بدر الدين [١] بما أسداه إليه من الإنعام حتى مدحه، وانخرط في زمرة شعرائه، فمن شعره فيه:
هنيئا بجدّ ساعدتك سعوده ... وتمّ له يوم التفاخر عيده
وبشرى بإقبال أهلّ بشيره ... كما وفدت عند الهناء وفوده
وأنّى لبدر الدين ذي الفخر والعلا ... نديد، وكلا، أن يصاب نديده
(طويل) ومع أنّه صار من شعرائه، وانخرط في زمرة مدّاحه، كان بدر الدين، بعد موت كمال الدين حيدرة إذا اجتاز على ترتبه- وهي تربة مفردة ظاهر الموصل جنوبية قبلية- يترك العسكر ويدخل إليه يزوره، ويدعو لنفسه عند ضريحه.
(رحمهما الله تعالى)
стр. 72
الفصل الثاني في الكلام على دولة دولة
وفيه:
الدولة الأولى: دولة الأربعة الراشدين الدولة الثانية: الدولة الأميّة الدولة الثالثة: الدولة العبّاسيّة
стр. 73
لقد تم الكلام على الأمور السلطانية والسياسات الملكية، وعلم بذلك سيرة الملك الفاضل المستحق للرئاسة، وخواص الملك التي يتميز بها عن الرعايا، والحقوق الواجبة لذلك على رعيته، والحقوق الواجبة لهم عليه واندرج في أثناء ذلك الكلام على كليات أحوال الدول على سبيل الإجمال. وكل ما مضى في هذه الأوراق من اللطائف والمحاسن فقد وفر الله تعالى منه حظّ المولى الملك الفاضل، حاطه الله تعالى بأنواع ألطافه، وبلّغه أقصى الغايات من إسعاده وإسعافه، لأن الله تعالى هداه بسابق عنايته إلى محاسن الشّيم، وفضّله بخافي لطفه على كثير من الأمم.
وهذا أوان الشروع في الكلام على دولة دولة:
стр. 74
الدولة الأولى: دولة الأربعة وهم المعروفون بالخلفاء الراشدين
قال محمد بن عليّ بن طباطبا مؤلّف هذا الكتاب المعروف بالفخري في الآداب السلطانيّة والدول الإسلاميّة: أما الدولة الأولى، وهي دولة الأربعة فإن ابتداءها كان منذ قبض رسول الله- صلوات الله عليه وسلامه- وبويع أبو بكر بن قحافة- ﵁ وذلك في سنة اثنتي عشرة من الهجرة وانتهاؤها حين قتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب- ﵇ وذلك في سنة أربعين من الهجرة واعلم أنها دولة لم تكن من طرز دول الدنيا، وهي بالأمور النبويّة والأحوال الأخروية أشبه. والحق في هذا أن زيّها قد كان زيّ الأنبياء وهديها هدي الأولياء.
وفتوحها فتوح الملوك الكبار. فأما زيّها: فهو الخشونة في العيش، والتقلل في المطعم والملبس، كان أحدهم يمشي في الأسواق راجلا وعليه القميص الخلق المرقوع إلى نصف ساقه، وفي رجله تاسومة [١] وفي يده درّة [٢] فمن وجب عليه حد استوفاه منه. وكان طعامهم من أدنى أطعمة فقرائهم، ضرب أمير المؤمنين ﵇، المثل بالعسل والخبز النقي فقال في بعض كلامه. ولو شئت لاهتديت إلى مصفى هذا العسل بلباب هذا البرّ. واعلم أنهم لم يتقللوا في أطعمتهم وملبوسهم فقرا ولا عجزا عن أفضل لباس وأشهى مطعم، ولكنّهم كانوا يفعلون ذلك مواساة لفقراء رعيّتهم، وكسرا للنفس عن شهواتها، ورياضة لها لتعتاد أفضل حالاتها.
وإلا فكل واحد منهم كان صاحب ثروة ضخمة، ونخل وحدائق وغير ذلك من الأسباب ولكنّ أكثر خرجهم كان في وجوه البرّ والقرب كان لأمير المؤمنين علي ارتفاع طائل من أملاكه يخرجه جميعه على الفقراء والضعفاء ويقتنع هو وعياله بالثوب الغليظ من الكرباس [٣] ، وبالقرص من خبز الشعير. وأما فتوحها وحروبها فإن خيلها بلغت إفريقية وأقصى.
стр. 75
خراسان وعبرت النهر، فإن عبيد الله بن عبّاس تولى إمارة سمرقند [١] وبها مات وفيها قبره فأوّل حروبها قتال أهل الرّدة.
شرح كيفية الحال في ذلك على سبيل الاختصار
لما قبض رسول الله صلوات الله عليه وسلامه، ارتدّ ناس من الأعراب عن الإسلام، وامتنعوا عن أداء الزكاة، وقالوا لو كان محمّد نبيّا لما مات.
فوعظهم ذوو اللب والعقل، وقالوا لهم أخبرونا عن الأنبياء- ﵈ هل تقرّون بنبوتهم؟ قالوا: نعم، قالوا: فهل ماتوا؟ قالوا: نعم. قالوا: فما الّذي تنكرونه من نبوّة محمد- ﵇؟ فلم ينجع القول فيهم. فجهّز أبو بكر- ﵁ إلى طائفة منهم جيشا، فتوجّهت الجيوش إليهم وقاتلتهم، وكانت الغلبة للجيوش الإسلامية فأبادتهم قتلا وأسرا، ورجع من تبقى منهم إلى الإسلام وأدّى الزكاة ومن فتوحها الكبار فتح الشأم.
شرح كيفية ذلك
لما كانت سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وهي السنة التي توفي فيها أبو بكر ورجع أبو بكر- ﵁ من الحجّ- شرع في تجهيز الجيوش إلى الشأم فبعث عسكرا كثيفا جعل على كل قطعة منه أميرا، وسمّى لكلّ أمير بلدا إن فتحه واستولى عليه كان له ثم أمدّهم بخالد بن الوليد- ﵁ في عشرة آلاف فتكمّل بالشأم ستة وأربعون ألف مقاتل، وجرت بينهم وقائع وحروب امتدّت إلى أن مات أبو بكر، وبويع عمر بن الخطاب- ﵄ فعزل عمر خالد بن الوليد- ﵄ عن إمارة الجيش، وكان قد أمّر، ثمّ أمّر على الناس
стр. 76
أبا عبيدة بن الجراح- ﵁ فورد رسول عمر إلى الجيش بالشأم بكتاب عمر إلى أبي عبيدة بتوليته وعزل خالد. واتفق وصول الرسول وهم مشغولون بالحرب فجعل الناس يسألون الرسول عن سبب قدومه، فأخبرهم بالسلامة ووعدهم أنّ وراءه مددا لهم، وكتم عنهم موت أبي بكر ثم وصل إلى أبي عبيدة بن الجراح فأخبره سرّا بموت أبي بكر، وناوله كتاب عمر بتوليته وعزل خالد. فاستحيا أبو عبيدة من خالد وكره أن يعلمه بالعزل، وهو قد بذل جهده في القتال فكتم أبو عبيدة الخبر عن خالد وصبر حتى تمّ الفتح وكتب الكتاب باسم خالد، ثم أعلمه بموت أبي بكر، وبعزله فسلّم إليه الجيش. وكان فتح دمشق في سنة أربع عشرة من الهجرة، في خلافة عمر بن الخطاب- ﵁ وفي الدولة المذكورة كان فتح العراق، وأخذ الملك من الأكاسرة.
شرح مبدإ الحال في انتقال الملك من الأكاسرة إلى العرب
إنّ الله تعالى بسابق علمه وبالغ حكمته وعزّة قدرته، إذا أراد أمرا هيّأ أسبابه وقد وصف نفسه بقوله قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ من تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ من تَشاءُ وَتُذِلُّ من تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ٣: ٢٦ [١] ولما أراد- جلّ شأنه، وعزّ سلطانه- نقل الملك عن فارس إلى العرب أصدر من المنذرات بذلك ما ملأ به قلوبهم وقلوب أوليائهم رعبا. فأوّل ذلك: ارتجاس [٢] الإيوان [٣] وسقوط الشرفات منه، وذلك عند ميلاد الرسول- عليه أفضل الصلوات- وخمود نار فارس ولم تكن خمدت قبل ذلك بألف عام، وذلك في عهد أنوشروان العادل. فلما رأى أنوشروان سقوط الشّرفات وانشقاق الإيوان غمّه ذلك ولبس تاجه وجلس على سريره، وأحضر وزراءه وشاورهم في
стр. 77
ذلك. ففي تلك الحال وصل كتاب من فارس بخمود النار، فازداد كسرى غمّا إلى غمّه وفي تلك الحال قام الموبذان [١] وقص الرؤيا التي رآها، قال: رأيت- أصلح الله الملك- كأنّ إبلا ضعافا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها فقال له كسرى: فأيّ شيء يكون تأويل هذا؟ قال أصلح الله الملك، حادث يحدث من جهة العرب وفشا الحديث بذلك بين العجم وتحدّث به الناس فسكن الرّعب قلوبهم وثبتت هيبة العرب في نفوسهم. ثم تتابعت أمثال هذه المنذرات الخواذل إلى آخر الأمر: فإنّ رستم لما خرج لمحاربة سعد بن أبي وقّاص رأى في منامه كان ملكا قد نزل من السماء، وجمع قسيّ الفرس وختم عليها وصعد بها إلى السماء، ثم انضمّ إلى ذلك ما كانوا يشاهدونه من سداد منطق العرب، وطمأنينة نفوسهم، وشدّة صبرهم على الشدائد ثم ما جرى في آخر الأمر من اختلاف كلمتهم بعد موت شهريار وجلوس يزدجرد على سرير المملكة وهو صبيّ حدث ضعيف الرأي. ثم الطّامّة الكبرى وهي انعكاس الريح عليهم في حرب القادسيّة، حتى أعمتهم بالغبار وعمّتهم بالدمار، وفيها قتل رستم [٢] وانفلّ جيشهم. فانظر إلى هذه الخواذل، واعلم أن للَّه أمرا هو بالغه.
شرح الحال في تحيّز الجيش إلى العراق واستخلاص الملك من الفرس
كان ثغر [٣] فارس من أثقل الثّغور على العرب، وأعظمها في نفوسهم وأكثرها هيبة. وكانوا يكرهون غزوة ويجنبون عنه استعظاما لشأن الأكاسرة، ولما هو مشهور من تدويخهم الأمم، حتى كان آخر أيام أبي بكر- ﵁ فقام رجل من الصحابة يقال له: المثنّى [٤] بن حارثة- ﵁ وندب
стр. 78
الناس إلى قتال فارس وهوّن عليهم الأمر، وشجّعهم على ذلك، فانتدب معه جماعة وتذكر الناس ما كان رسول الله- صلوات الله عليه- يعدهم به من تملّك كنوز الأكاسرة.
