وزارة العبّاس بن الحسن
قال الصّوليّ [١] : من أعجب ما شاهدت من تقلّب الدّنيا وتصاريف الأمور أنّني رأيت العبّاس بن الحسن في أول الأربعاء قبل أن يموت الوزير القاسم بن عبيد الله وقد حضر إلى داره وقبّل يد ولده، ثمّ في آخر اليوم المذكور مات القاسم وخلع المكتفي على العباس بن الحسن واستوزره، فجاء ولد الوزير القاسم بن عبيد فقبّل يده.
كان العبّاس بن الحسن ذا دهاء ومكر وأدب وافر. وكان ضعيفا في الحساب ولم تكن سيرته محمودة. وكان عاكفا على لذّاته والأمور مهملة، وكان يقول لنوّابه بالأعمال: أنا أوقّع إليكم وأنتم افعلوا ما فيه المصلحة. ولم تزل الأمور تضطرب في أيّامه حتّى وثب عليه الحصين بن حمدان وجماعة من الجند فقتلوه، وذلك في أيّام المقتدر. انقضت أيام المكتفي ووزرائه.
ثمّ ملك بعده المقتدر باللَّه
هو أبو الفضل جعفر بن المعتضد، بويع له بالخلافة في سنة خمس وتسعين ومائتين وعمره ثلاث عشرة سنة.
وكان المقتدر سمحا كثير الإنفاق، ردّ رسوم الخلافة من التجمّل وسعة الإدارات والمعاش، وكثرة الخلع والصّلات. كان في داره أحد عشر ألف خادم من الرّوم والسّودان، وكانت خزانة الجوهر في أيّامه مترعة بالجواهر النفيسة، فمن جملتها: الفصّ الياقوت الّذي اشتراه الرّشيد بثلاثمائة ألف دينار، والدرّة اليتيمة التي كان وزنها ثلاثة مثاقيل، إلى غير ذلك من الجواهر النفيسة، ففرّقه جميعه وأتلفه في أيسر مدّة وفي أيّامه قتل الحلاج.
стр. 247
شرح الحال في ذلك
كان الحلاج- واسمه الحسين بن منصور، ويكنى: أبا الغيث- أصله مجوسيّ من أهل فارس. ونشأ بواسط [١] وقيل: بتستر [٢] ، وخالط الصوفيّة وتتلمذ لسهل التّستري، ثمّ قدم بغداد ولقي أبا القاسم الجنيد [٣] وكان الحلاج يلبس الصوف والمسوح [٤] تارة، والثّياب المصبّغة تارة، والعمامة الكبيرة والدرّاعة تارة والقباء وزيّ الجند تارة. وطاف بالبلاد ثمّ قدم في آخر الأمر بغداد وبنى بها دارا واختلفت آراء الناس واعتقاداتهم فيه، وظهر منه تخليط، وتنقّل من مذهب إلى مذهب، واستغوى العامّة بمخاريق [٥] كان يعتملها، منها: أنه كان يحفر في بعض قوارع الطّرقات موضعا ويضع فيه زقّا [٦] فيه ماء، ثمّ يحفر في موضع آخر ويضع فيه طعاما، ثم يمرّ بذلك الموضع ومعه أصحابه فيحتاجون هناك إلى ماء يشربونه ويتوضّئون به، فيأتي هو إلى ذلك الموضع الّذي قد حفره وينبش فيه بعكاز، فيخرج الماء فيشربون ويتوضّئون ثم يفعل كذلك في الموضع الآخر عند جوعهم فيخرج الطّعام من بطن الأرض، يوهمهم أنّ ذلك من كرامات الأولياء.
وكذلك كان يصنع بالفواكه، يدّخرها ويحفظها، ويخرجها في غير وقتها. فشغف الناس به، وتكلّم بكلام الصوفيّة، وكان يخلطه بما لا يجوز ذكره من الحلول [٧] المحض، وله أشعار، فمنها:
стр. 248
حبيبي غير منسوب ... إلى شيء من الحيف [١]
سقاني مثلما يشر ... ب فعل الضّيف بالضّيف
فلمّا دارت الكاس ... دعا بالنّطع [٢] والسّيف
كذا من يشرب الراح ... مع التنين في الصّيف
(هزج) وكثر شغف الناس به وميلهم إليه. وكان يقول لأصحابه: أنتم موسى وعيسى ومحمد وآدم، انتقلت أرواحهم إليكم. فلما نما هذا الفساد منه تقدّم المقتدر إلى وزيره حامد بن العبّاس بإحضاره ومناظرته، فأحضره الوزير وجمع له القضاة والأئمة، ونوظر فاعترف بأشياء أوجبت قتله، فضرب ألف سوط على أن يموت فما مات، فقطعت يداه ورجلاه وحزّ رأسه وأحرقت جثّته، وقال لأصحابه عند قتله لا يهولنكم هذا فإنّي أعود إليكم بعد شهر، قالوا: وأنشد قبل قتله:
طلبت المستقرّ بكلّ أرض ... فلم أر لي بأرض مستقرّا
أطعت مطامعي فاستعبدتني ... ولو أني قنعت لكنت حرّا
(وافر) وذلك في سنة تسع وثلاثمائة، وقبره ببغداد بالجانب الغربيّ قريب من مشهد معروف الكرخيّ [٣] ﵁ .
وفي تلك الأيّام اقتلع القرامطة الحجر الأسود، ومكث في أيديهم أكثر من عشرين سنة، حتى ردّ على يد الشّريف يحيى بن الحسين بن أحمد بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ﵈ .
стр. 249
واعلم أنّ دولة المقتدر كانت دولة ذات تخليط كثير، لصغر سنّه ولاستيلاء أمّه ونسائه وخدمه عليه. فكانت دولته تدور أمورها على تدبير النساء والخدم وهو مشغول بلذّته، فخربت الدّنيا في أيّامه. وخلت بيوت الأموال. واختلفت الكلمة.
فخلع ثمّ أعيد. ثم قتل. وفي تلك الأيّام نبعت الدّولة الفاطميّة بالمغرب.
شرح حال الدّولة العلويّة وابتدائها وانتهائها على سبيل الاختصار
هذه دولة اتسعت أكناف مملكتها وطالت مدّتها، فكان ابتداؤها حين ظهر المهديّ بالمغرب في سنة ستّ وتسعين ومائتين. وانتهاؤها في سنة سبع وستين وخمسمائة وكادت هذه الدولة أن تملك ملكا عامّا، وأن تدين الأمم لها. وإليها أشار الرّضيّ الموسوي [١]- قدّس الله روحه- بقوله:
ما مقامي على الهوان وعندي ... مقول قاطع وأنف حميّ
وإباء محلّق بي عن الضّيم ... كما زاغ طائر وحشيّ
أحمل الضّيم في بلاد الأعادي ... وبمصر الخليفة العلويّ
من أبوه أبي، ومولاه مولاي ... إذا ضامني البعيد القصيّ
لفّ عرقي بعرقه سيّدا الناس ... جميعا: محمد وعليّ
إنّ ذلي بذلك الجو عزّ ... وأوامي [٢] بذلك الرّبع ريّ
(خفيف)
стр. 250
شرح ابتداء هذه الدّولة
أوّل خلفائهم المهديّ باللَّه، وهو أبو محمّد عبيد الله بن أحمد بن إسماعيل الثالث ابن أحمد بن إسماعيل الثاني، بن محمّد بن إسماعيل الأعرج بن جعفر الصّادق ﵈ ، وقد روي نسبهم على صورة أخرى، وفيه اختلاف كثير، والصحيح أنهم علويّون إسماعيليّون صحيحو الاتصال، وهذه الصورة التي أوردتها ها هنا هي المعوّل عليها وبها خطوط مشايخ النسّابين.
وكان المهديّ من رجال بني هاشم في عصره، قيل: إنه ولد ببغداد سنة ستين ومائتين، وقيل: ولد بسلميّة [١] ، ثمّ وصل إلى مصر في زيّ التجّار، وأظهر أمره بالمغرب ودعا النّاس إلى نفسه، فمالوا إليه وتبعه خلق كثيرون، وسلّموا عليه بالخلافة وقويت شوكته وعظم حاله، ثم انفصل إلى أرض القيروان [٢] وبنى مدينة سمّاها المهديّة واستقر بها، وملك إفريقية وبلاد المغرب وتلك النواحي جميعها، ثمّ ملك الإسكندرية وجبى خراجها وخراج بعض الصّعيد، وتوفّي سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، ثم تسلّم الخلافة منه واحد بعد واحد، حتّى انتهت النّوبة إلى العاضد آخر خلفائهم، وهو أبو محمّد عبد الله بن الأمير يوسف بن الحافظ لدين الله.
شرح انتهائها
بويع العاضد في سنة خمس وخمسين وخمسمائة وهو طفل، فقام بأمر دولته الأمراء والوزراء، حتّى توجّه أسد الدين شيركوه عمّ صلاح الدين يوسف بن أيوب إلى مصر لما ظهر من اختلال أحوال الدولة لصغر الخليفة، واختلاف آراء وزرائه وأمرائه وسار صلاح الدين مع عمّه أسد الدين شيركوه كارها، فلم تطل مدّة أسد الدين شيركوه فمات [٣] ، فاستولى صلاح الدين على المملكة، واستوزره
стр. 251
العاضد وخلع عليه خلع الوزارة في سنة أربع وستين وخمسمائة وتمكن صلاح الدين من الدولة وقدم عليه أهله، فأقطعهم الإقطاعات السنية، وأزال أيدي أصحاب العاضد وتفرّد بالحكم. ومرض العاضد وتطاولت أمراضه، ثم مات في سنة سبع وستين وخمسمائة. وأحجم الناس [١] فيمن يدعى له بالخلافة على المنابر، فلما كان يوم الجمعة صعد رجل أعجميّ إلى المنبر وخطب وذكر الخليفة المستضيء [٢] فلم ينكر أحد عليه واستمرّ الحال في مصر بالخطبة للعباسيّين، وانقرضت دولة الفاطميّين منها، واستقل صلاح الدين يوسف بن أيّوب بملك مصر من غير منازع، وحبس من كان تخلّف من أقارب العاضد، وقبض على الخزائن والأموال، ومن جملتها الجبل الياقوت، وزنه ستّة عشر مثقالا. قال ابن الأثير المؤرّخ: أنا رأيته ووزنته ومن جملتها نصاب زمرد طوله أربع أصابع، في عرض عقد، ووجدوا طبلا بالقرب من موضع العاضد، فظنّوه عمل للعب، فسخروا من العاضد، فألقاه أحدهم من يده فكسره وإذا الطبل قد عمل لأجل القولنج [٣] فندموا على كسره وكان ذلك في أيام الخليفة المستضيء من بني العبّاس فوردت البشائر إليه بفتح مصر وبإقامة الخطبة له بها، فأظهر السّرور ببغداد وهنّأه الشّعراء وأرسل المستضيء تقليد السّلطنة إلى صلاح الدّين بالتّفويض والتّحكيم. فسبحان من يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممّن يشاء!.
