Полный текст (649 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
ندب معه، وراسل يحيى بن عبد الله فأجابه إلى قبوله، لما رأى من تفرق أصحابه، وسوء رأيهم فيه، وكثرة خلافهم عليه، إلّا أنه لم يرض الشرائط التي شرطت له، ولا الشهود الذين شهدوا [عليه، وكتب لنفسه شروطا، وسمى شهودا] «١» ، وبعث بالكتاب إلى الفضل، فبعث به إلى الرشيد فكتب له على ما أراد، وأشهد له من التمس.
فحدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار، وأبو عبيد الصيرفي، قالا: حدثنا محمد بن علي بن خلف، قال: حدثني بعض الحسنيين، عن عبيد الله بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن الحسن، قال:
قال عبد الله بن موسى: أتيت عمي يحيى بن عبد الله بعد انصرافه من الديلم وبعد الأمان فقلت: يا عم، ما بعدي مخبر ولا بعدك مخبر، فأخبرني بما لقيت فقال: ما كنت إلّا كما قال حيي بن أخطب اليهودي:
لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه ... ولكن من لا ينصر الله يخذل
فجاهد حتى أبلغ النفس عذرها ... وقلقل يبغي العزّ كلّ مقلقل «٢»
رجع الحديث إلى سياقة خبر يحيى بن عبد الله.
قالوا: فلما جاء الفضل إلى بلاد الديلم قال يحيى بن عبد الله:
اللهم اشكر لي إخافتي قلوب الظالمين، اللهم إن تقض لنا النصر عليهم فإنما نريد إعزاز دينك، وإن تقض لهم النصر فبما تختار لأوليائك وأبناء أوليائك من كريم المآب وسنيّ الثواب.
فبلغ ذلك الفضل فقال: يدعو الله أن يرزقه السلامة، فقد رزقها.
قالوا: فلما ورد كتاب الرشيد على الفضل وقد كتب الأمان على ما رسم يحيى وأشهد الشهود الذين التمسهم، وجعل الأمان على نسختين إحداهما مع يحيى والأخرى معه، شخص يحيى مع الفضل حتى وافى بغداد ودخلها معادله في عمارية
стр. 387
على بغل، فقال مروان بن أبي حفصة «١» :
وقالوا الطالقان يجن كنزا ... سيأتينا به الدهر المديل
فأقبل مكذبا لهم بيحيى ... وكنز الطالقان له زميل «٢»
فحدثني علي بن إبراهيم العلوي، عن محمد بن موسى «٣» بن حماد، قال:
حدثني محمد بن إسحاق البغوي، قال: حدثني أبي، قال:
كنا مع يحيى بن عبد الله بن الحسن فسأله رجل كان معنا كيف تخيرت الدخول إلى الديلم من بين النواحي؟.
قال: إن للديلم معنا خرجة فطمعت أن تكون معي.
رجع الحديث إلى سياقة الخبر.
قالوا «٤» : فلما قدم يحيى أجازه الرشيد بجوائز سنية يقال إن مبلغها مائتا ألف دينار، وغير ذلك من الخلع والحملان، فأقام على ذلك مدة وفي نفسه الحيلة على يحيى والتفرغ له، وطلب العلل عليه وعلى أصحابه، حتى أخذ رجلا يقال له: فضالة بلغه أنه يدعو إلى يحيى فحبسه، ثم دعا به فأمره أن يكتب إلى يحيى بأنه قد أجابه جماعة من القواد وأصحاب الرشيد ففعل ذلك، وجاء الرسول إلى يحيى فقبض عليه وجاء به إلى يحيى بن خالد فقال له: هذا جاءني بكتاب لا أعرفه، ودفع الكتاب إليه.
فطابت نفس الرشيد بذلك، وحبس فضالة هذا، فقيل له: إنك تظلمه في حبسك إيّاه.
فقال: أنا أعلم ذلك، ولكن لا يخرج وأنا حي أبدا.
قال فضالة: فلا والله ما ظلمني لقد كنت عهدت إلى يحيى إن جاءه مني كتاب ألا يقبله وأن يدفع الرسول إلى السلطان، وعلمت أنه سيحتال عليه بي.
قالوا: فلما تبين يحيى بن عبد الله ما يراد به استأذن في الحج فأذن له.
стр. 388
وقال علي بن إبراهيم في حديثه: لم يستأذن في الحج، ولكنه قال للفضل ذات يوم: اتّق الله في دمي، واحذر أن يكون محمد (ص) خصمك غدا في فرقّ له وأطلقه.
