← Сияса и кади

Сияса и кади · id 12400

الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية

ابن الطقطقي

Полный текст (316 стр.). Показаны 281–316 · переход к 286.

стр. 281

تولاها وليس له عدوّ ... وفارقها وليس له صديق (وافر) ثم اعتزل وتزهّد ولبس ثياب القطن وتوجّه إلى الحجّ، وأقام بمدينة الرّسول- صلوات الله عليه وسلامه- فكان يكنس المسجد النبويّ ويفرش الحصر ويشعل المصابيح وعليه ثوب من غليظ الخام، وبدأ يحفظ القرآن وختمه هناك. وله شعر لا بأس به فمنه قوله: إنّ من شتّت الجميع من الشّمل ... قدير بأن يجمع أهلا لست مستيئسا وإن طال هجر ... ربّ هجر يكون عقباه وصلا وإذا أعقب الوصال فراق ... كان ذاك الوصال في القلب أحلى (خفيف) ومات- ﵁ في سنة ثلاث عشرة وخمسمائة. انقضت أيّام المقتدي بأمر الله ووزرائه. ثمّ ملك بعده ابنه المستظهر باللَّه أبو العبّاس أحمد بويع له بالخلافة في سنة سبع وثمانين وأربعمائة. كان المستظهر كريما وصولا، حسن الأخلاق كبير الهمّة سهل العريكة مهذّب الخلال، محبّا للخير مبغضا للظلم. في أيّامه تفاقم حال الباطنيّة [١] واستولوا على المعاقل والحصون بخراسان. وكان أصل دعوتهم بخراسان الحسن بن صباح [٢] وهو رجل أصله من مرو، وسافر إلى مصر وأخذ من دعاة آل أبي طالب بها المذاهب، وكان رجلا ذا دهاء وصاحب حيل، ثمّ إنّه رجع من مصر إلى خراسان وصار داعيا لآل أبي طالب وتوصّل بأنواع التوصّلات حتّى ملك قلعة من بلاد الدّيلم

стр. 282

تعرف بالرّوذبار فلمّا ملكها قوي أمره واستغوى طوائف من النّاس، وفشا مذهب الباطنيّة ونما، وأعتقده خلق من الأكابر في باطن الأمر. وما زال يستفحل أمرهم إلى أن قصدت العساكر المغوليّة قلاعهم وفعلت بها ما فعلت. ومات المستظهر في سنة اثنتي عشرة وخمسمائة. شرح حال الوزارة في أيّامه لم يكن للوزارة في أيّامه كبير أبّهة. فمن وزرائه زعيم الرّؤساء أبو القاسم عليّ بن فخر الدّولة بن جهير، لم تطل أيّامه. ولم يكن له من السّير ما يؤثر، وبعد يسير من وزارته عزل وقبض عليه. وزارة أبي المعالي هبة الله بن محمّد ابن المطّلب للمستظهر كان رجلا كافيا من كفاة الدّولة العبّاسيّة، واستوزره المستظهر بعد زعيم الرّؤساء ابن جهير، وكان قبل الوزارة يتولّى ديوان الزّمام. فحدّث عنه بعض أصحابه قال: دخلت يوما الوزارة وهو صاحب ديوان. فرأيته مفكّرا مضطرب الخاطر، فسألته عن السّبب فقال: كنت قد أنهيت إلى المستظهر في السّنة الخالية اجتهادي في عمارة البلاد وضبطي وتثميري للحاصل، وقلت قد حصل في هذه السنة اثنا عشر ألف كرّ وفي السّنة المستقبلة يحصل عشرون ألف كرّ، فخرج جوابه يشكرني ويثني عليّ وشرّفني بشيء من ثيابه، فسررت وقلت: هذه ثمرة الاجتهاد. ثمّ جرّدت همّتي للعمارة وانبعثت بجهدي وطاقتي في عمارة المستقبل، فاتّفق أن انفجر بثق [١] فتلف من الارتفاع شيء كثير، وجرت أحوال أخر اقتضت خفوق الارتفاع بحيث نقص عن ارتفاع السّنة الخالية فكتبت مطالعة إلى الخليفة أعرّفه فيها بخفوق الارتفاع، وذكرت له كميّة الحاصل ولم أشرح له السّبب في

стр. 283

نقيصة الارتفاع، وقلت في نفسي: إن سالني عن السّبب شرحته له، فخرج جوابه إليّ يشكرني ويثني عليّ وشرّفني بشيء من ثيابه كما فعل في السّنة الخالية، فقلت في نفسي: وا ويلاه! هذا حالي معه في حالة الاجتهاد والتقصير، وقد شكرني على الحالتين المتناقضتين، وهذا يدلّ على أنّه لا يفكّر فيما يقوله ويفعله، فما يؤمنني أنّ بعض من هو قريب إليه من أعدائي يعرض عليه في أمري ما يكون سببا لهلاكي فلا يتأمّل القضيّة بل يتقدّم بما يوافق غرض العدوّ؟ قال الحاكي: فقلت له يعيذك الله ويقيك ممّا تحذر، وما برحت حتّى سلّيته وأزلت غمّه. وكان هذا أبو المعالي بن المطّلب من علماء الوزراء وأفاضلهم وأخيارهم. انقضت أيام المستظهر باللَّه ووزرائه. ثمّ ملك بعده ابنه المسترشد أبو منصور الفضل بن المستظهر باللَّه بويع في سنة اثنتي عشرة وخمسمائة. كان المسترشد رجلا فاضلا، ولما بويع بالخلافة هرب أخوه الأمير أبو الحسن وأخفى نفسه، ومضى إلى الحلّة [١] مستجيرا بدبيس [٢] بن صدقة صاحب الحلّة وكان دبيس بن صدقة أحد أجواد الدّنيا، وكان صاحب الدار والجار، والحمى والذّمار وكانت أيامه أعيادا، وكانت الحلّة في زمانه محطّ الرّحال، وملجأ بني الآمال، ومأوى الطّريد، ومعتصم الخائف الشّريد. فأكرمه دبيس إكراما زائدا عن الحدّ، وأفرد له دارا وأكرمه إكراما كثيرا، ومكث عنده مدّة على أحسن حال. فلما علم أخوه المسترشد باللَّه أنه عند دبيس قلق لذلك، وخاف من أمر يحدث من ناحيته فبعث نقيب النّقباء عليّ بن طراد الزّينيّ إلى الحلّة بخاتمه وأمانه، وأمره أن يأخذ

стр. 284

البيعة على دبيس ويطلب منه أن يسلم إليه الأمير أبا الحسن فقال دبيس: أمّا البيعة فالسّمع والطّاعة لأمر أمير المؤمنين، وبايع، وأما تسليم جاري فلا والله لا أسلّمه إليكم وهو جاري ونزيلي ولو قتلت دونه. إلا إن اختار. فأبى الأمير أبو الحسن التوجّه صحبة النقيب إلى أخيه فمضى النقيب وحده. ثمّ بعد ذلك ظفر به المسترشد فسجنه في بعض دوره في حالة جميلة. وجرت بين الخليفة المسترشد وبين السّلطان مسعود وحشة، وتفاقم الأمر فيها وأفضى الحال إلى الحرب، فتوجّه الخليفة المسترشد وصحبته العسكر وأرباب الدّولة وتجهّز مسعود للقائهم فلما التقوا والتحم القتال انكسر عسكر المسترشد، واستظهر السّلطان مسعود عليهم ونهب عسكره من العسكر الخليفيّ أموالا عظيمة، فيقال: إنّ صناديق المال كانت على مائة وسبعين بغلا، وهي أربعة آلاف ألف دينار، وكان الرّحل على خمسمائة جمل وكان معه عشرة آلاف عمامة، وعشرة آلاف جبّة، وعشرة آلاف قباء [١] ، كلّ ذلك من فاخر الثّياب، كان قد أعدّها للتشريفات إن ظفر، فيقال إن جملة ما نهب عشرة ألف ألف دينار، ونهى مسعود عن إراقة الدّماء، وقبض على أصحاب الخليفة وحملهم إلى القلعة وأمّا الخليفة فأفرد له خيمة ووكّل به جماعة، وسار مسعود والخليفة معه إلى مراغة [٢] ، فوصل كتاب السّلطان سنجر [٣] إلى مسعود يأمره بالإحسان إلى الخليفة وإعادته إلى بغداد مكرّما معزّزا، وأن يردّ عليه أمواله وأن يجعل له من الحشم والبرك والأسباب أعظم وأجمل ممّا ذهب منه ويعيده إلى بغداد على أتمّ حال فامتثل مسعود جميع ذلك، وصنع له من البرك والأسرّة والخيم والحمول أشياء جميلة ووقع العزم على العود إلى بغداد واتّفقت غفلة عن مسعود

стр. 285

والعسكر، فهجم جماعة من الباطنيّة على المسترشد فضربوه بالسّكاكين في مخيّمه بقرية بينها وبين مراغة فرسخ واحد وقتلوا معه جماعة من أصحابه وحين علم مسعود بذلك ركب منزعجا مظهرا للجزع وأخذ القوم فقتلهم، ثمّ نقل المسترشد على رءوس العلماء والأمراء إلى مراغة فدفن بها وقبره الآن بها معروف تحت قبّة حسنة، رأيتها عند وصولي إلى مراغة في سنة سبع وتسعين وستمائة. واختلف الناس عند قتل المسترشد في سبب قتله، فقال قوم: إن مسعودا لم يعلم بذلك ولا رضي به. وقال قوم: بل مسعود هو الّذي واطأ الباطنيّة على قتله وأمرهم بذلك، لأنه خافه حيث قويت نفسه على جمع الجموع وجرّ الجيوش، ولم يمكنه قتله ظاهرا، ففعل ما فعل من الإحسان إليه ظاهرا ثمّ إنّه أخرج جماعة من أهل الجرائم فقتلهم وأوهم الناس أنّه قد قتل قتلته، ثم أطلقهم سرّا، وذلك في سنة تسع وعشرين وخمسمائة. شرح حال الوزارة في أيّامه من أفاضل وزرائه أبو عليّ الحسن بن عليّ بن صدقة، كان فاضلا نحريرا عالما بقوانين الرّئاسة خيّرا، استوزره المسترشد سنة ثلاث عشرة وخمسمائة، ولقّبه بجلال الدين سيّد الوزراء صدر الشرق والغرب ظهير أمير المؤمنين، كانت له معرفة بالحساب وأعمال السّواد، غير أنه لا ينسب إليه شيء من الكرم. ثم إنّ المسترشد قبض عليه وعزله عن الوزارة، ولم يكن ذلك عن إرادة من المسترشد، وإنّما دعته الضرورة إلى القبض عليه، لأنّ وزير السّلطان كان يتعصّب عليه. ثمّ بعد ذلك بمديدة زال المانع، فأعاده المسترشد إلى وزارته، وخلع عليه خلع الوزارة وتقدّم إلى أرباب الدولة بالسّعي بين يديه إلى الديوان، وهو أوّل وزير مشى أرباب الدولة بين يديه رجّالة [١] .