رجعنا إلى تتمة خلافة المقتدر
وخلع المقتدر، وبويع عبد الله بن المعتزّ فمكث يوما واحدا في الخلافة، ثم استظهر المقتدر عليه فأخذه وقتله ولم يعدّ عبد الله بن المعتزّ في الخلفاء لقصر الزمان الّذي تولّى فيه، وجرت بين المقتدر وبين مؤنس المظفّر أمير الجيوش منافرة أدّت إلى حرب قتل فيها المقتدر وقطع رأسه، وحمل إلى ما بين يدي مؤنس المظفّر ومكثت جثّته مرميّة على قارعة الطّريق، وذلك في سنة عشرين وثلاثمائة.
стр. 252
شرح حال الوزارة في أيّامه
لما جلس المقتدر على سرير الخلافة أقرّ العباس بن الحسن وزير أخيه المكتفي على وزارته، فلمّا قتل العبّاس بن الحسين وجرت الفتنة بين المقتدر وبين عبد الله بن المعتزّ واستظهر المقتدر، أحضر ابن الفرات واستوزره.
وزارة ابن الفرات
قال الصوليّ [١] : هم من «صريفين» من أعمال دجيل [٢] ، قال: وبنو الفرات من أجلّ الناس فضلا وكرما، ونبلا ووفاء ومروءة. وكان هذا أبو الحسن عليّ بن الفرات من أجلّ الناس وأعظمهم كرما وجودا. وكانت أيّامه مواسم للناس وكان المقتدر لمّا جرت له الفتنة وخلع، وبويع ابن المعتزّ ثمّ استظهر المقتدر عليه واستقرّت الخلافة للمقتدر، وأرسل إلى أبي الحسن عليّ بن الفرات فأحضره واستوزره وخلع عله. فنهض بتسكين الفتنة أحسن نهض ودبّر الدّولة في يوم واحد وقرّر القواعد، واستمال الناس، ولم يبت تلك الليلة إلا والأمور مستقيمة للمقتدر، وأحوال دولته قد تمهّدت وفي ذلك يقول بعض شعراء الدّولة المقتدريّة:
ودبّرت في ساعة دولة ... تميل بغيرك في أشهر
(متقارب) وتولى ابن الفرات الوزارة ثلاث دفعات للمقتدر، قالوا: كان إذا ولي ابن الفرات الوزارة يغلو الشّمع والثّلج والكاغد، لكثرة استعماله لذلك، لأنّه ما كان يشرب أحد كائنا من كان في داره في الفصول الثلاثة إلا الماء المثلوج، ولا كان أحد يخرج من عنده بعد المغرب إلا وبين يديه شمعة كبيرة نقيّة. صغيرا كان أو كبيرا. وكان في داره حجرة معروفة بحجرة الكاغد، كلّ من دخل واحتاج إلى شيء من الكاغد أخذ حاجته منها.
стр. 253
حدّث عنه أنّه قال: ما رأيت أحدا من أرباب الحوائج إلا كان اهتمامي بالإحسان إليه أشدّ من اهتمامه قال: وكان قبل الوزارة يجعل لجلسائه وندمائه مخادّ [١] يتكئون عليها، فلما ولي الوزارة لم يحضر الفراشون للندماء والجلساء تلك المخادّ، فأنكر ذلك عليهم وأمر بإحضار المخادّ، وقال: لا يراني الله يرتفع شأني بحطّ منزلة أصحابي. ولمّا جرت فتنة ابن المعتزّ واستظهر المقتدر واستوزر أبا الحسن بن الفرات أحضرت إلى ابن الفرات [٢] رقاع من جماعة أرباب الدولة تنطق بميلهم إلى ابن المعتزّ وانحرافهم عن المقتدر، فأشار عليه بعض الحاضرين بأن يفتحها ويطالعها، ليعرف بها العدوّ من الصديق، فأمر ابن الفرات بإحضار الكانون وفيه نار، فلما أحضر جعل تلك الرقاع فيه بمحضر من النّاس، ولم يقف على شيء منها، وقال للحاضرين: هذه رقاع أرباب الدّولة، فلو وقفنا عليها تغيرت نياتنا لهم ونياتهم لنا فإن عاقبناهم أهلكنا رجال الدولة، وكان في ذلك أتمّ الوهن على المملكة، وإن تركناهم كنا قد تركناهم ونياتهم متغيّرة، وكذلك نياتنا فلا ننتفع.
وما زال ابن الفرات ينتقل في الوزارة إلى المرّة الثالثة فقبض عليه وقتل وذلك في سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة.
وزارة الخاقانيّ
هو أبو عليّ محمّد بن عبيد الله بن يحيى خاقان لمّا قبض المقتدر على ابن الفرات في المرّة الأولى أحضره- وكان خائفا من ابن الفرات- فطيّب قلبه واستوزره وخلع عليه خلع الوزارة.
كان الخاقانيّ سيّئ السيرة والتّدبير، كثير التّولية والعزل. قيل: إنّه ولّى في يوم واحد تسعة عشر ناظرا للكوفة، وأخذ من كلّ واحد رشوة فانحدر واحد واحد حتّى اجتمعوا جميعهم في بعض الطريق، فقالوا كيف نصنع؟ فقال أحدهم:
إن أردتم النّصفة [٣] فينبغي أن ينحدر إلى الكوفة آخرنا عهدا بالوزير فهو الّذي
стр. 254
ولايته صحيحة لأنّه لم يأت بعده أحد. فاتّفقوا على ذلك، فتوجه الرّجل الّذي جاء في الآخر نحو الكوفة، وعاد الباقون إلى الوزير ففرّقهم في عدّة أعمال. وهجاه الشعراء فمما قيل فيه:
للدواوين مذ وليت عويل ... ولمال الخراج سقم طويل
يتلقى الخطوب حين ألمّت ... منك رأي غثّ وعقل ضئيل
إن سمنتم من الخيانة والجور ... فللإرتفاع جسم نحيل
(خفيف) ومما قيل فيه:
وزير لا يملّ من الرّقاعه ... يولّي ثمّ يعزل بعد ساعة
ويدني من تعجّل منه مال ... ويبعد من توسّل بالشّفاعة
(وافر) وقبض المقتدر عليه وحبسه، واستوزر عليّ بن عيسى بن الجرّاح.
وزارة عليّ بن عيسى للمقتدر
كان عليّ بن عيسى شيخا من شيوخ الكتاب، فاضلا ديّنا، ورعا متزهّدا متورّعا قال الصّوليّ: ولا أعلم أنّه وزر لبني العبّاس وزير يشبه عليّ بن عيسى، في زهده وعفّته وحفظه للقرآن وعلمه بمعانيه، وكتابته وحسابه، وصدقاته ومبراته قالوا كان دخل عليّ بن عيسى من ضياعه في كلّ سنة نيفا وثمانين ألف دينار، ينفق نصفها على الفقراء والضعفاء. ونصفها على نفسه وعلى عياله وأصحابه ونهض بأمور الوزارة وضبط الدواوين والأعمال، وقرّر القواعد، وكانت أيامه أحسن أيام وزير. قالوا: ما كان يعاب على ابن عيسى بشيء أكثر من قولهم: إنّه كان ينظر كثيرا في جزئيات الأمور، فربّما شغلته عن الكليّات. ولمّا ولي الوزارة فشت صدقاته ومبرّاته، ووقف وقوفا كثيرة من ضياع السّلطان وأفرد لها ديوانا سمّاه ديوان البرّ [١] ، جعل حاصله لإصلاح الثّغور [٢] وللحرمين الشّريفين: وكان
стр. 255
يجلس لردّ المظالم من الفجر إلى العصر واقتصر على أقلّ الطّعام وأخشن الملبوس وولي الوزارة للمقتدر مرارا، كان هو وأبو الحسن عليّ بن الفرات يتناوبان الوزارة مرّة هذا ومرّة ذاك.
وزارة حامد بن العبّاس
كان حامد يتولّى دائما أعمال السّواد، ولم يكن له خبرة بأعمال الحضرة.
وكان كريما مفضالا، جميل الحاشية رئيسا في نفسه، غزير المروءة، قاسي القلب في استخراج المال. قليل التثبّت، سريع الطّيش والحدّة، إلا أنّ كرمه كان يغطّي على ذلك.
حدّث عنه أنّه دخل مرّة إلى دار المقتدر. فطلب منه بعض خواصّ الخليفة شعيرا لدوابّه، فأخذ الدواة ووقّع له بمائة كرّ [١] فقال له آخر من الخواصّ: أنا أيضا محتاج إلى عليق لدوابي، فوقّع بمائة كرّ، وما زال يطلب منه واحد واحد من خواصّ الخليفة وهو يوقّع، حتّى فرّق ألف كرّ في ساعة واحدة. ولمّا عرف المقتدر قلّة فهم حامد وقلّة خبرته بأمور الوزارة، أخرج عليه عليّ بن عيسى بن الجرّاح من الحبس، وضمّه إليه وجعله كالنائب له، فكان عليّ بن عيسى لخبرته هو الأصل، فكلّ ما يعقده ينعقد، وكلّ ما يحلّه ينحلّ. وكان اسم الوزارة لحامد وحقيقتها لعليّ بن عيسى، حتّى قال بعض الشّعراء:
قل لابن عيسى قولة ... يرضى بها ابن مجاهد
أنت الوزير وإنّما ... سخروا بلحية حامد
جعلوه عندك سترة ... لصلاح أمر فاسد
مهما شككت فقل له: ... كم واحدا في واحد؟
(كامل)
стр. 256
وكان حامد يلبس السّواد ويجلس في دست الوزارة [١] وعليّ بن عيسى يجلس بين يديه كالنائب، وليس عليه سواد ولا شيء من زيّ الوزارة، إلا أنّه هو الوزير على الحقيقة فقال بعض الشّعراء:
أعجب من كلّ ما رأينا ... أنّ وزيرين في بلاد
هذا سواد [٢] بلا وزير ... وذا وزير بلا سواد
(منسرح) ثم عزل حامد، واستوزر المقتدر بعده عليّ بن الفرات، وسلمه إليه فقتله سرا.
