وجاء في رواية الموطأ: "فقال عمر بن الخطاب لأبي موسى: أما إني لم أتهمْك، ولكن خشيتُ أن يتقوَّل الناس على رسول الله ﷺ " (١).
وفي رواية الأدب المفرد: "فقال عمر لأبي موسى: والله إنْ كُنْتَ لأميناً على حديث رسول الله ﷺ ، ولكن أحببتُ أن أستثبت" (٢).
وعلى كل حال، فقد كان عمر بن الخطاب ﵁ يحمل الصحابة على التثبت مما يسمعون، والتروي فيما يؤدون، فكان له الفضل الكبير في صيانة السُّنَّة النبوية من الشوائب والدَّخَل.
ومن شواهد أيضاً: ما أخرجه مسلم في مقدّمة الصحيح، عن مجاهد بن جبر ﵀، قال: جاء بُشير العدوي (٣) إلى ابن عباس ﵄، فجعل يحدِّث، ويقول: قال رسول الله ﷺ ، قال رسول الله ﷺ ، فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه (٤)، ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عباس! مالي لا أراك تسمع لحديثي؟ أحدّثُك عن رسول الله ﷺ ، ولا تسمع؟ فقال ابن عباس: "إنّا كنّا مرة إذا سمعنا رجلاً يقول: قال رسول الله ﷺ ، ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا (٥)، فلمَّا ركب الناس الصعب والذلول، لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف" (٦).
стр. 37
ومن الشواهد: ما رواه أحمد في المسند، عن أسماء بن الحكم الفزاري، أنه سمع علي بن أبي طالب ﵁، يقول: "كنتُ إذا سمعتُ من رسول الله ﷺ حديثاً نفعني الله بما شاء أن ينفعني منه، وكان إذا حدَّثني عنه غيره استحلفته، فإذا حَلَفَ صدَّقته" (١).
* ثالثاً: منعُهم الرواية بما قد يعلو على أفهام العامة:
ومعلوم أن تحديث عامّة الناس بكلّ شيء، قد يفضي إلى ريبتهم، واعتراضهم على ما لم يفهموه من السُنَّة، ولم تهضمه عقولهم من المرويات. وربما فهموا تلك المرويات على غير وجه الحق والصواب.
لذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم يشدّدون في هذا الأمر، ويحذرون منه أشد التحذير، كلّ هذا من أجل صيانة السُّنَّة النبوية، والمحافظة عليها من كلّ سوء وشَغَب.
ومن شائع الأمثلة على ذلك: ما أخرجه البخاري في صحيحه، عن علي بن أبي طالب ﵁، أنه قال: "حدِّثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكَذَّبَ الله ورسوله؟ " (٢).
- وأخرج مسلم في مقدّمة صحيحه، عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: "ما أنتَ بمحدّث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة" (٣).
- وفي صحيح البخاري، عن أبي هريرة ﵁، قال: "حفظتُ من
стр. 38
رسول الله ﷺ وعاءين: فأمّا أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قُطِعَ هذا البلعوم" (١).
* رابعاً: حرصهم على رواية الحديث بنصه المسموع:
فقد كان الصحابة الكرام فمن بعدهم يحرصون على أداء ألفاظ الأحاديث النبوية كما هي، دون أن يبدّلوا حرفاً بحرف، أو كلمة بكلمة. وذلك استناداً منهم إلى قوله ﷺ : "نضَّر الله امرأً سمع منَّا شيئاً، فبلَّغه كما سمع" (٢).
لذلك فلم يكنوا يحدِّثون عن رسول الله ﷺ بالمعنى إلا في حال الضرورة، عند غياب لفظ الحديث عن الذهن، وبقاء معناه، أو تشككهم في لفظه، فحينئذ يترخصون في الرواية بالمعنى، لمصلحة تحصيل الحكم وتبليغه (٣).
ومن الشواهد الدالة على ذلك: ما أخرجه أحمد في المسند، عن أبي جعفر، قال: "كان عبد الله بن عمر إذا سمع من نبي الله ﷺ شيئاً، أو شهد معه مشهداً، لم يقصر دونه أو يعدوه. قال: فبينما هو جالس وعُبيد بن عُمير يقصّ على أهل مكة، إذ قال عُبيد بن عمير: مَثَلُ المنافق كمَثَلِ الشاة بين الغنمين، إن أقبلتْ إلى هذه الغنم نطحتها، وإن أقبلتْ إلى هذه نطحتها. فقال عبد الله بن عمر: ليس هكذا! فغضب عُبيد بن عمير، وفي المجلس
стр. 39
عبد الله بن صفوان، فقال: يا أبا عبد الرحمن، كيف قال رحمك الله؟ فقال: قال: "مَثَل المنافق مَثَل الشاة بين الربيضين (١)، إن أقبلتْ إلى ذا الربيض نطحتها، وإن أقبلتْ إلى ذا الربيض نطحتها"، فقال له: رحمك الله هما واحد! قال: كذا سمعتُ، كذا سمعتُ" (٢).
وعن ابن مسعود ﵁، أنه حدَّث يوماً عن النبي ﷺ ، فقال: قال رسول الله ﷺ ، فاغرورقتْ عيناه وانتفختْ أوداجه، ثم قال: "أو دون ذلك، أو فوق ذلك، أو قريباً من ذلك، أو شبيهاً بذلك" (٣).
وفي صحيح البخاري، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "إن عفريتاً من الجنّ تفلّت عليّ البارحة أو كلمة نحوها، ليقطع عليّ الصلاة .. الحديث" (٤). أي قال: كلمة نحوها.
قال العلامة ابن عاشور (ت: ١٣٩٣ هـ) معلقاً على الحديث: "هذا يدلّ على أن أبا هريرة ﵁ كان يتوخَّى ألفاظ النبي ﷺ " (٥).
* * * *
стр. 40
المبحث الرابع
تدوين الصحابة للسُّنَّة النبوية ونماذج من صحائفهم
سبق القول بأن النبي ﷺ كان قد نهى في بداية الأمر عن كتابة ما عدا القرآن الكريم، وقال فيما صحَّ عنه: «لا تكتبوا عنّي شيئاً غير القرآن، ومن كتب عنّي شيئاً غير القرآن فليمحه» (١).
لكنه ﷺ بعد ذلك أَذِنَ في الكتابة لمن شاء بعد أن زالت علَّة المنع، فكتب جماعةٌ من الصحابة طائفة متفرقة من أحاديثه وسنَّته ﷺ ، ودوَّنوها في صُحُفٍ خاصة بهم. وكانت هذه الصُّحُف هي النواة الأولى لما صُنّف بعد ذلك من مصنَّفات حديثية في القرون الثلاثة التالية. فمن تلك الصُّحُف (٢):
• صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص (ت: ٦٥ هـ) ﵄:
١ - فقد ثبت في الصحيح، عن أبي هريرة ﵁، أنه قال: "ما مِنْ أصحاب النبي ﷺ أحدٌ أكثر حديثاً عنه منّي، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتبُ ولا أكتب (٣).
٢ - وكان عبد الله بن عمرو ﵄ قد استأذن النبي ﷺ في كتابة ما يسمعه
стр. 41
منه، فأذن له، وقال: «اكتبْ، فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق» (١).
