مقدمة الطبعة الثانية
الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلْق الله، نبينا محمّد وعلى آله وصحبه ومن والاه .. وبعد: فهذه هي الطبعة الثانية من كتابي: "المَدْخَل في تاريخ السُّنَّة"، بعد أن قاربتْ طبعته الأولى على النفاد (١). وقد احتوتْ هذه الطبعة على جملةٍ من التصويبات والتصحيحات، مع إضافات مهمّة في بابها، وتعميق البحث في عدد من القضايا، نسأل الله أن ينفع بها كما نفع بسابقتها، والحمد لله ربّ العالمين.
المؤلِّف
المدينة المنورة
стр. 2
فاتحة الكتاب
الحمد لله ربّ العالمين، وأُصَلّي وأُسَلّم على المبعوث رحمة للعالمين، سيّدنا ونبيّنا محمّد وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين .. وبعد:
فهذه مقدّمات مختصرة في تاريخ السُّنَّة النبوية المشرّفة، تبحث في المراحل والأدوار التي مرتْ بها السُّنَّة النبوية، منذ صدروها عن النبي ﷺ إلى أن وصلتْ إلينا في العصر الحديث، مع إلقاء الضوء على الجهود التي بذلها العلماء في جمْعها وتدوينها، والتعريف بأهم أنواع الكتب والمصنَّفات التي أُلِّفت في خدْمتها وصيانتها.
إن معرفة التاريخ الصحيح للسُّنَّة النبوية، سوف يُسهم في ردّ كثير من الشبهات والمطاعن، التي أثارها المستشرقون وأذنابهم، للتشكيك في السُّنَّة النبوية، وإضعاف مصداقيتها. فبمعرفة تاريخ السُّنَّة الصحيح سوف يسقطُ تاريخ السُّنَّة المشوّه، الذي حاول المستشرقون الترويج له في العصور المتأخرة.
هذا وقد حرصتُ قدر الإمكان على أن تكون مفردات الكتاب مطابقة لتوصيف مادة: "تاريخ السُّنَّة"، المقرر تدريسها على طلبة كلية الحديث الشريف، بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ووفق معايير الجودة المعتمدة.
стр. 3
والله أسأل أن ينفع بالكتاب كاتبه وقارئه، والحمد لله أولاً وآخراً.
وكتبه/ أ. د هاني بن أحمد فقيه
أستاذ الحديث وعلومه بكلية الحديث الشريف بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
стр. 4
الفَصْل الأول
مبادئ في تاريخ السُّنَّة
стр. 5
المبحث الأول
التعريف بالسُّنَّة وبتاريخها
أولاً: تعريف السُّنَّة لغة واصطلاحاً:
السُّنَّة لغة هي: الطريقة والسِّيْرة والعادة، حَسَنةً كانت أو قبيحة (١).
ومنه حديث أنس بن مالك ﵁: أنَّ نفراً من أصحاب النبي ﷺ سألوا أزواج النبي ﷺ عن عَمَلِه في السرّ؟ فقال بعضهم: لا أتزوّج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، فحمد الله وأثنى عليه. فقال: «ما بال أقوامٍ قالوا كذا وكذا؟ لكنّي أصلّي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوّج النساء، فمن رغب عن سنَّتي فليس منّي» (٢).
قال الحافظ ابن حجر ﵀: "المراد: مَنْ ترك طريقتي، وأخذ بطريقة غيري، فليس منّي" (٣).
ومنه قوله ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري ﵁: «لتتبِعُنَّ سَنَنَ من قبلكم، شبراً بشبر، وذراعاً بذراع» (٤).
стр. 6
قال ابن حجر: "سَنَنَ من كان قبلكم، بفتح أوله أي: طريقهم" (١).
والسُّنَّة اصطلاحاً هي: كلّ ما أُثر عن النبي ﷺ ، من قَوْل أو فِعْل أو تقرير، أو صفة خِلقية أو خُلقية.
وهي بهذا المعنى مرادفةٌ للحديث النبوي الشريف، عند الأكثر (٢).
ثانياً: تعريف "تاريخ السُّنَّة":
عَرَّفَ بعض العلماء "تاريخ السُّنَّة النبوية" بأنه: عِلْمٌ يتحدَّث عن المراحل والأطوار التي مرتْ بها السُّنَّة النبوية، من لدن صدورها عن النبي ﷺ ، إلى أن وصلتْ إلينا، من حفظها في الصدور، وتدوينها في الصُّحُف، وجمْعٍ لمنثورها، ونفي لما اندسّ فيها، واستنباط من عيونها، وشرْح لغامضها … ، إلى غير ذلك مما يعرفه القائمون على خدْمتها، والعاملون على نشْر رايتها (٣).
* * * *
стр. 7
المبحث الثاني
أهميّة العلم بتاريخ السُّنَّة
تبرز أهميّة عِلْم "تاريخ السُّنَّة" من خلال التالي:
١ - إن أهميّة هذا العلم أنه فرع عن أهميّة السُّنَّة النبوية، فالسُّنَّة النبوية هي المصدر الثاني من مصادر التشريع في الإسلام، فالعلم بتاريخها وما مرَّتْ به من أطوارٍ ومراحل له أهميّة كبرى.
٢ - إن هذا العلم يشرح ويوضِّح كيفية توثيق السُّنَّة النبوية، ونقلها من حين صدورها عن النبي ﷺ إلى أن دوّنتْ، واستقرتْ في المصنَّفات الحديثية المعروفة.
٣ - إن هذا العلم يُعرّف بجهود علماء الإسلام ﵏ في خدمة السُّنَّة، وجمْعها وتوثيقها، والذبّ عنها.
٤ - إن هذا العلم يُعرّف بأنواع المصنَّفات المؤلَّفة في السُّنَّة النبوية، من صحاح وجوامع، وسنُنَ ومسانيد، وموطآت ومستدركات، ومستخرجات ومعاجم، إلى غير ذلك، فتاريخ السُّنَّة يعرّفنا بهذه المصادر ويلقي الضوء عليها.
٥ - إن العلم بتاريخ السُّنَّة وسيلة مهمة لردّ كثير من الشبهات والمطاعن، التي أثارها المستشرقون ومن تأثر بهم، حول السُّنَّة النبوية، والتشكيك في مصداقيتها. فكثير من هذه الشبهات ستسقط حالَ معرفتنا الصحيحة بتاريخ
стр. 8
السُّنَّة وتدوينها، دون الحاجة إلى مناقشات مطوَّلة.
