٨ - وقد خَدَمَ "سنن أبي داود" غيرُ واحد من العلماء، فشرحها: الإمام حَمْد ابن إبراهيم الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ) في كتابه: "معالم السُّنن"، وهو شرْح مختصر، لم يشرحْ فيه كلّ الأحاديث، واعتنى فيه بالناحية الفقهية أكثر من الناحية الحديثية، وربما شَرَحَ بعض الأحاديث دون أن بنبّه على ضعف إسنادها، لكنه شرْح مفيد على كل حال، وعمدةٌ لمن جاء بعده.
وشَرَح سنن أبي داود: العلامة شمس الحق العظيم آبادي (ت: ١٣٢٩ هـ) في: "عون المعبود بشرح سنن أبي داود"، وهو شرح متوسط الحجم، شَرَحَ فيه جميع أحاديث أبي داود، على طريقة أهل الحديث دون التزام بمذهب معيّن.
ومن شروحها أيضاً: "المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود"، للشيخ محمود خطاب السبكي (ت: ١٣٥٢ هـ)، لكنه توفي أثناء كتاب المناسك ولم يُكْمِلْه.
واختصر "سنن أبي داود" الحافظ عبد العظيم بن عبد القوي المنذري (ت: ٦٥٦ هـ)، في كتاب سمَّاه: "مختصر سنن أبي داود". مع الكلام على بعض أحاديث الكتاب صحة وضعفاً.
ولابن قيم الجوزية ﵀ تعليقاتٌ على هذا المختصر سمَّاها: "تهذيب السُّنَن"، تكلَّم فيها على علل بعض الأحاديث التي سَكَتَ عنها المنذري، أو لم يستوف الكلام عليها، كما تكلَّم على بعض المتون المشكلة.
وللحافظ جلال الدين السيوطي ﵀ (ت: ٩١١ هـ) حاشية صغيرة على سنن أبي داود، سمَّاها: "مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود". وكلّ هذه الكتب مطبوعة ومتداولة، والحمد لله.
стр. 107
* سنن الترمذي:
١ - مؤلِّف الكتاب هو الإمام الحافظ البارع أبو عيسى، محمد بن عيسى بن سَوْرة السُّلمي الترمذي الضَّرير، المولود في حدود سنة: ٢١٠ هـ، والمتوفى سنة: ٢٧٩ هـ، رحمه الله تعالى.
٢ - اُختُلِف في اسم الكتاب، والمشهور تسميته ب: "الجامع"، أو: "جامع الترمذي" منسوباً إلى مؤلِّفه، وبعضهم يسمّيه: "الجامع الكبير"، أو: "السُّنَن" أو: "سنن الترمذي" (١)، وسمَّاه ابن خَيْر الإِشبيلي ب: "الجامع المختصر من السُّنَن عن رسول الله ﷺ ، ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل" (٢). وهذه التسمية تناسب طبيعة الكتاب وخصائصه. وقد أخطأ من ظنّ أن جامعَ الترمذي كتابٌ غيرُ سُنن الترمذي (٣).
٣ - اختلفتْ أقاويل العلماء في ترتيب سنن الترمذي بين الكتب السِّتة، من حيث صحة الأحاديث وضعفها، والذي عليه المحققون؛ أنها تأتي بعد أبي داود والنسائي، قال الحافظ الذهبي (ت: ٧٤٨ هـ): "انحطتْ رتبة جامع الترمذي عن سنن أبي داود والنسائي، لإخراجه حديث المصلوب والكلبي وأمثالهما" (٤).
٤ - وسنن الترمذي تُعَدُّ من أجود كتب السُّنَن، وقد ذَكَرَ إلى جانب الأحاديث النبوية: مذاهب الصحابة، وأقوال التابعين، وفقهاء الأمصار، وما
стр. 108
وَرَدَ في الباب من الشواهد والمتابعات، عمل عالمٍ بارعٍ واعٍ لما يقول ويكتب.
٥ - كما امتاز بحكمه على كلّ حديث يخرجه في سننه، وبيان علله، ودرجته من حيث الصحة أو الضعف. قال الشوكاني ﵀: " كتاب الجامع (سنن الترمذي) أحسن الكتب، وأكثرها فائدة، وأحكمها ترتيباً، وأقلّها تكراراً، وفيه ما ليس في غيره من ذكر المذاهب، ووجوه الاستدلال، والإشارة إلى ما في الباب من الأحاديث، وتبيين أنواع الحديث من الصحة والحسن والغرابة والضعف، وفيه جرح وتعديل، وفي آخره كتاب العلل، قد جَمَعَ فيه فوائد حسنة" (١).
٦ - لكن كثيراً من العلماء وصفوا الترمذي بالتساهل في تصحيح الأحاديث. قال الحافظ الذهبي: "إن العلماء لا يعتمدون على تصحيح الترمذي" (٢). وقال أيضاً بعد أن أثنى على الترمذي وعلمه: "لكنه يترخص في قبول الأحاديث ولا يشدّد، ونَفَسُه في التضعيف رخو" (٣).
ومن صور تساهل الترمذي؛ أنه قد يصحّح أو يحسّن أحاديث في أسانيدها مجاهيل، أو ضعفاء، أو منقطعة الإسناد، وقد يكون في الإسناد متهم، ويكتفي بالتضعيف فحسب (٤).
وبناء على ذلك؛ فالواجب على طالب العلم ألَّا يسارع في الاعتماد على أحكام الترمذي، حتى يعرضها على أحكام غيره، من جهابذة علماء الحديث، ويقارن بينها.
стр. 109
٧ - وسنن الترمذي خدمها غير واحد من العلماء: فممن شرحها: الإمام الحافظ أبو بكر، محمد بن عبد الله المُعَافري، المعروف بابن العربي المالكي (ت: ٥٤٣ هـ)، في: "عارضة الأحوذي شرْح الترمذي"، وهو من أقدم شروح الترمذي، لكنه لم يحقق تحقيقاً يليق به، وفيه سقط وأخطاء مطبعية كثيرة.
كذلك شرحها: الحافظ أبو الفتح، محمد بن محمد اليَعْمُري، المعروف بابن سَيِّد الناس (ت: ٧٣٤ هـ)، في كتاب نفيس اسمه: "النَّفح الشذي في شرح جامع الترمذي"، لكن المنيّة اخْتَرَمَتْه قبل أن يكمله، فتوقف عند باب: "ما جاء أن الأرض كلّها مسجد، إلا المقبرة والحمام"، من أبواب الصلاة. ثم شَرَعَ في إكماله الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي (ت: ٨٠٦ هـ)، لكنه لم يكمله أيضاً، فقد وقف أثناء كتاب البرّ والصلة (١)، وهو ما يمثِّل نصف الكتاب تقريباً (٢).
وللحافظ جلال الدين السيوطي ﵀ (ت: ٩١١ هـ)، حاشية صغيرة، بعنوان: "قوت المغتذي على جامع الترمذي"، وهي مطبوعة.
كما شَرَحَ "سنن الترمذي" من المتأخرين: العلامة أبو العلا، محمد بن عبد الرحمن المباركفوري (ت: ١٣٥٣ هـ)، في: "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي"، وهو من أوسع شروح الترمذي، وأكثرها تداولاً، وقد كتب له مقدّمة نفيسة، في جزأين، تناول في جزئه الأول كثيراً من القضايا المتعلقة بعلم الحديث، وخصَّص جزأه الثاني للتعريف بالإمام الترمذي وكتابه السُّنن.
стр. 110
كذلك أفرد الحافظ أبو محمد الدورقي كتاباً في رجال سنن الترمذي. وكتب عليه مستخرجاً الحافظ أبو علي، الحسن بن علي الطوسي (ت: ٣١٢ هـ)، وهو مطبوع، إلى غير ذلك من التصانيف المنيفة.
* سنن النَّسائي:
١ - مؤلِّف الكتاب هو: الإمام الحافظ البارع، أبو عبد الرحمن، أحمد بن شعيب بن علي النَّسائي، المولود سنة: ٢١٥ هـ، والمتوفى سنة: ٣٠٣ هـ، رحمه الله تعالى.
٢ - وقد اشتهر الكتاب باسم: "السُّنَن" أو: "سنن النَّسائي" منسوباً إلى صاحبه، وبعضهم يسمّيه: "السُّنَن الصغرى" أو: "المُجتبى" أو: "المُجتنى"، وكلّها تسميات متداولة (١).
٣ - وسنن النَّسائي هذه مختصرة من كتاب أكبر للنَّسائي اسمه: "السُّنَن الكبرى"، فقد ذكر الحافظ أبو علي الغَسَّاني (ت: ٤٩٨ هـ): أن النَّسائي لمَّا ألّف: "السُّنَن الكبرى"، سأله أحد الأمراء: أَكُلُّ كتابك صحيح؟
فقال النَّسائي: لا.
