن رزين بن معاوية العبدري السرقسطي (ت: ٥٣٥ هـ): "تجريد الصحاح والسُّنَن"، جَمَعَ فيه بين أحاديث الكتب

стр. 144

السّتة، لكنه لم يُحْسِن في ترتيب الكتاب وتهذيبه، وفاتته جملة من الأحاديث التي هي على شرطه، والكتاب له نسخ مخطوطة. ولعلّ من أجلّ ما ألِّف في هذا الفنّ كتاب: "جامع الأصول لأحاديث الرسول"، لأبي السعادات، المبارك بن محمد الجزري، المعروف بابن الأثير (ت: ٦٠٦ هـ)، رحمه الله تعالى. وقد هذَّب فيه "تجريد الصحاح"، لابن رزين، إلا أنه أدخل موطأ مالك بدلاً من سنن ابن ماجه، وحذف الأسانيد إلا راوي الحديث، من صحابي أو تابعي، ورتَّبه على الأبواب، وشرَح الغريب، وبيّن من أخرج الحديث من أصحاب الكتب السّتة، واستدرك ما فات ابن رزين من الأحاديث، فجاء كتاباً بديعاً سهلاً ميسراً (١). وقد طبع بتحقيق الشيخ عبد القادر الأرناؤوط رحمه الله تعالى. * تاسعاً: كتب أحاديث الأحكام: ١ - ومن الكتب المؤلَّفة في هذا الدور: كتبٌ اقتصرتْ على جمْع وانتقاء الأحاديث المتعلّقة بأحكام الفروع الفقهية العملية. وهي تختلف فيما بينها طولاً وقصراً. ٢ - والكتب المصنّفة في هذا النوع كثيرة، سوف أقتصرُ على ثلاثة منها، ربما لأنه كَثُرَ الاعتناء بها أكثر من غيرها. (أ) "المنتقى من أخبار المصطفى"، لأبي البركات، مجد الدين ابن تيمية (ت: ٦٥٢ هـ) رحمه الله تعالى. وهو أكبر الكتب الثلاثة، حيث اشتمل على

стр. 145

نحو (٥٠٢٩) حديثاً. وقد جَمَعَ مؤلِّفه أحاديثه من: الصحيحين، والسُّنَن الأربعة ومسند أحمد وسنن الدارقطني والبيهقي، وغيرها من مصنّفات الحديث الأصلية، محذوفة الأسانيد مع الإبقاء على اسم الصحابي. ويؤخذ على الكتاب عدم عنايته ببيان الصحيح من الضعيف غالباً، فيكتفي بعزو الحديث إلى مصدره فحسب. ومن أشهر شروحه وأحسنها: "نَيْل الأوطار شرْح منتقى الأخبار"، للقاضي محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ) ﵀، والذي يُعَدُّ من أهم المراجع في فقه أحاديث الأحكام. (ب) "عُمدة الأحكام من كلام خير الأنام"، للحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي (ت: ٦٠٠ هـ) رحمه الله تعالى. وهو أصغر الكتب الثلاثة حجماً، حيث بلغت أحاديثه: (٤٣٦) حديثاً. وقد تميّز الكتاب: بكون أحاديثه غاية في الصحة، حيث اُنتقي مما اتفق عليه الشيخان: البخاري ومسلم. ولعمدة الأحكام شروح كثيرة، قديمة ومعاصرة، من أجلّها: "إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام"، للإمام المجتهد محمد بن علي بن دقيق العيد (ت: ٧٠٢ هـ). وهذا الكتاب على جلالته، فإن طبيعة بحوثه التي تصدّى لها غامضة متينة، ترتفع على أفهام كثير من طلاب العلم، ومريدي المعرفة (١). ومن شروح العُمدة: "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام"، للحافظ عمر بن علي الشافعي، المعروف بابن الملقن (ت: ٨٠٤ هـ) رحمه الله تعالى، أفاد كثيراً من شرح ابن دقيق العيد، بَيْدَ أنه أكثر وضوحاً وأسهل تناولاً.

стр. 146

كذلك شرحه من المعاصرين: الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام (ت: ١٤٢٣ هـ)، في: "تيسير العلام شرح عمدة الأحكام"، ويمتاز هذا الشرح بأنه كُتِبَ بأسلوب يناسب أفهام طلبة العلم في العصر الحديث. (ج) "بلوغ المرام من أدلة الأحكام"، تأليف الحافظ أحمد بن علي ابن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢ هـ). وهو أوسط الكتب الثلاثة حجماً، حيث اشتمل على ((١٥٩٦)) حديثاً. تميّز الكتاب بمزايا، منها: عناية مؤلِّفه بتخريج الأحاديث من مصادرها الأصلية، مع بيان درجتها صحة وضعفاً في الغالب، لكنه لم يلتزم ذلك باطراد، وإنما يحكم أحياناً بنفسه، وينقل حكم غيره أحياناً، ولو أنه التزم الحكم على جميع الأحاديث لكان أفضل، لاسيما وقد تكلّم على الكثير منها في بقيّة مصنفاته كفتح الباري والتلخيص الحبير. كذلك تميّز: بكونه أضاف قسماً مهماً في آخره، وهي: أحاديث الآداب والأخلاق، والذكر والدعاء، فجاء كالمتمم للكتاب. ولبلوغ المرام شروح قديمة ومعاصرة، من أشهرها وأكثرها تداولاً: "سبل السلام بشرح بلوغ المرام"، للعلامة محمد بن إسماعيل الصنعاني (ت: ١١٨٢ هـ) رحمه الله تعالى. وهو شرْح متوسط الحجم، اعتنى في مؤلِّفه ببيان الراجح من الأقوال المختلفة من غير تقيّد بمذهب معيّن. لكن يؤخذ عليه اعتماده أحياناً على أحاديث ضعيفة في الترجيح، دون أن يلاحظ ضعفها، كما يؤخذ عليه سلوك مسلك الظاهرية أحياناً في تفسير النصوص، دون النظر في المعاني والمقاصد!!

стр. 147

كذلك شَرَحَ (بلوغ المرام) من المعاصرين: الشيخ عبد الله البسام، في كتاب سمَّاه: "توضيح الأحكام بشرح بلوغ المرام"، يقع في (٧) مجلدات كبار، فيه فوائد كثيرة. * عاشراً: كتب الأحاديث المشتهرة: ١ - كتب الأحاديث المشتهرة هي: التي تُعنى بجمع الأحاديث المشتهرة على ألسنة الناس، ويتناقلونها فيما بينهم منسوبة إلى النبي ﷺ ، مع بيان حالها صحة وضعفاً (١). ٢ - وبعض هذه الأحاديث صحيحة أو حسنة، لكن الكثير منها إما ضعيف أو موضوع أو لا أصل له. ٣ - فمن أمثلة الأحاديث المشتهرة الصحيحة، حديث: "إنما الأعمال بالنيّات"، و "من كذب عليّ متعمّداً فليتبوأ مقعده من النار"، و: "المسلم من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده"، وكلّها مخرَّجه في الصحيحين .. ومن أمثلة الأحاديث الضعيفة المشتهرة، حديث: "لا غيبة لفاسق" (٢)، وحديث: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" (٣). ومن أمثلة الأحاديث التي لا أصل لها، حديث: "يوم صومكم يوم نحركم" (٤). ٤ - وفائدة كتبِ الأحاديث المشتهرة: أنها تكشف عن حال هذه