стр. 286

كان الوزير ابن صدقة جالسا يوما في دست الوزارة فدخل عليه سديد الدّولة ابن الأنباريّ كاتب الإنشاء، وفي كمّه أبيات قد هجاه فيها الوزير، فسقطت الرّقعة من كمّه، فمدّ الوزير يده سريعا وتناولها، فكان فيها من جملة أبيات: أنت الّذي كونه فساد ... في عالم الكون والفساد (بسيط) فلما رآها سديد الدولة في يد الوزير سقطت قوّته خوفا وخجلا، فلمّا قرأها الوزير فطن للقصّة وصرف الهجو عن نفسه إلى سديد الدّولة، وقال: أعرف هذه الأبيات ومن جملتها: ولقّبوه السّديد جهلا ... وهو بريء من السّداد ونظم الوزير هذا البيت في الحال، فاستحيا السّديد بن الأنباري وأمسك عن الجواب. ولمّا عزم السّلطان سنجر على الوصول إلى بغداد وتوعّد الخليفة كتب إليه الوزير ابن صدقة- «والله لئن تحركت لأقطعنّ جميع ما وراءك عنك وأقطعك عنه ولئن سرت فرسخا لأسيرنّ فرسخين» . ومرض الوزير أبو عليّ بن صدقة في آخر أيّامه فعاده المسترشد وأنشده: دفعنا بك الآفات حتّى إذا أتت ... تريدك لم نسطع لها عنك مدفعا (طويل) ولم يزل أمره يضمحلّ حتى توفّي في سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة. وزارة الشريف أبي القاسم عليّ بن طراد الزّينبيّ هو أبو القاسم عليّ بن طراد بن محمّد نقيب النقباء بن الحسن بن محمّد بن عبد الوهّاب بن سليمان بن عبد الله بن محمّد بن إبراهيم الإمام بن محمّد بن عليّ ابن عبد الله ابن عبّاس. وإنّما عرفوا بالزينبيّين لأن أمّهم زينب بنت سليمان بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس، عرفوا بها. كان متروّيا من المعرفة بقوانين الوزارة وأسباب الرّئاسة وهو الّذي جمع النّاس على خلع الرّاشد، وقام في خلعه وأخذ البيعة

стр. 287

للمقتفي القيام العظيم واتّفق مع السّلطان مسعود على ذلك، ووزر لخليفتين المسترشد والمقتفي. ولما استوزره المسترشد وشافهه بالولاية قال له: كلّ من ردّت إليه الوزارة شرف بها إلا أنت فإنّ الوزارة شرفت بك. وحمل إليه الدّست الكامل من دار الخليفة، وتقدّم إلى أرباب المناصب بالسّعي بين يديه إلى الديوان، ومكث على ذلك مديدة، ثمّ قبض عليه المسترشد وعزله، ثمّ أعاده إلى أجمل ما كان عليه. فلمّا خرج المسترشد إلى حرب مسعود كما تقدّم شرحه، خرج الوزير معه، فلمّا جرى على المسترشد ما جرى حظي الوزير عند السلطان مسعود وقرّبه وأعلى محلّه واستصحبه إلى بغداد، وقام الوزير بين يديه في خلع الراشد وإجلاس المقتفي القيام الّذي عرفه له مسعود وشكره عليه. وباقي أخباره ترد عند ذكر وزارته للمقتفي. وزارة الوزير أبي نصر أحمد بن الوزير نظام الملك للمسترشد كان كريما جميل الصّورة وزر للمسترشد باللَّه فشكرت سيرته، ولمّا عزم المسترشد على عمارة سور بغداد قسّط على الناس خمسة عشر ألف دينار، فقام الوزير أبو نصر بها وأدّاها عن الناس من ماله، ولم تطل أيّامه، فتوفّي في سنة أربع وأربعين وخمسمائة [١] . وزارة أنوشروان خالد بن محمّد القاشانيّ للمسترشد كان رجلا من أفاضل الناس، وأعيانهم وأخيارهم، تولّى الوزارة للسّلاطين وللخلفاء، وكان يستقيل من الوزارة فيجاب إلى ذلك، ثم يخطب لها فيجيب كارها هو الّذي صنّف له ابن الحريري المقامات الحريريّة، وإليه أشار في أوّلها بقوله: «فأشار من إشارته حكم وطاعته غنم» .

стр. 288

طلب الأرّجاني الشاعر من الوزير أنوشروان خيمة، فأرسل إليه بدنانير كثيرة وقال له- اشتر بها خيمة، فقال الأرّجاني في ذلك. للَّه درّ ابن خالد رجلا ... أحيا لنا الجود بعد ما ذهبا سألته خيمة ألوذ بها ... فجاد لي ملء خيمة ذهبا (منسرح) وكان أنوشروان بن خالد كثير التّواضع مشهورا بذلك، يقوم لكلّ من يدخل عليه، فهجاه ابن الهبّاريّة الشاعر بقوله: هذا تواضعك المشهور عن ضعة ... تبدو فمن أجلها بالكبر تتّهم قعدت عن صلة الراجي وقمت له ... فذا وثوب على الطّلاب لا لهم وفيه يقول أيضا يشير إلى كثرة قيامه: (بسيط) رأيت مشروبه يعبى ... مزاودا في يد الغلام فما به حاجة إليه ... فإنّه دائم القيام (بسيط) وكان بين أنوشروان بن خالد وبين الوزير الزينبيّ عداوة وتباغض وتنافس على الوزارة، فعزل الوزير الزينبيّ وتولى أنوشروان بن خالد، فتقرّب الناس إليه بثلب الزينبيّ فدخل الحيص بيص [١] الشاعر عليه وأنشده قصيدة أوّلها: شكرا لدهري بالضّمير وبالفم ... لمّا أعاض بمنعم عن منعم (كامل) يشير إلى أنوشروان وإلى الزّينبيّ، فاستحسن النّاس منه ذلك واستدلّوا به على وفاته وحرّيته ثمّ إنّ أنوشروان بن خالد مات، وأعيد الزينبيّ إلى الوزارة، فتقرّب الناس إليه بمسبّة أنوشروان، فدخل عليه الحيص بيص وأنشده: بقيت ولا زلت بك النّعل إنّني ... فقدت اصطباري يوم فقد ابن خالد (طويل) ومات أنوشروان في سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة. انقضت أيّام المسترشد باللَّه ووزرائه.

стр. 289

ثمّ ملك بعده ابنه الرّاشد باللَّه أبو جعفر منصور بن المسترشد بويع له بالخلافة عقيب وصول الخبر بقتل أبيه سنة تسع وعشرين وخمسمائة وجهّز الرّاشد عسكرا كثيفا وتوجّه لمحاربة مسعود، نحو العراق طالبا لتملّكه، فوصل إلى بغداد في خمسة آلاف فارس ودخلها، فكفّ الرّاشد عن حربه وخرج منها متوجّها إلى الموصل، ودخل السّلطان مسعود بغداد واستبدّ بتدبير الأمور فيها، وأظهر العدل ومنع الجند من الأذى، وجمع القضاة والشّهود وأخذ خطوطهم بالقدح في الرّاشد وكتب محضرا بخلع الرّاشد وأثبته على القضاة وتولّى ذلك له الوزير الزّينبيّ، وكان مسعود قد استشار الزّينبيّ فيمن يولّيه الخلافة فقال له يا مولانا، هناك رجل يصلح لها فسأله عن اسمه فقال له: يا مولانا إن سمّيته أخاف أن يقتل ولكن إذا دخلنا بغداد سمّيته لك. فلمّا احتاجوا إلى إجلاس خليفة سمّى الزّينبيّ له أبا عبد الله محمّدا المقتفي عمّ الراشد، فبايع له وأجلسه على سرير الخلافة. ثمّ إنّ الرّاشد لم يتمّ له بالموصل أمر فسار عنها إلى أصفهان، فوثب عليه جماعة من الملاحدة فقتلوه على باب أصفهان. ذلك في سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة وقبره هناك معروف. شرح حال الوزارة في أيّامه لمّا أفضت الخلافة إليه استوزر جلال الدين أبا الرّضا محمّد بن صدقة، ولم تطل أيّامه، وخاف مما جرى، فالتجأ إلى زنكي بن آقسنقر صاحب الموصل [١] فأجاره وأصلح أمره. ثمّ لمّا خرج الراشد من بغداد استخدم هذا أبو الرّضا في بعض الخدمات غير الوزارة، ومات في سنة ستّ وخمسين وخمسمائة، ولم يكن له من السيرة ما يؤثر. انقضت أيّام الراشد، ووزرائه.

