Полный текст (649 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
الطف، وزيد بن علي يوم السبخة، ويحيى بن زيد يوم الجوزجان، ونحن اليوم.
فتطيرت له من تمثّله بأبيات لم يتمثل بها أحد إلّا قتل.
ثم سرنا إلى باخمري، فلما قرب منها أتاه نعي أخيه محمد، فتغيّر لونه، وجرض بريقه، ثم أجهش باكيا وقال:
اللهم إن كنت تعلم أن محمدا خرج يطلب مرضاتك، ويبتغي طاعتك، ويؤثر أن تكون كلمتك العليا، وأمرك المتبع المطاع، فاغفر له، وارحمه، وارض عنه، واجعل ما نقلته إليه من الآخرة خيرا له مما نقلته عنه من الدنيا.
ثم انفجر باكيا وتمثل بقول الشاعر «١» :
أبا المنازل يا خير الفوارس من ... يفجع بمثلك في الدنيا فقد فجعا
الله يعلم أني لو خشيتهم ... أو آنس القلب من خوف لهم فزعا
لم يقتلوه ولم أسلم أخي لهم ... حتى نعيش جميعا أو نموت معا
قال [المفضل] : فجعلت أعزيه وأعاتبه على ما ظهر من جزعه، فقال:
إني والله في هذا كما قال دريد بن الصّمّة «٢» :
تقول ألا تبكي أخاك! وقد أرى ... مكان البكاء لكن بنيت على الصبر
لمقتل عبد الله والهالك الذي ... على الشّرف الأعلى قتيل أبي بكر
وعبد يغوث أو نديمي خالد ... وجلّ مصابا حثو قبر على قبر
أبى القتل إلّا آل صمّة إنهم ... أبوا غيره والقدر يجري على القدر
فإمّا ترينا ما تزال دماؤنا ... لدى واتر يشقى بها آخر الدهر
فإنّا للحم السيف غير نكيرة ... ونلحمه طورا وليس بذي نكر
يغار علينا واترين فيشتفى ... بنا إن أصبنا. أو نغير على وتر
بذاك قسمنا الدّهر شطرين بيننا ... فما ينقضي إلّا ونحن على شطر
قال: ثم ظهرت لنا جيوش أبي جعفر مثل الجراد، فتمثل [إبراهيم] بهذه الأبيات:
стр. 317
نبّئت أن بني خزيمة أجمعوا ... أمرا خلالهم لتقتل خالدا «١»
إن يقتلوني لا تصب أرماحهم ... ناري ويسعى القوم سعيا جاهدا
أرمي الطريق وإن رصدت بضيقه ... وأنازل البطل الكميّ الحاردا «٢»
فقلت: من يقول هذا الشعر يا ابن رسول الله؟.
فقال: يقوله خالد بن جعفر بن كلاب في يوم شعب جبلة «٣» ، وهو اليوم الذي لقيت فيه قيس تميما.
قال: وأقبلت عساكر أبي جعفر، فطعن رجلا، وطعنه آخر، فقلت له: أتباشر الحرب بنفسك وإنما العسكر منوط بك؟.
فقال: إليك عني يا أخا بني ضبة كأن عويفا أخا بني فزارة كان ينظر إلينا في يومنا هذا:
المت خناس والمامها ... أحاديث نفس وأحلامها «٤»
يمانية من بني مالك ... تطاول في المجد أعمامها «٥»
وإن لنا أصل جرثومة ... ترد الحوادث أيامها
نردّ الكتيبة مفلولة ... بها أفنها وبها ذامها
والتحمت الحرب، واشتدت، فقال لي: يا مفضل: حركني بشيء، فذكرت أبياتا لعويف القوافي لما تقدّم بشعره، فأنشدته قوله «٦» :
ألا أيّها النّاهي فزارة بعد ما ... أجدّت بسير إنما أنت حالم «٧»
стр. 318
أبى كل حر أن يبيت بوتره «١» ... وتمنع منه النوم إذ أنت نائم
أقول لفتيان كرام تروّحوا ... على الجرد في أفواههن الشكائم «٢»
قفوا وقفة من يحي لا يخز بعدها ... ومن يخترم لا تتّبعه اللّوائم
وهل أنت إن باعدت نفسك منهم ... لتسلم فيما بعد ذلك سالم؟
فقال: أعد، وتبينت «٣» في وجهه أنه سيقتل، فتنبهت وندمت فقلت:
أو غير ذلك؟.
قال: لا بل أعد الأبيات، فأعدتها، فتمطى على ركابيه فقطعهما، وحمل فغاب عني، وأتاه سهم عائر فقتله، وكان آخر عهدي به.
حدثنا محمد بن محمد بن سليمان الباغندي. قال: سمعت إسحاق بن شاهين الواسطي يقول:
كان خالد بن عبد الله الواسطي «٤» ، من أهل السنة والجماعة، خرج الناس مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن غيره، فإنه لزم بيته.
قال أبو الفرج علي بن الحسين:
حدثني بهذه الحكاية أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثني داود بن يحيى، قال: سمعت إسحاق بن شاهين يوما، ذكر خالد بن عبد الله الطحان، مثله، وزاد فيه: ولكنّ أصحاب الحديث خرجوا معه جميعا:
شعبة بن الحجاج، وهشيم بن بشير، وعباد بن العوام، ويزيد بن هارون.
حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا جعفر بن محمد بن هشام، قال:
стр. 319
حدثنا محمد بن حفص بن راشد، قال: حدثنا أبي، قال:
خرج هشيم بن بشير مع إبراهيم بن عبد الله، وقتل معه ابن له.
قال أحمد بن سعيد، وحدثني أحمد بن محمد بن بشر، قال حدثنا أيوب بن الحسن، قال: حدثني سليمان الشاذكوني، قال:
خرج هشيم مع إبراهيم بن عبد الله، وقتل معه ابنه معاوية، فقال له رجل: يا أبا معاوية، رأيتك مع إبراهيم والرايات تخفق على رأسه.
حدثنا أحمد بن سعيد، قال حدثنا يحيى بن زكريا بن شيبان، قال: حدثنا يحيى بن صالح الجريري، قال:
سمعت يونس بن أرقم العنزي، وكان من أصحاب إبراهيم بن عبد الله، يقول: كان المفضل بن محمد الضبي له غاشية على التشيّع، وكان إبراهيم بن عبد الله بن الحسن إذا اجتمعنا إليه يجمعنا عند المفضل.
حدثنا أحمد بن سعيد، قال: حدثنا عبد الملك بن محمد الرقاشي، قال:
حدثنا أبي قال: سمعت يزيد بن ذريع يقول:
وأما المفضل الضبي فكان أكثر إقامة إبراهيم عنده حتى خرج، فكان لا يزال يدس ويحتال لكل من أمكنه أن يحوزه إلى مذهبه.
حدثني أحمد، قال: حدثنا يعقوب بن يوسف بن زكريا الضبي، قال:
حدثنا قاسم بن الضحاك، قال حدثني معاوية بن سفيان المازني، قال حدثني إبراهيم بن سويد الحنفي، قال:
سألت أبا حنيفة، وكان لي مكرما أيام إبراهيم، قلت: أيهما أحب إليك بعد حجة الإسلام: الخروج إلى هذا أو الحج؟.
فقال: غزوة بعد حجة الإسلام أفضل من خمسين حجة.
حدثني أحمد، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل بن إسحاق الراشدي،
стр. 320
قال: حدثنا محمد بن عديس، قال: حدثني الحسين بن سلمة الأرحبي «١» ، قال:
جاءت امرأة إلى أبي حنيفة أيام إبراهيم فقالت: إن ابني يريد هذا الرجل، وأنا أمنعه، فقال: لا تمنعيه.
حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن عمر بن سميع الأزدي قال: حدثنا محمد بن عديس الأزدي. قال: سمعت حماد بن أعين، يقول:
كان أبو حنيفة يحض الناس على الخروج مع إبراهيم ويأمرهم باتباعه.
أخبرني جعفر بن محمد الوراق «٢» ، قال: حدثنا أحمد بن يوسف الجعفي، قال: حدثنا محمد بن خالد البرقي، قال:
كان أبو حنيفة يقول في أيام إبراهيم ليبلغه ذلك! إنما أمر علي ﵇ ألّا يجهز على جريح، ولا يقتل مدبّر في قوم لم يكن لهم فئة يوم الجمل، ولم يفعل ذلك بصفّين، لأن القوم كانت لهم فئة.
حدثنا يحيى بن علي، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثني سليمان بن أبي شيخ قال:
خرج معي هارون بن سعد لما ولّاه إبراهيم واسطا، وبرز إلى القتال عامر بن عباد بن العوام، ويزيد بن هارون، والعلاء بن راشد.
أخبرنا يحيى بن علي، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثني جناب ابن الشخشاخ، قال:
لما خرج إبراهيم اتبعه معاذ بن نصر العنبري «٣» .
стр. 321
حدثنا يحيى بن علي، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثنا عمر بن عون، قال:
ما زال عباد مستخفيا بالبصرة حتى مات أبو جعفر.
حدثنا يحيى، قال: حدثنا أبو زيد، قال: حدثنا عاصم بن علي، قال:
قتل في تلك المعركة الحجاج أخو هشيم، ومعاوية ابنه.
حدثنا يحيى، قال: حدثنا عمر، قال: حدثنا عثمان بن الهيثم المؤذن والقحذمي، ويونس بن نجدة:
أن إبراهيم استقضى عباد بن منصور على البصرة.