وكان على الفضل عين للرشيد قد ذكر ذلك له، فدعا بالفضل وقال: ما خبر يحيى بن عبد الله؟.
قال: في موضعه عندي مقيم.
قال: وحياتي! قال: وحياتك إني أطلقته، سألني برحمه من رسول الله فرققت له.
قال: أحسنت، قد كان عزمي أن أخلي سبيله.
فلما خرج أتبعه طرفه وقال: قتلني الله إن لم أقتلك.
قالوا: ثم إن نفرا من أهل الحجاز تحالفوا على السعاية بيحيى بن عبد الله بن الحسن والشهادة عليه بأنه يدعو إلى نفسه، وأن أمانه منتقض، فوافق ذلك ما كان في نفس الرشيد له، وهم: عبد الله بن مصعب الزبيري «١» ، وأبو البختري وهب بن وهب «٢» ، ورجل من بني زهرة، ورجل من بني مخزوم. فوافوا الرشيد لذلك واحتالوا إلى أن أمكنهم ذكرهم له، فأشخصه الرشيد إليه وحبسه عند مسرور الكبير «٣» في سرداب، فكان في أكثر الأيام يدعو به فيناظره، إلى أن مات في حبسه رضوان الله عليه.
واختلف الناس في أمره، وكيف كانت وفاته، وسأذكر ذلك في موضعه.
حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال: حدثنا أحمد بن سليمان بن أبي شيخ، عن أبيه، وعن غيره:
أن الرشيد دعا بيحيى يوما فجعل يذكر ما رفع إليه في أمره، وهو يخرج كتبا
стр. 389
كانت في يده حججا له، فيقرؤها الرشيد وأطراف الكتب في يد يحيى، فتمثل بعض من حضر «١» :
أنّى أتيح له حرباء تنصبة ... لا يرسل الساق إلّا مرسلا ساقا «٢»
فغضب الرشيد من ذلك وقال للمتمثل: أتؤيده وتنصره؟
قال: لا، ولكني شبهته في مناظرته واحتجاجه بقول هذا الشاعر.
ثم أقبل عليه فقال: دعني من هذا، يا يحيى أينا أحسن وجها أنا أو أنت؟
قال: بل أنت يا أمير المؤمنين، إنك لأنصع لونا وأحسن وجها.
قال: فأينا أكرم وأسخى، أنا أو أنت؟.
فقال: وما هذا يا أمير المؤمنين، وما تسألني عنه، أنت تجبي إليك خزائن الأرض وكنوزها، وأنا أتمحل معاشي من سنة إلى سنة.
قال: فأينا أقرب إلى رسول الله (ص) ، أنا أو أنت؟.
قال: قد أجبتك عن خطتين، فاعفني من هذه! قال: لا والله. قال: بل فاعفني، فحلف بالطلاق والعتاق ألّا يعفيه.
فقال: يا أمير المؤمنين لو عاش رسول الله (ص) وخطب إليك ابنتك أكنت تزوجه؟.
قال: إي والله! قال: فلو عاش فخطب إليّ أكان يحل لي أن أزوجه؟.
قال: لا قال: فهذا جواب ما سألت.
فغضب الرشيد وقام من مجلسه، وخرج الفضل بن ربيع وهو يقول:
لوددت أني فديت هذا المجلس بشطر ما أملكه.
قالوا: ثم ردّه إلى محبسه في يومه ذلك.
ثم دعا «٣» به وجمع بينه وبين عبد الله بن مصعب الزبيري ليناظره فيما رفع إليه،
стр. 390
فجبهه ابن مصعب بحضرة الرشيد وقال له: نعم يا أمير المؤمنين إن هذا دعاني إلى بيعته.
قال له يحيى: يا أمير المؤمنين، أتصدّق هذا وتستنصحه؟ وهو ابن عبد الله بن الزبير الذي أدخل أباك وولده الشعب وأضرم عليهم النار حتى تخلّصه أبو عبد الله الجدلي صاحب علي بن أبي طالب منه [عنوة] «١» .
وهو الذي بقي أربعين جمعة لا يصلي على النبي (ص) في خطبته حتى التاث عليه الناس، فقال: إن له أهل بيت سوء إذا [صليت عليه أو] ذكرته [أتلعوا أعناقهم «٢» واشرأبوا لذكره] وفرحوا بذلك فلا أحب أن أقر عينهم بذكره.