٣ - وهذه الصحيفة التي كتبها عبد الله بن عمرو كان يسمّيها: "الصحيفة الصادقة"، وكان يضعها تحت وسادته، ويحافظ عليها بشدّة، ويعتزّ بها (٢)، حتى إنه جاء عنه أنه قال: "ما يرغّبني في الحياة إلا الصادقة والوَهْط. فأمَّا الصادقة، فصحيفة كَتَبْتُها من رسول الله ﷺ ، وأما الوَهْط: فأرض تصدّق بها عمرو بن العاص، كان يقوم عليها" (٣).
٤ - ولا يُعرف على وجه التحديد عدد أحاديث هذه الصحيفة، لكن رجَّح بعضُ الباحثين أنها في حدود الأربعمائة، بناء على إحصائية عدد الأحاديث التي رواها عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، مما هو مروي في مسند أحمد والسُّنَن الأربعة (٤).
٥ - وقد أُتيح لمجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀، رؤية هذه الصحيفة عند صاحبها، فقد ورد عنه أنه قال: "رأيتُ عند عبد الله بن عمرو صحيفة، فذهبتُ أتناولها، فقال: مَهْ يا غلامَ بني مخزوم، قلتُ: ما كنتَ تمنعني شيئاً، قال: هذه الصادقة، فيها ما سمعتُهُ من رسول الله ﷺ ، ليس بيني وبينه فيها أحد" (٥).
٦ - وإذ لم تصلنا هذه الصحيفة كما كتبها عبد الله بن عمرو بخطه، فقد ضمّ مسند الإمام أحمد، وبقيّة كتب السُّنَن أحاديث كثيرة منها، وربما معظمها،
стр. 42
مرويّة من طريق حفيده عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص الله عنهما (١).
٧ - ويبدو أن هذه الصحيفة قد حافظ عليها أهل بيت عبد الله بن عمرو، حتى آلتْ بالوراثة إلى حفيده عمرو بن شعيب ﵀، فكان يروي منها (٢).
٨ - وقد نزلتْ درجةُ أحاديث (عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه) إلى ما دون الصحيح، بسبب اختلاف العلماء في عَوْدِ الضمير في قوله: (عن أبيه، عن جدّه)، هل هو عائدٌ إلى جدّ عمرو الأقرب، وهو محمد، فيكون الخبر مرسلاً، أو إنه عائدٌ إلى جدّه الأعلى عبد الله بن عمرو، فيكون متصلاً؟ وأكثرُ العلماء على عَوْد الضمير إلى جدّه الأعلى. وعليه فالإسناد متصلٌ، ليس بمرسل ولا منقطع، بل هو في أعلى درجات الحَسَنِ، كما قرره غيرُ واحد من العلماء، كالحافظ الذهبي وغيره (٣).
٩ - ولعل هذه الصحيفة تُعَدُّ من أوائل السجلات التي دُوِّنَتْ فيها مجموعة من أحاديث النبي ﷺ ، على يد أحد أصحابه الملازمين له، وسمعها منه مباشرة، وقد نقل الحافظ الذهبي عن بعض أهل العلم، أنه قال: "ينبغي أن تكون تلك الصحيفة أصحَّ من كلّ شيء، لأنها مما كتبه عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ ، والكتابة أضبط من حفظ الرجال" (٤).
стр. 43
• صحيفة علي بن أبي طالب (ت: ٤٠ هـ) ﵁:
فقد صحَّ عن أبي الطُّفَيْل، أن علي بن أبي طالب ﵁ سُئِلَ: أخصّكم رسولُ الله ﷺ بشيءٍ؟ فقال: ما خصَّنا رسولُ الله ﷺ بشيءٍ لم يعمّ به الناس، إلا ما كان في قراب (١) سيفي هذا، قال: فأخرج صحيفة مكتوب فيها: «لعن الله من ذَبَحَ لغير الله، ولعن الله من سَرَقَ منار الأرض، ولعن الله من لَعَنَ والديه، ولعن الله من آوى مُحْدِثاً» (٢).
وفي رواية أخرى عن علي ﵁ قال: ما عندنا كتاب نقرؤه إلا كتاب الله غير هذه الصحيفة، قال: فأخرجها، فإذا فيها أشياء من الجراحات وأسنان الإبل (٣)، قال: وفيها: «المدينة حَرَمٌ ما بين عَيْر إلى ثَوْر، فمن أحدث فيها حدثاً، أو آوى محدثاً، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يُقبل منه يوم القيامة صرْف ولا عدل. ومن والى قوماً بغير إذن مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يُقبل منه يوم القيامة صرْف ولا عدل. وذمّة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يُقبل منه يوم القيامة صرْف ولا عدل» (٤).
ويبدو أن صحيفة علي بن أبي طالب هذه كانت صحيفة صغيرة تضم بعضاً من الأحاديث النبوية المتفرقة (٥).
стр. 44
• صحيفة سعد بن عبادة الأنصاري (ت: ١٤ هـ) ﵁:
ففي سُنَن الترمذي، عن ربيعة، قال: أخبرني ابن لسعد بن عبادة، قال: "وجدنا في كتاب سعد: أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد" (١) ..
ولم نعثر على غير هذا الحديث من هذا الكتاب، ولعل كثيراً من الأحاديث التي رويت عن سعد بن عبادة من هذا الكتاب، والله أعلم (٢).
• صحيفة سَمُرَةَ بَنِ جُندب (ت: ٦٠ هـ) ﵁:
فقد ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ في ترجمة ابنه سليمان بن سَمُرَة؛ أنه روى عن أبيه نسخة كبيرة (٣). وكذا ذُكِرَ في ترجمة التابعي الجليل: الحسن البصري؛ أنه روى عن سَمُرَة بن جُندب نسخة كبيرة، غالبها في السُّنَن الأربعة (٤).
• صحيفة عبد الله بن عباس (ت: ٦٩ هـ) ﵄:
فقد أورد ابن سعد في طبقاته بسنده، عن عبيد الله بن علي، عن جدته سلْمى، قالتْ: "رأيتُ عبد الله بن عباس معه ألواحٌ، يكتب عليها عن أبي رافع شيئاً من فعل رسول الله ﷺ " (٥).
وقد ترك ابن عباس كثيراً من كتبه عند وفاته، وآلتْ إلى مولاه كُريب بن أبي مسلم (ت: ٩٨ هـ). فقد ساق ابن سعد بسنده، عن موسى بن عقبة، قال:
стр. 45
"وضع عندنا كُريب حِمْل بعير أو عدل بعير من كتب ابن عباس (١).
• صحيفة أبي بكر الصديق (ت: ١٣ هـ) ﵁:
فقد وَرَدَ عن أبي بكر الصديق ﵁؛ أنه جَمَعَ الحديثَ عن النبي ﷺ ، وكانت الصحيفة خمسمائة حديث، ثم إنه أَمَرَ بها فأُحرقتْ، ولمَّا قيل له في ذلك، قال: "خشيتُ أن أموتَ وهي عندي، فيكون فيها أحاديث عن رجل قد ائتمنته ووثقتُ به، ولم يكن كما حدثني، فأكون قد نقلت ذاك".
وفي رواية: "ويكون قد بقي حديث لم أجده، فيقال: لو كان قاله رسول الله ﷺ ما غبّي على أبي بكر". أي خفي عليه.
لكن ردّ الأئمة كالذهبي والمُعلّمي هذه القصة، وقالوا: بأنها لا تصحّ (٢).
