Полный текст (649 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
يا هذا: لست تخلو من أن تكون صادقا أو كاذبا، وهو على الحالين قاتلك، إن كنت صادقا فأنت تعرف سوء أثرك عنده، وطلبه لك، وبلوغه في ذلك أقصى الغايات، وحرصه عليه، وحين تقع عينه عليك يقتلك.
وإن كنت كاذبا وإنما أردت الوصول إليه من أجل حاجة لك غاظه ذلك من فعلك فقتلك، وأنا ضامن لك قضاء حاجتك كائنة ما كانت لا أستثني شيئا.
فقلت: أنا صباح الزعفراني، والله الذي لا إله إلّا هو ما لي إليه حاجة، ولو أعطاني كل ما يملك ما أردته ولا قبلته، وقد صدقتك فإن أخبرته وإلّا توصلت إليه من جهة غيرك.
فقال: اللهم اشهد اني بريء من دمه، ثم وكّل بي جماعة من أصحابه وقام فدخل، فما ظننت أنه وصل إليه حتى نودي: هاتوا الصباح الزعفراني.
فأدخلت إلى الخليفة فقال لي: أنت صباح الزعفراني؟ قلت: نعم.
قال: فلا حيّاك الله ولا بيّاك، ولا قرّب دارك، يا عدو الله، أنت الساعي على دولتي، والداعي إلى أعدائي؟.
قلت: أنا والله هو، وقد كان كل ما ذكرته.
فقال: أنت إذا الخائن الذي أتت به رجلاه، أتعترف بهذا مع ما أعلمه منك، وتجيئني آمنا؟.
فقلت: إني جئتك مبشرا ومعزيا.
قال: مبشرا بماذا؟ ومعزيا بمن؟.
قلت: أما البشرى فبوفاة عيسى بن زيد.
وأما التعزية ففيه لأنه ابن عمك ولحمك ودمك.
فحول وجهه إلى المحراب وسجد وحمد الله، ثم أقبل عليّ وقال: ومنذ كم مات؟ قلت: منذ شهرين.
قال: فلم لم تخبرني بوفاته إلّا الآن؟.
стр. 352
قلت: منعني الحسن بن صالح، وأعدت عليه بعض قوله. قال: وما فعل؟ قلت: مات، ولولا ذلك ما وصل إليك الخبر ما دام حيا. فسجد سجدة أخرى وقال: الحمد لله الذي كفاني أمره، فلقد كان أشدّ الناس عليّ، ولعلّه لو عاش لأخرج عليّ غير عيسى، سلني ما شئت فو الله لأغنينك، ولا رددتك عن شيء تريده.
قلت: والله ما لي حاجة، ولا أسألك شيئا إلّا حاجة واحدة.
قال: وما هي؟ قلت: ولد عيسى بن زيد، والله لو كنت أملك ما أعولهم به ما سألتك في أمرهم ولا جئتك بهم، ولكنهم أطفال يموتون جوعا وضرّا، وهم ضائعون، وما لهم شيء يرجعون إليه، إنما كان أبوهم يستقي الماء ويعولهم، وليس لهم الآن من يكفلهم غيري، وأنا عاجز عن ذلك وهم عندي في ضنك، وأنت أولى الناس بصيانتهم، وأحق بحمل ثقلهم، فهم لحمك ودمك، وأيتامك وأهلك.
قال: فبكى حتى جرت دموعه، ثم قال: إذا يكونون والله عندي بمنزلة ولدي، لا أوثرهم عليهم بشيء، فأحسن الله يا هذا جزاءك عني وعنهم، فلقد قضيت حق أبيهم وحقوقهم، وخففت عني ثقلا، وأهديت إليّ سرورا عظيما.
قلت: ولهم أمان الله ورسوله وأمانك، وذمتك وذمة آبائك في أنفسهم وأهليهم وأصحاب أبيهم أن لا تتبع أحدا منهم بتبعة ولا تطلبه؟.
قال: ذلك لك لوهم من أمان الله وأماني، وذمتي وذمة آبائي، فاشترط ما شئت، فاشترطت عليه واستوثقت حتى لم يبق في نفسي شيء.
ثم قال: يا حبيبي، وأي ذنب لهؤلاء وهم أطفال صغار، والله لو كان أبوهم بموضعهم حتى يأتيني أو أظفر به ما كان له عندي إلّا ما يحب، فكيف بهؤلاء، إذهب يا هذا أحسن الله جزاءك فجئني بهم، وأسألك بحقي أن تقبل مني صلة تستعين بها على معاشك.
قلت: أما هذا فلا، فإنما أنا رجل من المسلمين يسعني ما يسعهم.
وخرجت فجئته بهم، فضمهم إليه وأمر لهم بكسوة ومنزل وجارية
стр. 353
تحضنهم، ومماليك يخدمونهم، وأفرد لهم في قصره حجرة.
وكنت أتعهدهم فأعرف أخبارهم. فلم يزالوا في دار الخلافة إلى أن قتل محمد الأمين وانتصر أمر دار الخلافة، وخرج من كان فيها، فخرج أحمد بن عيسى فتوارى، وكان أخوه زيد مرض قبل ذلك ومات.
حدّثني أحمد بن عبيد الله بن عمّار بهذا الخبر على خلاف هذه الحكاية، قال: حدّثني هاشم بن أحمد البغوي، قال: حدّثنا جعفر بن محمد بن إسماعيل، قال: حدّثني إبراهيم بن رياح، قال: حدّثني الفضل بن حماد الكوفي، وكان من أصحاب الحسن بن صالح بن حي:
أن عيسى بن زيد صار إلى الحسن بن صالح فتوارى عنده، فلم يزل على ذلك حتى مات في أيّام المهدي، فقال الحسن لأصحابه: لا يعلم بموته أحد فيبلغ السلطان فيسره ذلك، ولكن دعوه بخوفه ووجله منه وأسفه عليه حتى يموت، ولا تسروه بوفاته فيأمن مكروهه.
فلم يزل ذلك مكتوما حتى مات الحسن بن صالح ﵀، فصار إلى المهدي رجل يقال له ابن علّاق الصيرفي، وكان اسمه قد وقع إليه وبلغه أنه من أصحاب عيسى، فلما وقف ببابه واستأذن له الحاجب أمر بإدخاله إليه، فأدخل فسلم على المهدي بالخلافة وقال: أعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين في ابن عمك عيسى.
فقال له: ويحك ما تقول؟.
قال: الحق والله أقول. فقال: ومتى مات؟ فعرفه فقال: ما منعك أن تعرفني قبل هذا؟ قال: منعني الحسن بن صالح. وصدقه عن قوله فيه فقال له: لئن كنت صادقا لأحسنن صلتك، ولأوطئن الرجال عقبك.
قال: ليس لهذا قصدت، إنما علمت أنك في شك من أمره، ولم آمن أن يتشوف به الناس عندك، فأحببت أن تقف على خبره فتستريح وتريح.
قال: أما إنك جئتني ببشارتين يجل خطرهما موت عيسى والحسن بن صالح، وما أدّى بأيّهما أنا أشدّ فرحا، فسلني حاجتك.
стр. 354
قال: ولده تحفظهم، فو الله ما لهم من قليل ولا كثير. وكان الحسن بن عيسى بن زيد قد مات في حياة أبيه، وكان الحسين متزوجا ببنت الحسن بن صالح، فأتاه أحمد وزيد ابنا عيسى فنظر إليهما وأجرى لهما أرزاقا، ومضيا بإذنه إلى المدينة، فمات زيد بها، وبقي أحمد إلى خلافة الرشيد وصدرا من خلافته وهو ظاهر، ثم بلغ الرشيد بعد ذلك أنه يتنسك ويطلب الحديث وتجتمع إليه الزيدية، فبعث فأخذه وحبسه مدة إلى أن أمكنه التخلّص من الحبس، وخبره في ذلك يذكر مشروحا إذا انتهى الكتاب إلى أخباره، إن شاء الله تعالى.
حدثني عمي الحسن بن محمد، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه. قال: حدثنا محمد بن أبي العتاهية، قال: حدثني أبي «١» :
لما امتنعت من قول الشعر وتركته أمر المهدي بحبسي في سجن الجرائم، فأخرجت من بين يديه إلى الحبس، فلما أدخلته دهشت وذهل عقلي، ورأيت منظرا هالني، فرميت بطرفي أطلب موضعا آوي إليه أو رجلا آنس بمجالسته، فإذا أنا بكهل حسن السمت، نظيف الثوب، يبين عليه سيماء الخير فقصدته فجلست إليه من غير أن أسلم عليه أو أسأله عن شيء من أمره لما أنا فيه من الجزع والحيرة، فمكثت كذلك مليا وأنا مطرق مفكر في حالي، فأنشد هذا الرجل هذين البيتين. فقال:
تعوّدت مسّ الضرّ حتى ألفته ... وأسلمني حسن العزاء إلى الصبر
وصيّرني يأسي من الناس واثقا «٢» ... بحسن صنيع الله من حيث لا أدري
فاستحسنت البيتين وتبركت بهما وثاب إلى عقلي، فأقبلت على الرجل فقلت له: تفضل أعزّك الله بإعادة هذين البيتين.