قال: فاكتبْ لنا الصحيح مجرداً.
فَصَنَع المُجتبى، فهو المُجتبى من السُّنَن، تَرَك كلّ حديث أورده في الكبرى، ممّا تُكُلِّم في إسناده بالتعليل (٢).
стр. 111
وهذه القصة تَرُدُّ على من زعم أن "السُّنَن الصغرى" ليست من تأليف النَّسائي، وإنما هي من اختصار تلميذه ابن السُّنّي (ت: ٣٦٤ هـ)، كما هو قول الذهبي وغيره (١). والصحيح: أن "السُّنَن الصغرى" من تأليف النَّسائي نفْسِه، اختصرها من سننه الكبرى، وهو قول الجمهور (٢).
٤ - وقد نبّه العلامة صديق حسن خان القنّوجي (ت: ١٣٠٧ هـ) إلى أن أهل الحديث إذا أطلقوا فقالوا: "رواه النَّسائي"، فإنما يريدون الصغرى وليس الكبرى (٣).
لكن ليس هذا على إطلاقه، فقد رأيتُ غير واحد، كالحافظَ العراقي في شرحه على الترمذي، وهو مخطوط، يطلق كثيراً: النَّسائي ويريد: الكبرى، وأحياناً يقيّد ذلك.
٥ - وقد رجَّح غير واحد من العلماء أن سنن النَّسائي تُعَدُّ في المرتبة الثالثة بعد الصحيحين، من حيث قلّة الأحاديث الضعيفة، والرواة المُتَكَلَّم فيهم، قال الحافظ ابن حجر: "كتاب النَّسائي أقلُّ الكتب بعد الصحيحين حديثاً ضعيفاً، ورجلاً مجروحاً" (٤).
بل إن بعض الحفاظ أطلق على: "سنن النَّسائي" اسم: الصحيح، وذلك لقوة شرطه وتحريه. لكن ردّه ابن كثير ﵀، فقال: "وقول الحافظ أبي علي بن السَّكَن، وكذا الخطيب البغدادي في كتاب "السُّنَن" للنَّسائي: إنه صحيح. فيه نظر، وإن له شرطاً في الرجال أشدّ من شرط مسلم، غير مسلَّم؛
стр. 112
فإن فيه رجالاً مجهولين: إما عيناً أو حالاً، وفيهم المجروح، وفيه أحاديث ضعيفة ومعلَّلة ومنكرة، كما نبهنا عليه في الأحكام الكبير" (١).
لكن النَّسائي كثيراً ما ينبّه على الروايات الضعيفة، في سننه الصغرى، إمَّا تصريحاً أو تلميحاً. ومن أمثلة ذلك: أنه أخرج حديثاً من طريق سعيد بن سلمة، ثم قال: "سعيد بن سلمة شيخ ضعيف، وإنما أخرجناه للزيادة في الحديث" (٢).
٦ - بلغ عدد أحاديث "السُّنَن الصغرى" حسب طبعة مكتب تحقيق التراث الإسلامي الصادرة عام ١٤١٢ هـ، الطبعة الثانية: (٥٧٧٤) حديثاً.
٧ - وقد شَرَحَ سنن النَّسائي غير واحد من العلماء، منهم: الحافظ جلال الدين السيوطي (ت: ٩١١ هـ) في: "زهر الرُّبى على المُجْتَبى"، وهو شرْح موجز، أقرب إلى الحاشية، ضَبَطَ فيه بعض أسماء الرواة، وشَرَحَ الألفاظ الغريبة، وذَكَرَ بعض الأحكام والآداب التي اشتملت عليها الأحاديث باختصار.
قال الشيخ الدكتور محمد أبو شهبة (ت: ١٤٠٣ هـ) ﵀: "وهو على وجازته مفيد" (٣).
كما شرحها العلامة أبو الحسن محمد بن عبد الهادي الحنفي، المشهور بالسّنْدي، نزيل المدينة المنورة (ت: ١١٣٨ هـ) ﵀، وشرْحه تعليقات كشرْح السيوطي، وقد طبع كلا الشرحين مع متن السُّنَن في كتاب واحد.
وشرحها من المعاصرين: الشيخ محمد آدم الأثيوبي (ت: ١٤٤٢ هـ) ﵀
стр. 113
في: "ذخيرة العُقبى في شرْح المجتبى"، وهو مطبوع في نحو (٤٠) مجلداً.
كما شرحها الشيخ محمد المختار الشنقيطي المدني (ت: ١٤٠٥ هـ)، ﵀، لكنه لم يكمله، وقد طبع منه (٥) مجلدات، وصل فيه إلى أثناء كتاب الصلاة.
وللحافظ السخاوي كتاب مطبوع، اسمه: "بُغية الرَّاغب والمُتَمَنِّي في ختْم النَّسائي رواية ابن السُّنّي"، تناول فيه بالدراسة كثيراً من المسائل والأبحاث المتعلقة بسنن النَّسائي، وبالنَّسائي نفسه.
* سنن ابن ماجه (١):
١ - مؤلِّفه هو الإمام الحافظ الكبير، أبو عبد الله، محمد بن يزيد القزويني الرَّبعي مولاهم، المعروف بابن ماجه، المولود سنة: ٢٠٩ هـ، والمتوفى سنة: ٢٧٣ هـ، رحمه الله تعالى.
٢ - وقد اشتهر الكتاب بين أهل العلم ب: "السُّنَن" أو "سنن ابن ماجه" منسوباً إلى صاحبه، وهو ما اتفقتْ عليه جميع المصادر، التي ذكرتْ الكتاب.
٣ - يُعَدّ "السُّنَن" لابن ماجه سادسَ الكتب السِّتة. وكان أول من ألحقه بها: الحافظ أبو الفضل ابن طاهر المقدسي (ت: ٥٠٧ هـ) ﵀، في كتابيه: "أطراف الكتب الستة"، و: "شروط الأئمة الستة"، وذلك لكثرة زوائده (٢)، وعظيم نفعه في الفقه، ثم تبعه أكثرُ العلماء في ذلك (٣).
стр. 114
٤ - وقد تأخرتْ "سنن ابن ماجه" عن بقيّة الكتب الخمسة، لما فيها من عدد غير قليل من الأحاديث الضعيفة والمنكرة، وقليل من الموضوعات.
قال الحافظ الذهبي ﵀: "وإنَّما غضّ من رتبة سننه ما في الكتاب من المناكير، وقليل من الموضوعات" (١).
ويقول العلامة أبو الطيّب القنّوجي (ت: ١٣٠٧ هـ): "ولابن ماجه حديثٌ في فضْل قزوين منكر بل موضوع، ولهذا طعنوا فيه وفي كتابه" (٢)!!
قلتُ: أما الطعن في ابن ماجه فلا أعرفه عن أحد من أهل العلم!! بل هم متفقون على ثقته وجلالته، إلا إن كان القنّوجي يريدُ أنهم عابوا على ابن ماجه إخراج الموضوع، فهذا مقبول، والله أعلم.
٥ - وقد ذكر بعضُ العلماء كالحافظ أبي الحجّاج المِزّي (ت: ٧٤٢ هـ) ﵀: أن كلّ ما انفرد به ابن ماجه من الأحاديث عن بقيّة الخمسة، فهو ضعيف غالباً، وكذا قال الإمام ابن تيمية ﵀ فيما نقله عنه تلميذه ابن القيم ﵀ (٣).
لكن رَدَّه الحافظُ ابنُ حجر ﵀؛ وقال: إن هذا ليس بصحيح على إطلاقه باستقرائي، ففيه أحاديث صحيحة وحسان انفرد بها عن الخمسة. ثم ذكر ابن حجر أن حَمْلَ كلام المِزّي على الرجال أولى، وأمَّا حَمْلُه على الأحاديث فلا يصحّ (٤).
стр. 115
قلتُ: ويؤيد كلام ابن حجر؛ أننا نجد الحافظ البوصيري قد صحّح وحسَّن كثيراً من الأحاديث التي تفرد بها ابن ماجه عن بقيّة السِّتة، وذلك في كتابه الحافل: "مصباح الزجاجة على سنن ابن ماجه".
٦ - وقد بلغ عدد أحاديث سنن ابن ماجه بحسب النسخة التي حقَّقها الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي (٤٣٤١) حديثاً، منها (٩٤٨) حديثاً ضعيفاً، بحسب الكتاب الذي أفرده الشيخ الألباني، في ضعيف أحاديث سنن ابن ماجه.