وزارة أبي القاسم عبيد الله بن محمّد بن عبيد الله ابن يحيى بن خاقان
لم تطل أيّامه، ولم تكن له سيرة تؤثر وتسطر، واختلّت الأمور عليه فصودر وعزل. ثم توفّي في سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة.
وزارة أبي العبّاس أحمد بن عبيد الله بن أحمد ابن الخصيب للمقتدر
كان صالح الأدب جيّد العقل مليح الخطّ بليغا، يذاكر بجميل الأخبار والأشعار كان السّبب في ولايته أمرا عجيبا. وهو أنّ أبا العبّاس المذكور كان
стр. 257
يلاطف أصحاب المقتدر ويتودّد إليهم ويهاديهم، وكان يحبّونه ويتعصّبون له دائما ويصفونه عند المقتدر فاتّفق أن حصل فتق [١] من الفتوق ببعض الجهات فجهّز المقتدر جيشا وأرسله صحبة بعض أمرائه إلى تلك الجهة، ثمّ كان المقتدر شديد التطلّع إلى أخبار هذا الجيش، فأرسل ابن الخصيب طيورا صحبة بعض ثقاته مع الجيش، وقال لصاحبه: سرّح كلّ يوم طيورا وعليها الأخبار ساعة فساعة، فكانت ترد الأخبار على الطّيور إلى أحمد بن عبيد الله بن الخصيب فيعرضها على المقتدر ساعة بعد ساعة حتى إن المقتدر لم يفته من أمر الجيش شيء فتعجب المقتدر من ذلك وقال: من أين يعلم أحمد بن الخصيب أخبار هذا الجيش؟ فعرف الصّورة وقيل له: من تسمو همّته إلى مثل هذا وليس له تعلّق بهذه القضيّة، فكيف يكون جدّه واجتهاده إذا صار وزيرا؟ فاستوزره.
قالوا: وكان أبو العبّاس أحمد بن عبيد الله بن الخصيب عفيفا متورّعا من مال السّلطان والرعيّة، مجانبا للخيانة، محافظا على الأمانة. ثمّ ضعف أمره وانحرفت عنه السيّدة أمّ المقتدر- وكان كاتبها قبل الوزارة- فعزل وقبضت أمواله [٢] وذلك في سنة أربع عشرة وثلاثمائة.
وزارة أبي عليّ محمّد بن عليّ بن مقلة للمقتدر
هو صاحب الخطّ الحسن المشهور، الّذي تضرب بحسنة الأمثال. وهو أوّل من استخرج هذا الخطّ ونقله من الوضع الكوفيّ إلى هذا الوضع، وتبعه بعده ابن البوّاب [٣] . كان في ابتداء أمره يخدم في بعض الدّواوين في كلّ شهر بستّة دنانير ثمّ إنّه تعلق بأبي الحسن بن الفرات الوزير واختصّ به، وكان ابن الفرات كالبحر سماحا وجودا، فرفع من قدره وأعلى من شأنه، فمكث بين يديه يعرض عليه رقاعا في مهمات الناس، وينتفع بسبب ذلك، وكان ابن الفرات يأمر بالتحصيل
стр. 258
من هذه الجهة إيثارا لنفعه، فما زال على ذلك حتى علت حاله وكثر ماله، ولمّا ولي ابن الفرات الوزارة الثانية تمكن ابن مقلة في دولته، ونبعت حاله وعرض جاهه، ثم إنّ الشيطان نزع بينه وبين أبي الحسن عليّ بن الفرات فاستوحش كلّ منهما من صاحبه، فكفر ابن مقلة إحسان ابن الفرات، ودخل في جملة أعدائه والسّعاة عليه، حتّى جرت النكبة على ابن الفرات، فلمّا رجع ابن الفرات إلى الوزارة قبض عليه وصادره على مائة ألف دينار أدّتها عنه زوجته، وكانت ذات مال طائل، وكانت لابن مقلة يد طولى في الكتابة والإنشاء، وكانت توقيعاته غير مذمومة في فنّها، وله شعر فمنه:
جرّبني الدّهر على صرفه [١] ... فلم أخر [٢] عند التّصاريف
ألفت يوميه [٣] ويا ربّما ... يؤلف شيء غير مألوف
(سريع) حدّث أبو عبد الله أحمد بن إسماعيل المعروف بزنجيّ كاتب ابن الفرات قال لما نكب ابن مقلة وحبس لم أدخل إليه في محبسه، ولا كاتبته ولا توجعت له، على ما بيني وبينه من المودة والصّداقة، خوفا من ابن الفرات. فلمّا طالت به المحنة كتب إليّ رقعة فيها:
ترى حرمت [٤] كتب الأخلاء بينهم ... أبن لي، أم القرطاس [٥] أصبح غاليا؟
فما كان لو ساءلتنا كيف حالنا ... وقد دهمتنا نكبة هي ما هيا؟
صديقك من راعاك في كلّ شدّة ... وكلّ تراه في الرّخاء مراعيا
فهبك عدوّي لا صديقي فإنني ... رأيت الأعادي يرحمون الأعاديا
(طويل)
стр. 259
ومن شعره ما كتب به إلى ولده وقد مرض:
لقّاك ربّك صحّة وسلامة ... ووقاك بي من طارق الأدواء
ذكرت شكاتك لي وكأسي في يدي ... فمزجتها دمعي مكان الماء
(كامل) ومن شعره:
لست ذا ذلّة إذا عضّني الدّهر ... ولا شامخا إذا واتاني
أنا نار في مرتقى نفس الحاسد ... ، ماء جار مع الإخوان
(خفيف) استوزره المقتدر وخلع عليه خلع الوزارة في سنة ستّ عشرة، واستقلّ بأعباء الوزارة أمرا ونهيا، وبذل فيها ما مبلغه خمسمائة ألف دينار، ثمّ عزل وقبض عليه ثم أعيد. وما زال تتقلّب به الأحوال حتى استوزره الرّاضي، ثمّ جرت خطوب أوجبت أنّ الرّاضي حبسه بداره وضيّق عليه، وسعى به أعداؤه إلى الرّاضي، وخوفوه من غائلته فقطع يده اليمنى ومكث في الحبس مدّة مقطوع اليد، وكان ينوح على يده ويقول: يد كتبت بها كذا وكذا مصحفا، وكذا وكذا حديثا من أحاديث الرّسول- ﵌ ووقّعت إلى شرق الأرض وغربها تقطع كما تقطع أيدي اللّصوص؟.
ومن شعره يشير إلى قطع يده.
ما مللت الحياة لكن توثّقت ... بأيمانهم فبانت يميني
ثمّ أحسنت ما استطعت بجهدي ... حفظ أرواحهم فما حفظوني
ليس بعد اليمين لذّة عيش ... يا حياتي بانت يميني [١] فبيني
وفي ذلك يقول بعض الشّعراء: (خفيف)
لئن قطعوا إحدى يديه مخافة ... لأقلامه لا للسّيوف الصّوارم
فما قطعوا رأيا إذا ما أجاله ... رأيت الرّدى بين اللها [٢] والغلاصم [٣]
(طويل)
стр. 260
ولما قطع الراضي يد ابن مقلة كتب باليسار مثلما كان يكتب باليمين، ثم شدّ على يده المقطوعة قلما وكتب بها، فلم يفرّق بين خطّه قبل قطعها وبعده.
ومن الاتفاقات العجيبة أنّه تولى الوزارة ثلاث دفعات، وسافر ثلاث دفعات ودفن ثلاث دفعات: دفن بدار الخليفة لما قتل، بها وذلك بعد قطع يده بمديدة [١] ثم سأل أهله تسليمه إليهم فدفنوه، ثم طلبته زوجته فنبشته ودفنته بدارها.
وزارة أبي القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد للمقتدر
لم يكن له سيرة تؤثر وتروى، ولم يكن من ذوي اللبّ، وإنما نال ما نال بالجدّ والبخت.
قيل: إنه دخل مرّة على القاسم بن عبيد الله وزير المعتضد والمكتفي، فرحّب به الوزير، وأقبل عليه بوجهه وأكرمه إكراما خارجا عن العادة لأمثاله، فسئل الوزير عن سبب ذلك فقال: رأيت في منامي كأنّ على رأسي قلنسوة وقد أخذها هذا وجعلها على رأسه، ولا بدّ أن هذا الفتى يلي الوزارة، فكان كما قال:
ولم تحمد سيرته في وزارته.
وكان المقتدر لمّا عزل ابن مقلة استشار عليّ بن عيسى بن الجرّاح فيمن يستوزره فأشار عليه بهذا، فاستوزره في سنة ثماني عشرة وثلاثمائة، ثم قبض عليه واستوزر الكلوذاني.
وزارة أبي القاسم عبيد الله بن محمّد الكلوذانيّ للمقتدر
لم تطل أيّامه، ولم يتمكّن ممّا أراد، وكثرت المصادرات في أيّامه، وشغب الجند عليه وشتموه ورجموه وهو في السّفينة، فحلف أنه لا يدخل بعد ذلك في الوزارة وانقطع بداره وأغلق بابه، فكانت وزارته مدّة شهرين.
