Полный текст (649 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
قال: وخرج محمد بن إبراهيم في اليوم الذي واعد فيه أبا السّرايا للاجتماع بالكوفة «١» ، وأظهر نفسه وبرز إلى ظهر الكوفة، ومعه علي بن عبيد الله بن الحسين بن علي بن الحسين، وأهل الكوفة منبثون مثل الجراد إلّا أنهم على غير نظام وغير قوة، ولا سلاح إلّا العصي والسكاكين والآجر، فلم يزل محمد بن إبراهيم ومن معه ينتظرون أبا السرايا ويتوقعونه فلا يرون له أثرا حتى أيسوا منه، وشتمه بعضهم، ولاموا محمد بن إبراهيم على الاستعانة به، واغتم محمد بن إبراهيم بتأخره، فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم من نحو الجرف علمان أصفران وخيل، فتنادى الناس بالبشارة فكبروا ونظروا، فإذا هو أبو السرايا ومن معه، فلما أبصر محمد بن إبراهيم ترجل وأقبل إليه فانكب عليه واعتنقه محمد، ثم قال له: يابن رسول الله، ما يقيمك هاهنا؟ ادخل البلد فما يمنعك منه أحد. فدخل هو وخطب الناس، ودعاهم إلى البيعة إلى الرضا من آل محمد والدعاء إلى كتاب الله وسنّة نبيه (ص) ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والسيرة بحكم الكتاب. فبايعه جميع الناس حتى تكابسوا وازدحموا عليه، وذلك في موضع بالكوفة يعرف بقصر الضرتين.
فحدثني أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني، قال: حدثنا محمد بن منصور بن يزيد أبو جعفر المرادي، قال: حدثنا الحسن بن عبد الواحد الكوفي، قال: حدثنا الحسن بن الحسين عن سعيد بن خيثم بن معمر «٢» ، قال:
سمعت زيد بن علي يقول: يبايع الناس لرجل منا عند قصر الضرتين، سنة تسع وتسعين ومائة، في عشر من جمادي الأولى، يباهي الله به الملائكة.
قال الحسن بن الحسين: فحدثت به محمد بن إبراهيم فبكى.
حدثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا محمد بن منصور، قال: حدثنا علي بن الحسين، قال: حدثنا عمر بن شبة المكي، عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر محمد بن علي، قال:
يخطب على أعوادكم يا أهل الكوفة سنة تسع وتسعين ومائة في جمادي الأولى-
стр. 422
رجل منا أهل البيت، يباهي الله به الملائكة.
حدثني محمد بن الحسين الأشناني، قال: حدثنا أحمد بن حازم الغفاري، قال: حدثنا الحسن بن الحسين، عن عمر بن شبة المكي «١» بنحوه.
رجع الحديث إلى خبر أبي السرايا.
قال: ووجه محمد بن إبراهيم إلى الفضل بن العباس بن عيسى بن موسى رسولا يدعوه إلى بيعته ويستعين به في سلاح وقوة، فوجد العباس قد خرج عن البلد وخندق حول داره، وأقام مواليه في السلاح للحرب، فأخبر الرسول محمدا بذلك فأنفذ محمد أبا السرايا إليهم، وأمره أن يدعوهم ولا يبدأهم بقتال، فلما صار إليهم تبعه أهل الكوفة كالجراد المنتشر، فدعاهم فلم يصغوا إلى قوله ولم يجيبوا دعوته، ورموه بالنشاب من خلف السور، فقتل رجل من أصحابه أو جرح، فوجه به إلى محمد بن إبراهيم، فأمره بقتالهم فقاتلهم. وكان على السور خادم أسود واقف بين شرفتين يرمي لا يسقط له سهم، فأمر أبو السرايا غلامه أن يرميه، فرماه بسهم فأثبته بين عينيه، وسقط الخادم على أم رأسه إلى أسفل فمات وفرّ موالي الفضل بن العباس فلم يبق منهم أحد «٢» وفتح الباب فدخل أصحاب أبي السرايا ينتهبونها ويخرجون حرّ المتاع منها، فلما رأى ذلك أبو السرايا حظره ومنع أحدا من الخروج أو يأخذ ما معه ويفتشه، فأمسك الناس عن النهب.
قال: فسمعت أعرابيا يرتجز ومعه تخت فيه ثياب وهو يقول:
ما كان إلّا ريث زجر الزاجره ... حتى انتضيناها سيوفا باتره
حتى علونا في القصور القاهره ... ثم انقلبنا بالثياب الفاخره
قال: ومضى الفضل بن العباس فدخل على الحسن بن سهل فشكا إليه ما انتهك منه فوعده النصر والغرم والخلف، ثم دعا بزهير بن المسيب «٣» فضم إليه الرجال وأمده بالأموال وندبه إلى المسير نحو أبي السرايا وأن يودعه من وقته ويمضي لوجهه فيه ولا ينزل إلّا بالكوفة، وكان محمد بن إبراهيم عليلا علته التي مات فيها.
стр. 423
وكان الحسن بن سهل، لانتحاله النجوم ونظره فيها، ينظر في نجم محمد فيراه محترقا، فيبادر في طلبه، ويحرص على ترويحه، ويشغله ذلك عن النظر في أمر عسكره.
فسار زهير بن المسيب حتى ورد قصر ابن هبيرة فأقام به، ووجه ابنه أزهر بن زهير على مقدمته، فنزل سوق أسد.
وسار أبو السرايا من الكوفة وقت العصر فأغذ السّير حتى أتى معسكر أزهر بن زهير بسوق أسد، وهم غارون فيه وبيته، فطحن العسكر وأكثر القتل فيه، وغنم دوابهم وأسلحتهم، وانقطع الباقون في الليل منهزمين حتى وافت زهيرا بالقصر، فتغيظ من ذلك.
ورجع أبو السّرايا إلى الكوفة، وزحف زهير حتى نزل ووافت خريطة من الحسن بن سهل، يأمره ألا ينزل إلّا بالكوفة، فمضى حتى نزل عند القنطرة.
ونادى أبو السرايا في الناس بالخروج، فخرجوا حتى صادفوا زهيرا على قنطرة الكوفة في عشية صردة باردة، فهم يوقدون النار يستدفئون بها، ويذكرون الله ويقرأون القرآن، وأبو السّرايا يسكن منهم ويحثهم.
وأقبل أهل بغداد يصيحون يا أهل الكوفة: زيّنوا نساءكم وأخواتكم وبناتكم للفجور، والله لنفعلن بهم كذا وكذا. ولا يكنون.
وأبو السرايا يقول لهم: اذكروا الله وتوبوا إليه، واستغفروه واستعينوه، فلم يزل الناس في تلك الليلة يتحارسون طول ليلتهم، حتى إذا أصبح نهد إليهم فوقف في عسكره، وقد عشيت أبصار الناس من الدروع والبيض والجواش وهم على تعبئة حسنة، وأصوات الطبول والبوقات مثل الرعد العاصف، وأبو السرايا يقول:
يا أهل الكوفة صححوا نياتكم، وأخلصوا لله ضمائركم، واستنصروه على عدوكم، وابرأوا إليه من حولكم وقوتكم، واقرأوا القرآن، ومن كان يروي الشعر فلينشد شعر عنترة العبسي:
قال: ومرّ بنا الحسن بن الهذيل يعترض الناس ناحية ناحية ويقول:
يا معشر الزيدية، هذا موقف تستزل فيه الأقدام، وتزايل فيه الأفعال.
والسعيد من حاط دينه، والرشيد من وفّى لله بعهده، وحفظ محمدا في عترته.
стр. 424
ألا إن الآجال موقوتة، والأيام معدودة، من هرب بنفسه من الموت كان الموت محيطا به، ثم قال:
من لم يمت عبطة يمت هرما ... الموت كأس والمرء ذائقها
قال أبو الفرج الأصبهاني:
الحسن بن الهذيل هذا، صاحب الحسين المقتول بفخ، وقد روى عنه الحديث. قال: فطلع رجل من أهل بغداد مستلئما شاكي السلاح، فجعل يشتم أهل الكوفة ويقول: لنفجرن بنسائكم ولنفعلن بكم ولنصنعن، وانتدب إليه رجل من أهل الوازار- قرية بباب الكوفة- عليه إزار أحمر وفي يده سكين، فألقى نفسه في الفرات وسبح ساعة حتى صار إليه، فدنا منه فأدخل يده في جيب درعه وجذبه إليه فصرعه، وضرب بالسكين حلقه فقتله، وجر برجله يطفو مرة ويغوص مرة أخرى حتى أخرجه إلى الكوفة فكبّر الناس وارتفعت أصواتهم بحمد الله والثناء عليه والدعاء.
وخرج رجل من ولد الأشعث بن قيس فعبر إلى البغداديين ودعا للبراز، فبرز إليه رجل فقتله، وبرز إليه آخر فقتله، وبرز إليه ثالث فقتله، حتى قتل نفرا.
وأقبل أبو السرايا، فلما رآه شتمه وقال: من أمرك بهذا؟ ارجع فرجع فمسح سيفه بالتراب ورده في غمده وقنع فرسه ومضى نحو الكوفة، فلم يشهد حربا بعدها معهم.
ووقف أبو السرايا على القنطرة طويلا، وخرج رجل من أهل بغداد فجعل يشتمه بالزنا لا يكنى «١» . وأبو السرايا واقف لا يتحرك، ثم تغافل ساعة حتى هم بأن ينصرف، ثم حمل عليه فقتله وحمل على عسكرهم حتى خرج من خلفهم، ثم حمل عليهم من خلف العسكر حتى رجع من حيث جاء. ووقف في موقفه وهو ينفخ وينفض علق الدم عن درعه.
ثم دعا غلاما له فوجهه في نفر من أصحابه وأمره أن يمضي حتى يصير من وراء العسكر، ثم يحمل عليهم لا يكذب «٢» ، فمضى الغلام لوجهه مع من معه قاصدا لما
стр. 425
أمره به، ووقف أبو السرايا على القنطرة على فرس له أدهم محذوف، وقد اتكأ على رمحه فنام على ظهر الفرس حتى غط، وأهل الكوفة جزعون لما يرونه من عسكر زهير، ويسمعونه من تهددهم ووعيدهم، وهم يضجون ويصيحون بالتكبير والتهليل حتى يسمع أبو السرايا فينتبه من نومه، فلم ينتبه حتى ظن أن الكمين الذي بعثه قد انتهى إلى حيث أمره فصاح بفرسه: قتال، ثم قنعه حتى رضي بحفزه، ثم أومأ بيده نحو الكمين الذي بعثه، وصاح بأهل الكوفة: احملوا، وحمل وتبعوه فلم يبق من أصحاب زهير أحد إلّا التفت نحو الإشارة.