حدثنا يحيى، قال: حدثنا عمر، قال: حدثنا القاسم بن أبي شيبة، قال:
خرج مع إبراهيم أبو خالد الأحمر.
حدثنا عمر بن عبد الله، ويحيى بن علي، قالا: حدثنا أبو زيد، قال:
حدثنا عبد الله بن محمد بن حكيم، قال: حدثني نصر بن مزاحم المنقري، قال:
خرج مع إبراهيم أبو داود الطّهوي «١» . وأبو داود هذا ثقة قد روى عنه أبو نعيم والحسن بن الحسين السعدي، وغيرهما من المحدثين.
أخبرنا عمر ويحيى، قالا: حدثنا أبو زيد، حدثنا عبد الله بن محمد بن حكيم، قال: حدثني عباد بن حكيم قال:
خرج مع إبراهيم بن عبد الله جنادة بن سويد فقوّده على ثلثمائة وشهد معه باخمري، وشهد معه المفضل بن محمد الضبي الرّاوية.
أخبرنا عمر بن عبد الله، ويحيى، قالا: حدثنا أبو زيد، قال: حدثنا عقيل بن عمرو الثقفي، قال:
стр. 322
خرج مع إبراهيم الأزرق بن تمة الصريمي متقلدا سيفين، وكان من أصحاب عمرو بن عبيد.
أخبرنا عمر بن عبد الله، ويحيى بن علي، قالا: حدثنا أبو زيد قال حدثني إبراهيم بن سالم، قال:
كان إبراهيم الأسدي ممن سار بإبراهيم وأتى به أبو جعفر فحقره. فقال:
أنت بريده؟ قال: نعم. قال: فاحلف لئن رأيت إبراهيم لتأتيني به، فحلف فخلّاه، فلما ظهر إبراهيم أتاه، فقال: إن أبا جعفر أحلفني إن رأيتك لآتينه بك، فاشخص بنا إليه.
أخبرنا عمر، ويحيى، قالا: حدثنا أبو زيد، قال: حدثني الحسين بن جعفر بن سليمان الضبي، قال: سمعت أخي داود يقول:
أحصى ديوان إبراهيم من أهل البصرة مائة ألف.
أخبرنا عمر، ويحيى، قالا: حدثنا أبو زيد، قال: حدثني عبد الله بن عبد الوارث قال:
حدثني هاشم بن القاسم: أنه شهد مع إبراهيم وقعة باخمري.
وهاشم بن قاسم يكنى أبا النضر، وقد روى عن سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، ونضر ابنهما وهو من ثقات المحدثين «١» .
أخبرنا عمر، ويحيى، قالا: حدثنا عمر بن شبّة عن سلم بن فرقد.
أن عمر بن عون «٢» شهد مع إبراهيم باخمري، وكان من أصحاب هشام، وروى عنه الحديث.
стр. 323
أخبرنا عمر ويحيى، قالا: حدثنا أبو زيد، قال: حدثنا القاسم بن أبي شيبة قال حدثنا محمد بن بشر، قال:
كنت عند سفيان الثوري أيام إبراهيم فجعل يقول: وا عجبا لأقوام يريدون الخروج لمن يخرج، وقد خرج قوم لم يكونوا يرون الخروج.
قال: وخرج مع إبراهيم من أصحاب سفيان مؤمل، وحنبص.
ومؤمل هذا يقال له: مؤمل بن إسماعيل.
حدثنا عمر ويحيى، قالا: حدثنا أبو زيد، قال:
سألت أبا نعيم عن حنبص هذا فقال: كان خليلا من أصحاب سفيان، وفيه يقول الشاعر:
يا ليت قومي كلهم حنابصا «١»
قال أبو زيد: وحدثني إبراهيم بن سلم، قال: حدثني ابن هراسة، قال:
قتل مع إبراهيم بن عبد الله صاحبان كانا لسفيان الثوري، كانا من خاصته.
أخبرنا عمر ويحيى، قالا: حدثنا أبو زيد، قال: حدثني عبد الله بن محمد بن حكيم قال:
خرج مع إبراهيم داود بن المبارك الهمداني عمّ أبي حييّ فقتل في المعركة.
أخبرنا عمر، ويحيى، قالا: حدثنا أبو زيد، قال: حدثني خلّاد الأرقط، قال: حدثني عمر بن النضر، قال:
قتل إبراهيم وأنا بالكوفة، فأتيت الأعمش بعد قتله، فقال: أهاهنا أحد تنكرونه؟ قلنا لا: قال: فإن كان ها هنا أحد تنكرونه فأخرجوه إلى نار الله، ثم قال: أما والله لو أصبح أهل الكوفة على مثل ما أرى لسرنا حتى نتنزل بعقوته- يعني أبا جعفر- فإذا قال لي: ما جاء بك يا أعمش؟ قلت: جئت لأبيد
стр. 324
خضراءك، أو تبيد خضرائي كما فعلت بابن رسول الله (ص) .
حدثني أبو عباد الصيرفي، قال: سمعت محمد بن علي بن خلف العطار، يقول:
لما قتل إبراهيم بن عبد الله، قال سفيان الثوري: ما أظن الصلاة تقبل، إلّا أن الصلاة خير من تركها.
أخبرني علي بن العباس المقانعي قال: حدثنا علي بن أحمد البناني، قال:
سمعت محمد بن خلف العطار، يقول:
لما قتل إبراهيم بن عبد الله، قال سفيان صاحب أبي السرايا لعامر بن كثير السّراج: خرجت مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن؟ قال: نعم.
قال أبو الفرج:
وجدت في كتابي الذي دفعه إلى عيسى بن الحسين، عن أحمد بن الحرث الخزاز عن المدائني:
خرج أبو محمد البريدي المؤدب مع إبراهيم بن عبد الله، وانهزم فيمن انهزم.
ومن مختار ما رثي به إبراهيم بن عبد الله قول غالب بن عثمان الهمداني:
وقتيل باخمرى الذي ... نادى فأسمع كلّ شاهد
قاد الجنود إلى الجنو ... د تزحّف الأسد الحوارد «١»
بالمرهفات وبالقنا ... والمبرقات وبالرّواعد
فدعا لدين محمد ... ودعوا إلى دين بن صايد «٢»
فرماهم بلبان أب ... لق سابق للخيل سائد
بالسيف يفري مصلتا ... هاماتهم بأشدّ ساعد
فأتيح سهم قاصد ... لفؤاده بيمين جاحد
стр. 325
فهوى صريعا للجبي ... ن وليس مخلوق بخالد
وتبددت أنصاره ... وثوى بأكرم دار واحد
نفسي فداؤك من صري ... ع غير ممهود الوسائد
وفدتك نفسي من غري ... ب الدّار في القوم الأباعد
أي امرئ ظفرت به ... أبناء أبناء الولائد «١»
فأولئك الشهداء والص ... بر الكرام لدى الشدائد
ونجار يثرب والأبا ... طح حيث معتلج العقائد «٢»
أقوت منازل ذي طوى ... فبطاح مكة فالمشاهد
والخيف منهم فالجما ... ر بموقف الظّعن الرّواشد «٣»
فحياض زمزم فالمقا ... م فصادر عنها ووارد
فسويقتان فينبع ... فبقيع يثرب ذي اللّحائد
أمست بلاقع من بني ال ... حسن بن فاطمة الأراشد
قال أبو زيد: وقال غالب أيضا:
كيف بعد المهدي أو بعد إبرا ... هيم نومي على الفراش الوثير
وهم الذائدون عن حرم الإس ... لام والجابرون عظم الكسير
حاكموهم لما تولوا إلى اللّ ... هـ لمصقولة الشّفار الذّكور «٤»
وأشاحوا للموت محتبسي الأن ... فس لله ذي الجلال الكبير
أفردوني أمشي بأعضب مجبو ... با سنامي والحرب ذات زفير
غيل فيها فوارسي ورجالي ... بعد عزّ وذلّ فيها نصير
ليتني كنت قبل وقعة باخم ... ري توفيت عدتي من شهور
ولياليّ من سنيّ البواقي ... وتكملت عدّة التعمير
كنت فيمن ثوى ثويت تعود الط ... ير لحمي مبيّن التّعفير «٥»
стр. 326
ومجال الخيلين منا ومنهم ... وأكف تطير كلّ مطير «١»
قول مستبسل يرى الموت في ... الله رباحا رئبال غاب عقير «٢»
قد تلبثت بالمقادير عنهم ... ملبث الرائحين عن ذي البكور «٣»
إذ هم يعثرون، في حلق الأو ... داج حولي في قسطل مستدير «٤»
آخر مقتله صلوات الله عليه ولعن قاتله.
٣٠- الحسين بن زيد بن علي
وممن «٥» توارى منهم من شهد مع محمد وإبراهيم ﵉ تواريا طويلا فلم يطلب وأمن فظهر الحسين بن زيد بن علي ﵇.
ويكنى أبا عبد الله.
حدثني علي بن العباس، قال: حدثني أحمد بن حازم، قال: حدثنا محول بن إبراهيم، قال:
شهد الحسين بن زيد حرب محمد وإبراهيم بني عبد الله بن الحسن بن الحسن ثم توارى. وكان مقيما في منزل جعفر بن محمد. وكان جعفر ربّاه، ونشأ في حجره منذ قتل أبوه، وأخذ عنه علما كثيرا. فلما لم يذكر فيمن طلب ظهر لمن يأنس به من أهله وإخوانه.