وقال الحافظ ابن كثير معلقاً على سندها: "هذا غريب من هذا الوجه جداً، وعلي بن صالح لا يُعرف" (٣).
* الرَّد على شبهة المستشرقين حول كتابة السُّنَّة النبوية:
والحاصل: أن هذه الصُّحُف وغيرها تدلّ بما لا يدع مجالاً للشك، على وقوع الكتابة للسُّنَّة النبوية في عهد النبي ﷺ فما بعده. وفي ذلك أبلغ الرَّد على المستشرقين وأذنابهم (٤) الذين أنكروا كتابة السُّنَّة في العهد النبوي مطلقاً، وزعموا أن السُّنَّة أُهملت كتابتها، حتى مطلع القرن الثاني أو الثالث الهجري،
стр. 46
مما سَمَحَ للتبديل والتحريف أن يجد طريقه إليها!! فكلّ هذه مزاعم باطلة، وواقع السُّنَّة وتاريخها الصحيح يردّ ذلك.
* توجيه قول الحافظ ابن حجر في زمن تدوين السُّنَّة النبوية:
فإن قيل: فكيف توجّه قول الحافظ ابن حجر وهو من كبار علماء الحديث عندما قال: "إن آثار النبي ﷺ لم تكن في عصر أصحابه، وكبار تبعهم مدوّنة في الجوامع ولا مرتّبة" (١).
وقوله: "أول من دوّن الحديث ابنُ شهاب الزهري (ت: ١٢٤ هـ) على رأس المائة بأمر عمر بن عبد العزيز (ت: ١٠١ هـ)، ثم كثر التدوين ثم التصنيف، وحصل بذلك خير كثير، فلله الحمد" (٢).
والجواب: أن كلام ابن حجر يقصد به التدوين العام الرسمي الشامل للسُنَّة النبوية، فإن هذا لم يحصل إلا في نهاية القرن الأول، بأمر عمر بن عبد العزيز كما سيأتي توضيحه في المبحث السادس، أمَّا مطلق الكتابة للسُنَّة النبوية وتقييدها في الصُّحُف، فإن هذا كان منذ العهد النبوي، واستمرّ واتسع إلى عصر التدوين في المصنّفات الكبرى.
وإذن فهناك فرق بين مطلق الكتابة للسُّنَّة وبين الكتابة المطلقة لها، فمطلق الكتابة كان البدء به منذ زمن النبي ﷺ ، وأما الكتابة المطلقة بنحو شامل وعام، فقد كان البدء به في زمن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى.
* * * *
стр. 47
الفَصْل الثالث
السُّنَّة بعد عصر الخلفاء الراشدين إلى نهاية القرن الثالث
стр. 48
المبحث الأول
الرّحلة في طلب الحديث
كانت الرّحلة في طلب الحديث من أهم الأمور التي يُعنى بها طلبة العلم في عصور الحديث الذهبية، ومن لوازم طريقتهم في التحصيل العلْمي.
وقد رحل كثير من أهل العلم من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وقطعوا المسافات الطويلة لسماع حديث واحد، أو التأكد منه، أو لأجل الالتقاء بأحد العلماء والأخذ عنه.
وكان من أعظم أسباب هذه الرحلات؛ أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا قد تفرَّقوا في الأمصار بعد وفاته، ونزلوا بلداناً عديدة، فكان لزاماً على من يريد سماع حديث رسول الله ﷺ وجمْعه أن يسافر إليهم، وينتقل من بلد إلى بلد.
وقد استمرّ الحال كذلك في عهد التابعين فمن بعدهم، فكان الناس يرحلون إلى العلماء ويقصدونهم من بلدان بعيدة، من أجل السماع منهم والأخذ عنهم.
وقد عقد الإمام البخاري في صحيحه (١) أبواباً ثلاثة متعلّقة بالرّحلة في طلب العِلْم، وهي: "باب ذهاب موسى ﷺ في البحر إلى الخضر"، و"باب الخروج في باب طلب العِلْم"، و"باب الرّحلة في المسألة النازلة وتعليم أهله".
стр. 49
وسوف نعْرض في هذا المبحث لأهم المسائل المتعلّقة بموضوع الرّحلة، من خلال ما يلي:
أولاً: معنى الرّحلة في طلب الحديث:
الرّحلة في طلب الحديث معناها: شدّ الرَّحل والاغتراب من أجل سماع الحديث، وتحصيله وأخذه من أفواه الشيوخ.
ثانياً: أصل الرّحلة في طلب الحديث:
والأصل في مشروعية الرّحلة في طلب الحديث واستحبابها؛ قصة نبي الله موسى ﵊، عندما ارتحل إلى الخضر ﵇، ليتعلم منه، وقال له: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦]، إلى آخر ما قصّه القرآن الكريم علينا في سورة الكهف.
وأيضاً قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]. قال القاضي عياض ﵀: "هذا أصل في وجوب طلب العِلْم، والرّحلة في طلب السُّنَن" (١).
وفي زمن النبي ﷺ رحل كثيرٌ من الناس إليه ﷺ عندما سمعوا بدعوته، من أجل إعلان إسلامهم، وتفهم تعاليم الدين الجديد، ثم انصرفوا إلى أقوامهم لدعوتهم وتبليغهم.
ومن أمثلة ذلك: قصة ضِمَام بن ثعلبة ﵁، عندما وَفَدَ على النبي ﷺ ، وسأله عن الإسلام وشرائعه، ثم أعلن إسلامه، فقال: "آمنتُ بما جئتَ به،
стр. 50
وأنا رسولُ من ورائي من قومي، وأنا ضِمَام بن ثعلبة" (١).
وكان بعض الصحابة ربَّما رحل إلى النبي ﷺ من أجل نازلة يسأله عنها، كما في حديث عقبة بن الحارث ﵁: "أنه تزوج ابنة لأبي إهاب بن عزيز، فأتته امرأة، فقالت: إني قد أرضعتُ عقبة والتي تزوج، فقال لها عقبة: ما أعلم أنك أرضعتني، ولا أخبرتني، فركب (٢) إلى رسول الله ﷺ بالمدينة فسأله، فقال رسول الله ﷺ : «كيف وقد قيل»؟ ففارقها عقبة، ونكحتْ زوجاً غيره" (٣).
كذلك رحلة وفود القبائل العربية إلى النبي ﷺ من أنحاء الجزيرة العربية، لمبايعته على الإسلام، وتعلّم ما جاء به من الوحي (٤).
ثالثاً: أهمية الرّحلة في طلب الحديث:
للرّحلة في طلب الحديث أهمية كبرى، قال الحافظ ابن الصلاح (ت: ٦٤٣ هـ) ﵀: "وإذا فَرَغَ طالب الحديث من سماع العوالي والمهمّات التي ببلده فليرحل إلى غيره" (٥). ويقول صالح بن أحمد التميمي الحافظ (ت: ٣٨٤ هـ): "وينبغي لطالب الحديث ومن عني به؛ أن يبدأ بكتب حديث بلده، ومعرفة أهله منهم وتفهمه وضبطه .. ، ثم يشتغل بَعْدُ بحديث البلدان، والرّحلة فيه" (٦).
стр. 51
* ومن فوائد الرّحلة في طلب الحديث:
١ - تعلُّم الجديد من متون الأحاديث وأسانيدها، والاستزادة منها، ومعرفة مصادرها ومخارجها. فقد رحل غير واحد من الصحابة إلى بلدان أخرى، من أجل سماع حديث لم يسمعوه من النبي ﷺ ، أو من أجل التثبّت من حديث معروف.