стр. 290

ثمّ ملك بعده عمّه المقتفي لأمر الله أبو عبد الله محمّد بن المستظهر بويع له بالخلافة سنة ثلاثين وخمسمائة. كان المقتفي من أفاضل الخلفاء، ولمّا أجلسه مسعود وبايع له، وكان قد أخذ جميع ما بدار الخلافة من ذهب أو أثاث ورحل وغير ذلك، وتصرّف نوّابه في جميع جميع أعمال العراق- أرسل إلى المقتفي يقول له: اذكر ما تحتاج إليه أنت وكلّ من يتعلّق بك حتّى أعيّن لك به إقطاعات، فأرسل إليه المقتفي يقول: عندنا بالدار ثمانون بغلا تنقل الماء من دجلة ليشربه عيالنا، فانظر أنت كم يحتاج إليه من يشرب في كلّ يوم ماء يحمله ثمانون بغلا؟ فقال مسعود: لقد أجلسنا في الخلافة رجلا عظيما، فاللَّه تعالى يكفينا شرّه. وجرت في أيّامه فتن وحروب بينه وبين سلاطين العجم كانت الغلبة فيها له. وثار في أيّامه العيّارون والمفسدون، فنهض بقمعهم أتمّ نهوض. وتوفي المقتفي في سنة خمس وخمسين وخمسمائة. شرح حال الوزارة في أيّامه أوّل وزرائه الزّينبيّ أبو القاسم عليّ بن طراد العبّاسيّ وزير أخيه المسترشد استوزره حين بويع، لأنّه هو الّذي قام في بيعته وأشار على مسعود به، ومكث مدّة في وزارة المقتفي، ثمّ جرت بينه وبينه وحشة خاف فيها منه، فاستجار بدار السلطان وأقام بها مدّة معتصما من المقتفي، إلى أن روسل الخليفة من جهة السّلطان في معناه فأذن في عوده إلى داره مكرّما، فانصرف إلى داره وأقام بها على قدم البطالة واضمحلّ أمره ورقّ حاله، ولقي شقاء عظيما وضائقة شديدة، حتّى إنه مرض فاشتهت نفسه شيئا من المشموم فلم يقدر على ثمنه، وقد كان أنفق أكثر ماله لما كان مستجيرا بدار السّلطان على خواتينه [١] وأتباعه وأرباب دولته، وكانت مواهبه دارّة على أكثر أرباب الدّولة وغيرهم من العلماء والوافدين والطالبين

стр. 291

ولما مرض مرضته التي مات فيها كتب إليه المقتفي رقعة يستميله فيها ويعده بكلّ جميل فتمثّل الوزير: أتت وحياض الموت بيني وبينها ... وجادت بوصل حين لا ينفع الوصل (طويل) وقال: وصيّتي حفظ حرمي وأطفالي، فلما توفّي قام المقتفي بجميع ما يحتاج إليه أولاده وصغاره، وأجرى عليهم الجرايات [١] الكثيرة. وزارة نظام الدّين أبي نصر المظفّر بن محمّد ابن جهير البغداديّ للمقتفي كان له أنس بالعلوم وخاصّة بالحديث النبويّ- صلوات الله على صاحبه- ولم تطل أيّامه، ولم يكن له من السّيرة ما يؤثر. وزارة مؤتمن الدّولة أبي القاسم عليّ ابن صدقة للمقتفي بيته بيت مشهور بالوزارة معروف بالرّياسة، وكان مؤتمن الدّولة حسن الصّورة والخلق، لكن لا علم عنده بقوانين الوزارة، وكان كثير التعبّد والصّدقة، استوزره الخليفة المقتفي لأمر الله، قالوا: كان هذا مؤتمن الدولة الوزير قليل الاشتغال بالعلم وكان ضعيف القراءة في الكتب، وكان قد أدمن في قراءة جزء واحد من أجزاء القرآن وفي كتاب واحد من كتب الأدب، فكان لا يزال الجزء المذكور والكتاب بين يديه يقرأ فيهما قراءة جيّدة، فخفي على الناس حاله مدّة وزارته فلمّا مات ظهر ذلك عنه، ولم يكن له من السّيرة ما يؤثر.

стр. 292

وزارة عون الدّين أبي المظفّر يحيى بن هبيرة للمقتفي أوّل منشئه من قرية تعرف بالدّور من أعمال دجيل [١] ، تعرف اليوم بدور الوزير نسبة إلى ابن هبيرة، وكان أبوه أكّارا [٢] بالقرية المذكورة، وكان يحثّ ولده على تحصيل الأدب وإدراك الفوائد، وكان يردّده صغيرا إلى بغداد ويحضره إلى مجالس الصّدور وصدور المجالس، وكان هو كما قيل: ولها من نفسها طرب ومات أبوه وهو صبيّ، فتفرّد بالاشتغال، وتقلّبت به تصاريف الأمور، ومرّت عليه شدائد، وكابد من الفقر أهوالا، وتنقل في الخدمات، فكان لا ينتقل من خدمة إلا إلى أكبر منها، وما زال ينتقل من خدمة إلى أخرى أرفع منها حتّى تقلّد الوزارة للمقتفي فمكث فيها مدّة، ومشاهرته في كلّ سنة مائة ألف دينار، وكان كريما جوادا سمحا لا يخرج من السّنة وفي خزانته منها درهم واحد، وكان المقتفي والمستنجد يقولان: ما وزر لبني العبّاس كيحيى بن هبيرة في جميع أحواله، وكانت له في قمع الدّولة السّلجوقية يد قويّة وحيل مرضية، وكان وقورا حليما متواضعا، لمّا تولّى الوزارة دخل الديوان وعليه الخلع، فرأى غلاما من غلمان الديوان واقفا عن بعد فاستدناه وتبسّم في وجهه، وأمر له بذهب وكسوة، ثم قال: لا إله إلا الله أذكر مرّة، وقد دخلت هذا الديوان وجلست في بعض المجالس، فجاء هذا الغلام وجذبني بيدي وقال: قم فليس هذا مكانك، وقد رأيته الساعة واقفا، وأثر الخوف ظاهر عليه، فأحببت أن أؤانسه وأزيل رعبه، ورأى يوما في الديوان جنديّا فقال لحاجبه: أعط هذا الجندي عشرين دينارا وكرّ [٣] حنطة، وقل له: لا يدخل الديوان ولا يرينا وجهه، فتغامز الناس وتشوّفوا إلى معرفة السبب في ذلك وفطن الوزير لذلك، فقال لهم: كان هذا الجنديّ شحنة في قريتنا، فقتل شخص من أهل

стр. 293

القرية فجاء هذا الشّحنة [١] وأخذ جماعة من أهل القرية وأخذني معهم مكتوفا في عرض الفرس، وبالغ في أذاي وضربي، ثمّ أخذ من كلّ واحد منهم شيئا وأطلقهم وبقيت أنا معه، فقال لي: أعطني شيئا أخلصك، فقلت: والله ما أملك شيئا، فأعاد عليّ الضرب والإهانة، ثمّ قال لي: اذهب إلى لعنة الله، ثم أطلقني، فأنا لا أحبّ أن أرى صورة وجهه. ومن أفكاره اللطيفة، أنّ الوزراء كانوا قبله يلقّبون ألقابا من جملتها: سيّد الوزراء، فتقدّم هو إلى الكتّاب ألا يكتبوا هذا اللقب في ألقابه، وقال إنّني افتكرت في هذا فرأيت الله تعالى قد سمّى هارون وزيرا، حتّى قال (عزّ من قائل) حكاية عن موسى- ﵇: وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً من أَهْلِي هارُونَ أَخِي اشْدُدْ به أَزْرِي [٢] ٢٠: ٢٩- ٣١ وسمعت عن (النبيّ ﵇ أنه قال: «لي وزيران من أهل السّماء: جبرائيل ومكيائيل، ووزيران من أهل الأرض: أبو بكر وعمر» وقال ﵇: «إنّ الله تعالى اختار لي أصحابا فجعلهم وزراء وأنصارا» وحدّث عنه بعض مجالسيه قال: كنّا يوما عنده فدخل الحاجب وقال: يا مولانا بالباب رجل سواديّ، يذكر أنّه فلان بن فلان، ومعه شملة مكوّرة، وهو يطلب الحضور بين يديك فعرفه الوزير وقال له: أدخله، وقال: فدخل شيخ طويل من أهل السّواد عليه ثياب غليظة من القطن وعمامة فوط ملونة، وفي رجله جمجمان [٣] فسلّم على الوزير وقال: يا سيّدي أم الصّغيرات- يعني زوجته- لمّا علمت أني أجيء إلى بغداد قالت لي: سلّم على الشّيخ يحيى بن هبيرة واستوحش له [٤] ، وقد خبزت لك هذا الخبز على اسمك، فتبسّم الوزير وهش به وقال: جزاها الله خيرا وحلّ تلك الشّملة فإذا فيها خبز شعير مشطور بكامخ التوت، فأخذ الوزير منه رغيفين وقال: هذا نصيبي من هذه الهديّة، وفرّق الباقي على