وكان أخوه محمد بن زيد مع أبي جعفر مسوّدا لم يشهد مع محمدا وإبراهيم حربهما فكان يكاتبه بما يسكن منه، ثم ظهر بعد ذلك بالمدينة ظهورا تامّا إلّا أنه كان لا يجالس أحدا ولا يدخل إليه إلّا من يثق به.
стр. 327
حدثني علي بن العباس، قال: حدثنا عباد بن يعقوب، قال:
كان الحسين بن زيد يلقب ذا الدمعة لكثرة بكائه.
حدثني علي بن أحمد بن حاتم، قال: حدثنا الحسن بن عبد الواحد، قال: حدثنا يحيى بن الحسين بن زيد، قال:
قالت أمي لأبي: ما أكثر بكاءك!. فقال: وهل ترك السهمان والنار سرورا يمنعني من البكاء- تعني السهمين الذين قتل بهما أبوه زيد وأخوه يحيى.
حدثني علي بن العباس، قال: حدثنا إسماعيل بن إسحاق الراشدي قال: حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل الهندي، عن الحسين بن زيد، قال:
مررت على عبد الله بن الحسن وهو يصلي فأشار إليّ فجلست، فلما صلّى قال لي:
يا ابن أخي، إن الله- وضعك في مرضع لم يضع فيه أحدا إلّا من هو مثلك، وإنك قد أصبحت في حداثة سنك وشبابك يبتدرك الخير والشر كلاهما يسرعان إليك، فإن تعش حتى نرى منك ما يشبه سلفك فتلك السعادة الثانية. والله لقد توالى لك آباء ما رأيت فينا ولا في غيرنا مثلهم، إن أدنى آبائك الذي لم يكن فينا مثله: أبوك زيد بن علي، لا والله ما كان فينا مثله، ثم كلما رفعت أنا فهو أفضل.
حدثني محمد بن الحسين الخثعمي، وعلي بن العباس جميعا، قالا:
حدثنا عباد بن يعقوب، قال: حدثنا الحسين بن زيد، قال:
مررت بعبد الله بن الحسن وهو يصلي في مصلى النبي (ص) فأشار إليّ بيده وهو قائم يصلي فأتيته فلما انصرف قال لي:
رأيتك مختارا فأردت أن أعظك لعلّ الله ينفعك بها. إن الله قد وضعك موضعا لم يضع به أحدا إلّا من هو مثلك، وإنك قد أصبحت في حداثة سن، وإن الناس يبتدرونك بأبصارهم، والخير والشر يبتدران إليك، فإن تأت بما يشبه سلفك فما نرى شيئا أسرع إليك من الخير، وإن تأت بما يخالف ذلك فو الله
стр. 328
لا ترى شيئا أسرع إليك من الشر، وإنه قد توالى لك آباء، وإن أدنى آبائك زيد بن علي الذي لم أر فينا ولا في غيرنا مثله، فلا ترفع إلّا أخذت الفضل، فعلي، فحسين، فعلي ﵈.
حدثني علي بن العباس، قال: أنبأنا بكار بن أحمد، قال:
حدثنا الحسن بن الحسين، عن الحسين بن زيد، قال:
شهد مع محمد بن عبد الله بن الحسن «١» من ولد الحسين بن علي أربعة:
أنا، وأخي عيسى، وموسى، وعبد الله ابنا جعفر بن محمد ﵉.
٣١- موسى بن عبد الله بن الحسن
خبر موسى بن عبد الله «٢» بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب حين ضربه المنصور بالسياط ويكنى أبا الحسن.
وأمه هند بنت أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزّى.
ولدته هند ولها ستون سنة.
قال حرمي بن أبي العلاء: حدثني الزبير، قال: حدثني عمي مصعب:
أن هندا ولدت موسى ولها ستون سنة. قال: ولا تلد لستين إلّا قرشية «٣» ، ولخمسين إلّا عربية.
ولموسى تقول أمه هند بنت أبي عبيدة بن عبد الله وهو صغير ترقصه:
إنّك إن تكون جونا أنزعا ... أجدر أن تضرهم وتنفعا
وتسلك العيش طريقا مهيعا ... فردا من الأصحاب أو مشيّعا
стр. 329
أخبرني بقصته وضرب المنصور إيّاه في الدفعة الأولى، عمر بن عبد الله بن جميل العتكي، قال: حدثنا عمر بن شبّة عن رجاله، ونسخت من كتاب أحمد بن الحرث الخرّاز ذلك ولم أسمعه، إلّا أن عيسى بن الحسين دفع الكتاب الذي نسخت هذا منه إليّ وقال لي: هذا كتاب أحمد بن الحرث.
وحدثني بقصته في المرة الأخيرة أحمد بن عبيد الله بن عمّار، قال: حدثني محمد بن أبي الأزهر، قال: أخبرنا عمر بن خلف الضرير، قال: حدثتني بثينة «١» الشيبانية، وقد دخل بعض الحديث في بعض [وسقت خبره فيه] «٢» قال عمر بن شبّة في حديثه: حدثني موسى بن عبد الله بن موسى، عن أبيه، عن جده، قال:
لما صرنا بالرّبذة، أرسل أبو جعفر إلى أبي أن أرسل إليّ أحدكم، واعلم أنه غير عائد إليكم أبدا، فابتدره بنو إخوته يعرضون أنفسهم عليه، فجزاهم خيرا وقال لهم: أنا أكره أن أفجعهم بكم، ولكن اذهب أنت يا موسى.
قال: فذهبت وأنا يومئذ حديث السن، فلما نظر إليّ قال: لا أنعم الله بك عينا، السياط يا غلام، قال: فضربت- والله- حتى غشي عليّ، فما أدري بالضرب، ثم رفعت السياط عني واستدناني، فقربت منه، فقال: أتدري ما هذا؟ هذا فيض فاض مني، فأفرغت عليك منه سجلا، لم أستطع رده، ومن ورائه والله الموت أو تفتدي منه.
قال: قلت: والله يا أمير المؤمنين إن كان ذنب، فإني لبمعزل عن هذا الأمر.
قال: فانطلق فأتني بأخويك.
قال: فقلت: [يا أمير المؤمنين] تبعثني إلى رياح بن عثمان فيضع عليّ العيون والرصد، فلا أسلك طريقا إلّا اتبعني له رسول، ويعلم أخواي فيهربان مني.
стр. 330
قال: فكتب إلى رياح: لا سلطان لك على موسى.
قال: فأرسل معي حرسا أمرهم أن يكتبوا إليه بخبري. فقدمت المدينة فنزلت في دار ابن هشام بالبلاط، فأقمت بها شهورا «١» .
قال أحمد بن الحرث في حديثه عن المدائني:
فكتب رياح إلى أبي جعفر: إن موسى مقيم يتربص بك الدوائر، وليس عنده شيء مما تحب، فأمره أن يحمله إليه، فحمله، وبلغ محمدا خبره فخرج من وقته.
قال: ووجه محمد موسى إلى الشام يدعو إليه فقتل محمد قبل أن يصل، وقيل: إنه رجع إليه فشهد معه مقتله، ثم هرب حتى أتى البصرة مستترا فأقام بها:
فحدثني أحمد بن عبيد الله بن عمّار قال: حدثني محمد بن الأزهر، قال:
حدثنا عمر بن خلف الضرير، قال: حدثتني بثينة الشيبانية، وكانت أرضعت أحمد بن عيسى بن زيد، والفضل بن جعفر بن سليمان:
أن موسى لما قدم من الشام إلى البصرة أتاها فنزل عندها في منزلها ببني غبر. قالت: فقلت له: بأبي أنت، قد قتل أخواك، وولى البصرة محمد بن سليمان، وأنت خاله، وليس عليك بأس. قالت فأرسل رسولا ليشتري له طعاما، فحمله على حمّال أسود صغير من الغلمان الذين يحملون حوائج الناس، فقالوا له: كم كراء ما حملت؟ قال: أربعة دوانيق، فأعطوه فلم يرض فازداد حتى أعطوه أربعة دراهم، فرضي وانصرف.
قالت: فو الله ما غسل يده من طعامه حتى أحاطت الخيل بالدار، فلما أحس موسى بذلك جزع، وأشرفت أنظر وقلت: ليست هذه الخيل إليكم، هؤلاء يطلبون قوما من الدعار من جيراننا، فو الله ما أتممت الكلام حتى وافتنا الخيل في الدار. وكان مع موسى ابنه عبد الله، ومولى له، ورجل آخر من شيعته، فدخل الجند الدار، ومع بعضهم شيء ملفوف في كساء على كفل دابة
стр. 331
من دوابهم فكشفوا الكساء فإذا الأسود الحمال، فقال لهم: هذا موسى بن عبد الله، وهذا ابنه عبد الله، وهذا مولاه، وهذا لا أعرفه.
فو الله لكأنه صحبهم من الشام. وأخذوهم حتى صاروا بهم إلى محمد بن سليمان فقال لهم: لا قرّب الله قرابتكم، ولا حيّى وجوهكم، تركتم كل بلد في الأرض إلّا بلدا أنا فيه. فإن وصلت أرحامكم عصيت أمير المؤمنين، وإن أطعت أمير المؤمنين قطعت أرحامكم، وهو والله أولى بكم مني.
قال: فحملهم إلى المنصور، فضرب موسى بن عبد الله خمسمائة سوط فصبر، فقال المنصور لعيسى بن علي: عذرت أهل الباطل في صبرهم- يعني الشطار- ما بال هذا الغلام المنعّم الذي لم تره الشمس.