٢ - التثبّت من صحة الأحاديث عن طريق سماعها من الراوي الأصلي. فقد كان كثيرٌ من أهل العلم يسمعون الحديث بواسطة، فلا يقنعون حتى يرحلوا إلى الراوي الأصلي، ليسمعوا منه مباشرة دون واسطة، فيكون أقربَ إلى السلامة من الخلل، وفيه تحصيل لعلو الإسناد أيضاً.
وفي ذلك يقول التابعي أبو العالية الرياحي (ت: ٩٠ هـ) ﵀ (١): "كنّا نسمع الرواية عن أصحاب رسول الله ﷺ بالبصْرة، فلم نرض حتى ركبنا إلى المدينة، فسمعناها من أفواههم" (٢).
٣ - تكثير طرق الحديث الواحد، بسماعه من عدد من الشيوخ في أماكن مختلفة. فقد يوجد في طريقٍ ما لا يوجد في الطرق الأخرى، كما أن الحديث يتقوى بكثرة الطرق، كما يقول العلماء.
٤ - التعرّف على أحوال الرواة، لأن المحدّث حين يسافر إلى البلدان، ويلتقي بالرواة، فإنه يتعرّف عليهم عن قُرْب، ويخاطبهم ويسألهم ويسأل عنهم، ويعرف أحوالهم من حيث الثقة والضبط وغير ذلك.
стр. 52
٥ - شيوع العلم وانتشار الأحاديث، بعد أن كانت بعض البلدان أكثر حظاً بالحديث من بعض، فأصبحتْ البلدان كلها تتمتع برواية الحديث والعمل به، وذلك بفضل ارتحال العلماء من بلد إلى بلد، في طلب الحديث وتحصيله وروايته.
٦ - لقاء الحفاظ والأئمة، ومذاكرة الحديث معهم والاستفادة منهم، وقد أشار إلى هذه الفائدة الخطيب البغدادي في كتابه: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (١).
رابعاً: صور من رحلات الصحابة والتابعين في طلب الحديث:
ولأهميّة الرّحلة في طلب الحديث وفوائدها؛ فقد حرص أئمة الإسلام عليها، وعلى لقاء الشيوخ، وتكبَّدوا في سبيل ذلك كثيراً من العناء والمشقة، في سبيل تحصيل أحاديث النبي ﷺ وتلقيها.
ونحن نقص عليك طرفاً مما حفظته لنا كتب العلم من رحلات الراحلين، لترى بنفسك بعض ما بذلوه من جهد ومشقَّة في ذلك، ولنقتصر على عهد الصحابة والتابعين حتى لا يطول الحديث، فمن ذلك:
• رحلة جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁، (ت: ٧٨ هـ)، من المدينة إلى عبد الله بن أنيس ﵁، (ت: ٥٤ هـ)، بالشام من أجل حديث واحد.
فقد أخرج البخاري في الأدب المفرد، من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل، أن جابر بن عبد الله ﵁ حدثه، أنه بلغه حديثٌ عن رَجُلٍ من أصحاب النبي ﷺ ، قال: فابتعتُ بعيراً، فشددتُ إليه رحلي شهراً، حتى قدمتُ الشام،
стр. 53
فإذا عبد الله بن أُنيس ﵁، فبعثتُ إليه أن جابراً بالباب، فرجع الرسول، فقال: جابر بن عبد الله؟ فقلتُ: نعم، فخرج فاعتنقني، قلتُ: حديثٌ بلغني لم أسمعه، خشيتُ أن أموتَ أو تموتَ، قال: سمعتُ النبي ﷺ يقول: «يحشر الله العباد عراة غرلاً بُهْماً»، قلتُ: ما بُهْمَا؟ قال: "ليس معهم شيء، «فيناديهم بصوت يسمعه من بَعُدَ - أحسبه قال: كما يسمعه من قَرُبَ -: أنا الملك، لا ينبغي لأحدٍ من أهل الجنة يدخل الجنة، وأحدٌ من أهل النار يطلبه بمظلمة، ولا ينبغي لأحدٍ من أهل النار يدخل النار، وأحدٌ من أهل الجنة يطلبه بمظلمة»، قلتُ: وكيف؟ وإنما نأتي الله عراة بهما؟ قال: «بالحسنات والسيئات» (١).
• رحلة أبي أيوب الأنصاري ﵁، (ت: ٥٢ هـ)، من المدينة إلى عقبة بن عامر ﵁، (ت: ٥٨ هـ) بمصر:
فقد روى أبو سعد الأعمى، عن عطاء، أن أبا أيوب ﵁، رَحَلَ إلى عقبة بن عامر ﵁ في مصر، وقال له: حديث سمعته من رسول الله ﷺ في سَتْر المسلم، لم يبق أحد سمعه غيري وغيرك، فقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «من سَتَرَ مؤمناً على خِزيةٍ (٢) سَتَرَ الله عليه يوم القيامة»، قال: فأتى أبو أيوب راحلته فركبها، وانصرف إلى المدينة، وما حلَّ رحله" (٣).
стр. 54
• رحلة رجل من الصحابة ﵁، إلى فضالة بن عبيد ﵁، (ت: ٥٣ هـ) في مصر:
فقد روى عبد الله بن بريدة: "أن رجلاً من أصحاب النبي ﷺ رَحَلَ إلى فضالة بن عبيد ﵁ وهو بمصر، فقدم عليه، فقال: مرحباً، قال: أما إني لم آتك زائراً، ولكنْ سمعتُ أنا وأنتَ حديثاً من رسول الله ﷺ ، رجوتُ أن يكون عندك منه علمٌ، قال: كذا وكذا" (١).
• رحلة التابعي أبي عالية الرياحي ﵀، (ت: ٩٠ هـ) (٢) إلى المدينة:
فقد أخرج الدارمي، عن أبي عالية، قال: «إن كنَّا نسمع الرواية بالبصْرة عن أصحاب رسول الله ﷺ ، فلم نرض، حتى ركبنا إلى المدينة، فسمعناها من أفواههم» (٣).
• رحلة عامر الشعبي التابعي ﵀، (ت: ١٠٣ هـ)، إلى مكة في ثلاثة أحاديث ذُكِرَتْ له، لعلَّه يلقى أحداً من أصحاب النبي ﷺ فيسألهُ عنها (٤).
وقد أخرج الشيخان حديثاً من رواية الشعبي، وفي نهايته قال الشعبي لتلميذه: "خذ هذا الحديث بغير شيء، فقد كان الرجل يرحل فيما دون هذا
стр. 55
إلى المدينة" (١).
• رحلات التابعي الجليل سعيد بن المسيّب ﵀، (ت: ٩٤ هـ)، في طلب الحديث، فقد روى الزهري عنه، أنه قال: "إن كنتُ لأسير ثلاثاً في الحديث الواحد" (٢).