стр. 294

الصّدور [١] الحاضرين، وسأل الرّجل عن حوائجه وحوائج زوجته فقضاها، وقال للحاضرين: هذا كان جاري في قريتي وشريكي في زريع [٢] وأعرف منه الأمانة. ومن حيله أنّه كان ببعض بلاد العجم رجل كلّما أقيمت الخطبة يوم الجمعة في الجامع يقوم ويذمّ الخليفة، ويدعو للسّلطان، فاتّصل ذلك بالوزير ابن هبيرة، فأحضر شخصا من أهل بغداد وأمره أن يسافر إلى تلك البلدة، وأعطاه عشرة دنانير ذهبا وقارورة [٣] فيها خطر [٤] ، وقال له: إذا دخلت ذلك البلد، وحضرت يوم الجمعة في الجامع، ورأيت الرّجل الّذي يسبّ الخليفة فانهض إليه، وأنت على زيّ التّجار وأمن على كلامه، وأظهر البكاء عند مسبّة الخليفة، وقل: إي والله، فعل الله به وصنع وهل غرّبني عن عيالي ووطني وأفقرني غيره، ثمّ افعل في الجمعة الثانية كذلك، وقل له: قد حلفت أني أملأ فمك دنانير، وضع هذه الدنانير حشو فمه وأخرج عنه وبادر إلى استعمال هذا الخطر على وجهك ولحيتك، فإنه يحدث في الوجه سمرة، وفي شيب للحية سوادا، وغيّر زيّك حتّى لا تعرف فتهلك، ففعل الرّجل ذلك، وكانت الدّنانير مسمومة، فلما راح ذلك الرّجل إلى بيته ما زال يتقلقل حتّى مات من يومه، واستعمل الرّجل المنفّذ الصّبغ، فأخفى نفسه ورجع إلى بغداد ومن حيله أنّه كان يكتب إلى ملوك الأطراف ملطفات [٥] صغارا في رقّ خفيف ويشقّ في جلد ساق الرّكابي بمقدار ما يدخلها فيه ثم يتركه حتى يلتحم ويسيّره إلى حيث أراد، ومن قوّة جأشه وثباته، أنه كان يوما جالسا بالديوان وبين يديه الأمراء والصّدور والأكابر، فسقطت من السقف حيّة كبيرة، فوقعت على كتف الوزير وسرحت من كتفه إلى حجره، فنفر كلّ من كان هناك من أرباب الدولة عن مستقرّه وانزعجوا عن مراتبهم، والوزير جالس لم يتحرّك عن مكانه ولا تغيّر عن

стр. 295

دسته [١] ، ما كأنّ وقع عليه شيء، ثمّ أمر المماليك بقتلها فقتلت بين يديه. وفي الجملة، فكان ابن هبيرة من أفاضل الوزراء وأعيانهم وأجدّهم، له في تدبير الدولة وضبط المملكة اليد الطّولى، وله في العلوم والتصانيف التبريز [٢] على أهل عصره وله أشعار كثيرة، فمنها: يقين الفتى يزري [٣] بحالة حرصه ... فقوّة ذا عن ضعف ذا تتحصّل إذا قلّ مال المرء قلّ صديقه ... وقبّح منه كلّ ما كان يجمل (طويل) وفي آخر أيامه عرض له تزايد البلغم فمات وهو ساجد، وذلك في سنة ستين وخمسمائة. انقضت أيام المقتفي لأمر الله ووزرائه. ثمّ ملك بعده المستنجد باللَّه المظفّر يوسف بويع عقب موت أبيه في سنة خمس وخمسين وخمسمائة. كان المستنجد شهما عارفا بالأمور، لما ولي الخلافة أزال المكوس والمظالم، إلا أنّه فعل قبيحة: حلّ المقاطعات وأعادها إلى الخراج، فشقّ ذلك على العلويّين بالكوفة والمشاهد مشقة عظيمة، ونسبوا هذا الفعل إلى ابن هبيرة ولعنوه بالمشاهد. وفي أيّامه ابتدأ فتح مصر وضعفت دولة الفاطميين بها، وفي أيّام ولده المستضيء تكامل فتحها على يد صلاح الدين يوسف بن أيّوب. ومات المستنجد مخنوقا في الحمّام، وخنقه أكابر دولته عقيب مرضة صعبة كانت قد عرضت له لأنّهم خافوه على أنفسهم، وذلك في سنة ستّ وستين وخمسمائة.

стр. 296

شرح حال الوزارة في أيّامه لمّا بويع بالخلافة أقرّ ابن هبيرة وزير أبيه على وزارته، وزاد في رفع منزلته، وقد مضى من سيرة ابن هبيرة ما يغني عن الإعادة. وزارة ولده محمّد بن يحيى بن هبيرة لقبه عزّ الدين، ناب عن الوزارة بعد وفاة والده، وكان فاضلا رئيسا عبقا بالسّيادة، شاعرا رشيق المعاني، خبيرا بالأدب والحديث النّبويّ، وحبس بعد موت أبيه ولم يعلم خبره بعد الحبس، وروي عنه هذان البيتان، أنهما له. كم منحت الأحداث صبرا جميلا ... ولكم خلت صابها سلسبيلا ولكم قلت للّذي ظلّ يلحاني ... على الوجد والأسى سل سبيلا (خفيف) وزارة شرف الدّين أبي جعفر محمّد بن أبي الفتح بن البلديّ للمستنجد باللَّه كان قبل الوزارة ناظرا بواسط، فأبان في مدّة ولايته عليها عن قوّة وجلادة وارتفاعات نامية وحلوم دارّة، فعظمت منزلته عند المستنجد، وكوتب عن الخليفة إلى واسط بما يقضي أن يكون وزيره، وتأكّد الحال في ذلك، فحكم حكم الوزراء وهو بواسط، ووقّع وكاتب ملوك الأطراف وهو بواسط، ثمّ أصعد إلى بغداد فخرج الموكب لتلقيه، وفيه جميع أعيان الدّولة، وكان عضد الدين أبو الفرج محمّد بن رئيس الرّؤساء أستاذ الدّار بينه وبين ابن البلديّ كدر، فكره عضد الدين الخروج إلى تلقّيه، وقد كان الخليفة تقدّم إليه بالخروج، فبذل خمسة آلاف دينار على أن يعفى من الخروج إليه، فقال الخليفة: إن عجّلها نقدا أعفيته من الخروج، فوزنت في الحال وحملت، فلمّا صارت في الخزن تقدّم الخليفة إليه بالخروج لتلقي الوزير، وقيل له: هذا المال جناية عن كونك تكره ما نؤثر، وتراجع في التقدمات الشّريفة، فذهب المال منه وخرج عابرا إلى الجانب الغربيّ صحبة الموكب، ومضى النّاس

стр. 297

كلّهم إلى صرصر فتلقوه هناك، فلمّا وقعت عين عضد الدين أستاذ الدار على الوزير أراد عضد الدين أن يترجّل، فصاح به الوزير: والله لئن ترجّلت ترجّلت أنا أيضا، فتقدّمه [١] ، ثمّ اعتنقا على ظهور الدّوابّ، وسار بين يديه ووصل الوزير إلى محاذاة التاج [٢] ، وعبر في سفينة وحضر بين يدي الخليفة فشافهه بالوزارة، وخلعت عليه خلع الوزارة، وأكّد عليه النهوض بالمهام الدّيوانيّة فنهض بأعباء الوزارة، وما زال أمره على السّداد إلى أن جرى للمستنجد ما جرى، من تغلب عضد الدين أستاذ الدّار وأكابر الأمراء عليه وإدخاله الحمّام وهو مريض حتّى مات من الحرارة، ثم إنّ عضد الدين أستاذ الدّار أخرج ولده المستضيء وبايعه، وشرط عليه شروطا وأحلفه عليها أيمانا مؤكّدة، منها أن يكون هو وزيرا، وأن يكون ولده أستاذ الدار، وفلان أمير العسكر، وفلان كذا وكذا، فالتزم المستضيء لهم بذلك وحلف أيمانا غليظة، ثمّ بويع المستضيء في باطن الدّار البيعة الخاصّة، واستدعي الوزير ابن البلديّ ليبايع فلما حضر الدار عدل به إلى مكان وضربت عنقه، وأخرج فرمي على مزبلة بباب المراتب، ثمّ سحب وألقي في دجلة، وكان حسن الطّريقة مشكور الأخلاق. انقضت أيّام المستنجد ووزرائه. ثمّ ملك بعده ولده المستضيء أبو محمّد الحسن بن المستنجد باللَّه بويع في سنة ستّ وستين وخمسمائة، ولم يكن بسيرته بأس، وفي أيّامه وردت البشائر إلى بغداد بفتح مصر وانقراض الدّولة الفاطميّة.

стр. 298

ولما جلس على سرير الخلافة تقدّم بقتل ابن البلديّ وزير أبيه، وتوفّي في سنة خمس وسبعين وخمسمائة. شرح حال الوزارة في أيّامه أوّل وزرائه عضد الدين أبو الفرج محمّد بن أبي الفتوح عبد الله بن رئيس الرّؤساء الّذي كان قبل ذلك أستاذ الدّار. كان عضد الدّين من أفاضل الناس وأعيانهم، وكان أستاذ الدار في أيّام المستنجد فلمّا جرى للمستنجد ما جرى استولى عضد الدين، ونهض في إخراج المستضيء من الحبس ومبايعته وإحلافه فاستوزره المستضيء، ونهض عضد الدين بأعباء الوزارة نهوضا مرضيا وفرّق في يوم جلوسه في دست الوزارة ذهبا كثيرا وحنطة على المقيمين بالمشاهد والجوامع والمدارس والرّبط، وتلطّف بالأمور تلطفا لم يكن في حساب النّاس وبيته مشهور بالرّياسة، يعرفون ببيت الرفيل وكان ابن التّعاويذي [١] الشاعر البغدادي شاعرهم ومنقطعا إليهم وأنفق جلّ عمره معهم، ولهم يخاطب بقوله: قضيت شطر العمر في مدحكم ... ظنّا بكم أنّكم أهله وعدت أفنيه هجاء لكم ... فضاع فيكم عمري كلّه (سريع) وله فيهم مدائح كثيرة فمن جملتها: وما زلت في آل الرّفيل بمعزل ... عن الجور مبذولا لي الأمن والخصب فإن أقترف ذنبا بمدح سواهم ... فإنّ خماص [٢] الطّير يقنصها الحبّ