٧ - اعتنى بسنن ابن ماجه جماعةٌ من العلماء: فشرحها العلامة مُغلطاي بن قُليج البكجري التركي المصري الحنفي (ت: ٧٦٢ هـ) ﵀، في كتابه: "شرح سنن ابن ماجه" ولم يتمّه.
وعلَّق عليها أبو الحسن، محمد بن عبد الهادي السندي (ت: ١١٣٨ هـ) والجلالُ السيوطي (ت: ٩١١ هـ) بحاشيتين صغيرتين مطبوعتين مع الكتاب.
وأفرد زوائدها مع الحكم عليها صحة وضعفاً: الحافظ أحمد بن أبي بكر البُوصيري (ت: ٨٤٠ هـ)، في: "مصباح الزجاجة على سنن ابن ماجه"، وهو مطبوع.
وللحافظ شمس الدين الذهبي (ت: ٧٤٨ هـ): "المجرَّد في أسماء رجال سنن ابن ماجه"، أورد فيه رجال سنن ابن ماجه سوى من كان مخرجاً له في الصحيحين.
ثالثاً: كتب المسَانيد (١):
١ - كتب المسَانيد هي: الكتب التي جمعت الأحاديث، ورتَّبتها بحسب
стр. 116
أسماء الصحابة، فتجعل أحاديث كلّ صحابي على حِدَةٍ، من غير نظر إلى وحدة الموضوعات (١).
٢ - وبعض هذه المسانيد رتَّبت أسماء الصحابة بحسب حروف المعجم، وهو أسهل تناولاً، وبعضها بحسب القبائل، وبعضها بحسب الأفضلية والسابقة في الإسلام، فيبدؤون بالخلفاء الأربعة، ثم بقيّة العشرة المبشرين بالجنة، ثم أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان، وهكذا.
٣ - والكتب المؤلَّفة في المسانيد كثيرة، كمسند أبي داود سليمان بن داود الطيالسي (ت: ٢٠٤ هـ)، ومسند أبي بكر بن أبي شيبة (٢) (ت: ٢٣٥ هـ)، ومسند إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه (ت: ٢٣٨ هـ)، ومسند أبي يعلى أحمد بن علي الموصلي (ت: ٣٠٧ هـ)، وغيرها.
* التعريف بمسند الإمام أحمد بن حنبل:
١ - أشهر كتب المسَانيد وأنقاها وأكبرها: مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني رحمه الله تعالى، (١٦٤ هـ ٢٤١ هـ) (٣)، حتى قال العلامة أحمد شاكر: "هو عندنا أعظم دواوين السُّنَّة، وفيه أحاديث صِحَاح كثيرة، لم تخرَّج
стр. 117
في الكتب السِّتة" (١)، ويقول السيد محمد جعفر الكتاني: "إنه المراد عند إطلاق المسند، وإذا أريد غيره قيّد" (٢).
٢ - وكتب المسَانيد عامةً لا تلتزم صحة الأحاديث، لأن مرادها جمْع أحاديث كلّ صحابي على حِدَةٍ، سواء كان يصلُح الاحتجاج به أم لا (٣).
٣ - بَيْدَ أن "مسند الإمام أحمد" على وجه الخصوص، قد تحرَّى فيه مؤلّفه، حتى قال الحافظ ابن حجر ﵀: "لا يشك منصف أن مسنده أنقى أحاديثاً وأتقن رجالاً من غيره، وهذا يدلّ على أنه انتخبه، ويؤيد هذا ما يحكيه ابنه عنه؛ أنه كان يضرب على بعض الأحاديث التي يستنكرها" (٤).
لكن مع هذا لم يسلم من وجود الأحاديث الضعيفة فيه، على القول الراجح الذي عليه الجمهور، فقد قال الحافظ السخاوي (ت: ٩٠٨ هـ): "الحق أن فيه أحاديثَ كثيرةً ضعيفةً، وبعضُها أشدّ في الضعف من بعض" (٥).
٤ - واختلف العلماء هل في "مسند الإمام أحمد" أحاديث موضوعة؟ فأثبتَ بعضهم ذلك، ونفاه آخرون. قال الحافظ الذهبي (ت: ٧٤٨ هـ) ﵀: "في المسند أحاديثُ معدودة شِبْه موضوعة، لكنها قطرة في بحر" (٦).
وفصَّل الإمام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) في المسألة، فقال: "من يغلط في الحديث ولا يتعمّد الكذب، فإن هؤلاء توجد الرواية عنهم في السُّنَن، ومسند
стр. 118
الإمام أحمد ونحوه، بخلاف من يتعمَّد الكذب، فإن أحمد لم يروِ في مسنده عن أحدٍ من هؤلاء. ولهذا تنازع الحافظ أبو العلاء الهمذاني والشيخ أبو الفرج ابن الجوزي: هل في المسند حديث موضوع؟، فأنكر الحافظ أبو العلاء أن يكون في المسند حديث موضوع، وأثبت ذلك أبو الفرج. ولا منافاة بين القولين، فإن الموضوع في اصطلاح أبي الفرج، هو الذي قام دليل على أنه باطل، وإن كان المحدِّث به لم يتعمَّد الكذب بل غلط فيه، وأما الحافظ أبو العلاء وأمثاله فإنما يريدون بالموضوع المختلق المصنوع الذي تعمَّد صاحبه الكذب" (١).
وبناء على كلام ابن تيمية؛ فالجواب عن سؤال وجود أحاديث موضوعة في "مسند أحمد"، أن يقال: إن كان المرادُ بالحديث الموضوع: المصنوع الذي تعمَّد راويه الكذب، فليس في المسند شيء من ذلك، وإن كان يراد بالحديث الموضوع ما يُعْلَمُ قطعاً بطلانُ ثبوتِه عن النبي ﷺ ، فقد وُجد في المسند شيءٌ من ذلك.
وللحافظ ابن حجر العسقلاني جزءٌ سمَّاه: "القول المسدَّد في الذَبّ عن المسند"، جَمَعَ فيه ما قيل: إنه موضوع من أحاديث "مسند أحمد"، وأجاب عنها بالتفصيل، وبيَّن بأنه لا يتأتى الحكم عليها بالوضع حسب رأيه.
٥ - والإمام أحمد لم يرتِّب أسماء الصحابة في المسند على نَسَقِ حروف المعجم، وإنَّما راعى أموراً عدّة في الترتيب، منها الأفضلية، ومنها بلدان الصحابة التي نزلوها، ومنها قبائلهم .. وربَّما جعل أحاديث بعضهم في أكثر من موضع.
стр. 119
لذلك فإنَّ من أراد معرفة مسند صحابي ما، فإنه يحتاج إلى التفتيش عنه عن طريق فهارس المسند المعدّة، حتى يهتديَ إلى موضعه (١).
٦ - وقد وَصَلَنا مسندُ أحمدَ من رواية ابنه عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه، وزاد فيه أحاديث لم يأخذْها عن أبيه. وكذا زاد فيه راوي المسند عن عبد الله بن الإمام أحمد: أبو بكر، أحمد بن جعفر القطيعي (ت: ٣٩٨ هـ)، قليلاً من الأحاديث عن مشايخه، وقد ميّز العلماء بين هذه الزيادات وبين أصل المسند (٢).
٧ - وقد خَدَمَ مسند أحمد كثيرٌ من العلماء، فضلاً عن عنايتهم بسماعه وإسماعه وحفظه، فرتَّب أحاديثه على حروف المعجم: الحافظ أبو بكر، محمد بن عبد الله بن عمر المقدسي (ت: ٨٢٠ هـ) (٣).
كما رتَّبه الشيخ أحمد بن عبد الرحمن الساعاتي (ت: ١٣٧١ هـ) ﵀، على الكتب والأبواب في: "الفتح الرباني بترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني"، ثم شَرَحه في: "بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني".
ورتَّب أحاديثه على الأطراف الحافظُ ابن حجر ﵀ في: "إطراف المُعتلي بأطراف المسند الحنبلي".
وترجم لرجاله الحافظ شمس الدين، محمد بن علي الحسيني
стр. 120
(ت: ٧٦٥ هـ)، في: "الإكمال بما في مسند أحمد من الرجال ممن ليس في تهذيب الكمال".
وكَتَبَ عليه حاشية العلامة أبو الحسن، محمد بن عبد الهادي السندي (ت: ١١٣٨ هـ) ﵀.
وتحدّث عن فضائله وخصائصه غيرُ واحد، منهم: أبو موسى المديني (ت: ٥٨١ هـ)، في: "خصائص المسند". وغير ذلك كثير (١).