وهو الذي فعل بعبد الله بن العباس ما لا خفاء به عليك «٣» حتى لقد ذبحت يوما عنده بقرة فوجدت كبدها قد نقبت فقال ابنه علي بن عبد الله: يا أبة أما ترى كبد هذه البقرة؟.
فقال: يا بني، هكذا ترك ابن الزبير كبد أبيك، ثم نفاه إلى الطائف، فلما حضرته الوفاة قال لعلي ابنه: يا بني، ألحق بقومك من بني عبد مناف بالشام، [ولا تقم في بلد لابن الزبير فيه إمرة] «٤» . فاختار له صحبة يزيد بن معاوية على صحبة عبد الله بن الزبير.
وو الله إن عداوة هذا [يا أمير المؤمنين] لنا جميعا بمنزلة سواء، ولكنه قوى عليّ بك، وضعفت عنك، فتقرّب بي إليك، ليظفر منك بما يريد، إذ لم يقدر على مثله، منك، وما ينبغي لك أن تسوّغه ذلك في، فإن معاوية بن أبي سفيان، وهو أبعد نسبا منك إلينا، ذكر يوما الحسن بن علي فسفهه «٥» فساعده عبد الله بن الزبير على ذلك، فزجره معاوية [وانتهره] فقال: إنما ساعدتك يا أمير المؤمنين! فقال: إن الحسن لحمي آكله. ولا أوكله.
стр. 391
فقال عبد الله بن مصعب: إن عبد الله بن الزبير طلب أمرا فأدركه، وإنّ الحسن باع الخلافة من معاوية بالدراهم، أتقول هذا في عبد الله بن الزبير وهو ابن صفية بنت عبد المطلب «١» ؟.
فقال يحيى: يا أمير المؤمنين، ما أنصفنا أن يفخر علينا بامرأة من نسائنا وامرأة منا، فهلا فخر بهذا على قومه من النّوبيات والأساميات والحمديات! فقال عبد الله بن مصعب: ما تدعون بغيكم علينا وتوثبكم في سلطاننا؟.
فرفع يحيى رأسه إليه، ولم يكن يكلّمه قبل ذلك، وإنما كان يخاطب الرشيد بجوابه لكلام عبد الله، فقال له: أتوثبنا في سلطانكم؟ ومن أنتم- أصلحك الله- عرفني فلست أعرفكم؟.
فرفع الرشيد رأسه إلى السقف يجيله فيه ليستر ما عراه من الضحك ثم غلب عليه الضحك ساعة، وخجل ابن مصعب.
ثم التفت يحيى فقال: يا أمير المؤمنين، ومع هذا فهو الخارج مع أخي على أبيك «٢» والقائل له «٣» :
إن الحمامة يوم الشعب من دثن «٤» ... هاجت فؤاد محب دائم الحزن
إنا لنأمل أن ترتد ألفتنا ... بعد التدابر والبغضاء والأحن
حتى يثاب على الإحسان محسننا «٥» ... ويأمن الخائف المأخوذ بالدّمن
وتنقضي دولة أحكام قادتها ... فينا كأحكام قوم عابدي وثن
فطالما قد بروا بالجور أعظمنا «٦» ... بري الصناع قداح النّبع بالسّفن
قوموا ببيعتكم ننهض بطاعتنا ... إن الخلافة فيكم يا بني الحسن «٧»
стр. 392
لا عزّ ركنا نزار عند سطوتها ... إن أسلمتك ولا ركنا ذوي يمن «١»
ألست أكرمهم عودا إذا انتسبوا ... يوما وأطهرهم ثوبا من الدّرن
وأعظم الناس عند الناس منزلة ... وأبعد الناس من عيب ومن وهن «٢»
قال: فتغير وجه الرشيد عند استماع هذا الشعر، فابتدأ ابن مصعب يحلف بالله الذي لا إله إلّا هو، وبأيمان البيعة أن هذا الشعر ليس له وأنه لسديف «٣» .
فقال يحيى: والله يا أمير المؤمنين ما قاله غيره، وما حلفت كاذبا ولا صادقا بالله قبل هذا، وإن الله إذا مجّده العبد في يمينه بقوله: الرحمن الرحيم، الطالب الغالب، استحيى أن يعاقبه، فدعني أحلّفه بيمين ما حلف بها أحد قط كاذبا إلّا عوجل. قال: حلّفه.