٦ - إن هذا العلم يُعَدُّ من العلوم المبتكرة الحديثة، والعلماء المتقدمون وإن كانوا قد تكلَّموا عن تاريخ السُّنَّة وتدوينها ونشأتها، إلا أن كلامهم جاء مجملاً ومتناثراً في الكتب، وقد اعتنى هذا العلم في العصر الحديث بجمع شتات أقوالهم وتبويبه وتحريره وشرْحه، مع الزيادة عليه.
* * * *
стр. 9
المبحث الثالث
أهمّ المؤلفات في "تاريخ السُّنَّة"
سبق القول: بأن المتقدمين من أهل العلم لم يفردوا "تاريخ السُّنَّة" بمؤلَّفات مستقلّة، وإن كانوا قد تناولوا كثيراً من مباحثه في كتاباتٍ متناثرة، وفي مناسباتٍ مختلفة.
وإنما بدأتْ عناية العلماء بإفراد "تاريخ السُّنَّة" بمؤلَّفات مستقلّة في عصرنا الحديث، خلال المائة عام الفائتة.
وكان دافعهم للتأليف في هذا النوع من العِلْم هو الحاجة إلى ذلك، بعدما أخذ المستشرقون ومن تأثر بهم يبثُّون كتاباتٍ مغرضة في الطعن في السُّنَّة النبوية، والتشكيك في مصداقيتها، وإثارة الشبهاتِ حولها وحول تاريخها.
فأراد علماءُ الإسلام المعاصرون أن يبينوا التاريخ الصحيح المشرق للسُنَّة النبوية، من باب ردّ الحقّ إلى نصابه.
هذه بعض الأسباب في إفراد المعاصرين لهذا النوع من التأليف، وإن كانت حركة تطور العلوم والكتابة قد أَدَّتْ دوراً في ذلك أيضاً.
ونحن نذكرُ في هذا المبحث بعض أهم ما أُلِّف في "تاريخ السُّنَّة"، دون قصد التقصي أو الاستيعاب، فمن ذلك:
١ - كتاب "مفتاح السُنَّة" أو "تاريخ فنون الحديث النبوية"، للشيخ محمد بن عبد العزيز الخولي، من علماء مصر (ت: ١٣٤٩ هـ) رحمه الله تعالى.
стр. 10
ولعلَّ هذا المصنَّف يُعَدُّ أول محاولة للكتابة في هذا الفنّ، وقد عرض مؤلِّفُه لتاريخ تدوين السُّنَّة النبوية، وتحدَّث عن مناهج المحدثين في مصنَّفاتهم، وطرق ترتيبهم لها. لكن فاتته كثير من المباحث والمسائل، شأن كلّ من يفتتح التصنيف في عِلْم جديد غالباً. والكتاب مطبوع.
٢ - كتاب "الحديث والمحدثون" أو "عناية الأمة الإسلامية بالسُّنَّة النبوية"، للشيخ محمد محمد أبو زهو (ت: ١٤٠٣ هـ) رحمه الله تعالى.
ذكر فيه جهود العلماء في خدمة الحديث الشريف، ودَرَسَ عصر الصحابة والتابعين فمن بعدهم إلى عصر التدوين، وناقش كثيراً من الشبهات والمطاعن الباطلة التي أُثيرت حول السُّنَّة المشرَّفة، وعرَّف بكثير من مصادرها الأصلية والفرعية. والكتاب مطبوع في نحو (٥٠٠) صفحة.
٣ - كتاب "السُّنَّة قبل التدوين"، للدكتور محمد عجاج الخطيب (ت: ١٤٤٣ هـ) رحمه الله تعالى.
أصل هذا الكتاب: رسالة ماجستير من كلية دار العلوم بجامعة القاهرة. تحدَّث فيه مؤلِّفه عن مكانة السُّنَّة المطهرة وعلاقتها بالقرآن الكريم، ودفع عنها كثيراً من المطاعن التي وُجّهت إليها، وتحدَّث عن الوضع في الحديث وأسبابه، وعن جهود الصحابة والتابعين في مقاومته، وبيّن فضل الصحابة الكرام وعدالتهم، وحرصهم على العمل بالسُّنَّة وصيانتها، إلى غير ذلك من المباحث المهمّة التي اشتمل عليها هذا الكتاب النفيس. وكانت طبعته الأولى سنة: ١٣٨٣ هـ، في (٦٥٢) صفحة.
٤ - كتاب "دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه"، للدكتور محمد مصطفى الأعظمي (ت: ١٤٣٩ هـ) رحمه الله تعالى.
стр. 11
وهو كتاب قيّم، يقع في مجلدين، ناقش فيه كثيراً من شُبهات المستشرقين حول السُّنَّة النبوية، وتحدَّث بإسهاب عن مسألة تدوين الحديث وكتابته.
٥ - كتاب "بحوث في تاريخ السُّنَّة المشرّفة"، للدكتور أكرم ضياء العُمري حفظه الله تعالى.
وقد تطرق فيه مؤلِّفه لمباحث مختلفة في السُّنَّة النبوية، ككتابة الحديث في العهد النبوي، وفي جيل الصحابة والتابعين، وعَرَض نماذج من صحفهم التي دونوها في السُّنَّة، وعرَّف بالكثير من المصادر الحديثية التي وثّقت السُّنَّة.
وجميع هذه الكتب مطبوعة ومتداولة، والحمد لله تعالى.
* * * *
стр. 12
المبحث الرابع
مكانة السُّنَّة النبوية في التشريع
أفاض علماءُ الإسلام قديماً وحديثاً في الكلام على حجيَّة السُّنَّة النبوية، ومكانتها العظيمة في الإسلام، وبعضهم أفرد كتباً مستقلّة في ذلك. لذلك أجدني مضطراً إلى الإيجاز الشديد، واختصار الكلام في الموضوع، فأقول: إن علماء الأمة قاطبة قديماً وحديثاً (١) على أن السُّنَّة النبوية هي أحد المصادر الرئيسة في التشريع الإسلامي، وأنها المصدر الثاني بعد القرآن الكريم، وأنها وحي غير متلو من قِبَلِ الله .
وقد دلَّ على حجيتها ووجوب الأخذ بها: الكتاب والسُّنَّة والإجماع.
* ف من نصوص الكتاب الدالة على حجية السُّنَّة النبوية:
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩].
وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
وقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
وقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ
стр. 13
عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤].
* ومن الأحاديث النبوية الدالة على حجّية السُّنَّة:
١ - ما رواه أبو رافع ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «لا أَلْفَيَنّ أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه أمرٌ مما أَمرتُ به أو نهيتُ عنه، فيقول: لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه» (١).
٢ - ما رواه المقدام بن معدي كرب ﵁، عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: «ألا إني أُوتيتُ الكتابَ ومثلَه معه، ألا يوشكُ رجلٌ شبعانٌ على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلّوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرّموه» (٢).
٣ - ما رواه العِرْباض بن سارية ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: «عليكم بسنّتي وسُنَّة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنَّواجذ» (٣).
٤ - ما رواه مالك في موطئه، عن النبي ﷺ ، أنه قال: «تركتُ فيكم أمرين، لن تضلّوا ما تمسَّكتم بهما، كتاب الله وسُنَّة نبيه» (٤).
стр. 14
* ومن نصوص الإجماع على حجيَّة السُّنَّة النبوية:
١ - قول الإمام الشافعي ﵀ (ت ٢٠٤ هـ): "أجمع المسلمون على أن من استبانتْ له سُنَّة رسول الله ﷺ ؛ لم يكن له أن يَدَعَها لقول أحدٍ من الناس" (١).
٢ - وقال الإمام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "السُّنَّة إذا ثبتتْ فإن المسلمين كلّهم متفقون على وجوب اتّباعها" (٢).
٣ - ويقول الإمام جلال الدين السيوطي (ت: ٩١١ هـ) ﵀: "من أنكر كون حديث النبي ﷺ قولاً كان أو فعلاً، بشرطه المعروف في الأصول حجّة، كفر وخرج عن دائرة الإسلام، وحُشِر مع اليهود والنصارى، أو مع من شاء الله من فِرَق الكفرة" (٣).
٤ - ويقول الإمام الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ) ﵀: "إن ثبوت حجيَّة السُّنَّة المُطهَّرة واستقلالها بتشريع الأحكام، ضرورةٌ دينية، ولا يخالف في ذلك إلا من لا حظَّ له في دين الإسلام" (٤).
* * * *
стр. 15
المبحث الخامس
أقسام السُّنَّة النبوية وعلاقتها بالقرآن الكريم
١ - أقسام السُّنَّة النبوية:
ذهب جمهور العلماء إلى تقسيم السُّنَّة النبوية من حيث ذاتها (١) إلى ثلاثة أقسام (٢)، وهي:
(أ) السُّنَّة القولية: وهي: كلّ ما صَدَرَ عن النبي ﷺ من أقوال في مختلف الأغراض والمناسبات، كقوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيّات» (متفق عليه)، وقوله: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» (متفق عليه)، وقوله: «الدِّيْن النصيحة» (رواه مسلم) .. إلى غير ذلك.
(ب) السُّنَّة الفعلية: وهي: كلّ ما نقله الصحابة رضوان الله عليهم من أفعاله ﷺ على سبيل التشريع، ككيفية صلاته ﷺ ، وكيفية وضوئه، وكيفية حَجّه وعمرته، وقضائه بالشاهد مع اليمين، ونحو ذلك.
стр. 16
(ج) السُّنَّة التقريرية: وهي: كلّ الأقوال والأفعال التي صَدَرَتْ من الناس أمام النبي ﷺ أو بلغته فأقرَّها، أو سكتَ عنها، أو أظهر استحسانه لها، كإقراره ﷺ لبعض الصحابة أَكْل الضبّ أمامه، دون أن ينكر عليهم، (متفق عليه)، وإقراره ﷺ لَعِب الحبشة بالحِراب في المسجد (متفق عليه)، وإقراره السيدة عائشة ﵂ اللَّعب بعرائس البنات (متفق عليه)، إلى غير ذلك.
٢ - علاقة السُّنَّة النبوية بالقرآن الكريم:
قَسَّمَ العلماء علاقة السُّنَّة النبوية بالقرآن الكريم إلى أقسام ثلاثة (١):
القسم الأول: السُّنَّة الموافقة والمؤكدة لما جاء في القرآن الكريم، وذلك كوجوب الصلاة والصيام والزكاة والحج، وتحريم قتل النفس بغير حق، وعقوق الوالدين وشرب الخمر، فكلّ هذا ثابت بالكتاب وأكدته السُنَّة النبوية.
القسم الثاني: السُّنَّة المبيّنة والمفسّرة والمفصّلة لما أُجمل في القرآن الكريم، كالأحاديث الواردة في بيان كيفية صلاته ﷺ ، والأحاديث الواردة في كيفية حَجّه وعمرته ﷺ . فالله أمرنا بالصلاة وأمرنا بالحج في القرآن الكريم، لكنه ترك بيان كيفية ذلك وأحكامه التفصيلية إلى السُّنَّة النبوية.
ويدخل في ذلك تقييد المطلق في القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، حيث قيّدتْ السُّنَّة القطع من عند مفصل الكفّ.
كذلك يدخل فيه تخصيص العام في القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ
стр. 17
عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، حيث خصَّصتْ السُّنَّة ذلك بحِلّ ميتة السمك والجراد في قوله ﷺ : «أُحِلَّتْ لنا ميتتان، ودَمَان. فأما الميتتان: فالحوتُ والجرادُ، وأما الدَّمان: فالكبد والطِحَال» (١).
القسم الثالث: السُّنَّة الاستقلالية، أو الزائدة على ما في القرآن، كتحريم أكل لحوم الحُمُر الأهلية، وتحريم أكل كلّ ذي ناب من السِّبَاع، وكلّ ذي مِخْلب من الطير، وتحريم الجمع بين المرأة وعمَّتها، وبين المرأة وخالتها في الزواج، وتحريم لبس الذهب والحرير على الرجال، ونحو ذلك، فهذه أحكامٌ سكتَ عنها القرآن الكريم، وبيَّنتها السُّنَّة النبوية.
* * * *
стр. 18
الفَصْل الثاني
السُّنَّة في العهد النبويِّ وعهدِ الخلفاء الراشدين
стр. 19
المبحث الأول
هَدي النبي ﷺ وأساليبه في التعليم (١)
لقد كان نبينا محمد ﷺ أعظم معلّم للبشرية، وقد أثبت القرآن الكريم له هذه الصفة الكريمة في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢].
