← Сияса и кади

Сияса и кади · id 12400

الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية

ابن الطقطقي

Полный текст (316 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أبي طالب لا يبرز له أحد إلا قتله؟!. وقال معاوية يوما لجلسائه: ما أعجب الأشياء؟ فقال يزيد: أعجب الأشياء هذا السّحاب الراكد بين السماء والأرض، لا يدعمه شيء من تحته، ولا هو منوط بشيء من فوقه. وقال أخر: أعجب الأشياء حظّ يناله جاهل، وحرمان يناله عاقل. وقال آخر: أعجب الأشياء ما لم ير مثله. وقال عمرو بن العاص: أعجب الأشياء أن المبطل يغلب المحقّ (يعرّض بعليّ ﵇ ومعاوية) فقال معاوية بل أعجب الأشياء أن يعطى الإنسان ما لا يستحقّ إذا كان لا يخاف. (يعرض بعمرو ومصر) فنفث كلّ منهما بما في صدره من الآخر!. واعلم أنّ معاوية كان مربّي دول، وسائس أمم، وراعي ممالك. ابتكر في الدولة أشياء لم يسبقه أحد إليها، منها: أنّه أوّل من وضع الحشم للملوك، ورفع الحراب بين أيديهم، ووضع المقصورة التي يصلّي الملك أو الخليفة بها في الجامع منفردا من الناس. وذلك لخوفه ممّا جرى لأمير المؤمنين- ﵇ فصار يصلّي منفردا في مقصورة، فإذا سجد قام الحرس على رأسه بالسيوف. وهو أوّل من وضع البريد لوصول الأخبار بسرعة. كلام في معنى البريد البريد: أن يجعل خيل مضمرات في عدّة أماكن، فإذا وصل صاحب الخبر المسرع إلى مكان منها، وقد تعب فرسه، ركب غيره فرسا مستريحا. وكذلك يفعل في المكان الآخر حتّى يصل بسرعة. وأمّا معناه اللغويّ: فالبريد هو اثنا عشر ميلا. وأظنّ أن الغاية التي كانوا قدّروها بين بريد وبريد، هي هذا القدر. وقال الصاحب علاء الدين عطا ملك في جهان كشاي: «ومن جملة الأشياء وضعهم البريد بكلّ مكان طلبا لحفظ الأموال، وسرعة وصول الأخبار ومتجدّدات الأحوال» وما أرى للبريد فائدة سوى سرعة وصول الأخبار فأمّا حفظ الأموال: فأيّ تعلّق له بذلك؟!.

стр. 107

وممّا اخترع معاوية- ﵁ من أمور الملك: ديوان الخاتم. وهذا ديوان معتبر من أكبر الدواوين، ولم تزل السنّة جارية به إلى أواسط دولة بني العبّاس فأسقط، ومعناه: أن يكون ديوان، وبه نوّاب فإذا صدر توقيع من الخليفة بأمر من الأمور، أحضر التوقيع إلى ذلك الديوان، وأثبتت نسخته فيه، وحزم بخيط وختم بشمع- كما يفعل في هذا الزمان بكتب القضاة- وختم بخاتم صاحب ذلك الديوان. وكان الّذي حمل معاوية- ﵁ على اختراع هذا الديوان، أنّه أحال رجلا على زياد بن أبيه أمير العراق بمائة ألف درهم، فمضى ذلك الرجل وقرأ الكتاب (وكانت تواقيعهم تصدر غير مختومة فجعل المائة مائتين) فلما رفع زياد حسابه إلى معاوية- ﵁ أنكر معاوية ذلك، وقال: ما أحلته إلا بمائة ألف، ثم استعادها منه ووضع ديوان الخاتم، فصارت التواقيع تصدر منه مختومة، لا يدري أحد ما فيها، ولا يتمكّن أحد من تغييرها. وكان معاوية- ﵁ مصروف الهمّة إلى تدبير أمر الدنيا، يهون عليه كلّ شيء إذا انتظم أمر الملك. فانظر إلى وصف عبد الملك بن مروان له، فإنه لحظ فيه هذا المعنى. قالوا: إنّ عبد الملك بن مروان مرّ بقبر معاوية- ﵁ فترحّم عليه، فقال له رجل: قبر من هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: «قبر رجل كان والله فيما علمته ينطق عن علم، ويسكت عن حلم. كان إذا أعطى أغنى وإذا حارب أفنى» ووصفه أيضا عبد الله بن العباس- وكان من النقّاد- فقال: «ما رأيت أليق من أعطاف [١] معاوية بالرّياسة والملك» . وقال له بعض بني أمية: «والله لو قدرت أن تستكثر [٢] بالزّنج لاستكثرت بهم لينتظم لك أمر الملك» . وكان معاوية- ﵁ نهما شحيحا عند الطّعام، على كرمه وسماحته. فأمّا نهمّه. فقالوا: إنه كان يأكل في كلّ يوم خمس أكلات أخرهنّ

стр. 108

أغلظهنّ [١] ، ثمّ يقول: يا غلام: ارفع فو الله ما شبعت، ولكن مللت. وروي أنه أصلح له عجل مشويّ فأكل معه دستا [٢] من الخبز السّميذ [٣] ، وأربع فراني [٤] وجديا حارا، وآخر باردا سوى الألوان ووضع بين يديه مائة رطل من الباقلى [٥] الرّطب فأتى عليه وأما شحّه على الأكل: فإنّ ابن أبي بكرة دخل عليه ومعه ابنه، فجعل ابنه يأكل أكلا مفرطا، ومعاوية يلحظه وفطن ابن أبي بكرة لحنق معاوية- ﵁ ففي الغد حضر الأب وليس معه ابنه، فقال له معاوية: ما فعل ابنك؟ قال: يا أمير المؤمنين: انحرف مزاجه. قال: قد علمت أنّ تلك الأكلة ما كانت تتركه حتى تهيضه وها هنا موضع حكاية حسنة، تدلّ على كرم ومروءة ونبل: كان بعض الوزراء مشغوفا بالأكل، ويحب كلّ من يأكل معه وكلّ من كان أكثر أكلا كان أقرب إلى قلبه فاتّفق أنه قصده بعض الأكابر من العلويّين وكل عليه [٦] وجوها من خراج وضمان وغير ذلك، وطلبه بها، فوكل عليه في نفس داره أعني دار الوزير. ففي بعض الأيّام مدّ السّماط بين يدي الوزير، فقال العلويّ للموكلين به: إنّي جائع، فهل تأذنون أن أخرج إلى السّماط وأنتم معي، فآكل وأعود إلى هذا الموضع؟ وكان العلويّ قد فطن لطبع الوزير في ذلك، فاستحيوا منه، وأذنوا له في ذلك فخرج، وجلس في أخريات السّماط وجعل يأكل بينهم فلحظه الوزير وهو مقبل على الأكل، فاستدناه ورفعه إلى صدر المجلس وقدّم له من أطائب ذلك الطعام. ولما بالغ في الأكل زادت بشاشة الوزير وطلاقته. فلمّا رفع الطعام استدعى الوزير كانونا فيه نار، وأحضر الحساب الّذي رفع على الرجل به، وقال: أيّها السيّد: قد أراحك الله من هذا المال، وأنت في

стр. 109

حلّ منه وو الله وحقّ جدّك- صلوات الله عليه- ليس عندي بهذا الحساب ولا في الديوان به غير هذه النّسخة. ثم ألقاها في الكانون فاحترقت وأفرج عنه وأذن له في الرّواح إلى منزله. وكانت وفاة معاوية ﵁ في سنة ستّين من الهجرة. ولما أدركته الوفاة أوصى إلى ابنه يزيد وصيّة تدلّ على عقله ولبّه، وخبرته بالأمور ومعرفته بالرّجال فلم يعمل يزيد بشيء منها وقد أثبتها ها هنا لحسنها وسدادها. قالوا: لمّا مرض معاوية- ﵁ مرضه الّذي مات فيه، دعا ابنه يزيد فقال له: «يا بنيّ! إنّي كفيتك الشدّ والترحال، ووطّأت لك الأمور، وذلّلت لك الأعداء، وأخضعت لك رقاب العرب، وجمعت لك ما لم يجمعه أحد. فانظر أهل الحجاز فإنّهم أصلك، فأكرم من قدم عليك منهم وتعهّد من غاب، وانظر أهل العراق فإن سألوك أن تعزل كلّ يوم عاملا فافعل، فإنّ عزل عامل أيسر من أن يشهر مائة ألف سيف. وانظر أهل الشام، وليكونوا بطانتك، فإن رابك من عدوّك شيء فانتصر بهم، فإذا أصبتهم فاردد أهل الشام إلى بلادهم، فإنّهم إن أقاموا بها تغيّرت أخلاقهم وإنّي لست أخاف عليك أن ينازعك في هذا الأمر إلا أربعة من قريش: الحسين بن عليّ وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر- ﵃ فأما ابن عمر: فرجل قد وقذته [١] العبادة، وإذا لم يبق أحد غيره بايعك. وأمّا الحسين بن عليّ: فهو رجل خفيف، ولن يتركه أهل العراق حتى يخرجوه. فإن خرج وظفرت به فاصفح عنه فإن له رحما ماسّة، وحقّا عظيما، وقرابة من محمّد صلوات الله عليه وسلامه. وأمّا ابن أبي بكر، فإن رأى أصحابه صنعوا شيئا صنع مثله. ليست له همّة إلا في النّساء واللهو. وأما الّذي يجثم لك جثوم الأسد ويراوغك مراوغة الثعلب، فإن أمكنته فرصة وثب فذاك ابن الزّبير. فإن هو وثب عليك فظفرت به فقطّعه إربا إربا واحقن دماء [٢] قومك ما استطعت.