وفي العصر الحاضر طُبع "مسند أحمد" طبعات كثيرة، من أهمِّها: طبعة الشيخ العلامة أحمد محمد شاكر (ت: ١٣٧٧ هـ)، حيث حقَّق الكتاب على ثلاث نسخ خطّية، ورقّم أحاديثه، مع دراستها ونقْدِها، والحكم عليها بما يليق بها، لكنه وصل إلى ربع الكتاب تقريباً، ثم توقف بعد إذ وافته المنيّة، رحمه الله تعالى.
ثم قام بعد ذلك بسنوات فريق من الباحثين، على رأسهم العلامة المحدِّث شعيب الأرناؤوط (ت: ١٤٣٩ هـ) ﵀ بطباعة الكتاب كاملاً، وخِدْمَتِه خِدْمةً جليلة، مع فهرسته، والحُكْمِ على جميع أحاديثه وتخريجها، وبيان درجتها من حيث الصحة والضعف، وطُبع الكتاب في (٥٢) مجلداً.
كما أن للمحدِّث العلامة ناصر الدين الألباني (ت: ١٤٢٠ هـ) ﵀ كتاباً بعنوان: "الذبّ الأحمد عن مسند الإمام أحمد"، أثبتَ فيه صحة نسبة المسند للإمام أحمد بن حنبل، وأنه مصدر معتمد عند علماء الأمة، رداً على كاتب معاصر شكك في ذلك!!.
стр. 121
رابعاً: كتب الجوامع:
١ - كتب الجوامع هي: الكتب التي تشتمل على جميع أقسام الحديث المحتاج إليها، من العقائد والأحكام، والرقاق والآداب، والتفسير والتاريخ، والسِّيَر والشمائل، والفتن والمناقب والمثالب، وغيرِ ذلك. فالكتاب المشتمل على هذه الأقسام يسمَّى: جامعاً (١).
٢ - ومن أمثلة كتب الجوامع: "الجامع الصحيح"، للإمام البخاري (ت: ٢٥٦ هـ)، و: "الجامع الصحيح"، للإمام مسلم (ت: ٢٦١ هـ)، وقد تقدَّم الكلام عليهما في كتب الصحاح، فهما من كتب الصحاح ومن كتب الجوامع في الوقت نفسه.
٣ - ومن أمثلتها أيضاً: "جامع الترمذي" المعروف: بسنن الترمذي (ت: ٢٧٩ هـ)، وتقدم الكلام عليه في كتب السنن، و: "جامع" الإمام مَعْمَر بن راشد (ت: ١٥٤ هـ).
٤ - وكتب الجوامع منها ما التزم صحةَ الأحاديث، ك "الجامع الصحيح"، للإمام البخاري، و"الجامع الصحيح"، للإمام مسلم، ومنها ما لم يلتزم الصحةَ، ك "جامع الترمذي".
* * * *
стр. 122
الفَصْل الرابع
السُّنَّة بعد القرن الثالث
إلى زماننا الحاضر
стр. 123
المبحث الأول
التغيرات التي طرأت على تحمُّل الأحاديث وروايتها بعد القرن الثالث
١ - شهدت السُّنَّة النبوية بعد انقضاء القرن الثالث الهجري، تحولاتٍ كبرى، من أبرزها: انقراضُ عهدِ الرواة الذين كانوا يحفظون من الأحاديث ما لا يوجد مكتوباً إلا في صدورهم.
٢ - فمع نهاية القرن الثالث انتهى عصر الجمْع والكتابة، واكتمل تدوين السُنَّة النبوية، ولم يبق من الروايات الشفهية المعتمدة على الذاكرة شيءٌ يذكر، إلا رواياتِ الأفاكين وأحاديثَ المختلقين والمخلّطين.
٣ - وممن أشار إلى انقضاء عصر الرواية بانقضاء القرن الثالث تقريباً؛ الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي (ت: ٤٥٨ هـ)، فإنه كتب يقول: "إنَّ الأحاديث التي قد صحَّتْ أو وقفتْ بين الصحة والسقم قد دُوِّنَتْ، وكُتِبَتْ في الجوامع التي جمعها أئمة الحديث، ولا يجوز أن يذهب شيءٌ منها على جميعهم، وإن جاز أن يذهب على بعضهم، لضمان صاحب الشريعة حفظها. ثم قال: "فمن جاء اليوم بحديث لا يوجد عند جميعهم لم يقبل منه، ومن جاء بحديث معروف عندهم، فالذي يرويه لا ينفرد بروايته، والحجة قائمة بحديثه برواية غيره، والقصد من روايته والسماع منه أن يصير الحديث مسلسلاً بحدَّثنا وأخبرنا، وتبقى هذه الكرامة التي خُصّتْ بها هذه الأمة، شرفاً لنبينا
стр. 124
المصطفى ﷺ " (١)، انتهى كلامه ﵀.
٤ - كذلك أشار إلى اعتبار القرن الثالث هو الحدّ الفاصل بين المتقدمين والمتأخرين، في باب الرواية: الإمام الحافظ شمس الدين الذهبي (ت: ٧٤٨ هـ) ﵀، فإنه كتب يقول: "وكذلك من قد تُكُلِّمَ فيه من المتأخرين لا أورد منهم إلا من قد تبين ضعفه، واتضح أمره من الرواة، إذ العمدة في زماننا ليس على الرواة، بل على المحدثين والمقيّدين، والذين عُرفتْ عدالتُهم وصدقُهم في ضبط أسماء السامعين، ثم من المعلوم أنه لابد من صوْن الراوي وسِتْره، فالحدّ الفاصل بين المتقدّم والمتأْخر هو رأس سنة ثلاثمائة" (٢).
٥ - ويُفهم من كلام الذهبي: أن علماء الحديث بعد القرن الثالث، قد تخفَّفوا من الشروط التي كانوا يشترطونها في الرواة؛ من عدالة وضبط صدر، لأن باب الرواية قد انتهى، وأصبح الاعتماد على السماعات الصحيحة للنُّسَخ الحديثية، وأما الرواية بالإسناد فبقيتْ من أجل المحافظة على خصيصة الإسناد، التي أكرم الله تعالى بها هذه الأمة المرحومة.
* * * *
стр. 125
المبحث الثاني
التعريف بأهم المصنّفات الحديثية التي استجدتْ بعد القرن الثالث (١)
١ - قدَّمنا في الفصل السابق بأن القرن الثالث الهجري، والذي يبتدئ بسنة ٢٠١ هـ وينتهي بسنة: ٣٠٠ هـ، يُعَدّ من أزهى عصور السُّنَّة النبوية على الإطلاق، وبعضهم يسمّيه ((عصر السُّنَّة الذهبي))، سواء من حيث اكتمال جمْع المتون وتدوينها، أو من حيث نُضْج القواعد النقدية الحديثية، ونُضْج الدراسات والأبحاث المتعلّقة بعلم الرجال، وعِلْم العلل، وفقه الأحاديث ونحو ذلك.
٢ - وقد مضى علماء الإسلام بعد القرن الثالث، في خدمة السُّنَّة وعلومها، ونسجوا على منوال من تقدَّمهم في الكتابة والتصنيف، فكان منهم من خرَّج ما صحَّ من الأحاديث النبوية كما فعل الأئمة:
أ ابن خزيمة (ت: ٣١١ هـ) في صحيحه.
ب وابن حبان (ت: ٣٥٤ هـ) في صحيحه.
ج والحاكم (ت: ٤٠٥ هـ) في مستدركه.
وقد تقدّم الكلام على هذه الكتب الثلاثة.
٣ - ومنهم من سَلَكَ طريقة أصحاب السُّنُن، في الاقتصار على أحاديث
стр. 126
الأحكام، من غير اشتراط للصحة، كما فعل الإمامان؛ الدارقطني والبيهقي في سننيهما، وإليك التعريف بهما باختصار:
* سنن الدارقطني:
١ - مؤلِّف الكتاب هو: الإمام الحافظ الناقد، صاحب التصانيف؛ أبو الحسن، علي بن عمر بن مهدي الدارقطني، المولود سنة: ٣٠٦ هـ، والمتوفى سنة: ٣٨٥ هـ، رحمه الله تعالى.
٢ - اشتهر كتابه هذا بين أهل العلم باسم: "سنن الدارقطني"، أمَّا اسمه العلْمي حسبما ذكره ابن خير الإشبيلي، فهو: "السُّنَن عن رسول الله ﷺ " (١)، وسمَّاه ابن كثير ب "السُّنَن الكبير" (٢).