وجاء في حديث جابر بن عبد الله ﵄، أن النبي ﷺ ، قال: «إن الله لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً (٢)، ولكن بعثني معلّماً ميسراً» (٣).
وكان النبي ﷺ كثيراً ما يرغّب أصحابه في العلم، ويحضّهم عليه، كما صَحَّ في أحاديث كثيرة منها:
قوله ﷺ : «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو عِلْم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (٤).
وقوله ﷺ : «من سلَكَ طريقاً يلتمس فيه علماً، سَهَّلَ الله له به طريقاً إلى الجنّة» (٥).
стр. 20
وقوله ﷺ : «فَضْلُ العالمِ على العابد كفضلي على أدناكم، وإن الله وملائكته وأهلَ السموات والأرضين حتى النملةَ في جحرها، وحتى الحوتَ، ليصلّون على معلّم الناس الخيرَ» (١)، إلى غير ذلك من النصوص الواردة في الباب.
وقد كان هَديُ النبي ﷺ في التعليم أكملَ الهدي وأعظمه وأجلّه، وكان له ﷺ أساليب كثيرة ومتنوعة في التعليم. فكان يختار منها أحسنها وأفضلها وأوقعها في نفس المخاطب، وأقربها إلى فهمه وعقله وإدراكه.
وإنه لمن الصعوبة بمكان تقصّي هذه الأساليب جميعاً، أو محاولةاستيعابها، لذلك سنكتفي بذكر بعضها، وحسب ك من القلادة ما أحاط بالعُنُق. فمن أساليبه ﷺ في التعليم:
١ - التعليم بالقدوة الطيِّبة والأسوة الحسنة:
وهذه كانت أجلّ أساليبه ﷺ في التعليم والتبليغ، فكان ﷺ لا يأمر بأمر إلا كان أول من يأخذ به، ولا ينهى عن شيء إلا كان أول من ينتهي عنه، حتى إن السيدة عائشة ﵂ وصفتْ خُلُقُه ﷺ ، فقالتْ: «إن خُلُقَ نبي الله ﷺ كان القرآن» (٢).
ولذلك جعله الله أسوة حسنة لعباده المؤمنين، وذلك في قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الْأَحْزَابِ: ٢١]. ولا ريب أن التعليم بالقدوة الحسنة أوقعُ في النفس، وأبلغُ في التأثير وأدعى إلى التأسي.
стр. 21
٢ - مراعاة سُنَّة التدرج:
فقد كان ﷺ يقدّم في التعليم الأهمّ على المهم، والأكبر على الأصغر، والأصول على الفروع، والواجبات على السُّنَن.
ومن أمثلة ذلك: ما ورد في الصحيحين، عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ لمَّا بعثَ معاذاً إلى اليمن، قال: «إنك تقدُم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه: عبادة الله ، فإذا عرفوا الله، فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاة، تُؤخذ من أغنيائهم فتردّ على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها، فخذ منهم، وتوقّ كرائم أموالهم» (١).
وما من شك أن مطالبة المسلم الجديد بجميع الشرائع مرة واحدة، قد توجب نفرته، وإلقاء جميع العلوم على المتعلم دفعة واحدة، قد تفضي إلى تضييعه العلم كلّه، فلا بد من مراعاة سُنَّة التدرج.
وقد جاء في صحيح البخاري تعليقاً على قول الله تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩]: "يقال: الربّاني: الذي يربّي الناس بصغار العلم قبل كباره" (٢). قال الحافظ ابن حجر ﵀: "والمراد بصغار العلم ما وَضَحَ من مسائله، وبكباره ما دقّ منها" (٣).
٣ - اختيار الأوقات المناسبة مع القصْد والاعتدال:
ومن أمثلة ذلك: ما ثبت في الصحيحين، عن أبي وائل شقيق بن سلمة،
стр. 22
قال: كان عبد الله يعني ابن مسعود يذكّر الناس في كلّ خميس، فقال له رجلٌ: يا أبا عبد الرحمن لوددتُ أنك ذكّرتنا كلّ يوم؟ قال: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أُمِلَّكم، وإني أتخوَّلكم بالموعظة، كما كان النبي ﷺ يتخوَّلنا بها، مخافة السآمة (١) علينا" (٢).
قال النووي ﵀: "في هذا الحديث الاقتصاد في الموعظة، لئلا تَمَلَّها القلوبُ، فيفوتُ مقصودها" (٣).
ويلحق بالموعظة غيرها من العبادات؛ كصلاة النوافل، وتعلّم العلم، فينبغي الاقتصاد فيها وترك التطويل، واختيار الوقت المناسب.
٤ - مراعاة الفروق الفردية بين المتعلمين:
فقد كان النبي ﷺ يخاطب كلّ إنسان بما يناسب عقله، وعلى مقدار ما يستوعبه فهمه، حتى لا تَشْتَبه عليه الأمور، فيذهب في معناها إلى غير ما أُريد بها.
وقد عقد الإمام البخاري ﵀ في صحيحه لهذا المعنى باباً عظيماً، فقال: "باب من خَصَّ بالعلم قوماً دون قوم، كراهية أن لا يفهموا"، ثم أورد تحته حديث أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ ، ومعاذ رديفه على الرَّحل، قال: «يا معاذ بن جبل»، قال: لبيكَ يا رسول الله وسعديك، قال: «يا معاذ»، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثاً، قال: «ما من أحدٍ يشهدُ أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، صِدْقَاً من قلبه، إلا حرَّمه الله على
стр. 23
النار»، قال يا رسول الله: أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: «إذاً يتكلوا»، فأخبر بها معاذٌ عند موته تأثماً (١).
قال العيني ﵀ وهو يعدد فوائد الحديث: "فيه أنه يجبُ أن يُخَصَّ بالعلم قومٌ فيهم الضبط وصحة الفهم، ولا يبذل المعنى اللطيف لمن لا يستأهله من الطلبة، ومن يخاف عليه الترخص والاتكال، لتقصير فهمه" (٢).
٥ - التعليم بأسلوب الحوار والسؤال:
وهذا له نظائر في السُّنَّة، منها: ما ثبت في صحيح مسلم، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ ، قال: «أتدرون ما المفْلس؟» قالوا: المفْلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: «إن المفْلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي قد شَتَمَ هذا، وقَذَفَ هذا، وأَكَلَ مال هذا، وسَفَكَ دَمَ هذا، وضَرَبَ هذا، فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيتْ حسناته قبل أن يُقضى ما عليه، أُخذ من خطاياهم فطُرِحَتْ عليه، ثم طُرِحَ في النار» (٣).