стр. 110

وفي هذه الوصيّة دليل على ما سبق من وفور رغبته في تدبير الملك، وشدّة كلفه بالرّياسة. ثمّ ملك بعده ابنه يزيد كان موفّر الرغبة في اللهو والقنص، والخمر والنّساء والشّعر، وكان فصيحا كريما شاعرا مفلقا [١] . قالوا: بدئ الشّعر بملك، وختم بملك. إشارة إلى امرئ القيس وإليه، فمن شعره: جاءت بوجه كأنّ البدر برقعة [٢] ... نورا على مائس [٣] كالغصن معتدل إحدى يديها تعاطيني [٤] مشعشعة [٥] ... كخدّها عصفرته [٦] صبغة الخجل ثمّ استبدّت وقالت، وهي عالمة ... بما تقول وشمس الراح لم تفل [٧] لا ترحلنّ فما أبقيت من جلدي ... ما أستطيع به توديع مرتحل ولا من النّوم ما ألقى الخيال به ... ولا من الدّمع ما أبكي على الطلل كانت ولايته على أصحّ القولين ثلاث سنين وستّة أشهر. ففي السنة الأولى قتل الحسين بن عليّ ﵉، وفي السنة الثانية نهب المدينة وأباحها ثلاثة أيّام وفي السنة الثالثة غزا الكعبة. فنبدأ بشرح قتل الحسين ﵇. شرح كيفيّة الحال في ذلك على وجه الاختصار هذه قضيّة لا أحبّ بسط القول فيها استعظاما لها واستفظاعا، فإنّها قضيّة لم يجر في الإسلام أعظم فحشا منها. ولعمري إنّ قتل أمير المؤمنين- ﵇ هو الطامّة الكبرى، ولكنّ هذه القضيّة جرى فيها من القتل الشنيع والسيء، أو

стр. 111

التمثيل ما تقشعرّ له الجلود. واكتفيت أيضا عن بسط القول فيها بشهرتها، فإنّها أشهر الطامّات. فلعن الله كلّ من باشرها وأمر بها، ورضي بشيء منها ولا تقبّل الله منه صرفا ولا عدلا وجعله من الأخسرين أَعْمالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ في الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ١٨: ١٠٣- ١٠٤ [١] . وجملة ما جرى في ذلك: أن يزيد- لعنه الله- لمّا بويع لم يكن له همّ إلا تحصيل بيعة الحسين- ﵁ والنّفر الّذي حذّره أبوه منهم. فأرسل إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وهو يومئذ أمير المدينة، يأمره بأخذ البيعة عليهم. فاستدعاهم فحضر الحسين- ﵇ عنده، فأخبره بموت معاوية- ﵁ ودعاه إلى البيعة. فقال له الحسين- ﵇ «مثلي لا يبايع سرّا، ولكن إذا اجتمع الناس، نظرنا ونظرت» ثم خرج الحسين- ﵇ من عنده وجمع أصحابه، وخرج من المدينة قاصدا مكّة متأبيا من بيعة يزيد، آنفا من الانخراط في زمرة رعيّته. فلمّا استقرّ بمكّة اتّصل [٢] بأهل الكوفة تأبيه من بيعة يزيد وكانوا يكرهون بني أميّة، خصوصا يزيد، لقبح سيرته ومجاهرته بالمعاصي، واشتهاره بالقبائح. فراسلوا الحسين- ﵇ وكتبوا إليه، يدعونه إلى قدوم الكوفة ويبذلون له النّصرة على بني أميّة. واجتمعوا وتحالفوا على ذلك، وتابعوا الكتب إليه في هذا المعنى. فأرسل إليهم ابن عمّه مسلم [٣] بن عقيل بن أبي طالب- ﵁ فلمّا وصل إلى الكوفة فشا الخبر إلى عبيد الله بن زياد [٤]- لعنه الله وأحلّه دار الخزي- وكان يزيد قد أمّره على الكوفة، حين بلغه مراسلة أهلها الحسين- ﵇ وكان مسلم قد التجأ إلى دار هانئ بن عروة [٥]﵁

стр. 112

وكان من أشرف أهل الكوفة، فاستدعاه عبيد الله بن زياد، فطلبه منه فأبى، فضرب وجهه بالقضيب فهشّمه، ثمّ أحضر مسلم بن عقيل- ﵄ فضربت عنقه فوق القصر فهوى رأسه، وأتبع جثته رأسه. وأمّا هانئ: فأخرج إلى السوق فضربت عنقه. وفي ذلك يقول الفرزدق [١] : وإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري ... إلى هانئ في السّوق وابن عقيل إلى بطل قد هشّم السّيف وجهه ... وآخر يهوي من طمار [٢] قتيل ثمّ إنّ الحسين- ﵇ خرج من مكّة متوجّها إلى الكوفة، وهو لا يعلم بحال مسلم فلمّا قرب من الكوفة علم بالحال، ولقيه ناس فأخبروه الخبر وحذّروه فلم يرجع، وصمّم على الوصول إلى الكوفة لأمر هو أعلم به من النّاس. فأرسل ابن زياد إليه عسكرا أميره عمر بن سعد بن أبي وقّاص، فقاتل الحسين- ﵇ وأصحابه حين التقى الجمعان، قتالا لم يشاهد أحد مثله، حتى فني أصحابه، وبقي هو ﵇ وخاصّته، فقاتلوا أشدّ قتال رآه الناس. ثم قتل الحسين- ﵇ قتلة شنيعة. ولقد ظهر منه- ﵇ من الصّبر والاحتساب والشّجاعة والورع والخبرة التامّة بآداب الحرب والبلاغة، ومن أهله وأصحابه- ﵃ من النّصر له، والمواساة بالنّفس، وكراهية الحياة بعده، والمقاتلة بين يديه عن بصيرة- ما لم يشاهد مثله. ووقع النهب والسّبي في عسكره وذراريه- ﵇ ثم حمل النّساء ورأسه- صلوات الله عليه- إلى يزيد بن معاوية بدمشق، فجعل ينكت ثنايا [٣] الحسين- ﵇ بالقضيب، ثم ردّ نساءه إلى المدينة. وكان قتل الحسين- ﵇ في يوم عاشوراء [٤] ، من سنة إحدى وستين.

стр. 113

شرح كيفية وقعة الحرّة ثم ثنّى بقتال أهل مدينة رسول الله صلوات الله عليه وسلامه، وهي وقعة الحرّة (بالحاء المفتوحة غير معجمة) : ومبدأ الأمر فيها: أنّ أهل المدينة كرهوا خلافة يزيد وخلعوه، وحصروا من كان بها من بني أمية وأخافوهم، فأرسل بنو أميّة رسولا إلى يزيد يعلمه حالهم. فلمّا وصل الرسول إلى يزيد وأخبره بذلك تمثّل لقد بدّلوا الحلم الّذي في سجيّتي ... فبدّلت قومي غلظة بليان (طويل) ثمّ ندب إليها عمر بن سعيد، فأحجم عنها، وأرسل يقول له: إنّي قد ضبطت لك الأمور والبلاد، وأمّا الآن إذا صارت دماء قريش تهراق بالصّعيد، فلا أحبّ أن أتولّى ذلك. فندب عبيد الله بن زياد لذلك، فاعتذر وقال: والله لا جمعتهما للفاسق: أقتل ابن رسول الله- ﵌ وأغزو مدينته والكعبة فندب إليها مسلم بن عقبة المرّيّ، وكان شيخا كبيرا مريضا، إلا أنّه كان أحد جبابرة العرب وشياطينهم، وقيل: إنّ أباه [١] قال له: إن خالفك أهل المدينة فارمهم بمسلم بن عقبة. فتوجّه إليها مسلم بن عقبة وهو مريض، فحاصرها من جهة الحرّة (وهو موضع بظاهر المدينة) فنصب لمسلم بن عقبة كرسيّ بين الصّفّين، وجلس يحرّض أصحابه على القتال حتّى فتحها. وقتل في تلك الوقعة جماعة من أعيانها، فيقال: إنّ أبا سعيد الخدريّ [٢]﵁ صاحب رسول الله- ﵌ خاف، فأخذ سيفه وخرج إلى كهف هناك ليدخل إليه ويعتصم به فتبعه بعض أهل الشأم، فخافه أبو سعيد وسل سيفه عليه ليروّعه، فسلّ الآخر سيفه. فلما وصل إلى أبي سعيد قال له: لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ٥: ٢٨ [٣] فقال له الشأمي: من أنت؟ قال: أنا أبو سعيد. قال: صاحب رسول الله؟ قال: نعم، فمضى وتركه ثم أباح مسلم بن عقبة

стр. 114

المدينة ثلاثا، فقتل ونهب وسبى [١] وسمّي مسلم بن عقبة مسرفا. شرح كيفيّة غزو الكعبة ثمّ ثلّث يزيد بغزو الكعبة، فأمر مسلم بن عقبة بقصدها وغزوها بعد فراغه من أمر المدينة. فتوجّه مسلم إليها وكان عبد الله بن الزبير بها، وقد دعا إلى نفسه وتبعه أهل مكّة، فمات مسلم في الطريق واستخلف على الجيش رجلا كان يزيد أوصاه بتأميره إن هلك. فمضى بالجيش إلى مكّة وحصرها، وبرز ابن الزبير إليه في أهل مكّة ونشبت الحرب، وقال راجز أهل الشأم: خطّارة مثل الفنيق المزبد ... يرمى بها أعواد هذا المسجد (رجز) وهم في ذلك إذ ورد نعي يزيد فرجعوا. ثم ملك بعده ابنه معاوية بن يزيد بن معاوية كان صبيّا ضعيفا، ملك أربعين يوما، وقيل ثلاثة أشهر. ثم قال للنّاس: إنّي ضعفت عن أمركم فالتمست لكم مثل عمر بن الخطّاب- ﵁ فلم أجد، فالتمست ستة مثل أهل الشّورى فلم أجد، فأنتم أولى بأمركم فاختاروا له من أحببتم، فما كنت لأتزوّدها ميتا، وما استمتعت بها حيّا ثم دخل داره وتغيّب أيّاما ومات، وقيل مات مسموما، وليس له من الأخبار ما يؤثر ثمّ ملك بعده مروان بن الحكم: هو مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف. ولمّا مات معاوية بن يزيد بن معاوية، ماج الناس: فأراد أهل الشأم بني أميّة وأراد غيرهم عبد الله بن الزّبير، ثمّ غلب من رأيه في بني أميّة. لكنّهم اختلفوا فيمن يولّونه. فمال ناس منهم إلى خالد بن معاوية، وكان فصيحا بليغا،