стр. 299

وإن عاد لي عطف الوزير محمّد ... فقد أكثب [١] النائي ولان لي الصّعب وزير إذا اعتلّ الزّمان فرأيه ... هناء [٢] به تطلى خلائقه الجرب (طويل) وما زال أمر عضد الدّين يجري على السّداد حتّى عزله المستضيء وقبض عليه وصورة عزله: كان يوما جالسا في الدّست فهجم عليه خادم من خدم الخليفة فقال له: قد استغني عنك، ثمّ أطبق دواته ودخل الأتراك والجند إلى دوره فنهبوا ما بها ودخل العوامّ أيضا، وكسرت الصناديق الآبنوس [٣] والعاج بالدّبابيس [٤] وأخذ جميع ما كان بها، فخرج عضد الدين وهو يتشاهد ويقول للأتراك: أما تستحيون منّي؟ أما دخلتم داري؟ أما أكلتم زادي؟ فلم ينفعه ذلك، فلم يمض إلا ساعة واحدة حتّى صارت داره بلاقع [٥] ، ثمّ حمل إلى الحريم ووكل به هناك مدّة ثم أعاده المستضيء إلى الوزارة وحكّمه وبسطه، فصفت له الدّنيا وعظم شأنه وكثرت خيراته وهباته وأحبّه الناس، وكان سخيّا وهوبا شريف النّفس، قيل إنّه ما اشترى لداره قطّ سكّرا بأقلّ من ألف دينار. حدّث عنه بعض مماليكه قال: احتاج مرّة إلى ألف دينار، فأنفت نفسه أن يقترضها من أولاده أو من غيرهم، وكان يأنس بي فقال: يا ولدي، قد احتجت إلى ألف دينار أعيدها عليك بعد أيّام، فقلت: السّمع والطاعة يا مولاي، ثمّ مضيت وأحضرت له خمسة آلاف دينار، وقلت: يا مولاي، هذه والله اكتسبتها منك فخذ منها ما شئت، فأطرق ساعة ثمّ قال: والله لا أخذت منها حبّة واحدة، خذها وانصرف، ثمّ أنشد: والصّاحب المتبوع يقبح أن يرى ... متتبّعا ما في يدي أتباعه

стр. 300

ولم يزل أمره في الوزارة الثانية جاريا على السّداد حتّى كان آخر مدّته، فطلب من الخليفة الأذن له في الحج فأذن له، فتجهّز تجهّزا لم ير مثله، ثم عبر إلى الجانب الغربيّ من مدينة السّلام ليتوجّه إلى الحلّة والكوفة، ومنها إلى مكّة، وبين يديه جميع أرباب الدّولة، فلقيه رجل عند محلّة هناك تعرف بقطفتا، فقال: يا مولانا مظلوم مظلوم وناوله قصة، فتناولها الوزير منه، فوثب عليه وثبة عالية وضربه بسكّين في ترقوته [١] ووثب عليه آخر من الجانب الآخر فضربه في خاصرته، ووثب آخر وبيده سكين مسلولة فلم يصل إليه، وتكاثرت النّاس على الثلاثة فقتلوهم، ثمّ مات الوزير وصلّي عليه ودفن في تربتهم، وقيل: إنّ الثلاثة الذين قتلوه كانوا من الباطنيّة من جبل السّماق. وحكى بعض أهل قطفتا قال: دخلت قبل قتل الوزير بساعتين إلى مسجد هناك فرأيت به ثلاثة رجال وقد قدّموا واحدا منهم إلى المحراب وأناموه ثم صلّى الرّجلان الآخران عليه صلاة الميت، ثمّ قام ونام آخر وصلّى الآخران عليه، حتّى صلّى كلّ واحد منهم على الآخر، وأنا أراهم وهم لا يرونني فعجبت ممّا فعلوا، ثمّ لمّا قتل الوزير وقتل الثلاثة، تأمّلت وجوههم فإذا هم هم. وزارة ظهير الدّين أبي بكر منصور بن أبي القاسم نصر بن العطّار كان تاجرا في ابتداء أمره، ثمّ مازج المتصرّفين ونفق على المستضيء فاستوزره وكان ثقيل الوطأة على الرعيّة، وكانت العامّة تبغضه، فبقي إلى أن مات المستضيء وولي الناصر، وهو آخر وزراء المستضيء. انقضت أيّام المستضيء ووزرائه.

стр. 301

ثمّ ملك بعده ابنه الإمام الناصر لدين الله أبو العبّاس أحمد بن المستضيء بأمر الله بويع بالخلافة في سنة خمس وسبعين وخمسمائة. كان الناصر من أفاضل الخلفاء وأعيانهم، بصيرا بالأمور مجرّبا سائسا، مهيبا مقداما، عارفا شجاعا، متأيّدا حادّ الخاطر والنادرة، متوقّد الذكاء والفطنة، بليغا غير مدافع عن فضيلة علم، ولا نادرة فهم، يفاوض العلماء مفاوضة خبير، ويمارس الأمور السّلطانيّة ممارسة بصير، وكان يرى رأي الإماميّة [١] ، طالت مدّته، وصفا له الملك وأحبّ مباشرة أحوال الرعيّة بنفسه، حتّى كان يتمشّى في الليل في دروب بغداد ليعرف أخبار الرعيّة وما يدور بينهم، وكان كلّ أحد من أرباب المناصب والرّعايا يخافه ويحاذره بحيث كأنه يطلع عليه في داره، وكثرت جواسيسه وأصحاب أخباره عند السّلاطين وفي أطراف البلاد، وله في مثل هذه قصص غريبة، وصنّف كتبا، وسمع الحديث النبويّ- صلوات الله على صاحبه- وأسمعه، ولبس لباس الفتوة وألبسه وتفتّى له خلق كثيرون من شرق الأرض وغربها ورمى بالبندق [٢] ورمى له ناس كثيرون، وكان باقعة زمانه ورجل عصره في أيامه انقرضت دولة آل سلجوق بالكلّية وكان للناصر من المبارّ والوقوف ما يفوت الحصر وبنى من دور الضيافات والمساجد والرّبط [٣] ما يتجاوز حدّ الكثرة، وكان مع ذلك يبخّل، وكان وقته مصروفا إلى تدبير أمور المملكة وإلى التولية والعزل والمصادرة وتحصيل الأمور، يقال عنه: إنه ملأ بركة من الذّهب فرآها يوما وقد بقي يعوزها حتى تملأ وتفيض شيء يسير، فقال: ترى أعيش حتّى أملأها، فمات قبل ذلك، ويقال إنّ المستنصر شاهد هذه البركة فقال: ترى أعيش حتّى أفنيها! وكذلك فعل، مات الناصر في سنة اثنتين وعشرين وستّمائة.

стр. 302

شرح حال الوزارة في أيّامه لما بويع الناصر بالخلافة أقرّ ابن العطّار وزير أبيه على قاعدته أيّاما يسيرة [١] ثمّ نكبه وقبض عليه وحبسه في باطن دار الخلافة، ثم أخرج بعد أيّام ميتا، فسلّم إلى أخته لتجّهزه وتدفنه، فغسلته وأخرجته في تابوت على رأس حمّال لتدفنه، فغمز به بعض الناس فرجموه، فرمى الحمال بالتابوت وهرب، فأخذه العوامّ وأخرجوه من التابوت ومثّلوا به، وشدّوا في رجله حبلا وسحبوه، ووضعوا في يده خشبة، ونادوا به: يا مولانا ظهير الدين، وقّع لنا!. ومن طريف ما وقع في ذلك: أنّ بعض الأتراك عمّر حمّاما وجعل مجراته تجوز على دار بعض الجيران، فتأذّى الجار بتلك المجراة، فشكا ذلك إلى الوزير فزبره [٢] ولم يأخذ بيده وقال له: إن لم تسكت وإلا جعلت رأسك في المجراة، فيقال: إنّ ابن العطّار لما سحبه العوامّ ومثّلوا به اجتازوا به على باب الحمّام المذكور، فاتّفق أنه وقع في المجراة فسحبوه فيها خطوات، فتعجّب الناس من ذلك وزارة جلال الدين أبي المظفّر عبيد الله كان في ابتداء أمره أحد الشّهود المعدّلين، ثم تقلّبت به الأحوال حتّى بلغ الوزارة وأرسله الناصر صحبة عسكر كثيف إلى محاربة السّلطان طغرل بن أرسلان بن طغرل السلجوقيّ، فالتقيا، فكانت الغلبة لعسكر السّلطان، وانهزم عسكر الخليفة وثبت الوزير فأسر، ومكث مدّة في الأسر، ثم أطلق فوصل إلى بغداد متخفّيا، ولم تطل مدّته بعد ذلك. وزارة معزّ الدين سعيد بن عليّ بن جديدة الأنصاريّ كان رجلا فاضلا متصوّنا، موسرا كثير المال، روي أنّ نقيب البصرة أبا جعفر محمّد بن أبي طالب الشاعر، أصعد [٣] إلى بغداد متظلّما إلى هذا الوزير من

стр. 303

ناظر البصرة وأنشده قصيدة من جملتها: وقبائل الأنصار غير قليلة ... لكن بنو عمّ هم الأخيار منهم أبو أيوب [١] حلّ محمّد ... في داره واختاره المختار [٢] أنا منه في النّسب الصّريح وأنت من ... ذاك القبيل فلي بذاك جوار ولقد نزلت عليك مثل نزوله ... في دار جدّك والنّزيل يجار فعلام أظلم والنبيّ محمّد ... أنمى [٣] إليه وقومك الأنصار (كامل) قالوا فلما سمعها الوزير رقّ له وبكى، وخلع عليه [٤] وقضى حوائجه وأنصفه من ناظر البصرة وعزله، ومات الوزير المذكور معزولا في سنة ستّ عشرة وستّمائة. وزارة مؤيّد الدين أبي المظفّر محمّد ابن أحمد بن القصّاب هو أعجميّ الأصل، كان أبوه يبيع اللحم عن رأس درب البصريّين ببغداد ونشأ هو مشتغلا بالعلوم والآداب، وبرع في علوم المتصرّفين، كالحساب ومعرفة الكروث والمساحات والمقاسات، ثم تبصّر بأسباب الوزارة، وكانت نفسه قوية وهمّته عالية قاد العساكر وفتح الفتوح، وجمع بين رياستي السيف والقلم، ومضى إلى بلاد خوزستان وفتحها وقرّر أمورها وقواعدها، ثمّ مضى إلى بلاد العجم وصحبته العساكر فملك أكثرها، ثمّ أدركه أجله فمات هناك.