стр. 148

الأحاديث، وتذكر من رواها من أصحاب المصنّفات، إن كان لها أصلٌ، وتبيّن درجتها من حيث الصحة والضعف. ٥ - وأكثر المصنّفات المؤلَّفة في الأحاديث المشتهرة رتَّبت الأحاديث على نَسَقِ حروف المعجم، ومن أشهرها: (أ) "المقاصد الحَسَنَة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الأَلسنة"، للحافظ محمد بن عبدالرحمن السخاوي (ت: ٩٠٢ هـ) ﵀. وهو من أجود الكتب في بابه، وقد بلغت أحاديثه بحسب النسخة المطبوعة (١٣٥٦) حديثاً، قام المؤلِّف بتخريجها، وبيان درجتها من حيث الصحة أو الضعف، وإن كان الحديث ليس له أصل قال: (لا أصل له)، وإن توقف فيه قال: (لا أعرفه). (ب) "تمييزُ الطيِّب من الخبيث فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث"، لعبدالرحمن بن علي بن الدَّيْبَع الشيباني (ت: ٩٤٤ هـ). وهو اختصار «للمقاصد الحسنة»، اكتفى فيه ببيان من أخرج الحديث ودرجته، دون ذِكْرِ تفاصيل الكلام على إسناده أو أسباب ضعفه، وزاد عليه بعض الأحاديث اليسيرة. (ج) "كشفُ الخفَاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على السنة الناس"، لإسماعيل بن محمد العجلوني (ت: ١١٦٢ هـ)، وهو أوسع كتاب في بابه، حيث بلغ عدد أحاديثه (٣٢٥٤) حديثاً. وكلّ هذه الكتب مطبوعة ومتداولة، والحمد لله. * الحادي عشر: كتب تراجم الرواة: ١ - كتب تراجم الرواة هي: التي تُعْنَى بجمع أسماء من له رواية للسُّنَّة المشرّفة، مع التعريف بأحوال هؤلاء الرواة، لا سيما فيما يتعلَّق

стр. 149

بجرحهم وتعديلهم. ٢ - وقد تفنن علماء السُّنَّة في الكتابة عن الرواة، فمنهم من أفرد الثقات منهم، ومنهم من أفرد الضعفاء، ومنهم من ترجم للرواة عامة، ومنهم من ترجم لرواة كتب مخصوصة، أو رواة بلد معيّن، وغير ذلك. ٣ - والمصنَّفات في الرواة كثيرة جداً، على اختلاف أصنافها وأنواعها، ومن أشهرها: (أ) "التاريخ الكبير"، للإمام محمد بن إسماعيل البخاري، صاحب الصحيح (ت: ٢٥٦ هـ)، وهو من أوسع الكتب التي ترجمتْ للرواة عامة. وقد رتَّبه مؤلِّفه على حروف المعجم (أ، ب، ت، ث)، لكنه بدأ بأسماء المحمّدين لشرف اسم النبي محمد ﷺ . والبخاري عادة ما يستعمل عبارات لطيفة في جرح الرواة، فيقول مثلاً: «فلان فيه نظر»، أو «سكتوا عنه»، يعنى بذلك أنهم تركوا حديثه، وذلك أنه لورعه قلّ أن يقول: كذَّاب أو وضَّاع. نعم، ربما يقول: كذَّبه فلان، ورماه فلان بالكذب (١). (ب) "الجَرْحُ والتعديل"، للإمام عبدالرحمن بن محمد ابن أبي حاتم الرازي (ت: ٣٢٧ هـ)، وهو من كتب تراجم رواة الحديث العامة، مشى فيه على طريقة البخاري في: «التاريخ الكبير»، واعتنى بذكر ما قاله العلماء في كلّ راوٍ من جَرْحٍ وتعديل، مع بيان رأيه الشخصي واجتهاده في الراوي، وقد قَدَّم للكتاب بمقدّمة نفيسة، عالج فيها مباحث مهمّة في جَرْح الرواة وتعديلهم. (ج) "تهذيبُ الكمال في أسماء الرجال"، للحافظ أبي الحجَّاج، يوسف بن الزكي المِزّي (ت: ٧٤٢ هـ)، اختص بتراجم من أَخرج لهم أصحابُ

стр. 150

الكتب السّتة، وكان الحافظ عبد الغني بن عبدالواحد المقدسي (ت: ٦٠٠ هـ)، قد ألَّف: «الكمال في أسماء الرجال»، فجاء المِزيّ فهذَّبه وأكمله وحرَّره في «تهذيب الكمال». وهذا الكتاب يُعَدّ من أجلّ وأجود ما ألِّف في بابه، وقد اعتنى به العلماء، وكثرتْ مختصراته وملخصاته، ك «الكاشف»، للذهبي، و «تهذيب التهذيب» و «تقريب التهذيب»، كلاهما لابن حجر، وغير ذلك. * الثاني عشر: كتب معرفة الصحابة: ١ - كتب معرفة الصحابة هي: الكتب التي تُعْنَى بجمْع أسماء كلّ من عُرِفَتْ له صحبةٌ للنبي ﷺ ، مع ذكر شيء من تراجمهم وسِيَرهم وأحوالهم وسِنيّ وفاتهم، خاصةً فيما يتعلق بالرواية إن وجدت (١). ٢ - ولِكتب معرفة الصحابة فوائد، من أهمّها فيما يتعلق بعلم الحديث: معرفة مرسل الحديث من موصوله، لأنه من خلال هذه الكتب نعرف إن كان هذا الراوي الذي أضاف الحديث للنبي ﷺ صحابياً، فيكون الحديث موصولاً، أو غير صحابي فيكون مرسلاً. ٣ - ومن الكتب المؤلَّفة في معرفة الصحابة ﵃: (أ) "الاستيعاب في معرفة الأصحاب"، للحافظ أبي عمر، يوسف ابن عبد البر النمري القرطبي (ت: ٤٦٣ هـ)، وهو من الكتب الجيدة في بابه، وقد رتَّب أسماء الصحابة على نَسَقِ حروف المعجم، وسمَّاه: بالاستيعاب، ظنّاً منه أنه استوعب جميع أسماء الصحابة، مع أنه فاته شيء كثير. كما أنه أُخِذَ عليه أنه يَذْكُرُ ما شَجَرَ بين الصحابة، مما تلقاه من كتب الأخباريين

стр. 151

وغيرهم دون تمحيص (١). (ب) "أسد الغابة في معرفة الصحابة"، لعز الدين علي بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: ٦٣٠ هـ)، وقد رتّبه ترتيباً دقيقاً، على نَسَقِ حروف المعجم، إلا أنه أُخِذَ عليه أنه خَلَطَ من ليس صحابياً بهم، دون أن يميّز ذلك. (ج) "تجريد أسماء الصحابة"، لأبي عبد الله، محمد بن أحمد الذهبي (ت: ٧٤٨ هـ)، لخَّص فيه: "أسد الغابة" وزاد عليه، وقد طبع في جزأين. (د) "الإصابة في تمييز الصحابة"، للحافظ أحمد بن علي ابن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢ هـ)، وهو أجمع كتب الصحابة على الإطلاق، هذَّب فيه كتب من تقدّمه، ورتّبها وزاد عليها زيادات كثيرة. وقد انفرد فيه بشيء لم يُسبق إليه، وهو أنه أفرد في كلّ حرف قسماً ذَكَرَ فيه من ذُكِرَ في الكتب المتقدّمة، في أسماء الصحابة، على سبيل الوهم والغلط، قال الحافظ ابن حجر: "وهذا القسم لا أعلم من سبقني إليه، ولا من حام طائر فكره عليه، وهو الضالّة المطلوبة في هذا الباب الزاهر، وزبدة ما يمخضه من هذا الفنّ اللبيب الماهر" (٢). * الثالث عشر: كتب التخريج: ١ - كتب التخريج هي: التي تولّى فيها مؤلِّفوها تخريج الأحاديث الواقعة في بعض المصنّفات الأخرى (٣).

стр. 152

٢ - ومعنى هذا التعريف: أن المصنّفين في العلوم الشرعية المختلفة؛ كالعقائد والفقه وأصوله والتفسير، كثيراً ما يستدلون أو يستشهدون بأحاديث نبويّة، دون أن يعزوا هذه الأحاديث إلى المصادر التي نقلوها منها، أو يبينوا درجتها، فتجرّد بعض الحفاظ إلى تخريج تلك الأحاديث، والكشف عن أماكنها من مصادرها الأصلية، مع بيان مرتبتها من حيث الصحة أو الضعف، في كتب مستقلّة (١). ٣ - ومن أشهر المؤلَّفات في التخريج: (أ) "نَصْبُ الراية لأحاديث الهداية"، للحافظ جمال الدين، عبدالله بن يوسف الزيلعي الحنفي (ت: ٧٦٢ هـ)، خرّج فيه الأحاديث التي استشهد بها العلامة علي بن أبي بكر المرغيناني الحنفي (ت: ٥٩٣ هـ)، في: «الهداية»، في الفقه الحنفي. وكتاب الزيلعي هذا من أجود كتب التخريج، من جهة إيراد طرق الحديث، وبيان مواضعه في كتب السُّنَّة، مع ذكر أقوال أئمة الجرح والتعديل، في رجال الإسناد. (ب) "التلخيص الحبير في تخريج أحاديث شرح الوجيز الكبير"، للحافظ ابن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢ هـ)، لخَّص فيه كتاب «البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير»، للحافظ ابن المُلقن الشافعي (ت: ٨٠٤ هـ). وكتاب «الشرح الكبير»؛ هو من كتب الفقه الشافعي، من تأليف عبدالكريم بن محمد الرافعي (ت: ٦٢٣ هـ)، شَرَحَ فيه «الوجيز» لأبي حامد الغزالي (ت: ٥٠٥ هـ) ﵏ جميعاً.