стр. 115

وقيل إنه أصاب عمل الكيمياء، وكان صبيّا. ومال ناس إلى مروان بن الحكم لسنّه وشيخوخته، ولأنه قاد الجنود وفتح مصر، وكرهوا خالدا لصبوته، ثمّ بايعوا مروان وكان يقال له: ابن الطّريد وذلك لأن أباه الحكم طرده رسول الله- ﵌ عن المدينة فلمّا ولي عثمان بن عفّان- ﵁ ردّه إليها، وأنكر المسلمون ذلك منه فاحتجّ بأنّ رسول الله- ﵌ وعده بردّه، ورويت أحاديث وأخبار في لعنة من في صلبه وضعّفها قوم. وكان مروان حين بويع قد تزوّج أمّ خالد زوجة يزيد بن معاوية ليصغّر بذلك من شأن خالد فيسقط عن درجة الخلافة، فدخل خالد يوما على مروان فشتمه مروان ونسبه إلى الحمق، ليصغّر أمره عند أهل الشام فخجل خالد ودخل على أمّه وأخبرها بما قال له مروان، فقالت: لا يعلمنّ أحد أنّك أعلمتني وأنا أكفيك. ثمّ إنّ مروان نام عندها ليلة، فوضعت على وجهه وسادة ولم ترفعها حتى مات. وأراد ابنه عبد الملك أن يقتلها فقيل له: يتحدّث الناس أن أباك قتلته امرأة فتركها. وكانت ولاية مروان تسعة أشهر وبعض شهر، ذلك تأويل قول أمير المؤمنين: إنّ له امرأة [١] كلعقة الكلب أنفه. وفي تلك الأيام أخذت الشّيعة بثأر الحسين- ﵇. شرح كيفية ذلك على وجه الاختصار لمّا هدأت الفتنة بعد قتل الحسين- ﵇ وهلك يزيد بن معاوية اجتمع ناس من أهل الكوفة وندموا على خذلانهم الحسين- ﵇ ومقاتلتهم له ونصرهم لقتلته بعد إرسالهم إليه، واستدعائهم منه، القدوم عليهم وبذلهم له النّصر وتابوا من ذلك، فسمّوا: التّوابين. ثم إنّهم تحالفوا على بذل نفوسهم وأموالهم في الطّلب بثأره، ومقاتلة قتلته وإقرار الحقّ مقرّه في رجل من آل بيت نبيّهم- صلوات الله عليه وسلامه- وأمّروا عليهم رجلا منهم يقال له: سليمان بن

стр. 116

صرد [١]﵁ فكاتب الشيعة بالأمصار يندبهم إلى ذلك فأجابوه الموافقة والمسارعة. ثمّ ظهر في تلك الأيّام المختار بن أبي عبيد الثقفي [٢] ، وكان رجلا شريفا في نفسه، عالي الهمّة كريما: فدعا محمّد بن عليّ بن أبي طالب- ﵇ وهو المعروف بابن الحنفيّة وكانت تلك الأيّام أيام فتن وذلك أنّ مروان كان خليفة بالشأم ومصر، مبايعا على سرير الملك، وعبد الله بن الزّبير خليفة بالحجاز والبصرة، مبايع معه الجنود والسّلاح والمختار بن أبي عبيد بالكوفة ومعه الناس والجنود والسّلاح، وقد أخرج أمير الكوفة عنها، وصار وهو أميرها يدعو إلى محمّد بن الحنفيّة. ثم إنّ المختار قويت شوكته ففتك بقتلة الحسين، فضرب عنق عمر بن سعد [٣] وابنه، وقال: هذا بالحسين وابنه عليّ، وو الله لو قتلت به ثلثي قريش ما وفوا بأنملة من أنامله. ثم إنّ مروان أرسل عبيد الله بن زياد [٤] في جيش كثيف، فأرسل إليه المختار إبراهيم ابن مالك الأشتر فقتله بنواحي الموصل، وأرسل برأسه إلى المختار فألقي في القصر. فيقال إنّ حيّة دقيقة تخطّت رءوس القتلى، ودخلت في فم عبيد الله فخرجت من منخره ثم دخلت في منخره فخرجت من فيه. فعلت

стр. 117

ذلك مرارا ثم إن عبد الله بن الزبير أرسل أخاه مصعبا وكان شجاعا، إلى المختار فقتله ومات مروان بن الحكم في سنة خمس وستين وبويع ابنه عبد الملك ثمّ ملك ابنه عبد الملك بن مروان كان عبد الملك لبيبا عاقلا، عالما ملكا جبّارا قويّ الهيبة شديد السّياسة، حسن التدبير للدنيا. في أيّامه نقل الديوان من الفارسيّة إلى العربية، واخترعت سياقة المستعربين. وهو أول من نهى الرعيّة عن كثرة الحديث بحضرة الخلفاء ومراجعتهم، وكانوا يتجرءون عليهم. (وقد تقدم شرح ذلك) وهو الّذي سلّط الحجّاج بن يوسف على الناس، وغزا الكعبة، وقتل عبد الله بن الزبير وأخاه مصعبا من قبله. ومن طريف ما وقع في ذلك: أنّ عبد الملك لما أرسل يزيد بن معاوية الجيش لقتال أهل المدينة وغزو الكعبة، امتعض عبد الملك من ذلك غاية الامتعاض وقال: ليت السّماء انطبقت على الأرض! فلما صار خليفة فعل ذلك وأشدّ منه: فإنّه أرسل الحجّاج [١] لحصار ابن الزّبير وغزو مكّة، وكان عبد الملك قبل الخلافة أحد فقهاء المدينة، وكان يسمّى: حمامة المسجد، لمداومته تلاوة القرآن. فلمّا مات أبوه وبشّر بالخلافة أطبق المصحف، وقال: هذا فراق بيني وبينك. وتصدّى لأمور الدّنيا. وقيل: إنّه قال يوما لسعيد بن المسيّب [٢] : يا سعيد: قد صرت أفعل الخير فلا أسرّ به، وأصنع الشرّ فلا أساء به: فقال له سعيد بن المسيّب الآن تكامل فيك موت القلب. وفي أيّامه قتل عبد الله بن الزّبير وأخوه مصعب أمير العراق. فأمّا عبد الله بن الزبير: فإنه كان قد اعتصم بمكّة، وبايعه أهل الحجاز

стр. 118

وأهل العراق. وكان عظيم الشّحّ، فلذلك لم يتمّ أمره. فأرسل الحجّاج إليه فحاصره بمكّة ورمى الكعبة بالمنجنيق، وحاربه وخذله أهله وأصحابه، فدخل على أمّه وقال لها: «يا أمّت، قد خذلني النّاس حتى ولدي وأهلي، ولم يبق معي غير نفر يسير ومن ليس عنده أكثر من صبر ساعة. والقوم يعطونني ما أردت من الدّنيا فما رأيك؟» فقالت له: «أنت أعلم بنفسك. إن كنت تعلم أنّك على حقّ فامض لشأنك ولا تمكّن من رقبتك غلمان بني أميّة، وإن كنت إنّما أردت الدّنيا فبئس العبد أنت، أهلكت نفسك ومن معك، وكم خلودك في الدنيا؟ القتل أحسن» فقال: يا أمّت «إنّي أخاف إن قتلوني أن يمثّلوا بي» قالت: «يا بنيّ، إنّ الشاة لا يضرّها سلخها بعد ذبحها» وما زالت تحرّضه بهذا وأشباهه حتى خرج، فصمّم على المناجزة فقتل. وأرسل الحجّاج بالبشارة إلى عبد الملك، وكان ذلك سنة ثلاث وسبعين. وأمّا أخوه مصعب بن الزّبير أمير العراق: فكان شجاعا جميلا، جليل القدر ممدوحا. تزوّج سكينة بنت الحسين- ﵇ وعائشة بنت طلحة، وجمعهما في داره. وكانتا من أعظم النّساء قدرا ومالا وجمالا، فقال عبد الملك يوما لجلسائه، من أشجع النّاس؟ قالوا: أنت. قال: لا لكنّ أشجع الناس من جمع في داره بين عائشة بنت طلحة، وسكينة بنت الحسين. يعني مصعبا. ثم تجهّز عبد الملك لقتال مصعب وودّع زوجته عاتكة بنت يزيد بن معاوية، فلمّا ودّعها بكت فبكى جواريها لبكائها، فقال عبد الملك: قاتل للَّه كثير عزّة [١] ، كأنّه شاهد هذا حين قال: إذا ما أراد الغزو لم يثن همّه ... حصان عليها نظم درّ يزينها

стр. 119

نهته فلمّا لم تر النّهي نافعا ... بكت فبكى ممّا شجاها قطينها [١] (الطويل) ثم سار إلى حرب مصعب، فالتقيا بأرض دجيل، فاقتتلوا قتالا شديدا وقتل مصعب وذلك في سنة إحدى وسبعين. وكان عبد الملك أديبا ذكيّا فاضلا، قال الشعبيّ [٢] ، ما ذاكرت أحدا إلا وجدت لي الفضل عليه إلا عبد الملك بن مروان، فإنّي ما ذاكرته حديثا إلا زادني فيه ولا شعرا إلا زادني فيه. وقيل لعبد الملك: لقد أسرع إليك الشّيب، قال: «شيّبني صعود المنابر والخوف من اللّحن» (وكان اللحن عندهم في غاية القبح) ومن آرائه ما أشار به وهو صبيّ على مسلم بن عقبة المريّ، حين أرسله يزيد بن معاوية لقتال أهل المدينة فوصلها وبنو أميّة محاصرون بها ثم أخرجوا، فلما لقيهم مسلم بن عقبة استشار بعبد الملك بن مروان وكان حدثا، فقال له: الرأي أن تسير بمن معك، فإذا انتهيت إلى أدنى نخلها نزلت، فاستظلّ الناس في ظلّه وأكلوا من صفوه. فإذا أصبحت مضيت وتركت المدينة على اليسار، ثمّ درت بها حتّى تأتيهم من قبل الحرّة مشرّقا، ثم تستقبل القوم. فإذا استقبلتهم وقد طلعت الشّمس عليهم، طلعت بين أكتاف أصحابك فلا تؤذيهم، بل يصيب أهل المدينة أذاها ويرون من ائتلاف بيضكم وأسنّة رماحكم وسيوفكم ودروعكم ما لا ترونه أنتم ما داموا مغرّبين. ثم قاتلهم واستعن باللَّه. وقال عبد الملك يوما لجلسائه: ما تقولون في قول القائل: أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... فوا حربا ممّن يهيم بها بعدي (طويل)

стр. 120

قالوا: معنى حسن. قال: هذا ميت كثير الفضول، ليس هذا معنى جيّدا. قالوا: صدقت، قال: فكيف كان ينبغي أن يقول؟ فقال رجل منهم: كان ينبغي أن يقول: أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... أوكّل بدعد من يهيم بها بعدي (طويل) قال عبد الملك: ما أحسنت. قالوا فكيف ينبغي أن يكون؟ قال: ينبغي أن يقول: أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... فلا صلحت دعد لذي خلّة بعدي (طويل) قالوا: أنت يا أمير المؤمنين أشعر الثّلاثة. ولما اشتدّ مرضه قال: أصعدوني على شرف، فأصعدوه إلى موضع عال، فجعل يتنسّم الهواء ثم قال: يا دنيا: ما أطيبك؟ إن طويلك لقصير، وإن كثيرك لحقير وإن كنّا منك لفي غرور. وتمثّل بهذين البيتين: إن تناقش يكن نقاشك يا ... رب عذابا، لا طوق لي بالعذاب أو تجاوز فأنت ربّ صفوح ... عن مسيء ذنوبه كالتّراب (خفيف) ولما مات صلّى عليه ابنه الوليد فتمثّل هشام ابنه الآخر: فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنّه بنيان قوم تهدّما (طويل) فقال له الوليد: اسكت، فأنت تتكلم بلسان شيطان. ألا قلت كما قال الآخر إذا سيّد منّا مضى قام سيّد قئول لما قال الكرام فعول (طويل) وأوصى عبد الملك بن مروان أخاه عبد العزيز حين مضى إلى مصر أميرا عليها فقال له: «ابسط بشرك، وألن كنفك، وآثر الرّفق في الأمور، فإنّه»