ولم يتمّ في ذلك أمر في خلافة أبي بكر، حتّى كانت أيام عمر بن الخطاب- ﵄ وكتب إليه المثنّى بن حارثة يخبره باضطراب أمور الفرس وبجلوس يزدجرد بن شهريار [١] على سرير الملك وبصغر سنّه وكان قد جلس على السرير وعمره إحدى وعشرون سنة- فقوي حينئذ طمع العرب في غزو الفرس.
فخرج عمر- ﵁ وعسكر ظاهر المدينة، والناس لا يعلمون أين يريد، وكانوا لا يتجاسرون على سؤاله عن شيء حتى إنّ بعضهم سأله مرة عن وقت الرحيل فزجره ولم يعلمه، فكانوا إذا أعضل عليهم أمر، وكان لا بد لهم من استعلامه منه استعانوا عليه بعثمان بن عفان أو بعبد الرحمن بن عوف- ﵄ وإذا اشتدّ الأمر عليهم ثلّثوا بالعبّاس- ﵁ فقال عثمان لعمر: يا أمير المؤمنين ما بلغك وما الّذي تريد؟ فنادى عمر ﵁ الصلاة جامعة. فاجتمع الناس إليه فأخبرهم الخبر ووعظهم وندبهم إلى غزو الفرس وهوّن عليهم الأمر. فأجابوا جميعا بالطاعة، ثم سألوه أن يسير معهم فقال: أفعل ذلك إلا أن يجيء رأي هو خير من هذا. ثم بعث إلى أصحاب الرأي وأعيان الصحابة وعقلائهم فأحضرهم واستشارهم، فأشاروا عليه بأن يقيم ويبعث رجلا من كبار الصحابة ويكون هو من ورائه يمدّه بالأمداد. فإن كان فتح فهو المطلوب، وإن هلك الرجل أرسل رجلا آخر. فلما انعقد إجماعهم على هذا الرأي صعد عمر المنبر- وكانوا إذا أرادوا يكلّمون الناس كلاما عامّا صعد أحدهم المنبر وخاطب الناس بما يريد- فلمّا صعد عمر قال: «أيّها الناس إنّي كنت عازما على الخروج معكم، وإن ذوي اللبّ والرأي منكم قد صرفوني عن هذا الرأي، وأشاروا
стр. 79
«بأن أقيم وأبعث رجلا من الصحابة يتولى أمر الحرب» ثم استشارهم فيمن يبعث، وفي تلك الحال وصل إليه كتاب من سعد بن أبي وقّاص وكان غائبا في بعض الأعمال، فأشاروا على عمر بسعد ﵄ وقالوا: إنّه الأسد عاديا.
ووافق ذلك حسن رأي من عمر بن الخطّاب ﵁ في سعد بن أبي وقّاص، فاستحضره وولاه حرب العراق وسلّم الجيش إليه- فسار سعد بالناس، وسار عمر بن الخطاب- ﵁ معهم فراسخ [١] ، ثم وعظهم وحثهم على الجهاد وودعهم، وانصرف إلى المدينة، وتوجّه سعد، فجعل ينتقل في البريّة التي بين الحجاز والكوفة يستعلم الأخبار، ورسل عمر تأتيه وكتبه يشير عليه فيها بالرأي بعد الرأي، ويمدّه بالجنود بعد الجنود، حتّى استقر رأيه على قصد القادسيّة وهي كانت باب مملكة الفرس. فلما نزل سعد بالقادسية احتاج هو ومن معه إلى الأقوات فبعث ناسا وأمرهم بتحصيل شيء من الغنم والبقر، وقد أجفل أهل السواد قدّامهم، فوجدوا رجلا فسألوه عن الغنم والبقر فقال: لا علم لي بذلك وإذا هو الراعي، وقد أدخل الدوابّ في أجمة هناك. قالوا: فصاح ثور منها: كذب الراعي ها نحن في هذه الأجمة. فدخلوا إليها واستاقوا منها عدّة، وأحضروها إلى سعد فاستبشروا بذلك وعدّوها نصرة من الله تعالى. والثور إن لم يكن قد تلفظ بحروف يكذّب بها الراعي فإنّ صياحه في تلك الساعة حتى يستدلّ بصياحه على الدوابّ عند شدة الحاجة إليها تكذيب صريح للراعي. وهو من الاتّفاقات العظيمة الدّالّة على النصر والدولة والاستبشار به واجب. وحين ورد الخبر إلى العجم بوصول سعد بالجيش، ندبوا له رستم [٢] في ثلاثين ألف مقاتل، وكان جيش العرب من سبعة آلاف إلى ثمانية آلاف. ثم اجتمع إليهم بعد ذلك ناس فالتقوا، فكان العجم يضحكون من نبل العرب ويشبّهونها بالمغازل.
وها هنا موضع حكاية تناسب ذلك، لا بأس بإيرادها: حدّثني فلك الدين
стр. 80
محمد [١] بن أيدمر قال: كنت في عسكر الدّويدار الصّغير لما خرج إلى لقاء التتر بالجانب الغربيّ من مدينة السّلام، في واقعتها العظمى سنة ستّ وخمسين وستّمائة قال: فالتقينا بنهر بشير من أعمال دجيل، فكان الفارس منّا يخرج إلى المبارزة، وتحته، فرس عربيّ وعليه سلاح تامّ كأنّه وفرسه الجبل العظيم، ثم يخرج إليه من المغول فارس تحته فرس كأنه حمار، وفي يده رمح كأنه المغزل، وليس عليه كسوة ولا سلاح فيضحك منه كلّ من رآه. ثم ما تمّ النهار حتّى كانت لهم الكرّة [٢] فكسرونا كسرة عظيمة كانت مفتاح الشرّ ثم كان من الأمر ما كان.
ثم تردّدت الرسل بين رستم وسعد، فكان البدويّ يأتي إلى باب رستم وهو جالس على سرير الذهب، وقد طرحت له الوسائد المنسوجة بالذّهب، وفرش له الفرش المنسوج بالذهب وقد لبس العجم التيجان وأظهروا زينتهم وأقاموا الفيلة في حواشي المجلس. فيجيء البدويّ، وفي يده رمحه، وهو متقلّد سيفه متنكّب قوسه فيربط فرسه قريبا من سرير رستم، فيصيح العجم عليه ويهمّون بمنعه فيمنعهم رستم ثم يستدنيه [٣] فيمشي إليه متكئا على رمحه يطأ به ذلك الفراش وتلك الوسائد فيخرّقها بزج رمحه وهم ينظرون. فإذا وصل إلى رستم راجعه الحديث، فكان رستم لا يزال يسمع منهم حكما وأجوبة تروعه وتهوله.
فمن ذلك أنّ سعدا- ﵁ كان يبعث في كلّ مرّة رسولا. فقال رستم لبعض من أرسل إليه: لم لم يبعثوا إلينا صاحبنا بالأمس؟ قال: لأنّ أميرنا يعدل بيننا في الشدّة والرّخاء. وقال يوما لآخر: ما هذا المغزل الّذي في يدك؟
يعني رمحه فقال: إنّ الجمرة لا يضرّها قصرها، وقال مرّة أخرى لآخر: ما بال سيفك أراه رثّا؟ فقال: إنه خلق المغمد حديد المضرب. فراع رستم ما رأى من أمثال هذا وقال لأصحابه: انظروا فإن هؤلاء لا يخلو أمرهم من أن يكون صدقا أو
стр. 81
كذبا، فإن كانوا كاذبين فإن قوما يحفظون أسرارهم هذا الحفظ، ولا يختلفون في شيء. وقد تعاهدوا على كتمان سرّهم هذا التعاقد، بحيث لا يظهر أحد سرّهم- لقوم في غاية الشدّة والقوة وإن كانوا صادقين فهؤلاء لا يقف حذاءهم أحد. فصاحوا حوله، وقالوا: الله الله أن تترك ما أنت عليه لشيء رأيته من هؤلاء الكلاب، بل صمّم على حربهم. فقال رستم: هو ما أقول لكم. ولكنني معكم على ما تريدون.
ثم اقتتلوا أياما كان في آخرها انعكاس الريح عليهم حتّى أعماهم الغبار، فقتل رستم، وانفلّ [١] الجيش، وغنمت أموالهم وأجفل [٢] الفرس يطلبون مخاضات دجلة ليقعوا في الجانب الشرقيّ وقد تبعهم سعد عبر المخاضات، وقتل منهم مقتلة عظيمة أخرى بجلولاء [٣] ، وغنم أموالهم وأسر بنتا لكسرى ثم كتب سعد إلى عمر- ﵄ بالفتح، وقد كان عمر في تلك الأيّام شديد التطلّع إلى أمر الجيش، فكان كلّ يوم يخرج إلى ظاهر المدينة راجلا يتنسم الأخبار، لعلّ أحدا يصل فيخبره بما كان منهم، فوصل البشير من عند سعد بالفتح فرآه عمر فقال له:
من أين جئت؟ قال: من العراق، قال: فما فعل سعد والجيش؟ قال: فتح الله عليهم. كلّ ذلك والرّجل سائر على ناقته وعمر يمشي في ركابه، وهو لا يعلم أنه عمر. فلمّا اجتمع الناس وسلّموا على عمر بإمرة المؤمنين عرفه البدويّ فقال: هلا أعلمتني- رحمك الله- أنّك أمير المؤمنين؟ قال: لا بأس عليك يا أخي. ثمّ كتب عمر إلى سعد: قف مكانك ولا تتبعهم، واقتنع بهذا، واتّخذ للمسلمين دار هجرة ومدينة يسكنونها، ولا تجعل بيني وبينهم بحرا، فاتّخذ لهم سعد الكوفة، واختطّ بها المسجد الجامع، واختط الناس المنازل ومصرّها [٤] سعد، ثم حكم في المدائن، وملك الكنوز والذّخائر.
стр. 82
ذكر طرف مستملحة وقعت حينئذ
منها: أنّ بعض العرب ظفر بجراب فيه كافور [١] ، فأحضره إلى أصحابه فظنّوه ملحا فطبخوا طعاما ووضعوا فيه كافورا، فلم يروا له طعما ولم يعلموا ما هو، فرآه رجل فعرف ما فيه، فاشتراه منهم بقميص خلق [٢] يساوي درهمين.
ومنها: أن بدويا ظفر بحجر من الياقوت كبير يساوي مبلغا عظيما فلم يدر قيمته، فرآه بعض من يعرف قيمته فاشتراه منه بألف درهم، فبعد ذلك عرف البدويّ قيمته ولامه أصحابه وقالوا له: هلا طلبت فيه أكثر من ذلك؟ قال: لو علمت أنّ وراء الألف عددا أكثر من الألف لطلبته. ومنها: أن بعضهم كان يأخذ في يده الذّهب الأحمر ويقول: من يأخذ الصّفراء ويعطيني البيضاء؟ يرى أن الفضّة خير من الذّهب!.