стр. 153

و"التلخيص الحبير" يُعَدُّ من الكتب المهّمة في تخريج أحاديث الأحكام، التي يستدل بها الفقهاء من شتى المذاهب، وقد حذف فيه كثيراً من التكرار الواقع في أصله: «البدر المنير»، مع إضافات كثيرة مهمّة. (ج) "المغني عن حمْل الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار"، للحافظ زين الدين، عبدالرحيم بن الحسين العراقي (ت: ٨٠٦ هـ)، خرَّج فيه الأحاديثَ الواقعة في: «إحياء علوم الدين»، لأبي حامد الغزالي (ت: ٥٠٥ هـ) ﵀. وهو من كتب التخريج المهمّة، خاصةً وقد كشف عن كثير من الأحاديث الضعيفة والواهية، بل والموضوعة الواقعة في "الإحياء". قال العراقي في مقدّمة المغني: «اختصرتُه في غاية الاختصار، ليسْهل تحصيله وحمْله في الأسفار، فاقتصرتُ فيه على ذكر طَرَف الحديث، وصحابيّه، ومخرجه، وبيان صحته أو حسنه أو ضعف مخرجه، فإن ذلك هو المقصود الأعظم عند أبناء الآخرة، بل وعند كثير من المحدثين، عند المذاكرة والمناظرة». * الرابع عشر: كتب عِلل الحديث: ١ - كتب علل الحديث هي: التي تُعْنَى بجمع الأحاديث النبويّة المعلَّة، وبيان الأسباب الخفيّة التي أدت إلى ضعفها (١). ٢ - وعِلَّة الحديث هي: أسباب خفية غامضة، تطرأ على الحديث، فتقدح في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها (٢).

стр. 154

٣ - ولهذه الكتب فوائد عظيمة: فهي تكشف عن العلل الخفيّة التي تقدح في صحة الأحاديث، فلا يُنسب إلى النبي ﷺ حديثٌ لم يقله. وعادة لا يتكلّم في هذا العلم الشريف إلا الأئمة الراسخون، المطلعون على طرق الأحاديث واختلافها وخباياها. ٤ - وقد ظهرتْ المصنّفات في هذا العلم، منذ القرن الثالث الهجري، واستمرتْ وازدهرتْ في القرون التي تليه. ومن أشهرها: (أ) "العلل"، للإمام علي بن عبد الله بن جعفر السعدي، المشهور بابن المديني (ت: ٢٣٤ هـ) ﵀، لم يرتّب على طريقة محددة، وإنما هو مسائل متفرقة، وأجوبة غير مرتّبة، تنتقل فجأة من موضوع إلى موضوع. وقد طبع الكتاب، بتحقيق الدكتور محمد مصطفى الأعظمي، في مجلد واحد. (ب) "علل الحديث"، لأبي محمد، عبد الرحمن بن أبي حاتم الحنظلي الرازي (ت: ٣٢٧ هـ) ﵀، رتّبه على أبواب الفقه، وقد طبع بتحقيق فريق من الباحثين، في (٧) مجلدات. (ج) "العلل الواردة في الأحاديث النبوية"، لأبي الحسن، علي بن عمر الدارقطني (ت: ٣٨٥ هـ)، طبع بتحقيق الشيخ محفوظ الرحمن بن زين الدين، في خمسة عشر مجلداً، وهذا الكتاب هو أجلّ كتب العلل وأجودها وأوسعها، كما قاله غيرُ واحد من أهل العلم (١)، وهو مرتّب على المسانيد.

стр. 155

* الخامس عشر: كتب الناسخ والمنسوخ (١): ١ - كتب الناسخ والمنسوخ: تُعْنَى بجمع الأحاديث المتعارضة التي لا يمكن التوفيق بينها، فيُحكم على بعضها بأنه ناسخ، وعلى بعضها بأنه منسوخ، فما ثبت تقدّمه كان منسوخاً، وما ثبت تأخره كان ناسخاً (٢). ٢ - ومن أمثلة ذلك: الأحاديث الواردة في أنه لا غسل على من جامع إلا أن ينزل، فهذه منسوخة بالأحاديث التي أوجبتْ الغسل على كلّ من جامع، أنزل أو لم ينزل (٣). ٣ - وفائدة هذه الكتب أنها: تكشف عن ناسخ الأحاديث من منسوخها، وهو مما لا يستغني عنه باحثٌ في أحكام الشريعة، إذ لا يمكن استنباط الأحكام، من غير معرفة الأدلة الناسخة من الأدلة المنسوخة. ٤ - ولأهل العلم مؤلَّفات عدّة في ناسخ الحديث ومنسوخه، من أشهرها: (أ) "ناسخ الحديث ومنسوخه"، لأبي حفص، عمر بن أحمد بن شاهين البغدادي، المتوفى سنة: ٣٥٨ هـ، بيَّن فيه نسخ عدد من الأحاديث، وأحياناً يجعل النسخ محتملاً، وأحياناً يجزم بعدم النسخ، ويجمع بين الأحاديث، وقد طُبع الكتاب طبعات عدة. (ب) "الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار"، لمحمد بن موسى الحازمي الهمداني، المتوفى سنة: ٥٨٤ هـ، وهو من أجمع ما صنّف في بابه،

стр. 156

حتى قال ابن العماد الحنبلي: "لم يُصَنّف في فنّه مثله" (١)، وقال السخاوي: "هو أوسعها" (٢)، وقد رتَّبه مؤلِّفه على الأبواب الفقهية، وتكلَّم على علل الأحاديث ودرجتها صحة وضعفاً، وأحياناً يَرُدُّ القولَ بالنسخ، ويجمع بين الحديثين المتعارضين، وقد قدَّمه بمقدّمة نفيسة تحدَّث فيها عن مسائل مهمة، كحقيقة النسخ وأنواعه، وأهمية معرفة ناسخ الأحاديث من منسوخها، وعناية العلماء بذلك، وكيف يعرف الحديث المنسوخ .. وقد طبع الكتاب طبعات عدة. (ج) "إعلام العالِم بعد رسوخه بحقائق ناسخ الحديث ومنسوخه"، لأبي الفرج، عبد الرحمن بن علي بن الجوزي الحنبلي، المتوفى سنة: ٥٩٧ هـ ﵀، رتّبه على أبواب الفقه، قاصداً بذلك التسهيل والتيسير، واستفاد فيه من كتاب ابن شاهين المتقدم، على أوهام وقعتْ له في مواضع عدة (٣). والكتاب مطبوع. * السادس عشر: كتب غريب الحديث: ١ - كتب غريب الحديث هي: الكتب التي اعتنتْ بجمع وشرح ما ورد في الأحاديث النبوية من ألفاظ خَفِيَتْ معانيها، لقلّة استعمالها ودورانها على الألسن. ٢ - وفائدة كتب الغريب: أنها تُعْنَى بشرح معاني الألفاظ الغامضة من الأحاديث، وهي الخطوة الأولى في سبيل فهم معنى الحديث. ولعلَّه من