وما من شك أن أسلوب الحوار والسؤال في التعليم يثيرُ انتباه السامعين، ويشوّقُ نفوسهم، ويحضّهم على إعمال الفكر والعقل.
٦ - التعليم بالتشبيه وضَرْب الأمثال:
ولهذا الأسلوب نظائر كثيرة في السُّنَّة المطهرة (٤)، منها: ما ثبت في الصحيحين، عن أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي ﷺ ، أنه قال: «مثلُ
стр. 24
الجليس الصالح، والجليس السوء، كحامل المسك، ونافخ الكير، فحامل المسك: إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيَّبة، ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة» (١).
ومنه: حديث النعمان بن بشير ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «مثلُ المؤمنين في توادّهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثلُ الجَسَدِ، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجَسَدِ بالسهر والحمَّى» (٢).
وما من شك أن ضرْب الأمثال: يقرّب المعاني البعيدة، ويصوّرها في ذهن المتلقي بأمور حسيّة يعرفها.
٧ - التعليم بالرَّسْم على الأرض والتراب:
ومن أمثلة ذلك: ما أخرجه أحمد في المسند، عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: خطّ لنا رسول الله ﷺ خطاً، ثم قال: «هذا سبيل الله»، ثم خطَّ خطوطاً عن يمينه وعن شماله، ثم قال: «هذه سُبُل متفرقة على كلّ سبيل منها شيطان يدعو إليه»، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣] (٣).
وما من شك أن وسيلة الرَّسْم هي إحدى الوسائل المعتمدة قديماً وحديثاً، في مناهج التعليم، ولها تأثيرٌ قوي في إيصال المعلومة إلى عقل المتلقي.
стр. 25
وهناك أساليب أخرى، يمكن للباحث الوقوف عليها بالتأمل والنظر في نصوص السُّنَّة النبوية والسيرة المصطفوية، وما هذا الذي ذكرناه إلا غيضٌ من فيض، والله الموفق.
* * * *
стр. 26
المبحث الثاني
الجمْع بين الأحاديث الواردة في النهي عن كتابة السُّنَّة والإذن فيها
١ - من المقرر عند العلماء: أن القرآن الكريم كان يُكتب ويُدوَّن في العهْد النبوي أولاً بأول. وكان للنبي ﷺ جماعةٌ من الصحابة يُسَمَّون: "كتَّاب الوحي"، عددهم نحو الأربعين (١). فلم يكن ﷺ ينزلُ عليه شيءٌ من القرآن حتى يدعو بعض هؤلاء الكتَّاب، ويأمرهم بكتابته، ويرشدهم إلى موضعه بين السور.
لذلك لم يلتحق النبي ﷺ بالرفيق الأعلى إلا وقد كان القرآن الكريم كلّه مكتوباً ومدوَّناً، إلى جانب استظهار الصحابة له، وحفظهم إياه في صدورهم (٢).
أمَّا السُّنَّة النبوية فكانت بخلاف ذلك، فلم تُكتب في زمنِ النبي ﷺ على النحو الذي كُتب به القرآن الكريم، ولم يأمر النبي ﷺ بكتابتها كما أَمَرَ بكتابة القرآن الكريم، ولم يكن لها كتبةٌ يختصُّون بها كما كان للقرآن الكريم.
٢ - بل لقد نهى النبي ﷺ في بداية الأمر عن كتابة غير القرآن، كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ ، قال: «لا تكتبوا عنّي،
стр. 27
ومن كَتَبَ عنّي غير القرآن فليمْحه، وحدِّثوا عنّي ولا حَرَج، ومن كَذَبَ عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار» (١).
٣ - بَيْدَ أن علماء السُّنَّة بينوا أن هذا الحديث منسوخ، وأنه كان في بداية نالإسلام، وأن النهي عن كتابة الحديث إنَّما كان خشية أن تختلط السُّنَّةُ بالقرآن الكريم، فحتى لا يقع الاشتباه والالتباس بين الآيات والأحاديث، وحتى لا يلحق بالقرآن ما ليس منه، وحتى يُوصَد الباب في وجه أي تحريف أو تبديل طارئ، فقد مَنَعَ النبيُّ ﷺ في بداية الأمر من كتابة السُّنَّة وتدوين الأحاديث.
لكنْ لمَّا أَلِفَ الصحابةُ الكرام أسلوب القرآن الكريم، وعرفوا طريقته، واستقرَّ في نفوسهم، ونزل أكثره، وحفظه كثيرٌ منهم، زال خطر الالتباس والاشتباه، وأَذِنَ النبي ﷺ وقتها بكتابة سنّته وأحاديثه لمن شاء أن يكتب.
٤ - هذا هو التوجيه الأقرب لحديث أبي سعيد الخدري ﵁، كما قرره كثيرٌ من أهل العِلْم، كالإمام الرامهرمزي (ت: ٣٦٠ هـ)، والإمام الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ)، والإمام البغوي (ت: ٥١٦ هـ)، والحافظ ابن حجر (٢) (ت: ٨٥٢ هـ)، وغيرهم رحمهم الله تعالى.
يقول الإمام الخطابي: "يُشبه أن يكون النهي متقدماً وآخر الأمرين الإباحة" (٣).
ويقول الرامهرمزي: "أحسبُ أنه كان محفوظاً في أول الهجرة، وحين كان
стр. 28
لا يُؤْمَن الاشتغال به عن القرآن" (١).
ويقول الإمام البغوي: "والنهي يُشبه أن يكون متقدماً، ثم أباحه وأَذِنَ فيه" (٢).
وأما ما ذكره ابن قتيبة (ت: ٢٧٦ هـ) ﵀ من أن سبب منْع الصحابة من الكتابة أن عامتهم كانوا أُميين لا يحسنون الكتابة ولا التهجي، فخشي النبي ﷺ عليهم الغلط إن كتبوا (٣)!!
فهذا توجيهٌ غير سليم، بدليل أن الصحابة ﵃ كانوا يكتبون القرآن الكريم أولاً بأول، وتقدَّم أنه كان منهم جماعةُ يُسَمَّون: كتّابَ الوحي، قد جاوزوا الأربعين كاتباً.