стр. 304

وزارة السيّد نصير الدين ناصر بن مهديّ العلويّ الرازيّ للناصر هو مازندرانيّ [١] المولد والأصل، رازيّ [٢] المنشأ، بغداديّ التدير والوفاة كان من كفاة الرّجال وفضلائهم وأعيانهم وذوي الميزة منهم، اشتغل بالآداب في صباه فحصّل منها طرفا صالحا، ثم تبصّر بأمور الدواوين ففاق فيها. كان في ابتداء أمره ينوب عن النّقيب عزّ الدين المرتضى القمّي نقيب بلاد العجم كلّها، ومنه استفاد قوانين الرئاسة، وكان عزّ الدين النقيب من أماجد العالم وعظماء السادات، فلمّا قتل النقيب عزّ الدين- قتله علاء الدين خوارزم شاه- هرب ولده النقيب شرف الدين محمّد وقصد مدينة السّلام مستجيرا بالخليفة الناصر، وصحبته نائبة نصير الدين بن المهديّ، وكان من عقلاء الرجال، فاختبره الناصر فرآه عاقلا لبيبا سديدا فصار يستشير به سرّا فيما يتعلّق بملوك الأطراف، فوجد عنده خبرة تامّة بأحوال سلاطين العجم، ومعرفة بأمورهم وقواعدهم وأخلاق كلّ واحد منهم، فكان الناصر كلما استشار به في شيء من ذلك يجده مصيبا عين الصواب فاستخلصه لنفسه ورتّبه أولا نقيب الطالبيين، ثمّ فوّض إليه أمور الوزارة فمكث فيها مدّة تجري أموره على أتمّ سداد وكان كريما وصولا عالي الهمّة شريف النّفس، حدّث عنه أنه كان يوما جالسا في دست الوزارة وفي يده قطعة عود كبيرة فرأى الوزير بعض الصّدور الحاضرين وهو يلحّ بالنظر إليها، فقال له: تعجبك هذه؟ فدعا له، فوهبه إيّاها، وقام الرجل ليخرج فلمّا بعد عن مجلس الوزير استدعاه بسرعة، وقال له: تريد أن تفضحنا وتصدّق المثل فينا (بخره عريان) ثمّ أمر فخلع عليه، ودفع إليه تخت ثياب [٣] ، وقال له: تبخّر في هذه الثّياب ومدحه الأبهريّ الشاعر الأعجمي بقصيدة مشهورة في العجم من جملة مدحها:

стр. 305

وزير مشرق ومغرب نصير ملت ودين ... كه باد رايت عاليش تا ابد منصور صرير كلك تو در كشف مشكلات أمور ... كه هم چونغمة داود در اداء زبور [١] (بسيط) وأرسلها الأبهريّ صحبة بعض التّجار مع بعض القفول، وقال للتاجر أوصلها إلى الوزير، وإن قدرت ألا تعلمه من قائلها فافعل، فلما عرضت القصيدة على الوزير استحسنها وطلب التاجر ودفع إليه ألف دينار ذهبا، وقال، هذه تسلّمها إلى الأبهريّ ولا تعلمه ممّن هي!!. وقبض الناصر عليه كارها لأمور اقتضت ذلك، وكان القبض عليه في سنة أربع وستّمائة، ونقل إلى دار في دار الخلافة، فأقام بها تحت الاستظهار على حالة الإكرام والمراعاة، إلى أن مات تحت الاستظهار في سنة سبع عشرة وستّمائة. وزارة مؤيّد الدين محمّد بن عبد الكريم برز [٢] القمّي للناصر هو قمّي الأصل والمولد، بغداديّ المنشأ والوفاة، ينتسب إلى المقداد بن الأسود الكندي، كان ﵀ بصيرا بأمور الملك، خبيرا بأدوات الرّئاسة، عالما بالقوانين عارفا باصطلاح الدّواوين، خبيرا بالحساب، ريّان من فنون الأدب، حافظا لمحاسن الأشعار، راويا لطرائف الأخبار، وكان جلدا على ممارسة الأمور الديوانية ملازما لها من الغدوة إلى العشيّة، وكان في ابتداء أمره قد تعلق بخدمة سلاطين العجم، وكان يلوذ ببعض وزراء العجم بأصفهان في حال صباه ولم يبلغ العشرين من عمره، وكان ذلك الوزير قد ضجر من الكتّاب الذين بين يديه، ونسبهم إلى أنّهم يخافون تقدماته، فأبعدهم عنه واستكتب القميّ ظنّا منه أنه لمجرد حداثة سنّه لا يقدم على مخالفة ما يشير به فمكث القمّي يكتب بين يديه مدّة، ففي

стр. 306

بعض الأيّام أحضرت بين يدي الوزير جملة من الثياب النسيج، بعضها صحيح وبعضها مقطوع، فأحضر القمّي بين يديه ليثبت عددها ويحملها إلى الخزانة، وكان الوزير يورد عليه كذا وكذا ثوبا صحاحا فيكتب القمّي كذا وكذا ثوبا، وما يكتب لفظة «صحاحا» ، فقال له الوزير: لم لا تكتب كما أقول لك؟ فقال: يا مولانا لا حاجة إلى ذكر الصّحاح، فإنّي إذا وصلت إلى ذكر ثوب مقطوع ذكرت تحته أنّه مقطوع، فتخصيص المقطوع بالذكر يدلّ على أنّ ما لم يوصف بالقطع صحيح فقال الوزير: لا بل اكتب كما أقول لك فراجعه القمّي، فحرد [١] الوزير لذلك، وارتفع صوته والتفت إلى الحاضرين وقال: أنا عزلت الكتّاب الكبار الذين كانوا عندي لأجل مخالفتهم ولجاجهم فيما أقوله واستكتبت هذا الصبي ظنّا منّي أنه لحداثة سنّه لا يكون عنده من التجرّؤ والمخالفة ما عندهم، فإذا هو أشدّ مخالفة من أولئك، فخرج بعض خدّام السّلطان من بين يديه- وكان جالسا قريبا من مجلس الوزير- وسأل عن كثرة الصّياح وحرد الوزير، فعرّف الخادم صورة ما جرى بين الوزير والقمّي فدخل وحكى للسلطان ما قيل، فقال له: اخرج وقل للوزير الحقّ ما أعمده [٢] الصبيّ الكاتب، وصار الخادم يستشيره ويسكن إليه ويأنس به، فاتّفق أنّ السلطان عيّن على هذا الخادم وعلى رجل آخر ليتوجّها في رسالة إلى ديوان الخليفة، فالتمس الخادم أن يكون القمّي صحبته، فتوجّهوا إلى بغداد وحضر الخادم ورفيقه عند الوزير ابن القصّاب فشافهاه بالرّسالة وسمعا الجواب، وكان جوابا غير مطابق للرسالة ولكنه كان نوعا من المغالطة، فقنع الخادم ورفيقه بذلك الجواب، وما تنبها على فساده، وخرجا فرجع القمي ووقف بين يدي الوزير وحادثة سرا وقال له: يا مولانا الجواب غير مطابق لما أنهاه المماليك، فقال له الوزير: صدقت ولكن دعهم على غباوتهم ولا تفطنهم إلى ذلك، فقال السمع والطاعة، ثم إن ابن القصاب كتب إلى الخليفة يقول له: إنه قد وصل إلى صحبة خادم السلطان فلان

стр. 307

شاب قمي قد جرى من تنبهه كيت وكيت، ومثل هذا يجب أن يصطنع ويحسن إليه ويستخدم، فكتب الخليفة يأمره بألا يمكنه من التوجّه معهم، فعمل له حجة وقطع عنهم، فتوجهوا وأقام القمي ببغداد، فعين عليه في كتابة الإنشاء، فمكث على ذلك مدة، ثم تولى الوزارة وتمكن في الدولة تمكنا لم يتمكن مثله أحد من أمثاله، وكان أوحد زمانه في كل شيء حسن، كثير البر والخير والصدقات. حدث عنه مملوكه بدر الدين أياز قال: طلب ليلة من الليالي حلاوة النبات فعمل في الحال منها صحون كثيرة، وأحضرت بين يديه في ذلك الليل فقال لي: يا أياز تقدر تدّخر هذه الحلاوة لي موفّرة إلى يوم القيامة؟ فقلت: يا مولانا وكيف يكون ذلك؟ وهل يمكن هذا؟ قال: نعم، تمضي في هذه الساعة إلى مشهد موسى والجواد- ﵉ وتضع هذه الأصحن قدام أيتام العلويين، فإنّها تدّخر لي موفّرة إلى يوم القيامة، قال أياز: فقلت: السمع والطاعة، ومضيت- وكان نصف الليل- إلى المشهد وفتحت الأبواب وأنبهت الصبيان الأيتام ووضعت الأصحن بين يديهم ورجعت. وما زال القميّ على سداد من أمره، تولى الوزارة للناصر، ثم للظاهر ثم للمستنصر حتى قبض عليه المستنصر وحبسه في باطن دار الخلافة مدة فمرض وأخرج مريضا فمات- ﵀ في سنة تسع وعشرين وستمائة. انقضت أيام الناصر لدين الله ووزرائه.

стр. 308

ثمّ ملك بعده ولده أبو نصر محمّد الظاهر بأمر الله ابن الناصر لدين الله بويع في سنة اثنتين وعشرين وستمائة. لم تطل أيامه، ولم يجر فيها ما يسطر، سوى احتراق القبة الشريفة بمشهد موسى والجواد- ﵉ فشرع الظاهر في عمارتها، فمات ولم تفرغ فتممها المستنصر. وأيضا فإن الظاهر هو الّذي عمل هذا الجسر الموجود الآن في بغداد، ولما فرغ عمل الشعراء فيه المدائح ووصفوا الجسر فيها، فممن نظم في ذلك شعرا، موفق الدين القاسم بن أبي الحديد كاتب الإنشاء، وهو قوله: أمام يحرم ذل السؤال ... ويعمل بالكرم الواجب أقام طريقا على دجلة ... لذي القصد منه وللذاهب فعارض جسرا على جانب ... بجسر جديد على جانب كسطرين في كاغذ أبيض ... أجادهما قلم الكاتب كمخنقتي [١] عنبر [٢] ضمتا ... بياض الترائب من كاعب كصفين من إبل أصبحا ... وقوفا على جدد [٣] لاحب [٤] (متقارب) ومات الظاهر في سنة ثلاث وعشرين وستمائة. شرح حال الوزارة في أيامه أقر القمي على وزارته ولم يستوزر غيره.