стр. 157

العسير على طالب العلم أن يرويَ ما لا يفهمُ، أو ينقل ما لا يُحْسِنُ أداءه. ومن أمثلة ذلك: ما ورد في "الصحيح"، أن النبي ﷺ قال: "مَثَلُ المؤْمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأُتْرُجَّة" (١)، فكلمة "الأُتْرُجَّة" غير شائعة على الألسن، فتجد شرح معناها في كتب الغريب. ومثلُه: كلمة "أُطُم"، في حديث: أن النبي ﷺ "أشرف على أُطم من آطام المدينة" (٢). فالأطم بالضم: بناء مرتفع، وآطام المدينة هي أبنيتها المرتفعة، كالحصون، كما أفاده ابن الأثير (٣). ٣ - والكتب المصنّفة في بيان غريب الحديث كثيرة، من أشهرها: (أ) "غريب الحديث"، لأبي عبيد القاسم، ابن سلّاّم الهروي، المتوفى سنة: ٢٢٤ هـ ﵀، وهو من أنفس وأقدم ما أُلّف في فنّ الغريب، رتّبه على المسانيد، وساق الأحاديث بأسانيده، إلا أنه مع سعته فاته الكثير من الألفاظ الغريبة، شأنُه شأنُ معظم الكتب المتقدّمة، التي تضع اللبنات الأولى في فنون العلم. (ب) "الفائق في غريب الحديث"، لأبي القاسم، جار الله محمود بن عمر الزمخشري، المتوفى سنة: ٥٣٨ هـ، اشتمل على ما سبقه من تصانيف في الغريب، ورتّبه على حروف المعجم، لكنه لم يستوعب، كما يؤخذ عليه أنه قد يشرح بعض الكلمات الغريبة في غير حرفها، فيصعب الوصول إليها!! (ج) "النهاية في غريب الحديث والأثر"، لمجد الدين أبي السعادات،

стр. 158

المبارك بن محمد الجزري، المعروف بابن الأثير، المتوفى سنة: ٦٠٦ هـ، ولعلّ هذا الكتاب يُعَدّ أجمع وأشمل كتاب في بابه، مع حسن التنسيق، وقد رُتِّب على نَسَق حروف المعجم، معتبراً أصل الكلمة الثلاثي، مما سهَّل سرعة الوصول للكلمة المطلوبة. وكلّ هذه الكتب مطبوعة ومتداولة، والحمد لله. * السابع عشر: كتب أسباب ورود الحديث: ١ - كتب أسباب ورود الحديث: تبحث عن الأسباب الداعية إلى ذِكْرِ رسول الله ﷺ الحديث أولاً. وهذا السبب: قد يكون سؤالاً وَرَدَ على النبي ﷺ ، وقد يكون حادثة، فيقول النبي ﷺ الحديثَ بسببه أو بسببها، فالأحاديث الصادرة عن النبي ﷺ إمّا أن تكون صادرة ابتداء بغير سبب، وإمّا أن تصدر بسبب سؤال أو حادثة، فهذا ما يكون له سبب ورود (١). ٢ - ولمعرفة سبب ورود الحديث فوائد، منها: أنه يُعينُ على حُسْن فهم الحديث وحُسْن فقهه، فمعرفة الملابسات التي ورد الحديث لأجلها مهمة، حتى لا يحصل خطأ في فهمه، أو تنزيله على غير محلّه. وعلى سبيل المثال، فقد روى جابر بن عبد الله ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ليس من البِر الصومُ في السفر». فقد أشكل هذا الحديث مع ما ثَبَتَ عنه ﷺ أنه صام في السفر؛ لكن هذا الإشكال ينزاح إذا عرفنا سبب ورود الحديث، وهو أن النبي ﷺ كان في سفر فرأى زحاماً، ورجلاً قد ظُلّل عليه،

стр. 159

فقال: «ما هذا؟»، قالوا: صائم، فقال: «ليس من البِر الصوم في السفر» (١). فبمعرفة سبب ورود الحديث، فُهم معناه، وأن الصيام في السفر لا يكون من البِر إذا بلغ بالمرء من الجهد والمشقة، كحال ذاك الرجل. ٣ - والكتب المؤلَّفة في معرفة أسباب ورود الحديث قليلة، رغم أهميتها، ومنها: (أ) ما ألَّفه الإمام أبو حفص، عمر بن إبراهيم العكبري الحنبلي (ت: ٣٨٧ هـ) ﵀، وهو أول مؤلَّف في بابه (٢)، ولم يصلنا منه شيء. (ب) "اللُّمع في أسباب ورود الحديث"، للحافظ جلال الدين السيوطي (ت: ٩١١ هـ) ﵀، جَمَعَ فيه ثمانية وتسعين حديثاً، مرتّبة على الكتب والأبواب الفقهية. وطريقته أنه يورد متن الحديث أولاً محذوف الإسناد، إلا راويه من الصحابة، ثم يذكر بعد ذلك سبب ورود الحديث، مع عَزْوِ جميع الروايات إلى مصادرها الأصلية، من كتب السُّنَّة. وهو كتاب نفيس، لكن يتمّ، كما ذكر ابن حمزة الدمشقي في مقدّمة: "البيان والتعريف" الآتي ذكره. وهو مطبوع. (ج) "البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث الشريف"، لإبراهيم بن محمد الشهير بابن حمزة الحسيني الحنفي الدمشقي (ت: ١١٢٠ هـ)، رتّبه حسب حروف المعجم، مقتصراً على متن الحديث دون راويه من الصحابة، وهو من المؤلَّفات النافعة المفيدة الواسعة في هذا العلم، كما يقول الدكتور

стр. 160

محمد أبو شهبة ﵀ (١). والكتاب مطبوع متداول. * الثامن عشر: كتب الأحاديث القدسية: ١ - كتب الأحاديث القدسية هي: الكتب التي جَمَعَتْ ما ورد من الحديث القدسي عن النبي ﷺ . والحديث القدسي هو: ما رواه وأضافه النبي ﷺ إلى ربّه ، بقوله: قال الله ، أو يقول الله تعالى. ويقال له أيضاً: الحديث الإلهي والحديث الرَّباني (٢)، ومن أمثلته: حديث: أبي ذر ﵁، عن النبي ﷺ ، فيما يرويه عن ربه ، أنه قال: «يا عبادي إني حرَّمتُ الظلمَ على نفسي، وجعلتُه بينكم محرَّماً، فلا تظالموا» (٣). وعامة الأحاديث القدسية تدور حول الترغيب في أعمال الخير والفضائل، والترهيب من أعمال الشرّ والرذائل. ٢ - ومن العلماء الذين أفردوا الأحاديث القدسية بالتصنيف: (أ) الشيخ المحدِّث نور الدين، علي بن سلطان القاري الهروي المكي (ت: ١٠١٤ هـ)، ﵀، حيث جَمَعَ كتاباً سمَّاه: "الأحاديث القدسية الأربعينية"، اقتصر فيه على أربعين حديثاً من الأحاديث القدسية، كما هو ظاهر من عنوانه، وقد طُبع بأكثر من تحقيق.

стр. 161

(ب) الشيخ المحدِّث عبد الرؤوف المناوي (ت: ١٠٣١ هـ)، ﵀، ويسمّى كتابه: "الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية"، ذكر فيه ما وقف عليه من الأحاديث القدسية، المرويّة عن خير البريّة، مرتّباً له على حروف المعجم. وقد جَمَعَ اثنين وسبعين ومائتي حديث، مع تخريجها من مصادرها الحديثية باختصار. ومنها ما هو صحيح وضعيف ومنكر وموضوع!! والكتاب مطبوع بتحقيق عبد القادر الأرناؤوط وطالب عواد. (ج) "الصحيح المسند من الأحاديث القدسية"، للشيخ مصطفى العدوي المصري (معاصر)، جَمَعَ فيه خمسة وثمانين ومائة حديث، مما ثبت عنده، دون أن يبيّن إن كان قصد بهذا العدد استيعاب ما صحَّ لديه، أو أنه قصد جَمْعَ جملة منها فحسب!! * التاسع عشر: كتب المختصرات: ١ - سبق أن قدَّمنا بأن كثيراً من علماء ما بعد القرن الرابع، غلب على مؤلّفاتهم الجَمْع والترتيب، أو الاختصار والتهذيب، لكُتُبِ من تقدّمهم. ٢ - ومن جملة الكتب التي عُنِيَتْ باختصار كتب المتقدمين: (أ) "التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح"، لأحمد بن أحمد بن عبد اللطيف الشرجي، المعروف بالزبيدي (ت: ٨٩٣ هـ)، اختصر صحيح الإمام البخاري في أقل من ربعه، مع حذف الأسانيد والمتون المكررة. وقد شَرَحَ هذا المختصر غيرُ واحد من أهل العلم منهم: الشيخ عبد الله بن حجازي الشرقاوي الأزهري (ت: ١٢٢٧ هـ)، في: "فتح المُبدي بشرح مختصر الزبيدي". وهو مطبوع. (ب) "تلخيص صحيح مسلم"، للإمام أبي العباس، أحمد بن عمر