وخالط أبو السرايا وغلامه سيار العسكر، وتبعه أهل الكوفة وصاح بغلامه:
ويلك يا سيّار ألا تراني، فحمل سيّار على صاحب العلم فقتله وسقط العلم، وانهزمت المسودة.
وتبعهم أبو السرايا وأصحابه ونادى: من نزل عن فرسه فهو آمن، فجعلوا يترجّلون، وأصحاب أبي السرايا يركبون، وتبعوهم حتى جاوزوا شاهي، ثم التفت زهير إلى أبي السرايا فقال: ويحك، أتريد هزيمة أكثر من هذه؟ إلى أين تتبعني؟ فرجع وتركه. وغنم أهل الكوفة غنيمة لم يغنم أحد مثلها، وصاروا إلى عسكر زهير بن المسيّب ومطابخه قد أعدت وأقيمت، وكان قد حلف ألّا يتغدى إلّا في مسجد الكوفة، فجعلوا يأكلون ذلك الطعام، وينتهبون الأسلحة والآلة «١» ، وكانوا قد أصابهم جوع وجهد شديد.
ومضى زهير لوجهه حتى دخل بغداد مستترا، وبلغ خبره الحسن بن سهل فأمر بإحضاره، فلما رآه رماه بعمود حديد كان في يده، فشتر إحدى عينيه، وقال لبعض من كان بحضرته: أخرجه فاضرب عنقه، فتشفعوا فيه، فلم يزل يكلم فيه حتى عفا عنه.
ودخل أبو السرايا الكوفة، ومعه خلق كثير من الأسارى، ورؤوس كثيرة على الرماح مرفوعة، وفي صدور الخيل مشدودة، ومن معه من أهل الكوفة قد ركبوا الخيل ولبسوا السلاح، فهم في حالة واسعة، وأنفسهم بما رزقوه من النصر قوية.
واشتد غم الحسن بن سهل ومن بحضرته من العباسيين، لما جرى على عسكر
стр. 426
زهير، وطال اهتمامهم به، فدعا الحسن بن سهل بعبدوس بن عبد الصمد «١» ، وضم إليه ألف فارس وثلاثة آلاف راجل، وأزاح علته في الإعطاء، وقال: إنما أريد أن أنوه باسمك فانظر كيف تكون، وأوصاه بما احتاج إليه، وأمره ألّا يلبث.
فخرج من بين يديه وهو يحلف أن يبيح الكوفة، ويقتل مقاتلة أهلها، ويسبي ذراريهم، ثلاثا.
ومضى لوجهه لا يلوي على شيء حتى صار إلى الجامع، وقد كان الحسن بن سهل تقدم إليه بذلك، وأمره ألا يأخذ على الطريق الذي انهزم فيه زهير، لئلا يرى أصحابه بقايا قتلى عسكره، فيجبنوا «٢» من ذلك. فأخذ على طريق الجامع فلما وافاها وبلغ أبا السرايا خبره، صلى الظهر بالكوفة، ثم جرد فرسان أصحابه ومن يثق به منهم وأغذ السير بهم، حتى إذا قرب من الجامع فرّق أصحابه ثلاث فرق وقال:
شعاركم: «يا فاطمي يا منصور» ، وأخذ هو في جانب السوق، وأخذ سيار في سيره الجامع وقال لأبي الهرماس: خذ بأصحابك على القرية فلا يفتك أحد منهم، ثم احملوا دفعة واحدة من جوانب عسكر عبدوس، ففعلوا ذلك فأوقعوا به وقتلوا منه مقتلة عظيمة، وجعل الجند يتهافتون في الفرات طلبا للنجاة، حتى غرق منهم خلق كثير.
ولقي أبو السرايا عبدوسا في رحبة الجامع «٣» فكشف خوزته عن رأسه وصاح: أنا أبو السرايا، أنا أسد بني شيبان، ثم حمل عليه، وولّى عبدوس من بين يديه، وتبعه أبو السرايا فضربه على رأسه ضربة فلقت هامته، وخرّ صريعا عن فرسه.
وانتهب الناس من أصحاب أبي السرايا وأهل الجامع عسكر عبدوس،
стр. 427
وأصابوا منه غنيمة عظيمة، وانصرفوا إلى الكوفة بقوة وأسلحة.
ودخل أبو السرايا إلى محمد بن إبراهيم وهو عليل يجود بنفسه فلامه على تبييته العسكر، وقال:
أنا أبرأ إلى الله مما فعلت، فما كان لك أن تبيتهم، ولا تقاتلهم حتى تدعوهم، وما كان لك أن تأخذ من عسكرهم إلّا ما أجلبوا به علينا من السلاح.
فقال أبو السرايا: يابن رسول الله، كان هذا تدبير الحرب، ولست أعاود مثله. ثم رأى في وجه محمد الموت فقال له: يابن رسول الله، كل حي ميت، وكل جديد بال، فاعهد إليّ عهدك.
فقال: أوصيك بتقوى الله، والمقام على الذب عن دينك، ونصرة أهل بيت نبيك (ص) ، فإن أنفسهم موصولة بنفسك، وول الناس الخيرة فيمن يقوم مقامي من آل علي، فإن اختلفوا فالأمر إلى علي بن عبيد الله، فإني قد بلوت طريقته، ورضيت دينه.
ثم اعتقل لسانه، وهدأت جوارحه، فغمضه أبو السرايا وسجّاه، وكتم موته «١» ، فلما كان الليل أخرجه في نفر من الزّيدية إلى الغري فدفنه.
فلما كان من الغد جمع الناس فخطبهم، ونعى محمدا إليهم وعزاهم عنه، فارتفعت الأصوات بالبكاء إعظاما لوفاته، ثم قال:
وقد أوصى أبو عبد الله رحمة الله عليه إلى شبيهه ومن اختاره، وهو أبو الحسن علي بن عبيد الله، فإن رضيتم به فهو الرضا، وإلّا فاختاروا لأنفسكم.
فتواكلوا ونظر بعضهم إلى بعض، فلم ينطق أحد منهم فوثب محمد بن محمد بن زيد «٢» وهو غلام حدث السن، فقال:
يا آل علي: فات الهالك النجا، وبقي الثاني بكرمه، إنّ دين الله لا ينصر بالفشل، وليست يد هذا الرجل عندنا بسيئة، وقد شفي الغليل، وأدرك الثأر، ثم التفت إلى علي بن عبد الله فقال: ما تقول يا أبا الحسن رضي الله عنك؟ فقد وصانا بك، امدد يدك نبايعك، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
стр. 428
إن أبا عبيد الله رحمة الله عليه قد اختار فلم يعد الثقة في نفسه، ولم يأل جهدا في حق الله الذي قلده، وما أردّ وصيته تهاونا بأمره، ولا أدع هذا نكولا عنه، ولكن أتخوّف أن أشتغل به عن غيره مما هو أحمد وأفضل عاقبة، فامض رحمك الله لأمرك، واجمع شمل ابن عمك، فقد قلدناك الرياسة علينا، وأنت الرضا عندنا، الثقة في أنفسنا.
ثم قال لأبي السرايا: ما ترى؟ أرضيت به؟.
قال: رضائي في رضاك، وقولي مع قولك، فجذبوا يد محمد بن محمد فبايعوه، وفرّق عماله.
فولى إسماعيل بن علي بن إسماعيل بن جعفر خلافته على الكوفة.
وولى روح بن الحجاج شرطته.
وولى أحمد بن السري الأنصاري رسائله.
وولى عاصم بن عامر القضاء.
وولى نصر بن مزاحم السوق.
وعقد لإبراهيم بن موسى بن جعفر على اليمن.
وولى زيد بن موسى بن جعفر الاهواز.
وولى العباس بن محمد بن عيسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب البصرة.
وولى الحسن بن الحسن الأفطس مكة.
وعقد لجعفر بن محمد بن زيد بن علي، والحسين بن إبراهيم بن الحسن بن علي واسطا.
فخرجوا إلى أعمالهم.
فأما ابن الأفطس فلم يمنعه أحد مما وجه له، فأقام الحج تلك السنة وهي سنة تسع وتسعين ومائة.
وأما إبراهيم بن موسى فأذعن له أهل اليمن بالطاعة، بعد وقعة كانت بينهم يسيرة المدة.
وأما صاحبا واسط فان نصرا البجلي صاحب واسط خرج إليهما فقاتلهما قتالا شديدا، فثبتا له ثم انهزم ودخلا واسطا وجبيا الخراج وتألفا الناس.
стр. 429
وأما الجعفري صاحب البصرة فإنه خرج إليه علي بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين «١» فاجتمعا، ووافاهم زيد بن موسى بن جعفر ماضيا إلى الأهواز، فاجتمعوا، ولقيهم الحسن بن علي المعروف بالمأموني «٢» - رجل من أهل باذغيس وكان على البصرة- فقاتلوه وهزموه وحووا عسكره.
وحرق زيد بن موسى دور بني العباس بالبصرة، فلقب بذلك وسمي زيد النار «٣» .
وتتابعت الكتب وتواترت على محمد بن محمد بالفتوح من كل ناحية.
وكتب إليه أهل الشام والجزيرة أنهم ينتظرون أن يوجه إليهم رسولا ليسمعوا له ويطيعوا.