٥ - وقد ورد حديثٌ آخر في النهي عن كتابة الحديث، عن زيد بن ثابت ﵁: أنه "دخل على معاوية بن أبي سفيان، فسأله معاوية عن حديث، وأمر إنساناً أن يكتبه، فقال له زيدٌ: «إن رسول الله ﷺ أمرنا أن لا نكتب شيئاً من حديثه»، فمحاه" (٤). لكنْ أجاب العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلّمي عن هذا الحديث بأنه ضعيف باتفاق العلماء (٥)، فلا يحتجّ به.
٦ - وإذن فالأحاديث الواردة في النهي عن كتابة السُّنَّة إنما هما حديثان فحسب، أحدهما منسوخ عند أكثر علماء السُّنَّة، والآخر متفق على ضعفه.
стр. 29
وإذن فما شَغّبَ به بعض المستشرقين وأذنابهم، من أنه قد جاءت أحاديث صحيحة كثيرة في النهي عن كتابة السُنَّة!، قول باطل مخالف للواقع (١).
• من شواهد كتابة السُّنَّة على عهد النبي ﷺ :
ومما يؤكد نسخَ حديث أبي سعيد الخدري ﵁، أنه قد صحَّ عن النبي ﷺ إذنُه للصحابة بكتابة سُنَّته، في غير ما حديث، وكذلك أمره ﷺ بكتابة أكثر من كتاب.
ومن شواهد ذلك: أَمْرُهُ ﷺ بكتابة خطبته يوم فتح مكة، لرجلٍ من أهل اليمن، يقال له: أبو شاه، فبعد أن فَرَغَ رسولُ الله ﷺ من الخطبة، قال أبو شاه: اكتبْ لي يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : «اكتبوا لأبي شاه» (٢).
قال عبد الله بن الإمام أحمد: "ليس يروى في كتابة الحديث شيء أصحّ من هذا الحديث" (٣).
ومن الشواهد أيضاً: أمْرُهُ ﷺ بكتابة الكُتُب إلى عمّاله وأمرائه فيما يتعلَّق بتدبير شؤون الدولة، وبيان الأحكام، ومقادير الزكاة، ككتابه ﷺ في الصدقات، الوارد في حديث عبد الله بن عمر ﵄، قال: «كتب رسولُ الله ﷺ كتاب الصدقة، فلم يخرجه إلى عمّاله حتى قُبض، فعمل به أبو بكر حتى قُبض، ثم عمل به عمرُ حتى قُبض .. الحديث».
وفي رواية عن الزهري قال: "هذه نسخة كتاب رسول الله ﷺ ، الذي كتبه
стр. 30
في الصدقة، وهي عند آل عمر بن الخطاب، قال ابن شهاب: أقرأنيها سالم بن عبد الله بن عمر، فوعيتها على وجهها، وهي التي انتسخ عمر بن عبد العزيز من عبد الله بن عبد الله بن عمر، وسالم بن عبد الله بن عمر … ، وذكر الحديث (١).
كذلك كتابه ﷺ في الصدقات والديات والفرائض، إلى عامله باليمن: عمرو بن حزم الأنصاري، وهو كما يقول ابن عبد البر: "كتابٌ مشهور عند أهل السِّيَر، معروفٌ ما فيه عند أهل العلم، معرفة تستغني بشهرتها عن الإسناد، لأنه أشبه التواتر في مجيئه، لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة" (٢).
ومن ذلك: ما صحَّ عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: كنتُ أكتبُ كلَّ شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه، فنهتني قريش، وقالوا: أتكتبُ كلّ شيء تسمعه من رسول الله ﷺ ؟ ورسول الله ﷺ بشر يتكلّم في الغضب والرضا، فأمسكتُ عن الكتاب، فذكرتُ ذلك لرسول الله ﷺ ، فأومأ بإصبعه إلى فيه، فقال: «اكتب، فوالذي نفسي بيده، ما يخرج منه إلا حق» (٣).
ومن ذلك: ما صحَّ عن أبي هريرة ﵁، أنه قال: "ما مِنْ أصحاب النبي ﷺ أحدٌ أكثر حديثاً عنه منّي، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب" (٤).
стр. 31
ومن الشواهد أيضاً: ما صحَّ عن أبي الطُّفَيْل ﵁، قال: سُئِل علي بن أبي طالب ﵁: أخصّكم رسول الله ﷺ بشيء؟ فقال: ما خصّنا رسول الله ﷺ بشيء لم يَعُمَّ به الناس كافةً، إلا ما كان في قِرَاب (١) سيفي هذا. قال: فأخرج صحيفة مكتوبٌ فيها: «لعن الله من ذَبَحَ لغير الله، ولعن الله من سَرَقَ منار الأرض (٢)، ولعن الله من لَعَنَ والده، ولعن الله من آوى مُحْدِثاً» (٣).
• إجماع العلماء على مشروعية كتابة السُّنَّة:
وعلى كل حال فقد انعقد الإجماع بعد الخلاف على مشروعية كتابة السُنَّة، بل لا يبعد القول بوجوبها على من خشي النسيان، ممن يتعيّن عليه تبليغ العلم (٤). وممن نقل الإجماع على جواز كتابة السُّنَّة ومشروعيتها، وزوال الخلاف: القاضي عياض (٥)، وابن الصلاح (٦)، والنووي (٧)، والذهبي (٨)، والعراقي (٩)، والسخاوي (١٠)، وغيرهم من أهل العلم رحمهم الله تعالى.
* * * *
стр. 32
المبحث الثالث
منهج الصحابة رضوان الله عليهم في تلقي السُّنَّة وروايتها (١)
١ - بعد وفاة النبي ﷺ ولحاقه بالرفيق الأعلى، استمرَّ الصحابة الكرام بالاهتمام بسُنَّته ﷺ ، واتبعوا منهجاً متين الأساس، قوي الأركان، من أجل صيانتها والمحافظة عليها، مما قد يطرأ عليها من عوارض الوهم والنسيان البشرية، أو مما قد يدسّ ويوضع في متونها على أيدي أهل الزيغ والانحراف، خاصة بعد ظهور الفتن والكذب، بعد استشهاد الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁.