فقال لي: ويحك يا إسماعيل، ولم يكنني، ما أسوأ أدبك، وأقل عقلك ومروءتك، دخلت إليّ ولم تسلم عليّ بتسليم المسلم على المسلم، ولا توجعت لي توجع المبتلي للمبتلى، ولا سألتني مسألة الوارد على المقيم حتى إذا سمعت من
стр. 355
ببيتين من الشعر الذي لم يجعل الله فيك خيرا ولا أدبا «١» ولا جعل لك معاشا غيره، لم تتذكر ما سلف منك فتتلافاه، ولا اعتذرت مما قدمته وفرّطت فيه من الحق حتى استنشدتني مبتديا، كأن بيننا أنسا قديما، ومعرفة شافية، وصحبة تبسط المنقبض! فقلت له: اعذرني متفضلا فإن دون ما أنا فيه يدهش.
قال: وفي أي شيء أنت، إنما تركت قول الشعر الذي كان جاهك عندهم وسبيلك إليهم، فحبسوك حتى تقوله، وأنت لا بد من أن تقوله، فتطلق، وأنا يدعى بي الساعة فأطالب بإحضار عيسى بن زيد بن رسول الله (ص) ، فإن دللت عليه فقتل لقيت الله بدمه، وكان رسول الله (ص) خصمي فيه، وإلّا قتلت، فأنا أولى بالحيرة منك، وأنت ترى احتسابي وصبري.
فقلت: يكفيك الله وأطرقت خجلا منه «٢» .
فقال لي: لا أجمع عليك التوبيخ والمنع، اسمع البيتين واحفظهما.
فأعادهما عليّ مرارا حتى حفظتهما، ثم دعى به وبي فلما قمنا قلت: من أنت أعزك الله؟.
قال: أنا حاضر «٣» صاحب عيسى بن زيد. فأدخلنا على المهدي، فلما وقف بين يديه قال له: أين عيسى بن زيد؟.
стр. 356
قال: ما يدريني أين عيسى، طلبته وأخفته «١» فهرب منك في البلاد، وأخذتني فحبستني، فمن أين أقف على موضع هارب منك وأنا محبوس؟.
فقال له: فأين كان متواريا؟ ومتى آخر عهدك به؟ وعند من لقيته؟.
فقال: ما لقيته منذ توارى، ولا أعرف له خبرا.
قال: والله لتدلني عليه، أو لأضربن عنقك الساعة.
قال: اصنع ما بدا لك، أنا أدلك على ابن رسول الله (ص) لتقتله، فألقى الله ورسوله وهما يطالباني بدمه، والله لو كان بين ثوبي وجلدي ما كشفت عنه.
قال: اضربوا عنقه. فقدم فضرب عنقه.
ثم دعاني فقال: أتقول الشعر أو ألحقك به.
فقلت: بل أقول الشعر، فقال: أطلقوه.
قال محمد بن القاسم بن مهرويه، والبيتان اللذان سمعهما من حاضر في شعره الآن.
قال أبو الفرج:
وقد روى هذا الخبر غير ابن مهرويه بغير هذا الإسناد، فذكر أن حاضرا كان داعية لأحمد بن عيسى بن زيد، وان قصته مع أبي العتاهية كانت في أيام الرشيد، وأن الرشيد قتله بسبب أحمد بن عيسى بن زيد ومطالبته إيّاه بإحضاره أو الدلالة عليه.
والأول عندي أصح.
стр. 357
أيام موسى الهادي
ابن محمد المهدى بن أبى جعفر المنصور ومن قتل منهم فيها
стр. 358
٣٦- الحسين بن علي بن الحسن
والحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب صاحب فخ «١» ويكنى أبا عبد الله.
وأمه زينب بنت عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب.
وأمها هند بنت أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة بن الأسود «٢» .
وهي أخت محمد وإبراهيم وموسى لأبيهم وأمهم.
وكانت زينب ترقص الحسين وهو صغير وأخاه وهو الحسن وتقول:
تعلم يابن زينب وهند ... كم لك بالبطحاء من معدّ
من خال صدق ماجد وجدّ وكان يقال لزينب وزوجها علي بن الحسن: الزوج الصالح لعبادتهما.
ولما قتل أبو جعفر أباها وأخاها وعمومتها وبنيهم وزوجها كانت تلبس المسوح، ولا تجعل بين جسدها وبينها شعارا حتى لحقت بالله .
وكانت تندبهم وتبكي حتى يغشى عليها، ولا تذكر أبا جعفر بسوء تحرجا من ذلك وكراهة لأن تشفي نفسها بما يؤثمها، ولا تزيد على أن تقول: يا فاطر السموات والأرض، يا عالم الغيب والشهادة، الحاكم بين عباده احكم بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الحاكمين.
حدّثنا أحمد بن سعيد، قال: حدّثنا يحيى بن الحسن العلوي، قال:
حدّثنا موسى بن عبد الله بن موسى، قال: حدّثتني عمتي رقية بنت موسى، قالت:
ما فارقت عمتي زينب بنت عبد الله درع شقائق حتى لحقت بالله.
стр. 359
قال أبو الفرج الأصبهاني: [شقائق تعني الأمساح] «١» .
ونبدأ بذكر من قتل معه من أهل بيته حسبما شرطناه في هذا الكتاب ثم نأتي بسياقة خبرهم.
٣٧- سليمان بن عبد الله
فمنهم سليمان بن عبد الله «٢» بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب وأمه عاتكة بنت عبد الملك بن الحرث الشاعر بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم.
وهي التي كلمت أبا جعفر لما حج، وقالت: يا أمير المؤمنين أيتامك بنو عبد الله بن الحسن فقراء لا شيء لهم، فردّ عليهم ما قبضه من أموالهم «٣» .
٣٨- الحسن بن محمد
والحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب وأمه أم سلمة بنت محمد بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵈.
ضربت عنقه صبرا بعد وقعة فخ «٤» .
٣٩- عبد الله بن إسحاق
وعبد الله بن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب وأمه رقية بنت عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵇.
стр. 360
وهو الذي يقال له الجدّي «١» قتل في الوقعة.
ثم نرجع الخبر الآن إلى أخبار الحسين بن علي بن الحسن صاحب فخ
حدّثني علي بن إبراهيم بن محمد بن الحسن بن محمد بن عبيد الله بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب «٢» ، وأحمد بن محمد بن سعيد، قالا: حدّثنا الحسين بن الحكم، وقال: حدّثنا الحسن بن الحسن، قال:
حدّثنا الحكم بن جامع الثّمالي، عن الحسين بن زيد، قال: حدّثتني أمي ريطة بنت عبد الله بن محمد الحنفية عن زيد، قال: وكان الحسين بن زيد يسميها أمي ولم تكن أمه «٣» ، إنما كانت أم أخيه يحيى بن زيد، عن زيد بن علي، قال:
انتهى رسول الله (ص) إلى موضع فخ فصلّى بأصحابه صلاة الجنازة ثم قال: يقتل ها هنا رجل من أهل بيتي في عصابة من المؤمنين، ينزل لهم بأكفان وحنوط من الجنة، تسبق أرواحهم أجسادهم إلى الجنة.
وذكر من فضلهم أشياء لم تحفظها ريطة.
أخبرني علي «٤» بن العباس المقانعي:
قال: [حدّثني علي بن إبراهيم، قال: حدّثنا محمد بن إبراهيم المقري، قال: حدّثنا الحسن بن علي الأسدي] «٥» .
قال: حدّثنا الحسن بن عبد الواحد، قال: حدّثني عبد الرحمن بن القاسم بن إسماعيل، قال: حدّثنا الحسين بن المفضل العطار، قال: حدّثنا محمد بن فضيل، عن محمد بن إسحاق، عن أبي جعفر محمد بن علي، قال:
مرّ النبي (ص) بفخ فنزل فصلّى ركعة، فلما صلّى الثانية بكى وهو في
стр. 361
الصلاة، فلما رأى الناس النبي (ص) يبكي بكوا، فلما انصرف قال: ما يبكيكم؟ قالوا: لما رأيناك تبكي بكينا يا رسول الله، قال: نزل عليّ جبريل لمّا صلّيت الركعة الأولى فقال: يا محمد إن رجلا من ولدك يقتل في هذا المكان، وأجر الشهيد معه أجر شهيدين.
حدّثني أحمد بن محمد بن سعيد، وعلي بن إبراهيم العلوي، قالا:
حدّثنا الحسين بن الحكم، قال: حدّثنا الحسن بن الحسين، قال: حدّثنا النضر بن قرواش «١» ، قال:
أكريت جعفر بن محمد من المدينة إلى مكة، فلما ارتحلنا من بطن مرّ، قال لي: يا نضر إذا انتهيت إلى فخ فأعلمني، قلت: أولست تعرفه؟ قال: بلى! ولكن أخشى أن تغلبني عيني. فلما انتهينا إلى فخ دنوت من المحمل، فإذا هو نائم فتنحنحت فلم يتنبه، فحركت المحمل فجلس، فقلت: فقد بلغت، فقال. حلّ محملي، فحللته ثم قال: صل القطار، فوصلته ثم تنحيت به عن الجادة فأنخت بعيره فقال: ناولني الإداوة والرّكوة، فتوضأ وصلّى ثم ركب فقلت له: جعلت فداك، رأيتك قد صنعت شيئا أفهو من مناسك الحج؟ قال:
لا، ولكن يقتل ها هنا رجل من أهل بيتي في عصابة تسبق أرواحهم أجسادهم إلى الجنة.