قال: قل: برئت من حول الله وقوته، واعتصمت بحولي وقوتي، وتقلّدت الحول والقوة من دون الله، استكبارا على الله، واستغناء عنه، واستعلاء عليه، إن كنت قلت هذا الشعر.
فامتنع عبد الله من الحلف بذلك، فغضب الرشيد وقال للفضل بن الربيع «٤» : يا عباسي ما له لا يحلف إن كان صادقا؟ هذا طيلساني عليّ، وهذه ثيابي لو حلّفني أنها لي لحلفت. فرفس الفضل بن الربيع عبد الله بن مصعب برجله وصاح به:
احلف ويحك- وكان له فيه هوى- فحلف باليمين ووجهه متغير وهو يرعد، فضرب يحيى بين كتفيه ثم قال: يابن مصعب قطعت والله عمرك، والله لا تفلح بعدها «٥» .
فما برح من موضعه حتى أصابه الجذام فتقطع ومات في اليوم الثالث «٦» .
стр. 393
فحضر الفضل بن الربيع جنازته، ومشى معها ومشى الناس معه، فلما جاءوا به إلى القبر ووضعوه في لحده وجعل اللّبن فوقه، انخسف القبر فهوى به حتى غاب عن أعين الناس، فلم يروا قرار القبر وخرجت منه غبرة عظيمة، فصاح الفضل:
التراب التراب، فجعل يطرح التراب وهو يهوي، ودعا بأحمال الشوك فطرحها فهوت، فأمر حينئذ بالقبر فسقف بخشب وأصلحه وانصرف منكسرا. فكان الرشيد بعد ذلك يقول للفضل: رأيت يا عباسي، ما أسرع ما أديل ليحيى من ابن مصعب «١» .
فحدثني ابن عمارة قال: حدثني الحسن بن العليل العنزي، قال: حدثني أحمد بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن أبي جهم بن حذيفة بن غانم العدوي عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي بكر بن سليمان بن أبي خيثمة، قال:
كنت مع إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي فقال لي: أتحب أن أريك الرجل الذي ألقى عبد الله بن مصعب في رحم أمه؟ قلت: نعم فأرنيه فأومأ إلى إنسان سندي على حمار، يكري الحمير بالمدينة، وقال لي: ما زال مصعب بن أبي ثابت يخرج أم عبد الله بن مصعب من بيت هذا أبدا، وكانت سندية اسمها تحفة، فولدت عبد الله فهو أشبه الناس بوردان، فنفاه مصعب بن ثابت عن نفسه، فلم يزل مدة على ذلك، ثم استلاطه بعد ذلك.
قال: وقال بعض الشعراء يهجوا مصعب بن عبد الله الزبيري وأخاه بكارا «٢» ويذكر عبد الله بن مصعب:
تدعى حواري الرسول تكذبا ... وأنت لوردان الحمير سليل «٣»
ولولا سعايات بآل محمد ... لألفى أبوك العبد وهو ذليل
ولكنه باع القليل بدينه ... فطال له وسط الجحيم عويل
فنال به مالا وجاها ومنكحا ... وذلك خزي في المعاد طويل
стр. 394
ثم نرجع إلى سياقة الخبر في مقتل يحيى بن عبد الله.
قالوا: ثم جمع له الرشيد الفقهاء وفيهم: محمد بن الحسن «١» صاحب أبي يوسف القاضي، والحسن بن زياد اللؤلؤي «٢» ، وأبو البختري وهب بن وهب، فجمعوا في مجلس وخرج إليهم مسرور الكبير بالأمان، فبدأ محمد بن الحسن فنظر فيه فقال: هذا أمان مؤكد لا حيلة فيه- وكان يحيى قد عرضه بالمدينة على مالك، وابن الدّراوردي «٣» وغيرهم، فعرفوه أنه مؤكد لا علة فيه.
قال: فصاح عليه مسرور وقال: هاته، فدفعه إلى الحسن بن زياد اللؤلؤي فقال بصوت ضعيف: هو أمان.
واستلبه أبو البختري وهب بن وهب فقال: هذا باطل «٤» منتقض، قد شق عصا الطاعة وسفك الدم فاقتله ودمه في عنقي.
فدخل مسرور إلى الرشيد فأخبره فقال له: اذهب فقل له: خرقه إن كان باطلا بيدك، فجاءه مسرور فقال له ذلك فقال: شقّه يا أبا هاشم.