стр. 121

«أبلغ بك» [١] وانظر حاجبك فليكن من خير أهلك فإنّه وجهك ولسانك. ولا يقفنّ أحد ببابك إلا أعلمك مكانه، لتكون أنت الّذي تأذن له أو تردّه. وإذا خرجت إلى مجلسك فابدأ بالسّلام يأنسوا بك، وتثبت في قلوبهم محبّتك. وإذا انتهى إليك مشكل فاستظهر عليه بالمشاورة، فإنّها تفتح مغاليق الأمور، وإذا سخطت على أحد فأخّر عقوبته، فإنك على العقوبة بعد التوقف عنه، أقدر منك على ردّها بعد إمضائها» وكانت وفاته في سنة ستّ وثمانين. ثمّ ملك ابنه الوليد كان الوليد من أفضل خلفائهم سيرة عند أهل الشأم، بنى الجوامع، جامع دمشق، وجامع المدينة (على ساكنها أفضل السّلام) والمسجد الأقصى. وأعطى المجذمين، ومنعهم من سؤال النّاس. وأعطى كلّ مقعد خادما، وكلّ ضرير قائدا وفتح في خلافته فتوحا عظاما، منها الأندلس وكاشغر، والهند، وكان شديد التكلّف بالعمارات والأبنية، واتّخاذ المصانع والضّياع، وكان الناس يلتقون في زمانه فيسأل بعضهم بعضا عن الأبنية والعمارات، وكان أخوه سليمان يحبّ الطّعام، فكان الناس في خلافته إذا التقوا، سأل بعضهم بعضا عن الطّعام. وكان عمر بن عبد العزيز صاحب عبادة وتلاوة، فكان الناس إذا تلاقوا في أيّامه سأل بعضهم بعضا ما وردك الليلة؟ وكم تحفظ من القرآن؟ وكم تقوم من الشّهر؟ وهذا من خواصّ الملك التي تقدّم شرحها وكان لحّانا لا يحسن النّحو وعاتبه أبوه عبد الملك على اللّحن. وقال له: إنّه لا يلي العرب إلا من يحسن كلامهم، فدخل الوليد بيتا، وأخذ معه جماعة من علماء النحو وأقام مدّة يشتغل فيه، فخرج أجهل ممّا كان يوم دخوله. فلما بلغ ذلك عبد الملك قال: قد أعذر!.

стр. 122

ثمّ ملك بعده أخوه سليمان بن عبد الملك كانت أيّامه ذات فتوح متوالية، وكان غيورا شديد الغيرة، وكان نهما فيقال إنّ الطّبّاخ كان يأتيه بالشّواء فلا يصبر حتى يبرد، فيأخذه بكمّه، وكان فصيحا بليغا وها هنا موضع حكاية: قال الأصمعيّ [١] : كنت مرّة أفاوض هارون الرّشيد، فجرى حديث أصحاب النّهم، فقلت: كان سليمان بن عبد الملك شديد النّهم، وكان إذا أتاه الطّبّاخ بشواء تلقّاه فأخذه بأكمامه، فقال الرشيد: ما أعلمك يا أصمعيّ بأخبار النّاس لقد اعترضت منذ أيّام جباب سليمان فوجدت أثر الدّهن في أكمامها فظننته طيبا. قال الأصمعيّ: ثمّ أمر لي بجبّة منها. وقيل: إنّ سليمان لبس يوما حلّة خضراء وعمامة خضراء ونظر في المرآة فقال: أنا الملك الفتى؟ ثمّ نظرت إليه جارية من جواريه فقال ما تنظرين؟ قالت: أنت نعم المتاع لو كنت تبقى ... على أن لا بقاء للإنسان ليس فيما علمته فيك عيب ... كان في الناس، غير أنك فاني (خفيف) فلم تمض إلا جمعة واحدة حتّى مات. وكانت وفاته في سنة تسع وتسعين. ثمّ ملك بعده عمر بن عبد العزيز بن مروان لمّا مرض سليمان بن عبد الملك مرضته التي مات فيها، عزم على أن يبايع لبعض أولاده، فنهاه بعض أصحابه، أو قال له: يا أمير المؤمنين: إنّه مما يحفظ الخليفة في قبره أن يستحفظ على الناس رجلا صالحا. فقال سليمان: أستخير الله وأفعل. ثمّ استشاره في عمر بن عبد العزيز، فأشار عليه به وأثنى عليه خيرا فكتب سليمان عهده إلى عمر ابن عبد العزيز وختمه، ودعا أهل بيته وقال: بايعوا لمن عهدت إليه في هذا الكتاب ولم يعلمهم به فبايعوا، ثمّ لمّا مات جمعهم ذلك

стр. 123

الرّجل الّذي أشار إليه بعمر بن عبد العزيز وقد كتم موت سليمان عنهم، وقال لهم: بايعوا مرّة أخرى، فبايعوا، فلمّا رأى أنّه قد أحكم الأمر، أعلمهم بموت سليمان. وكان عمر بن عبد العزيز من خيار الخلفاء، عالما زاهدا، عابدا تقيّا ورعا. سار سيرة مرضيّة، ومضى حميدا. وهو الّذي قطع السبّ عن أمير المؤمنين- صلوات الله عليه وسلامه- وكان بنو أميّة يسبّونه على المنابر. قال عمر بن عبد العزيز: كان أبي عبد العزيز بن مروان يمرّ في خطبته يهدّها هدّا، حتّى إذا وصل إلى ذكر أمير المؤمنين عليّ- ﵇ تتعتع، قال: فقلت له ذلك فقال: يا بنيّ: أدركت هذا منّي؟ قلت: نعم قال: يا بنيّ: اعلم أنّ العوامّ لو عرفوا من عليّ بن أبي طالب ما نعرفه نحن، لتفرّقوا عنّا إلى ولده، فلمّا ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة قطع السبّ وجعل مكانه قوله تعالى: إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ١٦: ٩٠ [١] ومدحه الشعراء على ذلك: فممن مدحه على ذلك كثير عزّة [٢] بقوله وليت فلم تشتم عليّا، ولم تخف ... بريّا، ولم تتبع مقالة مجرم وقلت فصدّقت الّذي قلت بالذي ... فعلت، فأضحى راضيا كلّ مسلم وقد لبست لبس الهلوك [٣] ثيابها ... وأبدت لك الدّنيا بخدّ ومعصم وتومض أحيانا بعين مريضة ... وتبسم عن مثل الجمان المنظّم فأعرضت عنها مشتمئزا كأنّما ... سقتك مدوفا [٤] من سمام وعلقم وقد كنت منها في جبال أرومها [٥] ... ومن بحرها في زاخر السّيل مفعم [٦] (طويل)

стр. 124

ورثاه الشّريف الرضيّ الموسويّ [١] بقوله: يا ابن عبد العزيز لو بكت العين ... فتى من أميّة لبكيتك أنت أنقذتنا من السبّ والشّتم ... فلو أمكن الجزاء جزيتك غير أني أقول: إنك قد طبت ... وإن لم يطب ولم يزك بيتك دير سمعان لا عدتك الغوادي [٢] ... خير ميت من آل مروان ميتك (خفيف) وإليه الإشارة بقولهم: الأشجّ والنّاقص [٣] أعدلا بني مروان. وسيجيء ذكر النّاقص فيما بعد إن شاء الله تعالى وكانت وفاته بدير سمعان في سنة إحدى ومائة. ثمّ ملك بعده يزيد بن عبد الملك كان خليع بني أميّة، شغف بجاريتين: اسم إحداهما «سلامة» واسم الأخرى «حبّابة» فقطع معهما زمانه. قالوا فغنّت يوما حبّابة: بين التّراقي [٤] واللهاة [٥] حرارة ... ما تطمئن ولا تسوغ [٦] فتبرد (كامل) فأهوى يزيد بن عبد الملك ليطير، فقالت: يا أمير المؤمنين: لنا فيك حاجة فقال: والله لأطيرنّ، قالت: فعلى من تدع الأمّة؟ قال: عليك: وقبل يدها،

стр. 125

فخرج بعض خدمه وهو يقول: سخنت عينك فما أسخفك! فانظر إلى هذا وإلى أبيه عبد الملك حين خرج إلى قتال مصعب بن الزبير، وصدّته عاتكة بنت يزيد بن معاوية فلم يلتفت إليها، واستشهد بذينك البيتين! وقد سبق شرح ذلك في ترجمة عبد الملك بن مروان. ولم تكن دولة يزيد طائلة، ولا وقع فيها من الفتوح والوقائع ما تحسن حكايته. وكانت وفاته في سنة خمس ومائة عشقا وصبابة. ثمّ ملك بعده أخوه هشام بن عبد الملك كان هشام بخيلا شديد البخل، إلا أنّه كان غزير العقل حليما عفيفا. امتدّت أيّامه وجرى فيها وقائع. فمن وقائعها الشهيرة: قتل زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ﵇. شرح مقتل زيد بن عليّ بن الحسين إمام الزيديّة ﵁ كان زيد من عظماء أهل البيت- ﵈ علما وزهدا وورعا وشجاعة ودينا وكرما. وكان دائما يحدّث نفسه بالخلافة، ويرى أنّه أهل لذلك. وما زال هذا المعنى يتردّد في نفسه، ويظهر على صفحات وجهه وفلتات لسانه، حتّى كانت أيّام هشام بن عبد الملك، فاتّهمه بوديعة لخالد بن عبد الله القسريّ أمير الكوفة، فحمله إلى يوسف بن عمر أميرها في ذلك العصر، فاستخلفه أن ما لخالد عنده مال، وخلّى سبيله فخرج ليتوجّه إلى المدينة فتبعه أهل الكوفة وقالوا له: أين تذهب- يرحمك الله- ومعك مائة ألف سيف نضرب بها دونك، وليس عندنا من بني أميّة إلا نفر قليل؟ لو أنّ قبيلة واحدة منّا صمدت لهم لكفتهم بإذن الله، ورغّبوه بهذا، وأمثاله، فقال لهم: يا قوم إنّي أخاف غدركم، فإنّكم فعلتم بجدّي الحسين- ﵇ ما فعلتم، وأبى عليهم. فقالوا: نناشدك الله إلا ما رجعت، ونحن نبذل أنفسنا دونك، ونعطيك من الأيمان والعهود والمواثيق ما تثق به، فإنّا نرجو أن تكون المنصور. وأن يكون هذا الزمان الّذي يهلك فيه بنو أميّة. فلم يزالوا به