وعظم أمر أبي السرايا على الحسن بن سهل وبلغ منه، فكتب إلى طاهر بن الحسين أن يصير إليه لينفذه لقتاله، فكتبت إليه رقعة لا يدري من كتبها، فيها أبيات وهي:
قناع الشك يكشفه اليقين ... وأفضل كيدك الرأي الرصين
تثبت قبل ينفد فيك أمر ... يهيج لشره داء دفين
أتندب طاهرا لقتال قوم ... بنصرتهم وطاعتهم يدين
سيطلقها عليك معقلات ... تصر ودونها حرب زبون
ويبعث كامنا في الصدر منه ... ولا يخفى إذا ظهر المصون
فشأنك واليقين فقد أنارت ... معالمه وأظلمت الظنون
ودونك ما نريد بعزم رأي ... تدبره ودع ما لا يكون
فرجع عن رأيه ذلك، وكتب إلى هرثمة بن أعين يأمره بالقدوم عليه، ودعا بالسندي بن شاهك فسأله التعجيل وترك التلوّم، وكان ردءا له، وكانت بين الحسن بن سهل وبين هرثمة شحناء «٤» ، فخشي أن لا يجيبه إلى ما يريد، ففعل ذلك
стр. 430
السندي ومضى إلى هرثمة فلحقه بحلوان، فأوصل إليه الكتاب، فلما قرأه تغيظ وقال:
نوطئ نحن الخلافة، ونمهد لهم أكنافها، ثم يستبدون بالأمور، ويستأثرون بالتدبير علينا، فإذا انفتق عليهم فتق بسوء تدبيرهم وإضاعتهم الأمور، أرادوا أن يصلحوه بنا، لا والله ولا كرامة حتى يعرف أمير المؤمنين سوء آثارهم، وقبيح أفعالهم.
قال السندي: وباعدني مباعدة آيسني فيها من نفسه، فبينا أنا كذلك إذ جاءه كتاب من منصور بن المهدي «١» فقرأه فجعل يبكي بكاء طويلا، ثم قال:
فعل الله بالحسن بن سهل وصنع، فإنه عرض هذه الدولة للذهاب، وأفسد ما صلح منها، ثم أمرض فضرب بالطبل، وانكفأ راجعا إلى بغداد.
فلما صار بالنهروان تلقاه أهل بغداد، والقواد، وبنو هاشم، وجميع الأولياء مسرورين بقدومه داعين له، وترجلوا جميعا حين رأوه، فدخل بغداد في جمع عظيم حتى أتى منزله.
وأمر الحسن بن سهل بدواوين الجيش فنقلت إليه ليختار الرجال منها وينتخبهم، وأطلق له بيوت الأموال فانتخب من أراد، وأزاح الغلة في العطيات والنفقات، وخرج إلى الياسريّة «٢» فعسكر بها.
قال الهيثم بن عدي:
فدخلت إليه وسلمت عليه ومازحته، وهو في نحو ثلاثين ألف فارس وراجل، فقلت له: أيها الأمير، لو خضبت لكان للعدو أهيب وأحسن للمنظر، فضحك ثم قال: إن كان رأسي لي فسأخضبه، وإن انقلب به أهل الكوفة فما يصنع بالخضاب.
قال: ثم نادى بالرحيل إلى الكوفة، فرحل الناس.
وأبو السرايا بالقصر «٣» ، وقد عقد لمحمد بن إسماعيل محمد بن عبد الله
стр. 431
الأرقط بن عبد الله بن علي بن الحسين، على المدائن، ووجه معه العباس الطبطبي «١» ، والمسيب، في جمع عظيم، فلقوا الحسين بن علي المعروف بأبي البط فالتقوا بساباط المدائن، فاقتتلوا قتالا شديدا، وهزم أبو البط واستولى محمد بن إسماعيل على البلد.
٥٣- محمد بن جعفر بن محمد
خبر محمد بن جعفر «٢» بن محمد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب ﵇ قالوا:
وظهر في هذه الأيام محمد بن جعفر بن محمد بالمدينة ودعا إلى نفسه، وبايع له أهل المدينة بامرة المؤمنين «٣» ، وما بايعوا عليها بعد الحسين بن علي أحدا سوى محمد بن جعفر بن محمد.
وأم محمد بن جعفر أم ولد.
ويكنى أبا جعفر «٤» .
وكان فاضلا مقدما في أهله «٥» .
وأمر المأمون آل أبي طالب بخراسان أن يركبوا مع غيره من آل أبي طالب فأبوا أن يركبوا إلّا معه فأقرهم.
وقد روى الحديث وأكثر الرواية عن أبيه، ونقل عنه المحدثون مثل: محمد بن أبي عمر العبدي، ومحمد «٦» بن سلمة، وإسحاق بن موسى الأنصاري، وغيرهم من الوجوه.
стр. 432
قال أبو الفرج:
حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا محمد بن منصور، قال:
ذكر محمد بن جعفر بحضرة أبي الطاهر أحمد بن عيسى بن عبد الله، فسمعنا أبا الطاهر يحسن الثناء عليه، وقال: كان عابدا فاضلا، وكان يصوم يوما ويفطر يوما «١» .
قال أبو الفرج:
حدثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال أخبرنا يحيى بن الحسن قال: سمعت مؤملا يقول:
رأيت محمد بن جعفر يخرج إلى الصلاة بمكة في سنة بمائتي رجل من الجارودية، وعليهم ثياب الصوف، وسيماء الخير ظاهر.
قال أبو الفرج:
حدثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى، قال:
كانت خديجة بنت عبيد الله بن الحسين بن علي بن الحسين تحت محمد بن جعفر بن محمد، وكانت تذكر أنه ما خرج من عندهم قط في ثوب فرجع حتى يهبه «٢» .
حدثني أحمد، قال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا موسى بن سلمة، قال:
كان رجل قد كتب كتابا في أيام أبي السرايا يسب فاطمة بنت رسول الله (ص) وجميع أهل البيت، وكان محمد بن جعفر معتزلا تلك الأمور لم يدخل في شيء منها، فجاءه الطالبيون «٣» فقرءوه عليه فلم يرد عليهم جوابا حتى دخل بيته، فخرج عليهم وقد لبس الدرع، وتقلّد السيف، ودعا إلى نفسه، وتسمى بالخلافة وهو يتمثل:
стр. 433
لم أكن من جناتها علم الله وإني بحرها اليوم صالي «١» .
قال يحيى بن الحسن: فسمعت إبراهيم بن يوسف يقول:
كان محمد بن جعفر قد أصاب أحد عينيه شيء فأثر فيها، فسر بذلك وقال:
لأرجو أن أكون المهدي القائم: قد بلغني أن في إحدى عينيه شيئا، وأنه يدخل في هذا الأمر وهو كاره له.
قال أبو الفرج:
أخبرنا أحمد بن عبيد الله بن عمّار، قال: حدثنا محمد بن علي المدائني، قال:
حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري، قال سمعت محمد بن جعفر يقول:
شكوت إلى مالك بن أنس ما نحن فيه وما نلقى، فقال: اصبر حتى يجيء تأويل هذه الآية: ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمّة ونجعلهم الوارثين «٢» .
أخبرني أحمد بن عبيد الله، عن علي بن محمد النوفلي عن أبيه، وأخبرني علي بن الحسين بن علي بن حمزة العلوي، عن محمد، عن عمه.
أن جماعة من الطالبيين اجتمعوا مع محمد بن جعفر، فقاتلوا هارون بن المسيّب «٣» بمكة قتالا شديدا، وفيهم: الحسين بن الحسن الأفطس، ومحمد بن سليمان بن داود بن الحسن بن الحسن، ومحمد بن الحسن المعروف بالسّيلق، وعلي بن الحسين بن عيسى بن زيد، وعلي بن الحسين بن زيد، وعلي بن جعفر بن محمد، فقتلوا من أصحابه مقتلة عظيمة، وطعنه خصي كان مع محمد بن جعفر فصرعه.
وكر أصحابه فتخلصوه ثم رجعوا فأقاموا بثبير في جبله مدة، وأرسل هارون إلى محمد بن جعفر، وبعث إليه ابن أخيه علي بن موسى الرضا، فلم يصغ إلى رسالته، وأقام على الحرب.
ثم وجه إليه هارون خيلا فحاصرته في موضعه، لأنه كان موضعا حصينا لا يوصل إليه، فلما بقوا في الموضع ثلاثا ونفد زادهم وماؤهم، جعل أصحابه يتفرقون ويتسللون يمينا وشمالا، فلما رأى ذلك لبس بردا ونعلا، وصار إلى مضرب هارون
стр. 434
فدخل إليه وسأله الأمان لأصحابه، ففعل هارون ذلك.
هكذا ذكره النوفلي «١» .
وأما محمد بن علي بن حمزة فإنه ذكر أن هذا كان من جهة عيسى الجلودي لا من جهة هارون، ثم وجه إلى أولئك الطالبيين فحملهم مقيدين في محامل بلا وطاء ليمضي بهم إلى خراسان، فخرجت عليهم بنو نبهان.
قال علي بن محمد النوفلي: خرج عليهم الغاضريون بزبالة، فاستنقذوهم منه بعد حرب طويلة صعبة، فمضوا هم بأنفسهم إلى الحسن بن سهل، فأنفذهم إلى خراسان إلى المأمون.
فمات محمد بن جعفر هناك، فلما أخرجت جنازته دخل المأمون بين عمودي السرير فحمله حتى وضعه في لحده، وقال: هذه رحم مجفوة منذ مائتي سنة «٢» ، وقضى دينه، وكان عليه نحوا من ثلاثين ألف دينار.
رجع الحديث إلى خبر أبي السرايا
قالوا:
فلما خرج هرثمة عسكر في شرقي نهر صرصر. وعسكر أبو السرايا في غربيه»
. ووجه الحسن بن سهل إلى المدائن علي بن أبي سعيد، وحمادا التركي وجماعة، فقاتلوا محمد بن إسماعيل فهزموه واستولوا على المدائن.
ومضى أبو السرايا من فوره بالليل «٤» ، ولا يعلم هرثمة، وكان جسر صرصر مقطوعا بينهما، يريد المدائن فوجد أصحابه وقد أخرجوا عنها واستولى عليها المسوّدة فكانت بينهم مناوشة، وقتل غلامه أبو الهرماس أصابه حجر عراده، فدفنه بها ومضى نحو القصر، فلما صار بالرحب صار هرثمة إليه فلحقه هناك فقاتله قتالا شديدا، فهزم أبو السرايا، وقتل أخوه، ومضى لوجهه حتى نزل الجازية، وأتبعه هرثمة، واجتمع رأيه
стр. 435
على سد الفرات عليهم ومنعهم الماء، وصبه في الآجام والمغايض التي في شرقي الكوفة، ففعل ذلك، وانقطع الماء من الفرات، فتعاظم ذلك الكوفيون، وسقط في أيديهم، وأزمعوا معالجة هرثمة ومنازلته، فبيناهم كذلك: إذ فتق السّكر الذي سكروه «١» ، وأقبل الماء تحت الخشب، وكبروا وحمدوا الله كثيرا، وسرّوا بما وهب الله لهم من الكفاية.