• رحلة أحد التابعين من المدينة إلى أبي الدرداء ﵁، (ت: ٣٢ هـ) بالشام:
فقد روى كثير بن قيس، قال: قَدِمَ رجلٌ من المدينة على أبي الدرداء ﵁، وهو بدمشق، فقال: ما أقدمك يا أخي؟ قال: حديثٌ بلغني أنك تحدِّثه عن رسول الله ﷺ ، قال: أما جئتَ لحاجة؟ قال: لا. قال: أما قدمتَ لتجارة؟ قال: لا. قال: ما جئتُ إلا في طلب هذا الحديث. قال: فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «من سَلَكَ طريقاً يطلب فيه علماً، سَلَكَ الله به طريقاً من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاً لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض، والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد، كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورِّثوا ديناراً، ولا درهماً، وإنما ورَّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر» (٣).
والأخبار في الباب كثيرة، ولعل فيما ذكرناه كفاية.
* * * *
стр. 56
المبحث الثاني
مظاهر عناية التابعين بالسُّنَّة النبوية وحفظها وتدوينها
عَرَفَ علماءُ التابعين قيمة السُّنَّة النبوية ومكانتها في الإسلام، فعنوا بها، وحافظوا عليها أعظم عناية وأكبر محافظة. ولعلَّنا نلقي الضوء على بعض ما بذلوه من جهود في ذلك.
أولاً: رحلاتهم في طلب السُّنَّة النبوية:
فقد ارتحل علماء التابعين إلى مختلف الأقطار والأمصار، من أجل سماع السُّنَّة وتحصيلها من أصحاب النبي ﷺ ، أو ممن هم من كبار التابعين، وقد تقدَّم طرفٌ من أخبارهم في ذلك في المبحث السابق.
ثانياً: تحرِّيهم وتمحيصهم للمرويات:
فقد كان علماء التابعين يتثبَّتون كثيراً في المرويات، ولا يقبلون إلا ما اطمأنت إليه قلوبهم، بعد التحري والتمحيص. وكانوا يقولون: "إن هذا العلم دِيْنٌ، فانظروا عمن تأخذون دينكم"، صَحَّ ذلك عن التابعي الجليل محمد بن سيرين رحمه الله تعالى (ت: ١١٠ هـ) (١).
стр. 57
ثالثاً: سؤالهم عن الإسناد:
فقد كانوا يسألون عن الإسناد، ويتحرَّون ثقة الرواة، والتأكد من سلامة عقيدتهم، خاصة بعد ظهور الفتن والبدع. ومن أمثلة ذلك: ما صحَّ عن محمد سيرين ﵀ (ت: ١١٠ هـ) أنه قال: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلمَّا وقعت الفتنة (١)، قالوا: سمّوا لنا رجالكم، فيُنظر إلى أهل السُّنَّة فيؤخذ حديثهم، ويُنظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم" (٢).
وعن سليمان بن موسى، أنه لقي طاووس بن كيسان ﵀ (ت: ١٠٦ هـ)، أحد أئمة التابعين، فقال له: "إن رجلاً حدَّثني بكيتَ وكيتَ. فقال له طاووس: "إن كان مليّاً فخذ منه" (٣). أي ثقة ضابطاً متقناً لما يروي.
رابعاً: إقلالهم من الرواية:
فقد كان علماء التابعين رحمهم الله تعالى يسلكون طريقة شيوخهم من الصحابة الكرام، في الإقلال من الرواية، وعدم التوسع فيها، خشية الوقوع في الخطأ أو الكذب على النبي ﷺ ، من غير قصد.
فعن عامر الشعبي (ت: ١٠٣ هـ)، أحد أئمة التابعين، قال: "لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ، ما حدَّثتُ إلا بما أجمع عليه أهل الحديث" (٤).
وعن خالد الحَذَّاء ﵀ (ت: ١٤١ هـ) قال: "كنا نأتي أبا قلابة ﵀
стр. 58
(ت: ١٠٤ هـ) (١)، فكان إذا حدثنا بثلاثة أحاديث، قال: قد أكثرتُ" (٢).
خامساً: عنايتهم بالكتابة والتقييد:
فقد اعتنى كثيرٌ من علماء التابعين ﵏ بكتابة الحديث وتقييده في الصُّحُف، والترغيب في ذلك. وسيأتي الحديث عن بعض صحائفهم التي دونوها في السُّنَّة النبوية، في المبحث التالي.
* * * *
стр. 59
المبحث الثالث
موقف علماء التابعين من كتابة الحديث ونماذج من صحائفهم ومظانّها في المصنَّفات والجوامع
كان بعض علماء التابعين ﵏ يكرهون كتابة الحديث في الصُّحُف، خشية الاعتماد عليها وإهمال الحفظ.
بينما كان أكثرهم على خلاف هذا الرأي، فقد كانوا يكتبون الحديث ويحضّون عليه، ويحرصون على ذلك. ولأجل هذا نشطتْ الكتابة في عهدهم، وانتشرتْ على نطاق واسع، حتى أصبحت الكتابة من لوازم حلقات العلم المنتشرة في الأمصار، إلى جانب الحفظ في الصدور (١).
* أسباب توسُّع علماء التابعين في كتابة السُّنَّة النبوية:
ولعل من أسباب توسُّع علماء التابعين في كتابة السُّنَّة أكثر من ذي قبل:
١ - موت كثير من حفّاظ السُّنَّة من الصحابة وكبار التابعين، فخيف بذهابهم ذهابُ كثير من السُّنَّة وضياعها.
٢ - انتشار الروايات وطول الأسانيد نوعاً ما، وكثرة أسماء الرواة وكناهم وأنسابهم.
٣ - ظهور بعض البدع والكذب، مما أوجب الكتابة لحماية السُّنَّة من
стр. 60
دخول التحريف فيها (١).
* ومن أقوال علماء التابعين في الترغيب في كتابة الحديث:
• قول الحسن بن أبي الحسن البصري رحمه الله تعالى (ت: ١١٠ هـ): "ما قُيّد العلم بمثل الكتاب، إنما نكتبه لنتعاهده"، يعني الحديث (٢).
• وقول عامر الشعبي ﵀ (ت: ١٠٣ هـ): "إذا سمعتم منّي شيئاً فاكتبوه، ولو في حائط" (٣).
• وقول أبي قلابة؛ عبد الله بن زيد الجَرْمي ﵀ (ت: ١٠٤ هـ): "الكتاب أحبُّ إليّ من النسيان" (٤).
* نماذج من صحائف التابعين في السُّنَّة النبوية:
ونحن الآن ذاكرون بعض من كان يكتب الحديث، من علماء التابعين، مرتبّين على الوفيات، دون قصد التقصّي أو الاستيعاب، لأنه باب يطول جداً (٥).
فمن هؤلاء:
١ - سليمان بن قيس اليشكري ﵀ (ت: ٨٠ هـ)، فقد أخرج الخطيب من طريق أبي بشر، قال: قلتُ لأبي سفيان: مالي لا أراك تحدِّث كما يحدِّث
стр. 61
سليمان اليشكريّ؟ قال أبو سفيان: "إن سليمان اليشكريّ كان يكتبُ ولم أكن أكتب" (١).
٢ - عروة بن الزبير بن العوام ﵀ (ت: ٩٣ هـ)، فقد كان يكتبُ ما يسمعه من خالته عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵄ (٢).
٣ - سعيد بن جبير ﵀ (ت: ٩٥ هـ)، فقد صحَّ عنه، أنه قال: "كنتُ أسير مع ابن عباس في طريق مكة ليلاً، وكان يحدثني بالحديث، فأكتبه في واسطة الرَّحل، حتى أُصبح فأكتبه" (٣).