قال له مسرور: بل شقه أنت إن كان منتقضا.
فأخذ سكينا وجعل يشقه ويده ترتعد حتى صيّره سيورا، فأدخله مسرور على الرشيد فوثب فأخذه من يده وهو فرح وهو يقول له: يا مبارك يا مبارك، ووهب لأبي البختري ألف ألف وستمائة ألف، وولاه القضاء، وصرف الآخرين، ومنع محمد بن الحسن من الفتيا مدة طويلة، وأجمع على إنفاذ ما أراده في يحيى بن عبد الله.
قال أبو الفرج الأصبهاني:
وقد اختلف في مقتله كيف كان: فحدثني جعفر بن أحمد الوراق «٥» ، قال:
стр. 395
حدثنا أحمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن عثمان، عن الحسن بن علي، عن عمرو بن حماد، عن رجل كان مع يحيى بن عبد الله في المطبق، قال:
كنت قريبا منه فكان في أضيق البيوت وأظلمها، فبينا نحن ذات ليلة كذلك إذ سمعنا صوت الأقفال وقد مضت من الليل هجعة، فإذا هارون قد أقبل على برذون له، ثم وقف وقال: أين هذا؟ يعني يحيى بن عبد الله بن الحسن. قالوا: في هذا البيت. قال عليّ به فأدنى إليه فجعل هارون يكلمه بشيء لم أفهمه فقال: خذوه، فأخذوه فضرب مائة عصا، ويحيى يناشده الله والرحم والقرابة من رسول الله (ص) ويقول: بقرابتي منك، فيقول: ما بيني وبينك قرابة.
ثم حمل فرد إلى موضعه فقال: كم أجريتم عليه؟ قالوا: أربعة أرغفة وثمانية أرطال ماء.
قال: اجعلوه على النصف.
ثم خرج ومكثنا ليالي ثم سمعنا وقعا فإذا نحن به حتى دخل فوقف موقفه فقال: عليّ به، فأخرج ففعل به مثل فعله ذلك، وضربه مائة عصا أخرى، ويحيى يناشده الله، فقال: كم أجريتم عليه؟.
قالوا: رغيفين وأربعة أرطال ماء.
قال: اجعلوه على النصف.
ثم خرج وعاد الثالثة، وقد مرض يحيى بن عبد الله وثقل، فلما دخل قال:
عليّ به، قالوا: هو عليل مدنف لما به.
قال: كم أجريتم عليه؟.
قالوا: رغيفا ورطلين ماء.
قال: فاجعلوه على النصف.
ثم خرج فلم يلبث يحيى بن عبد الله أن مات، فأخرج إلى الناس، ودفن ﵁ وأرضاه.
وقال ابن عمار في روايته عن إبراهيم بن رياح «١» .
стр. 396
إنه بني عليه اسطوانة بالرافقة وهو حي.
وقال ابن عمار في خبره عن علي بن محمد بن سليمان:
إنه دس إليه في الليل من خنقه حتى تلف.
قال: وبلغني أنه سقاه سما.
وقال علي بن إبراهيم، عن إبراهيم بن بنان الخثعمي، عن محمد بن أبي الخنساء: أنه أجاع السباع ثم ألقاه إليها فأكلته.
فحدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن، قال: حدثني موسى بن عبد الله عن أبيه، ومحمد بن عبيد الله البكري، عن سلمة بن عبد الله بن عبد الرحمن المخزومي، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن حفص العمري، قال:
دعينا لمناظرة يحيى بن عبد الله بن الحسن بحضرة الرشيد، فجعل يقول له:
اتق الله وعرّفني أصحابك السبعين لئلا ينتقض أمانك. وأقبل علينا فقال: إن هذا لم يسم أصحابه، فكلما أردت أخذ إنسان بلغني عنه شيء أكرهه، ذكر أنه ممن أمّنت.
فقال يحيى: يا أمير المؤمنين، أنا رجل من السبعين فما الذي نفعني من الأمان، أفتريد أن أدفع إليك قوما تقتلهم معي، لا يحلّ لي هذا.
قال: ثم خرجنا ذلك اليوم، ودعانا له يوما آخر، فرأيته أصفر الوجه متغيرا، فجعل الرشيد يكلمه فلا يجيبه، فقال: ألا ترون إليه لا يجيبني، فأخرج إلينا لسانه وقد صار أسود مثل الفحمة «١» ، يرينا أنه لا يقدر على الكلام فتغيظ الرشيد وقال:
إنه يريكم أني سقيته السم، وو الله لو رأيت عليه القتل لضربت عنقه صبرا.