٢ - ولعل من أبرز القواعد المنهجية التي سلكها أصحاب النبي ﷺ في رواية السُّنَّة ما يلي:
* أولاً: إقلالهم من الرواية وترك التوسع فيها:
هذه إحدى القواعد المنهجية التي اعتمدها الصحابة الكرام في راوية الحديث، فقد كانوا يتحفظون عن رواية الأحاديث ويُقِلّون منها، إلا بقدر الحاجة والمناسبة، كمسائل القضاء والفتوى، وذلك لأسباب عدة منها:
стр. 33
(أ) تورّعهم وخشيتهم من الوقوع في الخطأ، أو الزيادة أو النقصان غير المقصود، فيقعون في الكذب على رسول الله ﷺ من حيث لا يشعرون.
وما من شك في أن الإكثار من الرواية والتوسع فيها، مظنّة الوقوع في الخطأ والخطل ومخالفة الصواب. ولعلّ الصحابة كانوا يمتثلون في ذلك نهيه ﷺ عن ذلك، كما ورد في حديث أبي قَتَادَة، أنه قال: سمعتُ رسول الله ﷺ على المنبر يقول: «يا أيها الناس إياكم وكثرة الحديث عنّي، من قال عليّ فلا يقولنّ إلا حقاً، أو صِدْقاً، فمن قال عليّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار» (١).
(ب) الأمر الثاني الذي دفع الصحابة إلى الإقلال من الرواية: حتى لا يتخذ ذلك المغرضون مطيّة وذريعة للتزيّد في أحاديث النبي ﷺ ، وتزييفها والدَّس فيها بحجّة الرواية.
• ومن شواهد إقلال الصحابة في الرواية:
ما أخرجه البخاري في صحيحه، عن عبد الله بن الزبير ﵄، قال: قلتُ للزبير: إني لا أسمعك تحدِّث عن رسول الله ﷺ كما يحدِّث فلان وفلان؟ قال: أَمَا إنّي لم أفارقه، ولكن سمعتُه يقول: «من كذب عليّ فليتبوأ مقعده من النار». (٢)
ومن الشواهد أيضاً: ما أخرجه مسلمٌ في مقدِّمة صحيحه، عن أنس بن مالك ﵁، أنه قال: إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثاً كثيراً أن رسول الله ﷺ قال: «من تعمَّد عليّ كذباً، فليتبوأ مقعده من النار» (٣).
стр. 34
وأخرج ابن ماجه، عن السائب بن يزيد، قال: صحبت سعد بن مالك (١) ﵁ من المدينة إلى مكة، فما سمعته يحدِّث عن النبي ﷺ بحديث واحد (٢).
وأخرج ابن ماجه، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: قلنا لزيد بن أرقم ﵁: حدِّثْنا عن رسول الله ﷺ ! قال: كبرنا ونسينا، والحديثُ عن رسول الله ﷺ شديد (٣).
• توجيه العلماء لإكثار بعض الصحابة من الرواية:
نعم جاء عن بعض الصحابة الإكثار من الرواية، كأبي هريرة ﵁، لكن أوضح الحافظ ابن حجر ﵀ سبب ذلك فقال: "أمَّا مَنْ أكثر منهم فمحمولٌ على أنهم كانوا واثقين من أنفسهم بالتثبّت، أو طالتْ أعمارهم فاحتيج إلى ما عندهم، فسئلوا فلم يمكنهم الكتمان ﵃" (٤).
* ثانياً: تثبّتهم في قبول المرويات:
هذه أيضاً إحدى القواعد المنهجية أيضاً التي اعتمدها الصحابة الكرام في رواية الحديث، فكما أنهم كانوا يمسكون عن الرواية، ويقلّون من التحديث إلا بقدر الحاجة، فقد كانوا يتثبّتون فيما يسمعون، فما اطمأنتْ قلوبهم إليه من الحديث قبلوه وأخذوا به، وما وقع عندهم فيه شك أو استغربوه، فقد كانوا يطلبون عليه البيّنة، حتى يتأكدوا من حفظ الراوي وضبطه.
وأمَّا ما كان مخالفاً لكتاب الله، أو كان راويه غير معروف عندهم، فإنهم
стр. 35
كانوا يردُّون روايته، ولا يلتفتون إليها.
ومن شواهد ذلك: ما أخرجه مالك في الموطأ، وأبو داود والترمذي، عن قَبيصة بن ذؤيب، قال: "جاءت الجَدّة إلى أبي بكر الصديق ﵁ تسأله ميراثها، فقال لها أبو بكر: "ما لَكِ في كتاب الله شيء، وما علمتُ لك في سُنَّة رسول الله ﷺ شيئاً، فارجعي حتى أسأل الناس"، فقال المغيرة بن شعبة: حضرتُ رسول الله ﷺ : «أعطاها السُّدُس»، فقال أبو بكر: "هل معك غيرك"؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري ﵁، فقال مثْل ما قال المغيرة، فأنفذه لها أبو بكر الصديق" (١).
ومن الشواهد: ما أخرجه الشيخان، عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: كنتُ في مجلس من مجالس الأنصار، إذ جاء أبو موسى الأشعري كأنَّه مذعور، فقال: استأذنتُ على عمر بن الخطاب ثلاثاً، فلم يؤذن لي فرجعتُ، فقال: ما منعك؟ قلت: استأذنتُ ثلاثاً فلم يؤذن لي فرجعتُ، وقد قال رسول الله ﷺ : «إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع»، فقال: والله لتقيمنّ عليه ببينة، أمنكم أحدٌ سمعه من النبي ﷺ ؟ فقال أُبي بن كعب: "والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم"، فكنت أصغر القوم فقمتُ معه، فأخبرتُ عمر أن النبي ﷺ قال ذلك (٢).
стр. 36
وجاء في رواية الموطأ: "فقال عمر بن الخطاب لأبي موسى: أما إني لم أتهمْك، ولكن خشيتُ أن يتقوَّل الناس على رسول الله ﷺ " (١).
وفي رواية الأدب المفرد: "فقال عمر لأبي موسى: والله إنْ كُنْتَ لأميناً على حديث رسول الله ﷺ ، ولكن أحببتُ أن أستثبت" (٢).
وعلى كل حال، فقد كان عمر بن الخطاب ﵁ يحمل الصحابة على التثبت مما يسمعون، والتروي فيما يؤدون، فكان له الفضل الكبير في صيانة السُّنَّة النبوية من الشوائب والدَّخَل.