٤ - بشير بن نَهيك ﵀ (ت: ١٠٠ هـ)، فقد روى أبو مجلز، عن بشير بن نَهيك، قال: "كنتُ أكتبُ ما أسمعُ من أبي هريرةَ ﵁، فلمَّا أردتُ أن أفارقه، أتيته بكتابه فقرأته عليه، وقلتُ له: هذا سمعتُ منك؟ قال: نعم" (٤).
٥ - سالم بن أبي الجعد ﵀ (ت: ١٠٠ هـ)، فقد قيل لإبراهيم النخعي: "ما لسالم ابن أبي الجعد أتمّ حديثاً منك؟ قال: لأنه كان يكتبُ" (٥).
٦ - مجاهد بن جبر ﵀ (ت: ١٠٤ هـ)، فقد روى أبو يحيى الكناسي، قال: " كان مجاهد يَصْعَدُ بي إلى غرفته، فيُخْرِجُ إليّ كتبه، فأنسخ منها" (٦).
٧ - عامر بن شراحيل الشعبي ﵀ (ت: ١٠٣ هـ)، كانت له كتب عدة؛
стр. 62
في الفرائض والجراحات وغيرها (١).
٨ - خالد بن معدان الكلاعي ﵀ (ت: ١٠٣ هـ)، فقد روى بحير بن سعد: أن عِلْمَ خالد بن معدان، كان في مصحف له أزرار وعُرى (٢).
٩ - أبو قلابة عبد الله بن زيد الجَرْمي ﵀ (ت: ١٠٤ هـ)، فقد كانت لديه صُحُف في الحديث، وقد أوصى أن تدفع إلى أيوب السختياني (٣).
١٠ - أبو الزبير محمد بن مُسلم المكي ﵀ (ت: ١٢٦ هـ)، كان له كتابان عن الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁، أحدهما سمعه منه مباشرة، والآخر بواسطة (٤).
١١ - همّام بن منبِّه ﵀ (ت: ١٣٢ هـ)، فقد كانت له صحيفة في الحديث، كتبها عن أبي هريرة ﵁، وكان يسميها: (الصحيفة الصحيحة). يقول الدكتور محمد عجاج الخطيب (ت: ١٤٤٣ هـ) ﵀: "وقد وصلتنا هذه الصحيفة كاملة، كما رواها ودوَّنها همّام عن أبي هريرة. فقد عَثَرَ على هذه الصحيفة الدكتور محمد حميد الله، في مخطوطتين متماثلتين في دمشق وبرلين. وتزداد ثقتنا بصحيفة همّام، حينما نعلم أن الإمام أحمد قد نقلها بتمامها في "مسنده"، في موضع واحد، كما نقل الإمام البخاري عدداً كثيراً من أحاديثها، في "صحيحه"، في أبواب شتّى" (٥).
ويبلغ عدد أحاديث هذه الصحيفة (١٣٨) حديثاً، تُروى من طريق
стр. 63
عبدالرزاق بن همّام الصنعاني، عن مَعْمَر بن راشد الصنعاني، عن همّام بن منبّه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة ﵁، عن النبي ﷺ .
وقد حقَّق هذه الصحيفة: الدكتور محمد حميد الله الهندي (ت: ٢٠٠٢ م) ﵀، كما قدَّمنا، ثم أعاد تحقيقها مع شرْحها الدكتور رفعت فوزي عبد المطلب حفظه الله، ونَشَرَها في مجلد ضخم مع كتابة دراسة مستفيضة عنها.
* * * *
стр. 64
المبحث الرابع
أثر الخلافات السياسية والمذهبية في رواية الحديث
١ - أخرج مسلم في مقدّمة صحيحه، أنَّ بُشيراً العدوي، جاء إلى ابن عباس ﵄، فجعل يحدّث، ويقولُ: قال رسول الله ﷺ ، قال رسول الله ﷺ (مكرر)، فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه أي لا يستمع له ولا ينظر إليه. فقال: يا ابن عباس! مالي لا أراك تسمع لحديثي؟ أحدثك عن رسول الله ﷺ ، ولا تسمع! فقال ابن عباس: "إنَّا كنَّا مرة إذا سمعنا رجلاً يقول: قال رسول الله ﷺ ، ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا. فلما رَكِبَ الناسُ الصَّعب والذلول، لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف" (١).
وفي رواية عن ابن عباس، أنه قال: "كنا نحدث عن رسول الله ﷺ ، إذ لم يكن يُكْذَبُ عليه، فلما رَكِبَ الناسُ الصَّعب والذلول، تركنا الحديث عنه" (٢).
وفي مقدّمة صحيح مسلم، عن التابعي الجليل محمد بن سيرين ﵀، قال: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة (٣)، قالوا: سمّوا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السُّنَّة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع
стр. 65
فلا يؤخذ حديثهم" (١).
٢ - هذه النصوص وغيرها تدلّ على أن الحديث النبوي ظلّ في صدر الإسلام وأيام الخلافة الراشدة نقياً صافياً، لم يكدّره كذب، ولم يداخله تحريف، إلى أن وقعت الفتن، وأطلَّت برأسها، بعد استشهاد الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁.
٣ - لقد كان أصحاب رسول الله ﷺ في الصدر الأول، على منهاج الصدق والسلامة، والأمانة والاستقامة، لا يعرفون الكذب، ولا يسألون عن الإسناد، لثقة القوم ورسوخ إيمانهم. ولم يكن أحدٌ منهم يقف في قبول ما يسمعه من أحاديث وأخبار.
٤ - لكن وبعد استشهاد عثمان بن عفان ﵁ تغيّر الوضع كثيراً، فقد تفرَّق الناس إلى شيع متنازعة، وأحزاب متناحرة، وأخذ جهلةُ كلّ فرقة يضعون من الأحاديث ما يدعم موقفهم، ويؤيد أفكارهم، أو يذم خصومهم، ويشوّه صورتهم.
٥ - وعندما رأى أصحاب النبي ﷺ ذلك أخذوا يتشدَّدون في باب الرواية، من أجل المحافظة على السُّنَّة النبوية، ويحتاطون في قبول الأحاديث، ولا يقبلونها إلا بعد السؤال عن الإسناد، ومعرفة أحوال الرواة.
وفي الوقت نفسه أخذ علماء التابعين يرجعون إلى من بقي من الصحابة، ويرحلون إليهم، ليسألوهم عن الأحاديث، كي يتأكدوا من ثبوتها. وكان الصحابة الكرام يبيّنون لهم، ويميّزون بين الغثَّ والسمين، وبين ما يصحّ وما لا يصحّ.
стр. 66
وهذا مصداق ما تقدَّم عن أبي العالية الرياحي ﵀ (ت: ٩٠ هـ)، عندما قال: "كنا نسمع الرواية عن أصحاب رسول الله ﷺ بالبصْرة، فلم نرضَ حتى ركبنا إلى المدينة، فسمعناها من أفواههم" (١).
٦ - وكان علماء التابعين ﵏ يتذاكرون الحديث فيما بينهم، فيأخذون ما عرفوا ويتركون ما أنكروا، كما قال الإمام الأوزاعي ﵀ (ت: ١٥٧ هـ): "كنا نسمع الحديث فَنَعرضه على أصحابنا، كما يعرض الدرهم الزائف، فما عرفوا منه أخذنا به، وما أنكروا تركناه".