حدّثني أحمد بن سعيد، قال: حدّثنا الحسين بن الحكم، قال: حدّثنا الحسن بن الحسين [بن جامع عن موسى بن عبد الله بن الحسن] «٢» ، قال:
حججت مع أبي فلما انتهينا إلى فخ أناخ محمد بن عبد الله بعيره فقال لي أبي: قل له يثير بعيره، فقلت له، فأثاره ثم قلت لأبي: يا أبة لم كرهت له هذا؟ قال: إنه يقتل في هذا الموضع رجل من أهل بيتي يتعاوى عليه الحاج، فنفست أن يكون هو.
حدّثني علي بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم، قال: حدّثنا
стр. 362
علي بن صاعد، قال: حدّثنا حسن بن محمد المولى «١» .
قال: حدّثنا علي بن الحسين الحضرمي، قال: سمعت الحسن بن هذيل، يقول:
بعت لحسين بن علي صاحب فخ حائطا «٢» بأربعين ألف دينار، فنثرها على بابه، فما دخل إلى أهله منها حبة، كان يعطيني كفّا كفّا فأذهب به إلى فقراء أهل المدينة.
حدثني علي بن إبراهيم الجواني «٣» قال: حدّثنا الحسن بن [علي بن] «٤» هاشم قال: حدّثنا علي بن إبراهيم مؤذن مسجد الأشتر، قال: حدّثني الحسن ابن هذيل، قال:
قال لي الحسين صاحب فخ: اقترض لي أربعة آلاف درهم، فذهبت إلى صديق لي فأعطاني ألفين وقال لي: إذا كان غد «٥» فتعال حتى أعطيك ألفين، فجئت فوضعتها تحت حصير كان يصلي عليه، فلما كان من الغد أخذت الألفين الأخريين ثم جئت أطلب الذي وضعته تحت الحصير فلم أجده، فقلت له:
يابن رسول الله، ما فعل الألفان؟ قال: لا تسأل عنهما، فأعدت فقال: تبعني رجل أصفر من أهل المدينة فقلت: ألك حاجة؟ فقال: لا ولكني أحببت أن أصل جناحك فأعطيته إيّاها، أما اني أحسبني ما أجرت على ذلك لأني لم أجد لها حبّا «٦» ، وقال الله : لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا ممّا تحبّون «٧» .
حدّثنا علي بن إبراهيم، قال: حدّثنا جعفر بن محمد، قال: حدثنا عباد بن يعقوب، قال: أخبرني يحيى بن سليمان، قال:
اشترى لحسين بن علي صاحب فخ ثوبان فكسا أبا حمزة، وكان يخدمه،
стр. 363
ثوبا منها، وارتدى هو بثوب، فأتاه سائل وهو ذاهب إلى المسجد فسأله، فقال: أعطه يا أبا حمزة ثوبك، قال: فقلت له: أمشي بغير رداء. فلم يزل بي حتى أعطيته، ثم مشى السائل معه حتى إذا أتى منزله نزع رداءه وقال ائتزر برداء أبي حمزة وارتد بهذا، فتبعته فاشتريت الثوبين منه بدينارين وأتيته بهما، فقال:
بكم اشتريتهما؟ قلت: بدينارين، فأرسل إلى السائل يدعوه، فقلت له:
امرأتي طالق إن رددتهما عليه أو دعوته، فحين حلفت تركه.
حدثني علي بن إبراهيم «١» ، قال: حدّثنا جعفر بن أحمد، قال: حدّثني هاشم بن قريش، قال:
أتى رجل الحسين بن علي صاحب فخ فسأله، فقال: ما عندي شيء أعطيكه ولكن اقعد فإن حسنا أخي يجيء فيسلم عليّ فإذا جاء فقم فخذ الحمار، فلم يكن أسرع من أن جاء الحسن فنزل عن الحمار وقاده الغلام، وكان الحسن مكفوفا فأشار الحسين إلى الرجل أن قم فخذ الحمار، فجاء إليه ليأخذه فمنعه الغلام، فأشار إليه الحسين أن يدفعه إليه فدفعه إليه، فمضى الرجل وقعد الحسن عنده فتحدث ما شاء الله ثم وثب فقال يا غلام قدم الحمار، فقال:
جعلت فداك، أمرني أخوك أن أدفعه إلى رجل فدفعته إليه، فأدار وجهه إلى أخيه وقال: جعلت فداك، أعرت أم وهبت؟ بل والله ما أرى مثلك يعير، يا غلام قدني.
حدّثني علي بن إبراهيم، قال: حدّثنا الحسن بن علي بن هشام، قال:
حدّثنا محمد بن مروان، قال: حدّثني حمدون القرا «٢» ، قال:
ركب الحسين بن علي صاحب فخ دين كثير فقال لغرمائه: الحقوني إلى باب المهدي، وخرج فجاء إلى باب المهدي فقال لآذنه: ابن عمك الينبعي «٣» على الباب، قال: وكان راكبا على جمل، فقال له ويلك، أدخله على جمله،
стр. 364
فأدخله حتى أناخه في وسط الدار، فوثب المهدي فسلّم عليه وعانقه وأجلسه إلى جنبه، وجعل يسأله عن أهله، ثم قال: يابن عم، ما جاء بك؟ قال: ما جئت وورائي أحد يعطيني درهما، قال: أفلا كتبت إلينا، قال: أحببت أن أحدث بك عهدا، فدعا المهدي ببدرة دنانير، وبدرة من دراهم، وتخت من ثياب حتى دعا له بعشر بدر دنانير، وعشر بدر دراهم وعشرة تخوت فدفعها إليه، وخرج فطرح ذلك في دار ببغداد، وجاء غرماؤه فكان يقول للواحد: كم لك علينا؟ فيقول: كذا وكذا، فيزن له، ثم يدخل يده في تلك الدراهم والدنانير فيقول: هذا صلة منّا لك، فلم يزل حتى لم يبق من ذلك المال إلّا شيء يسير، ثم انحدر إلى الكوفة يريد المدينة فنزل قصر ابن هبيرة في خان، فقيل لصاحب الخان: هذا رجل من ولد رسول الله (ص) ، فأخذ له سمكا فشواه وجاء به ومعه رقاق وقال له: لم أعرفك يابن رسول الله، فقال لغلامه: كم بقي معك من ذلك المال؟ قال: شيء يسير والطريق بعيد، قال: إدفعه إليه، فدفعه إليه.
حدّثنا علي بن إبراهيم العلوي، قال: حدّثنا محمد بن إبراهيم المقري «١» ، قال: حدّثنا جعفر بن محمد، قال: حدّثني إسماعيل بن إبراهيم الواسطي قال:
جاء رجل إلى الحسين بن علي صاحب فخ فسأله فلم يكن عنده شيء فأقعده، وبعث إلى أهل داره من أراد أن يغسل ثيابه فليخرجها، فأخرجوا ثيابهم ليغسلوها «٢» فلما اجتمعت قال للرجل: خذها «٣» .
حدثني علي بن إبراهيم، قال: حدثنا الحسن بن علي بن هاشم، قال:
حدثنا القاسم بن خليفة الخزاعي، قال:
عاتب رجل الحسن بن علي صاحب فخ في سنة تسع وستين ومائة وقال:
стр. 365
عليك «١» دين سبعون ألف دينار فقال «٢» أخذت من المزرفن يعني المقير «٣» زيتا بألف دينار فجعل الرجل يجيئني والمرأة فأعطيها الزق والزقين حتى لم يبق شيء، ثم قلت له: ما أخذه منك فلان من شيء فاحسبه عليّ، فأخذ منه عشرة آلاف، فكنت أقول له ما هذا؟.
حدّثني علي بن إبراهيم، قال حدثنا أحمد بن حمدان بن إدريس، قال:
حدثنا محمد بن إبراهيم بن أبي العلاء، قال: حدثني كردي بن يحيى، عن الحسن بن هذيل، قال:
كنت أصحب الحسين بن علي صاحب فخ فقدم إلى بغداد فباع ضيعه له بتسعة آلاف دينار، فخرجنا فنزلنا سوق أسد فبسط لنا على باب الخان، فأتى رجل معه سلة فقال له: مرّ الغلام يأخذ مني هذه السلة، فقال له: وما أنت؟
قال: أنا أصنع الطعام الطيّب فإذا نزل هذه القرية رجل من أهل المروءة أهديته إليه، قال: يا غلام خذ السلة منه، وعد إلينا لتأخذ سلّتك، قال: ثم أقبل علينا رجل عليه ثياب رثة فقال: أعطوني مما رزقكم الله، فقال لي الحسين:
ادفع إليه السلة، وقال له: خذ ما فيها وردّ الإناء، ثم أقبل عليّ وقال: إذا رد السائل السلة فادفع إليه خمسين دينارا، وإذا جاء صاحب السلة فادفع إليه مائة دينار، فقلت إبقاء مني عليه «٤» : جعلت فداك، بعت عينا لك لتقضي دينا عليك فسألك سائل فأعطيته طعاما هو مقنع له، فلم ترض حتى أمرت له بخمسين دينار، وجاءك رجل بطعام لعلّه يقدر فيه دينارا أو دينارين، فأمرت له بمائة دينار. فقال: يا حسن إن لنا ربّا يعرف الحسنات، إذا جاء السائل فادفع له مائة دينار، وإذا جاء صاحب السلة فادفع إليه مائتي دينار، والذي نفسي بيده إني لأخاف أن لا يقبل مني لأن الذهب والفضة والتراب عندي بمنزلة واحدة.