فقال موسى: يا أمير المؤمنين، إذا صبر أهل الباطل على باطلهم، فأهل الحق أولى.
فلما فرغوا من ضربه أخرجوه، فقال له الربيع: يا فتى، قد كان بلغني أنك من نجباء أهلك، وقد رأيت خلاف ما بلغني.
فقال له موسى: وما ذاك؟.
قال: رأيتك بين يدي عدوك تحب أن تبلغ في مكروهك وتزيد في مساءتك. وأنت تماحكه في جلدك، كأنك تصبر على جلد غيرك.
فقال موسى:
إني من القوم الذين تزيدهم ... قسوا وصبرا شدة الحدثان «١»
وقد قيل: إن موسى لم يزل محبوسا حتى أطلقه المهدي، وقيل إنه توارى بعد ذلك حتى مات.
وكان موسى يقول شيئا من الشعر، فحدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن، قال «٢» :
стр. 332
كتب موسى بن عبد الله إلى زوجته أم سلمة بنت محمد بن طلحة بن عبد الرحمن بن أبي بكر [بن أبي قحافة] «١» أم ابنه عبد الله بن موسى يستدعيها للخروج إلى العراق:
لا تتركيني بالعراق فإنها ... بلاد بها أس الخيانة والغدر
فإني مليء أن أجيء بضرّة ... مقابلة الأجداد طيّبة النّشر
إذا انتسبت من آل شيبان في الذّرا ... ومرّة لم تحفل بفضل أبي بكر
قال يحيى بن الحسن والزبير فيما حدثني أحمد بن سعيد، عن يحيى، وحرمي بن أبي العلاء عن الزبير، عن محمد بن إسماعيل الجعفري، ومحمد بن عبد الله البكري:
أن موسى بن عبد الله قال «٢» :
إني زعيم أن أجيء بضرة ... قراسية فرّاسة للضرائر «٣»
فتكرم مولاها وترضي خليلها ... وتقطع من أقصى أصول الحناجر
فأجابه الربيع بن سليمان، مولى محمد وإبراهيم بني عبد الله بن الحسن بن الحسن فقال في ذلك:
أبنت أبي بكر تكيد بضرة؟ ... لعمري لقد حاولت إحدى الكبائر
تغطّ غطيط البكر شدّ خناقه ... وأنت مقيم بين صوحي عباثر «٤»
قال: وعباثر: ماء كان لموسى بن عبد الله.
قال يحيى بن الحسن: فسمعت محمد بن يوسف يقول، ولم يذكر هذا الزبير، قال:
стр. 333
أمر موسى بهدايا كان أعطاها ربيعا فارتجعت منه، فبلغ أم سلمة زوجته ذلك، فحلفت لتضعفن له بيع الهدايا في مال موسى بن عبد الله، فأجاز ذلك موسى.
قال أبو الفرج:
وهذا ليس من هذا الباب، ولكن الحديث ذو شجون، والشيء يذكر بالشيء.
حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن، قال: حدثني إسماعيل بن يعقوب، قال: حدثني عبد الله بن موسى، عن أبيه، قال:
دخلت مع أبي على أبي العباس السفاح، وأنا غلام حديث السن، فالتفت إلى أبي فقال: لعلّ ابنك هذا يروي لأميّة أبي طالب.
قال له: نعم يا أمير المؤمنين. قال: مره لينشدها. فقال لي: قم فأنشده إيّاها، فقمت فأنشدته إيّاها، وأنا قائم.
قال: ودخل موسى يوما على الرشيد ثم خرج من عنده، فعثر بالبساط فسقط، فضحك الخدم. وضحك الجند، فلما قام التفت إلى هارون فقال: يا أمير المؤمنين، إنه ضعف صوم لا ضعف سكر «١» .
أخبرني عمر بن عبد الله، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: قال عيسى بن عبد الله:
وحدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثني يحيى بن الحسن، قال حدثني إسماعيل بن يعقوب:
أنا أبا جعفر لما قبض أموال عبد الله بن الحسن، حج فصاحت به عاتكة بنت عبد الملك- وهي أم عيسى، وسليمان، وإدريس بني عبد الله بن الحسن- وهي تطوف في ستارة: يا أمير المؤمنين، أيتامك بنو عبد الله بن الحسن مات
стр. 334
أبوهم في حبسك، وأمرت بقبض ضياعهم.
فأمر أبو جعفر بردها عليهم، فجاءت عاتكة «١» إلى الحسن بن زيد فقال لها: لم أسمع فأتيني ببينة، فأتت عيسى بن محمد، ومحمد بن إبراهيم الإمام فشهدوا بذلك، فردّ أموالهم، فقال موسى: لا نقسم إلّا على ما رسم عبد الله بن الحسن.
فقالت عاتكة: هذا شيء قد كان السلطان قبضه، وإنما ردّه بمسئلتي.
فقال: لا نحكم فيها- والله- إلّا بحكم عبد الله بن الحسن، وكان عبد الله قد فضّل بني هند فيها على غيرهم من إخوتهم.
فقيل له: إن هذا إن بلغ السلطان قبض الأموال.
فقال: والله لقبضها أحب إليّ من تغيير شروط عبد الله.
فكتب إلى أبي جعفر في ذلك، فأمر أن يرد ويقسم على حكم عبد الله.
أنشدني أحمد بن سعيد، قال: أنشدنا أحمد بن الحسن لموسى بن عبد الله:
لئن طال ليلي بالعراق لقد مضت ... عليّ ليال بالنظيم قصائر
إذا الحي منداهم معلّاة فاللوى «٢» ... فمشعر منهم منزل فقراقر
وإذ لا يريم البئر بئر سويقة «٣» ... قطين بها والحاضر المتجاور
٣٢- علي بن الحسن بن زيد
وعلي بن الحسن بن زيد بن علي بن أبي طالب ﵇ ويكنى أبا الحسن.
وأمه أم ولد تدعى أمة الحميد.
стр. 335
كان أبو جعفر حبسه مع أبيه الحسن بن زيد لما سخط عليه، وصرفه عن المدينة وأقامه للناس، فلم يزل عليّ محبوسا مع أبيه حتى مات في الحبس.
ولما ولي المهدي أطلق الحسن بن زيد، وله خبر طويل قد وضعناه «١» في موضعه من كتابنا الكبير «٢» ، إذ كان هذا ليس مما يجري مجرى من قتل في معركة أو غيرها فيذكر خبره هاهنا.
٣٣- حمزة بن إسحاق بن علي
وحمزة بن إسحاق بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وأمه أم ولد.
وجد عليه أبو جعفر فأقامه للناس، وحبسه فمات في حبسه، رضوان الله عليه ورحمته.
стр. 336
ذكر أيام المهدى
محمد بن عبد الله ومن قتل فيها أو حبس أو توارى فمات حال تواريه
стр. 337
٣٤- علي بن العباس بن الحسن
وعلي «١» بن العباس بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵇ ويكنى أبا الحسن.
وأمه عائشة بنت محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر.
وكان قدم بغداد، ودعا إلى نفسه [سرا] «٢» ، فاستجاب له جماعة من الزيدية وبلغ المهدي خبره فأخذه، فلم يزل في حبسه حتى قدم الحسين بن علي صاحب فخ فكلمه فيه، واستوهبه منه فوهبه له.
فلما أراد إخراجه من حبسه دس إليه شربة سم فعملت فيه، فلم يزل ينتقض عليه في الأيام حتى قدم المدينة فتفسخ «٣» لحمه، وتباينت أعضاؤه، فمات بعد دخوله المدينة بثلاثة أيام «٤» .
أخبرني بذلك علي بن إبراهيم العلوي قال: حدثنا الحسن بن علي بن هاشم، قال «٥» :
حدثنا الحسن بن محمد المزني عن أحمد بن الحسن بن مروان الهاشمي، عن عبد العزيز بن عبد الملك، قال الحسن بن محمد المزني. وحدثني محمد بن علي بن إبراهيم، عن بكر بن صالح، عن عبد الله «٦» بن إبراهيم الجعفري بهذا.
٣٥- عيسى بن زيد بن علي
وممن توارى منهم في هذه الأيام فمات متواريا:
عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ويكنى أبا يحيى.
стр. 338
وأمه أم ولد، ولد في الوقت الذي أشخص فيه أبوه زيد بن علي إلى هشام بن عبد الملك، وكانت أم عيسى بن زيد معه في طريقه، فنزل ديرا للنصارى ووافق نزوله إيّاه ليلة الميلاد، وضربها المخاض هنالك فولدته له تلك الليلة، وسمّاه أبوه عيسى باسم المسيح عيسى ابن مريم- صلوات الله عليهما-.
حدثني بذلك محمد بن سعيد، قال: حدثنا بذلك محمد بن منصور، عن أحمد بن عيسى بن زيد.
وشهد عيسى مع محمد بن عبد الله بن الحسن وأخيه إبراهيم حربهما.
واختلف في سبب تواريه، فقيل إنه أنكر على إبراهيم بن عبد الله أنه كبّر على جنازة أربعا ففارقه، وقيل بل ثبت معه حتى قتل ثم توارى بعد ذلك.
أخبرنا يحيى بن علي، وأحمد بن عبد العزيز، قالا: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن أبي الكرام، قال «١» :
صلّى إبراهيم على جنازة بالبصرة وكبّر عليها أربعا، فقال له عيسى بن زيد: لم نقصت واحدة وقد عرفت تكبير أهل بيتك؟.