٧ - وهكذا أصبح السؤال عن الإسناد، وطلبُ معرفة أحوال الرواة محلَّ اهتمامٍ كبير بين العلماء، منذ وقت مبكر، وكلَّما مرّ الوقت أكثر ازداد اهتمامهم أكثر، حتى أصبح كلّ محدِّث يحرص على إسناد حديثه، والكشف عن رجاله، وصار يُنظر إلى الحديث الذي لا سَنَدَ له كالبيت الذي لا أساس له.
٨ - ونتيجة لهذا الاهتمام البالغ بالإسناد، فقد التزمتْ به الكتب التي أُلِّفتْ فيما بعد في الأحاديث، وأصبحتْ تسمَّى اختصاراً بكُتُبَ المسانيد، أو الكتب المسندة.
стр. 67
المبحث الخامس
عناية الصحابة والتابعين بكتابة السُّنَّة وتدوينها
١ - سبق القول بأن النبي ﷺ كان قد أَذِنَ بكتابة سُنَّته وأحاديثه، بعد منعه من ذلك، وبيَّنا هناك أسباب المنع والإذن، بما لا حاجة إلى تكراره.
٢ - وبعد هذا الإذن، أخذ بعض الصحابة رضوان الله عليهم يكتبون بعض ما كانوا يسمعونه منه ﷺ ، من أحاديث في حياته وبعد وفاته، كالصحابي الجليل علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عباس، وسَمُرة بن جُنْدُب ﵃، وقد تقدَّم ذكر بعض صحائفهم التي دوَّنوها في السُّنَّة (١).
٣ - كذلك كان بعض صغار الصحابة يكتبون الحديث عمَّن هو أسنّ منهم من الصحابة، كما جاء عن عبد الله بن عباس ﵄؛ أنه كان يأتي أبا رافع ﵁، فيسأله: ما صَنَعَ النبي ﷺ يوم كذا؟ ومع ابن عباس من يكتب له ما يقول (٢).
٤ - وبعض الصحابة كان يكتبُ بعض السُّنَّة النبوية ويرسلها إلى غيره، كما صحَّ عن أنس بن مالك ﵁، أن أبا بكر الصديق كتب لهم: "إن هذه فرائض الصدقة، التي فَرَضَ رسولُ الله ﷺ على المسلمين … ، ثم ذكرها" (٣).
стр. 68
٥ - وبعضهم كان يأذن لغيره في الكتابة عنه، كما صحَّ عن عائشة ﵂ مع ابن أختها عروة بن الزبير (١)، وعن أبي هريرة مع تلميذه بشير بن نَهيك (٢).
٦ - وبعضهم كان يملي الأحاديث بنفسه على غيره، كما روي عن البراء بن عازب ﵁، أنه كان يحدِّث ويكتب حديثه من حوله. فعن عبد الله بن حنش، قال: "رأيتهم عند البراء يكتبون على أيديهم بالقصب" (٣).
٧ - وكان بعض الصحابة يسأل غيره أن يكتب له بسُنَّة النبي ﷺ ، كما صحَّ عن معاوية بن أبي سفيان، أنه كتب إلى المغيرة بن شعبة: أن اكْتُبْ إليّ بحديث سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: فكتب إليه المغيرة: إني سمعته يقول عند انصرافه من الصلاة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له .. وذكر بقيّة الحديث (٤).
٨ - وكان بعضهم يوصي بكتابة الحديث ويرغّب الناس فيه، كما جاء عن غير واحد من الصحابة ﵃، كعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وأنس ابن مالك وابن عباس ﵃، أنهم قالوا: "قيّدوا العلم بالكتاب" (٥).
وكلّ هذه الآثار تدل على أن كراهةَ من كَرِهَ من الصحابة الكرام كتابةَ الأحاديثِ إنما كان خشية الاشتغال بكتب الحديث عن القرآن الكريم، أو
стр. 69
مضاهاتها بالقرآن الكريم. قال الخطيب البغدادي: "فلمَّا أُمِنَ ذلك، ودعتْ الحاجة إلى كتب العلم لم يكره كتبه" (١).
٩ - وأما في عهد التابعين رحمهم الله تعالى فقد توسَّع الاهتمام بكتابة الحديث أكثر فأكثر، حتى غلبتْ عليهم الكتابة، "إلا من كان ذا حافظة نادرة، كالشعبي والزهري وقتادة، فقد كانوا لا يرون إبقاء الكتب، لكن يكتب ما يسمع ثم يتحفظه، فإذا أتقنه محاه. وأكثرهم كانت كتبه باقية عنده، كسعيد بن جبير والحسن البصري وعبيدة السلماني، ومُرَّة الهمداني وأبي قلابة الجرْمي وأبي المليح وبَشير بن نَهيك وأيوب السختياني، ومعاوية بن قرة ورجاء بن حيوة وغيرهم" (٢).
وقد تقدَّم معنا نماذج من هذه الصحائف مما لا حاجة إلى تكراره.
* * * *
стр. 70
المبحث السادس
مراحل جمْع السُّنَّة والجهد الذي قام به عمر بن عبد العزيز ﵀ في ذلك
١ - رأينا في الفصول السابقة أن كثيراً من الصحابة والتابعين كانوا يكتبون السُّنَّة النبوية، ويدوِّنونها في الصُّحُف، ويرغِّبون الناس في ذلك، ويحثّون عليه.
٢ - بَيْدَ أن كتاباتهم كانت كتاباتٍ متفرقة ومتناثرة، وباجتهاد شخصي خاص.
٣ - وقد همَّ عمرُ بن الخطاب ﵁ بجمْع السُّنَّة النبوية، وكتابتها أيام خلافته، واستشار الصحابة في ذلك، لكنه عَدَلَ عن الأمر خشية اختلاط السُّنَّة بالقرآن الكريم، خاصة على من أسلم حديثاً، أو خشية أن ينصرف الناسُ بسببها عن القرآن الكريم، أو يضاهوا بها القرآن الكريم، وربما لم ير الحاجة قائمة للتدوين لتوافر وجود حفَّاظ الصحابة وقتها، فَعَدَلَ عن الأمر.
روى عروة بن الزبير، أن عمر بن الخطاب ﵁، أراد أن يكتب السُّنَنَ، فاستفتى أصحاب النبي ﷺ في ذلك، فأشاروا عليه بأن يكتبها، فطفق عمرُ يستخير الله فيها شهراً. ثم أصبح يوماً وقد عزم الله له، فقال: "إني كنتُ أُريد أن أكتبَ السُّنَنَ، وإني ذكرتُ قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً، فأكبّوا عليها،
стр. 71
وتركوا كتاب الله، وإني والله لا أشوبُ كتاب الله بشيء أبداً" (١).
وهذا الأثر يدلّ على أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يرى جواز جمع السُّنَّة وكتابتها، ولولا ذلك ما استشار الصحابة الكرام، ولا أشاروا عليه بذلك، وإنما تراجع عن ذلك للأسباب التي ذكرنا.
٤ - وأول محاولة لتدوين السُّنَّة النبوية وجمْعها، على نحو شامل رسمي، كانت على يد الخليفة الأموي: عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى (ت: ١٠١ هـ)، عندما كَتَبَ إلى عامله في المدينة المنورة أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (ت: ١٢٠ هـ) (٢)، يقول له: "انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه، فإني خِفْتُ دروسَ العلم وذهابَ العلماء، ولا تقبل إلا حديث النبي ﷺ ، ولتَفْشوا العِلْم، ولِتَجْلسوا، حتى يَعْلَم من لا يَعْلَم، فإن العلم لا يهلِك حتى يكون سِرَّاً (٣) " (٤).