стр. 162

القرطبي (ت: ٦٥٦ هـ)، حذف فيه أسانيد الأحاديث، مع الإبقاء على الصحابي، كما حذف المكرر من الأحاديث، وذكرها في موضع واحد، إضافة إلى ترجمة الأبواب بعناوين وافية دقيقة. وقد شَرَحَ هذا التلخيص المؤلّف نفسُه، في كتاب نفيس مطبوع، عنوانه: "المُفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم"، قال الحافظ ابن كثير: "فيه أشياء حسنة مفيدة محرّرة" (١). (ج) "مختصر صحيح مسلم"، للحافظ عبد العظيم بن عبد القوي المنذري (ت: ٦٥٦ هـ)، وقد شرحه: محمد صديق حسن خان القنّوجي الهندي (ت: ١٣٠٧ هـ)، في: "السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج". وهو مطبوع. * العشرون: كتب الشروح: كتب شروح السُّنَّة كثيرة جداً، وهي مختلفة في قيمتها ودرجتها العلمية، ومن أشهرها: (أ) "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد"، للإمام الحافظ أبي عمر، يوسف بن عبد البر القرطبي المالكي (ت: ٤٦٣ هـ)، شرح فيه موطأ الإمام مالك شرْحاً حسناً، أثنى عليه الأئمة، كقول معاصره ابن حزم الأندلسي (ت: ٤٥٦ هـ): «كتاب التمهيد لصاحبنا أبي عمر، يوسف بن عبد البر، لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثلَه أصلاً، فكيف أحسنُ منه» (٢).

стр. 163

(ب) "المنهاج بشرح صحيح مسلم بن الحجاج"، للإمام أبي زكريا، يحيى بن شرف النووي الشافعي (ت: ٦٧٦ هـ) ﵀، وهو من أجلّ شروح صحيح مسلم وأجودها، أثنى عليه الأئمة، ووصفوه بعظم البركة، كقول السخاوي: «هو كتاب عظيم البركة» (٢)، كما وصفه ابن خلدون بقوله: «جاء شرحاً وافياً» (٣). بَيْدَ أنه وقعتْ للنووي أوهام عدة، نبّه عليها جامعُ هذه الأوراق في كتاب مطبوع، اسمُهُ: «النكت على شرح النووي على صحيح مسلم»، جمعتُ فيه نحو مئة استدراك، على النووي في شرحه المذكور. (ج) "فتح الباري بشرح صحيح البخاري"، للإمام الحافظ أبي الفضل، أحمد بن علي ابن حجر العسقلاني الشافعي (ت: ٨٥٢ هـ)، ويمتاز هذا الشرح بأنه: أجلّ شروح البخاري وأعظمها على الإطلاق، حيث اعتنى مؤلِّفه بشرح جميع أحاديث الصحيح، والكلام على أسانيدها، واستخراج الفوائد والأحكام منها، والرد على من انتقدها، والجواب عن مُشْكِلِها إلى غير ذلك من المزايا. وكلّ من ألَّف في شرْح السُّنَّة بعد "فتح الباري" فإنه يرجع إليه، ويستفيد منه إلى يومنا هذا. * * * *

стр. 164

المبحث الثالث المدارس الحديثية في زمن الرواية وأشهر أعلامها ١ - نعني بالمدارس الحديثية: جماعة من الرواة والمحدّثين، بينهم خصائص مشتركة، تتعلق بوسائل تبليغ الحديث، وصيانته رواية ودراية (١). ٢ - وقد استعار الباحثون المعاصرون هذا التعريف، فأصبحوا يطلقون المدرسة الحديثية؛ لدراسة حقبة معينة من الزمن في بلد معين، توافر فيها العلماء، ودرس عليهم جمعٌ من التلاميذ، تأثروا بهم، ونشروا آراءهم ومناهجهم، ودَوَّنها العلماء بعد ذلك في كتبهم، فأصبح إطلاق كلمة المدرسة، يحمل معنى عرفياً، دَرَجَ عليه الباحثون المعاصرون، وكتبوا فيه كتباً كثيرة بعنوان: "مدرسة الحديث في بلد كذا"، أو "مدرسة الإمام الفلاني" وهكذا (٢). ٣ - وكان الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، في بادئ الأمر، يقيمون في المدينة المنورة، حيث يقيم النبي الأكرم ﷺ ، يستمعون لحديثه، ويتحلقون حوله، يعلّمهم الدين، ويتلو عليهم القرآن، ويتلقَّوْن منه كلّ ما يحتاجون إليه، من أحكام وتشريعات، وأخلاق وآداب.

стр. 165

٤ - لكن بعد لحاق النبي ﷺ بالرفيق الأعلى، واتساع الفتوحات في زمن الخلفاء، خرج كثير من الصحابة من المدينة، وتفرقوا في البلدان، وأقاموا فيها يُعَلّمون الناس الخير، ويدعون إلى الإسلام. ٥ - ثم انضمّ إليهم أبناء تلك البلدان من التابعين تلامذة لهم، يتعلّمون على أيديهم الكتاب والسُّنَّة .. وهكذا نشأتْ المدارس العلميّة في البلدان، وأصبحتْ مصدر إشعاع، وقِبْلةَ عِلْم، ومنارة هدى للمسلمين، عبر القرون (١). ٦ - ولعل من أهم فوائد معرفة المدارس الحديثية: أولاً: معرفة الحركة العلمية الحديثية، في كلّ مصر من الأمصار الإسلامية القديمة. ثانياً: معرفة خصائص كلّ مدرسة، وآثارها العلمية. ثالثاً: بيان مدى انتشار علوم الحديث، رواية ودراية، في الأقطار الإسلامية. رابعاً: معرفة جهود علماء كلّ مصر، في خدمة السُّنَّة المشرَّفة وصيانتها. ٧ - ونحن في هذا المبحث، نذكر بعض أشهر تلك المدارس، التي عُنِيَتْ بنشر السُّنَّة النبوية على وجه الخصوص، دون قصد التقصّي لها، مع ذِكْرِ بعض أشهر أعلامها، من أئمة الهدى والدين، مقتصرين على عصر الصحابة والتابعين وأتباعهم فحسب. * مدرسة الحديث بالمدينة المنورة: ١ - هذه أُولى مدارس الحديث النبوي، حيث كان صحابة رسول الله ﷺ

стр. 166

يتلقَّوْن الحديث الشريف، ويستمعون إليه، من فم صاحبه صلوات الله وسلامه عليه، أيام حياته. وبعد وفاته ﷺ : آثر الكثيرُ منهم البقاء في المدينة، وعدم الخروج منها، محبّة في سكنى المدينة، ورغبة في الموت فيها، حيث وردتْ النصوص في فضل ذلك، كقوله ﷺ : «من استطاع أن يموت بالمدينة فليفعل، فإني أشفع لمن مات بها» (١). ٢ - وتمتاز هذه المدرسة: بأنها دارُ هجرة النبي ﷺ ، التي عاش بها إلى أن لقي ربّه، وآثر أكثر الصحابة البقاء فيها بعد وفاته ﷺ ، لا سيما الكبار منهم كأبي بكر وعمر وعثمان، وأبي هريرة وعائشة وزيد بن ثابت، وجابر بن عبد الله وغيرهم ﵃، ومنها انتشر الحديث النبوي، حيث كان أكثر الرواة مدنيين. ٣ - وقد تخرج في مدرسة المدينة كبارُ التابعين؛ كسعيد بن المسيّب وعروة بن الزبير وابن شهاب الزهري، وسالم بن عبد الله بن عمر، وغيرِهم من أئمة الهدى، وأعلام الأمة في الحديث والفتوى، رحمهم الله تعالى. ٤ - كما امتازت المدينة المنورة إلى جانب مكة المكرمة: بأن روايات أهلها من أصحّ الروايات، فقد ذكر الخطيب البغدادي: "أن أصحّ طرق السُّنَن ما يرويه أهل الحرمين مكة والمدينة، فإن التدليس فيهم قليل، والاشتهار بالكذب والوضع في الحديث عندهم عزيز"، ثم ساق قولاً للإمام الشافعي: "إذا جاوز الحديث الحرمين فقد ضعف نخاعه" (٢).