стр. 309

ثمّ ملك بعده ولده أبو جعفر المنصور المستنصر باللَّه بويع بالخلافة في سنة ثلاث وعشرين وستّمائة. كان المستنصر شهما جوادا يباري الرّيح كرما وجودا، وكانت هباته وعطاياه أشهر من أن يدلّ عليه وأعظم من أن تحصى، ولو قيل: إنّه لم يكن في خلفاء بني العبّاس مثله لصدق القائل. وله الآثار الجليلة: منها- وهي أعظمها- المستنصريّة وهي أعظم من أن توصف، وشهرتها تغني عن وصفها ومنها: خان حربي وقنطرتها وخان نهر سابس بأعمال واسط، وخان الخرنيني، وغير ذلك من المساجد والرّبط ودور الضيافات، وكان المستنصر يقول: إني أخاف أن الله لا يثيبني على ما أهبه وأعطيه لأنّ الله تعالى يقول: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ٣: ٩٢ [١] وأنا والله لا فرق عندي بين التراب والذّهب. كانت أيامه طيبة والدنيا في زمانه ساكنة، والخيرات دارّة [٢] والأعمال عامرة وفي أيامه فتحت إربل، أرسل المستنصر إليها إقبالا الشرابيّ وصحبته عارض الجيوش، وذلك عند وفاة صاحبها مظفّر الدين بن زين الدين علي كوجك. ومات المستنصر في سنة أربعين وستمائة. شرح حال الوزارة في أيامه لمّا بويع بالخلافة أقرّ القمّي وزير أبيه وجدّه على وزارته سنوات، ثمّ قبض عليه وجرى له ما تقدّم من شرحه. وزارة نصير الدّين أبي الأزهر أحمد ابن محمّد بن الناقد ثم استوزر المستنصر بعد القمّي أبا الأزهر أحمد بن النّاقد، كان في ابتداء أمره وكيلا، فمكث مدّة في الوكالة ثمّ منها إلى الوزارة، فنهض بأعبائها نهوضا حسنا وقام بضبط المملكة قياما مرضيا، وكان عظيم الأمانة قويّ السياسة شديد الهيبة على المتصرّفين حاسما لموادّ الأطماع والفساد، قيل: إنّه هجي ببيتين فلمّا

стр. 310

سمعهما استحسنهما وهما: وزيرنا زاهد والناس قد زهدوا ... فيه فكلّ عن اللذّات منكمش أيّامه مثّل شهر الصّوم خالية ... من المعاصي وفيها الجوع والعطش (بسيط) وما زالت السّعادة تخدمه إلى آخر عمره، فمن جملة سعادته- وهو من الاتّفاقات العجيبة- ما حدّث عنه، وهو أنه قبل الوزارة عمل في بعض الأعياد سنبوسجا كثيرا، وأحبّ أنّ يداعب بعض أصحابه، فأمر أن يحشى سبعون سنبوسجة بحبّ قطن ونخالة وتجعل مفردة، وعمل سنبوسجا كثيرا كجاري العادة، وركب إلى دار الخليفة فطلب منه عمل شيء من السنبوسج، فذكر أنّ عنده شيئا مفروغا منه، وأمر خادما له بإحضار ما عنده من السّنبوسج، فمضى الخادم عن غير معرفة بذلك المحشوّ بحبّ القطن ومزج الجميع ووضعه في الأطباق ليحمله إلى دار الخليفة، فجاء الجواري والخدم وقالوا: أعطونا حصّتنا من هذا، فأخذوا منه مائة سنبوسجة، وحمل الخادم الأطباق بما فيها إلى دار الخليفة، فلمّا حمل السّنبوسج وصار بدار الخليفة ورجع ابن الناقد إلى داره سأل عن السنبوسج المحشوّ بحبّ القطن، فقالوا له: ما عرفنا بشيء من ذلك، وفلان الخادم جاء ومزج الجميع وأخذه ومضى، فلم يشكّ أنّه هالك وكادت تسقط قوّته خوفا وخجلا، فقال: أما تخلّف منه شيء قطّ؟ قالوا: قد اقتطع الجواري والخدم منه حدود مائة سنبوسجة، فقال: أحضروها فأحضرت وفتحت بين يديه، فوجد السبعين سنبوسجة المحشوّة بحبّ القطن قد حصلت بأيدي الجواري والخدم في جملة ما أخذوه لأنفسهم، لم تشذّ منهم واحدة إلى دار الخليفة، ومات نصير الدين في سنة اثنتين وأربعين وستّمائة في خلافة المستعصم. انقضت أيام المستنصر ووزرائه. ثمّ ملك بعده ولده أبو أحمد عبد الله المستعصم باللَّه بويع له بالخلافة في سنة أربعين وستّمائة، وهو آخر الخلفاء. كان المستعصم رجلا خيّرا متديّنا ليّن الجانب سهل العريكة عفيف اللسان حمل كتاب الله تعالى، وكتب خطّا مليحا وكان سهل الأخلاق، وكان خفيف الوطأة إلّا أنّه كان مستضعف الرأي ضعيف البطش، قليل الخبرة بأمور المملكة مطموعا

стр. 311

فيه، غير مهيب في النفوس، ولا مطّلع على حقائق الأمور، وكان زمانه ينقضي أكثره بسماع الأغاني والتفرّج على المساخرة، وفي بعض الأوقات يجلس بخزانة الكتب جلوسا ليس فيه كبير فائدة، وكان أصحابه مستولين عليه، وكلّهم جهال من أراذل العوامّ، إلا وزيره مؤيّد الدين محمّد بن العلقميّ فإنّه كان من أعيان الناس وعقلاء الرّجال، وكان مكفوف اليد مردود القول، يترقّب العزل والقبض صباح مساء. وكانت عادة الخلفاء أكثرهم أن يحبسوا أولادهم وأقاربهم- وبذلك جرت سنّتهم إلى آخر أيّام المستنصر- فلمّا ولي المستعصم أطلق أولاده الثلاثة ولم يحبسهم وهم: الأمير الكبير أبو العبّاس أحمد، والعامّة تسمّيه أبا بكر، وليس بصحيح، وإنما سمّوه بذلك، لأنّه لمّا نهب الكرخ نسب الأمر في ذلك إليه وقيل إنّه هو الّذي أشار بذلك والأمير الأوسط وهو أبو الفضائل عبد الرّحمن كان شهما، خرج إلى بين يدي السّلطان هولاكو، ووقع كلامه بموضع الاستحسان في الحضرة السّلطانية، والأمير الأصغر أبو المناقب. حدّثني صفيّ الدين عبد المؤمن بن فاخر الأرمويّ- وكان قد صار في آخر أيّام المستعصم مقرّبا عنده ومن خواصّه، وكان قد استجدّ في آخر أيّامه خزانة كتب ونقل إليها من نفائس الكتب وسلّم مفاتيحها إلى عبد المؤمن، فصار عبد المؤمن يجلس بباب الخزانة ينسخ له ما يريد، وإذا خطر للخليفة الجلوس في خزانة الكتب جاء إليها وعدل عن الخزانة الأولى التي كانت مسلّمة إلى الشيخ صدر الدّين عليّ ابن النيّار، قال (أعني عبد المؤمن) : كنت مرّة جالسا في حجرة صغيرة وأنا أنسخ وهناك مرتبة برسم الخليفة إذا جاء إلى هناك جلس عليها، وقد بسطت عليها ملحفة لتردّ عنها الغبار، فجاء خويدم صغير ونام قريبا من المرتبة المذكورة واستغرق في النّوم، فتقلّب حتى تلفّف في تلك الملحفة المبسوطة على المرتبة ثم تقلّب حتّى صارت رجلاه على المسند، قال: وأنا مشغول بالنّسخ فأحسست بوطء في الدّهليز، فنظرت فإذا هو الخليفة وهو يستدعيني بالإشارة ويخفّف وطأه، فقمت إليه منزعجا وقبّلت الأرض، فقال لي: هذا الخويدم الّذي قد نام حتى تلفّف في هذه الملحفة وصارت رجلاه على المسند متى هجمت عليه حتّى يستيقظ ويعلم أني شاهدته على هذه الحال فتنفطر مرارته من الخوف، فأيقظه أنت برفق فإنّي سأخرج