فقال: هذا أجمع لهم، ونحن إلى اجتماعهم محتاجون، وليس في تكبيرة تركتها ضرر إن شاء الله، ففارقه عيسى واعتزل. وبلغ ذلك أبا جعفر فأرسل إلى عيسى يبذل له ما سأل على أن يخذل الزيدية عن إبراهيم، فلم يتم الأمر بينهما حتى قتل إبراهيم، فاستخفى عيسى، فقيل لأبي جعفر: ألا تطلبه. فقال: لا والله. لا أطلب منهم رجلا أبدا بعد محمد وإبراهيم، أنا أجعل لهم بعدها ذكرا «٢» .
стр. 339
أخبرني علي بن العباس المقانعي، قال: حدثنا عبّاد بن يعقوب، قال:
حدثنا عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي:
أن عيسى بن زيد كان على ميمنة إبراهيم بن عبد الله بن الحسن، وكان مع محمد بن عبد الله بن الحسن، على ميمنته أيضا.
أخبرنا عيسى بن الحسن، قال: حدثنا علي بن محمد النوفلي، عن أبيه، قال:
كان عيسى والحسين ابنا زيد بن علي مع محمد وإبراهيم «١» ابني عبد الله بن الحسن في حروبهما من أشد الناس قتالا وأنفذهم بصيرة، فبلغ ذلك عنهما أبا جعفر فكان يقول: ما لي ولابني زيد وما ينقمان علينا؟ ألم نقتل قتلة أبيهما، ونطلب بثأرهما، ونشفي صدورهما من عدوهما؟.
أخبرني يحيى بن علي، وأحمد بن عبد العزيز وعمر العتكي، قالوا: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثنا عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر [بن علي] ، قال:
خرج عيسى بن زيد مع محمد بن عبد الله بن الحسن، فكان يقول له: من خالفك أو تخلّف عن بيعتك من آل أبي طالب فأمكني منه أن أضرب عنقه.
أخبرني يحيى بن علي، وأحمد [بن عبد العزيز الجوهري] ، قالا: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثني إبراهيم بن سلم بن أبي واصل الحذاء، قال:
حدثني أخي علي بن سلم قال:
لما انهزمنا صرنا إلى عيسى بن زيد وهو واقف فخففنا به وصبرنا مليّا فقال:
ما بعد هذا متلوّم «٢» ، فانحاز وصار إلى قصر خراب ونحن معه، فأزمعنا على أن نبيّت عيسى بن موسى، فلما انتصف الليل فقدنا عيسى فانتقض أمرنا «٣» .
стр. 340
وكان عيسى أفضل من بقي من أهله دينا، وعلما، وورعا، وزهدا، وتقشفا «١» ، وأشدهم بصيرة في أمره ومذهبه، مع علم كثير، ورواية للحديث وطلب له صغره وكبره، وقد روى عن أبيه، وجعفر بن محمد، وأخيه عبد الله بن محمد، وسفيان بن سعيد الثّوري والحسن بن صالح «٢» [بن حي] وشعبة بن الحجاج «٣» ويزيد بن أبي زياد، والحسن بن عمارة ومالك بن أنس، وعبد الله بن عمر العمري «٤» ونظراء لهم كثير عددهم.
ولما ظهر محمد بن عبد الله بن الحسن، وزحف إليه عيسى بن موسى، جمع إليه وجوه الزيدية وكل من حضر معه من أهل العلم، وعهد إليه أنه إن أصيب في وجهه ذلك، فالأمر إلى أخيه إبراهيم، فإن أصيب إبراهيم، فالأمر إلى عيسى بن زيد.
حدثني بذلك أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن، قال إن عبد الله بن محمد بن عمر ذكر ذلك من وصية محمد إلى أخيه إبراهيم، ثم إلى عيسى بن زيد، فلما أصيبا توارى عيسى بن زيد بالكوفة في دار علي بن صالح بن حي أخي الحسن بن صالح، وتزوج ابنة له، وولدت منه بنتا ماتت في حياته، وخبره في ذلك يذكر بعد إن شاء الله.
حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد على سبيل المذاكرة فحفظته عنه لم أكتبه من «٥» لفظه، والحديث يزيد وينقص والمعنى واحد، قال: حدثني محمد بن المنصور المرادي، قال: قال يحيى بن الحسين بن زيد:
قلت لأبي: يا أبة، إني أشتهي أن أرى عمي عيسى بن زيد، فإنه يقبح
стр. 341
بمثلي أن لا يلقى مثله من أشياخه، فدافعني عن ذلك مدة وقال: إن هذا أمر يثقل عليه، وأخشى أن ينتقل عن منزله كراهية للقائك إيّاه فتزعجه، فلم أزل به أداريه وألطف به حتى طابت نفسه لي بذلك، فجهزني إلى الكوفة وقال لي:
إذا صرت إليها فاسأل عن دور بني حي، فإذا دللت عليها فاقصدها في السكة الفلانية، وسترى في وسط السكة دارا لها باب صفته كذا وكذا فاعرفه واجلس بعيدا منها في أول السكة، فإنه سيقبل عليك عند المغرب كهل طويل مسنون «١» الوجه، قد أثر السجود في جبهته، عليه جبة صوف، يستقي الماء على جمل، [وقد انصرف يسوق الجمل] «٢» لا يضع قدما ولا يرفعها إلّا ذكر الله- ودموعه تنحدر، فقم وسلّم عليه وعانقه، فإنه سيذعر منك كما يذعر الوحش، فعرّفه نفسك وانتسب له، فإنه يسكن إليك ويحدثك طويلا، ويسألك عنّا جميعا ويخبرك بشأنه ولا يضجر بجلوسك معه، ولا تطل عليه وودعه فإنه سوف يستعفيك من العودة إليه، فافعل ما يأمرك به من ذلك فإنك إن عدت إليه توارى عنك، واستوحش منك وانتقل عن موضعه، وعليه في ذلك مشقة.
فقلت: أفعل كما أمرتني. ثم جهزني إلى الكوفة وودعته وخرجت، فلما وردت الكوفة قصدت سكة بني حيّ بعد العصر، فجلست خارجها بعد أن تعرفت الباب الذي نعته لي، فلما غربت الشمس إذا أنا به قد أقبل يسوق الجمل، وهو كما وصف لي أبي، لا يرفع قدما ولا يضعها إلّا حرك شفتيه بذكر الله، ودموعه ترقرق في عينيه وتذرف أحيانا، فقمت فعانقته، فذعر مني كما يذعر الوحش من الإنس، فقلت: يا عم أنا يحيى بن الحسين بن زيد بن أخيك، فضمني إليه وبكى حتى قلت قد جاءت نفسه، ثم أناخ جمله، وجلس معي، فجعل يسألني عن أهله رجلا رجلا، وامرأة امرأة، وصبيا صبيا، وأنا أشرح له أخبارهم وهو يبكي، ثم قال: يا بني، أنا أستقي على هذا الجمل الماء، فأصرف ما أكتسب، يعني من أجرة الجمل. إلى صاحبه، وأتقوت باقيه، وربما عاقني عائق عن استقاء الماء فأخرج إلى البريّة، يعني بظهر الكوفة،
стр. 342
فألتقط ما يرمي الناس به من البقول فأتقوته.
وقد تزوجت إلى هذا الرجل ابنته، وهو لا يعلم من أنا إلى وقتي هذا، فولدت مني بنتا، فنشأت وبلغت، وهي أيضا لا تعرفني، ولا تدري من أنا، فقالت لي أمها: زوّج ابنتك بابن فلان السقاء- لرجل من جيراننا يسقي الماء- فإنه أيسر منا وقد خطبها، وألحّت عليّ، فلم أقدر على إخبارها بأن ذلك غير جائز، ولا هو بكفء لها، فيشيع خبري، فجعلت تلح عليّ فلم أزل أستكفي الله أمرها حتى ماتت بعد أيام، فما أجدني «١» آسي على شيء من الدنيا أساي على أنها ماتت ولم تعلم بموضعها من رسول الله (ص) .
قال: ثم أقسم عليّ أن أنصرف ولا أعود إليه وودّعني.
فلما كان بعد ذلك صرت إلى الموضع الذي انتظرته فيه لأراه فلم أره، وكان آخر عهدي به.
حدّثني أحمد بن عبيد الله بن عمّار، قال: نسخت من خط هارون بن محمد بن عبد الملك الزيّات، قال: حدثني عتبة «٢» بن المنهال، قال:
كان جعفر الأحمر «٣» ، وصباح الزعفراني ممن يقوم بأمر عيسى بن زيد، فلما بذل المهدي لعيسى بن زيد من جهة يعقوب بن داود ما بذل له من المال والصلة نودي «٤» بذلك في الأمصار ليبلغ عيسى بن زيد فيأمن، فقال عيسى لجعفر الأحمر وصباح: قد بذل لي من المال ما بذل، وو الله ما أردت حين أتيت الكوفة الخروج عليه، ولأن أبيت خائفا ليلة واحدة أحبّ إليّ من جميع ما بذل لي، ومن الدنيا بأسرها.