стр. 167

ويقول الإمام ابن تيمية ﵀: "وأهل المدينة أصحُّ أهل المدن رواية ورأياً، وأما حديثهم فأصحُّ الأحاديث، وقد اتفق أهل العلم بالحديث؛ على أن أصحَّ الأحاديث أحاديثُ أهل المدينة" (١). ٥ - ومن مشاهير التابعين وأتباع التابعين من أهل المدينة: سعيدُ بن المسيّب (ت: ٩٤ هـ)، وهو أحد كبار الفقهاء، وقد توفي بالمدينة، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب (ت: ١٠٦ هـ)، أحد كبار فقهاء التابعين، ومحمد بن شهاب الزهري (ت: ١٢٤ هـ)، أحد كبار الحفاظ الفقهاء من أهل المدينة، وقد نزل الشام في آخر حياته. ٦ - ومن المصنّفين من أهل المدينة: أبوبكر محمد بن شهاب الزهري (ت: ١٢٤ هـ)، الذي سبق القول: بأنه من أوائل من جَمَعَ السُّنَّة النبوية وكَتَبَها، بأمر الخليفة عمر بن عبد العزيز، ثم الإمام مالك بن أنس الأصبحي (ت: ١٧٩ هـ)، صاحب "الموطأ"، ومحمد بن عبد الرحمن ابن أبي ذئب (ت: ١٥٨ هـ)، وقد ألَّف كتاباً كبيراً في السُّنَن (٢)، والظاهر أنه كتابه الموطأ، فقد ذكروا أنه ألَّف موطأً أكبر من موطأ مالك (٣)، وقد بقي لعدة قرون، ثم فُقِدَ!! (٤). * مدرسة الحديث بمكة المكرمة: ١ - تمتاز مدرسة الحديث بمكة، بأنها: في أشرف بقاع الأرض على الإطلاق، حيث حرم الله والكعبة المشرَّفة.

стр. 168

٢ - كما تمتاز: بوفرة علماء الصحابة الكرام، الذين استوطنوها، ومن جاء بعدهم من علماء التابعين فتابعيهم رحمهم الله تعالى. ٣ - كذلك تمتاز هذه المدرسة: بصحة مروياتها غالباً، كما تقدّم بيانه عند الحديث عن مدرسة الحديث في المدينة. ٤ - ومن مشاهير الصحابة في المدرسة الحديثية المكية: عبد الله بن عباس (ت: ٦٨ هـ)، وقد سكن آخرَ حياته بالطائف وتوفي بها، ومعاذ بن جبل الأنصاري (ت: ١٨ هـ)، وكان من أعلم الصحابة بالحلال والحرام، ﵃ جميعاً. ٥ - ومن مشاهير التابعين وأتباعهم في المدرسة الحديثية المكية: عطاء بن أبي رباح المكي (ت: ١١٤ هـ)، ومجاهد بن جبر المكي (ت: ١٠٤ هـ)، وسعيد بن جبير (ت: ٩٥ هـ)، ﵏ جميعاً. ٦ - ومن جملة المصنّفين في المدرسة المكية: عبدالملك بن عبد العزيز ابن جُريج (ت: ١٥٠ هـ)، وهو أول من صنّف التصانيف في العلم بمكة، وسفيان بن عُيينة (ت: ١٩٨ هـ)، له: "الجامع في السُّنَن والآثار" (١). * مدرسة الحديث ببلاد الشام: ١ - تُعَدّ بلاد الشام واحدةً من تلك البلاد، التي سَعِدَتْ بقدوم عدد غفير من الصحابة الكرام إليها، بعد الفتوحات الإسلامية. ٢ - وقد ذكر منهم ابن سعد (ت: ٢٣٠ هـ) في طبقاته: مائة وخمسة من الصحابة، ممن نزلوا بلاد الشام واستوطنوها (٢).

стр. 169

٣ - ومن أهمّ سمات مدرسة أهل الشام: كثرة المراسيل والمقاطيع، وقلّة عنايتهم بذكر الأسانيد في مروياتهم. ٤ - ولعلّ السبب يعود في ذلك إلى الثقة المتبادلة، التي كانت موجودة بين علماء التابعين هناك، وقلّة الوضع في الحديث، فلم ير أهلُ الشام حاجة إلى ذِكْرِ الأسانيد. لكنهم تنبهوا إلى ضرورة الإسناد، حين ظهر الوضع في الحديث بعد ذلك. ٥ - ومن أوائل من نبّه أهلَ الشام إلى ضرورة الإسناد: الإمام محمد بن شهاب الزهري (ت: ١٢٤ هـ) ﵀. فقد روى ابن عساكر في تاريخه، عن عتبة بن أبي حكيم، قال: "جلس إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، بالمدينة في مجلس الزهري، فجعل يقول: قال رسول الله ﷺ ، فقال الزهري: مَاَلَكَ قاتلك الله ما أجراك على الله، يا ابن أبي فروة! ألا تسند أحاديثك، تحدّثونا بأحاديث ليس لها خُطُم ولا أزمّة" (١). ٦ - ومما امتاز به أهلُ الشام: قلّة من عُرِفَ منهم بالكذب، أو الوضع في القرون الثلاثة الأولى. قال الإمام ابن تيمية ﵀: "وقد اتفق أهل العلم بالحديث على أن أصحّ الأحاديث أحاديث أهل المدينة، ثم أحاديث أهل البصرة، وأما أحاديث أهل الشام فهي دون ذلك؛ فإنه لم يكن لهم من الإسناد المتصل وضبط الألفاظ، ما لهؤلاء، ولم يكن فيهم يعني أهل المدينة ومكة والبصرة والشام من يُعْرَفُ بالكذب، لكن منهم من يضبِط ومنهم من لا يضبِط" (٢).

стр. 170

٧ - ومن أشهر علماء الصحابة الذين استوطنوا الشام: أبو الدَّرداء عويمر بن مالك الخزرجي (ت: ٣٢ هـ)، وعبادة بن الصامت (ت: ٣٤ هـ)، ومعاوية بن أبي سفيان (ت: ٦٠ هـ)، ﵃. ٨ - ومن مشاهير التابعين وأتباعهم من أهل الشام: أبو إدريس عائذ الله ابن عبد الله الخولاني (ت: ٨٠ هـ)، ومكحول بن أبي مسلم الدمشقي (ت: ١١٢ هـ)، وأبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي (ت: ١٥٧ هـ)، رحمهم الله تعالى. ٩ - ومن جملة المصنّفين في المدرسة الشامية: مكحول بن أبي مسلم الدمشقي (ت: ١١٢ هـ)، فقد صنّف كتاباً في الحج، رواه عنه تلميذه العلاء بن الحارث (١). ومنهم: عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي (ت: ١٥٧ هـ)، وهو من أوائل من صَنَّف كتب الحديث بالشام، وقد ذَكَرَ حاجي خليفة، أن "للأوزاعي مسنداً يجمع الأحاديث، التي رواها بأسانيده" (٢). * مدرسة الحديث في مصر: ١ - كانت مصر من جملة البلاد التي احتضنت الإسلام، وسَعِدَت بهجرة غير واحد من صحابة رسول الله ﷺ إليها. ٢ - وقد جَمَعَ الحافظ السيوطي جزءاً سمَّاه: "دُرّ السحابة فيمن دخل مصر من الصحابة"، جَمَعَ فيه أسماءَ من دخل مصر من الصحابة الكرام، وما تفرّدوا بروايته، فزادوا على الثلاثمائة (٣).