ومن شواهد أيضاً: ما أخرجه مسلم في مقدّمة الصحيح، عن مجاهد بن جبر ﵀، قال: جاء بُشير العدوي (٣) إلى ابن عباس ﵄، فجعل يحدِّث، ويقول: قال رسول الله ﷺ ، قال رسول الله ﷺ ، فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه (٤)، ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عباس! مالي لا أراك تسمع لحديثي؟ أحدّثُك عن رسول الله ﷺ ، ولا تسمع؟ فقال ابن عباس: "إنّا كنّا مرة إذا سمعنا رجلاً يقول: قال رسول الله ﷺ ، ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا (٥)، فلمَّا ركب الناس الصعب والذلول، لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف" (٦).
стр. 37
ومن الشواهد: ما رواه أحمد في المسند، عن أسماء بن الحكم الفزاري، أنه سمع علي بن أبي طالب ﵁، يقول: "كنتُ إذا سمعتُ من رسول الله ﷺ حديثاً نفعني الله بما شاء أن ينفعني منه، وكان إذا حدَّثني عنه غيره استحلفته، فإذا حَلَفَ صدَّقته" (١).
* ثالثاً: منعُهم الرواية بما قد يعلو على أفهام العامة:
ومعلوم أن تحديث عامّة الناس بكلّ شيء، قد يفضي إلى ريبتهم، واعتراضهم على ما لم يفهموه من السُنَّة، ولم تهضمه عقولهم من المرويات. وربما فهموا تلك المرويات على غير وجه الحق والصواب.
لذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم يشدّدون في هذا الأمر، ويحذرون منه أشد التحذير، كلّ هذا من أجل صيانة السُّنَّة النبوية، والمحافظة عليها من كلّ سوء وشَغَب.
ومن شائع الأمثلة على ذلك: ما أخرجه البخاري في صحيحه، عن علي بن أبي طالب ﵁، أنه قال: "حدِّثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكَذَّبَ الله ورسوله؟ " (٢).
- وأخرج مسلم في مقدّمة صحيحه، عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: "ما أنتَ بمحدّث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة" (٣).
- وفي صحيح البخاري، عن أبي هريرة ﵁، قال: "حفظتُ من
стр. 38
رسول الله ﷺ وعاءين: فأمّا أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قُطِعَ هذا البلعوم" (١).
* رابعاً: حرصهم على رواية الحديث بنصه المسموع:
فقد كان الصحابة الكرام فمن بعدهم يحرصون على أداء ألفاظ الأحاديث النبوية كما هي، دون أن يبدّلوا حرفاً بحرف، أو كلمة بكلمة. وذلك استناداً منهم إلى قوله ﷺ : "نضَّر الله امرأً سمع منَّا شيئاً، فبلَّغه كما سمع" (٢).
لذلك فلم يكنوا يحدِّثون عن رسول الله ﷺ بالمعنى إلا في حال الضرورة، عند غياب لفظ الحديث عن الذهن، وبقاء معناه، أو تشككهم في لفظه، فحينئذ يترخصون في الرواية بالمعنى، لمصلحة تحصيل الحكم وتبليغه (٣).
ومن الشواهد الدالة على ذلك: ما أخرجه أحمد في المسند، عن أبي جعفر، قال: "كان عبد الله بن عمر إذا سمع من نبي الله ﷺ شيئاً، أو شهد معه مشهداً، لم يقصر دونه أو يعدوه. قال: فبينما هو جالس وعُبيد بن عُمير يقصّ على أهل مكة، إذ قال عُبيد بن عمير: مَثَلُ المنافق كمَثَلِ الشاة بين الغنمين، إن أقبلتْ إلى هذه الغنم نطحتها، وإن أقبلتْ إلى هذه نطحتها. فقال عبد الله بن عمر: ليس هكذا! فغضب عُبيد بن عمير، وفي المجلس
стр. 39
عبد الله بن صفوان، فقال: يا أبا عبد الرحمن، كيف قال رحمك الله؟ فقال: قال: "مَثَل المنافق مَثَل الشاة بين الربيضين (١)، إن أقبلتْ إلى ذا الربيض نطحتها، وإن أقبلتْ إلى ذا الربيض نطحتها"، فقال له: رحمك الله هما واحد! قال: كذا سمعتُ، كذا سمعتُ" (٢).
وعن ابن مسعود ﵁، أنه حدَّث يوماً عن النبي ﷺ ، فقال: قال رسول الله ﷺ ، فاغرورقتْ عيناه وانتفختْ أوداجه، ثم قال: "أو دون ذلك، أو فوق ذلك، أو قريباً من ذلك، أو شبيهاً بذلك" (٣).
وفي صحيح البخاري، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "إن عفريتاً من الجنّ تفلّت عليّ البارحة أو كلمة نحوها، ليقطع عليّ الصلاة .. الحديث" (٤). أي قال: كلمة نحوها.
قال العلامة ابن عاشور (ت: ١٣٩٣ هـ) معلقاً على الحديث: "هذا يدلّ على أن أبا هريرة ﵁ كان يتوخَّى ألفاظ النبي ﷺ " (٥).
* * * *
стр. 40
المبحث الرابع
تدوين الصحابة للسُّنَّة النبوية ونماذج من صحائفهم
سبق القول بأن النبي ﷺ كان قد نهى في بداية الأمر عن كتابة ما عدا القرآن الكريم، وقال فيما صحَّ عنه: «لا تكتبوا عنّي شيئاً غير القرآن، ومن كتب عنّي شيئاً غير القرآن فليمحه» (١).
لكنه ﷺ بعد ذلك أَذِنَ في الكتابة لمن شاء بعد أن زالت علَّة المنع، فكتب جماعةٌ من الصحابة طائفة متفرقة من أحاديثه وسنَّته ﷺ ، ودوَّنوها في صُحُفٍ خاصة بهم. وكانت هذه الصُّحُف هي النواة الأولى لما صُنّف بعد ذلك من مصنَّفات حديثية في القرون الثلاثة التالية. فمن تلك الصُّحُف (٢):
• صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص (ت: ٦٥ هـ) ﵄:
١ - فقد ثبت في الصحيح، عن أبي هريرة ﵁، أنه قال: "ما مِنْ أصحاب النبي ﷺ أحدٌ أكثر حديثاً عنه منّي، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتبُ ولا أكتب (٣).
٢ - وكان عبد الله بن عمرو ﵄ قد استأذن النبي ﷺ في كتابة ما يسمعه