ثم إن هرثمة نهد إلى الكوفة مما يلي الرصافة.
وخرج أبو السرايا إليه في الناس فعبأهم، وجعل على الميمنة الحسن بن الهذيل.
وعلى الميسرة جرير بن الحصين، ووقف هو في القلب.
وعبأ هرثمة خيلا نحو البر، فبعث أبو السرايا عدتهم يسيرون بإزائهم لئلا يكونوا كمينا.
ثم إن أبا السرايا حمل حملة فيمن معه، فانهزم أصحاب هرثمة هزيمة رقيقة، ثم عطفوا وجوه دوابهم فنادى أبو السرايا: لا تتبعوهم فإنها خديعة ومكر، فوقفوا وتبعهم أبو كتلة فأبعد، ثم رجع وأعلم أبا السرايا أنهم قد عبروا الفرات، فرجع بالناس إلى الكوفة ثم خرج يوم الاثنين لتسع خلون من ذي القعدة وخرج الناس معه. وقد كان جاسوسه أخبره أن هرثمة يريد مواقعته في ذلك اليوم، فعبأ الناس مما يلي الرّصافة، ومضى هو تحت القنطرة، فلم يبعد حتى أقبلت خيل هرثمة، فرجع أبو السرايا كالجمل الهائج يكاد الغضب أن يلقيه عن سرجه إلى الناس فقال: سووا عسكركم، واجمعوا أمركم، وأقيموا صفوفكم. وأقبل هرثمة فاقتتلوا قتالا شديدا لم يسمع بمثله.
ونظر أبو السّرايا إلى روح بن الحجاج قد رجع فقال: والله لئن رجعت لأضربن عنقك، فرجع يقاتل حتى قتل.
وقتل يومئذ الحسن بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين.
وقتل أبو كتلة غلام أبي السّرايا.
واشتدت الحرب، وكشف أبو السرايا رأسه وجعل يقول: أيها الناس، صبر ساعة، وثبات قليل، فقد- والله- فشل القوم، ولم يبق إلّا هزيمتهم.
ثم حمل، وخرج إليه قائد من قواد هرثمة وعليه الدرع والمغفر، فتناوشا ساعة، ثم ضربه أبو السرايا ضربة على بيضته فقدّه، حتى خالط سيفه قربوس سرجه.
стр. 436
وانهزمت المسودة هزيمة قبيحة، وتبعهم أهل الكوفة يقتلونهم حتى بلغوا صعنبا فنادى أبو السرايا: يا أهل الكوفة أحذروا كرّهم بعد الفرّة، فإن العجم قوم دهاة، فلم يصغوا إلى قوله وتبعوهم.
وكان هرثمة قد أسر في ذلك الوقت، ولم يعلم أبو السرايا، أسره عبد سندي، وقبل ذلك خلّف في عسكره زهاء خمسة آلاف فارس يكونون ردءا له إن انهزم أصحابه، وخلّف عليهم عبيد الله بن الوضاح، فلما وقعت الهزيمة ونادى أبو السرايا: لا تتبعوهم، كشف عبيد الله بن الوضاح رأسه، وأصحابه يقولون: قتل الأمير، قتل الأمير فناداهم: فماذا يكون إذا قتل الأمير؟ يا أهل خراسان إليّ أنا عبد الله بن الوضاح، اثبتوا، فو الله ما القوم إلّا غوغاء ورعاع، فثابت إليه طائفة، وحمل على أهل الكوفة فقتل منهم مقتلة عظيمة، وتبعوهم حتى جاوزوا صعنبا، ووجدوا هرثمة أسيرا في يد عبد أسود، فقتلوا العبد، وحلّوا وثاق هرثمة، وعاد إلى معسكره ولم تزل الحرب مدة متراخية في كل يوم أو يومين تكون سجالا بينهم.
ثم إن أبا السرايا بعث علي بن محمد بن جعفر المعروف بالبصري في خيل، وأمره أن يأتي هرثمة من ورائه، فمضى لوجهه ولم يشعر هرثمة حتى قرب منه، وحمل أبو السرايا عليه فصاح هرثمة:
يا أهل الكوفة علام تسفكون دماءنا ودماءكم؟ إن كان قتالكم إيّانا كراهية لإمامنا فهذا المنصور بن المهدي رضي لنا ولكم نبايعه، وإن أحببتم إخراج الأمر من ولد العباس فانصبوا إمامكم، واتفقوا معنا ليوم الاثنين نتناظر فيه، ولا تقتلونا وأنفسكم.
فأمسك أهل الكوفة عن الحملة، وناداهم أبو السرايا: ويحكم إن هذه حيلة من هؤلاء الأعاجم، وإنما أيقنوا بالهلاك فاحملوا عليهم، فامتنعوا وقالوا: لا يحل لنا قتالهم وقد أجابوا. فغضب أبو السرايا وانصرف معهم، وقد أراد قبل ذلك إجابة هرثمة وأن يمضي إليه مع محمد بن محمد بن زيد فيستأمن، ثم خشي الغدر به.
فلما كان يوم الجمعة خطب أهل الكوفة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
يا أهل الكوفة، يا قتلة علي، ويا خذلة الحسين، إن المعتز بكم لمغرور، وإن المعتمد على نصركم لمخذول، وإن الذليل لمن أعززتموه، والله ما حمد عليّ أمركم فنحمده، ولا رضي مذهبكم فنرضى به، ولقد حكّمكم فحكمتم عليه، وائتمنكم فخنتم أمانته ووثق بكم فحلتم عن ثقته، ثم لم تنفكوا عليه مختلفين، ولطاعته ناكثين،
стр. 437
إن قام قعدتم، وإن قعد قمتم، وإن تقدّم تأخّرتم، وإن تأخّر تقدمتم، خلافا عليه وعصيانا لأمره، حتى سبقت فيكم دعوته، وخذلكم الله بخذلانكم إيّاه، أيّ عذر لكم في الهرب عن عدوكم، والنكول عمّن لقيتم وقد عبّروا خندقكم؟ وعلوا قبائلكم؟
ينتهبون أموالكم ويستحيون حريمكم، هيهات لا عذر لكم إلّا العجز والمهانة، والرضا بالصغار والذلة، إنما أنتم كفيء الظل، تهزمكم الطبول بأصواتها، ويملأ قلوبكم الحرق بسوادها، أما والله لأستبدلن بكم قوما يعرفون الله حق معرفته، ويحفظون محمدا في عترته. ثم قال:
ومارست أقطار البلاد فلم أجد ... لكم شبها فيما وطئت من الأرض
خلافا وجهلا وانتشار عزيمة ... ووهنا وعجزا في الشدائد والخفض
لقد سبقت فيكم إلى الحشر دعوة ... فلا عنكم راض ولا فيكم مرضي
سأبعد داري من قلى عن دياركم ... فذوقوا إذا ولّيت عاقبة البغض
فقامت إليه جماعة من أهل الكوفة فقالوا: ما أنصفتنا في قولك، ما أقدمت وأحجمنا، ولا كررت وفررنا، ولا وفيت وغدرنا، ولقد صبرنا تحت ركابك، وثبتنا مع لوائك، حتى أفنتنا الوقائع، واجتاحتنا «١» ، وما بعد فعلنا غاية إلّا الموت، فامدد يدك نبايعك على الموت، فو الله لا نرجع حتى يفتح الله علينا أو يقضي قضاءه فينا.
فأعرض عنهم، ونادى في الناس بالخروج لحفر الخندق، فخرجوا فحفروا وأبو السرايا يحفر معهم عامة النهار، فلما كان الليل خرج الناس من الخندق وأقام إلى الثلث الأول من الليل، ثم عبأ بغاله وأسرج خيله، وارتحل هو ومحمد بن محمد بن زيد، ونفر من العلويين والأعراب، وقوم من أهل الكوفة، وذلك في ليلة يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة مضت من المحرم «٢» فأقام بالقادسية ثلاثا حتى تتام أصحابه، ثم مضى على خفان وأسفل الفرات حتى صار على طريق البر.
ووثب بالكوفة أشعث بن عبد الرحمن الأشعثي فدعا إلى هرثمة.
وخرج أشراف أهل الكوفة إلى هرثمة فسألوه الأمان للناس فأجابهم إلى ذلك وتألفهم.
ودخل المنصور بن المهدي الكوفة، وأقام هرثمة خارجها، وفرق عسكره حوالي
стр. 438
خندقها وأبوابها خوفا من حيلة، وخطب المنصور بن المهدي بالناس فصلى بهم.
وولّى هرثمة غسان بن الفرج «١» الكوفة وأقام هو أياما بظهر البلد، حتى أمن الناس وهدأت قلوبهم من وحشة الحرب، ثم ارتحل إلى بغداد.
قالوا:
ومضى أبو السرايا يريد البصرة، فلقيه أعرابي من أهل البلد، فسأله عن الخبر وأعلمه غلبة السلطان عليه وإخراج عماله عنه، وأن المسودة في خلق كثير لا يمكنه مقاومتهم منها، فعدل عنها وأراد المسير نحو واسط فأعلمه الرجل أن صورة أمرها مثل ما ذكر له عن البصرة، فقال له: فأين ترى؟.
قال: أرى أن تعبر دجلة فتكون بين جوفي والجبل، فيجتمع معك أكرادهم ويلحق بك من أراد صحبتك من أعراب السواد وأكراده، ومن رأى رأيك من أهل الأمصار والطساسيج فقبل أبو السرايا مشورته، وسلك ذلك الطريق، فجعل لا يمرّ بناحية إلّا جبى خراجها وباع غلاتها.
ثم عمد إلى الأهواز حتى صار إلى السوس، فأغلقوا الباب دونه، فنادى:
افتحوا الباب، ففتحوا له فدخلها. وكان على كور الأهواز الحسن بن علي المأموني «٢» فوجه إلى أبي السرايا يعلمه كراهيته لقتاله ويسأله الانصراف عنه إلى حيث أحب، فلم يقبل ذلك، وأبى إلّا قتاله، فخرج إليه المأموني فقاتله قتالا شديدا.
وثبتت الزيدية تحت ركاب محمد بن محمد بن زيد، وثبت العلويون معه فقتلت منهم عدة، وخرج أهل السوس فأتوهم من خلفهم، فخرج غلام أبي السرايا ليقاتلهم فظن القوم أنها هزيمة فانهزموا، وجعل أصحاب المأموني يقتلونهم، حتى أجنهم الليل فتفرقوا وتقطعت دوابهم.