٥ - وواضحٌ أن عمر بن عبد العزيز ﵀ لم يُقْدِم على هذا العمل إلا بعد أن رأى نشاط علماء التابعين في كتابة السُّنَّة، فأحبَّ أن يتحوَّل الأمر من عَمَلٍ
стр. 72
فردي خاص، إلى عَمَلٍ جماعي شامل.
٦ - كذلك وجَّه عمر بن عبد العزيز ﵀ أمره هذا إلى الإمام الحافظ محمد بن شهاب الزهري، أحد كبار أئمة الحديث في زمانه (ت: ١٢٤ هـ)، فأمره بجمْع السُّنَّة وتدْوِينها.
فقد روى سعيد بن زياد، عن ابن شهاب الزهري، أنه قال: "أَمَرَنا عمر بن عبد العزيز بجمع السُّنَن، فكتبناها دفتراً دفتراً. فَبَعَثَ إلى كلّ أرض له عليها سلطان دفتراً" (١).
وهذا النص يدلّ على أن عمر بن عبد العزيز لم يكتف بالأمر بجمع السُّنَّة فحسب، بل إنه نسخ مما جمع نسخاً عدّة، وأرسل بها إلى البلدان.
٧ - ولعلّ من أهمّ الأسباب التي حملتْ عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى على جمْع السُّنَّة النبوية:
(أ) موتُ كثير من علماء الصحابة وكبار التابعين ﵃، فخيف بموتهم ضياع السُّنَّة وذهابها، وهو ما عبَّر عنه عمر بن عبد العزيز بقوله: "فإني خفتُ دروس العِلْم، وذهاب العلماء".
(ب) ضعْف مَلَكَة الحِفْظ والذاكرة، مع انتشار الكتابة بين الناس، واعتمادهم عليها.
(ج) ظهور بعض البدع والكذب في الأحاديث، مما دَفَعَ العلماء إلى العناية بتدوين السُّنَّة، حتى لا يدخل فيها ما ليس منها.
٨ - وقد صرَّح العلماء بأسبقية عمر بن عبد العزيز في تدوين السُنَّة النبوية،
стр. 73
كقول الإمام السيوطي ﵀: "وأما ابتداء تدوين الحديث، فإنه وقع على رأس المائة في خلافة عمر بن عبد العزيز بأمره" (١).
وبنحوه قال الحافظ ابن حجر ﵀، فإنه بعد إيراده أَمْرَ عمر بن عبد العزيز ﵀ بجمْع السُّنَّة، قال: "يستفاد منه ابتداء تدوين الحديث النبوي، وكانوا قبل ذلك يعتمدون على الحفظ، فلما خاف عمر بن عبد العزيز وكان على رأس المائة الأولى من ذهاب العلم بموت العلماء، رأى أن في تدوينه ضبطاً له وإبقاء" (٢).
وقد دلَّت الرواياتُ على أن عمر بن عبد العزيز ﵀، لم يكتفِ بأمر من أمرهم بجمع السُنَّة، بل لقد أرسل إلى أمرائه في الآفاق، يحثّهم على تشجيع العلماء على دراسة السُّنَّة وإحيائها، وجَعَلَ لأهل العلم نصيباً في بيت المال، يسدُّ حاجاتهم، كي يتفرغوا لنشر العلم والانقطاع له. وكان ﵀ يشارك العلماء في مناقشة بعض ما جمعوه من السُنَّة، ويتباحث معهم فيها (٣).
وكما قدَّمنا فإن التدوين الذي كان في زمن عمر بن عبد العزيز، إنما هو التدوين الرسمي العام للسُنَّة النبوية، أما تقييد السُّنَّة وكتابتها في الصُّحُف والكراريس والرّقاع، فقد مارسه الصحابة في عهد رسول الله ﷺ ، ولم ينقطع بعد وفاته ﵊. بل بقي جنباً إلى جنب مع الحفظ في الصدور، حتى قَيَّضَ الله تعالى للحديث من يودعه في المدوَّنات الكبرى (٤).
* * * *
стр. 74
المبحث السابع
بدايات التصنيف في الحديث وأنواع المصنَّفات الحديثية التي ظهرت خلال القرن الثاني والتعريف ببعضها
١ - بعد محاولة عمر بن عبد العزيز ﵀ الموفقة في جمْع السُّنَّة النبوية، ازدهر نشاط العلماء في تدوين الحديث وكتابته، وتحوَّل من مجرد كتابة الحديث في الكراريس والصُّحُف، إلى جمعه في مؤلَّفات مستقلَّة، مرتَّبة على الأبواب، فأخذت المصنَّفات الحديثية تظهر تباعاً، ابتداء من مطلع القرن الثاني، وقد جَمَعَها أصحابها ورتَّبوها في مؤلَّفات مبوَّبة مرتَّبة، حَسَبَ الموضوعات المتناسبة.
٢ - ولعلّ من أوائل من ألَّف في الحديث ورتَّبه على الأبواب: عبد الملك بن جُريج (ت: ١٥٠ هـ) بمكة.
ومحمد بن إسحاق (ت: ١٥١ هـ)، ومالك بن أنس (ت: ١٧٩ هـ) بالمدينة المنورة.
وسعيد بن أبي عروبة (ت: ١٥٦ هـ) وحماد بن سَلَمَة (ت: ١٦٧ هـ) بالبصرة.
وسفيان بن سعيد الثوري (ت: ١٦١ هـ) بالكوفة.
ومَعْمَر بن راشد (ت: ١٥٣ هـ) باليمن.
وعبدالرحمن بن عمرو الأوزاعي (ت: ١٥٧ هـ) بالشام.
стр. 75
وعبد الله بن المبارك (ت: ١٨١ هـ) بخراسان.
وهشيم بن بشير (ت: ١٨٣ هـ) بواسط.
وغيرهم رحمهم الله تعالى، وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء (١).
٣ - وكانت طريقة المؤلَّفات الحديثية في القرن الثاني؛ أنها تجْمع الأحاديث النبوية، وإلى جوارها أقوال الصحابة، وفتاوى التابعين (٢)، وربَّما أضافتْ اجتهادات وآراء المصنّفين أنفسهم، كما نراه واضحاً في "موطأ الإمام مالك ﵀"، الذي سيأتي التعريف به بعد قليل.
• التعريف بموطأ الإمام مالك ﵀:
ولعلَّه من المناسب الآن التعريف، بأحد أشهر الكتب الحديثية، المؤلَّفة في القرن الثاني الهجري، وهو كتاب ((الموطأ))، للإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى.
١ - اسم الكتاب: "الموطَّأْ"، وهو من تأليف الإمام المجتهد الفقيه، أمير المؤمنين في الحديث، صاحب المذهب: مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصْبَحي الحِمْيَري المدني، إمام دار الهجرة، المولود سنة: ٩٣ هـ، والمتوفى سنة: ١٧٩ هـ رحمه الله تعالى، وهو من أتباع التابعين.
٢ - يُعَدُّ كتاب "الموطأ" من أقدم كتب السُّنَّة النبوية، التي وصلت إلينا حتى الآن.