ووقع في بعض نسخ الكتاب الخطية تسميته ب: "المجْتَنَى من السُّنَن المأثورة عن النبيّ ﷺ ، والتَّنْبيه على الصحيح منها والسَّقيم، واختلاف النَّاقلين لها في ألفاظها". لكنْ شكَّك بعض الباحثين في هذه التسمية، وعدَّها من تصرّف بعض النُّسَّاخ واجتهادهم (٣).
٣ - وقد جَمَعَ الإمام الدارقطني في كتابه هذا: أحاديثَ الأحكام، ورتَّبها حسب الكتب والأبواب، وأكثرَ من رواية الأحاديث الضعيفة، بل وبعض الموضوعات، لكنه فعل ذلك كي يُبيّن عِلل هذه الأحاديث، وينبّه على حالها. وكأنَّه لم يؤلّف هذا الكتاب إلا لجمْع الأحاديث الضعيفة والمنكرة، مرتّبة على أبواب الفقه. فهو بخلاف كتب السُّنَن التي عادة ما يغلب عليها رواية الأحاديث
стр. 127
المحتجّ بها (١).
٤ - وقد أشار الإمام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ)، إلى حقيقة مقصد الدارقطني من تأليف سننه، فقال أثناء نقده لبعض الأحاديث الواردة في زيارة القبر النبوي، كحديث: «مَنْ حَجّ ولم يزرْني فقد جَفَاني»، قال ﵀: "فهذه أحاديث ضعيفة؛ بل موضوعة، لم يَرْوِ أهل الصحاح والسُّنَن المشهورة والمسانيد منها شيئاً، وغاية ما يُعْزَى مثل ذلك إلى كتاب الدارقطني، وهو قَصَدَ به غرائبَ السُّنَن؛ ولهذا يروي فيه من الضعيف والموضوع ما لا يرويه غيرُه، وقد اتفق أهلُ العلم بالحديث على أن مجرّد العزو إليه لا يُبيح الاعتماد عليه" (٢).
٥ - وقد أثنى العلماء على كتاب السُّنَن للدارقطني، فقال الخطيب البغدادي (ت: ٤٦٣ هـ): "كتاب السُّنَن الذي صنَّفه؛ دلَّ على أنه كان ممن اعتنى بالفقه، لأنه لا يقدر على جَمْعِ ما تضمن ذلك الكتاب إلا من تقدمتْ معرفته بالاختلاف في الأحكام" (٣).
وقال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀ في ترجمة الدارقطني: "له كتابه: السُّنَن الكبير المشهور، من أحسن المصنفات في بابه، لم يُسبق إلى مثله، ولا يُلحق في شكله، إلا من استمدّ من بحره وعَمِل كعَمَلِه" (٤).
٦ - وسنن الدارقطني هذه تُعَدُّ من الكتب المهمة، في معرفة عِلل الأحاديث
стр. 128
الضعيفة والمنكرة والواهية، مع أنه يسكتُ أحياناً عن بعضها، كما أن الدارقطني ضمّن كتابه كثيراً من آرائه في نقد الرواة جرحاً وتعديلاً.
٧ - وقد بلغ عدد أحاديث "سنن الدارقطني" حسب طبعة مؤسسة الرسالة، بتحقيق الشيخ شعيب الأرناؤوط: (٤٨٣٦) حديثاً.
٨ - وقد خَدَمَ سُنَنَه غيرُ واحدٍ من أهل العلم، فألَّف الشيخ زين الدين، قاسم ابن قُطْلُوبُغا الحنفي (ت: ٨٧٩ هـ) ﵀، كتاباً في "زوائد سنن الدارقطني"، في مجلد، ذكره السيوطي، ولا يُعرف عنه شيء (١).
وألَّفَ محمد بن عبد الرحمن المقدسي، المعروف: بابن زُريق (ت: ٨٠٣ هـ)، كتاباً بعنوان: "من تكلّم فيه الدارقطني، في كتاب السُّنن من الضعفاء والمتروكين والمجهولين"، وهو مرتَّب على حروف المعجم. مطبوع.
وألَّف الحافظ زين الدين، عبد الرحيم العراقي (ت: ٨٠٦ هـ) ﵀، كتاباً في رجاله، ذكره السخاوي (٢).
وقام بالتعليق على سُنن الدارقطني العلامة شمس الحق العظيم آبادي (ت: ١٣٢٩ هـ) في كتاب سمَّاه: "التعليق المغني على سنن الدارقطني"، طبع بحاشية سنن الدارقطني.
وغير ذلك من المصنَّفات، إضافة إلى جملة من الأبحاث والدراسات المعاصرة حول الكتاب.
стр. 129
* سنن البيهقي الكبرى:
١ - مؤلِّفه هو الإمام الحافظ الكبير، صاحب التصانيف: أبو بكر، أحمد بن الحسين بن علي البيهقي الشافعي، المولود سنة: ٣٨٤ هـ، والمتوفى سنة: ٤٥٨ هـ رحمه الله تعالى.
٢ - اشتهر هذا الكتاب بين أهل العلم في العصر الحاضر باسم: "السُّنَن الكبرى"، وهو عنوان طبعته الهندية التي ذاعت بين الناس. بينما تكاد تُجمع نسخُه الخطيّة على تسميته ب: "السُّنَن الكبير"، وكذلك الذين ترجموا للإمام البيهقي، معظمهم يسمّونه ب: "السُّنَن الكبير"، فكان الأصوب أن يسمّى بهذا الاسم (١).
٣ - يُعَدُّ "السُّنَن الكبير" للبيهقي من أعظم وأكبر المدوَّنات الحديثية، في القرن الخامس الهجري، فقد استوعب أكثر أحاديث الأحكام (٢). كما اشتمل على أحاديث كثيرة، لا توجد في غيره من كتب الحديث المعروفة. كذلك اشتمل على نقد كثير من الرواة، إما من كلام البيهقي نفسِه أو بالنقل عن غيره، إضافة إلى نقده وتعليله لكثير من المرويات، التي يسوقها ويكشف عن عللها.
٤ - والبيهقي في كتابه هذا لا يلتزم صحة الأحاديث، ففيه الصحيح والحسن والضعيف، وإن كان ينبِّه على كثير من الضعيف.
٥ - وقد رتّب البيهقي كتابه على الكتب والأبواب الفقهية، مراعياً ترتيب الإمام أبي إبراهيم، إسماعيل بن يحيى المزني (ت: ٢٦٤ هـ)، لمختصره في
стр. 130
الفقه الشافعي، المعروف ب: "مختصر المزني" (١).
٦ - وكما أن فقه الإمام البخاري في تراجم أبوابه، كذلك ضمَّن الإمام البيهقي فقهه واختياراته في تراجم أبوابه في: "السُّنَن الكبير"، فهو يترجم بما يدلّ على رأيه في المسائل الخلافية، كقوله: "باب التوضؤ من لحوم الإبل"، و"باب ترك الوضوء بما مست النار"، ثم يسوق الأحاديث الدالة على ذلك بأسانيده، وإن كان الغالب عليه نصرة مذهب الشافعي. وقد قال الإمام الذهبي (ت: ٧٤٨ هـ): "لو شاء البيهقي أن يعمل لنفسه مذهباً يجتهد فيه، لكان قادراً على ذلك، لِسِعَةِ علومه، ومعرفته بالاختلاف" (٢).
٧ - وقد اثنى العلماء على "السنن الكبير" ثناء عطراً، كقول الحافظ الذهبي ﵀: "عَمِل السُّنَن الكبير في عشر مجلدات، ليس لأحد مثله" (٣). وقال التاج السبكي (ت: ٧٧١ هـ) ﵀: "أما السُّنَن الكبير؛ فما صُنّفَ في علم الحديث مثلُه تهذيباً وترتيباً وجودة" (٤).
٨ - وقد بلغ عدد أحاديث "السُّنَن الكبير" حسب الطبعة التي حقَّقها الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي: (٢١٨٤٤) حديثاً.
٩ - حظي "السُّنَن الكبير" بعناية فائقة من قِبَل أهل العلم، فقد هذَّبه الحافظ شمس الدين الذهبي، في: "المهذّب في اختصار السُّنَن الكبير"، وأهمّ ما في كتاب الذهبي هذا: حُكْمُهُ على كثير من أسانيد الأحاديث، التي يوردها البيهقي. والكتاب مطبوع.
стр. 131
كذلك تعقَّب "سنن البيهقي" العلامةُ محمدُ بن علي ابن التُّركماني الحنفي (ت: ٧٤٧ هـ) ﵀، في كتابه: "الجوهر النقي في الرد على البيهقي"، قال في مقدّمته: "هذه فوائد على السُّنَن الكبرى للحافظ أبي بكر البيهقي رحمه الله تعالى، أكثرها اعتراضات عليه، ومناقشات له، ومباحثات معه" (١).