стр. 261
وزارة الحسين بن القاسم بن عبيد الله ابن سليمان بن وهب للمقتدر
كان يقال له أبو الجمال، قيل: إنه أعرق الناس في الوزارة، وهو وزير المقتدر وأبوه القاسم وزير المعتضد والمكتفي، وجدّه عبيد الله وزير المعتضد، وأبو جدّه سليمان بن وهب وزير المهتدي، وفي ذلك يقول الشاعر له:
يا وزير ابن وزير ... ابن وزير ابن وزير
نسقا كالدّر إذ ... نظّم في عقد النّحور
(رمل) لم يكن الحسين بن القاسم بارعا في صناعته، ولا شكرت سيرته في وزارته ولم تطل له المدّة حتّى عجز واختلّت الأحوال عليه. مدحه عبيد الله بن عبيد الله بن طاهر بقوله:
إن أكن مهديا لك الشّعر إنّي ... لابن بيت تهدى له الأشعار
غير أنّي أراك من أهل بيت ... ما على المرء أن يسودوه عار
(خفيف) وهجاه جحظة بقوله:
إذا كان الوزير أبا الجمال ... ومحتسب البلاد الدّانيالي
فعدّ عن البلاد فعن قليل ... ترى الأيّام في صور الليالي
تقضّت بهجة الدنيا وولّت ... وآذن كلّ شيء بارتحال
(وافر) ولما ظهر للمقتدر نقصه وعجزه قبض عليه وصادره. ثم بقي إلى أيّام الراضي وأبعد عن العراق، فلمّا تولّى ابن مقلة الوزارة تقدّم بقتله، وأرسل إليه من قطع رأسه وحمل رأسه إلى دار الخلافة في سفط، فجعل السّفط في الخزانة، وكانت لهم عادة بمثل ذلك. فحدث أنه لمّا وقعت الفتنة ببغداد في أيّام المتّقي أخرج من الخزانة سقط فيه يد مقطوعة ورأس مقطوع، وعلى اليد رقعة ملصقة عليها
стр. 262
مكتوب: هذه اليد يد أبي عليّ بن مقلة، وهذا الرأس رأس الحسين بن القاسم وهذه اليد هي التي وقّعت بقطع هذا الرأس، فعجب الناس من ذلك.
وزارة أبي الفضل جعفر بن الفرات
لم تطل أيّامه، ولم تكن له سيرة مأثورة وقتل المقتدر وهو وزيره، فاستتتر.
انقضت أيّام المقتدر ووزرائه.
ثمّ ملك بعده أخوه القاهر
هو أبو منصور محمّد المعتضد، بويع سنة عشرين وثلاثمائة.
وكان مهيبا مقداما على سفك الدّماء، أهوج محبا لجمع الأموال، رديء السياسة صادر جماعة من أمّهات أولاد المقتدر، وصادر أمّ المقتدر فعلّقها برجل واحدة منكّسة الرّأس، وعذّبها بصنوف عظيمة من الضّرب والإهانة، واستخرج منها مائة وثلاثين ألف دينار، وبقيت بعد ذلك أياما قليلة، وماتت حزنا على ولدها وممّا جرى عليها من العذاب.
وفي سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة خلع القاهر.
وكان سبب ذلك: أنّ وزيره ابن مقلة كان قد استتر خوفا منه فكان يفسد عليه قلوب الجند ويحذّرهم منه وحسن لهم أن هجموا عليه وخلعوه وسملوه حتّى سالت عيناه على خدّيه، ثم حبس في دار السّلطنة، ومكث في الحبس مدة ثم أخرج منه عند تقلّب الأحوال، وكان مرّة يحبس ومرة يفرج عنه، فخرج يوما ووقف بجامع المنصور يطلب الصّدقة من الناس، وقصد بذلك التّشنيع [١] على المستكفي، فرآه بعض الهاشميين فمنعه من ذلك وأعطاه خمسمائة درهم. ولم يجر في أيّامه من الحوادث المشهورة ما يؤثر.
стр. 263
شرح حال الوزارة في أيّامه
استوزر ابن مقلة وزير أخيه، وهي الوزارة الثانية، وقد تقدّم شرح طرف من سيرته فلا حاجة إلى إعادته. ثم استوزر محمّد بن القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب، ولم يتمكن من الوزارة ولا طالت أيّامه، ثم قبض عليه ونكبه، واتفق أن عرض له قولنج فمات بعقب ذلك. انقضت أيام القاهر ووزرائه.
في تلك الأيام نبعت الدّولة البويهيّة.
شرح حال دولة آل بويه وابتدائها وانتهائها
أمّا نسبهم فيرتفع من بويه إلى واحد واحد من ملوك الفرس حتّى يتّصل بيهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل- ﵇ وكذلك إلى آدم أبي البشر، وليسوا من الدّيلم، وإنّما سمّوا بالدّيلم، لأنهم سكنوا بلاد الدّيلم [١] .
أما ابتداؤها: فإنّها دولة نبعت بما لم يكن في حساب الناس، ولم يخطر بعضه ببال أحد، فدوّخت الأمم وأذلّت العالم واستولت على الخلافة، فعزلت الخلفاء وولّتهم، واستوزرت الوزراء وصرفتهم، وانقادت لأحكامها أمور بلاد العجم وأمور العراق، وأطاعتهم رجال الدولة بالاتّفاق. هذا بعد الضّيق والفقر، والذلّ والمسكنة ومعاناة الحاجة والاضطهاد، فإنّ جدّهم أبا شجاع بويه وأباه وجدّه، كانوا كآحاد الرعيّة الفقراء ببلاد الدّيلم، وكان بويه صيّاد السّمك، وقد كان معزّ الدولة بعد تملكه البلاد يعترف بنعمة الله تعالى، ويقول: كنت أحتطب الحطب على رأسي.
فكان من مبدإ دولتهم ما حدّث به شهريار بن رستم الدّيلميّ قال: كان أبو شجاع بويه في مبدإ أمره صديقا لي، فدخلت عليه يوما وقد ماتت زوجته أمّ أولاده الثلاثة الذين تملكوا البلاد، وهم: عماد الدولة أبو الحسن عليّ، وركن الدولة أبو عليّ الحسن ومعزّ الدولة أبو الحسين أحمد- وقد اشتدّ حزن أبي شجاع بويه على زوجته فعزيته وسكّنت قلقه، ونقلته إلى منزلي وأحضرت له طعاما وجمعت إليه
стр. 264
أولاده الثلاثة فبينما هم عندي إذ مرّ بالباب شخص يقول: المنجّم المعزّم مفسّر المنامات، كاتب الرّقى [١] والطّلسمات.. فاستدعاه أبو شجاع بويه وقال له: قد رأيت البارحة رؤيا ففسّرها لي، ثم قصّ عليه الرؤيا، فقال المنجّم، هذا منام عظيم لا أفسّره إلا بخلعة وفرس، فقال له بويه: والله ما أملك إلا الثياب التي على جسدي، وإن أعطيتك إياها بقيت عريانا، قال المنجّم: فعشرة دنانير، فقال له بويه: والله ما أملك دينارين فكيف عشرة؟ ثم إنّه أعطاه شيئا يسيرا، فقال المنجّم: اعلم أنه يكون لك ثلاثة أولاد يملكون الأرض ومن عليها ويعلو ذكرهم في الآفاق، ويولد لهم جماعة ملوك، فقال له بويه: أما تستحي؟ أتسخر بنا؟ أنا رجل فقير مضطر، وأولادي هؤلاء فقراء مساكين فمن أين هم والملك؟ فقال له المنجّم:
فأخبرني عن وقت ولادة واحد واحد من أولادك فأخبره بويه بذلك، فجعل ينظر في اصطرلابه [٢] وتقاويمه، ثمّ نهض المنجّم وقبّل يد عماد الدّولة أبي الحسن عليّ وقال: هذا والله الّذي يملك البلاد، ثمّ يملك هذا من بعده وقبض على يد أخيه أبي عليّ الحسن، فاغتاظ منه أبو شجاع بويه وقال لأولاده: اصفعوه فقد أفرط بالسخرية بنا، فصفعوه ونحن نضحك منه، فقال المنجّم: لا بأس بهذا إذا ذكرتم لي هذا الحال عند ولايتكم، فأعطاه أبو شجاع عشرة دراهم وانصرف.
وأما ترقي أولاد أبي شجاع بويه: فإنّهم دخلوا في زيّ الأجناد وانضافوا إلى العساكر، وما زالوا ينتقلون في خدمة ملوك العجم من واحد إلى واحد، ومن حال إلى حال، حتّى ارتفع حال عماد الدّولة وتولّى الكرخ [٣]- ولاه إياه مرداويج [٤]- ثمّ تنقل منها إلى غيرها، حتّى تملك قطعة من أعمال فارس، ثمّ عرضت مملكته حتى كتب إلى الراضي الخليفة يسأله أن يقاطعه على أعمال فارس في كلّ سنة بعد النفقات والإطلاقات بما يحمله إلى دار الخلافة، وهو ثمانمائة ألف ألف
стр. 265
درهم، على أن يبعث الخليفة إليه بخلعة السلطنة والمنشور. فبعث الراضي إليه بذلك على يد رسول أرسله إليه وأوصاه ألا يسلّم الخلعة [١] والمنشور إليه حتى يقبض منه المال، فلمّا وصل الرسول إليه غالطه وأخذ الخلعة منه فلبسها، والمنشور فقرأه على رءوس الأشهاد، وقويت نفسه بذلك ووعد الرّسول بالمال ودافعه مدّة، فمات الرسول عنده، وتقلبت الأحوال بالخلافة فكسر المال واستبدّ بالأمر. وكان عماد الدولة أوّل ملوكهم، ثمّ ملك منهم واحد بعد واحد حتى انقضت دولتهم.
وأما انتهاؤها ففي آخر أمرها ضعف حالها، وما زال يتزايد ضعفها حتى انتهت نوبة الملك إلى عزّ الدولة بن جلال الدولة أبي طاهر، فجرى بينه وبين كاليجار حروب أفضت إلى أنّه هرب منه وأقام بشيراز ومات في سنة إحدى وأربعين وأربعمائة وعليه انقرض ملكهم.
ثمّ ملك بعد القاهر ابن أخيه الراضي باللَّه
هو أبو العبّاس محمّد بن المقتدر بن المعتضد. بويع في سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة.
كان شاعرا فصيحا لبيبا ختم الخلفاء في أشياء، منها: أنّه آخر خليفة دوّن له شعر، وآخر خليفة انفرد بتدبير الملك، وآخر خليفة خطب على منبر يوم الجمعة وآخر خليفة جالس الندماء ووصل إليه العلماء، وآخر خليفة كانت مراتبه وجوائزه وخدمه وحجّابه تجري على قواعد الخلفاء المتقدّمين.