ذكر ما آلت إليه حال يزدجرد
ثمّ إنّ يزدجرد [٣] هرب إلى خراسان، وما زال أمره يضعف حتّى قتل في سنة إحدى وثلاثين من الهجرة بخراسان، وهو آخر ملوك الأكاسرة [٤] ، وفي الدولة المذكورة دوّنت الدواوين، وفرض العطاء للمسلمين، ولم يكونوا قبل ذلك يعرفون ما الديوان.
شرح كيفيّة تدوين الدّواوين
كان المسلمون هم الجند، وكان قتالهم لأجل الدين لا لأجل الدّنيا. وكان لا يزال فيهم دائما من يبذل شطرا صالحا من ماله في وجوه البرّ والقرب، وكانوا لا
стр. 83
يريدون على إسلامهم ونصرهم لنبيّهم- صلوات الله عليه وسلامه- جزاء إلا من عند الله تعالى ولم يفرض النبيّ- صلوات الله عليه وسلامه- ولا أبو بكر ﵁ لهم عطاء مقرّرا ولكن كانوا إذا غزوا وغنموا أخذوا نصيبا من الغنائم قرّرته الشريعة لهم. وإذا ورد إلى المدينة مال من بعض البلاد، أحضر إلى مسجد الرسول- صلوات الله عليه وسلامه- وفرّق فيهم على حسب ما يراه ﷺ وجرى الأمر على ذلك مدّة خلافة أبي بكر ﵁ فلمّا كانت سنة خمس عشرة من الهجرة،- وهي خلافة عمر ﵁ رأى أن الفتوح قد توالت، وأن كنوز الأكاسرة قد ملكت، وأن الحمول من الذّهب والجواهر النفيسة، والثياب الفاخرة قد تتابعت فرأى التوسيع على المسلمين وتفريق تلك الأموال فيهم. ولم يكن يعرف كيف يصنع، وكيف يضبط ذلك. وكان بالمدينة بعض مرازبة [١] الفرس. فلما رأى حيرة عمر قال له: يا أمير المؤمنين: إن للأكاسرة شيئا يسمّونه ديوانا، جميع دخلهم وخرجهم مضبوط فيه لا يشذّ منه شيء. وأهل العطاء مرتبّون فيه مراتب لا يتطرق عليها خلل. فتنبّه عمر- ﵁ وقال: صفه لي فوصفه المرزبان، ففطن عمر لذلك ودوّن الدواوين وفرض العطاء فجعل لكلّ واحد من المسلمين نوعا مقرّرا، وفرضوا لزوجات الرسول- صلوات الله عليه وسلامه- ولسراريه وأقاربه حتّى استنفد الحاصل ولم يدّخر في بيت المال شيئا. قالوا، فقام إليه رجل وقال: يا أمير المؤمنين: لو تركت في بيوت الأموال شيئا يكون عدّة لحادث إن حدث: فزجره عمر وقال:
كلمة ألقاها الشيطان على فيك وقاني الله شرّها، وهي فتنة لمن بعدي. إني لا أعدّ للحادث الّذي يحدث سوى طاعة الله ورسوله، فهي عدّتنا التي بها [٢] بلغنا ما بلغناه ثمّ إنّ عمر رأى أن يجعل العطاء على حسب السّبق إلى الإسلام، وإلى نصرة الرسول- ﵊ في مواطن حروبه. ثمّ استخدم الكتّاب في
стр. 84
الدواوين وأمرهم بترتيب الطّبقات وضبط العطاء. فقالوا: بمن نبدأ يا أمير المؤمنين؟ فأشار ناس من الصّحابة عليه بأن يبدأ بنفسه، وقالوا: أنت أمير المؤمنين، وتقديمك واجب. فكره عمر ذلك وقال: ابدءوا بالعبّاس عمّ رسول الله- صلوات الله عليه- وببني هاشم، ثمّ بمن بعدهم طبقة طبقة وضعوا آل الخطّاب حيث وضعهم الله . فاعتمد ما أشار به، وجرى الأمر على ذلك مدّة خلافته وخلافة عثمان، ﵄. ثم في آخر خلافته خطر له تغيير هذا الرأي، وأن يفرض لكل واحد من المسلمين أربعة آلاف وقال ألف يجعلها لعياله إذا خرج إلى الحرب، وألف يتجهّز بها، وألف يصحبها معه، وألف يرتفق [١] بها.
فمات عمر- ﵁ قبل إتمام هذا الرأي ومن وقائعها المشهورة وقعة الجمل.
شرح مبدإ وقعة الجمل وكيفية الحال في ذلك
لما قتل عثمان بن عفّان- ﵁ اجتمع الناس وقصدوا منزل أمير المؤمنين عليّ- ﵇ وسألوه تولّي أمرهم، فأبى عليهم. وقال: لا حاجة لي في أمركم. فألحّوا عليه إلحاحا شديدا، واجتمعوا إليه من كلّ صوب، يسألونه ذلك حتّى أجاب، فبايعه الناس فسار فيهم بسيرة الحقّ، لا تأخذه في الله لومة لائم، وكانت حركاته وسكناته- ﵇ جميعها للَّه، وفي الله، لا يقضي بها حقّ أحد.
وكان لا يأخذ ولا يعطي إلا بالحقّ والعدل، حتّى إنّ أخاه عقيلا وهو ابن أبيه وأمّه طلب من بيت المال شيئا لم يكن له بحقّ، فمنعه ﵇ وقال: يا أخي: ليس لك في هذا المال غير ما أعطيتك، ولكن اصبر حتّى يجيء مالي وأعطيك منه ما تريد. فلم يرض عقيل هذا الجواب وفارقه وقصد معاوية- ﵁ بالشأم، وكان لا يعطي ولديه الحسن والحسين- ﵉ أكثر من حقّهما فانظر إلى رجل حمله ورعه [٢] على هذا الصّنيع بولديه، وبأخيه من
стр. 85
أبويه.
فلمّا سار فيهم هذه السيرة، ثقل على بعض الناس فعله، وكرهوا مكانه.
فخرج الزّبير وطلحة- ﵄ بعد ما بايعاه إلى مكة، وكانت عائشة زوجة الرسول- صلوات الله عليه وسلامه- بمكّة. قد خرجت إليها ليالي حوصر عثمان بن عفّان- ﵁ فاتّفقا معها على عدم الرّضا بإمارة عليّ، وعلى الطّلب بدم عثمان، ونسبوا عليّا- ﵇ إلى أنّه ألّب [١] الناس على عثمان وجرّأهم على قتله وما زال عليّ ﵇ من أكبر المساعدين لعثمان الذّابين عنه، وما زال عثمان يلجأ إليه في دفع الناس عنه فيقوم- ﵇ في دفعهم عنه القيام المحمود- وفي آخر الأمر لمّا حوصر عثمان، أرسل عليّ- ﵇ ابنه الحسن- ﵇ لنصرة عثمان ﵁. فقيل: إن الحسن ﵇ استقتل مع عثمان، وكان عثمان يسأله أن يكفّ فيقسم عليه وهو يبذل نفسه في نصرته. وأمّا طلحة- ﵁ فإنه كان من أكبر المساعدين على عثمان. وهذا ما تشهد به جميع التواريخ.
وأمّا عائشة- ﵂ فإنّها كانت قد خرجت من المدينة إلى مكّة ليالي حوصر عثمان بن عفّان، ثم رجعت من مكّة إلى المدينة، فلقيها في الطريق بعض أخوالها فقالت له: ما وراءك؟ قال: قتل عثمان، قالت: فما صنع الناس بعده؟ قال: بايعوا عليّا، قالت: ليت هذه [٢] انطبقت على هذه إن تمّ الأمر لصاحبك!! ثمّ رجعت إلى مكّة وهي تقول: قتل والله عثمان مظلوما، والله لأطلبنّ بدمه. فقال لها الرجل: لم؟ والله إنّ أوّل من أمال حروفه [٣] لأنت، والله لقد كنت تقولين: اقتلوا (نعثلا) فقد كفر- وكان ذلك لقبا لعثمان- فقالت:
إنّهم استتابوه ثم قتلوه، وقد قلت وقالوا وقولي الأخير خير من قولي الأوّل. ولمّا رجعت إلى مكّة اتّفقت مع الزّبير وطلحة على ما ذكرناه، من الطّلب بدم عثمان،
стр. 86
وسخط إمارة علي، واتّفق معهم مروان بن الحكم- وهو ابن عمّ عثمان- وقالوا للناس: إنّ الغوغاء [١] من أهل الأمصار وعبيد أهل المدينة، اجتمعوا على هذا الرجل المسكين- يعني عثمان- فقتلوه ظلما وعدوانا، فسفكوا الدّم الحرام في البلد الحرام في الشّهر الحرام. ثمّ استمالوا أناسا وعزموا على قصد البصرة واستمالة أهلها والتقوا بها على قتال عليّ- ﵇ فلمّا انتهى ذلك إلى أمير المؤمنين قام فخطب النّاس وأعلمهم الحال، وقال: إنّها فتنة وسأمسك الأمر ما استمسك بيدي. ثمّ بلغه ما هم فيه من الجموع والتّصميم على الحرب فنهد إليهم في جيش من المهاجرين والأنصار.
وقد كانت عائشة- ﵂ في توجّهها إلى البصرة اجتازت بماء يقال له: الحوأب، فنبحتها كلابه. فقالت للدليل: ما اسم هذا الموضع؟ قال:
الحوأب فصرحت بأعلى صوتها وقالت: ردّوني إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ٢: ١٥٦ سمعت رسول الله- ﷺ يقول عند نسائه: «أيتكنّ تنبحها كلاب الحوأب؟» ثم عزمت على الرّجوع، فقالوا لها: إن الدّليل كذب ولم يعرف الموضع.