كما ترجم لرجاله الحافظ سراج الدين ابن الملقن (ت: ٨٠٤ هـ)، ضمن: "إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال"، ولم يطبع .. إلى غير ذلك من المؤلَّفات.
ومن الكتب التي استجدّ تأليفها في هذا الدور:
* أولاً: كتب مُختلف الحديث:
١ - المراد بمختلف الحديث: أن يأتي حديثان متضادان في المعنى ظاهراً، فيوفق بينهما أو يرجح أحدهما (٢).
٢ - وهو من علوم الحديث المهمّة التي تنفي عن حديث رسول الله ﷺ ما قد يتوهم من الاختلاف والإشكال والتناقض، وفيه ردّ على الزنادقة والملاحدة الطاعنين في حديث رسول الله ﷺ .
٣ - وقد ألَّف علماء الإسلام في هذا العلم كتباً قيّمة، من أشهرها: "اختلاف الحديث"، للإمام الشافعي (ت: ٢٠٤ هـ) ﵀، وهو كتاب نفيس، لكنه لم يقصد الاستيفاء، ولم يفرده بالتأليف، وإنما هو جزء من كتابه "الأم"، كما أفاده الحافظ الجلال السيوطي (٣).
стр. 132
كذلك ألَّف الإمام العالم الأديب، عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري ﵀ (ت: ٢٧٦ هـ)، كتاباً سمَّاه: "تأويل مختلف الحديث"، وضعه في الرَّد على من اتهم المحدثين برواية الأحاديث المتناقضة، فَجَمَعَ بين الأحاديث، وأجاب عن دعوى التناقض بينها.
لكن انتقده كثيرٌ من العلماء، وقالوا: إنه "أساء في أشياء قَصُرَ باعه فيها، وأتى بما غيره أولى وأقوى" (١).
كما يُؤخذ عليه: دفاعه عن أحاديث ضعيفة أو موضوعة! كان بإمكانه الإشارة إلى ضعفها أو وضعها، دون الحاجة إلى الجواب عنها أو توجيهها.
لكن ربما يعتذر له في تقصيره هذا، أنه لم يكن من أهل الاختصاص في الحديث المتمرّسين فيه.
ومن الذين ألَّفوا في هذا الفنّ: الإمام أبو جعفر، أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي (ت: ٣٢١ هـ) ﵀، في كتابه: "مشكل الآثار"، و"هو من أجلّ كتبه، لكنه قابلٌ للاختصار، غير مستغن عن الترتيب والتهذيب"، حسب عبارة الحافظ السخاوي (٢).
لذلك قام الإمام الحافظ أبو الوليد، سليمان بن خلف الباجي الأندلسي (ت: ٤٧٤ هـ) ﵀ باختصار الكتاب، وإعادة ترتيبه بشكل مناسب، من غير أن يخلّ بشيء من فقهه ومعانيه (٣).
стр. 133
ثم لخص هذا المختصر: القاضي أبو المحاسن، يوسف بن موسى الحنفي (ت: ٨٠٣ هـ)، في: "المعتصر من المختصر من مشكل الآثار". وهو مطبوع.
وقد قامتْ مؤسسة الرسالة بطبع كتاب الطحاوي، بتحقيق العلامة الشيخ شعيب الأرناؤوط ﵀، في (١٦) مجلداً.
* ثانياً: كتب المعاجم:
١ - من الكتب التي استجد تأليفها بعد القرن الثالث: الكتب التي تسمَّى: بكتب المعاجم، وهي تخرج الأحاديث بأسانيدها، مرتَّبة إمَّا على أسماء الصحابة، أو على أسماء الشيوخ، أو البلدان، أو غير ذلك، والغالب أن يكونوا مرتَّبين على حروف الهجاء (١).
٢ - ومن أشهر هذه الكتب: المعاجم الثلاثة؛ الكبير والأوسط والصغير، لمؤلِّفها الإمام الحافظ: أبي القاسم، سليمان بن أحمد الطبراني (ت: ٣٦٠ هـ)، رحمه الله تعالى.
فأما المعجم الكبير، فهو مرتَّب على مسانيد الصحابة، مرتبين على حروف المعجم، إلا أنه بدأه بالعشرة المبشرين بالجنة. وهو كتاب كبير، فيه نحو خمسة وعشرين ألف حديث، وهو أكبر معاجم الدنيا، وإذا أطلق في كلام العلماء المعجم فهو المراد، وإذا أريد غيره قيّد (٢).
وأما المعجم الأوسط: فهو مرتَّب على أسماء شيوخ الطبراني، وهم نحو
стр. 134
ألفي شيخ، قال الحافظ الذهبي: "يأتي فيه عن كلّ شيخ بما له من الغرائب والعجائب، وفيه كل نفيس وعزيز ومنكر" (١).
وأما المعجم الصغير: فمرتَّب على أسماء شيوخ الطبراني، لكنه اقتصر فيه عن كلّ شيخ بحديث واحد (٢).
٣ - وقد جَمَعَ الحافظ نور الدين، علي ابن أبي بكر الهيثمي (ت: ٨٠٧ هـ)، زوائد معاجم الطبراني الثلاثة، بالإضافة إلى زوائد مسند أحمد والبزار وأبي يعلى الموصلي، جَمَعَها كلّها في كتابه: "مَجْمَع الزوائد ومَنْبَع الفوائد"، حَذَفَ فيه الأسانيد، ورتّبه على الأبواب، وذَكَرَ درجة كلّ حديث من حيث الصحة والضعف، على تساهل عنده في التصحيح والتضعيف (٣).
وقد حقَّق الكتاب أخيراً الشيخ حسين سليم أسد (ت: ١٤٤٣ هـ) ﵀، وطبعه في (٢٣) مجلداً.
* ثالثاً: كتب المستخرجات:
١ - عرَّف العلماء كتب المستخرجات بأنها: الكتب التي يأتي فيها المصنّف إلى كتاب من كتب السُّنَّة، فيخرّج أحاديثه بأسانيد لنفسِه، من غير طريق صاحب الكتاب، فيجتمع معه في شيخه أو في من فوقه، ولو في الصحابي، مع رعاية ترتيبه ومتونه وطرق أسانيده (٤).
стр. 135
٢ - والعالِم الذي يقوم بالاستخراج يسمّى: "المُستخرِج"، بالكسر، والكتاب المؤلَّف في هذا النوع يسمَّى: "المُستخرَج"، بالفتح أو "المُخرَّج" بالفتح والتشديد (١).
٣ - وكتب المستخرجات لم يلتزم أصحابها موافقة ألفاظ الأحاديث الواقعة في الكتب التي يخرّجون عليها، من غير زيادة ولا نقصان، لأنهم إنما يروون هذه الأحاديث بحسب ما وقع لهم عن شيوخهم، ومن ثَمَّ فقد يحصل بين رواية المُخرِّج والمُخرَّج عليه تفاوت في اللفظ.
٤ - ولكتب المستخرجات فوائد منها: علو الإسناد، وكثرة طرق الحديث ليرجح بها عند التعارض، وبيان سماع المدّلس، وتعيين المُبهم من رجال الإسناد، وتقييد المهْمل .. إلى غير ذلك من الفوائد.
٥ - ومن أشهر المستخرجات: "المسند الصحيح المخرَّج على صحيح مسلم"، للحافظ أبي عوانة، يعقوب بن إسحاق الإسفرايني (ت: ٣١٦ هـ)، وهو مطبوع.
و"المستخرج على صحيح البخاري»، للحافظ أبي بكر، أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي (ت: ٣٧١ هـ)، وكان موجوداً إلى أزمنة متأخرة، ثم فُقِدَ بعد ذلك. وقد نقل عنه الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" كثيراً.
و"المسند المستخرج على مسلم"، للحافظ أبي نعيم، أحمد بن عبد الله بن إسحاق الأصبهاني (ت: ٤٣٠ هـ)، وهو مطبوع.
و"المستخرج على المستدرك"، للحافظ زين الدين، عبد الرحيم بن
стр. 136
الحسين العراقي (ت: ٨٠٦ هـ)، أملاه إملاء ولم يكمله، وهو مطبوع.
* رابعاً: كتب الأطراف:
١ - عرَّف العلماء كتب الأطراف بأنها: الكتب التي يقتصر فيها أصحابها على ذكر طَرَف الحديث الدال على بقيته، مع الجمع لأسانيده، إما على سبيل الاستيعاب، أو على جهة التقيّد بكتب مخصوصة، كالكتب السّتة مثلاً (١).