стр. 126

حتّى ردّوه. فلمّا رجع إلى الكوفة أقبلت الشّيعة تختلف [١] إليه يبايعونه، حتّى أحصى ديوانه خمسة عشر ألفا من أهل الكوفة، سوى أهل المدائن والبصرة، وواسط والموصل [٢] . وأهل خراسان والريّ وجرجان والجزيرة وأقاموا بالكوفة شهورا ثم تمّ الأمر لزيد وخفقت الألوية على رأسه. قال: الحمد للَّه الّذي أكمل لي ديني، والله إنّي كنت أستحيي من رسول الله- ﵌ أن أرد عليه الحوض [٣] غدا، ولم آمر في أمّته بمعروف، ولم أنه عن منكر فلما اجتمع الناس مع زيد أظهر أمره، ونابذ من خالفه فجمع له يوسف [٤] بن عمر جموعا وبرز إليه وعبّأ كلّ منهما أصحابه والتقى الفريقان، وجرى بينهم قتال شديد فتفرّق أصحاب زيد عنه وخذلوه، فبقي في شرذمة يسيرة فأبلى هو- ﵁ بلاء حسنا، وقاتل قتالا شديدا فجاءه سهم فأصاب جبينه فطلب حدّادا فنزع السّهم من جبينه فكانت فيه نفسه فمات- ﵁ من ساعته، فحفر له أصحابه قبرا في ساقية ودفنوه فيه وأجروا الماء على قبره خوفا أن يمثّلوا به، فلما استظهر يوسف بن عمر أمير الكوفة تطلّب قبر زيد فلم يعرفه، فدلّه عليه بعض العبيد فنبشه وأخرجه فصلبه، فبقي مدّة مصلوبا، ثمّ أحرق وذرى رماده في الفرات ﵁ وسلّم عليه، ولعن ظالميه وغاصبيه حقّه، فلقد مضى شهيدا مظلوما) . وفي أيّامه انبثّت دعاة بني العبّاس في البلاد الشرقيّة، وتحرّكت الشيعة خفية وغزت جنود هشام التّرك بما وراء النّهر، وكانت لجنوده الغلبة، ثمّ بعد ذلك قتل خاقان.

стр. 127

ثمّ ملك بعده الوليد بن يزيد بن عبد الملك كان من فتيان بني أميّة وظرفائهم، وشجعانهم وأجوادهم وأشدائهم، منهمكا في اللهو والشرب وسماع الغناء، وكان شاعرا محسنا، له أشعار حسنة في العتاب والغزل ووصف الخمر. فمن جيّد شعره ما كتبه إلى هشام بن عبد الملك وقد عزم على خلفه- وكان هشام لمّا رأى استهتار الوليد بالمعاصي وعكوفه على اللذّات، طمع في الخلافة لابنه، وأراده على أن يخلع نفسه- وتناوله بلسانه وتهدّده- فكتب إليه الوليد بن يزيد: كفرت يدا [١] من منعم لو شكرتها ... جزاك بها الرحمن ذو الفضل والمنّ رأيتك تبني جاهدا في قطيعتي ... ولو كنت ذا حزم لهدّمت ما تبني أراك على الباقين تجني ضغينة ... فيا ويحهم إن مت من شرّ ما تجني كأنّي بهم يوما وأكثر قولهم: ... ألا ليت أنّا! حين «يا ليت» لا يغني (طويل) وقد سرق الناس معانيه وأودعوها أشعارهم. فممّن سرق معانيه أبو نواس أخذ معانيه في وصفه الخمر. وممّا يحكى عن الوليد بن يزيد: أنّه استفتح فألا في المصحف فخرج وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ١٤: ١٥ فألقاه ورماه بسهام وقال: تهدّدني بجبّار عنيد ... نعم، أنا ذاك جبّار عنيد إذا ما جئت ربّك يوم بعث ... فقل: يا ربّ خرقني الوليد (وافر) فلم يلبث بعد هذا إلا يسيرا [٢] حتى قتل. وكان السّبب في قتله: أنّه كان قبل الخلافة على ما وصفنا من اللهو والشرب، وانتهاك حرمات الله فلمّا أفضت إليه الخلافة لم يزد إلا انهماكا في اللذات، واستهتارا بالمعاصي، وضمّ

стр. 128

إلى ذلك ما ارتكبه من إغضاب أكابر أهله، والإساءة إليهم وتنفيرهم. فاجتمعوا عليه مع أعيان رعيّته وهجموا عليه وقتلوه وكان المتولّي لذلك يزيد بن الوليد بن عبد الملك، وذلك في سنة ستّ وعشرين ومائة. ثمّ ملك بعده يزيد بن الوليد بن عبد الملك كان يظهر التنسّك، وكان يقال: إنّه قدريّ. وسمّي: «النّاقص» لأنه نقص من أعطيات أهل الحجاز ما كان قد زادهم الوليد بن يزيد بن عبد الملك، فسمّي الناقص لهذا السبب، ولما بويع بالخلافة خطب الناس، وقال لهم كلاما حسنا أنا مثبته ها هنا لحسنه. خطبهم وذكر الوليد بن يزيد وإلحاده، وقال: سيرته كانت خبيثة كان منتهكا لحرمات الله فقتلته. ثم قال: أيّها الناس: إنّ لكم عليّ ألا أضع حجرا على حجر، ولا لبنة، على لبنة، ولا أكري [١] نهرا، ولا أكنز مالا، ولا أنقل مالا من بلد إلى بلد حتى أسدّ ثغرة وخصاصة [٢] أهله منه بما يغنيهم. فما فضل [٣] منه نقلته إلى البلد الآخر الّذي يليه، ولا أغلق بابي دونكم، ولكم أعطياتكم في كلّ سنة، وأرزاقكم كلّ شهر حتّى يكون أقصاكم كأدناكم. فإن وفيت لكم بما قلت فعليكم بالسّمع والطاعة وحسن المؤازرة. وإن لم أحرف [٤] ، فلكم أن تخلعوني إلا أن أتوب. وإن كنتم تعلمون أنّ أحدا ممن يعرف بالصلاح يعطيكم من نفسه ما قد بذلت لكم وأردتم أن تبايعوه فأنا أوّل من يبايعه معكم. إنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» . أقول: إنّ هذا الكلام حسن بالنسبة إلى ذلك الزمان وإلى اصطلاح أهله، فإنّ هذه الشّرائط هي التي كانت معتبرة عندهم في استحقاق الرئاسة. فأمّا في هذا العصر فلو افتخر ملك من الملوك بأنّه لا يكري نهرا ولا يضع حجرا على حجر،

стр. 129

أو ندب رعيّته إلى تمليك غيره لعدّ سفيها، ولكان جديرا في اصطلاحهم بأن يملك غيره. وفي تلك الأيّام شرع حبل بني أميّة يضطرب، وشرعت الدولة العبّاسيّة تنبع [١] وانبعثت الدعاة في الأمصار. وكانت وفاته في سنة ستّ وعشرين ومائة. ثمّ ملك بعده أخوه إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك بن مروان كانت تلك الأيام أيام فتن، وكان حبل بني أميّة قد اضطرب. فلمّا مات يزيد ابن الوليد بن عبد الملك بويع أخوه إبراهيم بيعة لم تكن بطائل [٢] . فكان ناس يسلّمون عليه بالخلافة، وناس بالإمارة، وناس ربّما يسلّمون عليه بواحدة منهما. واضطرب أمره فمكث سبعين يوما، وسار إليه مروان بن محمّد بن مروان فخلعه، وبويع له بالخلافة وجلس على سرير المملكة، وذلك بعد حروب وفتن ووقائع يشيب منها الولدان. ثمّ ملك بعده مروان بن محمّد بن مروان هو آخر خلفاء بني أميّة، وعنه انتقلت الدولة إلى بني العبّاس، ويقال له: الجعديّ، ويقال له: الحمار. وإنّما لقّب بالحمار، قالوا لصبره في الحرب، وكان شجاعا صاحب دهاء ومكر. وكانت أيّامه أيّام فتن وهرج ومرج. ولم تطل أيّامه حتّى هزمته الجيوش العبّاسيّة وتبعته إلى بلاد مصر، فقتل بقرية اسمها «بوصير» من قرى الصّعيد وذلك سنة اثنتين وثلاثين ومائة. وفي أيّامه خرج عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.

стр. 130

شرح كيفيّة الحال في ذلك على سبيل الاختصار لما اضطرب حبل بني أميّة وبويع مروان ثارت الفتن بين النّاس، واختلفت كلمتهم، فكلّ يرى رأيا ويذهب مذهبا. وكان بالكوفة رجل من ولد جعفر الطيّار- ﵇ اسمه عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وكان فاضلا شاعرا فحدثته نفسه بالأمر. ورأى أهل الكوفة اختلاف الأمور بدمشق واضطراب حبل بني أميّة، فحضروا إلى هذا عبد الله وبايعوه، واجتمعوا حوله خلائق: فبرز إليهم أمير الكوفة يومئذ فقاتلهم بمن معه، وتصابر [١] الفريقان مدّة ففي آخر الأمر طلب أهل الكوفة لأنفسهم ولعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر الأمان من أمير الكوفة، ليتوجّهوا أين شاءوا من بلاد الله. وكان أمير الكوفة ومن معه قد ملّوا القتال فأعطاهم الأمان، فتوجّه عبد الله إلى المدائن [٢] وعبر دجلة، وغلب على حلوان [٣] وما قاربها- ثم توجّه إلى بلاد العجم فغلب على تلك الجبال وهمذان وأصفهان والرّيّ والتحق به قوم من بني هاشم وبقي على ذلك مدّة. وكان أبو مسلم الخراسانيّ قد قويت شوكته، فسار إلى هذا عبد الله فقتله. ثمّ أظهر الدولة العبّاسيّة، ثمّ ظهرت الدولة العبّاسيّة واشتهرت دعوتها.