стр. 312

إلى البستان، ثمّ أعود، قال: وخرج الخليفة فدخلت إلى الخويدم وأيقظته فانتبه، ثم أصلحنا المرتبة، ثمّ دخل الخليفة. وحدّثني بعض أهل بغداد قال: حدّثت أنّ الشيخ صدر الدين بن التيار شيخ الخليفة قال: دخلت مرّة إلى خزانة الكتب على عادتي وفي كمّي منديل فيه رقاع كثيرة لجماعة من أرباب الحوائج، فطرحت المنديل وفيه الرّقاع في موضعي، ثم قمت لبعض شأني، فلمّا عدت إلى الخزانة بعد ساعة حللت الرّقاع من المنديل حتى أتأملّها وأقدّم منها المهمّ، فرأيتها جميعها وعليها توقيع الخليفة بالإجابة إلى جميع ما فيها، فعلمت أنّ الخليفة قد جاء إلى الخزانة عند قيامي فرأى المنديل وفيه الرّقاع ففتحها ووقّع على جميعها والمستعصم هو آخر خلفاء الدولة العباسية ببغداد. ولم يجر في أيام المستعصم شيء يؤثر سوى نهب الكرخ، وبئس الأثر ذلك!. وفي آخر أيّامه قويت، الأراجيف [١] بوصول عسكر المغول صحبة السّلطان هولاكو فلم يحرّك ذلك منه عزما، ولا نبه منه همّة، ولا أحدث عنده همّا، وكان كلّما سمع عن السّلطان من الاحتياط والاستعداد شيء ظهر من الخليفة نقيضه من التّفرط والإهمال، ولم يكن يتصور حقيقة الحال في ذلك، ولا يعرف هذه الدّولة- يسّر الله إحسانها وأعلى شأنها- حقّ المعرفة. وكان وزيره مؤيّد الدين بن العلقميّ يعرف حقيقة الحال في ذلك، ويكاتبه بالتّحذير والتّنبيه، ويشير عليه بالتّيقظ والاحتياط والاستعداد وهو لا يزداد إلا غفولا. وكان خواصّه يوهمونه أنّه ليس في هذا كبير خطر ولا هناك محذور، وأنّ الوزير إنما يعظّم هذا لينفق سوقه ولتبرز إليه الأموال ليجنّد بها العساكر فيقتطع منها لنفسه. وما زالت غفلة الخليفة تنمي [٢] ويقظة الجانب الآخر تتضاعف، حتّى وصل العسكر السلطاني إلى همذان وأقام بها مديدة، ثمّ تواترت الرّسل السّلطانيّة إلى الدّيوان المستعصميّ، فوقع التعيين من ديوان الخليفة على ولد أستاذ الدّار، وهو شرف الدين عبد الله بن الجوزيّ، فبعث رسولا إلى خدمة الدّركاه [٣] السلطانيّة بهمذان، فلمّا وصل وسمع جوابه علم أنه جواب مغالطة ومدافعة، فحينئذ

стр. 313

وقع الشّروع في قصد بغداد وبثّ العساكر إليها، فتوجّه عسكر كثيف من المغول، والمقدم عليهم باجو، إلى تكريت ليعبروا من هناك إلى الجانب الغربيّ ويقصدوا بغداد من غربها، ويقصدها العسكر السلطانيّ من شرقيّها، فلمّا عبر عسكر باجو من تكريت، وانحدر إلى أعمال بغداد أجفل النّاس من دجيل والإسحاقي ونهر ملك ونهر عيسى، ودخلوا إلى المدينة بنسائهم وأولادهم، حتّى كان الرجل أو المرأة يقذف بنفسه في الماء، وكان الملّاح إذا عبر أحد في سفينة من جانب إلى جانب يأخذ أجرته سوارا من ذهب أو طرازا من زركش أو عدّة من الدنانير. فلمّا وصل العسكر السلطانيّ إلى دجيل- وهو يزيد على ثلاثين ألف فارس- خرج إليه عسكر الخليفة صحبة مقدّم الجيوش مجاهد الدين أيبك الدّويدار وكان عسكره في غاية القلّة، فالتقوا بالجانب الغربيّ من بغداد قريبا من البلد، فكانت الغلبة في أوّل الأمر لعسكر الخليفة، ثم كانت الكرّة للعسكر السلطانيّ فأبادوهم قتلا وأسرا، وأعانهم على ذلك نهر فتحوه في طول الليل، فكثرت الوحول في طريق المنهزمين فلم ينج منهم إلا من رمى نفسه في الماء أو من دخل البريّة ومضى على وجه الشأم ونجا الدّويدار في جمعيّة من عسكره ووصل إلى بغداد، وساق باجو حتّى دخل البلد من جانبه الغربيّ، ووقف بعساكره محاذي التّاج، وجاست عساكره خلال الدّيار وأقام محاذي التاج أيّاما. وأمّا حال معسكر السلطاني فإنّه في يوم الخميس رابع محرم من سنة ستّ وخمسين وستّمائة ثارت غبرة عظيمة شرقيّ بغداد على درب يعقوبا بحيث عمّت البلد فانزعج الناس من ذلك وصعدوا إلى أعالي السّطوح والمناير [١] يتشوّفون، فانكشفت الغبرة عن عساكر السلطان وخيوله ولفيفه وكراعه وقد طبق وجه الأرض وأحاط ببغداد من جميع جهاتها، ثم أسرعوا في استعمال أسباب الحصار، وشرع العسكر الخليفي في المدافعة والمقاومة إلى اليوم التاسع عشر من محرم، فلم يشعر الناس إلا ورايات المغول ظاهرة على سور بغداد من برج يسمى برج العجمي من ناحية باب من أبواب بغداد يقال له باب كلواذى. وكان هذا البرج أقصر أبراج السور، وتقحم العسكر السلطاني هجوما ودخولا، فجرى من القتل الذريع والنهب العظيم والتمثيل البليغ ما يعظم سماعه

стр. 314

جملة فما الظن بتفاصيله: وكان ما كان مما لست أذكره ... فظنّ ظنا ولا تسأل عن الخبر وأمر السلطان بخروج الخليفة وولده ونسائه إليه فخرجوا، فحضر الخليفة بين يدي الدركاه، فيقال إنه عوتب ووبّخ بما معناه نسبة العجز والتفريط والغفول إليه، ثم أوصل إلى الياسا وولده الأكبر والأوسط أما بناته فأسرن، ثم استشهد المستعصم في رابع صفر سنة ست وخمسين وستمائة. شرح حال الوزارة في أيامه لما بويع بالخلافة أقر وزير أبيه، وهو نصير الدين بن الناقد على وزارته إلى أن توفي، فلما توفي استوزر مؤيد الدين محمد بن العلقميّ. وزارة مؤيّد الدين أبي طالب محمد بن أحمد بن العلقميّ هو أسديّ، أصلهم من النيل، وقيل لجده العلقميّ، لأنه حفر النهر المسمى بالعلقمي، وهو الّذي برز الأمر الشريف السلطاني بحفره، وسمي القازاني، اشتغل في صباه بالأدب ففاق فيه، وكتب خطا مليحا، وترسّل ترسلا فصيحا، وضبط ضبطا صحيحا، وكان رجلا فاضلا كاملا لبيبا، كريما وقورا، محبا للرئاسة كثير التجمل رئيسا متمسكا بقوانين الرئاسة، خبيرا بأدوات السياسة، لبيق [١] الأعطاف [٢] بآلات الوزارة، وكان يحبّ أهل الأدب ويقرب أهل العلم، اقتنى كتبا كثيرة نفيسة. حدثني ولده شرف الدين أبو القاسم علي- ﵀ قال: اشتملت خزانة والدي على عشرة آلاف مجلد من نفائس الكتب، وصنف الناس له الكتب، فممن صنف له الصّغاني [٣] اللغوي، صنف له «العباب» ، وهو كتاب عظيم كبير في لغة العرب، وصنف له عز الدين عبد الحميد بن أبي الحديد كتاب شرح نهج

стр. 315

البلاغة يشتمل على عشرين مجلدا، فأثابهما وأحسن جائزتهما، وكان ممدحا، مدحه الشعراء وانتجعه الفضلاء، فممن مدحه كمال الدين بن البوقيّ بقصيدة من جملتها: مؤيّد الدين أبو طالب ... محمد بن العلقميّ الوزير (سريع) وهذا بيت حسن جمع فيه بين لقبه وكنيته واسم أبيه وصنعته وكان مؤيد الدين الوزير عفيفا عن أموال الديوان وأموال الرعية، متنزها مترفعا قيل إن بدر الدين صاحب الموصل أهدى إليه هدية تشتمل على كتب وثياب ولطائف قيمتها عشرة آلاف دينار، فلما وصلت إلى الوزير حملها إلى خدمة الخليفة وقال: إن صاحب الموصل قد أهدى لي هذا واستحييت منه أن أرده إليه، وقد حملته وأنا أسأل قبوله فقبل، ثم إنه أهدى إلى بدر الدين عوض هديته شيئا من لطائف بغداد قيمته اثنا عشر ألف دينار، والتمس منه ألا يهدي إليه شيئا بعد ذلك. وكان خواصّ الخليفة جميعهم يكرهونه ويحسدونه، وكان الخليفة يعتقد فيه ويحبه وكثروا عليه عنده، فكفّ يده عن أكثر الأمور ونسبه الناس إلى أنه خامر [١] وليس ذلك بصحيح، ومن أقوى الأدلة على عدم مخامرته سلامته في هذه الدولة، فإن السلطان هولاكو لما فتح بغداد وقتل الخليفة سلم البلد إلى الوزير، وأحسن إليه وحكّمه، فلو كان قد خامر على الخليفة لما وقع الوثوق إليه. حدّثني كمال الدين أحمد بن الضحاك- هو ابن أخت الوزير مؤيد الدين بن العلقميّ- قال لما نزل السلطان هولاكو على بغداد أرسل يطلب أن يخرج الوزير إليه قال: فبعث الخليفة فطلب الوزير فحضر عنده وأنا معه، وقال له الخليفة: قد أنفذ السلطان يطلبك وينبغي أن تخرج إليه، فجزع الوزير من ذلك، وقال يا مولانا: إذا خرجت فمن يدبر البلد، ومن يتولى المهام؟ فقال الخليفة: لا بد أن تخرج، قال: فقال: السمع والطاعة، ثم مضى إلى داره وتهيأ للخروج ثم خرج، فلما حضر بين يدي السلطان وسمع كلامه وقع بموقع الاستحسان، وكان الّذي تولى تربيته في الحضرة السلطانية الوزير السعيد نصير الدين محمد الطوسيّ- قدس الله

стр. 316

روحه- فلما فتحت بغداد سلمت إليه وإلى علي بهدار الشّحنة [١] ، فمكث الوزير شهورا، ثم مرض ومات- ﵀ في جمادى الأولى سنة ست وخمسين وستمائة. انقضت دولة بني العباس ووزرائهم، وبذلك انقضى الكتاب والحمد للَّه وحده وصلواته على سيدنا محمد النبي وآله الطيبين الطاهرين وسلامه. فرغ من تأليفه واستنساخه مؤلفه في مدة أولها جمادى الآخرة من سنة أحدى وسبعمائة، وآخرها خامس شوال من السنة المذكورة بالموصل الحدباء، وهذا خطّ يده تجاوز الله عنه. تم الكتاب