أخبرني عبد الله بن زيدان «٥» ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني سعيد بن
стр. 343
عمر بن جنادة البجلي، قال:
حج عيسى بن زيد والحسن [بن صالح] ، فسمعنا مناديا ينادي: ليبلغ الشاهد الغائب أن عيسى بن زيد آمن في ظهوره وتواريه، فرأى عيسى بن زيد الحسن بن صالح قد ظهر فيه سرور بذلك فقال: كأنك قد سررت بما سمعت، فقال: نعم. فقال له عيسى: والله لإخافتي إيّاهم ساعة أحبّ إليّ من كذا وكذا.
حدّثني عيسى بن الحسين الورّاق، قال: حدثنا محمد بن الحسين بن مسعود الروقي، قال: حدّثني السري بن مسكين الأنصاري المدني، قال:
حدثني يعقوب بن داود، قال:
دخلت مع المهدي في قبة في بعض الخانات في طريق خراسان، فإذا حائطها عليه أسطر مكتوبة، فدنا ودنوت معه فإذا هي هذه الأبيات:
والله ما أطعم طعم الرّقاد ... خوفا إذا نامت عيون العباد
شرّدني أهل اعتداء وما ... أذنبت ذنبا غير ذكر المعاد
آمنت بالله ولم يؤمنوا ... فكان زادي عندهم شر زاد
أقول قولا قاله خائف ... مطرد قلبي كثير السهاد
منخرق الخفّين يشكو الوجى ... تنكبه أطراف مرو حداد
شرده الخوف فأزرى به ... كذاك من يكره حرّ الجلاد
قد كان في الموت له راحة ... والموت خم في رقاب العباد «١»
قال: فجعل المهدي يكتب تحت كل بيت: «لك الأمان من الله ومني فأظهر متى شئت» حتى كتب ذلك تحتها أجمع، فالتفت فإذا دموعه تجري على خده، فقلت له: من ترى قائل هذا الشعر يا أمير المؤمنين؟.
قال: أتتجاهل عليّ؟ من عسى أن يقول هذا الشعر إلّا عيسى بن زيد.
стр. 344
قال: أبو الفرج الأصبهاني:
وقد أنشدني علي بن سليمان الأخفش هذا الشعر عن المنذر لعيسى بن زيد فقال فيه:
شرّدني فضل ويحيى وما ... أذنبت ذنبا غير ذكر المعاد
آمنت بالله ولم يؤمنا ... فطرداني خيفة في البلاد
والأول أصح، لأن عيسى لم يدرك سلطان آل برمك ومات قبل ذلك.
حدثني أحمد بن محمد، قال: حدّثني أحمد بن يحيى الحجري، قال حدثني الحسن بن الحسين الكندي، عن خصيب الوابشي، وكان من أصحاب زيد بن علي وكان خصيصا بعيسى بن زيد، قال:
كان عيسى بن زيد على ميمنة محمد بن عبد الله بن الحسن يوم قتل، ثم صار إلى إبراهيم فكان معه على ميمنته حتى قتل، ثم استتر بالكوفة في دار علي بن صالح بن حي، فكنا نصير إليه حال خوف، وربما صادفناه في الصحراء يستقي الماء على جمل لرجل من أهل الكوفة، فيجلس معنا ويحدثنا. وكان يقول لنا: والله لوددت أني آمن عليكم هؤلاء فأطيل مجالستكم، فأتزود من محادثتكم والنظر إليكم، فو الله إني لأتشوقكم وأتذكركم في خلوتي وعلى فراشي عند مضجعي، فانصرفوا لا يشهر موضعكم وأمركم فيلحقكم معرة وضرر.
حدّثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثني أحمد بن عبد الحميد، قال حدثني محمد بن عمرو بن عتبة، عن المختار بن عمر، قال:
رأيت خصيبا الوابشي قبّل يد عيسى بن زيد، فجذب عيسى يده ومنعه من ذلك، فقال له خصيب: قبّلت يد عبد الله بن الحسن فلم ينكر ذلك عليّ.
قال أبو الفرج:
وكان خصيب هذا من أصحاب زيد بن علي، وقد شهد معه حربه، وشهد مع محمد وإبراهيم حروبهما، وروى عنهم جميعا، وروى عن زيد بن علي أيضا عدة حكايات، ولم أسمع في روايته عنه حديثا مسندا.
حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثني أحمد بن يحيى بن المنذر، قال:
стр. 345
حدثنا الحسن بن الحسين الكندي، قال حدثنا خصيب الوابشي، قال:
كنت إذا رأيت زيد بن علي رأيت أسارير النور تجري في وجهه.
حدثنا جعفر بن محمد بن جعفر بن الحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، قال: حدثني محمد بن علي بن خلف العطار، قال حدثني محمد بن عمر والفقمي الرازي، قال: سمعت علي بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب العابد وهو أبو الحسين بن علي صاحب فخ، يقول:
لقد رأيتنا ونحن متوفرون وما فينا أحد خير من عيسى بن زيد.
حدّثنا جعفر بن محمد العلوي، قال: حدّثني محمد بن علي بن خلف، قال: حدّثني محمد بن عمرو الفقمي، قال:
قرأ عيسى بن زيد على عبد الله بن جعفر.
قال أبو الفرج:
عبد الله بن جعفر هذا والد علي بن عبد الله بن جعفر المدني المحدث، وكان من قراء القرآن، وكبار المحدثين، وخرج مع محمد بن عبد الله، فلم يزل معه حتى قتل محمد وطلبه المنصور فتوارى منه، وقد ذكرت خبره في ذلك في مقتل إبراهيم «١» .
حدّثني عبد الله بن زيدان البجلي، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني سعيد بن عمر بن جنادة البجلي، قال:
كان الحسن بن صالح، وعيسى بن زيد بمنى، فاختلفا في مسألة من السيرة، فبينما هما يتناظران فيها جاءهما رجل فقال: قد قدم سفيان الثوري، فقال الحسن بن صالح: قد جاء الشفاء.
فقال عيسى بن زيد: فأنا أسأله عن هذا الذي اختلفنا فيه، وسأل عن
стр. 346
موضعه فأخبر به، فقام إليه فمر في طريقه بجناب بن نسطاس «١» العرزمي فسلم عليه، ومضى إلى سفيان فسأله عن المسألة فأبى سفيان أن يجيبه خوفا على نفسه من الجواب لأنه كان شيء فيه على السلطان، فقال له الحسن [بن صالح] إنه عيسى بن زيد، فتنبه سفيان واستوفز، ثم نظر إلى عيسى بن زيد كالمستثبت فتقدم إليه فقال له: نعم أنا عيسى بن زيد. فقال: أحتاج إلى من يعرفك.
قال: جناب بن نسطاس أجيئك به.
فقال: افعل. قال: فذهب عيسى فجاءه به، فقال جناب بن نسطاس:
نعم يا أبا عبد الله هذا عيسى بن زيد، فبكى سفيان فأكثر البكاء، وقام من مجلسه فأجلسه فيه وجلس بين يديه، وأجابه عن المسألة، ثم ودعه وانصرف.
قال أبو الفرج:
وقد حدّثني بهذا الحديث أحمد بن محمد بن سعيد، وكنت ذكرت له ما حدثني به ابن زيدان من ذلك فقال: حدثني محمد بن سالم بن عبد الرحمن قال:
حدّثني المنذر بن جعفر العبدي عن أبيه، قال:
خرجت أنا والحسن، وعلي بن صالح ابنا حي، وعبد ربه بن علقمة، وجناب بن نسطاس مع عيسى بن زيد حجاجا بعد مقتل إبراهيم، وعيسى بيننا يستر نفسه في زي الجمالين، فاجتمعنا بمكة ذات ليلة في المسجد الحرام، فجعل عيسى بن زيد، والحسن بن صالح يتذاكران أشياء من السيرة، فاختلف هو وعيسى في مسألة منها، فلما كان من الغد دخل علينا عبد ربه بن علقمة فقال:
قدم عليكم الشفاء فيما اختلفتم فيه، هذا سفيان الثوري قد قدم، فقاموا بأجمعهم فخرجوا إليه، فجاءوه وهو في المسجد جالس، فسلموا عليه، ثم سأله عيسى بن زيد عن تلك المسألة، فقال: هذه مسألة لا أقدر على الجواب عنها لأن فيها شيئا على السلطان.
فقال له الحسن: إنه عيسى بن زيد، فنظر إلى جناب بن نسطاس مستثبتا، فقال له جناب: نعم هو عيسى بن زيد، فوثب سفيان فجلس بين يدي
стр. 347
عيسى وعانقه وبكى بكاء شديدا واعتذر إليه مما خاطبه به من الرد، ثم أجابه عن المسألة وهو يبكي وأقبل علينا فقال: إن حب بني فاطمة والجزع لهم مما هم عليه من الخوف والقتل والتطريد ليبكي من في قلبه شيء من الإيمان، ثم قال لعيسى:
قم بأبي أنت فأخف شخصك لا يصيبك من هؤلاء شيء نخافه، فقمنا فتفرقنا.
أخبرني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثني محمد بن سالم بن عبد الرحمن، قال علي بن جعفر الأحمر، حدثني أبي، قال:
كنت أجتمع أنا، وعيسى بن زيد، والحسن، وعلي ابنا صالح بن حي، وإسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، وجناب بن نسطاس، في جماعة من الزيدية في دار بالكوفة، فسعى ساع إلى المهدي بأمرنا ودلّه على الدار، فكتب إلى عامله بالكوفة بوضع الأرصاد علينا، فإذا بلغه اجتماعنا كبسنا وأخذنا ووجه بنا إليه.