وقالوا لها: إن لم تسيري من هذا الموضع وإلا أدرككم [٢] عليّ بن أبي طالب فيه فهلكتم فسارت وسار عليّ- ﵇ فالتقى الجمعان بظاهر البصرة، وجرت خطوب وحروب، ففي بعضها التقى- ﵇ وطلحة والزّبير، فقال عليّ- ﵇ لطلحة: يا طلحة: تطلب بدم عثمان؟ فلعن الله قتلة عثمان، يا طلحة: أجئت بعرس [٣] رسول الله- ﵌ تقاتل بها وخبّأت عرسك في البيت؟ أما بايعتني؟ قال: بايعتك والسّيف على عنقي. فقال عليّ- ﵇ للزّبير: يا زبير: ما أخرجك؟ قال: أنت، ولا أراك أهلا لهذا الأمر ولا أولى به منّا. فقال عليّ- ﵇: لقد كنّا نعدّك من بني
стр. 87
المطّلب حتّى بلغ ابنك ابن السّوء ففرّق بيننا عبد الله بن الزّبير. وذكره على أشياء وقال له: أتذكر لمّا قال رسول الله- صلوات الله عليه وسلامه- لتقاتلنّه وأنت ظالم له؟ قال: اللَّهمّ نعم، ولو ذكرت لما سرت مسيري هذا، وو الله لا أقاتلك أبدا؟ فانصرف أمير المؤمنين- ﵇ إلى أصحابه وقال: أما الزّبير: فقد أعطى الله عهدا ألا يقاتلكم ثمّ إنّ الزبير عزم على ترك الحرب فخدعه ابنه عبد الله، وما برح به حتى كفّر [١] عن يمينه وقاتل، ولما تراءى الجمعان كان عسكر عائشة وطلحة والزّبير- ﵃ ثلاثين ألفا، وعسكر عليّ- ﵇ عشرين ألفا، فقبل أن تتشب الحرب وعظهم أمير المؤمنين- ﵇ وندبهم إلى الصّلح، وبذل لهم كلّ ما ليس عليه فيه غضاضة من جهة الدين. فمالوا شيئا إلى الصلح، وباتوا على ذلك ثمّ في الغداة نشب القتال بين القبيلين وجرت مناوشات وحروب، أفضت إلى نصرة جيش أمير المؤمنين- ﵇.
فأمّا الزّبير لمّا رأى النّصرة عليهم ردّ رأس فرسه ومرّ فتبعه رجل من عرب البصرة فتبعه عمير بن جرموز فقتله بوادي السباع، وأتى إلى عليّ- ﵇ بسيفه فقال للحاجب: استأذن لقاتل الزّبير، فقال عليّ- ﵇:
بشّر قاتل ابن صفيّة بالنار (وصفيّة أمّ الزبير وهي عمّة أمير المؤمنين- ﵇ ولمّا رأى سيفه قال: سيف طالما جلا الكروب عن وجه رسول الله صلوات الله عليه!!. وأمّا طلحة: فجاءه سهم في رجله فأعطبه، فدخل البصرة رديفا لغلامه وقد امتلأ خفّه دما، وهو يقول: اللَّهمّ خذ لعثمان مني حتى ترضى. فمات بدار خربة من دور البصرة، وقبره اليوم بالبصرة في مشهد محترم عندهم، إذا اعتصم به خائف أو طريد، لا يجسر أحد كائنا من كان على إخراجه منه. ولأهل البصرة في طلحة اعتقاد عظيم إلى يومنا، وقيل: إنّ الّذي قتل طلحة مروان بن الحكم.
стр. 88
وأمّا عائشة- ﵂: فإنّها كانت على جمل في هودج، وقد ألبس هودجها الدّروع والنّسائج الحديد، فلما اشتدّ القتال وانفلّت جموعها عرقب [١] الجمل فوقع، ورفع هودجها حملا ووضع في مكان بعيد عن النّاس وكان أخوها محمّد بن أبي بكر من أصحاب عليّ- ﵇ وابن زوجته أسماء بنت عميس [٢]﵂ فأمره عليّ- ﵇ أن يمضي إلى أخته وينظر أهي سليمة أم أصابها شيء من جراح؟ فمضى فرآها سليمة، ثم أدخلها ليلا إلى البصرة، ثم إنّ أمير المؤمنين- ﵇ أذن للنّاس في دفن القتلى، وكانوا عشرة آلاف من القبيلين ثم أمر ﵇ بجمع الأسلاب، وأدخلها إلى المسجد الجامع بالبصرة، ونادى في الناس من عرف من قماشه فليأخذه ثم إن أمير المؤمنين- ﵇ أحسن إلى عائشة غاية الإحسان، وجهّزها بكلّ ما ينبغي لمثلها، وأذن لها في الرجوع إلى المدينة وبعث معها كلّ من نجا ممّن خرج معها إلا من أحبّ المقام، واختار لها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة المعروفات لأجل مؤانستها في الطريق، وسيّرها في صحبة أخيها محمّد بن أبي بكر مكرّمة محترمة. فلما كان يوم رحيلها حضر عليّ- وحضر الناس فقالت عائشة- ﵂: يا بنيّ (وإنما قالت ذلك لأن نساء النبيّ ﵇ هنّ أمهات المؤمنين كذلك قال الله تعالى ورسوله صلوات الله عليه) : «لا يعتب بعض على بعض إنّه والله ما كان بيني وبين عليّ في القديم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها [٣] وإنه على معتبتي [٤] لمن الأخيار» وقال عليّ- ﵇: «صدقت والله، ما كان بيني وبينها إلا ذاك، وإنّها لزوجة نبيّكم في الدنيا والآخرة»
стр. 89
ثم سارت وشيّعها ﵇ أميالا، وأرسل بنيه معها مسيرة يوم، وتوجّهت إلى مكّة وأقامت بها إلى أيّام الحجّ، ثم حجّت وانصرفت إلى المدينة، وكانت وقعة الجمل في سنة ستّ وثلاثين من الهجرة. ومن وقائعها المشهورة وقعة صفّين:
شرح كيفيّة الحال في ذلك
لما انصرف أمير المؤمنين- ﵇ من وقعة الجمل، أرسل إلى معاوية- ﵁ يعرّفه اجتماع الناس على بيعته، ويعلمه ما كان من وقعة الجمل ويأمره بالدخول فيما دخل فيه المهاجرون والأنصار. وكان معاوية- ﵁ أميرا بالشأم من قبل عثمان- ﵁ وكان ابن عمّه [١] فلمّا ورد إلى معاوية- ﵁ رسول أمير المؤمنين عليّ- ﵇ خاف معاوية- ﵁ من عليّ- ﵇ وعلم أنّه متى استتبّ الأمر عزله ولم يستعمله. وقد كان ابن عبّاس [٢] والمغيرة [٣] بن شعبة- ﵄ أشارا على أمير المؤمنين- ﵇ أن يقرّ معاوية- ﵁ بالشأم مدّة حتى يبايع الناس ويتمكّن ثم يعزله بعد ذلك. فلم يطعهما ﵇، وقال: إني إن أقررته على إمارته ولو يوما واحدا، كنت عاصيا في ذلك اليوم الله تعالى. ولم تكن الخدع والحيل من مذهب عليّ- ﵇ ولم يكن عنده غير مرّ الحقّ. فحين ورد الرسول إلى معاوية- ﵁ طاوله، ثم استشار بعمرو بن العاص- ﵁ وكان أحد الدّهاة، وكان معاوية- ﵁ قد تألّفه واستماله ليتقوّى برأيه ودهائه
стр. 90
فأشار عمرو بن العاص على معاوية- ﵄ أن يظهر قميص الدم الّذي قتل فيه عثمان بن عفّان وأصابع زوجته- ﵄ ويعلّق ذلك على المنبر، ثمّ يجمع الناس ويبكي عليه ويلصق قتل عثمان بعليّ- ﵃ ويطالبه بدمه ليميل إليه أهل الشأم ويقاتلوا معه. فأخرج معاوية- ﵁ القميص والأصابع وعلّقه على المنبر وبكى واستبكى الناس، وذكّرهم بمصاب عثمان- ﵁ فانتدب أهل الشأم من كلّ جانب، وبذلوا له الطّلب بدم عثمان ﵁ والقتال معه على كل من آوى قتلته ثم كتب معاوية- ﵁ إلى أمير المؤمنين- ﵇ كتابا يذكر فيه ذلك فحينئذ تجهّز عليّ- ﵇ للقتال وكاتب الناس ليجتمعوا معه، وكذلك صنع معاوية- ﵁ ثم التقوا بصفّين [١] من أرض الشأم فجرت بينهم مناوشات وحروب كان أوّلها: أنّ معاوية وأصحابه- ﵃ سبقوا إلى شريعة [٢] الماء فملكوها. ومنعوا أصحاب أمير المؤمنين- ﵇ من الماء، ولم يكن هناك شريعة غيرها. فلمّا أخبر عليّ- ﵇ بذلك أرسل إلى معاوية- ﵁ يقول له: إنّ مذهبنا ألا نبدأكم بقتال حتى نحتجّ عليكم، وننظر فيما جئنا له وتنظرون. وقد منع أصحابك الناس من الماء، فابعث حتى يخلّوا سبيل الماء، وإن شئتم أن نترك ما جئنا له وتكون مقاتلتنا على الماء، فيكون الغالب هو الشارب، فعلنا ذلك. فقال معاوية- ﵁ لأصحابه ما تشيرون؟ قال قوم من بني أميّة: نرى أن تمنعه الماء حتى يموتوا عطشا أو يرجعوا لطلب الماء فتكون هزيمة، فقال عمرو بن العاص- ﵁ «أرى أن نخلّي لهم سبيل الماء، فإنّ القوم لا يعطشون وأنت ريّان» فأخر معاوية- ﵁ الجواب وقال: سأنظر، فاقتتل الناس على الماء، وأمدّ عليّ- ﵇ أصحابه وأمدّ معاوية- ﵁ أصحابه، ونشبت الحرب
стр. 91
والتحم القتال، فملك أصحاب عليّ- ﵇ الشّريعة، فأرادوا منع أصحاب معاوية- ﵁ فأرسل إليهم عليّ- ﵇ وقال خذوا حاجتكم من الماء ولا تمنعوهم منه. ودام على ذلك مدّة حتى كاد عسكر عليّ- ﵇ أن يغلبوا، وظهرت أمارات الفتح، فخاف عمرو بن العاص- ﵁ من الهلاك، فأشار على معاوية- ﵁ برفع المصاحف على الرّماح، والدعاء إلى ما فيها من أمر الله . فلما رفعت المصاحف فتر أكثر الناس عن الحرب، وجاءوا إلى أمير المؤمنين- ﵇ وقالوا: يا عليّ أجب إلى كتاب الله- فو الله إن لم تفعل لنحملنّك كارها إلى معاوية- ﵁ أو لنفعلنّ بك كما فعلنا بابن عفّان- ﵁ فقال لهم عليّ- ﵇ يا قوم إنّها خدعة منهم، وإنّهم ليس فيهم من يعمل بهذه المصاحف. أو لستم على بينة من ربكم، فامضوا لشأنكم وقاتلوا عدوّكم. فلم يفعلوا وغلبوه، فأجاب إلى ترك القتال، ثم أرسل إلى معاوية- ﵁ رسولا يقول له: ما الّذي تريد برفع هذه المصاحف؟ قال: نحكّم منّا رجلا ومنكم رجلا، ونقسم على الرجلين أن ينصحا الأمّة ويعملا بما في كتاب الله- وما لم يجداه في كتاب الله حملاه على السّنّة والجماعة، فأيّ شيء حكما به قبلناه. فتراضى الناس جميعا بذلك إلا أمير المؤمنين- ﵇ فإنه رضي كارها مغلوبا. ونفر يسير من بطائنه كالأشتر [١] وابن عبّاس [٢]﵃ وغيرهما. وانعقد الإجماع على تحكيم رجلين. فأما أهل الشأم: فاتفقوا على أن يكون الحكم من جهتهم عمرو ابن العاص- ﵁ داهية العرب. وأمّا أهل العراق: فطلبوا أبا موسى