وفي أيّامه سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة عظم أمر مرداويج بأصبهان، وهو رجل خرج بتلك النواحي، وقيل: إنه يريد أن يأخذ بغداد وينقل الدولة إلى الفرس ويبطل دولة العرب، فورد الخبر في أيّام الراضي بأن غلمان مرداويج اتّفقوا عليه فقتلوه.
стр. 266
وفي أيّام الراضي ارتفع أمر أبي الحسن عليّ بن بويه.
وفي أيّام الراضي ضعف أمر الخلافة العبّاسيّة، فكانت فارس في يد عليّ ابن بويه والريّ وأصفهان والجبل في يد أخيه الحسن بن بويه، والموصل وديار بكر وديار ربيعة ومضر في أيدي بني حمدان، ومصر والشام في يد محمّد بن طغج، ثمّ أيدي الفاطميّين والأندلس في يد عبد الرحمن بن محمّد الأمويّ، وخراسان والبلاد الشرقية في يد نصر بن أحمد الساماني. وكانت وفاة الراضي في سنة تسع وعشرين وثلاثمائة.
شرح حال الوزارة في أيّامه
أوّل وزرائه عليّ بن مقلة، وهي الوزارة الثالثة من وزارات ابن مقلة، بذل فيها خمسمائة ألف دينار حتّى استوزره الراضي، ثمّ شغب الجند وجرت فتنة أوجبت عزله فعزله الراضي واستوزر عبد الرحمن بن عيسى بن داود بن الجراح، وقد مضى من أخبار ابن مقلة ما فيه كفاية.
وزارة عبد الرحمن بن عيسى بن الجرّاح
لما قبض الراضي على ابن مقلة أحضر عليّ بن عيسى بن الجرّاح وأراده على الوزارة، فأبى وامتنع وأظهر العجز، فاستشاره فيمن يوليه فأشار بأخيه عبد الرحمن بن عيسى فأحضره، وقلّده الوزارة وركب الموكب بين يديه، ثمّ لم تطل أيّامه، واختلت الأمور عليه، فاستعفى من الوزارة. فقبض عليه، ولم يكن له سيرة تؤثر.
وزارة أبي جعفر بن محمّد بن القاسم الكرخيّ للرّاضي باللَّه
لمّا قبض الراضي على عبد الرحمن بن عيسى، استوزر أبا جعفر محمّد ابن القاسم الكرخيّ، وكان قصيرا جدّا في غاية القصر، فاحتاجوا أنّهم قطعوا من قوائم سرير الخلافة أربع أصابع حتّى يتمكّن الكرخيّ الوزير من مسارّة الخليفة،
стр. 267
وتطيّر [١] الناس من ذلك وقالوا: هذا مؤذن [٢] بنقض [٣] الدولة. فكان الأمر كما قالوا، واختلفت الأحوال عليه، واضطربت الأمور لديه، فاستتر، قالوا: لما أراد الاستتار قلع رأس مزمّلة [٤] وجلس فيها وأخرجت المزمّلة على أنها مزملة، وهو في وسطها وما زال مستترا حتّى ظهر وصودر ثم خلص [٥] .
وزارة سليمان بن الحسن بن مخلد للراضي باللَّه
لما عجز الكرخيّ عن النّهوض بأعباء الوزارة واستتر، أحضر الرّاضي باللَّه سليمان بن الحسن بن مخلد واستوزره وخلع عليه خلع الوزارة. ثمّ إنّه عجز عن تدبير الأمور لتغلّب أصحاب السّيوف على المملكة. فلمّا رأى الخليفة الراضي عجز وزيره سليمان بن الحسن بن مخلد أرسل إلى ابن رائق [٦]- وهو أكبر الأمراء- فاستماله وسلّم الأمور إليه ورتّبه أمير الأمراء، وكلّفه تدبير المملكة فانضمّ إليه أمراء العسكر وصاروا حزبا واحدا، وحضروا بين يدي الخليفة، فأجلسهم فوق الوزير واستبدّ ابن رائق أمير الأمراء بالأمور، وولّى النّظار والعمال ورفعت المطالعات إليه، وردّ الحكم في جميع الأمور إلى نظره، ولم يبق للوزير سوى الاسم من غير حكم ولا تدبير. ومن تلك الأيام اضطهدت الخلافة العبّاسيّة، وخرجت الأمور منها، واستولى الأعجام والأمراء وأرباب السيوف على الدولة، وجبوا الأموال وكفّوا يد الخليفة وقرّروا له شيئا يسيرا وبلغة قاصرة، ووهن من يومئذ أمر الخلافة.
стр. 268
وزارة أبي الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات للراضي باللَّه
لما استولى أمير الأمراء ابن رائق على الأمور أشار على الراضي باللَّه بأن يولّي الوزارة للفضل بن الفرات، ظنّا منه أنّه يجنذب له الأموال، فأحضره الراضي وقلّده الوزارة.
حدّث أبو الحسن بن ثابت بن سنان، عن أبي الحسن عليّ بن هشام قال:
لما تقلّد الفضل بن جعفر بن الفرات الوزارة لقيت ابن مقلة وكان معزولا مستترا فقلت له: يقبح بك يا سيّدنا أن تتأخّر عن لقاء هذا الوزير وتهنئته بوزارته، فقال:
ما آمنه ولا لي حاجة إلى الاجتماع به، فقلت: ينبغي أن تكتب إليه رقعة تعتذر فيها عن تأخّرك وتهنّئه تهنئة تقوم مقام حضورك، فقال: أخاف أن يجيبني بما يستدعي حضوري وأنشدني لنفسه:
وقائلة: قد أضعت الصّواب ... بتركك هذا الوزير الجديدا
فقلت لها: لا عداك السّرور ... ولا كان قولك إلا سديدا
أمثلي تطاوعه نفسه ... على أن يرى خاضعا مستزيدا
(متقارب) كان رجلا متهوّرا وسيع الصّدر شريف النّفس عالي الهمّة، تنقّل في الخدمات وتقلّبت به الأحوال من عسر ويسر، ومصادرة وعزل، حتّى أدّى به سعة صدره وقوّة نفسه وكبر همّته إلى جمع العساكر وركوب الأخطار. ثم تغلّب على أعمال خوزستان والبصرة، فاستوزره الراضي، ثمّ عزله وقلّد الوزارة سليمان بن الحسن بن مخلد، وقد مرّ ذكره فلا حاجة إلى إعادته، وهو آخر وزرائه.
انقضت أيام الراضي باللَّه بن المقتدر ووزرائه.
ثمّ ملك بعده أخوه المتّقي باللَّه أبو إسحاق إبراهيم بن المقتدر باللَّه
بويع له سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، ولم يكن له من السّيرة ما يؤثر واضطربت عليه الأمور، واستولى عليه رجل من أمراء الدّيلم يقال له:
стр. 269
«توزون [١] » فهرب المتّقي ومعه ابنه وأهله إلى الموصل خوفا على نفسه من حرب ببغداد.
وجرت في تلك الأيّام حروب وفتن، ونهبت دار الخلافة وأخذ ما كان بها.
ثمّ إنّ توزون كتب إلى المتّقي يستميله، وحلف له أيمانا غليظة أنّه لا يناله مكروه من جهته فاغترّ المتقي بذلك، وانحدر من الموصل إلى بغداد، ووصل إلى السنديّة من نهر عيسى فخرج توزون إلى تلقّيه والناس كافّة، فلما رآه توزون قبل الأرض وكان قد أوصى جماعة من أصحابه سرّا أن يحتاطوا به، فاحتاطوا به، وأدخلوه إلى خيمته، ثمّ قبض عليه وسمل عينيه، وخلعه وبايع المستكفي، ومات المتّقي في سنة خمسين وثلاثمائة.
شرح حال الوزارة في أيامه
أقرّ سليمان بن الحسن بن مخلد على وزارته أربعة أشهر، ثمّ استوزر أبا الخير أحمد بن محمّد بن ميمون، ولم يكن له سوى الاسم من الوزارة، ولم يكن له سيرة تؤثر. ثمّ أمور أدّت إلى القبض عليه وإلى عزله.
وزارة أبي عبد الله البريديّ للمتّقي
قد سبق حال تغلّبه وقوّة نفسه وجمعه للعساكر، ثمّ إنّه في أيّام المتّقي وصل إلى بغداد ومعه جموع كثيرة، فأظهر المتقي السّرور به، ثم استوزره وهو كاره لذلك. وجرت بينه وبين المتّقي مراسلات أدّت إلى أنّه أرهبه وأفزعه، فحمل إليه خمسمائة ألف دينار ووقعت حروب بين البريديّ وأمراء العسكر فنهبوا داره وانهزم إلى واسط، فكان وقوع اسم الوزارة عليه دون شهر [٢] .
стр. 270
وزارة أبي إسحاق محمّد بن إبراهيم الإسكافيّ المعروف بالقراريطي للمتّقي
لم تطل أيّامه، فلبث في الوزارة حدود أربعين يوما. سبب وزارته أنه حضر يوما مجلس أمير الأمراء وهو يصادر قوما من الكتّاب ويعسفهم، وهم يلطّون [١] عليه فخلا القراريطيّ ببعض أصحاب أمير الأمراء وقال له: إن استوزرني الأمير نهضت له بأضعاف هذا وجمعت له الأموال، وما أحوجه إلى هذا الصّداع؟ فاستوزره توزون بعد يومين، ثمّ بعد يومين قبض عليه واستوزر الكرخيّ، فلم تطل أيّامه أيضا، ولبث فيها نحو خمسين يوما.
وزارة البريديّ مرّة ثانية
استوزره المتّقي وكاتبه بالإصعاد [٢] إلى بغداد، فأصعد من واسط فاستوزر. ومكث في الوزارة دون شهر، ولم يستتبّ له أمر، وجرت بينه وبين المتّقي حروب وكانت تلك الأيّام أيّام فتن. ولما تولّى أبو عبيد الله البريديّ الوزارة هجاه أبو الفرج الأصفهانيّ مصنّف كتاب الأغاني بقصيدة طويلة أوّلها:
يا سماء اسقطي ويا أرض ميدي [٣] ... قد تولّى الوزارة ابن البريديّ
(خفيف) (منها)
يا لقومي لحرّ صدري وعولي [٤] ... وغليلي وقلبي المعمود [٥]
حين سار الخميس [٦] يوم خميس ... بالبريديّ في ثياب سود [٧]
стр. 271
قد حباه بها الإمام اصطفاء ... واعتمادا منه لغير عميد [١]
خلع [٢] تخلع العلا ولواء ... عقده حلّ عقدة المعقود
وزارة أبي العبّاس أحمد بن عبيد الله الأصفهانيّ للمتقي
مكث في الوزارة حدود خمسين يوما، ولم يكن له علم ولا نظر في الأمور وضعف أمر الوزارة والوزراء في تلك الأيّام ضعفا كثيرا.