٢ - ولكتب الأطراف فوائد كثيرة منها:
(أ) جَمْعُ طُرُقِ الحديث الواحد في الموضع الواحد، فنعرف إن كان الحديث غريباً، أو عزيزاً أو مشهوراً أو متواتراً.
(ب) تعرّف بمن يُكنَّى في بعض طرق الحديث أو يبهم، من طرق أخرى.
(ج) الدلالة على المواضع التي خرَّج فيها العلماء الحديثَ مجموعة في مكان واحد، مع معرفة الباب الذي أخرجوه فيه (٢).
(د) تصحيح ما قد يقع من أغلاط مطبعية أو قلمية في أسانيد كتب السُّنَّة النبوية.
٣ - ومن أشهر كتب الأطراف: "أطراف الكتب السّتة"، للحافظ أبي الفضل، محمد بن طاهر المقدسي، المعروف بابن القيسراني (ت: ٥٠٧ هـ)، وهو في أطراف أحاديث الصحيحين والسُّنَن الأربعة.
و"الإشراف على معرفة الأطراف"، لأبي القاسم، علي بن الحسن المعروف بابن عساكر الدمشقي (ت: ٥٧١ هـ)، مرتّباً على حروف المعجم،
стр. 137
وهو في أطراف أحاديث السُّنَن الأربعة، ولا يزال مخطوطاً، حسب علمي لم يطبع.
و"تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف"، للحافظ أبي الحجّاج، يوسف بن عبد الرحمن المِزّي (ت: ٧٤٢ هـ)، مطبوع في أربعة عشر مجلداً.
قصد به صاحبه جمْع أحاديث الكتب السّتة وبعض ملحقاتها، حتى يسهل معرفة أسانيدها مجتمعة في موضع واحد.
وأما عن طريقة ترتيبه: فقد رتَّبه مؤلِّفه على مسانيد الصحابة، مرتّبين حسب حروف الهجاء، ثم رتَّب مرويات كلّ صحابي حسب الرواة عنه من التابعين، مرتَّبين أيضاً حسب حروف الهجاء.
ثم إذا كان التابعي مكثراً عن الصحابي، فإنه يرتَّب مروياته حسب الرواة عنه وهم اتباع التابعين، مرتبَّين أيضاً على حروف الهجاء.
ثم يذكر بعد ذلك طرفاً من أول الحديث الدال على بقيّته، ثم يشرع في بيان الأسانيد التي روي بها الحديث.
وللحافظ ابن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢ هـ) تعليقٌ نفيس عليه سمَّاه: "النكت الظراف على الأطراف"، طبع على هامشه.
* خامساً: كتب الزوائد:
١ - عرَّف العلماء كتب الزوائد بأنها: الكتب التي تجمع الأحاديث الزائدة في كتاب معين على كتاب آخر (١).
٢ - ولكتب الزوائد فوائد، فهي تكوّن موسوعةً حديثيةً، إذا ضُمّ بعضها إلى
стр. 138
بعض. كذلك فإنها تفيد في معرفة المتابعات والشواهد، والوقوف على طرق بعض الأحاديث، التي لولا كتب الزوائد لما تمكنا من معرفتها، إما لضياع أصولها أو لصعوبة الوصول إليها (١).
٣ - ومن أشهر كتب الزوائد: "مَجْمَع الزوائد ومَنْبَع الفوائد"، للحافظ نور الدين، علي بن أبي بكر الهيثمي (ت: ٨٠٧ هـ)، وقد تقدَّم الكلام عليه في كتب المعاجم.
كذلك ألّف الحافظ الهيثمي كتاباً في الزوائد، عنوانه: "موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان"، جَمَعَ فيه زوائد صحيح ابن حبان على الصحيحين، مرتَّبة على الكتب والأبواب، مع الإبقاء على أسانيد الأحاديث، وقد طبع الكتاب طبعات عدة، وبلغت زوائده: (٥٣٨) حديثاً.
أيضاً من كتب الزوائد: "إتحاف الخِيَرَة المَهَرَة بزوائد المسانيد العشرة"، للحافظ أحمد بن أبي بكر البُوصيري (ت: ٨٤٠ هـ)، جَمَعَ فيه زوائد عشرة مسانيد على الكتب السّتة، وهي: مسند أبي داود الطيالسي، ومسدَّد، والحُميدي، وابن أبي عمر العَدَني، وإسحاق بن راهويه، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن منيع، وعبد بن حُميد، والحارث بن محمد بن أبي أسامة، وأبي يعلى الموصلي الكبير. والكتاب مرتّب على كتب الأحكام، مع إبقاء الأسانيد، وبيان درجتها من حيث الصحة أو الضعف، وهو مطبوع.
ومن كتب الزوائد: "مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه"، للمؤلِّف السابق، جَمَعَ فيه الأحاديث الواردة في سنن ابن ماجه ولم ترد في الصحيحين
стр. 139
وسنن الترمذي وأبي داود والنًّسائي، وكثيراً ما يتكلَّم على الأسانيد، ويبيّن درجتها من حيث الصحة أو الضعف (١)، وبلغ عدد الأحاديث الزوائد فيه: (١٥٥٩) حديثاً، والكتاب مطبوع.
* سادساً: كتب مصطلح الحديث:
١ - كتب مصطلح الحديث هي: الكتب التي تُعنى بالأصول والقواعد التي يعرف بها أحوال السند والمتن، من حيث القبول والرد. وبعضهم يُطلق عليها: كتب أصول الحديث، أو علوم الحديث، أو علم الحديث دراية.
٢ - ولعلّ من أجلّ فوائد علم المصطلح: معرفة الصحيح من السقيم من الأحاديث، فهو من العلوم الخادمة للسُّنَّة النبوية.
٣ - والكتب المؤلَّفة في هذا الفن كثيرة، وقلَّما عالمٌ مختصٌ في الحديث لم يؤلِّف فيه، لذلك سنكتفي بأشهرها:
(١) "المحدّث الفاصل بين الراوي والواعي"، للحافظ أبي محمد، الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي (ت: ٣٦٠ هـ)، قال ابن حجر: "أول كتاب في علوم الحديث: كتاب المحدّث الفاصل في غالب الظنّ، وإن كان يوجد قبله مصنّفات مفردة في أشياء من فنونه، لكن هذا أجمع ما جُمع في ذلك في زمانه" (٢).
(٢) "معرفة علوم الحديث"، للحافظ أبي عبد الله، محمد بن عبد الله،
стр. 140
المشهور بالحاكم النيسابوري (ت: ٤٠٥ هـ) صاحب المستدرك، قال عنه ابن حجر "لم يهذَّب ولم يرتَّب" (١).
(٣) "الكفاية في علم الرواية"، للحافظ أبي بكر، أحمد بن علي بن ثابت، المعروف بالخطيب البغدادي (ت: ٤٦٣ هـ)، وهو من الكتب الواسعة في هذا الفنّ.
(٤) "علوم الحديث"، ويُعرف ب: "مقدّمة ابن الصلاح"، للحافظ أبي عمرو، عثمان بن الصلاح الشهرزوري (ت: ٦٤٣ هـ)، اعتنى بمصنّفات الخطيب البغدادي، فجَمَع شتاتها وزاد عليها، واشتهر كتابه هذا بين أهل العلم، ف "عكف الناس عليه، وساروا بسيره، فلا يُحصى كم ناظم له ومختصر، ومستدرك عليه ومقتصر، ومعارض له ومنتصر"، حسب عبارة الحافظ ابن حجر (٢).
* سابعاً: كتب الموضوعات:
١ - كتب الموضوعات هي: كتبٌ تُعنى بجمع الأحاديث الباطلة، والموضوعة المكذوبة على النبي ﷺ ، مع بيان واضعها غالباً، مرتّبةً في الغالب على الكتب والأبواب (٣).
٢ - وكان علماء السلف كثيراً ما يكشفون عن الأحاديث الموضوعة، وينبهون عليها في كتبهم المؤلَّفة في عِلل الأحاديث، أو ضعفاء الرجال أو التراجم، ك: "العِلل"، لابن أبي حاتم، و"الضعفاء"، للعُقيلي، و"الكامل في
стр. 141
ضعفاء الرجال"، لابن عديّ، وغيرها.
٣ - لكن بعد ذلك تطور هذا الفنّ بعد القرن الخامس، وأصبح العلماء يفردون كتباً مستقلةّ في بيان الأحاديث الموضوعة ونقدها، والكشفِ عن أحوال المتهمين بها، ومن أهمّ هذه المؤلَّفات: "تذكرة الموضوعات" (١)، لأبي الفضل، محمد بن طاهر المقدسي، المعروف بابن القيسراني (ت: ٥٠٧ هـ)، قال في مقدّمته: "هذه أحاديث رواها الكَذَبَةُ والمجروحون والضعفاء والمتروكون، يتداولها الناس في احتجاجهم ومناظراتهم، أَوْرَدْتُها على ترتيب ألفاظ حروفها، لتكون أقرب على من أراد معرفة الحديث الذي يريده منها" (٢)، والكتاب مطبوع.