ومضى أبو السرايا حتى أخذ على طريق خراسان، فنزلوا قرية يقال لها: برقانا.
وبلغ حمّاد الكندغوش «٣» خبرهم، وكان يتقلد تلك الناحية، فوجه إليهم خيلا، ثم
стр. 439
ركب بنفسه حتى لقيهم وآمنهم على أن ينفذ بهم إلى الحسن بن سهل فقبلوا ذلك منه، وأعطى الذي أعلمه خبرهم عشرة آلاف درهم، وحملهم إلى الحسن بن سهل «١» .
وبادر محمد بن محمد بكتاب إلى الحسن بن سهل، يسأله أن يؤمنه على نفسه ويستعطفه، فقال الحسن بن سهل: لا بد من ضرب عنقك. فقال له بعض من كان يستنصحه: لا تفعل أيها الأمير، فإن الرشيد لما نقم على البرامكة احتج عليهم بقتل ابن الأفطس، وهو عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن علي بن الحسين بن علي فقتلهم به، ولكن احمله إلى أمير المؤمنين، فعمل ذلك وحلف أنه يقتل أبا السرايا.
فلما أتته بهم الرسل وهو نازل بالمدائن معسكرا قال لأبي السرايا: من أنت؟.
قال: السري بن المنصور.
قال: لا بل أنت النذل ابن النذل، المخذول ابن المخذول، قم يا هارون بن أبي خالد فاضرب عنقه بأخيك عبدوس «٢» بن عبد الصمد، فقام إليه فقدمه فضرب عنقه.
ثم أمر برأسه فصلب في الجانب الشرقي، وصلب بدنه في الجانب الغربي «٣» .
وقتل غلامه أبا الشوك وصلب معه.
وحمل محمد بن محمد إلى خراسان «٤» ، فأقيم بين يدي المأمون وهو جالس في مستشرف له، ثم صاح الفضل بن سهل اكشفوا رأسه فكشف رأسه «٥» فجعل المأمون يتعجب من حداثة سنه، ثم أمر له بدار فأسكنها، وجعل له فيها فرشا وخادما، فكان فيها على سبيل الاعتقال والتوكيل، وأقام على ذلك مدة يسيرة يقال: إن مقدارها أربعون يوما، ثم دست إليه شربة فكان يختلف كبده وحشوته، حتى مات.
стр. 440
حدثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: قال يحيى بن الحسن، حدثني محمد بن جعفر:
أن محمد بن محمد سقى السم بمرو، وتوفي بها وكان يختلف حتى اختلف كبده.
قال:
ونظر في الدّواوين فوجد من قتل من أصحاب السلطان في وقائع أبي السرايا مائتا ألف رجل.
(ذكر من خرج معه وبايعه)
حدثني محمد بن الحسين الأشناني، قال: حدثني أبي، قال:
خرج مع أبي السرايا أكثر أهل الكوفة إلّا من لا فضل فيه ولا غناء، فإنما عد من تخلّف عنه، ثم ذكر لي أنّ مبلغهم كان زهاء مائتي ألف وأكثر، فقلت لمحمد بن الحسين: إن أحمد بن عبيد الله بن عمار روى لنا، عن محمد بن داود بن الجراح، عن محمد بن أبي خيثمة، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، قال:
رأيت أبا بكر وعثمان «١» ابني شيبة وقد خرجا مع أبي السرايا وعلى أحدهما عمامة صفراء والآخر حمراء، وقالا: يتأسى بنا الناس. فقال: لم يكونا في ذلك الوقت بهذا المحل، وقد بايع لمحمد بن إبراهيم الأكابر ممن حدث عنه ابنا أبي شيبة «٢» مثل يحيى بن آدم «٣» فإنه بايعه فجعل محمد يشترط عليه ويحيى يقول: ما استطعت ما استطعت، ويقول له محمد: هذا قد استثناه لك القرآن إن الله تعالى يقول: فاتقوا الله ما استطعتم «٤» .
стр. 441
ثم حدثني الأشناني، عن أحمد بن حازم الغفاري، أن مخول بن إبراهيم خرج معه أيضا، وذكر جماعة منهم عاصم بن عامر، وعامر بن كثير السرّاج، وأبو نعيم الفضل بن دكين «١» وعبد ربه بن علقمة، ويحيى بن الحسن بن الفرات الفزار، ونظراء هؤلاء.
حدثني أبو أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا محمد بن المنصور، قال:
حدثني الحسين بن علي بن أخي ليث، وموسى بن أحمد القطواني:
أنه حضر يحيى بن آدم يبايع محمد بن إبراهيم، وذكر مثل حديث الأشناني.
[حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثني الحسين بن القاسم، قال: حدثني جعفر بن هذيل، قال: سمعت بن نمير يقول، وكان قد فاته أكثر كتب أبي معاوية عن الأعمش، قال:
لما قدم يحيى بن عيسى جعلت أكتب عنه حديث الأعمش الحمد لله الذي كفاني مؤنة أبي معاوية ذلك المرح أتبدل به من يحيى بن عيسى فما مكثنا إلّا يسيرا حتى خرج أبو السرايا، فخرج معه يحيى بن عيسى، فقلت: إنا لله فررت من ذلك ووقعت مع هذا] «٢» .
حدثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا محمد بن المنصور، قال:
سمعت مصفى بن عاصم يقول: سمعت أبا السرايا يقول:
ما دخلت في معصية الله جلّ وعزّ من الفواحش قط.
قال: وسمعته يقول: ما هبت أحدا قط هيبتي محمد بن إبراهيم.
حدثني أبو عبيد الصيرفي، قال: حدثني أبي، قال:
رأيت أبا السرايا يؤتى بمكّوكي «٣» شعير فيطرح أحدهما بين يديه، والآخر بين يدي فرسه فيستوفي الشعير قبل فرسه.
حدثني محمد بن الحسين الأشناني، قال: حدثني إبراهيم بن سليمان المقرئ، قال:
كنت واقفا مع أبي السرايا على القنطرة، ومحمد بن محمد بصحراء أثير،
стр. 442
فجاءه رجل دسه هرثمة فقال له: إن المسوّدة قد دخلت من جانب الجسر، وأخذ محمد بن محمد وإنما أراد أن بنتحي أبو السرايا عن موضعه، فلما سمع ذلك وجّه فرسه نحو صحراء أثير، وأقبل هرثمة حتى دخل الكوفة، وبلغ إلى موضع يعرف بدار الحسن، وصار أبو السرايا إلى الموضع فوجد محمدا قائما على المنبر يخطب، فعلم أنها حيلة، فكر راجعا ومعه رجل يقال له مسافر الطائي، وكان من بني شيبان إلّا أنه نزل في قبائل طي فنسب إليهم، فحمل على المسودة فهزمهم حتى ردهم إلى موقفهم.
وجاءه رجل فقال: إن جماعة منهم قد كمنوا لك في خرابة ها هنا. فقال:
أرينهم، فأراه الخرابة، فدخل إليهم فأقام طويلا ثم خرج يمسح سيفه وينفض علق الدم عن نفسه، ومضى لوجهه نحو هرثمة، فدخلت فإذا القوم صرعى وخيلهم يثب بعضها على بعض، فعددتهم فإذا هم مائة رجل، أو مائة رجل إلّا رجلا.
حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنى محمد بن المنصور، قال:
سمعت القاسم بن إبراهيم ونحن في منزل للحسينيين يقال له الورينة، يقول:
انتهى إليّ نعي أخي محمد وأنا بالمغرب، فتنحبت فأرقت من عيني سجلا أو سجلين، ثم رثيته بقصيدة، على أنه كان يقول بشيء من التشبيه، قال: ثم قرأها عليّ من رقعة، فكتبتها، وهي هذه:
يا دار دار غرور لا وفاء لها ... حيث الحوادث بالمكروه تستبق
أبرحت أهلك من كدّ ومن أسف ... بمشرع شربه التصدير والرّنق «١»
فإن يكن فيك للآذان مستمع ... يصبى ومرأى تسامى نحوه الحدق
فأيّ عشك إلّا وهو منتقل ... وأي شملك إلّا وهو مفترق «٢»
من سرّه أن يرى الدنيا معطّلة ... بعين من لم يخنه الخدع والملق
فليأت دارا جفاها الأنس موحشة ... مأهولة حشوها الأشلاء والخرق
قل للقبور إذا ما جئت زائرها ... وهل يزار تراب البلقع الخلق؟
стр. 443
ماذا تضمّنت يا ذا اللحد من ملك ... لم يحمه منك عقيان ولا ورق
بل أيّها النّازح المرموس يصحبه ... وجد ويصحبه التّرجيع والحرق
يهدى لدار البلى عن غير مقلية ... قد خطّ في عرصة منها له نفق
وبات فردا وبطن الأرض مضجعه ... ومن ثراها له ثوب ومرتفق
نائي المحل بعيد الأنس أسلمه ... برّ الشفيق فحبل الوصل منخرق
قد أعقب الوصل منك اليأس فانقطعت ... منك القرائن والأسباب والعلق
يا شخص من لو تكون الأرض فديته ... ما ضاق منّي بها ذرع ولا خلق
بينا أرجيّك تأميلا وأشفق أن ... يغبّر منك جبين واضح يقق
أصبحت يحثى عليك الترب في جدث ... حتى عليك بما يحثى به طبق
إن فجّعتني بك الأيام مسرعة ... فقلّ منّي عليك الحزن والأرق
فأيّما حدث تخشى غوائله ... من بعد هلكك يعنيني به الشفق «١»
قال أبو الفرج:
وأخبرنا أحمد بن سعيد، عن محمد بن منصور، قال: سمعت القاسم بن إبراهيم يقول:
أعرف رجلا دعا الله في ليلة وهو في بيت فقال: اللهم إني أسألك بالاسم الذي دعاك به [صاحب] «٢» سليمان فجاءه السرير فتهدل البيت عليه رطبا.
قال: وسمعت القاسم يقول:
أعرف رجلا دعا الله فقال: اللهم إني أسألك بالاسم الذي من دعاك به أجبته، وهو في ظلمة، فامتلأ البيت نورا.
قال محمد: عنى به نفسه.