стр. 92
[١] الأشعريّ- ﵁ وكان شيخا مغفّلا فلم يستصلحه أمير المؤمنين- ﵇ للتحكيم، وقال: إن كان ولا بد من التحكيم، فدعوني أرسل عبد الله ابن عبّاس. فقالوا: لا والله هو أنت وأنت هو، قال: فالأشتر. قالوا: فهل سعّر الأرض غير الأشتر؟ قال: فقد أبيتم إلا أبا موسى. قالوا: نعم. قال: فافعلوا ما شئتم فاتّفق الناس على أبي موسى وعمرو بن العاص- ﵄ وتواعدوا إلى شهور، وسكنت الحرب، وانصرف الناس إلى أمصارهم، ورجع معاوية- ﵁ إلى الشأم وأمير المؤمنين- ﵇ إلى العراق ثمّ بعد شهور سار الحكمان ليجتمعا بدومة الجندل [٢] وكانت ميعاد الحكمين، وسار ناس من الصّحابة ليشهدوا ذلك المقام. وكان أمير المؤمنين ﵇ قد أرسل صحبة أصحابه عبد الله بن العبّاس- ﵁ فلما اجتمع الحكمان قال عمرو بن العاص لأبي موسى الأشعري: يا أبا موسى: ألست تعلم أنّ عثمان قتل مظلوما؟ قال: أشهد. قال: ألست تعلم أنّ معاوية وآل معاوية أولياؤه؟ قال: بلى. قال: فما منعك منه وبيته في قريش كما قد علمت؟ فإن خفت أن يقول الناس ليست له سابقة، فقل: وجدته وليّ عثمان الخليفة المظلوم، والطّالب بدمه، الحسن السياسة والتّدبير، وهو أخو أمّ حبيبة [٣] زوج النبيّ- صلوات الله عليه- وكاتبه وقد صحبه وعرّض عمرو لأبي موسى بولاية، ووعده عن معاوية بأشياء، فأبى موسى وقال معاذ الله أن أولّي لمعاوية وأن أقبل في حكم الله رشوة! فقال له عمرو: فما تقول في ابني عبد الله؟ وكان لعمرو ابن العاص ابن اسمه عبد الله [٤] من خيار الصحابة، ﵃، فأباه أبو موسى وقال لعمرو: إنّك
стр. 93
غمسته معك في هذه الفتنة، ولكن هل لك في إحياء اسم عمر بن الخطاب؟ وندبه إلى عبد الله بن عمر فأباه عمرو. فلما لم يتفقا قال له عمرو: يا أبا موسى فأي شيء هو رأيك؟ قال أبو موسى: رأيي أن نخلع عليّا ومعاوية- ﵄ من هذا الأمر ونريح الناس من هذه الفتنة، وندع أمر الناس شورى فيختار المسلمون لأمرهم من يجمعون عليه. قال عمرو- ﵁ نعم ما رأيت وأنا معك على ذلك. ولاح لعمرو وجه الحيلة. وكان قد عوّد أبا موسى الأشعريّ أن يتقدّمه في الكلام، يقول له: أنت صاحب رسول الله- ﵌ وأكبر سنّا. فتعوّد أبو موسى أن يتكلّم قبل عمرو فتقدم أبو موسى وقال: إني وعمرا قد اتفقنا على أمر نرجو فيه صلاح المسلمين. فتقدم عمرو وقال: صدق وبرّ، تقدّم يا أبا موسى: وأعلم الناس بما اتفقنا عليه فقام ابن عباس وقال لأبي موسى ويحك إني لأظنّه قد خدعك، وقد أوهمك أنه اتّفق معك على ما تريد، ثمّ قدّمك لتعترف به، فإذا اعترفت أنكره، فإنّه رجل غادر. فإن كنتما قد اتفقتما على شيء فقدّمه ليقوله قبلك: فقال أبو موسى: إنّا قد اتفقنا، ثم قال إننا قد اتّفقنا على أن نخلع عليّا ومعاوية وندع أمر المسلمين شورى، يختارون من أجمعوا عليه. وإني قد خلعت عليّا ومعاوية من الخلافة كما يخلع الخاتم من الإصبع. فتقدّم عمرو بن العاص- ﵁ وقال أيّها الناس قد سمعتم ما قال، وأنّه قد خلع صاحبه، وأنا أيضا قد خلعته معه وأثبتّ صاحبي معاوية، فأنكر أبو موسى وقال: إنّه غدر وكذب، وما على هذا اتّفقنا. فلم يستمع إليه، وتفرّق الناس، ومضى عمرو بن العاص وأهل الشام إلى معاوية وسلّموا عليه بالخلافة، ومضى ابن عبّاس وأصحاب عليّ- ﵇ إلى أمير المؤمنين وأخبروه بما جرى وأمّا أبو موسى: فإن أهل الشأم تطلّبوه فهرب إلى مكّة، وعلى ذلك انفصل أمر صفّين وكان ابتداؤه في سنة ست وثلاثين وانقضاؤها [١] في سنة سبع وثلاثين
стр. 94
حديث الخوارج وما كان منهم وما آلت بهم الحال إليه
لما جرى أمر التحكيم على الوجه المشروح، عاد الذين أشاروا بالتّحكيم وألزموا أمير المؤمنين- ﵇ الرّضا به فندموا عليه ونفروا وأتوا عليّا- ﵇ وقالوا: لا حكم إلا للَّه. قال عليّ- ﵇: لا حكم إلا للَّه. قالوا: فما لك حكّمت الرّجال؟ قال: إنّي لم أرض بقضيّة التّحكيم، وأنتم الذين رضيتموها. وإنّي أعلمتكم أنّها مكيدة من أهل الشأم وأمرتكم بقتال عدوّكم منهم فأبيتم إلا التّحكيم وغلبتموني على رأيي. فلما لم يبق بد من التحكيم، استوثقت وشرطت على الحكمين أن يعملا بكتاب الله ، وأن يحييا ما أحيا الكتاب، ويميتا ما أمات. فاختلفا وخالفا كتاب الله وعملا بالهوى. فنحن على الرأي الأوّل في قتالهم. قال الخوارج: أمّا نحن فلا ريب أنّا رضينا بالتحكيم أوّل الأمر، لكننا ندمنا عليه وعلمنا أنّا كنّا مخطئين فأنت إن أقررت على نفسك بالكفر واستغفرت الله من خطيئتك وتضييعك وتحكيمك الرّجال رجعنا معك إلى قتال عدوّك وعدوّنا، وإلا فها نحن قد نابذناك. فوعظهم بكلّ قول، وبصّرهم بكلّ وجه فلم يرجعوا.
واجتمعوا أمما من أهل البصرة والكوفة وغيرهم وقصدوا النّهروان [١] . وكان رأيهم أن يأتوا بعض المدن الحصينة فيتحصّنوا بها ويقاتلوا فيها. وصدرت منهم أمور متناقضة تدلّ على أنهم يخبطون خبط عشواء: منها أن رطبة سقطت من نخلة فتناولها رجل ووضعها في فيه فقالوا له: أكلتها غصبا وأخذتها بلا ثمن فألقاها. ومنها: أنّ خنزيرا لبعض أهل القرى مرّ بهم فضربه أحدهم بسيفه فعقره فقالوا هذا فساد في الأرض، فمضى الرّجل إلى صاحب الخنزير وأرضاه ومنها: أنهم كانوا يقتلون النفس التي حرّمت إلا بالحق [٢] : قتلوا عبد الله بن خباب- ﵁ وكان خباب من كبار الصّحابة. وقتلوا عدّة نساء وسبوا وفعلوا أفاعيل من
стр. 95
هذا القبيل. فلما بلغ عليّا- ﵇ أمرهم وقد كان خطب الناس في الكوفة وندبهم إلى قتال أهل الشّأم وإعادة الحرب جذعة قالوا: يا أمير المؤمنين: أين نمضي وندع هؤلاء الخوارج يخلفوننا في عيالنا وأموالنا؟ سر بنا إليهم فإذا فرغنا من قتالهم رجعنا إلى قتال أعدائنا من أهل الشأم: فسار- ﵇ بالنّاس إلى الخوارج فلقيهم على النّهروان وأبادهم. فكأنما قيل لهم موتوا فماتوا.
كرامة لأمير المؤمنين عليّ صلوات الله عليه
لما التقى الخوارج بالنّهروان أجفلوا قدّامه إلى ناحية الجسر. فظنّ الناس أنّهم قد عبروا الجسر، فقالوا لعليّ- ﵇: يا أمير المؤمنين: إنّهم قد عبروا الجسر فالقهم قبل أن يبعدوا. فقال أمير المؤمنين- ﵇: ما عبروا، وإنّ مصارعهم دون الجسر، وو الله لا يقتل منكم عشرة ولا يبقى منهم عشرة فشكّ الناس في قوله فلما أشرفوا على الجسر رأوهم لم يعبروا فكرّ أصحاب أمير المؤمنين- ﵇ وقالوا له: هو كما قلت يا أمير المؤمنين. قال:
نعم والله ما كذبت ولا كذبت. فلمّا انفصلت الوقعة وسكنت الحرب اعتبر القتلى من أصحاب عليّ- ﵇ فكانوا سبعة. وأما الخوارج: فذهبت طائفة منهم قبل أن تنشب الحرب وقالوا: والله ما ندري على أيّ شيء نقاتل عليّ- بن أبي طالب؟ سنأخذ ناحية حتى ننظر إلى ماذا يؤول الأمر. وأما الباقون: فثبتوا وقاتلوا فهلكوا جميعهم. ثم إنّ أمير المؤمنين- ﵇ لما انقضى أمر الخوارج رجع إلى الكوفة، وندب [١] الناس إلى قتال أهل الشّام فتثاقلوا. فأعاد القول عليهم ووعظهم وحثّهم على الجهاد فقالوا: يا أمير المؤمنين: كلّت سيوفنا وفنيت نبالنا، ومللنا من الحرب فأمهلنا نصلح أمورنا ونتوجّه- وكان قد عسكر ظاهر الكوفة- فأمهلهم وأمرهم أن يوطّنوا نفوسهم على الحرب، ونهاهم عن غشيان [٢] أهاليهم حتى يرجعوا من الشأم. فصاروا يتسلّلون ويدخلون الكوفة حتى خلا المعسكر منهم.
стр. 96
فبطل رأيه- ﵇ وكان ذلك في سنة ثمان وثلاثين.
وفاة الأربعة
وفاة أبي بكر- ﵁ -
أوّل من مات منهم أبو بكر. مات بالمدينة حتف أنفه في سنة ثلاث عشرة. وكان مرضه انتقاض [١] لسعة الحيّة التي لسعته ليلة الغار [٢] ودفن عند النبيّ- صلوات الله عليه وسلامه- في بيت عائشة ابنته- ﵂ زوج الرّسول. وكان الرّسول- صلوات الله عليه- لما قبض في بيتها. فدفن أبو بكر عنده، وعهد إلى عمر بن الخطّاب- ﵁ واستخلفه على الأمّة بعده.