(ذكر مقتله رضوان الله عليه ورحمته)
حدثني به جماعة من الرواة منهم: أحمد بن عبيد الله [بن محمد] بن عمّار
стр. 366
[الثقفي] «١» وعلي بن إبراهيم العلوي، وغيرهما ممن كتبت الشيء عنه من أخباره متفرقا، أو رواه لي مجتمعا، قال: أحمد بن عبيد الله بن عمّار، قال:
حدثني علي بن محمد بن سليمان النوفلي، عن أبيه، قال، وحدثني أحمد بن سليمان بن أبي شيخ، وعمر بن شبّة «٢» النميري، عن أبيه، قال، وحدثني يعقوب بن إسرائيل مولى المنصور، ونسخت أيضا من أخباره ما وجدته بخط أحمد بن الحرث الخرّاز. وحدثنا علي بن العباس المقانعي، قال: حدثنا محمد بن الحسن المزني، قال: حدثنا أحمد بن الحسن بن مروان، قال: قرأ عليّ هذه الأخبار عبد العزيز بن عبد الملك الهاشمي، قال علي بن إبراهيم، قال الحسن بن محمد المزني، حدثني علي بن محمد بن إبراهيم، عن بكر بن صالح، عن عبد الله بن إبراهيم الجعفري، وقد دخل حديث بعضهم في حديث الباقين، وأحدهم يأتي بالشيء لا يأتي به الآخر، وقد أثبتّ جميع رواياتهم في ذلك، إلّا ما لعلّه أن يخالف المعنى خلافا بعيدا فأفرده، قالوا «٣» :
كان سبب خروج الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ان موسى الهادي ولّى المدينة إسحاق بن عيسى بن علي، فاستخلف عليها رجلا من ولد عمر بن الخطاب يعرف بعبد العزيز بن عبد الله «٤» ، فحمل على الطالبيين وأساء إليهم، وأفرط في التحامل عليهم، وطالبهم بالعرض كل يوم، وكانوا يعرضون في المقصورة، وأخذ كل واحد منهم بكفالة قرينه ونسيبه فضمن الحسين بن علي ويحيى بن عبد الله بن الحسن، الحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن، ووافى أوائل الحاج، وقدم من الشيعة نحو من سبعين رجلا، فنزلوا دار ابن أفلح بالبقيع وأقاموا بها، ولقوا حسينا
стр. 367
وغيره، فبلغ ذلك العمري فأنكره، وكان قد أخذ قبل ذلك الحسن بن محمد بن عبد الله، وابن جندب الهذلي الشاعر، ومولى لعمر بن الخطاب «١» ، وهم مجتمعون، فأشاع أنه وجدهم على شراب، فضرب الحسن ثمانين سوطا، وضرب ابن جندب خمسة عشر سوطا، وضرب مولى عمر سبعة أسواط، وأمر بأن يدار بهم في المدينة مكشفي الظهور ليفضحهم. فبعثت إليه الهاشمية صاحبة الراية السوداء في أيام محمد بن عبد الله فقالت له: لا ولا كرامة لا تشهر أحدا من بني هاشم وتشنع عليهم وأنت ظالم. فكفّ عن ذلك وخلّي سبيلهم.
رجع الحديث إلى خبر الحسين.
قالوا: فلما اجتمع النفر من الشيعة في دار بن أفلح أغلظ العمري أمر العرض، وولّى على الطالبيين رجلا يعرف بأبي بكر بن عيسى الحائك مولى الأنصار، فعرضهم يوم جمعة فلم يأذن لهم بالانصراف حتى بدأ أوائل الناس يجيئون إلى المسجد، ثم أذن لهم فكان قصارى أحدهم أن يغدو ويتوضأ للصلاة ويروح إلى المسجد، فلما صلّوا حبسهم في المقصورة إلى العصر، ثم عرضهم فدعا باسم الحسن بن محمد فلم يحضر، فقال ليحيى والحسين بن علي: لتأتياني به أو لأحبسنكما فإن له ثلاثة أيّام لم يحضر العرض ولقد خرج أو تغيّب، فرادّه بعض المرادّة وشتمه يحيى، وخرج فمضى ابن الحائك هذا فدخل على العمري فأخبره فدعا بهما فوبخهما وتهددهما، فتضاحك الحسين في وجهه وقال: أنت مغضب يا أبا حفص.
فقال له العمري: أتهزأ بي وتخاطبني بكنيتي؟.
فقال له: قد كان أبو بكر وعمر، وهما خير منك، يخاطبان بالكنى فلا ينكران ذلك، وأنت تكره الكنية وتريد المخاطبة بالولاية.
فقال له: آخر قولك شر من أوله.
فقال: معاذ الله، يأبى الله لي ذلك ومن أنا منه.
فقال له: أفأنما أدخلتك إليّ لتفاخرني وتؤذيني؟ فغضب يحيى بن عبد الله
стр. 368
فقال له: فما تريد منا؟.
فقال: أريد أن تأتياني بالحسن بن محمد.
فقال: لا نقدر عليه، هو في بعض ما يكون فيه الناس، فابعث إلى آل عمر بن الخطاب فاجمعهم كما جمعتنا، ثم اعرضهم رجلا رجلا، فإن لم تجد فيهم من قد غاب أكثر من غيبة الحسن عنك فقد أنصفتنا، فحلف على الحسين بطلاق امرأته وحرية مماليكه أنه لا يخلي عنه أو يجيئه به في باقي يومه وليلته، وأنه إن لم يجيء به ليركبن إلى سويقه فيخربها ويحرقها، وليضربن الحسين ألف سوط، وحلف بهذه اليمين إن وقعت عينه على الحسن بن محمد ليقتلنه من ساعته.
فوثب يحيى مغضبا فقال له: أنا أعطي الله عهدا، وكل مملوك لي حر إن ذقت الليلة نوما «١» حتى آتيك بالحسن بن محمد أو لا أجده، فأضرب عليك بابك حتى تعلم أني قد جئتك. وخرجا من عنده وهما مغضبان، وهو مغضب، فقال الحسين ليحيى بن عبد الله: بئس لعمر الله ما صنعت حين تحلف لتأتينه به، وأين تجد حسنا؟.
قال: لم أرد أن آتيه بالحسن والله، وإلّا فأنا نفي من رسول الله (ص) [ومن علي ﵇] بل أردت إن دخل عيني نوم حتى أضرب عليه بابه ومعي السيف، إن قدرت عليه قتلته.
فقال له الحسين: بئسما تصنع تكسر علينا أمرنا.
قال له يحيى: وكيف أكسر عليك أمرك، وإنما بيني وبين ذلك عشرة أيام حتى تسير إلى مكة، فوجه الحسين إلى الحسن بن محمد فقال: يابن عمي، قد بلغك ما كان بيني وبين هذا الفاسق، فامض حيث أحببت.
فقال الحسن: لا والله يابن عمي، بل أجيء معك الساعة حتى أضع يدي في يده.
стр. 369
فقال له الحسين: ما كان الله ليطلع عليّ وأنا جاء إلى محمد (ص) وهو خصمي وحجيجي في دمك، ولكن أقيك بنفسي لعلّ الله أن يقيني من النار.
قال: ثم وجه، فجاءه يحيى، وسليمان، وإدريس، بنو عبد الله بن الحسن، وعبد الله بن الحسن الأفطس، وإبراهيم بن إسماعيل طباطبا وعمر بن الحسن بن علي بن الحسن بن الحسين بن الحسن، وعبد الله بن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي، وعبد الله بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. ووجّهوا إلى فتيان من فتيانهم ومواليهم، فاجتمعوا ستة وعشرين رجلا من ولد علي، وعشرة من الحاج، ونفر من الموالي. فلما أذّن المؤذن للصبح دخلوا المسجد ثم نادوا: «أحد، أحد» وصعد عبد الله بن الحسن الأفطس المنارة التي عند رأس النبي (ص) عند موضع الجنائز فقال للمؤذن: أذّن بحيّ على خير العمل، فلما نظر إلى السيف في يده أذّن بها وسمعه العمري فأحس بالشرودهش، وصاح: أغلقوا «١» البغلة الباب وأطعموني حبتي ماء.
قال علي بن إبراهيم في حديثه: فولده [إلى] الآن بالمدينة يعرفون ببني حبتي ماء.
قالوا: ثم اقتحم إلى دار عمر بن الخطاب وخرج في الزقاق المعروف بزقاق عاصم بن عمر، ثم مضى هاربا على وجهه يسعى ويضرط حتى نجا، فصلى الحسين بالناس الصبح ودعا بالشهود العدول الذين كان العمري أشهدهم عليه أن يأتي بالحسن إليه، ودعى بالحسن وقال للشهود: هذا الحسن قد جئت به فهاتوا العمري وإلّا والله خرجت من يميني ومما عليّ.
ولم يتخلف عنه أحد من الطالبيين إلّا الحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن، فإنه استعفاه فلم يكرهه. وموسى بن جعفر بن محمد. فحدثني علي بن إبراهيم العلوي، قال: حدثني حمدان بن إبراهيم، قال: حدثنا يحيى بن الحسين بن الفرات، قال: حدثني عنيزة القصباني، قال:
رأيت موسى بن جعفر بعد عتمة وقد جاء إلى الحسين صاحب فخ، فانكب عليه شبه الركوع وقال: أحب أن تجعلني في سعة وحل من تخلفي عنك، فأطرق
стр. 370
الحسين طويلا لا يجيبه، ثم رفع رأسه إليه فقال: أنت في سعة.
حدثني علي بن إبراهيم، قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري، قال: حدثنا عباد بن يعقوب، قال: حدثنا عنيزة القصباني «١» «٢» بهذا:
رجع الحديث إلى حيث انتهى من قصصهم.