стр. 171

٣ - ولعلّ من أبرز سمات المدرسة المصرية: قلّة مروياتهم الحديثية، فقد قال الخطيب البغدادي: "وللمصريين رواياتٍ مستقيمة، إلا أنها ليست بالكثيرة" (١). ٤ - ومن أشهر من عُرِفَ من علماء الصحابة ﵃ بمصر: عُقْبَة بن عامر الجهني (ت: ٥٨ هـ)، تفقّه عليه كثيرٌ من أهل مصر، وعبد الله بن عمرو بن العاص (ت: ٦٥ هـ)، نقل السيوطي، عن ابن الربيع قوله: "لأهل مصر عنه أكثر من مائة حديث" (٢). ومنهم: عبد الله بن الحارث المذحجي (ت: ٨٦ هـ)، عُمَّر بمصر طويلاً، وكان آخرَ من مات بمصر من الصحابة، ونقل السيوطي، عن ابن الربيع قوله: "لأهل مصر عنه عشرون حديثاً" (٣). ٥ - ومن علماء التابعين وأتباعهم، من أهل مصر ممن رووا الحديث: مرثد بن عبد الله اليزني (ت: ٩٠ هـ)، تفقّه على غير واحد من الصحابة، وكان لا يفارق عقبة بن عامر (٤)، والليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهْمي (ت: ١٧٥ هـ)، محدِّث الديار المصرية، رحمهم الله تعالى. ٦ - ومن جملة المصنّفين في المدرسة المصرية: عبد الله بن وهْب المصري (ت: ١٩٧ هـ)، له "الجامع في الحديث"، والإمام محمد بن إدريس الشافعي (ت: ٢٠٤ هـ)، صاحب المذهب، وصاحبُ: "الأم" و"الرسالة" و"اختلاف الحديث"، وغير ها من التصانيف النافعة.

стр. 172

* مدرسة الحديث بالكوفة: ١ - كانت مدينة الكوفة عاصمة الخلافة، إبان خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ت: ٤٠ هـ) ﵁، حيث اتخذها مقراً له ولأصحابه. ٢ - وتمتاز هذه المدينة: بكثرة من وَفَدَ إليها، وأقام بها من أصحاب النبي ﷺ بعد فتحها، حتى قال إبراهيم النخعي (ت: ٩٦ هـ): "هبط الكوفة ثلاثمائة من أصحاب الشجرة، وسبعون من أهل بدر" (١). ٣ - وقد كان لعبد الله بن مسعود ﵁، أثرٌ كبير في رفع اسم الكوفة، لِمَا بذله في سبيل تعليم أبنائها، وقد تخرَّج على يديه نحوُ ستين شيخاً من تلامذته، ممن حافظوا على الشريعة، ونشروا السُّنَّة (٢). ٤ - وقد اشتهرت الكوفة بكثرة تدليس الرواة، وفي ذلك يقول الحاكم النيسابوري (ت: ٤٠٥ هـ) ﵀: "أكثر المحدثين تدليساً أهل الكوفة" (٣). ٥ - كما أُخذ على أهل الكوفة قلّة تمحيصهم للمرويات، وقلّة تدقيقهم في الشيوخ، وروايتهم عن كلّ أحد، دون تمييز بين الصادق والكاذب، وقد روى الإمام مسلم، عن محمد بن المثنى، قال: قال لي عبد الرحمن بن مهدي: "يا أبا موسى أهل الكوفة يحدِّثون عن كلّ أحد" (٤). ٦ - ولأجل ذلك، كثرت الأحاديث الضعيفة والمنكرة في مروياتهم، وفي ذلك يقول الإمام عبد الرحمن بن مهدي: "حديث أهل الكوفة مدخول" (٥).

стр. 173

٧ - ومن مشاهير الصحابة الذين استوطنوا الكوفة: علي بن أبي طالب (ت: ٤٠ هـ)، أبو موسى الأشعري (ت: ٤٤ هـ)، والمغيرة بن شعبة (ت: ٥٠ هـ) وغيرهم، ﵃. ٨ - ومن مشاهير علماء التابعين وأتباعهم من أهل الكوفة: علقمة بن قيس النخعي (ت: ٦٢ هـ)، ومسروق بن الأجدع (ت: ٦٣ هـ)، وعامر بن شراحيل الشعبي (ت: ١٠٣ هـ)، رحمهم الله تعالى. ٩ - ومن المصنّفين من أهل الكوفة: عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي (ت: ٢١٣ هـ)، له: "المسند" (١)، ووكيع بن الجراح (ت: ١٩٧ هـ) له مصنّف في الحديث (٢)، وسفيان بن سعيد الثوري (ت: ١٦١ هـ)، له: "الجامع الكبير"، و: "الجامع الصغير"، كلاهما في الحديث (٣). * * * *

стр. 174

المبحث الرابع الجهود المعاصرة في خدمة السُّنَّة النبوية (١) لم تزل السُّنَّة النبوية محلّ اهتمام كبير، وعناية فائقة من قِبَل أهل العلم على مرّ العصور. وقد ألقينا بعض الضوء على شيء من ذلك، في الفصول السابقة. ولمن أراد التوسع في الوقوف على جهود العلماء السابقين في خدمة السُّنَّة يمكنه مطالعة: "الرسالة المستطرفة في بيان مشهور كتب السُّنَّة المشرَّفة"، للعلامة محمد جعفر الكتاني (ت: ١٣٤٥ هـ)، أو: "الحِطَّة في ذِكْر الصحاح السّتة"، للعلامة صديق حسن خان القنّوجي (ت: ١٣٠٧ هـ)، رحمهما الله تعالى. وفي عصرنا الحاضر وخلال المائة والخمسين عاماً الفائتة، استمرتْ هذه العناية، وبُذِلَتْ في سبيل خدمة السُّنَّة النبوية تحقيقاً وتصنيفاً جهودٌ مخلصة وجبارة، سواء على مستوى الأعمال الفردية، من قِبَل أهل العلم المختصين، أو على مستوى العمل الجماعي، من قِبَل المؤسسات العلميّة الرسمية وغير الرسمية. وإنه لمن العسير حقاً محاولة تقصّي هذه الجهود، أو محاولة حصرها، فهذا ما لا سبيل إليه، ولا مطمع فيه، لكننا سَنُلِمُّ إلمامةً سريعة ببعض تلك الجهود في السطور التالية:

стр. 175

* أولاً: جهود العلماء في خدمة السُّنَّة في العصر الحديث: علماء السُّنَّة الذين أسهموا في خدمتها في العصر الحديث كثيرون جداً، ونحن إذ نذكر بعضهم في هذه العجالة، فهذا لا يعني الغض من جهود غيرهم أو التقليل منها. كلّ ما في الأمر أننا نورد أمثلة ونماذج، دون إرادة الحصر أو التقصّي، فإن هذا مما لا مطمع فيه، ولا سبيل إليه. ويمكننا عند الحديث عن جهود العلماء المعاصرين في خدمة السُّنَّة أن نقسم الكلام عليهم بحسب بلدانهم وأوطانهم: ١ - من بلاد الحرمين (المملكة العربية السعودية): (١) الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المُعَلّمي (ت: ١٣٨٦ هـ)، رحمه الله تعالى، وقد بذل جهداً كبيراً في خدمة السُّنَّة، وترك تراثاً ضخماً، سواء على مستوى تحقيق كتب السُّنَّة ونشرها، كتحقيقه ونشره: "التاريخ الكبير"، للإمام البخاري، و: "الجرح والتعديل"، لابن أبي حاتم. أو على مستوى التأليف والتصنيف، ككتابه: "الأنوار الكاشفة"، في الرد على: "أضواء على السُّنَّة المحمدية"، الذي حاول به صاحبه النيل من السُّنَّة النبوية، والتشكيك فيها، وغير ذلك (١). (٢) الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة (ت: ١٣٩٢ هـ)، رحمه الله تعالى، له إسهامات في خدمة السُّنَّة النبوية، من خلال بعض الأعمال العلمية،