قال: ثم خرجنا من عنده فما وصلنا في وسط الدار حتى سقط على وجهه لا حراك به «٢» .
حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثني يحيى بن الحسن، قال: كان
стр. 397
إدريس بن محمد بن يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن، يقول:
قتل جدي بالجوع والعطش في الحبس.
وأمّا حرمي بن أبي العلاء، فحدثنا عن الزبير بن بكار، عن عمه:
أن يحيى لما أخذ من الرشيد المائتي ألف دينار قضى بها دين الحسين صاحب فخ، وكان الحسين خلف مائتي ألف دينار دينا.
تسمية من خرج مع يحيى بن عبد الله ابن الحسن من أهل العلم والحديث
حدثني علي بن إبراهيم العلوي، حدثنا جعفر بن محمد الفزاري:
أن يحيى بن مساور كان ممن خرج مع يحيى بن عبد الله.
حدثني علي بن العباس، قال: حدثنا علي بن أحمد الباني «١» ، قال:
سمعت عامر بن كثير السراج «٢» يحدث محمد بن إبراهيم أنه خرج مع يحيى بن عبد الله بن الحسن.
حدثني أبو عبيد محمد بن أحمد المؤمل الصيرفي، قال: سمعت محمد بن علي بن خلف العطار يقول:
خرج سهل بن عامر البجلي مع يحيى بن عبد الله.
كتب إليّ علي بن العباس المقانعي، قال: حدثنا عباد بن يعقوب، قال:
أعطى يحيى بن عبد الله يحيى بن مساور من المال الذي أعطاه هارون ثلاثة بدور، فلما كان بعد ذلك قال يحيى: احتل لي في ألفي درهم قرضا، فقال له: ابعث برسول ومعه بغل، فوجه إلى يحيى بالثلاث بدور، فقال له ما هذا؟ قال: هذا الذي كنت أعطيتني، علمت أنك ستحتاج إليه، قال له: خذ بعضه، فقال: لا والله ما كان الله ليراني آكل على حبكم درهما أبدا.
حدثني علي بن إبراهيم العلوي، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم، قال: قال محمد بن يحيى، عن محمد بن عثمان، عن الحسن بن علي، عن علي بن هاشم بن البريد:
стр. 398
أن هارون أخذه، وعبد ربه بن علقمة، ومخول بن إبراهيم النهدي، وكانوا من أصحاب يحيى بن عبد الله، فحبسهم جميعا في المطبق، فمكثوا فيه اثنتي عشرة سنة.
حدثني محمد بن الحسين الأشناني، قال: حدثنا يحيى بن محمد بن مخول بن إبراهيم، قال:
كنت أغمز ساق جدي فقلت له: يا أبي الكبير «١» ما أدق ساقيك! فقال:
دققتها يا يحيى قيود هارون في المطبق.
حدثنا محمد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن حازم الغفاري، قال: حدثني مخول، قال:
حبست أنا، وعبد ربه بن علقمة في المطبق، فمكثنا فيه بضع عشرة سنة.
قال: ثم دعاني هارون الرشيد، فمروا بي على عبد ربه بن علقمة، فصاح بي: يا مخول، احذر أن تلقى الله ورسوله (ص) وقد شركت في دم ولده، أو دللتهم على أثر يتعلقون به عليه، وإذا مرّ بك هول من عقوباتهم فاذكر عذاب الله وعقابه يوم القيامة والموت! فإنه يسهل عليك. فو الله لقد صير قلبي مثل زبرة حديد. وأدخلت على هارون فدعا بالسيف والنطع فقال: والله لتدلّني على أصحاب يحيى أو لأقطعنك قطعا.
فقلت يا أمير المؤمنين، أنا رجل سوقة ضعيف، محبوس منذ أربع سنين، من أين أعرف مواضع أصحاب يحيى وقد تفرقوا في البلاد خوفا منك؟.
فأراد قتلي، فقالوا له: قد صدق فيما ذكر، من أين يعرف مواضع قوم هرّاب؟ فردّني إلى محبسي، فمكثت فيه بضع عشرة سنة.