قال: وقال الحسين لموسى بن جعفر في الخروج فقال له: إنك مقتول فأحدّ الضراب فإن القوم فسّاق يظهرون إيمانا، ويضمرون نفاقا وشركا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وعند الله أحتسبكم من عصبة.
قال: وخطب الحسين بن علي بعد فراغه من الصلاة فحمد الله وأثنى عليه وقال:
أنا ابن رسول الله، على منبر رسول الله، وفي حرم رسول الله، أدعوكم إلى سنة رسول الله (ص) «٣» .
أيّها الناس: أتطلبون آثار رسول الله في الحجر والعود، وتتمسحون بذلك، وتضيعون بضعة منه! فقال الراوي للحديث: فقلت في نفسي قولا أسره: إنا لله ما صنع هذا بنفسه. قال: وإلى جنبي عجوز مدنية فقالت: اسكت ويلك، ألابن رسول الله تقول هذا؟
قلت: يرحمك الله والله ما قلت هذا إلّا للإشفاق عليه.
قالوا: فأقبل خالد البربري «٤» وكان مسلحة للسلطان بالمدينة في السلاح «٥» ومعه أصحابه حتى وافوا باب المسجد الذي يقال له: باب جبرائيل، فنظرت إلى يحيى بن عبد الله قد قصده وفي يده السيف فأراد خالد أن ينزل فبدره يحيى فضربه
стр. 371
على جبينه، وعليه البيضة والمغفر والقلنسوة، فقطع ذلك كلّه وأطار قحف رأسه، وسقط عن دابته، وحمل على أصحابه فتفرقوا وانهزموا «١» .
وحج في تلك السنة مبارك التركي فبدأ بالمدينة للزيارة فبلغه خبر الحسين فبعث إليه من الليل: إني والله ما أحب أن تبتلى بي ولا أبتلي بك «٢» ، فبعث الليلة إليّ نفرا من أصحابك ولو عشرة يبيتون عسكري حتى أنهزم واعتل بالبيات، ففعل ذلك الحسين، ووجه عشرة من أصحابه فجعجعوا بمبارك وصيّحوا في نواحي عسكره، فطلب دليلا يأخذ به غير الطريق فوجده فمضى به حتى انتهى إلى مكة «٣» .
وحج في تلك السنة العباس بن محمد، وسليمان بن أبي جعفر، وموسى بن عيسى «٤» ، فصار مبارك معهم، واعتل عليهم بالبيات.
وخرج الحسين بن علي قاصدا إلى مكة ومعه من تبعه من أهله ومواليه وأصحابه وهم زهاء ثلثمائة، واستخلف على المدينة دنيار الخزاعي، فلما قربوا من مكة فصاروا بفخ وبلدح «٥» تلقتهم الجيوش، فعرض العباس على الحسين الأمان والعفو والصلة فأبى ذلك أشد الإباء.
قال الحسن بن محمد: وحدثني سليمان بن عبّاد، قال:
لما أن رأى الحسين المسودة أقعد رجلا على جمل، معه سيف يلوّح به، والحسين يملي عليه حرفا حرفا يقول: نادي، فنادى:
يا معشر الناس، يا معشر المسودة، هذا الحسين بن رسول الله (ص) ، وابن عمه، يدعوكم إلى كتاب الله وسنّة رسول الله (ص) .
قال الحسن: وحدثني محمد بن مروان عن أرطاة، قال:
стр. 372
لما كانت بيعة الحسين بن علي صاحب فخ قال:
أبايعكم على كتاب الله، وسنّة رسول الله، وعلى أن يطاع الله ولا يعصى، وأدعوكم إلى الرضا من آل محمد، وعلى أن نعمل فيكم بكتاب الله وسنّة نبيه (ص) ، والعدل في الرعية، والقسم بالسّوية، وعلى أن تقيموا معنا، وتجاهدوا عدوّنا، فإن نحن وفينا لكم وفيتم لنا، وإن نحن لم نف لكم فلا بيعة لنا عليكم.
قال الحسن بن محمد في حديثه: فحدثني كثير عن إسحاق بن إبراهيم، قال:
سمعت الحسن ليلة جمعة ونحن ببطن مرّ، ولقينا عبيد بن يقطين، ومفضل الوصيف وهما في سبعين فارسا، والحسين راكب على حمار إدريس بن عبد الله وهو يقول:
يا أهل العراق، إن خصلتين إحداهما الجنة لشريفتان، والله لو لم يكن معي غيري لحاكمتكم إلى الله حتى ألحق بسلفي.
رجع الحديث إلى أوله. «١» قال: ولقيته الجيوش بفخ وقادها: العباس بن محمد، وموسى بن عيسى، وجعفر ومحمد ابنا سليمان، ومبارك التركي، ومنارة، والحسن الحاجب، والحسين بن يقطين، فالتقوا في يوم التروية وقت صلاة الصبح، فأمر موسى بن عيسى بالتعبئة، فصار محمد بن سليمان في الميمنة وموسى في الميسرة، وسليمان بن أبي جعفر، والعباس بن محمد في القلب «٢» .
فكان أول من بدأهم موسى فحملوا عليه فاستطرد لهم شيئا حتى انحدروا في الوادي، وحمل عليهم محمد بن سليمان من خلفهم، فطحنهم طحنة واحدة حتى قتل أكثر أصحاب الحسين. وجعلت المسودة تصيح للحسين: يا حسين، لك الأمان فيقول: ما أريد الأمان، ويحمل عليهم حتى قتل.
وقتل معه سليمان بن عبد الله بن الحسن، وعبد الله بن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن.
стр. 373
وأصابه الحسن بن محمد بنشابة في عينه وتركها في عينه «١» ، وجعل يقاتل أشد القتال، فناداه محمد بن سليمان: يابن خال، اتق الله في نفسك ولك الأمان.
فقال: والله ما لكم أمان، ولكني أقبل منكم، ثم كسر سيفا هنديّا كان في يده، ودخل إليهم، فصاح العباس بن محمد بابنه عبد الله: قتلك الله إن لم تقتله، أبعد تسع جراحات تنتظر هذا؟.
فقال له موسى بن عيسى: إي والله عاجلوه! فحمل عليه عبيد الله فطعنه، وضرب العباس بن محمد عنقه بيده صبرا، ونشبت الحرب بين العباس بن محمد، ومحمد بن سليمان، وقال: أمّنت ابن خالي فقتلتموه، فقالوا: نحن نعطيك رجلا من العشيرة تقتله مكانه.
وذكر أحمد بن الحرث في روايته:
أن موسى بن عيسى هو الذي ضرب عنق الحسن بن محمد.
قال أحمد بن الحرث: وحدثني يزيد بن عبد الله الفارسي، قال:
كان حماد التركي ممن حضر وقعة فخ، فقال للقوم: أروني حسينا، فأروه إيّاه، فرماه بسهم فقتله، فوهب له محمد بن سليمان مائة ألف درهم ومائة ثوب.
قالوا: وغضب موسى على مبارك التركي لانهزامه عن الحسين وحلف ليجعلنه سائسا.
وغضب على موسى في قتله الحسن بن محمد صبرا، وقبض أموالهم «٢» .
وكان يقول: متى توافي فاطمة أخت الحسين بن علي؟ والله لأطرحنها إلى السّوّاس، فمات قبل أن يوافي بها «٣» .
حدثني علي بن إبراهيم العلوي، قال: حدثنا الحسن بن علي بن هاشم، قال: حدثني محمد بن منصور، عن القاسم بن إبراهيم، عمن ذكره، قال:
رأيت الحسين صاحب فخ وقد دفن شيئا، فظننت أنه شيء له مقدار، فلما
стр. 374
كان من أمره ما كان، نظرنا فإذا هو قطعة من جانب قد قطع فدفنه ثم عاد فكّر عليهم.
قال الحسن: وحدثني محمد بن منصور، قال: حدثني مصفى بن عاصم، قال: حدثني سليمان بن إسحاق القطان، قال: حدثني أبو العرجا الجمال «١» :
أن موسى بن عيسى دعاه فقال له: أحضرني جمالك. قال: فجئته بمائة جمل ذكر، فختم أعناقها، وقال: لا أفقد منها وبرة إلّا ضربت عنقك، ثم تهيأ للمسير إلى الحسين صاحب فخ، فسار حتى أتينا بستان بني عامر فنزل فقال لي: إذهب إلى عسكر الحسين حتى تراه وتخبرني بكل ما رأيت. فمضيت فدرت فما رأيت خللا ولا فللا، ولا رأيت إلّا مصليا أو مبتهلا، أو ناظرا في مصحف أو معدا للسلاح قال:
فجئته فقلت: ما أظن القوم إلّا منصورين. فقال: وكيف ذاك يابن الفاعلة؟
فأخبرته فضرب يدا على يد وبكى حتى ضننت أنه سينصرف ثم قال: هم والله أكرم عند الله، وأحق بما في أيدينا منا، ولكن الملك عقيم، ولو أن صاحب القبر- يعني النبي (ص) - نازعنا الملك ضربنا خيشومه بالسيف، يا غلام، اضرب بطبلك. ثم سار إليهم، فو الله ما انثنى عن قتلهم.
رجع الحديث إلى حيث انقطع.
قالوا: جاء الجند بالرؤوس «٢» إلى موسى، والعباس، وعندهم جماعة من ولد الحسن والحسين، فلم يتكلم أحد منهم بشيء إلّا موسى بن جعفر فقال له: هذا رأس الحسين.