وقد كان القاسم بن إبراهيم أراد الخروج واجتمع له أمره فسمع في عسكره صوت طنبور فقال: لا يصلح هؤلاء القوم أبدا، وهرب وتركهم.
قال أبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني:
وفيما كتب به إليّ علي بن أحمد العجلي، قال: أخبرنا يحيى بن عبد الرحمن،
стр. 444
قال: قال الهيثم بن عبد الله الخثعمي يرثي أبا السرايا، وذكرها ابن عمار ووصف أنه لا يعرف قائلها:
وسل عن الظاعنين ما فعلوا ... وأين بعد ارتحالهم نزلوا
يا ليت شعري والليت عصمة من ... يأمل ما حال دونه الأجل
أين استقرت نوى الأحبة أم ... هل يرتجى للأحبة القفل
ركب ألحت يد الزّمان على ... إزعاجهم في البلاد فانتقلوا
بني البشير النذير الطاهر الطّهر الّ ... ذي أقرت بفضله الرسل
خانهم الدهر بعد عزهم ... والدهر بالناس خائن ختل «١»
بانوا فظلت عيون شيعتهم ... عليهم لا تزال تنهمل
واستبدلوا بعدهم عدوّهم ... بئس لعمري بالمبدل البدل
يا عسكرا ما أقلّ ناصره ... لم تشفه من عدوه الدّول
فبكّهم بالدماء إن نفد الدّم ... ع فقد خان فيهم الأمل
لا تبك من بعدهم على أحد ... فكلّ خطب سواهم جلل
أخوهم يفتدي صفوفهم ... زحفا إليهم وما بها خلل «٢»
في فيلق يملأ الفضاء به ... كأنما فيه عارض وبل
رماهم الشيخ من كنانته ... والشيخ لا عاجز ولا وكل
بالخيل تردى وهنّ ساهمة ... تحت رجال كأنها الإبل
والسّابقات الجياد فوقهم ... والبيض والبيض والقنا الذبل
والرّجل يمشون في أظلّتها ... كما تمشّى المصاعب البزل
واليزنيّات في أكفّهم ... كأنّما في رءوسهما الشعل
حتى إذا ما التقوا على قدر ... والقوم في هوّة لهم زجل
شدوا على عترة الرسول ولم ... تثنيهم رهبة ولا وهل «٣»
فما رعوا حقّه وحرمته ... ولا استرابوا في نفس من قتلوا
والله أملى لهم وأمهلهم ... والله في أمره له مهل
стр. 445
بل أيها الراكب المخبر أو النا ... عي ابن لي لأمّك الهبل
ما فعل الفارس المحامي إذا ما ال ... حرب فرّت أنيابها العصل «١»
أأنت أبصرته على شرف ... لله عيناك أيها الرجل
من فوق جذع أناف شائلة ... ترمي إليها بلحظها المقل
إن كنت أبصرته كذاك فما ... أسلمه ضعفه ولا الفشل
ولو تراه عليه شكته ... والموت دان والحرب تشتعل
في موطن والحتوف مشرعة ... فيها قسيّ المنون تنتضل
والقوم منهم مضرّج بدم ... وموثق أسره ومنجدل
وفائظ نفسه وذو رمق ... يطمع فيه الضباع والحجل
في صدره كالوجار من يده ... يغيب فيها السنان والفتل
يميل منها والموت يحفزه ... كما يميل المرنّح الثّمل
في كفه عضبة مضاربها ... وذابل كالرّشاء معتدل
لخلت أنّ القضاء من يده ... وللمنايا من كفّه رسل
يا ربّ يوم حمى فوارسه ... وهوّ لا مرهق ولا عجل
كأنه آمن منيّته ... في الرّوع لما تشاجر الأسل
في موطن لا يقال عاثره ... يغصّ فيه بريقه البطل
أبا السّرايا نفسي مفجّعة ... عليك والعين دمعها خضل
من كان يغضي عليك مصطبرا ... فإن صبري عليك مختزل
هلّا وقاك الرّدى الجبان إذا ... ضاقت عليه بنفسه الحيل
أم كيف لم تخشك المنون ولم ... يرهبك إذ حان يومك الأجل
فاذهب حميدا فكل ذي أجل ... يموت يوما إذا انقضى الأجل
الموت مبسوطة حبائله ... والناس ناج منهم ومحتبل
من تعتلقه تفت به أبدا ... ومن نجا يومه فلا يئل «٢»
стр. 446
هذا آخر خبر أبي السرايا «١» ﵀.
٥٤- عبد الله بن جعفر بن إبراهيم
وعبد الله بن جعفر بن إبراهيم بن جعفر بن الحسن [ابن الحسن] «٢» بن علي بن أبي طالب ﵇ وأمه آمنة بنت عبيد الله «٣» بن الحسين بن علي [بن الحسين] .
وكان خرج أيام المأمون إلى فارس، فقتله قوم من الخوارج في طريقه.
٥٥- علي بن موسى بن جعفر
والرضا علي بن موسى بن جعفر»
بن محمد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب ﵈ ويكنى أبا الحسن [وقيل: يكنى أبا بكر] .
وأمه أم ولد «٥» .
قال أبو الفرج:
حدثني الحسن بن علي الخفاف، قال: حدثنا عيسى بن مهران، قال: حدثنا أبو الصلت الهروي «٦» ، قال:
سألني المأمون يوما عن مسألة فقلت: قال فيها أبو بكر كذا وكذا.
стр. 447
فقال: من [هو] أبو بكر؟ أبو بكرنا أو أبو بكر العامة؟.
قلت: أبو بكرنا.
قال عيسى: قلت لأبي الصلت: من أبو بكركم؟ فقال: علي بن موسى الرضا، كان يكنى بها، وأمه أم ولد.
كان المأمون عقد له على العهد من بعده، ثم دس إليه فيما ذكر بعد ذلك سما فمات منه.
ذكر الخبر في ذلك
أخبرني ببعضه علي بن الحسين بن علي بن حمزة، عن عمه محمد بن علي بن حمزة العلوي. وأخبرني بأشياء «١» منه أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن العلوي، وجمعت أخبارهم:
أن المأمون وجه إلى جماعة من آل أبي طالب فحملهم إليه من المدينة، وفيهم علي بن موسى الرضا، فأخذ بهم على طريق البصرة حتى جاءوه بهم، وكان المتولي لإشخاصهم المعروف بالجلودي من أهل خراسان، فقدم بهم على المأمون فأنزلهم دارا، وأنزل علي بن موسى الرضا دارا «٢» .
ووجه إلى الفضل بن سهل فأعلمه أنه يريد العقد له، وأمره بالاجتماع مع أخيه الحسن بن سهل على ذلك، ففعل واجتمعا بحضرته، فجعل الحسن يعظم ذلك عليه، ويعرفه ما في إخراج الأمر من أهله عليه.
فقال له «٣» : إني عاهدت الله أن أخرجها إلى أفضل آل أبي طالب إن ظفرت بالمخلوع، وما أعلم أحدا أفضل من هذا الرجل.
فاجتمعا معه على ما أراد، فأرسلهما إلى علي بن موسى فعرضا ذلك عليه فأبى، فلم يزالا به وهو يأبى ذلك ويمتنع منه، إلى أن قال له أحدهما: إن فعلت وإلّا فعلنا بك وصنعنا، وتهدده، ثم قال له أحدهما: والله أمرني بضرب عنقك إذا خالفت ما يريد.
стр. 448
ثم دعا به المأمون فخاطبه في ذلك فامتنع، فقال له قولا شبيها بالتهدد، ثم قال له:
إن عمر جعل الشورى في ستة أحدهم جدك، وقال: من خالف فاضربوا عنقه، ولا بد من قبول ذلك.
فأجابه علي بن موسى إلى ما التمس.
ثم جلس المأمون في يوم الخميس، وخرج الفضل بن سهل فأعلم الناس برأي المأمون في علي بن موسى، وأنه ولّاه عهده، وسمّاه الرضا. وأمرهم بلبس الخضرة، والعود لبيعته في الخميس الآخر على أن يأخذوا رزق سنة.
فلما كان ذلك اليوم ركب الناس من القواد والقضاة وغيرهم من الناس في الخضرة، وجلس المأمون ووضع للرضا وسادتين عظيمتين حتى لحق بمجلسه وفرشه. وأجلس الرضا عليهما في الحضرة، وعليه عمامة وسيف. ثم أمر ابنه العباس بن المأمون فبايع له أول الناس، فرفع الرضا يده فتلقى بظهرها وجه نفسه وببطنها وجوههم.
فقال له المأمون: ابسط يدك للبيعة.
فقال له: إن رسول الله (ص) هكذا كان يبايع، فبايعه الناس، ووضعت البدر، وقامت الخطباء والشعراء، فجعلوا يذكرون فضل علي بن موسى وما كان من المأمون في أمره.
ثم دعا أبو عبّاد بالعباس بن المأمون، فوثب، فدنا من أبيه فقبّل يده وأمره بالجلوس.
ثم نودي محمد بن جعفر بن محمد، فقال له الفضل بن سهل: قم. فقام، فمشى حتى قرب من المأمون ولم يقبل يده، ثم مضى فأخذ جائزته وناداه المأمون:
ارجع يا أبا جعفر إلى مجلسك، فرجع.
ثم جعل أبو عبّاد يدعو بعلويّ وعباسيّ فيقبضان جوائزهما حتى نفدت الأموال.
ثم قال المأمون للرضا: قم فاخطب الناس وتكلم فيهم.
فقال بعد حمد الله والثناء عليه:
إن لنا عليكم حقا برسول الله (ص) ، ولكم علينا حق به، فإذا أديتم إلينا
стр. 449
ذلك وجب علينا الحق لكم.
ولم يذكر عنه غير هذا في ذلك المجلس.
وأمر المأمون فضربت له الدراهم وطبع عليها اسمه.
وزوج إسحاق بن موسى بن جعفر بنت عمه إسحاق بن جعفر بن محمد، وأمره أن يحج بالناس، وخطب للرضا في كل بلد بولاية العهد.
فحدثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن [العلوي] ، قال: حدثني من سمع عبد الجبار بن سعيد يخطب تلك السنة على منبر رسول الله بالمدينة فقال في الدعاء له:
اللهم وأصلح ولي عهد المسلمين، علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي، ﵈:
ستة آباء هم ما هم ... هم خير من يشرب صوب الغمام «١»
حدثني الحسن بن الطبيب البلخي، قال: حدثني محمد بن أبي عمر العدني، قال: سمعت عبد الجبار يخطب، فذكر مثله.