كذلك ألَّف الحافظ الحسين بن إبراهيم الجورقاني (ت: ٥٤٣ هـ): "الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير"، وهو مرتّب على الكتب والأبواب، يورد الأحاديث الموضوعة بأسانيدها، ثم يُفَصِّل القول في الحُكْم عليها، وكثيراً ما يذكر ما يعارضها من الأحاديث الصحيحة، للتدليل على وضعها، والكتاب مطبوع.
ومن أشهر كتب الموضوعات، كتاب: "الموضوعات"، للحافظ أبي الفرج، عبد الرحمن بن علي، المعروف بابن الجوزي الحنبلي (ت: ٥٩٧ هـ) رحمه الله تعالى، وهو مطبوع.
وقد انتقد جمع من العلماء كابن الصلاح (٣) والنووي (٤) والسيوطي (٥) هذا
стр. 142
الكتاب، واتهموا مؤلِّفه بالتساهل في الحُكْم على الأحاديث بالوضع، حيث أورد فيه أحاديث ليست بموضوعة، وإنما هي من قبيل الضعيف، بل وبعضها أحاديث صحيحة وحسنة، منها حديث في صحيح مسلم، وهو حديث أبي هريرة ﵁، مرفوعاً: «يوشك، إنْ طالتْ بك مدة، أن ترى قوماً في أيديهم مثل أذناب البقر، يغدون في غضب الله، ويروحون في سخط الله» (١).
قال الحافظ ابن حجر ﵀: "لم أقف في الموضوعات (يعني لابن الجوزي) على شيء حَكَمَ عليه وهو في أحد الصحيحين غير هذا الحديث، وإنها لغفلة شديدة" (٢).
لكن نبَّه ابن حجر إلى أنَّ "غالب ما في كتاب ابن الجوزي موضوع، والذي يُنتقد عليه بالنسبة إلى ما لا يُنتقد قليل جداً" (٣).
وللحافظ جلال الدين السيوطي (ت: ٩١١ هـ) كتاب: "اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة"، اختصر فيه "الموضوعات" لابن الجوزي، واستدرك عليه، وتعقّبه في بعض الأحاديث، وهو مطبوع.
ومن كتب الموضوعات كذلك: "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة"، للقاضي محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ)، أفاد فيه من مؤلَّفات من سَبَقَه، وعليه بعض المآخذ في ذكر ما ليس بموضوع في الموضوعات (٤)، وهو مطبوع ومتداول.
стр. 143
* ثامناً: كتب في الجمعِ بين بعض الكتب الحديثية:
١ - لم يكد القرن الرابع الهجري ينصرم حتى أصبح عَمَلُ كثير من العلماء قاصراً على الجمع والترتيب، أو الاختصار والتهذيب، أو الشرْح لكتب من تقدَّمهم.
وبعض الناس يعيب مثل هذا، ويعدّه من علامات الجمود الفكري، وقلّة الابتكار في الأمة! وليس الأمر كذلك، فإن الجمع والترتيب، والشرح والتهذيب، إذا كان بصورة جيدة، فإنه من مقاصد التأليف الصحيحة، التي تقرّب العلوم وتيسّرها على الباحثين والمستفيدين.
٢ - ومن جملة المؤلَّفات في هذا الدور: كتب في الجمع بين بعض الكتب الحديثية، فتجمعُ بين أحاديث كتابين، أو أكثر في مصنّف واحد.
٣ - ومن أشهر ما أُلِّف في ذلك: "الجمع بين الصحيحين"، للحافظ أبي عبد الله، محمد بن نصر الحُميدي الأندلسي الظاهري (ت: ٤٨٨ هـ)، جَمَعَ فيه بين أحاديث صحيح البخاري وصحيح مسلم، وزاد عليهما زيادات ليستْ فيهما من كتب المستخرجات. وقد انتقده أهلُ العلم بسبب هذه الزيادات، فإنه كما يقول السخاوي: "ربما يسوق الحديث الطويل، ناقلاً له من مستخرج البُرقاني أو غيره، ثم يقول: اختصره البخاري، فأخرج طَرَفاً منه، ولا يبيّن القدْر المقتصر عليه، فيلتبس على الواقف عليه، ولا يميّزه إلا بالنظر في أصله" (١). والكتاب مطبوع متداول.
وألَّف الحافظ أحمد بن بن رزين بن معاوية العبدري السرقسطي (ت: ٥٣٥ هـ): "تجريد الصحاح والسُّنَن"، جَمَعَ فيه بين أحاديث الكتب
стр. 144
السّتة، لكنه لم يُحْسِن في ترتيب الكتاب وتهذيبه، وفاتته جملة من الأحاديث التي هي على شرطه، والكتاب له نسخ مخطوطة.
ولعلّ من أجلّ ما ألِّف في هذا الفنّ كتاب: "جامع الأصول لأحاديث الرسول"، لأبي السعادات، المبارك بن محمد الجزري، المعروف بابن الأثير (ت: ٦٠٦ هـ)، رحمه الله تعالى.
وقد هذَّب فيه "تجريد الصحاح"، لابن رزين، إلا أنه أدخل موطأ مالك بدلاً من سنن ابن ماجه، وحذف الأسانيد إلا راوي الحديث، من صحابي أو تابعي، ورتَّبه على الأبواب، وشرَح الغريب، وبيّن من أخرج الحديث من أصحاب الكتب السّتة، واستدرك ما فات ابن رزين من الأحاديث، فجاء كتاباً بديعاً سهلاً ميسراً (١). وقد طبع بتحقيق الشيخ عبد القادر الأرناؤوط رحمه الله تعالى.
* تاسعاً: كتب أحاديث الأحكام:
١ - ومن الكتب المؤلَّفة في هذا الدور: كتبٌ اقتصرتْ على جمْع وانتقاء الأحاديث المتعلّقة بأحكام الفروع الفقهية العملية. وهي تختلف فيما بينها طولاً وقصراً.
٢ - والكتب المصنّفة في هذا النوع كثيرة، سوف أقتصرُ على ثلاثة منها، ربما لأنه كَثُرَ الاعتناء بها أكثر من غيرها.
(أ) "المنتقى من أخبار المصطفى"، لأبي البركات، مجد الدين ابن تيمية (ت: ٦٥٢ هـ) رحمه الله تعالى. وهو أكبر الكتب الثلاثة، حيث اشتمل على
стр. 145
نحو (٥٠٢٩) حديثاً. وقد جَمَعَ مؤلِّفه أحاديثه من: الصحيحين، والسُّنَن الأربعة ومسند أحمد وسنن الدارقطني والبيهقي، وغيرها من مصنّفات الحديث الأصلية، محذوفة الأسانيد مع الإبقاء على اسم الصحابي.
ويؤخذ على الكتاب عدم عنايته ببيان الصحيح من الضعيف غالباً، فيكتفي بعزو الحديث إلى مصدره فحسب.
ومن أشهر شروحه وأحسنها: "نَيْل الأوطار شرْح منتقى الأخبار"، للقاضي محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ) ﵀، والذي يُعَدُّ من أهم المراجع في فقه أحاديث الأحكام.
(ب) "عُمدة الأحكام من كلام خير الأنام"، للحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي (ت: ٦٠٠ هـ) رحمه الله تعالى. وهو أصغر الكتب الثلاثة حجماً، حيث بلغت أحاديثه: (٤٣٦) حديثاً.
وقد تميّز الكتاب: بكون أحاديثه غاية في الصحة، حيث اُنتقي مما اتفق عليه الشيخان: البخاري ومسلم.
ولعمدة الأحكام شروح كثيرة، قديمة ومعاصرة، من أجلّها: "إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام"، للإمام المجتهد محمد بن علي بن دقيق العيد (ت: ٧٠٢ هـ). وهذا الكتاب على جلالته، فإن طبيعة بحوثه التي تصدّى لها غامضة متينة، ترتفع على أفهام كثير من طلاب العلم، ومريدي المعرفة (١).
ومن شروح العُمدة: "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام"، للحافظ عمر بن علي الشافعي، المعروف بابن الملقن (ت: ٨٠٤ هـ) رحمه الله تعالى، أفاد كثيراً من شرح ابن دقيق العيد، بَيْدَ أنه أكثر وضوحاً وأسهل تناولاً.