قال: نعم إنا لله وإنا إليه راجعون، مضى والله مسلما صالحا صوّاما قوّاما آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، ما كان في أهل بيته مثله. فلم يجيبوه بشيء.
قال: وحملت الأسرى إلى موسى الهادي، وفيهم العذافر الصيرفي، وعلي بن سابق القلانسي، ورجل من ولد الحاجب بن زرارة، فأمر بهم فضربت أعناقهم «٣» ،
стр. 375
ومن بين يديه رجل آخر من الأسرى واقف، فقال أنا مولاك يا أمير المؤمنين.
فقال: مولاي يخرج عليّ، ومع موسى سكين، فقال: والله لأقطعنك بهذه السكين مفصلا مفصلا.
قال: وغلبت عليه العلة فمكث ساعة طويلة ثم مات، وسلم الرجل من القتل فأخرج من بين يديه.
فحدثني أحمد بن عبيد الله بن عمّار، قال: قال أحمد بن الحارث «١» ، عن عمر بن خلف الباهلي، عن بعض الطالبيين، قال:
لما قتل أصحاب فخ جلس موسى بن عيسى بالمدينة، وأمر الناس بالوقيعة «٢» على آل أبي طالب، فجعل الناس يوقعون عليهم حتى لم يبق أحد، فقال بقي أحد.
قيل له: موسى بن عبد الله. وأقبل موسى بن عبد الله على أثر ذلك، وعليه مدرعة وإزار غليظ، وفي رجليه نعلان من جلود الإبل، وهو أشعث أغبر حتى قعد مع الناس ولم يسلم عليه، وإلى جنبه السري بن عبد الله من ولد الحرث بن العباس بن عبد المطلب، فقال لموسى بن عيسى: دعني أكشف عليه باله، وأعرفه نفسه.
قال: أخافه عليك. قال: دعني، فأذن له فقال له: يا موسى.
قال: أسمعت فقل.
قال: كيف رأيت مصارع البغي الذي لا تدعونه لبني عمكم المنعمين عليكم.
فقال موسى أقول في ذلك:
بني عمّنا ردوا فضول دمائنا ... ينم ليلكم أو لا يلمنا اللّوائم «٣»
فإنا وإيّاكم وما كان بيننا ... كذي الدين يقضي دينه وهو راغم
فقال السري: والله ما يزيدكم البغي إلّا ذلّة، ولو كنتم مثل بني عمكم سلمتم- يعني موسى بن جعفر- وكنتم مثله، فقد عرف حق بني عمّه وفضّلهم عليه، فهو لا يطلب ما ليس له.
стр. 376
فقال له موسى بن عبد الله:
فإنّ الأولى تثني عليهم تعيبني ... أولاك بنو عمّي وعمّهم أبي
فإنك إن تمدحهم بمديحة ... تصدق وإن تمدح أباك تكذب
قالوا «١» : ولما بلغ العمري وهو بالمدينة قتل الحسن بن علي صاحب فخ عمد إلى داره ودور أهله فحرقها «٢» ، وقبض أموالهم ونخلهم، فجعلها في الصوافي المقبوضة.
ذكر من خرج مع الحسين صاحب فخ
حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال: قال أحمد الحارث الخرّاز، حدثني المدائني قال:
خرج مع الحسين صاحب فخ من أهل بيته: يحيى، وسليمان، وإدريس، بنو عبد الله بن الحسن بن الحسن، وعلي بن إبراهيم بن الحسن بمكة، وإبراهيم بن إسماعيل طباطبا، والحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن، وعبد الله وعمر ابنا إسحاق بن الحسن بن علي بن الحسين. وعبد الله بن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن.
هؤلاء من ذكره المدائني [وقد ذكرت] في صدر خبر الحسين [أسماء من خرج معه من أهله وفيهم زيادة على هذا كرهنا إعادتها] «٣» .
حدثني علي بن إبراهيم العلوي، قال: حدثني جعفر بن محمد بن سابور، قال: حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثني يحيى بن الحسن بن فرات، قال:
حدثنا سعيد بن خيثم، قال:
كنت مع الحسين صاحب فخ، أنا، وعلي بن هشام بن البريد، ويحيى بن يعلى «٤» .
стр. 377
حدثني علي بن إبراهيم قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري، قال: حدثني علي بن أحمد الباني «١» ، قال:
سمعت محمد بن إبراهيم صاحب أبي السرايا بالكوفة يقول لعامر بن كثير السراج: خرجت مع الحسين بن علي صاحب فخ؟ قال: نعم.
حدثنا علي بن العباس، قال: حدثنا الحسن بن محمد، عن أحمد بن كثير الذهبي، قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق القطان «٢» ، قال سمعت الحسين بن علي، ويحيى بن عبد الله يقولان:
ما خرجنا حتى شاورنا أهل بيتنا، وشاورنا موسى بن جعفر فأمرنا بالخروج.
حدثنا علي بن العباس، قال: حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا ابن أبي ليلى محمد بن عمران، قال: حدثني نصر الخفاف، قال:
أصابتني ضربة وأنا مع الحسين بن علي صاحب فخ فبرت اللحم والعظم، فبتّ ليلتي أعوي منها، وأنا أخاف أن يجيئوني فيأخذوني إذا سمعوا الصوت، فغلبتني عيني فرأيت النبي (ص) وقد جاء فأخذ عظما فوضعه على عضدي، فأصبحت وما أجد من الوجع قليلا ولا كثيرا.
حدثني أحمد بن عبيد الله، عن الخرّاز، عن المدائني، عن عمر بن مساور الأهوازي، قال: أخبرني جماعة من موالي محمد بن سليمان:
أنه لما حضرته الوفاة جعلوا يلقنونه الشهادة وهو يقول:
ألا ليت أمي لم تلدني ولم أكن ... لقيت حسينا يوم فخ ولا الحسن
فجعل يرددها حتى مات.
قال أبو الفرج الأصبهاني:
حكى هذه الحكاية بعض مشايخنا على هذا وخالف في روي البيت وقال فيه:
ألا ليت أمي لم تلدني ... ولم أشهد حسينا يوم فخ
قال: وكان محمد إذا رأى أخاه جعفرا يئن وينشد هذا البيت:
стр. 378
ألا ليت أمي لم تلدني ... ولم أشهد حسينا يوم فخ
ومما رثى به الحسين بن علي من الشعر: حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن العلوي، قال: قال عيسى بن عبد الله «١» يرثي الحسين صاحب فخ «٢» .
فلأبكين على الحسين ... بعولة وعلى الحسن «٣»
وعلى ابن عاتكة الذي ... أثووه ليس بذي كفن «٤»
تركوا بفخ غدوة ... في غير منزلة الوطن
كانوا كراما فانقضوا «٥» ... لا طائشين ولا جبن
غسلوا المذلة عنهم ... غسل الثياب من الدّرن
هدى العباد بجدّهم ... فلهم على الناس المنن
فحدثني علي بن أبي إبراهيم العلوي عن نفسه، أو رواه عن غيره، أنا أشك، قال:
رأيت في النوم رجلا يسألني أن أنشده هذه الأبيات فأنشدته إيّاها فقال لي زد فيها:
قوم كرام سادة ... منهم ومن هم ثم من «٦»
حدثني أحمد بن عبيد الله [بن عمار] ، قال: قال أحمد بن الحارث، وحدثني المدائني، قال: حدثني أبو صالح الفزاري، قال:
стр. 379
سمع على مياه غطفان كلها ليلة قتل الحسين صاحب فخ هاتف يهتف ويقول:
ألا يا لقوم للسواد المصبّح ... ومقتل أولاد النبي ببلدح
لبيك حسينا كل كهل وأمرد ... من الجن ان لم يبكك من الأنس نوح
فإني لجني وإن معرّسي ... لبلبرقة السوداء من دون زحزح
فسمعها الناس لا يدرون ما الخبر حتى أتاهم قتل الحسين.
أنشدني أحمد بن عبد الله بن عمار، قال: أنشدني عمر بن شبّة، قال: أنشدني سليمان بن داود بن علي العباسي لأبيه يرثي من قتل بفخ.
وأنشدنيها أحمد بن سعيد، قال أنشدنا يحيى بن الحسن، قال أنشدني موسى بن داود السلمي لأبيه «١» يرثيهم، فلا أدري الوهم ممن هو:
يا عين أبكي بدمع منك منهتن «٢» ... فقد رأيت الذي لاقى بنو حسن
صرعى بفخ تجر الريح فوقهم ... أذيالها وغوادي الدلج المزن
حتى عفت أعظم لو كان شاهدها ... محمد ذبّ عنها ثم لم تهن «٣»
ماذا يقولون والماضون قبلهم ... على العداوة والبغضاء والأحن
ماذا يقولون إن قال النبي لهم: ... ماذا صنعتم بنا في سالف الزمن؟
لا الناس من مضر حاموا ولا غضبوا ... ولا ربيعة والأحياء من يمن
يا ويحهم كيف لم يرعوا لهم حرما ... وقد رعى الفيل حق البيت ذي الركن
стр. 380
أيام الرّشيد
هارون بن المهدى بن أبى جعفر المنصور ومن قتل منهم فيها
стр. 381
٤٠- يحيى بن عبد الله بن الحسن
ويحيى بن عبد الله بن الحسن «١» بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵈ ويكنى أبا الحسن.
وأمه قريبة بنت عبد الله. وهو ذبيح بن أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي.
وهي بنت أخي هند بنت أبي عبيدة.
وكان حسن المذهب والهدى، مقدما في أهل بيته، بعيدا مما يعاب على مثله.