وزارة أبي الحسن عليّ بن أبي عليّ بن مقلة للمتّقي
استوزره المتّقي ولم تطل أيّامه وخلع المتّقي وهو وزيره. انقضت أيّام المتّقي ووزرائه.
ثمّ ملك بعده أبو القاسم عبد الله المستكفي ابن المكتفي بن المعتضد
بويع له سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة. ورد الخبر إليه بوصول معزّ الدّولة ابن بويه فخاف خوفا شديدا، واضطرب الناس، وأهدى المستكفي إلى معزّ الدولة ألطافا وفاكهة ووصل معزّ الدولة إلى حضرة المستكفي فردّ إليه إمارة الأمراء وأعطاه الطّوق والسّوار وآلة السّلطنة، وعقد له لواء. وهو أوّل ملوك بني بويه في الحضرة الخليفيّة، وهو الّذي لقّبه معزّ الدّولة، ولقّب أخاه الآخر عماد الدّولة، وأمر أن تضرب ألقابهم على الدّينار والدّرهم، ونزلت الدّيلم دور الناس ببغداد، ولم يكن يعرف ذلك من قبل. ثم إنّ معزّ الدولة ركب يوما إلى دار الخلافة وسلم على المستكفي وقبّل الأرض بين يديه، وأمر المستكفي فطرح كرسيّ فجلس عليه معزّ الدّولة، ثم تقدّم إلى المستكفي رجلان من الدّيلم بمواطأة معزّ الدّولة فمدّا أيديهما نحوه، فظنّ المستكفي أنّهما يريدان تقبيل يده، فمدّ يده فجذباها ونكساه من السرير ووضعا عمامته في عنقه وسحباه، ونهض معزّ الدّولة وضربت البوقات والطّبول، واختلط الناس ودخل الدّيلم إلى حرم الخليفة، وحمل المستكفي إلى دار معزّ الدولة
стр. 272
فاعتقل بها، وخلع من الخلافة ونهبت داره وسملت عيناه. ولم يزل في دار السّلطنة معتقلا حتّى توفي في سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة.
شرح حال الوزارة في أيّامه
أوّل وزرائه السامريّ أبو الفرج محمّد بن عليّ. لم يكن له حكم ولا استبداد ولم تطل أيّامه وقبض عليه، وهجاه بعض الشّعراء بقوله:
الآن إن كفر المقتّر رزقه [١] ... قالوا: كفرت فخف عقاب النّار
أأكون رجلي مركبي [٢] وجنيبتي [٣] ... خفّي [٤] ، على ذلّ بذاك وعار
و (السرّمن رائيّ [٥] في إصطبله ... مائتا عتيق فاره مختار
كلب حمار بالخيول، وكاتب ... فطن يضيق به كراء [٦] حمار
أنا قد دهشت فعرّفوني أنتم ... هذا من الإنصاف في الأقدار؟
(كامل) ثم اضطربت أحوال الخلافة، ولم يبق لها رونق ولا وزارة، وتملّك البويهيّون وصارت الوزارة من جهتهم والأعمال إليهم، وقرّر للخلفاء شيء طفيف برسم إخراجاتهم.
انقضت أيّام المستكفي ووزرائه.
ثمّ ملك بعده المطيع للَّه أبو القاسم الفضل بن المقتدر
بويع سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة وكان أمره ضعيفا في أيّامه ردّ الحجر الأسود إلى مكانه وكانت القرامطة الخوارج قد أخذوه ثم ردّوه وقالوا: قد أخذناه بأمر ورددناه بأمر. وقوي الفالج على المطيع وثقل لسانه فدخل عليه سبكتكين
стр. 273
حاجب معزّ الدولة فدعاه إلى خلع نفسه ومبايعة ولده الطّائع، ففعل ذلك وعقد الأمر لولده وخلع نفسه. ومات في سنة أربع وستين وثلاثمائة.
ثمّ ملك بعده ابنه عبد الكريم أبو بكر الطّائع لأمر الله
بويع له سنة ثلاث وستين وثلاثمائة. كان الطّائع شديد المنّة وكان قد استفحل عنده في البستان كبش جبليّ، ما جسر أحد أن يدنو منه. فخرج الطّائع إليه فحمل الكبش عليه فثبت له حتّى مكّن يديه من قرنيه، ثم استدعى نجارا وأمره بقطع قرنيه بالمنشار، فقطعهما النجّار وهما في يد الطّائع.
وفي أيامه قويت شوكة آل بويه، ووصل عضد الدولة إلى بغداد. وانتشر حكم البويهيّين. ثم قبض البويهيون على الطّائع في سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة.
وبويع بعده للقادر:
انقضت أيام الطّائع للَّه.
ثمّ ملك بعده القادر أبو العبّاس أحمد ابن إسحاق بن المقتدر
بويع له سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة.
كان القادر من أفاضل خلفائهم، حسن الطريقة والسّمت. كثير الخير والدّين والمعروف والعبادة. تزوّج بنت بهاء الدولة بن عضد الدولة على صداق مبلغه مائة ألف دينار. وفي أيامه تراجع وقار الدولة العبّاسيّة ونما رونقها، وأخذت أمورها في القوّة. ومكث القادر في الخلافة مدّة طويلة، ومات في سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة.
стр. 274
ثمّ ملك بعده ابنه أبو جعفر عبد الله القائم بأمر الله
بويع في سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة.
كان القائم من أفاضل خلفائهم وصلحائهم. وطالت مدّته في الخلافة وزاد به وقار الدّولة ونمت قوّتها. وفي أيّامه انقرضت دولة بني بويه، وظهرت دولة بني سلجوق.
شرح حال الدّولة السلجوقيّة وابتدائها وانتهائها
هذه دولة قويّة قويت شوكتها. وعرضت مملكتها ونفذت تقدماتها في الحضرة الخليفية. واستولت على الخلافة. وخطب لها على المنابر. وضربت أسماء ملوكها على الدّرهم والدّينار.
ذكر ابتداء حالهم
هم قوم أصلهم من التّرك الخزر. وكانوا يخدمون مع ملوك التّرك. ونشأ جدّهم سلجوق وكانت أمارات النّجابة لائحة عليه، ودلائل السعادة ظاهرة على حركاته فقرّبه ملك التّرك واختصّ به ولقّبه «شباشي» ، ومعناه في لغتهم: قائم الجيش. فنبغ سلجوق بعلوّ همّته، واستمال قلوب الرجال بكرمه وعقله، وانقادت الأكابر إليه. فيقول: إنّ زوجة ملك التّرك قالت لزوجها: إنّي أتوسم في سلجوق تغلّبا عليك والرأي عندي أن تقتله فقد كثر ميل الناس إليه. فقال لها: سوف أبصر ما أصنع في أمره ثم أحسّ سلجوق بشيء من ذلك العزم، وظهر له التّغيّر فجمع عشيرته ومن تبعه وحالفهم، واستجلب من أطاعه، وصار قائدا معظّما للغزّ [١] ونفر بهم من بلاد التّرك إلى بلاد المسلمين، فلمّا دخلها أظهر الإسلام ليكون
стр. 275
المسلمون عونا له وليمكّنوه من المراعي والمساكن، فنزل بالجند وشرع في غزو من قاربه من أصناف التّرك وكان لملك التّرك إتاوة [١] على تلك البلاد المتاخمة له فقطعها سلجوق وطرد نوّابه ومات سلجوق وعمره مائة سنة. ثمّ نشأ أولاده في القوّة والنّعمة والدّولة، واستولوا على كلّ موضع استضعفوه من بلاد العجم، وما زال أمرهم ينمى حتى ملك طغرلبك (وهو أوّل سلاطينهم) طائفة من بلاد العجم، وما زال أمره يقوى حتّى تغلّب البساسيري على بغداد ونهبها وقتل من بها. وأخرج الخليفة القائم فحبسه بقلعة الحديثة وكانت فتنة البساسيري فتنة عظيمة، فحينئذ كتب القائم إلى طغرلبك السّلطان يستدعيه إلى بغداد لينصره على البساسيري، فسار طغرلبك بعساكره إلى بغداد فلمّا سمع البساسيريّ بذلك انتفض عليه أمره وفارق بغداد، دخل طغرلبك إلى بغداد، وأعاد رونق الدولة الخليفيّة وخطب له بالسّلطنة على منابر بغداد، وكان ذلك أوّل سلطنتهم بالحضرة وأمّا انتهاؤها: فإنّها ما زالت أمورها تضعف حتّى انقرضت بالكليّة في أيّام النّاصر، وذلك في سنة تسعين وخمسمائة فتعالى الله! ومات القائم في سنة سبع وستين وأربعمائة.
شرح حال الوزارة في أيامه
وزر له فخر الدولة أبو نصر محمد بن محمد بن جهير.
стр. 276
وزارة ابن جهير
كان فخر الدولة من عقلاء الرّجال ودهاتهم، كان في ابتداء أمره فقيرا مدقعا وترامت به الأسباب، فمن مبادئها: أنّه كان جالسا بالكوخ يوما، فعبر عليه غسّال ممّن يغسل بالخربات ومعه فصوص عتق قد استحالت ألوانها، فاشتراها منه بثلاثة دنانير وجلا بعضها، فخرج أحدها ياقوتا أحمر، وخرج الآخر فيروزجا جيّدا فصاغ لكلّ واحد منهما خاتما من ذهب. ثم إنه تقلّبت به الأمور حتى مضى في رسالة إلى ملك الرّوم فأهدى إليه الخاتمين، فأعطاه عشرين ألف دينار، فكانت أصل غناه ونعمته، ثم تنقّل في الخدمات حتى اتّصل بابن مروان صاحب ديار بكر [١] فخدمه مدّة وأثرى [٢] عنده ثروة ضخمة، فسمت همّته إلى وزارة الخليفة، فأرسل سرّا إلى القائم، وعرض عليه نفسه، وبذل له ثلاثين ألف دينار، فأرسل القائم بعض خواصّه في رسالة إلى ابن مروان، وكان غرضه من إرسال ذلك الرّسول أن يجتمع بفخر الدولة سرّا، وقرّر معه ما أراد، ثمّ لمّا أراد الرسول الرجوع إلى بغداد خرج فخر الدولة كأنه يودّعه، فانحدر معه إلى بغداد، وكان قبل ذلك قد فرّق أمواله بالبلاد وأنفذ منها شيئا إلى بغداد.