فاجتمعنا ليلة في تلك الدار، فبلغه خبرنا فهجم علينا، ونذر القوم به وكانوا في علو الدار، فتفرقوا ونجوا جميعا غيري، فأخذني وحملني إلى المهدي فأدخلت إليه، فلما رآني شتمني بالزنا «١» وقال لي: يابن الفاعلة أنت الذي تجتمع مع عيسى بن زيد وتحثّه على الخروج عليّ وتدعو إليه الناس؟.
فقلت له: يا هذا، أما تستحيي من الله، ولا تتقي الله ولا تخافه، تشتم المحصنات وتقذفهن بالفاحشة، وقد كان ينبغي لك ويلزمك في دينك وما وليته، أن لو سمعت سفيها يقول مثل قولك أن تقيم عليه الحد.
فأعاد شتمي ثم وثب إليّ فجعلني تحته، وضربني بيديه، وخبطني برجليه، وشتمني.
فقلت له: إنك لشجاع شديد أيّد، حين قويت على شيخ مثلي تضربه، لا يقدر على المنع من نفسه ولا انتصار لها.
فأمر بحبسي والتضيق عليّ، فقيدت بقيد ثقيل وحبست سنين، فلما بلغه وفاة عيسى بن زيد بعث إليّ فدعاني فقال لي: من أي الناس أنت؟ قلت من المسلمين. قال: أعرابي أنت؟ قلت لا. قال فمن أي الناس أنت؟. قلت: كان
стр. 348
أبي عبدا لبعض أهل الكوفة وأعتقه فهو أبي.
فقال لي: إن عيسى بن زيد قد مات.
فقلت: أعظم بها مصيبة، ﵀، فلقد كان عابدا ورعا، مجتهدا في طاعة الله، غير خائف لومة لائم.
قال: أفما علمت بوفاته؟ قلت: بلى. قال: فلم لم تبشرني بوفاته؟.
فقلت: لم أحب أن أبشرك بأمر لو عاش رسول الله (ص) فعرفه لساءه.
فأطرق طويلا ثم قال: ما أرى في جسمك فضلا للعقوبة، وأخاف أن أستعمل شيئا منها فيك فتموت وقد كفيت عدوي، فانصرف في غير حفظ الله، والله لئن بلغني أنك عدت لمثل فعلك لأضربن عنقك.
قال: فانصرفت إلى الكوفة فقال المهدي للربيع: أما ترى قلّة خوفه وشدّة قلبه، هكذا يكون والله أهل البصائر.
قال علي بن جعفر: وحدثني أبي، قال:
اجتمعت أنا، وإسرائيل بن يونس، والحسن، وعلي ابنا صالح بن حي، في عدة من أصحابنا، مع عيسى بن زيد، فقال له الحسن بن صالح بن حي: متى تدافعنا بالخروج وقد اشتمل ديوانك على عشرة آلاف رجل؟.
فقال له عيسى: ويحك، أتكثر عليّ العدد وأنا بهم عارف، أما والله لو وجدت فيهم ثلثمائة رجل أعلم أنهم يريدون الله ، ويبذلون أنفسهم له، ويصدقون للقاء عدوه في طاعته، لخرجت قبل الصباح حتى أبلي عند الله عذرا في أعداء الله، وأجري أمر المسلمين على سنّته وسنّة نبيه (ص) ، ولكن لا أعرف موضع ثقة يفي ببيعته لله ، ويثبت عند اللقاء! قال: فبكى الحسن بن صالح حتى سقط مغشيا عليه.
قال: وحدثني أبي، قال:
دخلت على عيسى بن زيد وهو يأكل خبزا وقثاء، فأعطاني رغيفين وقثائتين
стр. 349
وقال لي: كل، فأكلت رغيفا ونصف الآخر مع قثاءة ونصف فشبعت وتركت الباقي، فلما كان بعد أيام جئته فأخرج لي الكسرة ونصف القثاءة وقد ماتت فقال لي: كل فقلت: وأي شيء كان في هذا حتى خبأته لي.
قال: قد أعطيتك إيّاه فصار لك فأكلت بعضه وبقي البعض، فكله إن شئت أو فتصدق به.
حدثنا محمد بن العباس اليزيدي، قال: حدثني عمي عبيد الله، عن القاسم بن أبي شيبة، عن أبي نعيم، قال:
حدّثني من شهد عيسى بن زيد لما انصرف من واقعة باخمري وقد خرجت عليه لبؤة معها أشبالها، فعرضت للطريق وجعلت تحمل على الناس، فنزل عيسى فأخذ سيفه وترسه ثم نزل إليها فقتلها، فقال له مولى له: أيتمت أشبالها يا سيدي فضحك فقال: نعم أنا ميتم الأشبال، فكان أصحابه بعد ذلك إذا ذكروه كنوا عنه وقالوا: قال موتم الأشبال كذا، وفعل موتم الأشبال كذا، فيخفى أمره.
وقد ذكر ذلك يموت بن المزرّع «١» في قصيدة رثى فيها أهل البيت ﵈.
وذكرها أيضا الشّميطي «٢» ، وكان من شعراء الامامية، في قصيدة عاب فيها من خرج من الزيدية رضوان الله عليهم فقال:
سنّ ظلم الإمام للناس زيد ... إنّ ظلم الإمام ذو عقّال
وبنو الشيخ والقتيل بفخ ... بعد يحيى وموتم الأشبال
أخبرنا عيسى بن الحسين الورّاق، قال: حدثني علي بن محمد بن سليمان
стр. 350
النوفلي قال: حدثني أبي عن أبيه وعمه، قال:
إن عيسى بن زيد انصرف من وقعة باخمري بعد مقتل إبراهيم فتوارى في دور ابن صالح بن حي، وطلبه المنصور طلبا ليس بالحثيث. وطلبه المهدي وجدّ في طلبه حينا فلم يقدر عليه، فنادى بأمانه ليبلغه ذلك فيظهر، فبلغه فلم يظهر، وبلغه خبر دعاة له ثلاثة وهم: ابن علاق الصيرفي، وحاضر مولى لهم، وصباح الزعفراني، فظفر بحاضر فحبسه، وقرّره ورفق به واشتد عليه ليعرّفه موضع عيسى فلم يفعل، فقتله.
ومكث طول حياة عيسى يطلب صباحا وابن علاق فلم يظفر بهما.
ثم مات عيسى بن زيد فقال صباح للحسن بن صالح: أما ترى هذا العذاب والجهد الذي نحن فيه بغير معنى، قد مات عيسى بن زيد ومضى لسبيله وإنما نطلب خوفا منه، فإذا علم أنه قد مات أمنوه وكفوا عنا، فدعني آتي هذا الرجل- يعني المهدي- فأخبره بوفاته حتى نتخلص من طلبه لنا، وخوفنا منه.
فقال: لا والله لا تبشر عدو الله بموت ولي الله ابن نبي الله، ولا نقر عينه فيه ونشمته به، فو الله لليلة يبيتها خائفا منه أحبّ إليّ من جهاد سنة وعبادتها.
قال: ومات الحسن بن صالح بعده بشهرين، فحدث صباح الزعفراني قال:
أخذت أحمد بن عيسى، وأخاه زيدا فجئت بهما إلى بغداد فجعلتهما في موضع أثق به عليهما، ثم لبست أطمارا وجئت إلى دار المهدي، فسألت أن أوصل إلى الربيع وأن يعرف أن عندي نصيحة وبشارة بأمر يسر الخليفة. فدخلوا عليه فأعلموه بذلك فخرجوا إليّ فأذنوا لي، فدخلت إليه وقال: ما نصيحتك؟.
فقلت: لا أقولها إلّا للخليفة.
فقال: لا سبيل إلى ذلك دون أن تعلمني النصيحة ما هي.
فقلت: أما النصيحة فلا أذكرها إلّا له، ولكن أخبره أني صباح الزعفراني، داعية عيسى بن زيد، فأدناني منه ثم قال:
стр. 351
يا هذا: لست تخلو من أن تكون صادقا أو كاذبا، وهو على الحالين قاتلك، إن كنت صادقا فأنت تعرف سوء أثرك عنده، وطلبه لك، وبلوغه في ذلك أقصى الغايات، وحرصه عليه، وحين تقع عينه عليك يقتلك.
وإن كنت كاذبا وإنما أردت الوصول إليه من أجل حاجة لك غاظه ذلك من فعلك فقتلك، وأنا ضامن لك قضاء حاجتك كائنة ما كانت لا أستثني شيئا.
فقلت: أنا صباح الزعفراني، والله الذي لا إله إلّا هو ما لي إليه حاجة، ولو أعطاني كل ما يملك ما أردته ولا قبلته، وقد صدقتك فإن أخبرته وإلّا توصلت إليه من جهة غيرك.
فقال: اللهم اشهد اني بريء من دمه، ثم وكّل بي جماعة من أصحابه وقام فدخل، فما ظننت أنه وصل إليه حتى نودي: هاتوا الصباح الزعفراني.
فأدخلت إلى الخليفة فقال لي: أنت صباح الزعفراني؟ قلت: نعم.
قال: فلا حيّاك الله ولا بيّاك، ولا قرّب دارك، يا عدو الله، أنت الساعي على دولتي، والداعي إلى أعدائي؟.
قلت: أنا والله هو، وقد كان كل ما ذكرته.
فقال: أنت إذا الخائن الذي أتت به رجلاه، أتعترف بهذا مع ما أعلمه منك، وتجيئني آمنا؟.
فقلت: إني جئتك مبشرا ومعزيا.