وقد روى الحديث وأكثر الرواية عن جعفر بن محمد. وروى عن أبيه، وعن أخيه محمد، وعن أبان بن تغلب.
وروى عنه مخول بن إبراهيم، وبكار بن زياد، ويحيى بن مساور، وعمرو بن حمّاد.
وأوصى إليه جعفر بن محمد لما حضرته الوفاة، وإلى أم موسى، وإلى أم ولد، فكان يلي أمر تركاته والأصاغر من ولده، جاريا على أيديهم.
حدثني «٢» علي بن إبراهيم العلوي، قال: حدثنا الحسين بن علي بن هاشم
стр. 382
المزني «١» ، قال: حدثنا سعيد بن عثمان، قال: حدثنا بكار بن زياد، عن يحيى بن عبد الله بن الحسن، قال: قال الحسن بن محمد المزني، وحدثني حرب بن الحسن الطحان، قال: حدثني بعض أصحابنا، قال:
سمعنا يحيى بن عبد الله بن الحسن يقول: أوصى إليّ جعفر بن محمد، وإلى موسى، وإلى أم ولد كانت له، فأينا كان الوصي.
حدثنا علي بن العباس، قال: حدثنا الحسن بن علي بن هاشم «٢» ، قال:
حدثني علي بن حسان عن عمّه عبد الرحمن بن كثير، قال:
كان جعفر بن محمد قد ربّى يحيى بن عبد الله بن الحسن، فكان يحيى يسميه حبيبي، وكان إذا حدّث عنه قال: حدّثني حبيبي جعفر بن محمد.
حدّثني علي، قال حدّثنا الحسن بن هاشم، قال حدّثنا الحسن بن محمد، قال: حدّثني إسماعيل بن موسى الفزاري، قال:
رأيت يحيى بن عبد الله بن الحسن جاء إلى مالك بن أنس بالمدينة فقام له عن مجلس وأجلسه إلى جنبه.
قال: ورأيته بالسوق أو بغيره من طريق مكة.
وكان قصيرا، آدم، حسن الوجه والجسم، تعرف سلالة الأنبياء في وجهه، رضوان الله عليه ورحمته.
ذكر الخبر عن مقتله
حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال: حدثني علي بن محمد بن سليمان النوفلي عن أبيه، قال: وحدثني أيضا أحمد بن سليمان بن أبي شيخ، وهاشم بن أحمد
стр. 383
البغوي وغيرهم. وحدثني علي بن إبراهيم العلوي، قال: كتب إليّ محمد بن حماد يذكر أن محمد بن إسحاق البغوي حدثه عن أبيه وغيره من مشايخه، وحدثني علي بن إبراهيم، قال: كتب إليّ إبراهيم بن بنان الخثعمي يذكر عن محمد بن أبي الخنساء.
وقد جمعت روايتهم في خبر يحيى إلّا ما عسى أن يكون من خلاف بينهم فأفرده وأذكر رواته.
قالوا:
إن يحيى بن عبد الله بن الحسن لما قتل أصحاب فخ كان في قبلهم، فاستتر مدة «١» يجول في البلدان، ويطلب موضعا يلجأ إليه، وعلم الفضل بن يحيى بمكانه في بعض النواحي فأمره بالانتقال عنه وقصد الديلم، وكتب له منشورا لا يتعرض له أحد.
فمضى متنكرا حتى ورد الدّيلم، وبلغ الرشيد خبره وهو في بعض الطريق، فولى الفضل بن يحيى نواحي المشرق، وأمره بالخروج إلى يحيى.
فحدثني علي بن إبراهيم العلوي، قال: كتب إليّ موسى بن محمد بن حماد «٢» يخبرني أن محمد بن يوسف حدثه عن عبد الله بن خوات «٣» ، عن جعفر بن يحيى الأحول عن إدريس بن زيد، قال:
عرض رجل للرشيد فقال: يا أمير المؤمنين نصيحة.
فقال لهرثمة: اسمع ما يقول.
قال: إنها من أسرار الخلافة. فأمره ألا يبرح، فلما كان في وقت الظهيرة دعا به فقال: اخلني، فالتفت الرشيد إلى ابنيه فقال: انصرفا فانصرفا، وبقي خاقان، والحسن على رأسه فنظر الرجل إليهما، فقال الرشيد: تنحيا عني، ففعلا، ثم أقبل على الرجل فقال: هات ما عندك.
стр. 384
قال: على أن تؤمنني «١» من الأسود والأحمر.
قال: نعم، وأحسن إليك.
قال: كنت في خان من خانات حلوان، فإذا أنا بيحيى بن عبد الله في درّاعة صوف غليظة وكساء صوف أحمر غليظ، ومعه جماعة ينزلون إذا نزل ويرتحلون إذا رحل ويكونون معه ناحية، فيوهمون من رآهم أنهم لا يعرفونه وهم أعوانه، مع كل واحد منهم منشور بياض يؤمن به إن عرض له.
قال: أو تعرف يحيى؟
قال: قديما وذاك الذي حقق معرفتي بالأمس له.
قال: فصفه لي.
قال: مربوع، أسمر، حلو السمرة، أجلح، حسن العينين، عظيم البطن.
قال: هو ذاك. فما سمعته يقول؟ قال ما سمعته يقول شيئا، غير أني رأيته ورأيت غلاما له أعرفه، لما حضر وقت صلاته فأتاه بثوب غسيل فألقاه في عنقه ونزع جبته الصوف ليغسلها، فلما كان بعد الزوال صلّى صلاة ظننتها العصر، أطال في الأولتين وحذف الأخيرتين.
فقال له الرشيد: لله أبوك، لجاد ما حفظت، تلك صلاة العصر وذلك وقتها عند القوم، أحسن الله جزاءك، وشكر سعيك فما أنت؟ وما أصلك؟.
فقال: أنا رجل من أبناء «٢» هذه الدولة، وأصلي مرو، ومنزلي بمدينة السلام.
فأطرق مليا ثم قال: كيف احتمالك لمكروه مني تمتحن به في طاعتي؟
قال: أبلغ في ذلك حيث أحبّ أمير المؤمنين.
قال: كن بمكانك حتى أرجع، فقام فطعن في حجرة كانت خلفه، فأخرج صرة فيها ألف دينار، فقال: خذ هذه ودعني وما أدبّر فيك، فأخذها الرجل وضم عليها ثوبه، ثم قال: يا غلام، فأجابه مسرور، وخاقان، والحسين فقال: اصفعوا ابن
стр. 385
اللخناء. فصفعوه نحو مائة صفعة، فخفى الرجل بذلك، ولم يعلم أحد بما كان ألقى إليه الرجل، وظنوا أنه ينصح بغير ما يحتاج إليه، لما جرى عليه من المكروه، حتى كان من الرشيد ما كان في أمر البرامكة فأظهر ذلك.
رجع الحديث إلى سياقة خبر يحيى.
قالوا: فلما علم الفضل بمكان يحيى بن عبد الله كتب إلى يحيى:
إني أحبّ أن أحدث بك عهدا، وأخشى أن تبتلى بي وأبتلى بك، فكاتب صاحب الديلم، فإني قد كاتبته لك لتدخل في بلاده فتمتنع به.
ففعل ذلك يحيى.
وكان قد صحبه جماعة من أهل الكوفة، فيهم ابن الحسن بن صالح بن حي، كان يذهب مذهب الزيدية البتريّة «١» في تفضيل أبي بكر وعمر وعثمان في ست سنين من إمارته ويكفره في باقي عمره، ويشرب النبيذ ويمسح على الخفين، وكان يخالف يحيى في أمره ويفسد أصحابه.
قال يحيى بن عبد الله:
فأذّن المؤذن يوما وتشاغلت بطهوري، وأقيمت الصلاة فلم ينتظرني وصلّى بأصحابي، فخرجت فلما رأيته يصلى قمت أصلي ناحية ولم أصل معه لعلمي أنه يمسح على الخفين، فلما صلّى قال لأصحابه: علام نقتل أنفسنا مع رجل لا يرى الصلاة معنا، ونحن عنده في حال من لا يرضى مذهبه؟.
قال: وأهديت إليّ شهدة في يوم من الأيام وعندي قوم من أصحابي، فدعوتهم إلى أكلها، فدخل في أثر ذلك فقال: هذه الأثرة، أتأكله أنت وبعض أصحابك دون بعض؟.
فقلت له: هذه هدية أهديت إليّ، وليست من الفيء الذي لا يجوز هذا فيه.
فقال لا: ولكنك لو وليت هذا الأمر لاستأثرت ولم تعدل.
وأفعال مثل هذا من الاعتراض.
وولى الرشيد الفضل بن يحيى جميع كور المشرق وخراسان، وأمره بقصد يحيى والخديعة به، وبذل له الأموال «٢» والصلة إن قبل ذلك، فمضى الفضل فيمن
стр. 386
ندب معه، وراسل يحيى بن عبد الله فأجابه إلى قبوله، لما رأى من تفرق أصحابه، وسوء رأيهم فيه، وكثرة خلافهم عليه، إلّا أنه لم يرض الشرائط التي شرطت له، ولا الشهود الذين شهدوا [عليه، وكتب لنفسه شروطا، وسمى شهودا] «١» ، وبعث بالكتاب إلى الفضل، فبعث به إلى الرشيد فكتب له على ما أراد، وأشهد له من التمس.
فحدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار، وأبو عبيد الصيرفي، قالا: حدثنا محمد بن علي بن خلف، قال: حدثني بعض الحسنيين، عن عبيد الله بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن الحسن، قال:
قال عبد الله بن موسى: أتيت عمي يحيى بن عبد الله بعد انصرافه من الديلم وبعد الأمان فقلت: يا عم، ما بعدي مخبر ولا بعدك مخبر، فأخبرني بما لقيت فقال: ما كنت إلّا كما قال حيي بن أخطب اليهودي:
لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه ... ولكن من لا ينصر الله يخذل
فجاهد حتى أبلغ النفس عذرها ... وقلقل يبغي العزّ كلّ مقلقل «٢»
رجع الحديث إلى سياقة خبر يحيى بن عبد الله.
قالوا: فلما جاء الفضل إلى بلاد الديلم قال يحيى بن عبد الله:
اللهم اشكر لي إخافتي قلوب الظالمين، اللهم إن تقض لنا النصر عليهم فإنما نريد إعزاز دينك، وإن تقض لهم النصر فبما تختار لأوليائك وأبناء أوليائك من كريم المآب وسنيّ الثواب.
فبلغ ذلك الفضل فقال: يدعو الله أن يرزقه السلامة، فقد رزقها.
قالوا: فلما ورد كتاب الرشيد على الفضل وقد كتب الأمان على ما رسم يحيى وأشهد الشهود الذين التمسهم، وجعل الأمان على نسختين إحداهما مع يحيى والأخرى معه، شخص يحيى مع الفضل حتى وافى بغداد ودخلها معادله في عمارية
стр. 387
على بغل، فقال مروان بن أبي حفصة «١» :
وقالوا الطالقان يجن كنزا ... سيأتينا به الدهر المديل
فأقبل مكذبا لهم بيحيى ... وكنز الطالقان له زميل «٢»
فحدثني علي بن إبراهيم العلوي، عن محمد بن موسى «٣» بن حماد، قال:
حدثني محمد بن إسحاق البغوي، قال: حدثني أبي، قال:
كنا مع يحيى بن عبد الله بن الحسن فسأله رجل كان معنا كيف تخيرت الدخول إلى الديلم من بين النواحي؟.
قال: إن للديلم معنا خرجة فطمعت أن تكون معي.
رجع الحديث إلى سياقة الخبر.
قالوا «٤» : فلما قدم يحيى أجازه الرشيد بجوائز سنية يقال إن مبلغها مائتا ألف دينار، وغير ذلك من الخلع والحملان، فأقام على ذلك مدة وفي نفسه الحيلة على يحيى والتفرغ له، وطلب العلل عليه وعلى أصحابه، حتى أخذ رجلا يقال له: فضالة بلغه أنه يدعو إلى يحيى فحبسه، ثم دعا به فأمره أن يكتب إلى يحيى بأنه قد أجابه جماعة من القواد وأصحاب الرشيد ففعل ذلك، وجاء الرسول إلى يحيى فقبض عليه وجاء به إلى يحيى بن خالد فقال له: هذا جاءني بكتاب لا أعرفه، ودفع الكتاب إليه.
فطابت نفس الرشيد بذلك، وحبس فضالة هذا، فقيل له: إنك تظلمه في حبسك إيّاه.
فقال: أنا أعلم ذلك، ولكن لا يخرج وأنا حي أبدا.
قال فضالة: فلا والله ما ظلمني لقد كنت عهدت إلى يحيى إن جاءه مني كتاب ألا يقبله وأن يدفع الرسول إلى السلطان، وعلمت أنه سيحتال عليه بي.
قالوا: فلما تبين يحيى بن عبد الله ما يراد به استأذن في الحج فأذن له.
стр. 388
وقال علي بن إبراهيم في حديثه: لم يستأذن في الحج، ولكنه قال للفضل ذات يوم: اتّق الله في دمي، واحذر أن يكون محمد (ص) خصمك غدا في فرقّ له وأطلقه.
وكان على الفضل عين للرشيد قد ذكر ذلك له، فدعا بالفضل وقال: ما خبر يحيى بن عبد الله؟.
قال: في موضعه عندي مقيم.
قال: وحياتي! قال: وحياتك إني أطلقته، سألني برحمه من رسول الله فرققت له.
قال: أحسنت، قد كان عزمي أن أخلي سبيله.
فلما خرج أتبعه طرفه وقال: قتلني الله إن لم أقتلك.
قالوا: ثم إن نفرا من أهل الحجاز تحالفوا على السعاية بيحيى بن عبد الله بن الحسن والشهادة عليه بأنه يدعو إلى نفسه، وأن أمانه منتقض، فوافق ذلك ما كان في نفس الرشيد له، وهم: عبد الله بن مصعب الزبيري «١» ، وأبو البختري وهب بن وهب «٢» ، ورجل من بني زهرة، ورجل من بني مخزوم. فوافوا الرشيد لذلك واحتالوا إلى أن أمكنهم ذكرهم له، فأشخصه الرشيد إليه وحبسه عند مسرور الكبير «٣» في سرداب، فكان في أكثر الأيام يدعو به فيناظره، إلى أن مات في حبسه رضوان الله عليه.
واختلف الناس في أمره، وكيف كانت وفاته، وسأذكر ذلك في موضعه.
حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال: حدثنا أحمد بن سليمان بن أبي شيخ، عن أبيه، وعن غيره:
أن الرشيد دعا بيحيى يوما فجعل يذكر ما رفع إليه في أمره، وهو يخرج كتبا
стр. 389
كانت في يده حججا له، فيقرؤها الرشيد وأطراف الكتب في يد يحيى، فتمثل بعض من حضر «١» :
أنّى أتيح له حرباء تنصبة ... لا يرسل الساق إلّا مرسلا ساقا «٢»
فغضب الرشيد من ذلك وقال للمتمثل: أتؤيده وتنصره؟
قال: لا، ولكني شبهته في مناظرته واحتجاجه بقول هذا الشاعر.
ثم أقبل عليه فقال: دعني من هذا، يا يحيى أينا أحسن وجها أنا أو أنت؟
قال: بل أنت يا أمير المؤمنين، إنك لأنصع لونا وأحسن وجها.
قال: فأينا أكرم وأسخى، أنا أو أنت؟.
فقال: وما هذا يا أمير المؤمنين، وما تسألني عنه، أنت تجبي إليك خزائن الأرض وكنوزها، وأنا أتمحل معاشي من سنة إلى سنة.
قال: فأينا أقرب إلى رسول الله (ص) ، أنا أو أنت؟.
قال: قد أجبتك عن خطتين، فاعفني من هذه! قال: لا والله. قال: بل فاعفني، فحلف بالطلاق والعتاق ألّا يعفيه.
فقال: يا أمير المؤمنين لو عاش رسول الله (ص) وخطب إليك ابنتك أكنت تزوجه؟.
قال: إي والله! قال: فلو عاش فخطب إليّ أكان يحل لي أن أزوجه؟.
قال: لا قال: فهذا جواب ما سألت.
فغضب الرشيد وقام من مجلسه، وخرج الفضل بن ربيع وهو يقول:
لوددت أني فديت هذا المجلس بشطر ما أملكه.
قالوا: ثم ردّه إلى محبسه في يومه ذلك.
ثم دعا «٣» به وجمع بينه وبين عبد الله بن مصعب الزبيري ليناظره فيما رفع إليه،
стр. 390
فجبهه ابن مصعب بحضرة الرشيد وقال له: نعم يا أمير المؤمنين إن هذا دعاني إلى بيعته.
قال له يحيى: يا أمير المؤمنين، أتصدّق هذا وتستنصحه؟ وهو ابن عبد الله بن الزبير الذي أدخل أباك وولده الشعب وأضرم عليهم النار حتى تخلّصه أبو عبد الله الجدلي صاحب علي بن أبي طالب منه [عنوة] «١» .
وهو الذي بقي أربعين جمعة لا يصلي على النبي (ص) في خطبته حتى التاث عليه الناس، فقال: إن له أهل بيت سوء إذا [صليت عليه أو] ذكرته [أتلعوا أعناقهم «٢» واشرأبوا لذكره] وفرحوا بذلك فلا أحب أن أقر عينهم بذكره.
وهو الذي فعل بعبد الله بن العباس ما لا خفاء به عليك «٣» حتى لقد ذبحت يوما عنده بقرة فوجدت كبدها قد نقبت فقال ابنه علي بن عبد الله: يا أبة أما ترى كبد هذه البقرة؟.
فقال: يا بني، هكذا ترك ابن الزبير كبد أبيك، ثم نفاه إلى الطائف، فلما حضرته الوفاة قال لعلي ابنه: يا بني، ألحق بقومك من بني عبد مناف بالشام، [ولا تقم في بلد لابن الزبير فيه إمرة] «٤» . فاختار له صحبة يزيد بن معاوية على صحبة عبد الله بن الزبير.
وو الله إن عداوة هذا [يا أمير المؤمنين] لنا جميعا بمنزلة سواء، ولكنه قوى عليّ بك، وضعفت عنك، فتقرّب بي إليك، ليظفر منك بما يريد، إذ لم يقدر على مثله، منك، وما ينبغي لك أن تسوّغه ذلك في، فإن معاوية بن أبي سفيان، وهو أبعد نسبا منك إلينا، ذكر يوما الحسن بن علي فسفهه «٥» فساعده عبد الله بن الزبير على ذلك، فزجره معاوية [وانتهره] فقال: إنما ساعدتك يا أمير المؤمنين! فقال: إن الحسن لحمي آكله. ولا أوكله.
следующие страницы →