رجع الحديث إلى نظام خبر علي بن موسى.
قال: وزوج المأمون ابنته أم الفضل محمد بن علي بن موسى على حلكة لونه وسواده، ونقلها إليه فلم تزل عنده «٢» .
واعتل الرضا علته التي مات فيها «٣» ، وكان قبل ذلك يذكر ابني سهل عند المأمون فيزري عليهما، وينهى المأمون عنهما، ويذكر له مساوئهما «٤» .
ورآه يوما يتوضأ للصلاة والغلام يصب على يده الماء فقال: يا أمير المؤمنين،
стр. 450
لا تشرك بعبادة ربك أحدا «١» .
فجعل المأمون يدخل إليه، فلما ثقل تعالل المأمون وأظهر أنهما أكلا عنده جميعا طعاما ضارا فمرضا، ولم يزل الرضا عليلا حتى مات.
واختلف في أمر وفاته، وكيف كان سبب السم الذي سقيه.
فذكر محمد بن علي بن حمزة أن منصور بن بشير ذكر عن أخيه عبد الله بن بشير:
أن المأمون أمره أن يطوّل أظفاره ففعل، ثم أخرج إليه شيئا يشبه التمر الهندي، وقال له: افركه واعجنه بيديك جميعا، ففعل.
ثم دخل على الرضا فقال له: ما خبرك؟
قال: أرجو أن أكون صالحا.
فقال له: هل جاءك أحد من المترفّقين اليوم؟.
قال: لا، فغضب وصاح على غلمانه، وقال له: فخذ ماء الرمان اليوم فإنه ما لا يستغنى عنه. ثم دعا برمان فأعطاه عبد الله بن بشير وقال له: اعصر ماءه بيدك، ففعل وسقاه المأمون الرضا بيده فشربه، فكان ذلك سبب وفاته، ولم يلبث إلّا يومين حتى مات.
قال محمد بن علي بن حمزة، ويحيى: فبلغني عن أبي الصلت الهروي:
أنه دخل على الرضا بعد ذلك فقال له: يا أبا الصلت قد فعلوها: «أي قد سقوني السم» . [وجعل يوحد الله ويمجده] «٢» .
قال محمد بن علي: وسمعت محمد بن الجهم يقول:
إن الرضا كان يعجبه العنب، فأخذ له عنب وجعل في موضع أقماعه الإبر، فتركت أياما فأكل منه في علته فقتله، وذكر أن ذلك من لطيف السموم.
ولما توفي الرضا لم يظهر المأمون موته في وقته، وتركه يوما وليلة، ثم وجه إلى
стр. 451
محمد بن جعفر بن محمد، وجماعة من آل أبي طالب. فلما أحضرهم وأراهم إيّاه صحيح الجسد لا أثر به، ثم بكى وقال: عزّ عليّ يا أخي أن أراك في هذه الحالة، وقد كنت أؤمل أن أقدّم قبلك، فأبى الله إلّا ما أراد. وأظهر جزعا شديدا وحزنا كثيرا.
وخرج مع جنازته يحملها حتى أتى الموضع الذي هو مدفون فيه الآن، فدفنه هناك إلى جانب هارون الرشيد «١» .
وقال أشجع بن عمرو السلمي «٢» يرثيه، هكذا أنشدنيها علي بن الحسين بن علي بن حمزة، عن عمّه، وذكر أنها لمّا شاعت غيّر أشجع ألفاظها فجعلها في الرشيد:
يا صاحب العيس يحدي في أزمّتها ... اسمع وأسمع غدا يا صاحب العيس
اقرأ السلام على قبر بطوس ولا ... تقرأ السلام ولا النعمى على طوس
فقد أصاب قلوب المسلمين بها ... روع وأفرخ فيها روع ابليس
وأخلست واحد الدنيا وسيدها ... فأيّ مختلس منا ومخلوس
ولو بدا الموت حتى يستدير به ... لاقى وجوه رجال دونه شوس
بؤسا لطوس فما كانت منازله ... مما تخوفه الأيام بالبوس
معرّس حيث لا تعريس ملتبس ... يا طول ذلك من نأى وتعريس
إن المنايا أنالته مخالبها ... ودونه عسكر جمّ الكراديس
أوفى عليه الرّدى في خيس أشبله ... والموت يلقى أبا الأشبال في الخيس
ما زال مقتبسا من نور والده ... إلى النبي ضياء غير مقبوس
في منبت نهضت فيه فروعهم ... بباسق في بطاح الملك مغروس
والفرع لا يرتقى إلّا على ثقة ... من القواعد والدنيا بتأسيس
стр. 452
لا يوم أولى بتخريق الجيوب ولا ... لطم الخدود ولا جدع المعاطيس
من يوم طوس الذي نادت بروعته ... لنا النعاة وأفواه القراطيس «١»
حقا بأن الرضا أودى الزمان به ... ما يطلب الموت إلّا كلّ منفوس
ذا اللحظتين وذا اليومين مفترش ... رمسا كآخر في يومين مرموس
بمطلع الشمس وافته منيّته ... ما كان يوم الردى عنه بمحبوس
يا نازلا جدثا في غير منزله ... ويا فريسة يوم غير مفروس
لبست ثوب البلى أعزز عليّ به ... لبسا جديدا وثوبا غير ملبوس
صلّى عليك الذي قد كنت تعبده ... تحت الهواجر في تلك الأماليس
لولا مناقضة الدنيا محاسنها ... لما تقايسها أهل المقاييس
أحلّك الله دارا غير زائلة ... في منزل برسول الله مأنوس
قال أبو الفرج:
هذه القصيدة ذكر محمد بن علي بن حمزة أنها في علي بن موسى الرضا.
قال أبو الفرج:
وأنشدني علي بن سليمان الأخفش «٢» لدعبل بن علي الخزاعي «٣» يذكر الرضا والسم الذي سقيه، ويرثي ابنا له، وينعى على الخلفاء من بني العباس:
على الكره ما فارقت أحمد وانطوى ... عليه بناء جندل ورزين «٤»
وأسكنته بيتا خسيسا متاعه ... وإني على رغمي به لضنين
ولولا التأسي بالنبيّ وأهله ... لأسبل من عيني عليه شؤون
هو النفس إلّا أن آل محمد ... لهم دون نفسي في الفؤاد كمين
أضرّ بهم إرث النبيّ فأصبحوا ... يساهم فيه ميتة ومنون
دعتهم ذئاب من أميّة وانتحت ... عليهم دراكا أزمة وسنون
стр. 453
وعاثت بنو العباس في الدين عيثة ... تحكّم فيه ظالم وظنين
وسمّوا رشيدا ليس فيهم لرشده ... وها ذاك مأمون وذاك أمين
فما قبلت بالرشد منهم رعاية ... ولا لوليّ بالأمانة دين
رشيدهم غاو وطفلاه بعده ... لهذا رزايا دون ذاك مجون «١»
ألا أيها القبر الغريب محلّه ... بطوس عليك السّاريات هتون
شككت فما أدري أمسقى بشربة ... فأبكيك أم ريب الردى فيهون؟
وأيهما ما قلت إن قلت شربة ... وإن قلت موت إنه لقمين
أيا عجبا منهم يسمّونك الرضا ... ويلقاك منهم كلحة وغضون
أتعجب للأجلاف أن يتخيفوا ... معالم دين الله وهو مبين
لقد سبقت فيهم بفضلك آية ... لديّ ولكن ما هناك يقين
هذا آخر خبر عليّ بن موسى الرضا «٢» .
أخبرنا أبو الفرج قال: حدثنا الحسن بن علي الخفاف، قال: حدثنا أبو الصلت الهروي، قال:
دخل المأمون إلى الرضا يعوده فوجده يجود بنفسه فبكى وقال: أعزز عليّ يا أخي بأن أعيش ليومك، وقد كان في بقائك أمل، وأغلظ عليّ من ذلك وأشد أن الناس يقولون: إني سقيتك سما، وأنا إلى الله من ذلك بريء.
فقال له الرضا: صدقت يا أمير المؤمنين، أنت والله بريء.
ثم خرج المأمون من عنده، ومات الرضا، فحضره المأمون قبل أن يحفر قبره وأمر أن يحفر إلى جانب أبيه، ثم أقبل علينا فقال: حدثني صاحب هذا النعش أنه يحفر له قبر فيظهر فيه ماء وسمك، احفروا، فحفروا فلما انتهوا إلى اللحد نبع ماء وظهر فيه سمك، ثم غاض الماء، فدفن فيه الرضا ﵇.
стр. 454
٥٦- محمد بن عبد الله بن الحسن
ومحمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن علي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵈ ويكنى أبا جعفر. وهو ابن الأفطس «١» الذي ذكرنا خبر قتل أبيه في أيام الرشيد «٢» .
وأمه زينب بنت موسى بن عمر بن علي بن الحسين.
أخبرنا علي بن الحسن بن علي بن حمزة العلوي، قال: أخبرني عمي محمد بن علي قال: أخبرني إبراهيم بن أبي محمد البريدي، قال:
كنا عند المعتصم وهو ولي عهد في أيام المأمون، فأخذ عمود حديد ثقيل فشاله ثم قصر به ثماني قصرات، ثم طرحه من يده إلى العباس بن علي بن ريطة فقصر به، سبعا، ثم طرحه وفيه فضل، فالتفت المعتصم إلى محمد بن عبد الله بن الأفطس فقال له: أما أنتم يا أبا جعفر فليس عندكم من هذا شيء.
فقال له: إليّ تقول هذا؟ هاته، فطرحه إليه، فقال هاها وهو يجيله ويقلبه حتى قصر به ست عشرة مرة، ووجه المعتصم يتغير صفرة وحمرة.
وكان قد كلم المأمون في أمره فقلّده البصرة، فلما طرحه من يده قال له:
ودعني وأخرج إلى عملك، ففعل، فلما خرج من عنده أتبعه بشربة مسمومة وقال له: أحبّ أن تشرب هذا الشراب فإني ذكرتك وأحببت أن تشربه وقت وصوله، فشربه فمات من وقته.
стр. 455
ذكر أيام المعتصم
ومن ظهر فيها
стр. 456
٥٧- محمد «١» بن القاسم بن علي
ومحمد بن القاسم بن علي بن عمر «٢» بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب
стр. 457
وأمه صفية بنت موسى بن عمر بن علي بن الحسين.