قال: مبشرا بماذا؟ ومعزيا بمن؟.
قلت: أما البشرى فبوفاة عيسى بن زيد.
وأما التعزية ففيه لأنه ابن عمك ولحمك ودمك.
فحول وجهه إلى المحراب وسجد وحمد الله، ثم أقبل عليّ وقال: ومنذ كم مات؟ قلت: منذ شهرين.
قال: فلم لم تخبرني بوفاته إلّا الآن؟.
стр. 352
قلت: منعني الحسن بن صالح، وأعدت عليه بعض قوله. قال: وما فعل؟ قلت: مات، ولولا ذلك ما وصل إليك الخبر ما دام حيا. فسجد سجدة أخرى وقال: الحمد لله الذي كفاني أمره، فلقد كان أشدّ الناس عليّ، ولعلّه لو عاش لأخرج عليّ غير عيسى، سلني ما شئت فو الله لأغنينك، ولا رددتك عن شيء تريده.
قلت: والله ما لي حاجة، ولا أسألك شيئا إلّا حاجة واحدة.
قال: وما هي؟ قلت: ولد عيسى بن زيد، والله لو كنت أملك ما أعولهم به ما سألتك في أمرهم ولا جئتك بهم، ولكنهم أطفال يموتون جوعا وضرّا، وهم ضائعون، وما لهم شيء يرجعون إليه، إنما كان أبوهم يستقي الماء ويعولهم، وليس لهم الآن من يكفلهم غيري، وأنا عاجز عن ذلك وهم عندي في ضنك، وأنت أولى الناس بصيانتهم، وأحق بحمل ثقلهم، فهم لحمك ودمك، وأيتامك وأهلك.
قال: فبكى حتى جرت دموعه، ثم قال: إذا يكونون والله عندي بمنزلة ولدي، لا أوثرهم عليهم بشيء، فأحسن الله يا هذا جزاءك عني وعنهم، فلقد قضيت حق أبيهم وحقوقهم، وخففت عني ثقلا، وأهديت إليّ سرورا عظيما.
قلت: ولهم أمان الله ورسوله وأمانك، وذمتك وذمة آبائك في أنفسهم وأهليهم وأصحاب أبيهم أن لا تتبع أحدا منهم بتبعة ولا تطلبه؟.
قال: ذلك لك لوهم من أمان الله وأماني، وذمتي وذمة آبائي، فاشترط ما شئت، فاشترطت عليه واستوثقت حتى لم يبق في نفسي شيء.
ثم قال: يا حبيبي، وأي ذنب لهؤلاء وهم أطفال صغار، والله لو كان أبوهم بموضعهم حتى يأتيني أو أظفر به ما كان له عندي إلّا ما يحب، فكيف بهؤلاء، إذهب يا هذا أحسن الله جزاءك فجئني بهم، وأسألك بحقي أن تقبل مني صلة تستعين بها على معاشك.
قلت: أما هذا فلا، فإنما أنا رجل من المسلمين يسعني ما يسعهم.
وخرجت فجئته بهم، فضمهم إليه وأمر لهم بكسوة ومنزل وجارية
стр. 353
تحضنهم، ومماليك يخدمونهم، وأفرد لهم في قصره حجرة.
وكنت أتعهدهم فأعرف أخبارهم. فلم يزالوا في دار الخلافة إلى أن قتل محمد الأمين وانتصر أمر دار الخلافة، وخرج من كان فيها، فخرج أحمد بن عيسى فتوارى، وكان أخوه زيد مرض قبل ذلك ومات.
حدّثني أحمد بن عبيد الله بن عمّار بهذا الخبر على خلاف هذه الحكاية، قال: حدّثني هاشم بن أحمد البغوي، قال: حدّثنا جعفر بن محمد بن إسماعيل، قال: حدّثني إبراهيم بن رياح، قال: حدّثني الفضل بن حماد الكوفي، وكان من أصحاب الحسن بن صالح بن حي:
أن عيسى بن زيد صار إلى الحسن بن صالح فتوارى عنده، فلم يزل على ذلك حتى مات في أيّام المهدي، فقال الحسن لأصحابه: لا يعلم بموته أحد فيبلغ السلطان فيسره ذلك، ولكن دعوه بخوفه ووجله منه وأسفه عليه حتى يموت، ولا تسروه بوفاته فيأمن مكروهه.
فلم يزل ذلك مكتوما حتى مات الحسن بن صالح ﵀، فصار إلى المهدي رجل يقال له ابن علّاق الصيرفي، وكان اسمه قد وقع إليه وبلغه أنه من أصحاب عيسى، فلما وقف ببابه واستأذن له الحاجب أمر بإدخاله إليه، فأدخل فسلم على المهدي بالخلافة وقال: أعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين في ابن عمك عيسى.
فقال له: ويحك ما تقول؟.
قال: الحق والله أقول. فقال: ومتى مات؟ فعرفه فقال: ما منعك أن تعرفني قبل هذا؟ قال: منعني الحسن بن صالح. وصدقه عن قوله فيه فقال له: لئن كنت صادقا لأحسنن صلتك، ولأوطئن الرجال عقبك.
قال: ليس لهذا قصدت، إنما علمت أنك في شك من أمره، ولم آمن أن يتشوف به الناس عندك، فأحببت أن تقف على خبره فتستريح وتريح.
قال: أما إنك جئتني ببشارتين يجل خطرهما موت عيسى والحسن بن صالح، وما أدّى بأيّهما أنا أشدّ فرحا، فسلني حاجتك.
стр. 354
قال: ولده تحفظهم، فو الله ما لهم من قليل ولا كثير. وكان الحسن بن عيسى بن زيد قد مات في حياة أبيه، وكان الحسين متزوجا ببنت الحسن بن صالح، فأتاه أحمد وزيد ابنا عيسى فنظر إليهما وأجرى لهما أرزاقا، ومضيا بإذنه إلى المدينة، فمات زيد بها، وبقي أحمد إلى خلافة الرشيد وصدرا من خلافته وهو ظاهر، ثم بلغ الرشيد بعد ذلك أنه يتنسك ويطلب الحديث وتجتمع إليه الزيدية، فبعث فأخذه وحبسه مدة إلى أن أمكنه التخلّص من الحبس، وخبره في ذلك يذكر مشروحا إذا انتهى الكتاب إلى أخباره، إن شاء الله تعالى.
حدثني عمي الحسن بن محمد، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه. قال: حدثنا محمد بن أبي العتاهية، قال: حدثني أبي «١» :
لما امتنعت من قول الشعر وتركته أمر المهدي بحبسي في سجن الجرائم، فأخرجت من بين يديه إلى الحبس، فلما أدخلته دهشت وذهل عقلي، ورأيت منظرا هالني، فرميت بطرفي أطلب موضعا آوي إليه أو رجلا آنس بمجالسته، فإذا أنا بكهل حسن السمت، نظيف الثوب، يبين عليه سيماء الخير فقصدته فجلست إليه من غير أن أسلم عليه أو أسأله عن شيء من أمره لما أنا فيه من الجزع والحيرة، فمكثت كذلك مليا وأنا مطرق مفكر في حالي، فأنشد هذا الرجل هذين البيتين. فقال:
تعوّدت مسّ الضرّ حتى ألفته ... وأسلمني حسن العزاء إلى الصبر
وصيّرني يأسي من الناس واثقا «٢» ... بحسن صنيع الله من حيث لا أدري
فاستحسنت البيتين وتبركت بهما وثاب إلى عقلي، فأقبلت على الرجل فقلت له: تفضل أعزّك الله بإعادة هذين البيتين.
فقال لي: ويحك يا إسماعيل، ولم يكنني، ما أسوأ أدبك، وأقل عقلك ومروءتك، دخلت إليّ ولم تسلم عليّ بتسليم المسلم على المسلم، ولا توجعت لي توجع المبتلي للمبتلى، ولا سألتني مسألة الوارد على المقيم حتى إذا سمعت من
стр. 355
ببيتين من الشعر الذي لم يجعل الله فيك خيرا ولا أدبا «١» ولا جعل لك معاشا غيره، لم تتذكر ما سلف منك فتتلافاه، ولا اعتذرت مما قدمته وفرّطت فيه من الحق حتى استنشدتني مبتديا، كأن بيننا أنسا قديما، ومعرفة شافية، وصحبة تبسط المنقبض! فقلت له: اعذرني متفضلا فإن دون ما أنا فيه يدهش.
قال: وفي أي شيء أنت، إنما تركت قول الشعر الذي كان جاهك عندهم وسبيلك إليهم، فحبسوك حتى تقوله، وأنت لا بد من أن تقوله، فتطلق، وأنا يدعى بي الساعة فأطالب بإحضار عيسى بن زيد بن رسول الله (ص) ، فإن دللت عليه فقتل لقيت الله بدمه، وكان رسول الله (ص) خصمي فيه، وإلّا قتلت، فأنا أولى بالحيرة منك، وأنت ترى احتسابي وصبري.
فقلت: يكفيك الله وأطرقت خجلا منه «٢» .
فقال لي: لا أجمع عليك التوبيخ والمنع، اسمع البيتين واحفظهما.
فأعادهما عليّ مرارا حتى حفظتهما، ثم دعى به وبي فلما قمنا قلت: من أنت أعزك الله؟.
قال: أنا حاضر «٣» صاحب عيسى بن زيد. فأدخلنا على المهدي، فلما وقف بين يديه قال له: أين عيسى بن زيد؟.
следующие страницы →