مقتل عمر بن الخطّاب ﵁
لما وضع عمر بن الخطّاب- ﵁ الخراج اغتاظ من ذلك أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة. لأنه كان قد وضع الخراج على مولاه. وكان عمر ابن الخطّاب لقي أبا لؤلؤة فقال له: اصنع لي رحى فقال أبو لؤلؤة: لأصنعنّ لك رحى تدور مع الدهر. فقال عمر: يهدّدني العبد فطعنه وهو في الصلاة فبقي ثلاثة أيام ومات ودفن في تربة النبيّ- ﵇ وذلك في سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، وأمّا أبو لؤلؤة: فاجتمع الناس عليه فقتل منهم جماعة، ثم أخذ وقتل.
ذكر الشّورى وصفة الحال في ذلك
(قال محمّد بن عليّ بن طباطبا) : لمّا طعن عمر اجتمع إليه الناس وسألوه عمّن يتولى بعده، فجعل الأمر شورى- والشّورى في اللغة: هي المشاورة- ومعنى هذا: أنّ عمر لمّا أحسّ بالموت نظر فيمن يعهد إليه ويوليه أمر الأمّة، فلم
стр. 97
يصحّ رأيه في رجل واحد. فجعلها في ستّة من أكابر الصّحابة، وهم أصحاب الشورى أمير المؤمنين عليّ- ﵇ وعثمان بن عفّان، وطلحة، والزّبير وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقّاص- ﵃ وقال: كلّ من هؤلاء صالح للأمر بعدي. وأمرهم أن يتشاوروا ثلاثة أيّام، ثم يجمعوا على واحد من هؤلاء الستة. وكان طلحة- ﵁ غائبا، فقال عمر: إن قدم طلحة قبل الأيام الثلاثة وإلا فأمضوا أمركم. وأقام عليهم رجلا من الأنصار وقال: إنّ الله أعزّ بكم الإسلام فاختر خمسين رجلا من الأنصار، واستحثّ هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلا. وقال: إن اجتمعوا خمسة ورضوا واحدا منهم وأبى واحد فاشدخ [١] رأسه بالسّيف. وإن اتّفق أربعة وأبى اثنان فاضرب رأسيهما، وإن رضي ثلاثة منهم رجلا فحكّموا عبد الله بن عمر- يعني ابنه- فبأيّ الفريقين.
حكم فليختاروا رجلا منهم- وكان قد أمر بحضور ابنه في ذلك المقام مشيرا ولم يجعل له من الأمر شيئا- فإن لم تختاروا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، واقتلوا الباقين إن رغبوا عما اجتمع عليه الناس» فلم يجر ممّا قال شيء، بل لمّا مات بويع عثمان بن عفّان وكان من الأمر ما كان.
مقتل عثمان بن عفّان
(قال ابن طباطبا) : وسببه أنّ ناسا من المسلمين نقموا عليه تجاوزه لطريقة صاحبيه أبي بكر وعمر- ﵄ من التقلّل والكفّ عن اموال المسلمين وكان هو قد فرّق جملة منها على أقاربه ووسّع على عياله وأهله. فمن جملة ما فعل: أنّه أعطى عبد الله بن خالد [٢] بن أسيد خمسين ألف درهم، وأعطى
стр. 98
مروان بن الحكم [١] خمسة عشر ألفا، ولم يكن المسلمون اعتادوا مثل هذا التبذير، وعهدهم قريب بضبط أبي بكر وعمر- ﵄ فنفروا من ذلك، وجرت بينهم وبينه معاتبات ومقاولات. فاعتذر إليهم بأن أبا بكر وعمر- ﵄ منعا أنفسهما وأهلهما احتسابا للَّه، وتركا حقّ نفوسهما، وأنا صاحب عيال مددت يدي فوسّعت عليّ وعلى أهلي بشيء من هذا المال، فإن سخطتم هذا فأمري لأمركم تبع. فقالوا أحسنت وأنصفت إذ أعطيت عبد الله بن خالد خمسين ألفا، ومروان خمسة عشر ألفا؟ قال: فإنّي أستعيد ذلك منهما. واستعاد ما أعطاهما. وكان إذا عاتبوه على صادرات أموره التي يحمله عليها ويحسّنها له مروان بن الحكم، يعتذر مرّة، ويلتزم لهم ما يشيرون به عليه، ويحتجّ مرّة. وفشا الأمر فاجتمع ناس من أهل الأمصار على حربه فجاء أهل مصر وناس من كلّ صقع وعزموا على قتله. فخرج ليلا وجاء إلى أمير المؤمنين- ﵇ وقال له: يا ابن عمّ لي عليك حقّ وقد قصدتك، ولك عند هؤلاء القوم منزلة وهم يقبلون قولك، وقد ترى جرأتهم عليّ، فاخرج إليهم وردّهم عنّي، فركب عليّ- ﵇ وردّ الناس عنه وضمن لهم حسن السيرة فرجعوا ثم أعضل [٢] الخطب وزيّن له مروان بن الحكم أمورا نقمها الناس، فاجتمعوا عليه من كلّ صوب وأحاطوا به وحصروه في داره، فأرسل إلى عليّ- ﵇ يستنصره فأرسل إليه ابنه الحسن- ﵇ فقاتل عنه قتالا شديدا، حتى كان يستكفّه [٣] وهو يقاتل عنه ويبذل نفسه دونه. وتكاثر الناس عليه فدخلوا عليه الدّار وخبطوه بالسّيوف، وهو صائم والمصحف في حجره، وهو يقرأ فيه فوقع المصحف
стр. 99
بين يديه وسال الدّم عليه فقامت زوجته «نائلة» [١] لتتلقى عنه الضّرب بيدها، فأصاب السّيف أصابعها فأبانها- وهي الأصابع التي كان يعلقها معاوية ﵁ على منبر الشام مع قميص عثمان ليرقّق الناس- فولّت المرأة دهشة. ثمّ قتل عثمان ﵁ واحتزّوا رأسه، فوقع نساؤه عليه وصحن وبكين. فقال بعضهم: دعوه فتركوه. ثم داس رجل من أهل الكوفة يقال له عمير [٢] بن ضابىء البرجميّ أضلاعه فكسرها ثم نهبت داره حتى أخذ ما على النّساء. ثمّ حمل في تابوت بعد أيّام ليدفن، فقعد جماعة على الطّريق يريدون رجمه. فأرسل أمير المؤمنين عليّ- ﵇ إليهم فردّهم عن ذلك، ودفن قريبا من البقيع. ثمّ بعد ذلك اشترى معاوية- ﵁ ما حول قبره ومزجه بمقابر المسلمين وأباح للناس الدفن حوله وكان ذلك سنة خمس وثلاثين من الهجرة، وسمّي يوم قتله يوم الدار. لأنّهم هجموا عليه في داره وقتلوه بها.
مقتل أمير المؤمنين عليّ ﵇
(قال محمّد بن عليّ بن طباطبا صاحب الفخري) : نقل من عدّة جهات، أنّ أمير المؤمنين عليّ- بن أبي طالب- ﵇ كان يقول دائما: ما يمنع أشقاكم أن يخضب هذه من هذا؟ يعني لحيته بدم رأسه! وكان إذا رأى عبد الرحمن [٣] ابن ملجم- لعنه الله- ينشد:
стр. 100
أريد حباءه [١] فيريد قتلي ... عذيرك [٢] من خليلك من مراد
(وافر) وكان يقال له إذا جرى على لفظه مثل هذا: يا أمير المؤمنين: فلم لا تقتله؟ فيقول: كيف أقتل قاتلي؟ وهذا يدلّ على أنّ رسول الله ﷺ أعلمه بذلك في جملة ما أعلمه به. وممّا يؤكّد هذا ما روي عن أنس بن مالك [٣]﵁ قال: مرض عليّ- ﵇ فدخلت عليه أعوده وعنده أبو بكر وعمر- ﵄ فجلسنا عنده ساعة، فأتى رسول الله- صلوات الله عليه- فنظر في وجهه، فقال له أبو بكر- ﵁ يا نبيّ الله: إنّا نراه مائتا فقال: «لن يموت هذا الآن، ولن يموت حتّى يملأ غيظا ولن يموت إلا مقتولا» . وكان عليّ- ﵇ دائما يحسن إلى ابن ملجم لعنه الله. قالوا: فلما دخل شهر رمضان من سنة أربعين، كان عليّ- ﵇ يفطر ليلة عند الحسن وليلة عند الحسين، وليلة عند ابن أخيه عبد الله بن جعفر الطيّار ﵈، فإذا أكل لا يزيد على ثلاث لقم ويقول: إنّما هي ليلة أو ليلتان، ويأتي أمر الله وأنا خميص. فلم يمض إلا ليال قلائل حتّى قتل ﵇. وقيل: إنّه قتل في شهر ربيع الآخر. والأوّل أصحّ وهو المعوّل عليه.
وأما كيفيّة قتله- ﵇: فهي أنه خرج من داره بالكوفة أوّل الفجر فجعل ينادي: الصلاة يرحمكم الله فضربه ابن ملجم- لعنه الله- بالسيف على أمّ رأسه وقال: الحكم للَّه لا لك يا عليّ، وصاح الناس وهرب ابن ملجم، فقال أمير المؤمنين. لا يفوتكم الرجل، فشد الناس عليه فأخذوه، واستناب عليّ- ﵇ في صلاة الصبح بعض أصحابه وأدخل داره فقال: أحضروا الرّجل
стр. 101
عندي، فلما حضر عنده قال له: يا عدوّ الله، ألم أحسن إليك؟ قال: بلى، قال فما حملك على هذا؟ قال: شحذته أربعين صباحا، وسألت الله أن يقتل به شرّ خلقه، فقال أمير المؤمنين «لا أراك إلا مقتولا به، ولا أراك إلا من شرّ خلق الله» ثم قال ﵇: «النّفس بالنّفس إن هلكت فاقتلوه كما قتلني، وإن بقيت رأيت فيه رأيي. يا بني عبد المطّلب: لا تجمّعوا من كل صوب تقولون: قتل أمير المؤمنين. ألا لا يقتلن بي إلا قاتلي» ثم التفت إلى ابنه الحسن- ﵇ وقال: «انظر يا حسن إذا أنا متّ من ضربتي هذه فاضربه ضربة بضربة، ولا تمثّلن بالرّجل، فإنّي سمعت رسول الله- صلوات الله عليه- يقول: «إياكم والمثلة [١] ولو بالكلب العقور [٢] » . ثمّ وصّى بنيه بتقوى الله تعالى وبإقامة الصلاة لوقتها. وإيتاء الزكاة عند محلّها، وحسن الوضوء، وغفر الذنب وكظم الغيظ، وصلة الرحم، والحلم عن الجاهل، والتفقّه في الدين، والتثبّت للأمر والتعاهد للقرآن، وحسن الجوار، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجتناب الفواحش. ثم كتب وصيّته ولم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتّى قبض- صلوات الله عليه وسلامه- فلما قبض بعث الحسن- ﵇ إلى ابن ملجم فأحضره، فقال للحسن: هل لك في أمر؟ إنّي والله قد أعطيت الله عهدا ألا أعاهد عهدا إلا وفيت به. وإني عاهدت الله عند الحطيم [٣] أن أقتل عليّا ومعاوية أو أموت دونهما. فخلّ بيني وبين معاوية حتّى أمضي وأقتله ولك عهد الله على أنّي إن لم أقتله أو قتلته وسلمت، أن أجيء إليك حتّى أضع يدي في يدك» فقال الحسن: لا والله حتّى تذوق النار. ثم قدّمه فقتله، وأخذه الناس فأدرجوه [٤] في بواري [٥] وأحرقوه بالنار.