стр. 131

[الكلام على الدولة العباسية] ذكر انتقال الملك من بني أميّة إلى بني العبّاس لا بدّ قبل الخوض في ذلك من مقدّمة، يشرح فيها ابتداء أمر أبى مسلم الخراساني فإنّه رجل الدّولة وصاحب الدّعوة، وعلى يده كان الفتح. شرح ابتداء أمر أبي مسلم الخراسانيّ ونسبه أمّا نسبه: ففيه اختلاف كثير لا فائدة في استقصاء القول فيه، فقيل: هو حرّ من ولد بزرجمهر، وإنّه ولد بأصفهان ونشأ بالكوفة، فاتّصل بإبراهيم الإمام ابن محمّد بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس، فغيّر اسمه وكنّاه بأبي مسلم وثقّفه وفقّهه حتى كان منه ما كان. وقيل: هو عبد، تنقّل في الرقّ حتّى إبراهيم الإمام، فلما رآه أعجبه سمته وعقله، فابتاعه من مولاه وثقّفه وفهّمه، وصار يرسله إلى شيعته وأصحاب دعوته بخراسان وما زال على ذلك حتى كان من الأمر ما كان. وأمّا هو: فإنه لمّا قويت شوكته، ادّعى أنّه ابن سليط بن عبد الله بن العبّاس ثم ترسّل أبو مسلم لإبراهيم الإمام إلى خراسان ودعا إليه سرّا. وما زال على ذلك حتّى ظهرت الدعوة وتمّ الأمر. مقدّمة أخرى قبل الخوض فيها قال الله تعالى: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ ٣: ١٤٠ [١] . وعزّى بعض الحكماء بعض الملوك عن مملكة خرجت عنه فقال: لو بقيت لغيرك لما وصلت إليك. واعلم- علمت الخير- أنّ هذه دولة من كبار الدّول، ساست العالم سياسة ممزوجة بالدّين والملك، فكان أخيار الناس وصلحاؤهم يطيعونها تدينا، والباقون يطيعونها رهبة أو رغبة، ثمّ مكثت فيها الخلافة والملك حدود ستمائة سنة، ثم

стр. 132

طرأت عليها دول كدولة بني بويه [١] ، وكانت عظمتها كما علمت، وفيها كبشهم وفحلهم عضد الدولة فناخسرو وكدولة بني سلجوق [٢] وفيها مثل طغرلبك. وكالدّولة الخوارزمشاهية [٣] وفيها مثل علاء الدين، وجريدة عسكره مشتملة على أربعمائة ألف مقاتل. وكدولة الفاطميّين بمصر، وقد وجّهوا عسكرا صحبة عبد من عبيدهم اسمه جوهر [٤] لم ير عسكر أكثف منه، حتّى قال فيه شاعرهم وهو محمّد بن هانئ [٥] المغربيّ: فلا عسكر من قبل عسكر جوهر ... تخبّ المطايا فيه عشرا وتوضع (طويل) وكخوارج خرجوا في أثنائها بجموع كثيرة، وحشود عظيمة. كلّ ذلك ولم يزل مملكهم، ولم تقو دولة على إزالة ملكهم ومحو أثرهم، بل كان الملك من هؤلاء المذكورين يجمع ويحتشد ويجرّ العساكر العظيمة، حتى يصل إلى بغداد، فإذا وصل التمس الحضور بين يدي الخليفة، فإذا حضر قبّل الأرض بين يديه، وكان قصارى ما يتمنّاه أن يوليه الخليفة ويعقد له لواء ويخلع عليه. فإذا فعل

стр. 133

الخليفة ذلك قبل الملك الأرض بين يديه، ومشى في ركابه راجلا، والغاشية [١] تحت إبطه، كما فعل مسعود السّلطان مع المسترشد فإنّ المسترشد وقعت بينه وبين مسعود منابذة أدّت إلى محاربة، فخرج المسترشد بعسكر كثيف وصحبته جميع أرباب الدّولة، فالتقى هو والسلطان مسعود [٢] بظاهر مراغة فاقتتلوا ساعة، ثمّ انكشف الغبار وقد انهزم أصحاب المسترشد، واستولى عسكر مسعود، فانجلى الغبار والخليفة ثابت على ظهر فرسه، وفي يده المصحف وحواليه القرّاء والقضاة والوزراء لم ينهزم أحد منهم، وإنّما انهزم المقاتلون. فلما نظر السّلطان مسعود إليهم، أرسل من قاد دابّة الخليفة وأدخله إلى خيمة قد نصبت له وأخذ أرباب دولته فحبسهم في قلعة قريبة من تلك النواحي، ثم غنموا جميع ما كان في عسكر الخليفة. وبعد أيّام اجتمع السلطان بالخليفة وعاتبه على فعله، ثم تقرّر بينهم أمر الصلح فاصطلحا، وركب الخليفة إلى مخيم عظيم ضربه لأجله السّلطان. فلما ركب الخليفة أخذ السّلطان مسعود الغاشية ومشى في ركابه، ثم جرى من قتل المسترشد ما نذكره بعد هذا. فهذه الدول جميعها طرأت على دولة بني العبّاس، ولم تقو نفس أحد على إزالة ملكهم ومحو آثارهم. وكانت لهم في نفوس الناس منزلة لا تدانيها منزلة أحد آخر من العالم، حتى إنّ السلطان «هولاكو» لما فتح بغداد، وأراد قتل الخليفة أبي أحمد عبد الله المستعصم- ألقوا إلى سمعه أنه متى قتل الخليفة اختلّ نظام العالم واحتجبت الشّمس وامتنع القطر والنبات. فاستشعر لذلك، ثمّ سأل بعض العلماء في حقيقة الحال عن ذلك فذكر ذلك العالم له الحقّ في هذا، وقال: إنّ عليّ ابن أبي طالب كان خيرا من هذا الخليفة بإجماع العالم، ثم قتل ولم تجر هذه المحذورات، وكذلك الحسين. وكذلك أجداد هذا الخليفة، قتلوا وجرى عليهم كلّ مكروه، وما احتجبت الشمس ولا امتنع القطر فحين سمع زال ما كان قد حصل في

стр. 134

خاطره، واعتذر ذلك العالم عن هذا القول بأن هيبة السّلطان كانت عظيمة وسطوته مرهوبة، فما تجاسرت أن أقول بين يديه غير الحقّ. فهذا كان اعتقاد النّاس في بني العبّاس. وما قويت دولة من الدول على إزالة مملكتهم ومحو أثرهم سوى هذه الدولة القاهرة. نشر الله إحسانها وأعلى شأنها. فإن السلطان هولاكو لما فتح بغداد وقتل الخليفة، محا أثر بني العبّاس كلّ المحو، وغيّر جميع قواعدهم. حتّى إن الّذي كان يتلفّظ باسم بني العبّاس كان على خطر من ذلك. وها هنا موضع حكاية حدّثني نصر المليسيّ الحبشيّ أحد خدّام السّلطان- مدّ الله معدلته [١] ، وأعلى في الدارين درجته- وكان قبل ذلك للخليفة المستعصم قال: لما ملكت بغداد أخرجوني وأنا صغير في جملة الخدم، فلازمنا خدمة الدّركاه [٢] أيّاما. فلمّا بعدنا من بغداد أحضرنا السّلطان هولاكو يوما بين يديه، وكان علينا زيّ الخلافة، فقال: أنتم كنتم قبل هذا للخليفة، وأنتم اليوم لي. فينبغي أن تخدموني خدمة جيدة بنصيحة وتزيلوا من قلوبكم اسم الخليفة، فذاك شيء كان ومضى. وإن آثرتم تغيير هذا الزّي، والدّخول في زيّنا كان أصلح. قال: قلنا: السّمع والطاعة. ثم غيّرنا زينا ودخلنا زيّهم. شرح ابتداء الدولة العباسيّة روي أنّ الرسول- صلوات الله عليه- كان يجري على لفظه الشريف ما معناه البشارة بدولة هاشميّة. فزعم ناس أنه قال: تكون لرجل من ولدي. وزعم ناس أنه- ﵊ قال لعمّه العبّاس- ﵁ وسلّم-: إنّها تكون في ولدك، وأنه حين أتاه بابنه عبد الله أذّن في أذنه وتفل في فيه، وقال

стр. 135

«اللَّهمّ فقّهه في الدين وعلّمه التأويل» ثمّ دفعه إلى أبيه وقال له: خذ إليك أبا الأملاك. فمن زعم هذا الزعم قال: إن الدولة العباسيّة هي الدولة المبشّر بها، وكانت دولة بني أميّة مكروهة عند الناس ملعونة مذمومة، ثقيلة الوطأة مستهترة بالمعاصي والقبائح فكان الناس من أهل الأمصار ينتظرون هذه الدولة صباح مساء، وكان محمّد بن عليّ بن أبي طالب- ﵇ وهو المعروف بابن الحنفيّة، قد اعتقد فيه أنّه صاحب الدّولة بعد قتل أخيه الحسين- ﵇ ما عدا الإماميّة، فإنّ اعتقادهم إمامة عليّ بن الحسين زين العابدين- ﵇ وإمامة بنيه واحدا بعد واحد إلى القائم محمّد بن الحسن ﵇ . فلما مات محمّد بن الحنفية [١]﵇ أوصى إلى ابنه أبي هاشم عبد الله. وكان أبو هاشم من رجال أهل البيت- ﵈ فاتّفق أنّه قصد دمشق وافدا على هشام بن عبد الملك، فبرّه هشام ووصله، ثمّ رأى من فصاحته ورياسته وعلمه ما حسده عليه وخاف منه، فبعث إليه وقد رجع إلى المدينة من سمّه في لبن. فلمّا علم بذلك عدل إلى محمّد بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس، وكان نازلا بالحميمة من أرض الشأم، فأعلمه أنّه ميّت وأوصى إليه، وكان صحبته جماعة من الشّيعة فسلّمهم إليه وأوصاه فيهم ثمّ مات- ﵁ فتهوّس محمّد بن عبد الله بالخلافة منذ يومئذ، وشرع في بثّ الدّعوة سرّا، وما زال الأمر على ذلك حتّى مات وخلّف أولاده. وهم جماعة: منهم إبراهيم الإمام، والسفّاح والمنصور، فقام إبراهيم الإمام بالأمر بعد أبيه، واستكثر من إرسال الدّعاة إلى الأطراف، خصوصا إلى خراسان فإنّهم كانوا أشدّ وثوقا بأهل خراسان من غيرهم من أهل الأمصار.