فلمّا وصل الرّسول إلى بغداد، وصحبته فخر الدولة، أرسل القائم إليه أصحابه يتلقونه، ثم خلع عليه خلع الوزارة، ونهض فخر الدولة بأمور الوزارة أحسن نهوض. وكانت الأطراف المتاخمة للعراق عاصية على الخليفة، وكان ملوكها أصدقاء فخر الدّولة، فكاتبهم وراسلهم، واستمالهم فدخلوا في طاعة الخليفة ثمّ عزل فخر الدولة عن الوزارة، بسبب كدر جرى بينه وبين نظام الملك وزير السّلطان ثم أعيد فخر الدّولة إلى الوزارة، ولمّا أعيد إلى منصبه قال ابن الفضل الشاعر يمدحه:
стр. 277
قد رجع الحقّ إلى نصابه ... وأنت من دون الورى أولى به
ما كنت إلا السّيف سلّته يد ... ثمّ أعادته إلى قرابه [١]
(رجز) ولما عاد إلى الوزارة فرح النّاس به فرحا شديدا، فيقال: إنّ سقّاء ذبح ثورا له لم يكن يملك غيره وتصدّق بلحمه، فأعطاه الوزير بغلا بآلته، وأعطاه معه شيئا من الذّهب.
وزارة رئيس الرّؤساء عليّ بن الحسين بن أحمد ابن محمّد عمر بن المسلمة
كان وزير القائم قبل ابن جهير. ومن أجله وقعت فتنة البساسيري، وكان قبل الوزارة أحد المعدّلين [٢] ببغداد، وممّن له معرفة بالفقه. وأنس بالعلم ورواية الحديث وجلّ أمره، وعظمت منزلته، ووقع بينه شرّ وبين البساسيري أبي الحارث التّركيّ وكان أحد الأمراء فاقتضى الحال أنّ البساسيريّ هرب، ثمّ جمع الجموع وورد إلى بغداد واستولى عليها، ثم ظفر بابن المسلمة رئيس الرّؤساء فمثّل به.
فمن جملة ما فعل به، أنّه حبسه ثمّ أخرجه مقيّدا وعليه جبة صوف وطرطور [٣] من لبد أحمر، وفي رقبته مخنقة فيها جلود مقطّعة شبيهة بالتّعاويذ، وأركب حمارا وطيف به في المحال ووراءه من يضربه بجلد وينادي عليه، ورئيس الرّؤساء يقرأ: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ من تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ ٣: ٢٦ [٤] وشهّره في البلد.
فلمّا اجتاز بالكرخ نثر عليه أهل الكرخ المداسات الخلّع وبصقوا في وجهه ووقف بإزاء دار الخلافة من الجانب الغربيّ، ثمّ أعيد وقد نصبت له خشبة في
стр. 278
باب خراسان، فأنزل عن الحمار، وخيط عليه جلد ثور قد سلخ في الحال وجعلت قرونه على رأسه، علّق بكلاب في حلقه، واستبقي في الخشبة إلى أن مات من يومه.
انقضت أيام القائم بأمر الله ووزرائه.
ثمّ ملك بعده ابن ابنه المقتدي بأمر الله
وهو أبو القاسم عبد الله بن الذّخيرة بن القائم، بويع في سنة سبع وستين وأربعمائة.
كان المقتدي عالي الهمّة خبيرا بالأمور من أفاضل خلفائهم، واتّفق له مع السّلطان ملك شاه واقعة عجيبة: كان السّلطان ملك شاه قد قصد بغداد فوصلها في سنة خمس وثمانين وأربعمائة، وقد تغيّرت نيته مع المقتدي، فأرسل ملك شاه إلى المقتدي يقول له: تخرج من بغداد وتسكن أيّ بلد شئت، فانزعج المقتدي من ذلك وطلب منه أن يمهله شهرا، فقال ملك شاه: ولا ساعة واحدة. وتردّدت الرّسل بينهما، ثم استقرّت الحال بواسطة تاج الملك أبي الغنائم وزير ملك شاه أن يؤخّره عشرة أيّام، فقال ملك شاه: يجوز، ففي عيد الفطر صلّى السّلطان وخرج إلى الصّيد فحمّ وافتصد [١] فتوفّي في نصف شوّال، وضبطت زوجته زبيدة خاتون العسكر بعد موته، واستقرّ مع المقتدي ترتيب ابنها محمود في السّلطنة، وعمره يومئذ ستّ سنين فخطب له وخلع [٢] المقتدي عليه، وخرج العسكر وخاتون وابنها محمود بن ملك شاه إلى أصفهان، وكفى الله شرّ ملك شاه المقتدي، وتوفّي المقتدي فجأة في سنة سبع وثمانين وأربعمائة.
стр. 279
شرح حال الوزارة في أيّامه
لمّا بويع المقتدي بالخلافة أقرّ فخر الدّولة بن جهير وزير أبيه على وزارته وقد مضى من سيرته ما يغني عن ذكر شيء آخر.
وزارة ابنه عميد الدّولة محمّد بن محمّد ابن محمّد بن جهير للمقتدي
كان القائم والمقتدي يرسلانه في رسائل إلى السلاطين فتنجح على يده، وكان فاضلا حصيفا [١] ، فاستحلاه نظام الملك وزير السّلطان، وكان يعجب منه ويقول: وددت أني ولدت مثله، ثم زوّجه ابنته. واستوزره المقتدي، وفوّض الأمور إليه، ثمّ عزله فشفع له نظام الملك فأعيد إلى الوزارة.
ثمّ وقع بين عميد الدّولة وبين سلاطين العجم وقعة، فطلبوا من الخليفة عزله وأشار أصحاب الخليفة بذلك فعزله، وحبس بباطن دار الخلافة، ثمّ أخرج ميتا فدفن وكان يقول الشّعر، فمن شعره:
إلى متى أنت في حلّ وترحال ... تبغي العلا والمعالي مهرها غالي
يا طالب المجد دون المجد ملحمة ... في طيّها خطر بالنّفس والمال
ولليالي صروف [٢] قلّما انجذبت ... إلى مراد امرئ يسعى بلا مال
(بسيط)
وزارة أبي شجاع ظهير الدين محمّد بن الحسين الهمذانيّ للمقتدي
كان رجلا ديّنا، خيّرا كثير الخير والبرّ والصّدقة. وقف له على ثبت [٣] خرج على وجوه البرّ والصّدقات خاصّة بما قدره مائة وعشرون ألف دينار، وكان
стр. 280
الّذي أورد هذا الثّبت كاتبا من جملة عشرة كتبة يكتبون صدقاته خاصّة. ولمّا ولي ظهير الدين المذكور كتب إليه ابن الحريري صاحب المقامات:
هنيئا لك الفخر فافخر هنيئا ... كما قد رزقت مكانا عليّا
وبت كآبائك الأكرمين ... لدست [١] الوزارة كفؤا رضيّا
تحمّلت أعباءها يافعا ... كما أوتي الحكم [٢] يحيى صبيّا
(متقارب) كان يصلّي الظّهر ويحضر لكشف المظالم إلى وقت العصر، وكان الحجّاب ينادون في الناس: من كانت له حاجة فليعرضها.
ومن مناقبه: أنّه لما وقعت الفتن بين السنيّة والشّيعة بالكرخ وباب البصرة من مدينة السلام، تغاضى عن إراقة الدماء غاية التغاضي، حتى قال له المقتدي:
إن الأمور لا تمشي بهذا اللين الّذي تستعمله، وقد أطمعت النّاس بحلمك وتجاوزك، ولا بدّ من نقض دور عشرة من كبار أهل المحال حتّى تقوم السّياسة وتسكن هذه الفتن. فأرسل الوزير إلى المحتسب وقال له: قد تقدّم الخليفة بنقض دور عشرة من كبار أهل المحالّ ولا تمكنني المراجعة فيهم، وما آمن أن يكون فيهم أحد غير مستحقّ للمؤاخذة، أو أن يكون الملك ليس له، فأريد أن تبعث ثقاتك إلى هذه المحالّ وتشتري أملاك هؤلاء المتّهمين فإذا صارت الأملاك لي نقضتها وأسلم بذلك من الإثم ومن سخط الخليفة. ونقده الثّمن في الحال، ففعل المحتسب ذلك، ثمّ بعد ذلك أرسل ونقضها. وحجّ بيت الله تعالى. ولم يؤرّخ عن وزير أنّه حجّ في أيّام وزارته إلا هذا، فإنّ الوزارء قبله كانوا يحجّون بعد خلوّهم من الوزارة، إلا البرامكة فإنّهم حجّوا في حال وزارتهم. وطلب السّلطان جلال الدولة ملك شاه من المقتدي عزل هذا الوزير، فخرج توقيع المقتدي بعزله على حالة جميلة لم يصرف بمثلها وزير، وانصرف إلى داره وهو ينشد:
стр. 281
تولاها وليس له عدوّ ... وفارقها وليس له صديق
(وافر) ثم اعتزل وتزهّد ولبس ثياب القطن وتوجّه إلى الحجّ، وأقام بمدينة الرّسول- صلوات الله عليه وسلامه- فكان يكنس المسجد النبويّ ويفرش الحصر ويشعل المصابيح وعليه ثوب من غليظ الخام، وبدأ يحفظ القرآن وختمه هناك. وله شعر لا بأس به فمنه قوله:
إنّ من شتّت الجميع من الشّمل ... قدير بأن يجمع أهلا
لست مستيئسا وإن طال هجر ... ربّ هجر يكون عقباه وصلا
وإذا أعقب الوصال فراق ... كان ذاك الوصال في القلب أحلى
(خفيف) ومات- ﵁ في سنة ثلاث عشرة وخمسمائة.