стр. 176

كتحقيق كتاب: "موارد الظمآن إلى زوائد ابن حِبَّان"، للهيثمي، وتحقيق: "اختصار علوم الحديث" لابن كثير، وكتابه: "ظلمات أبي ريَّة"، وغير ذلك. (٣) الشيخ عبد العزيز بن باز (ت: ١٤٢١ هـ)، رحمه الله تعالى، وله جهودٌ في خدمة السُّنَّة النبوية في العصر الحديث، ك"تعليقاته على بعض: "فتح الباري" لابن حجر، و: "الإفهام في شرح عمدة الأحكام" (١)، للحافظ عبد الغني المقدسي، وغير ذلك. ٢ - من البلاد المصرية: (١) الشيخ أحمد عبد الرحمن الساعاتي (ت: ١٣٧١ هـ)، رحمه الله تعالى، الذي رتَّب مسند الإمام أحمد على الأبواب الفقهية في: "الفتح الرباني بترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني"، ثم شرحه في كتاب من ست مجلدات كبار، سمَّاه: "بلوغ الأماني بأسرار الفتح الرباني"، كما رتَّب "مسند الإمام الشافعي" وشرحه، إلى غير ذلك من الأعمال. (٢) الشيخ أحمد محمد شاكر (ت: ١٣٧٧ هـ) رحمه الله تعالى، وقد ترك آثاراً كثيرة في خدمة السُّنَّة في العصر الحديث، كتحقيقه ل: "مسند الإمام أحمد بن حنبل"، ولم يكمله، وتحقيقه ل "سنن الترمذي"، ولم يكمله، وشرحه لكتاب: "اختصار علوم الحديث" لابن كثير، وغير ذلك من الأعمال.

стр. 177

(٣) الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي (ت: ١٣٨٨ هـ)، رحمه الله تعالى، وله إسهامٌ كبير في تحقيق ونشر الكثير من كتب السُنَّة، مع ترقيمها وصنْع الفهارس اللازمة لها، كتحقيقه ل: "صحيح الإمام البخاري"، و: "صحيح الإمام مسلم"، و: "موطأ الإمام مالك"، و: "سنن ابن ماجه"، وله: "اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان"، في ثلاث مجلدات، وغير ذلك من الأعمال الجليلة. ٣ - من بلاد الشام: (١) الشيخ محمد راغب الطبَّاخ (ت: ١٣٧٠ هـ)، رحمه الله تعالى، وقد حقّق جملة من كتب السُنَّة، ك: "معالم السنن" للخطابي، و: "التقييد والإيضاح" للعراقي، وله: "إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء"، في سبع مجلدات، وغير ذلك. (٢) الشيخ محمد ناصر الدين الألباني (ت: ١٤٢١ هـ)، رحمه الله تعالى، وهو من أعلام العصر الحديث في خدمة السُّنَّة النبوية، وترك آثاراً كثيرة في ذلك، كتحقيقه لكتاب: "مشكاة المصابيح" للتبريزي، و: "السُنَّة" لابن أبي عاصم، كما ألَّف كتباً كثيرة في تخريج الأحاديث، وبيان درجتها صحة وضعفاً، ككتابه: "سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها"، و: "سلسلة الأحاديث الضعيفة وأثرها السيء في الأمة"، و: "إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل"، وغير ذلك.

стр. 178

(٣) الشيخ شعيب الأرناؤوط (ت: ١٤٣٩ هـ)، رحمه الله تعالى، وقد أسهم في نشر وتحقيق كثير من كتب السُنَّة، كتحقيقه ل: "مسند الإمام أحمد"، وتحقيقه ل: "صحيح ابن حِبَّان"، و: "سنن أبي داود"، و: "شرْح السُنَّة"، للبغوي، وغيرها كثير. ٤ - من بلاد العراق: (١) الشيخ حمدي عبد المجيد السلفي (ت: ١٤٣٣ هـ)، رحمه الله تعالى، وقد حقّق ونشر جملة من كتب السُّنَّة المطهرة، كتحقيقه ل: "معجم الطبراني الكبير"، و: "مسند الشهاب"، للقضاعي، و: "نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار"، لابن حجر، وغيرها. (٢) الشيخ صبحي السامرائي (ت: ١٤٣٤ هـ)، رحمه الله تعالى، وقد حقّق ونشر عدداً كبيراً من كتب السُّنَّة المطهرة، كتحقيقه ل: "شرْح العلل"، لابن رجب، و: "المنتخب من مسند عبد بن حُميد"، و: "مجموعة رسائل في علوم الحديث"، للإمام النَّسائي، وغير ذلك. (٣) الدكتور بشار عوّاد معروف، حفظه الله تعالى، وقد أسهم في نشر وتحقيق كثير من كتب السُنَّة، كتحقيقه ل: "سنن الترمذي"، و: تحقيقه ل "تاريخ بغداد"، للخطيب، و: "التمهيد"، لابن عبد البر، وغيرها كثير.

стр. 179

٥ - من بلاد الهند: (١) الشيخ صديق حسن خان القنَّوجي (ت: ١٣٠٧ هـ)، رحمه الله تعالى، وقد أسهم في شرْح عدد من كتب السُّنَّة والتأليف فيها، كشرْحه: "عون الباري بشرح مختصر البخاري"، و: "السراج الوهاج بشرح مختصر صحيح مسلم بن الحجاج"، و: "الحِطَّة في ذكر الصحاح السّتة"، وغيرها. (٢) الشيخ شمس الحق العظيم آبادي (ت: ١٣٢٩ هـ)، رحمه الله تعالى، وقد شرح وعلّق على عدد من كتب السُنَّة، كشرحه: "غاية المقصود في حلّ سنن أبي داود"، و: "عون المعبود بشرح سنن أبي داود"، وهو اختصار للأول، و: "التعليق المغني على سنن الدارقطني" وغيرها. (٣) الشيخ محمد عبد الرحمن المباركفوري (ت: ١٣٥٣ هـ)، رحمه الله تعالى، وله جملةٌ من المؤلَّفات، والشروح والتعليقات على كتب السُنَّة، كشرحه الشهير: "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي"، و: "خير الماعون في منع الفرار من الطاعون"، و: "القول السديد فيما يتعلق بتكبيرات العيد"، وغيرها. ٦ - ومن بلاد المغرب والشنقيط: (١) السيد محمد جعفرالكتاني الفاسي (ت: ١٣٤٥ هـ)، ﵀، له مؤلَّفات عدّة في خدمة السُّنَّة المطهرة، ككتابه الماتع: "الرسالة

стр. 180

المستطرفة لبيان كثير من كتب السُّنَّة المشرّفة"، و"نظم المتناثر من الحديث المتواتر"، و"رسالة المسلسلات"، وغيرها. (٢) الشيخ محمد حبيب الله بن مايابى الجكني الشنقيطي (ت: ١٣٦٢ هـ)، ﵀، ومن مؤلَّفاته في خدمة السُّنَّة: "زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم"، ثم شَرَحه في: "فتح المنعم في بيان ما احتيج لبيانه من زاد المسلم"، و"إضاءة الحالك من ألفاظ دليل السالك"، شَرَحَ فيه منظومته: "دليل السالك إلى موطأ الإمام مالك"، وله منظومة في أمراء المؤمنين في الحديث، سمَّاه: "هدية المغيث في أمراء المؤمنين في الحديث"، وغير ذلك. (٣) الشيخ عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني (ت: ١٣٨٢ هـ)، ﵀، له مؤلَّفات كثيرة في علم الحديث والسِّيَر والتراجم، منها: "فهرس الفهارس والأثبات"، و"التراتيب الإدارية في نظام الحكومة النبوية"، و"ثلاثيات البخاري"، و"الرحمة المرسلة في شأن حديث البسملة"، وغير ذلك. * ثانياً: جهود المؤسسات الرسمية وغير الرسمية في خدمة السُّنَّة النبوية: وكما أن كثيراً من أهل العلم تشرَّفوا بخدمة السُّنَّة المطهرة في العصر الحديث، كذلك تشرَّف بخدمتها كثير من المؤسسات والجهات الحكومية، الرسمية وغير الرسمية، التي أسهمتْ في تحقيق وطباعة ونشر الكثير من كتبها، ومن ذلك: ١ - كلّيات وأقسام الحديث المتخصصة في السُّنَّة النبوية، في الجامعات
следующие страницы →