стр. 136

أمّا أهل الحجاز. فقليلون. وأما أهل الكوفة والبصرة، فكان أهل البيت مذعورين لما جرى منهم على أمير المؤمنين- ﵇ والحسن والحسين- ﵉ من الخذلان والغدر، وسفك الدّم. وأمّا أهل الشام ومصر- فهواهم في بني أميّة، وحبّ بني أميّة رسخ في قلوبهم. فلم يبق لهم من يسكنون إليه من أهل الأمصار إلا أهل خراسان. وكان يقال- إنّ الرايات السّود الناصرة لأهل البيت تخرج من خراسان. فأرسل إبراهيم الإمام جماعة من الدّعاة إلى خراسان، وكاتب مشايخها ودهاقينها فأجابوه ودعوا إليه سرّا. وأرسل في آخر الأمر أبا مسلم، فمضى إلى هناك وجمع الجموع. كلّ ذلك والأمر سرّ، والدّعوة مخفية لم تظهر بعد. فلمّا كانت أيام مروان الحمار بن محمّد بن مروان- آخر خلفاء بني أميّة- كثر الهرج والمرج، ونما الشّرّ وثارت الفتن، واضطرب حبل بني أميّة، واختلفت كلمتهم وقتل بعضهم بعضا- أظهر أبو مسلم دعوة بني العباس، واجتمع إليه كلّ من له في ذلك رأي من أهل خراسان، وجرّ عسكرا كثيفا ليقاتل به أمير خراسان وهو نصر بن سيّار [١] . فلمّا بلغ نصرا حال أبي مسلم وجموعه، راعه ذلك فكتب إلى مروان الحمار: أرى بين الرّماد وميض نار ... ويوشك أن يكون لها ضرام فإن لم يطفها عقلاء قوم ... يكون وقودها جثث وهام فإنّ النار بالعودين تذكى ... وإنّ الحرب أوّلها كلام فقلت من التعجّب ليت شعري ... أأيقاظ أميّة أم نيام؟ فكتب إليه مروان: إنّ الحاضر يرى ما لا يرى الغائب، فاحسم أنت هذا الداء الّذي قد ظهر عندك. فقال نصر بن سيّار لأصحابه: أما صاحبكم فقد أعلمكم أنه لا نصر عنده. وتواترت الأخبار إلى مروان بهذا الأمر، وحبله كلما جاء خبر

стр. 137

يضطرب، وأمره في كلّ يوم يضعف. ثم بلغه أن الّذي تدعو الدعاة إليه هو إبراهيم بن محمّد بن عليّ بن عبد الله بن عبّاس أخو السفّاح والمنصور، فأرسل إليه وقبض عليه، وأحضره إلى حرّان فحبسه فيها، ثمّ سمّه في الحبس فمات. ثمّ جرت بين أبي مسلم وبين نصر بن سيّار وغيره من أمراء خراسان حروب ووقائع، كانت الغلبة فيها للمسوّدة وهم عسكر أبي مسلم، وإنّما سمّوا- المسودة لأنّ الزّي الّذي اختاروه لبني العبّاس هو لون السّواد. فانظر إلى قدرة الله تعالى وأنه إذا أراد أمرا هيّأ أسبابه، وإذا أراد أمرا فلا مردّ لأمره. لما قدّر الله انتقال الملك إلى بني العبّاس هيّأ جميع الأسباب- فكان إبراهيم الإمام ابن محمّد بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس بالحجاز أو بالشام جالسا على مصلاه مشغولا بنفسه وعبادته ومصالح عياله، ليس عنده من الدّنيا طائل، وأهل خراسان يقاتلون عنه ويبذلون نفوسهم وأموالهم دونه، وأكثرهم لا يعرفه ولا يفرّق بين اسمه وشخصه. وانظر إلى إبراهيم الإمام، هو بتلك الحالة من الانقطاع بداره واعتزال الدّنيا وهو بالحجاز أو بالشام، وله مثل هذا العسكر العظيم في خراسان يبذلون نفوسهم دونه، لا ينفق عليهم مالا، ولا يعطي أحدهم دابّة ولا سلاحا. بل هم يجبون إليه الأموال ويحملون إليه الخراج في كلّ سنة. ولما قدّر الله تعالى خذلان مروان، وانقراض ملك بني أميّة، وكان مروان خليفة مبايعا، ومعه الجنود والأموال والسّلاح، والدّنيا بأجمعها عنده، والنّاس يتفرّقون عنه وأمره يضعف، وحبله يضطرب، فما زال يضمحلّ حتّى هزم وقتل، فتعالى الله!!. ولمّا غلب أبو مسلم على خراسان واستولى على كورها [١] وقويت شوكته سار إلى العراق بالجنود. وكان لمّا قبض مروان على إبراهيم الإمام وحبسه بحرّان [٢] وكان لهم بها شيعة- منهم أبو سلمة حفص بن سليمان الخلال. وكان من كبار

стр. 138

الشّيعة بالكوفة وصار بعد ذلك وزيرا للسفّاح، ثم قتله السفّاح، وسيرد ذكره عند ذكر الوزراء. فأخلى لهم أبو سلمة الخلال دارا بالكوفة، وأمر لهم بها، وتولّى خدمتهم بنفسه، وكتم أمرهم، واجتمعت الشّيعة إليه، وقويت شوكتهم. فوصل أبو مسلم بالجنود من خراسان إلى الكوفة. فدخل على بني العبّاس وقال: أيكم ابن الحارثية؟ فقال له المنصور: هذا- وأشار إلى السفّاح وكانت أمّه حارثيّة- فسلّم أبو مسلم عليه بالخلافة [١] بين يديه إلى الجامع، فصلّى وصعد المنبر وأظهر الدّعوة وخطب الناس وبويع بالخلافة. وذلك في سنة مائة واثنتين وثلاثين، وهذا أوّل دولة بني العبّاس، وآخر دولة بني أميّة. ثم عسكر السفّاح ظاهر الكوفة، ووفد عليه الناس من الأمصار يبايعونه. فلمّا اجتمع عنده النّاس وقويت شوكته، ندب رجلا من أقاربه لقتال مروان الحمار، فانتدب لذلك عمّه عبد الله بن عليّ وكان من رجال بني العبّاس، فتوجّه عبد الله بن عليّ إلى مروان فلقيه بالزّاب [٢] ، ومع مروان مائة وعشرون ألف مقاتل ولا يكون مع عبد الله بن عليّ إلا الأقلّ من ذلك فصنع الله تعالى لعبد الله بن عليّ أنواع الصّنع، وخذل مروان كلّ الخذلان، فانظر واعتبر!. شرح كيفيّة الوقعة بالزّاب وخذلان مروان وانهزامه لما التقى على الزّاب مروان الحمار وعبد الله بن عليّ، قال مروان لبعض أصحابه إن غابت شمس هذا النهار ولم يقاتلون [٣] فالخلافة فينا، ونحن نسلّمها في آخر الزمان إلى المسيح ﵇، وأمر أصحابه بالكفّ عن القتال، وقصد أن ينقضي النّهار ولا يقع قتال. ثم أرسل إلى عبد الله بن عليّ يسأله الموادعة، فقال

стр. 139

عبد الله: كذب لا تزول الشمس حتى أوطئه الخيل إن شاء الله تعالى. فكان من الاتّفاقات الطريفة، أنّ صهر مروان حمل على قطعة من عسكر عبد الله بن عليّ فردّه مروان وشتمه فلم يقبل، ونشب القتال. فأمر عبد الله بن عليّ أصحابه بالمناجزة [١] فجثوا على الركب وأشرعوا الرّماح. ونادى عبد الله بن عليّ: يا ربّ حتى متى نقتل فيك؟ ونادى: يا أهل خراسان، يا لثارات إبراهيم الإمام! واشتدّ القتال، فصار مروان إذا أمر طائفة من العسكر بشيء قالوا: قل للطائفة الأخرى وبلغ من أمره أنه قال لصاحب شرطته: انزل إلى الأرض، فقال: لا والله، لا ألقي نفسي في التهلكة. فقال له مروان: لأفعلنّ بك، وتهدّده. فقال: وددت أنك تقدر على ذلك. ثم رأى مروان فترة أصحابه ومناجزة أصحاب عبد الله ابن عليّ فوضع مروان ذهبا كثيرا قدّام الناس، وقال: أيّها الناس: قاتلوا وهذا المال لكم فصار الناس يمدّون أيديهم إلى المال، ويتناولون منه شيئا شيئا، فقال بعض الناس لمروان، إنّ الناس قدّموا أيديهم إلى المال، ولا نأمن أنهم يذهبون به فأمر ابنه أن يسير في أواخر العسكر، فمن وجد معه شيئا من المال قتله. فرجع ابنه برايته ليتعهّد ما قال فرأى الناس الراية راجعة، فنادوا: الهزيمة الهزيمة. فانهزم الناس ومروان أيضا، وعبروا دجلة، فكان من غرق أكثر ممن قتل وتلا عبد الله بن عليّ: وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ٢: ٥٠ [٢] ثم انتقل إلى عسكر مروان، وغنم ما فيه، وأقام به سبعة أيام. شرح مقتل مروان الحمار [٣] ثمّ إنّ مروان مضى منهزما حتى وصل الموصل، فقطع أهلها الجسر ومنعوه من العبور، فنادى أصحابه، يا أهل الموصل، هذا أمير المؤمنين يريد العبور. فناداهم أهل الموصل، كذبتم، أمير المؤمنين لا يفرّ. وسبّه أهل الموصل

стр. 140

وقالوا له: الحمد للَّه الّذي أزال سلطانكم وذهب بدولتكم. الحمد للَّه الّذي أتانا بأهل بيت نبيّنا. فلمّا سمع ذلك سار إلى بلد وعبر دجلة وأتى حرّان، ثمّ منها إلى دمشق ثمّ منها إلى مصر وتبعه عبد الله بن عليّ، ثم أرسل خلفه بعض أصحابه فرآه بقرية من قرى الصّعيد اسمها «بوصير» فخرج إليهم ليلا مروان وقاتلهم، فقال لجند بني العباس أميرهم: إن أصبحنا ورأوا قلّتنا أهلكونا ولم ينج منا أحد، فناجزوا القوم. وكسر جفن [١] سيفه، وفعل أصحابه مثله، وحملوا عليهم فانهزموا. وحمل رجل على مروان فطعنه وهو لا يعرفه فصرعه، وصاح صائح، صرع أمير المؤمنين! فابتدروه، فسبق إليه رجل من أهل الكوفة فاحتزّ رأسه، ثم نفض الرّأس وقطع لسانه فأكلته هرة كانت هناك. ثم حمل الرّأس إلى السفاح فوصل إليه وهو بالكوفة، فلما رآه سجد، ثم رفع رأسه وقال: الحمد للَّه الّذي أظهرني [٢] عليك، وأظفرني بك، ولم يبق ثأري قبلك وتمثل [٣] : لو يشربون دمي لم يرو شاربهم ... ولا دماؤهم للغيظ ترويني [٤] (بسيط) ثم صفا الملك للسفّاح. وهي التي تسلمت الملك من الدولة الأموية واعلم أنّ الدولة العباسية كانت دولة ذات خدع ودهاء وغدر، وكان قسم التحيّل والمخادعة فيها أوفر من قسم القوة والشدّة، خصوصا في أواخرها. فإنّ المتأخّرين منهم بطلوا قوّة الشدّة والنّجدة، وركنوا إلى الحيل والخدع وفي مثل ذلك يقول كشاجم [٥] مشيرا إلى موادعة أصحاب السّيوف، وعداوة أصحاب الأقلام ومقاتلة بعضهم لبعض:

стр. 141

هنيئا لأصحاب السّيوف بطالة ... تقضى بها أوقاتهم في التنعم فكم فيهم من وادع العيش لم يهج ... لحرب ولم ينهد لقرن [١] مصمّم يروح ويغدو عاقدا في نجاده ... حساما سليم الحدّ لم يتثلم ولكن ذوو الأقلام في كلّ ساعة ... سيوفهم ليست تجفّ من الدم (طويل) وفيها يقول بعض الشعراء، حين قتل المتوكل وزيره محمد بن عبد الملك الزيات: يكاد القلب من جزع يطير ... إذا ما قيل: قد قتل الوزير أمير المؤمنين قتلت شخصا ... عليه رحاكم كانت تدور [٢] فمهلا يا بني العبّاس مهلا ... لقد كويت بغدركم الصّدور (وافر) إلا أنّها كانت دولة كثيرة المحاسن جمّة والمكارم. أسواق العلوم فيها قائمة وبضائع الآداب فيها نافقة، وشعائر الدين فيها معظّمة، والخيرات فيها دارّة [٣] ، والدّنيا عامرة، والحرمات مرعيّة، والثغور محصّنة، وما زالت على ذلك حتى كانت أواخرها فانتشر الجبر [٤] واضطرب الأمر، وانتقلت الدولة. وسيرد ذلك في موضعه مشروحا إن شاء الله تعالى. وهذا أوان الشروع في ذكر خليفة خليفة. أول خليفة ملك منهم: السفّاح هو أبو العبّاس عبد الله بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بويع في سنة مائة واثنتين وثلاثين.

стр. 142

كان كريما حليما وقورا عاقلا كاملا، كثير الحياء حسن الأخلاق. ولما بويع واستوسق [١] له الأمر تتبّع بقايا بني أمية ورجالهم، فوضع السّيف فيهم. وفي بعض أيّامه كان جالسا في مجلس الخلافة، وعنده سليمان بن هشام بن عبد الملك وقد أكرمه السفاح، فدخل عليه سديف الشاعر فأنشده: لا يغرنك ما ترى من رجال ... إنّ تحت الضّلوع داء دويّا [٢] فضع السّيف وارفع السّوط حتّى ... لا ترى فوق ظهرها أمويا (خفيف) فالتفت سليمان وقال: قتلتني يا شيخ! ودخل السفّاح وأخذ سليمان فقتل. ودخل عليه شاعر آخر وقد قدّم الطعام، وعنده نحو سبعين رجلا من بني أميّة. فأنشده: أصبح الملك ثابت الآساس ... بالبهاليل [٣] من بني العبّاس طلبوا وتر [٤] هاشم فشفوها ... بعد ميل من الزّمان وياس لا تقيلنّ عبد شمس عثارا ... واقطعن كلّ رقلة [٥] وغراس ذلّها أظهر التودّد منها ... وبها منكم كحزّ المواسي [٦] ولقد غاظني وغاظ سوائي [٧] ... قربهم من نمارق وكراسي أنزلوها بحيث أنزلها الله ... بدار الهوان والإنعاس واذكروا مصرع الحسين وزيد ... وقتيلا بجانب المهراس والقتيل الّذي بحرّان أضحى ... ثاويا بين غربة وتناس (خفيف)

стр. 143

فالتفت أحدهم إلى من بجانبه وقال: قتلنا العبد! ثمّ أمر بهم السفّاح فضربوا بالسيوف حتى قتلوا، وبسط النّطوع عليهم وجلس فوقهم فأكل الطعام، وهو يسمع أنين بعضهم، حتى ماتوا جميعا. وبالغ بنو العبّاس في استئصال شأفة بني أميّة [١] ، حتى نبشوا قبورهم بدمشق: فنبشوا قبر معاوية بن أبي سفيان- ﵁ فلم يجدوا فيه إلا خيطا مثل الهباء ونبشوا قبر يزيد. فوجدوا فيه حطاما كأنّه الرّماد. ولمّا قتل رجالهم واستصفى أموالهم قال: بني أمية قد أفنيت جمعكم ... فكيف لي منكم بالأوّل الماضي يطبّب النفس أنّ النار تجمعكم ... عوّضتم من لظاها شرّ معتاض منيتم- لا أقال الله عثرتكم- ... بليث غاب إلى الأعداء نهّاض إن كان غيظي لفوت منكم فلقد ... رضيت منكم بما ربّي به راض (بسيط) ثمّ لم تطل مدة السفّاح حتى مات بالأنبار [٢] ، في سنة مائة وست وثلاثين. شرح حال الوزارة في أيّامه لا بدّ قبل الخوض في ذلك من تقديم كلمات في هذا المعنى، فأقول: الوزير وسيط بين الملك ورعيته، فيجب أن يكون في طبعه شطر يناسب طباع الملوك، وشطر يناسب طباع العوامّ، ليعامل كلّا من الفريقين بما يوجب له القبول والمحبّة. والأمانة والصدق رأس ماله. قيل: إذا خان السفير بطل التّدبير. وقيل: ليس لمكذوب رأي. والكفاءة والشهامة من مهمّاته، والفطنة والتيقّظ والدّهاء والحزم من ضروريّاته. ولا يستغني أن يكون مفضالا مطعاما، ليستميل بذلك الأعناق، وليكون مشكورا بكلّ لسان. والرّفق والأناة والتّثبت في الأمور، والحلم والوقار والتمكّن ونفاذ القول، ممّا لا بدّ له منه.

стр. 144

لما استوزر الناصر وزيره مؤيد الدين محمّد بن برز القمّي خلع عليه خلع الوزارة ثمّ جلس القمّي في منصب الوزارة والناس جميعا بين يديه فبرز من حضرة الخليفة مكتوب لطيف في قدر الخنصر بخط يد الناصر، فقرئ على الجمع فكان فيه. «بسم الله الرحمن الرحيم. محمّد بن برز القمّي نائبنا في البلاد والعباد، فمن أطاعه فقد أطاعنا، ومن أطاعنا فقد أطاع الله، ومن أطاع الله أدخله الجنّة ومن عصاه فقد عصانا، ومن عصانا فقد عصى الله، ومن عصى الله أدخله النّار» . فنبل [١] القمّي بهذا التوقيع في عيون الناس، وجلّت مكانته، وقامت له الهيبة في الصّدور. والوزارة لم تمتهد قواعدها وتتقرّر قوانينها، إلا في دولة بني عبّاس. فأما قبل ذلك، فلم تكن مقنّنة القواعد، ولا مقرّرة القوانين بل كان لكل واحد من الملوك أتباع وحاشية، فإذا حدث أمر استشار بذوي الحجا [٢] والآراء الصّائبة، فكلّ منهم يجرى مجرى وزير. فلما ملك بنو العبّاس تقرّرت قوانين الوزارة وسمّي الوزير وزيرا، وكان قبل ذلك يسمّى كاتبا أو مشيرا. قال أهل اللغة: الوزير: الملجأ والمعتصم. والوزير. الثّقل فالوزير إما مأخوذ من الوزر فيكون معناه أن يحمل الثّقل، أو يكون مأخوذا من الوزر، فيكون المعنى أنه يرجع ويلجأ إلى رأيه وتدبيره. وكيف تقلّبت لفظة «وزر» كانت دالة على الملجأ والثّقل. أوّل وزير وزر لأوّل خليفة عباسيّ، حفص بن سليمان أبو سلمة الخلال. كان مولى لبني الحارث بن كعب. قيل في تلقيبه بالخلال ثلاثة أوجه: أحدها أنّ منزله بالكوفة كان قريبا من محلّة الخلالين [٣] . وكان يجالسهم فنسب إليهم، كما

стр. 145

نسب الغزّالي إلى الغزّالين، وكان يجالسهم كثيرا. ورأيت في تسمية الغزّاليّ وجها آخر: قيل: كان من رأيه الصّدقة على النساء العجائز اللواتي يحضرن إلى دار الغزل ليبعن غزلهنّ، فيرى ضعفهن وفقرهنّ ونزارة [١] مكسبهنّ، فيرقّ لهنّ فيتصدّق عليهنّ كثيرا، ويأمر بالصّدقة عليهنّ فنسب إلى ذلك. وثانيها، أنه كان له حوانيت يعمل فيها الخلّ فنسب إلى ذلك وثالثها أنها نسبة إلى خلل السّيوف، وهي أغمادها. كان أبو سلمة من مياسير [٢] أهل الكوفة، وكان ينفق ماله على رجال الدعوة وكان سبب وصلته إلى بني العبّاس أنه كان صهرا لبكير بن ماهان، وكان بكير بن ماهان كاتبا خصيصا بإبراهيم الإمام فلمّا أدركته الوفاة قال لإبراهيم الإمام إن لي صهرا بالكوفة يقال له أبو سلمة الخلال. قد جعلته عوضي في القيام بأمر دعوتكم. ثم مات فكتب إبراهيم الإمام إلى أبي سلمة يعلمه بذلك ويأمره بما يريد من أمر الدعوة وقام أبو سلمة بأمر دعوتهم قياما عظيما فلما سبر [٣] أحوال بني العبّاس عزم على العدول عنهم إلى بني عليّ- ﵇ فكاتب ثلاثة من أعيانهم: جعفر بن محمّد الصادق- ﵉ وعبد الله المحض بن حسن بن حسن ابن عليّ بن أبي طالب- ﵈ وعمر الأشرف بن زين العابدين- ﵇ وأرسل الكتب مع رجل من مواليهم، وقال له: اقصد أوّلا جعفر بن محمّد الصادق، فإن أجاب فأبطل الكتابين الآخرين، وإن لم يجب فالق عبد الله المحض، فإن أجاب فأبطل كتاب عمر، وإن لم يجب فالق عمر، فذهب الرسول إلى جعفر ابن محمّد- ﵇ أوّلا، ودفع إليه كتاب أبي سلمة فقال ما لي ولأبي سلمة وهو شيعة [٤] لغيري؟ فقال له الرسول: اقرأ الكتاب فقال الصادق- ﵇ لخادمه: أدن السّراج مني، فأدناه، فوضع الكتاب على النار حتّى احترق فقال
следующие страницы →