ويكنى أبا جعفر.
وكانت العامة تلقبه الصوفي لأنه كان يدمن لبس الثياب من الصوف الأبيض.
وكان من أهل العلم والفقه والدين والزهد وحسن المذهب.
وكان يذهب إلى القول بالعدل والتوحيد، ويرى رأي الزيدية الجارودية «١» .
خرج في أيام المعتصم بالطّالقان، فأخذه عبد الله بن طاهر، ووجه به إلى المعتصم، بعد وقائع كانت بينه وبينه «٢» .
أخبرني بخبره أحمد بن عبيد الله بن عمار، عن محمد بن الأزهر، ونسخت شيئا من أخباره من كتاب أحمد بن الحارث الخرّاز، وحدثني بخبره مشروحا جعفر بن أحمد بن أبي مندل الوراق الكوفي، قال: حدثني عبيد الله بن حمدون قال: حدثني إبراهيم بن عبد الله العطار، وكان مع أبي جعفر محمد بن القاسم بالطالقان «٣» . وفي أحوال تنقله بخراسان، قال:
نزل بمرو «٤» ، وكنا معه من الكوفيين بضعة عشر رجلا، وكان قبل ذلك قد خرج إلى ناحية الرّقة [وإلى ناحية الروز] ، ومعه جماعة من وجوه الزيدية، منهم:
يحيى بن الحسن بن الفرات الفراز، وعبّاد بن يعقوب الرواجني «٥» ، فسمعوه يتكلم مع أحدهم بشيء من مذهب المعتزلة فتفرق الكوفيون جميعا عنه، وبقينا معه
стр. 458
بضعة عشر رجلا، فتفرقنا في الناس ندعوهم إليه، فلم نلبث إلّا يسيرا حتى استجاب له أربعون ألفا، وأخذنا عليهم البيعة، وكنا أنزلناه في رستاق من رساتيق مرو، وأهله شيعة كلهم، فأحلوه في قلعة لا يبلغها الطير، في جبل حريز فلما اجتمع أمره وعدهم لليلة بعينها، فاجتمعوا إليه ونزل من القلعة إليهم، فبينا نحن عنده إذ سمع بكاء رجل واستغاثته، فقال لي: يا إبراهيم قم فانظر ما هذا البكاء. فأتيت الموضع فوقفت فيه فاستقربت البكاء حتى انتهيت إلى رجل حائك، قد أخذ منه رجل من أصحابنا ممن بايعنا لبدا، وهو متعلق به، فقلت: ما هذا وما شأنك؟.
فقال: أخذ صاحبكم هذا لبدي.
فقلت: اردد عليه لبده فقد سمع أبو جعفر بكاءه.
فقال لي الرجل: إنما خرجنا معكم لنكتسب وننتفع ونأخذ ما نحتاج إليه، فلم أزل أرفق به حتى أخذت منه اللبد ورددته إلى صاحبه، ورجعت إلى محمد بن القاسم فأخبرته بخبره وأني قد انتزعت منه اللبد ورددته على صاحبه، فقال: يا إبراهيم، أبمثل هذا يصر دين الله؟ ثم قال لنا: فرّقوا الناس عني حتى أرى رأيي.
فخرجنا إلى الناس فقلنا لهم: إن صورة الأمر قد أوجبت أن تتفرقوا في هذا الوقت، فتفرقوا.
ورحل محمد بن القاسم من وقته إلى الطالقان، وبينها وبين مرو أربعون فرسخا، فنزلها، وتفرقنا ندعو الناس فاجتمع عليه عالم، وجئنا إليه فقلنا له: إن أتممت على أمرك، وخرجت فنابذت القوم رجونا أن ينصرك الله، فإذا ظفرت اخترت حينئذ من ترضاه من جندك، وإن فعلت كما فعلت بمرو، أخذ عبد الله بن طاهر بعقبك، فأصلح من إسلامك إيّانا ونفسك إليه، أن تجلس في بيتك ويسعك ما يسع سائر أهل بيتك. فأتم عزمه وخرج في الناس.
وبلغ خبره عبد الله بن طاهر فوجه إليه رجلا يقال له: الحسين بن نوح، وكان صاحب شرطته، فلقيناه وقاتلناه فهزمناه هزيمة قبيحة، ولما اتصل خبره بعبد الله قامت قيامته فجرد قائدا من أصحابه يقال له نوح بن حبان بن جبلة، أو قال حبان بن نوح بن جبلة، فلقيناه فهزمناه أقبح من هزيمتنا للحسين بن نوح، وانحاز إلى بعض النواحي ولم يرجع إلى عبد الله بن طاهر، وكتب إليه يعتذر ويحلف أنه لا يرجع إلّا أن يظفر أو يقتل. فأمدّه عبد الله بن طاهر بجيش آخر ضخم، فسار
стр. 459
إليه متمهلا ونازله، وكمن لنا كمناء في عدة مواضع، فلما التقينا قاتلنا ساعة ثم انهزم متطاردا لنا فاتبعه أصحابنا، فلما تفرقنا في طلبه خرجت الكمناء على أصحابنا من كل وجه فانهزمنا، وأفلت محمد بن القاسم وصار إلى نسا «١» مستترا، وثبتنا في النواحي ندعو إليه.
وقال أبو الأزهر في خبره: حدثني علي بن محمد الأزدي، قال: حدثني إبراهيم بن غسان بن الفرج العودي، صاحب عبد الله بن طاهر، قال:
دعاني الأمير عبد الله بن طاهر يوما فدخلت عليه فوجدته قاعدا وإلى جانبه كرسي عليه كتاب مختوم غير معنون، ويده في لحيته يخللها، وكان ذلك من فعله دليلا على غضبه، فتعوذت بالله من شره، ودنوت إليه فقال لي: يا إبراهيم، احذر أن تخالف أمري فتسلطني على نفسك فلا أبقي لك باقية.
قلت: أعوذ بالله أن أحتاج في طاعتك إلى هذا الوعيد، وأن أتعرض لسخطك.
قال: قد جرّدت لك ألف فارس من نخبة عسكري، وأمرت أن يحمل معك مائة ألف درهم تصرفها فيما تحتاج إلى صرفها فيه من أمورك، فاضرب الساعة بالطبل والبوق فإنهم يتبعونك، فاخرج واركض، وخذ من خاص خيلي ثلاثة أفراس تجنب معك تنتقل عليها، وخذ بين يديك دليلا قد رسمته لصحبتك، فادفع إليه من المال ألف درهم، واحمله على فرس من الثلاثة فليركض بين يديك، فإذا صرت على فرسخ واحد من نسا، فافضض الكتاب واقرأه، واعمل بما فيه، ولا تغادر منه حرفا، ولا تخالف مما رسمته شيئا، واعلم أن لي عينا في جملة من صحبك يخبرني بأنفاسك، فاحذر ثم احذر، ثم احذر وأنت أعلم.
قال إبراهيم بن غسان: فخرجت وضربت بالطبل، ووافاني الفرسان جميعا بشادياج وهو موضع قصور آل طاهر، وعبد الله يشرف من شرف علينا، فعبأت أصحابي ودفعت فرسي أركضه، ويتبعوني نسير خببا حينا وتقريبا حينا حتى صرنا في اليوم الثالث إلى نسا، على فرسخ منها ففضضت الكتاب فقرأته فإذا فيه:
стр. 460
سر على بركة الله وعونه، فإذا كنت على فرسخ فعبئ أصحابك تعبئة الحرب، وادخل نسا، وأنفذ قائدا من قوادك في ثلثمائة يأخذ على أصحاب البريد داره فيحدق بها هو وأصحابه، وأنفذ قائدا في خمسمائة فارس إلى باب عاملها، تحرزا من وقوع حيلة ببيعة وقعت في أعناقهم لمحمد بن القاسم، وسر في باقي أصحابك إلى محلة كذا وكذا، ودرب كذا وكذا، دار فلان بن فلان، وادخل الدار الأولى، ثم أنفذ فيها إلى دار ثانية، فإذا دخلتها فانفذ منها إلى دار ثالثة، فإذا دخلتها فارق على درجة فيها على يمينك، فإنك تصير إلى غرفة فيها محمد بن القاسم العلوي الصوفي، ومعه رجل من أصحابه يقال له: أبو تراب، فاستوثق منهما بالحديد استيثاقا شديدا، وأنفذ إليّ خاتمك مع خاتم محمد بن القاسم، لأعلم ظفرك به قبل كتابك، وأنفذ الخاتمين مع الرسول، ومره فليركض بهما ركضا حتى يصير إليّ في اليوم الثالث إن شاء الله، ثم اكتب إليّ بعد ذلك بشرح خبرك، وكن على غاية التحرز والتحفظ والتيقظ في أمره حتى تصير به وصاحبه إلى حضرتي.
قال إبراهيم:
فما رأيت خبرا كان كأنه وحي مثله، فصرت إلى الموضع فامتثلت أمره، فوجدت محمدا على رأس الدرجة، متلثما بعمامة وقد شدّ له على بغل أسفل الدرجة، وهو يريد الرحيل إلى خوارزم، فقبضت عليه، فقال: ما شأنك ومن تريد؟.
قلت: محمد بن القاسم.
قال: فأنا محمد بن القاسم.
قلت هات خاتمك، فأعطاني خاتمه، فأنفذته مع خاتمي إلى عبد الله بن طاهر مع رجل دفعت إليه فرسا من تلك الخيل يركبه، وجنيبة يجنبها مخافة أن يعثر فرسه، وأمرت بعض أصحابي بدخول الغرفة، فقال لي: ما تريد من دخول الغرفة وقد أخذتني وليس هناك أحد؟ فلم ألتفت إليه، وأمرت أصحابي فدخلوا الغرفة ففتشوها فوجدوا أبا تراب تحت نقير، والنقير شبيه بالحوض من خشب يعجن فيه الدقيق ويعصر فيه العنب، فأخذتهما واستوثقت منهما بالقيود الثقال، وكتبت إلى عبد الله بن طاهر بخبرهما، وسرت إلى نيسابور ستة أيام، فصيرت محمد بن القاسم في بيت في داري، ووكلت به من أثق به من أصحابي، ووكلت بأبي تراب عبد الشعراني، فوضع محمد كساءه وقام يصلي، وعبد الله يشرف من غرفة في
следующие страницы →