انقضت أيّام المقتدي بأمر الله ووزرائه.
ثمّ ملك بعده ابنه المستظهر باللَّه أبو العبّاس أحمد
بويع له بالخلافة في سنة سبع وثمانين وأربعمائة.
كان المستظهر كريما وصولا، حسن الأخلاق كبير الهمّة سهل العريكة مهذّب الخلال، محبّا للخير مبغضا للظلم. في أيّامه تفاقم حال الباطنيّة [١] واستولوا على المعاقل والحصون بخراسان. وكان أصل دعوتهم بخراسان الحسن بن صباح [٢] وهو رجل أصله من مرو، وسافر إلى مصر وأخذ من دعاة آل أبي طالب بها المذاهب، وكان رجلا ذا دهاء وصاحب حيل، ثمّ إنّه رجع من مصر إلى خراسان وصار داعيا لآل أبي طالب وتوصّل بأنواع التوصّلات حتّى ملك قلعة من بلاد الدّيلم
стр. 282
تعرف بالرّوذبار فلمّا ملكها قوي أمره واستغوى طوائف من النّاس، وفشا مذهب الباطنيّة ونما، وأعتقده خلق من الأكابر في باطن الأمر. وما زال يستفحل أمرهم إلى أن قصدت العساكر المغوليّة قلاعهم وفعلت بها ما فعلت. ومات المستظهر في سنة اثنتي عشرة وخمسمائة.
شرح حال الوزارة في أيّامه
لم يكن للوزارة في أيّامه كبير أبّهة. فمن وزرائه زعيم الرّؤساء أبو القاسم عليّ بن فخر الدّولة بن جهير، لم تطل أيّامه. ولم يكن له من السّير ما يؤثر، وبعد يسير من وزارته عزل وقبض عليه.
وزارة أبي المعالي هبة الله بن محمّد ابن المطّلب للمستظهر
كان رجلا كافيا من كفاة الدّولة العبّاسيّة، واستوزره المستظهر بعد زعيم الرّؤساء ابن جهير، وكان قبل الوزارة يتولّى ديوان الزّمام. فحدّث عنه بعض أصحابه قال: دخلت يوما الوزارة وهو صاحب ديوان. فرأيته مفكّرا مضطرب الخاطر، فسألته عن السّبب فقال: كنت قد أنهيت إلى المستظهر في السّنة الخالية اجتهادي في عمارة البلاد وضبطي وتثميري للحاصل، وقلت قد حصل في هذه السنة اثنا عشر ألف كرّ وفي السّنة المستقبلة يحصل عشرون ألف كرّ، فخرج جوابه يشكرني ويثني عليّ وشرّفني بشيء من ثيابه، فسررت وقلت: هذه ثمرة الاجتهاد. ثمّ جرّدت همّتي للعمارة وانبعثت بجهدي وطاقتي في عمارة المستقبل، فاتّفق أن انفجر بثق [١] فتلف من الارتفاع شيء كثير، وجرت أحوال أخر اقتضت خفوق الارتفاع بحيث نقص عن ارتفاع السّنة الخالية فكتبت مطالعة إلى الخليفة أعرّفه فيها بخفوق الارتفاع، وذكرت له كميّة الحاصل ولم أشرح له السّبب في
стр. 283
نقيصة الارتفاع، وقلت في نفسي: إن سالني عن السّبب شرحته له، فخرج جوابه إليّ يشكرني ويثني عليّ وشرّفني بشيء من ثيابه كما فعل في السّنة الخالية، فقلت في نفسي: وا ويلاه! هذا حالي معه في حالة الاجتهاد والتقصير، وقد شكرني على الحالتين المتناقضتين، وهذا يدلّ على أنّه لا يفكّر فيما يقوله ويفعله، فما يؤمنني أنّ بعض من هو قريب إليه من أعدائي يعرض عليه في أمري ما يكون سببا لهلاكي فلا يتأمّل القضيّة بل يتقدّم بما يوافق غرض العدوّ؟ قال الحاكي: فقلت له يعيذك الله ويقيك ممّا تحذر، وما برحت حتّى سلّيته وأزلت غمّه. وكان هذا أبو المعالي بن المطّلب من علماء الوزراء وأفاضلهم وأخيارهم.
انقضت أيام المستظهر باللَّه ووزرائه.
ثمّ ملك بعده ابنه المسترشد أبو منصور الفضل بن المستظهر باللَّه
بويع في سنة اثنتي عشرة وخمسمائة.
كان المسترشد رجلا فاضلا، ولما بويع بالخلافة هرب أخوه الأمير أبو الحسن وأخفى نفسه، ومضى إلى الحلّة [١] مستجيرا بدبيس [٢] بن صدقة صاحب الحلّة وكان دبيس بن صدقة أحد أجواد الدّنيا، وكان صاحب الدار والجار، والحمى والذّمار وكانت أيامه أعيادا، وكانت الحلّة في زمانه محطّ الرّحال، وملجأ بني الآمال، ومأوى الطّريد، ومعتصم الخائف الشّريد. فأكرمه دبيس إكراما زائدا عن الحدّ، وأفرد له دارا وأكرمه إكراما كثيرا، ومكث عنده مدّة على أحسن حال. فلما علم أخوه المسترشد باللَّه أنه عند دبيس قلق لذلك، وخاف من أمر يحدث من ناحيته فبعث نقيب النّقباء عليّ بن طراد الزّينيّ إلى الحلّة بخاتمه وأمانه، وأمره أن يأخذ
стр. 284
البيعة على دبيس ويطلب منه أن يسلم إليه الأمير أبا الحسن فقال دبيس: أمّا البيعة فالسّمع والطّاعة لأمر أمير المؤمنين، وبايع، وأما تسليم جاري فلا والله لا أسلّمه إليكم وهو جاري ونزيلي ولو قتلت دونه. إلا إن اختار. فأبى الأمير أبو الحسن التوجّه صحبة النقيب إلى أخيه فمضى النقيب وحده. ثمّ بعد ذلك ظفر به المسترشد فسجنه في بعض دوره في حالة جميلة. وجرت بين الخليفة المسترشد وبين السّلطان مسعود وحشة، وتفاقم الأمر فيها وأفضى الحال إلى الحرب، فتوجّه الخليفة المسترشد وصحبته العسكر وأرباب الدّولة وتجهّز مسعود للقائهم فلما التقوا والتحم القتال انكسر عسكر المسترشد، واستظهر السّلطان مسعود عليهم ونهب عسكره من العسكر الخليفيّ أموالا عظيمة، فيقال: إنّ صناديق المال كانت على مائة وسبعين بغلا، وهي أربعة آلاف ألف دينار، وكان الرّحل على خمسمائة جمل وكان معه عشرة آلاف عمامة، وعشرة آلاف جبّة، وعشرة آلاف قباء [١] ، كلّ ذلك من فاخر الثّياب، كان قد أعدّها للتشريفات إن ظفر، فيقال إن جملة ما نهب عشرة ألف ألف دينار، ونهى مسعود عن إراقة الدّماء، وقبض على أصحاب الخليفة وحملهم إلى القلعة وأمّا الخليفة فأفرد له خيمة ووكّل به جماعة، وسار مسعود والخليفة معه إلى مراغة [٢] ، فوصل كتاب السّلطان سنجر [٣] إلى مسعود يأمره بالإحسان إلى الخليفة وإعادته إلى بغداد مكرّما معزّزا، وأن يردّ عليه أمواله وأن يجعل له من الحشم والبرك والأسباب أعظم وأجمل ممّا ذهب منه ويعيده إلى بغداد على أتمّ حال فامتثل مسعود جميع ذلك، وصنع له من البرك والأسرّة والخيم والحمول أشياء جميلة ووقع العزم على العود إلى بغداد واتّفقت غفلة عن مسعود
стр. 285
والعسكر، فهجم جماعة من الباطنيّة على المسترشد فضربوه بالسّكاكين في مخيّمه بقرية بينها وبين مراغة فرسخ واحد وقتلوا معه جماعة من أصحابه وحين علم مسعود بذلك ركب منزعجا مظهرا للجزع وأخذ القوم فقتلهم، ثمّ نقل المسترشد على رءوس العلماء والأمراء إلى مراغة فدفن بها وقبره الآن بها معروف تحت قبّة حسنة، رأيتها عند وصولي إلى مراغة في سنة سبع وتسعين وستمائة.
واختلف الناس عند قتل المسترشد في سبب قتله، فقال قوم: إن مسعودا لم يعلم بذلك ولا رضي به. وقال قوم: بل مسعود هو الّذي واطأ الباطنيّة على قتله وأمرهم بذلك، لأنه خافه حيث قويت نفسه على جمع الجموع وجرّ الجيوش، ولم يمكنه قتله ظاهرا، ففعل ما فعل من الإحسان إليه ظاهرا ثمّ إنّه أخرج جماعة من أهل الجرائم فقتلهم وأوهم الناس أنّه قد قتل قتلته، ثم أطلقهم سرّا، وذلك في سنة تسع وعشرين وخمسمائة.
شرح حال الوزارة في أيّامه
من أفاضل وزرائه أبو عليّ الحسن بن عليّ بن صدقة، كان فاضلا نحريرا عالما بقوانين الرّئاسة خيّرا، استوزره المسترشد سنة ثلاث عشرة وخمسمائة، ولقّبه بجلال الدين سيّد الوزراء صدر الشرق والغرب ظهير أمير المؤمنين، كانت له معرفة بالحساب وأعمال السّواد، غير أنه لا ينسب إليه شيء من الكرم.
ثم إنّ المسترشد قبض عليه وعزله عن الوزارة، ولم يكن ذلك عن إرادة من المسترشد، وإنّما دعته الضرورة إلى القبض عليه، لأنّ وزير السّلطان كان يتعصّب عليه.
ثمّ بعد ذلك بمديدة زال المانع، فأعاده المسترشد إلى وزارته، وخلع عليه خلع الوزارة وتقدّم إلى أرباب الدولة بالسّعي بين يديه إلى الديوان، وهو أوّل وزير مشى أرباب الدولة بين يديه رجّالة [١] .