стр. 102
وأما مدفن أمير المؤمنين ﵇: فإنه دفن ليلا بالغريّ [١] ، ثم عفا قبره إلى أن ظهر حيث مشهده الآن (صلوات الله عليه وسلامه) .
وأمّا السّبب الّذي حمل ابن ملجم- لعنه الله- على قتله، فهو أن ابن ملجم كان أحد الخوارج، فاجتمع برجلين من الخوارج، وتذاكروا من قتل أمير المؤمنين ﵇ منهم بالنّهروان. وقالوا: ما في الحياة بعد أصحابنا نفع، وتواعدوا على أن يقتل كلّ واحد منهم واحدا من ثلاثة: عليّ بن أبي طالب، ومعاوية وعمرو ابن العاص ﵃ فقال ابن ملجم: أنا أكفيكم عليّا، وقال الآخر: أنا أكفيكم معاوية وقال الآخر: أنا أكفيكم عمرا. فأما ابن ملجم لعنه الله: فإنّه رأى امرأة جميلة من بنات الخوارج فهويها فخطبها فقالت له: أريد كذا وكذا، وأريد أن تقتل عليّ بن أبي طالب، فقال لها: ما جئت إلا لقتله، والتزم لها أن يقتله، ثم قتله وقتل بعده. وأما الآخر فإنّه مضى إلى معاوية فقعد له حتّى خرج فضربه بالسيف على فخذه فلم يصنع طائلا. وتطبّب لها معاوية فبرئ وقتل الرجل، وقيل، لم يقتله. وأما الآخر فمضى إلى مصر لقتل عمرو بن العاص فقعد له، فاتفق أنّ عمرا انحرف مزاجه في تلك الليلة، فلم يخرج في صبيحتها إلى الصلاة واستناب بعض أصحابه فلما طلع أعتقده الرجل عمرا فضربه فقتله، فقبضوه وأحضروه إلى عمرو، فلما رأى الناس يسلّمون عليه بالإمارة قال من هذا؟ قالوا: الأمير عمرو ابن العاص، قال: فمن قتلت، قالوا: نائبة. وكان اسمه خارجة فقال الرجل لعمرو ابن العاص: أما والله يا فاسق ما أردت غيرك! فقال عمرو: أردتني وأراد الله خارجة. ثم قدّمه عمرو فقتله. ولما بلغ عائشة ﵂ قتل عليّ ﵇ قالت:
فألقت عصاها واستقرّ بها النّوى ... كما قرّ عينا بالإياب المسافر [٢]
(طويل)
стр. 103
الدولة الثانية: الدولة الأموية وهي التي تسلّمت الملك من الدولة الأولى
لما قتل أمير المؤمنين- صلوات الله عليه- بايع الناس الحسن بن عليّ- ﵉ فمكث شهورا حتى اجتمع هو ومعاوية، فتصالحا للمصلحة الحاضرة التي كان الحسن- ﵇ أعلم بها، وسلّم الخلافة إليه وتوّجه نحو المدينة. وبويع معاوية- ﵁ بالخلافة العامّة، ودعي بأمير المؤمنين، وذلك في سنة أربعين من الهجرة.
ذكر شيء من سيرة معاوية، ووصف طرف من حاله
هو معاوية بن أبي سفيان، صخر بن حرب بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف كان أبوه أبو سفيان أحد أشياخ مكّة، أسلم في السنة التي فتح الرسول- ﵌ فيها مكّة. وأسلم معاوية وكتب الوحي في جملة من كتبه بين يدي الرسول- ﵌ وكانت أمّه هند بنت عتبة شريفة في قريش أسلمت عام الفتح، وكانت في وقعة أحد. لما صرع حمزة بن عبد المطّلب- ﵁ عمّ رسول الله- ﵌ من طعنة الحربة التي طعنها. جاءت هند فمثّلت بحمزة، وأخذت قطعة من كبده فمضغتها حنقا عليه، لأنّه كان قد قتل رجالا من أقاربها. فلذلك يقال لمعاوية ابن آكلة الأكباد.
ولمّا فتح النبيّ- ﵌ مكّة، حضرت إليه متنكّرة في جملة نساء من نساء مكّة أتين لمبايعته. فلما تقدّمت هند لمبايعته اشترط- صلوات الله عليه وآله- شروط الإسلام عليها، وهو لا يعلم أنّها هند فأجابته بأجوبة قوية على خوفها منه، فلما قال لها وقالت، قال لها- صلوات الله عليه
стр. 104
وآله وسلم-: «تبايعنني على ألا تقتلن أولادكن؟» وكانوا في الجاهلية يقتلون الأولاد- فقالت هند: «أمّا نحن فقد ربيناهم صغارا وقتلتهم كبارا يوم بدر» فقال: «وعلى ألا تعصينني في معروف؟» قالت: «ما جلسنا هذا المجلس وفي عزمنا أن نعصيك» قال: «وعلى ألا تسرقن؟» قالت: «والله ما سرقت عمري شيئا، اللَّهمّ إلا أنني كنت آخذ من مال أبي سفيان شيئا في بعض الوقت» وكان أبو سفيان زوجها حاضرا، فحينئذ علم رسول الله- ﵌ أنّها هند، فقال هند؟ قالت: نعم، يا رسول الله! فلم يقل شيئا لأن الإسلام جبّ [١] ما قبله. وأما معاوية- ﵁ فكان عاقلا في دنياه، لبيبا عالما حليما، ملكا قويّا، جيّد السياسة حسن التّدبير لأمور الدنيا، عاقلا حكيما فصيحا، بليغا يحلم في موضع الحلم، ويشتد في موضع الشدة، إلا أن الحلم كان أغلب عليه. وكان كريما باذلا للمال، محبّا للرئاسة مشغولا بها. كان يفضل على أشراف رعيته كثيرا. فلا يزال أشراف قريش مثل عبد الله بن العبّاس، وعبد الله ابن الزبير، وعبد الله بن جعفر الطيّار وعبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وأبان بن عثمان بن عفّان، وناس من آل أبي طالب- ﵃ يفدون عليه بدمشق فيكرم مثواهم، ويحسن قراهم، ويقضي حوائجهم ولا يزالون يحدّثونه أغلظ الحديث ويجبهونه أقبح الجبه [٢] ، وهو يداعبهم تارة، ويتغافل عنهم أخرى، ولا يعيدهم إلا بالجوائز السنيّة، والصّلات الجمّة، قال يوما لقيس بن (سعد بن عبادة) [٣]﵁ وهو رجل من الأنصار: «يا قيس والله كنت أودّ أن تنكشف الحروب التي كانت بيني وبين عليّ- ﵇ وأنت حيّ» فقال قيس: (والله إني كنت أكره أن تنكشف تلك الحروب وأنت أمير المؤمنين)
стр. 105
فلم يقل له شيئا. وهذا من أجل ما كانوا يخاطبونه به!.
وبعث إلى رجل من الأنصار بخمسمائة دينار فاستقلها الأنصاريّ، وقال لابنه: خذها وامض إلى معاوية، فاضرب بها وجهه، وردّها عليه. وأقسم على ابنه أن يفعل ذلك. فجاء ابنه إلى معاوية ومعه الدراهم، قال: يا أمير المؤمنين:
إن أبي فيه حدّة وسرعة. وقد أمرني بكيت وكيت، وأقسم عليّ، وما أقدر على مخالفته. فوضع معاوية يده على وجهه وقال: افعل ما أمرك أبوك وارفق بعمّك.
فاستحيا الصبيّ ورمى بالدراهم، فضاعفها معاوية وحملها إلى الأنصاري. وبلغ الخبر يزيد ابنه، فدخل على معاوية غضبان وقال: «لقد أفرطت في الحلم حتى خفت أن يعدّ ذلك منك ضعفا وجبنا» فقال معاوية: «أي بنيّ: إنه لا يكون مع الحلم ندامة ولا مذمّة، فامض لشأنك، ودعني ورأيي» وبمثل هذه السيرة صار خليفة العالم وخضع له من أبناء المهاجرين والأنصار، كلّ من يعتقد أنه أولى منه بالخلافة. وكان معاوية- ﵁ من أدهى الدهاة: روي أنّ عمر بن الخطّاب- ﵁ قال لجلسائه: تذكرون كسرى وقيصر ودهاءهما، وعندكم معاوية؟! ومن دهائه ما اعتهده من استمالة عمرو بن العاص. وكان عمرو بن العاص أحد الدهاة، وكان أوّل ما نشبت الفتنة بين أمير المؤمنين عليّ- ﵇ ومعاوية معتزلا للفريقين، فرأى معاوية أن يستميله ويتقوّى برأيه، ودهائه ومكره فاستماله ووصل حبله بحبله [١] وولاه مصر ودخل معه في تلك المداخل، وفعل في صفين تلك الأفاعيل. ولم يكن بينهما مع ذلك مودّة قلبيّة، وكانا يتباغضان سرّا، وربّما ظهر ذلك على صفحات وجوههما. وفلتات ألسنتهما:
طلب أمير المؤمنين- ﵇ في صفّين [٢] من معاوية أن يخرج إلى مبارزته فقال له عمرو بن العاص- ﵁: قد أنصفك ولا يحسن بك النكول عن مبارزته فقال له معاوية: غششتني وأحببت قتلي. ألست تعلم أن ابن
стр. 106
أبي طالب لا يبرز له أحد إلا قتله؟!.
وقال معاوية يوما لجلسائه: ما أعجب الأشياء؟ فقال يزيد: أعجب الأشياء هذا السّحاب الراكد بين السماء والأرض، لا يدعمه شيء من تحته، ولا هو منوط بشيء من فوقه. وقال أخر: أعجب الأشياء حظّ يناله جاهل، وحرمان يناله عاقل. وقال آخر: أعجب الأشياء ما لم ير مثله. وقال عمرو بن العاص: أعجب الأشياء أن المبطل يغلب المحقّ (يعرّض بعليّ ﵇ ومعاوية) فقال معاوية بل أعجب الأشياء أن يعطى الإنسان ما لا يستحقّ إذا كان لا يخاف. (يعرض بعمرو ومصر) فنفث كلّ منهما بما في صدره من الآخر!.
واعلم أنّ معاوية كان مربّي دول، وسائس أمم، وراعي ممالك. ابتكر في الدولة أشياء لم يسبقه أحد إليها، منها: أنّه أوّل من وضع الحشم للملوك، ورفع الحراب بين أيديهم، ووضع المقصورة التي يصلّي الملك أو الخليفة بها في الجامع منفردا من الناس. وذلك لخوفه ممّا جرى لأمير المؤمنين- ﵇ فصار يصلّي منفردا في مقصورة، فإذا سجد قام الحرس على رأسه بالسيوف. وهو أوّل من وضع البريد لوصول الأخبار بسرعة.
كلام في معنى البريد
البريد: أن يجعل خيل مضمرات في عدّة أماكن، فإذا وصل صاحب الخبر المسرع إلى مكان منها، وقد تعب فرسه، ركب غيره فرسا مستريحا. وكذلك يفعل في المكان الآخر حتّى يصل بسرعة. وأمّا معناه اللغويّ: فالبريد هو اثنا عشر ميلا. وأظنّ أن الغاية التي كانوا قدّروها بين بريد وبريد، هي هذا القدر.
وقال الصاحب علاء الدين عطا ملك في جهان كشاي: «ومن جملة الأشياء وضعهم البريد بكلّ مكان طلبا لحفظ الأموال، وسرعة وصول الأخبار ومتجدّدات الأحوال» وما أرى للبريد فائدة سوى سرعة وصول الأخبار فأمّا حفظ الأموال: فأيّ تعلّق له بذلك؟!.
стр. 107
وممّا اخترع معاوية- ﵁ من أمور الملك: ديوان الخاتم.
وهذا ديوان معتبر من أكبر الدواوين، ولم تزل السنّة جارية به إلى أواسط دولة بني العبّاس فأسقط، ومعناه: أن يكون ديوان، وبه نوّاب فإذا صدر توقيع من الخليفة بأمر من الأمور، أحضر التوقيع إلى ذلك الديوان، وأثبتت نسخته فيه، وحزم بخيط وختم بشمع- كما يفعل في هذا الزمان بكتب القضاة- وختم بخاتم صاحب ذلك الديوان.
وكان الّذي حمل معاوية- ﵁ على اختراع هذا الديوان، أنّه أحال رجلا على زياد بن أبيه أمير العراق بمائة ألف درهم، فمضى ذلك الرجل وقرأ الكتاب (وكانت تواقيعهم تصدر غير مختومة فجعل المائة مائتين) فلما رفع زياد حسابه إلى معاوية- ﵁ أنكر معاوية ذلك، وقال: ما أحلته إلا بمائة ألف، ثم استعادها منه ووضع ديوان الخاتم، فصارت التواقيع تصدر منه مختومة، لا يدري أحد ما فيها، ولا يتمكّن أحد من تغييرها. وكان معاوية- ﵁ مصروف الهمّة إلى تدبير أمر الدنيا، يهون عليه كلّ شيء إذا انتظم أمر الملك. فانظر إلى وصف عبد الملك بن مروان له، فإنه لحظ فيه هذا المعنى. قالوا: إنّ عبد الملك بن مروان مرّ بقبر معاوية- ﵁ فترحّم عليه، فقال له رجل: قبر من هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: «قبر رجل كان والله فيما علمته ينطق عن علم، ويسكت عن حلم. كان إذا أعطى أغنى وإذا حارب أفنى» ووصفه أيضا عبد الله بن العباس- وكان من النقّاد- فقال: «ما رأيت أليق من أعطاف [١] معاوية بالرّياسة والملك» . وقال له بعض بني أمية: «والله لو قدرت أن تستكثر [٢] بالزّنج لاستكثرت بهم لينتظم لك أمر الملك» .
وكان معاوية- ﵁ نهما شحيحا عند الطّعام، على كرمه وسماحته. فأمّا نهمّه. فقالوا: إنه كان يأكل في كلّ يوم خمس أكلات أخرهنّ
стр. 108
أغلظهنّ [١] ، ثمّ يقول: يا غلام: ارفع فو الله ما شبعت، ولكن مللت. وروي أنه أصلح له عجل مشويّ فأكل معه دستا [٢] من الخبز السّميذ [٣] ، وأربع فراني [٤] وجديا حارا، وآخر باردا سوى الألوان ووضع بين يديه مائة رطل من الباقلى [٥] الرّطب فأتى عليه وأما شحّه على الأكل: فإنّ ابن أبي بكرة دخل عليه ومعه ابنه، فجعل ابنه يأكل أكلا مفرطا، ومعاوية يلحظه وفطن ابن أبي بكرة لحنق معاوية- ﵁ ففي الغد حضر الأب وليس معه ابنه، فقال له معاوية: ما فعل ابنك؟ قال: يا أمير المؤمنين: انحرف مزاجه. قال: قد علمت أنّ تلك الأكلة ما كانت تتركه حتى تهيضه وها هنا موضع حكاية حسنة، تدلّ على كرم ومروءة ونبل: كان بعض الوزراء مشغوفا بالأكل، ويحب كلّ من يأكل معه وكلّ من كان أكثر أكلا كان أقرب إلى قلبه فاتّفق أنه قصده بعض الأكابر من العلويّين وكل عليه [٦] وجوها من خراج وضمان وغير ذلك، وطلبه بها، فوكل عليه في نفس داره أعني دار الوزير. ففي بعض الأيّام مدّ السّماط بين يدي الوزير، فقال العلويّ للموكلين به: إنّي جائع، فهل تأذنون أن أخرج إلى السّماط وأنتم معي، فآكل وأعود إلى هذا الموضع؟ وكان العلويّ قد فطن لطبع الوزير في ذلك، فاستحيوا منه، وأذنوا له في ذلك فخرج، وجلس في أخريات السّماط وجعل يأكل بينهم فلحظه الوزير وهو مقبل على الأكل، فاستدناه ورفعه إلى صدر المجلس وقدّم له من أطائب ذلك الطعام. ولما بالغ في الأكل زادت بشاشة الوزير وطلاقته. فلمّا رفع الطعام استدعى الوزير كانونا فيه نار، وأحضر الحساب الّذي رفع على الرجل به، وقال: أيّها السيّد: قد أراحك الله من هذا المال، وأنت في
стр. 109
حلّ منه وو الله وحقّ جدّك- صلوات الله عليه- ليس عندي بهذا الحساب ولا في الديوان به غير هذه النّسخة. ثم ألقاها في الكانون فاحترقت وأفرج عنه وأذن له في الرّواح إلى منزله.
وكانت وفاة معاوية ﵁ في سنة ستّين من الهجرة. ولما أدركته الوفاة أوصى إلى ابنه يزيد وصيّة تدلّ على عقله ولبّه، وخبرته بالأمور ومعرفته بالرّجال فلم يعمل يزيد بشيء منها وقد أثبتها ها هنا لحسنها وسدادها.
قالوا: لمّا مرض معاوية- ﵁ مرضه الّذي مات فيه، دعا ابنه يزيد فقال له: «يا بنيّ! إنّي كفيتك الشدّ والترحال، ووطّأت لك الأمور، وذلّلت لك الأعداء، وأخضعت لك رقاب العرب، وجمعت لك ما لم يجمعه أحد.
فانظر أهل الحجاز فإنّهم أصلك، فأكرم من قدم عليك منهم وتعهّد من غاب، وانظر أهل العراق فإن سألوك أن تعزل كلّ يوم عاملا فافعل، فإنّ عزل عامل أيسر من أن يشهر مائة ألف سيف. وانظر أهل الشام، وليكونوا بطانتك، فإن رابك من عدوّك شيء فانتصر بهم، فإذا أصبتهم فاردد أهل الشام إلى بلادهم، فإنّهم إن أقاموا بها تغيّرت أخلاقهم وإنّي لست أخاف عليك أن ينازعك في هذا الأمر إلا أربعة من قريش: الحسين بن عليّ وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر- ﵃ فأما ابن عمر: فرجل قد وقذته [١] العبادة، وإذا لم يبق أحد غيره بايعك. وأمّا الحسين بن عليّ: فهو رجل خفيف، ولن يتركه أهل العراق حتى يخرجوه. فإن خرج وظفرت به فاصفح عنه فإن له رحما ماسّة، وحقّا عظيما، وقرابة من محمّد صلوات الله عليه وسلامه. وأمّا ابن أبي بكر، فإن رأى أصحابه صنعوا شيئا صنع مثله. ليست له همّة إلا في النّساء واللهو. وأما الّذي يجثم لك جثوم الأسد ويراوغك مراوغة الثعلب، فإن أمكنته فرصة وثب فذاك ابن الزّبير. فإن هو وثب عليك فظفرت به فقطّعه إربا إربا واحقن دماء [٢] قومك ما استطعت.
стр. 110
وفي هذه الوصيّة دليل على ما سبق من وفور رغبته في تدبير الملك، وشدّة كلفه بالرّياسة.
ثمّ ملك بعده ابنه يزيد
كان موفّر الرغبة في اللهو والقنص، والخمر والنّساء والشّعر، وكان فصيحا كريما شاعرا مفلقا [١] . قالوا: بدئ الشّعر بملك، وختم بملك. إشارة إلى امرئ القيس وإليه، فمن شعره:
جاءت بوجه كأنّ البدر برقعة [٢] ... نورا على مائس [٣] كالغصن معتدل
إحدى يديها تعاطيني [٤] مشعشعة [٥] ... كخدّها عصفرته [٦] صبغة الخجل
ثمّ استبدّت وقالت، وهي عالمة ... بما تقول وشمس الراح لم تفل [٧]
لا ترحلنّ فما أبقيت من جلدي ... ما أستطيع به توديع مرتحل
ولا من النّوم ما ألقى الخيال به ... ولا من الدّمع ما أبكي على الطلل
كانت ولايته على أصحّ القولين ثلاث سنين وستّة أشهر. ففي السنة الأولى قتل الحسين بن عليّ ﵉، وفي السنة الثانية نهب المدينة وأباحها ثلاثة أيّام وفي السنة الثالثة غزا الكعبة.
فنبدأ بشرح قتل الحسين ﵇.
شرح كيفيّة الحال في ذلك على وجه الاختصار
هذه قضيّة لا أحبّ بسط القول فيها استعظاما لها واستفظاعا، فإنّها قضيّة لم يجر في الإسلام أعظم فحشا منها. ولعمري إنّ قتل أمير المؤمنين- ﵇ هو الطامّة الكبرى، ولكنّ هذه القضيّة جرى فيها من القتل الشنيع والسيء، أو