ومما رثي به يحيى بن عبد الله بن الحسن، أنشدنيه علي بن إبراهيم العلوي:
يا بقعة مات بها سيّد ... ما مثله في الأرض من سيّد
مات الهدى «٢» من بعده والندى ... وسمى الموت به معتدي
فكم حيا حزت من وجهه ... وكم ندى «٣» يحيى به المجتدي
стр. 399
[لا زلت غيث الله يا قبره ... عليك منه رائح مغتدي] «١»
كان لنا غيثا به نرتوي ... وكان كالنجم به نهتدي
فإن رمانا الدهر عن قوسه ... وخاننا في منتهى السؤدد
فعن قريب نبتغي ثاره ... بالحسني الثائر المهتدي
إنّ ابن عبد الله يحيى ثوى ... والمجد والسؤدد في ملجد
٤١- إدريس بن عبد الله
وإدريس بن عبد الله «٢» بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵇ وأمه عاتكة بنت عبد الملك بن الحرث الشاعر بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي. وفي خالد بن العاص يقول الشاعر:
لعمرك إن المجد ما عاش خالد ... على الغمر من ذي كندة لمقيم
يعني غمر ذي كندة وهو موضع كان ينزله. وقد ذكره عمر بن أبي ربيعة في شعره فقال «٣» :
إذا سلكت غمر ذي كندة ... مع الصبح قصدا لها الفرقد
يمر بك العصران يوم وليلة ... فما أحدثا إلّا وأنت كريم
وتندي البطاح البيض من جود خالد ... وتخصب حتى نبتهن عميم «٤»
حدثني بخبره أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال: حدثني علي بن محمد بن سليمان النوفلي، قال: حدثني أبي وغيره من أهلي، وحدثني به أيضا علي «٥» بن إبراهيم العلوي، قال: كتب إلى محمد بن موسى يخبرني عن محمد بن يوسف عن عبد الله بن عبد الرحيم بن عيسى:
стр. 400
أن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن أفلت من وقعة فخ «١» ومعه مولى يقال له راشد فخرج به في جملة حاج مصر وإفريقية. وكان إدريس يخدمه ويأتمر له حتى أقدمه مصر «٢» فنزلها ليلا فجلس على باب رجل من موالي بني العباس فسمع كلامهما وعرف الحجازية فيهما. فقال: أظنكما عربيين «٣» . قالا: نعم. قال:
وحجازيين. قالا: نعم. فقال له راشد: أريد أن ألقى إليك أمرنا على أن تعاهد الله أنك تعطينا خلة من خلتين: إما أن تؤوينا وتؤمننا، وإما سترت علينا أمرنا حتى نخرج من هذا البلد.
قال: افعل: فعرفه نفسه وإدريس بن عبد الله، فآواهما وسترهما. وتهيأت قافلة إلى إفريقية فأخرج معها راشدا إلى الطريق وقال له: إن على الطريق مسالح ومعهم أصحاب أخبار تفتش كل من يجوز الطريق، وأخشى أن يعرف، فأنا أمضي به معي على غير الطريق حتى أخرجه عليك بعد مسيرة أيام، وهناك تنقطع المسالح. ففعل ذلك وخرج به عليه فلما قرب من إفريقية ترك القافلة ومضى مع راشد حتى دخل بلد البربر في مواضع منه يقال لها فاس وطنجة، فأقام بها واستجابت له البربر.
وبلغ الرشيد خبره فغمه، فقال النوفلي خاصة في حديثه وخالفه علي بن إبراهيم وغيره فيه، فشكا ذلك إلى يحيى بن خالد، فقال: أنا أكفيك أمره. ودعا سليمان بن جرير الجزري «٤» ، وكان من متكلمي الزيدية البترية «٥» ومن أولى الرياسة فيهم، فأرغبه ووعده عن الخليفة بكل ما أحب على أن يحتال لإدريس حتى يقتله، ودفع إليه غانية مسمومة، فحمل ذلك وانصرف من عنده، فأخذ معه صاحبا له، وخرج يتغلغل في البلدان حتى وصل إلى إدريس بن عبد الله فمتّ إليه بمذهبه وقال: إن السلطان طلبني لما يعلمه من مذهبي، فجئتك. فأنس به واجتباه. وكان ذا لسان وعارضة، وكان يجلس في مجلس البربر فيحتج للزيدية ويدعو إلى أهل البيت كما كان
стр. 401
يفعل، فحسن موقع ذلك من إدريس إلى أن وجد فرصة لإدريس فقال له: جعلت فداك، هذه قارورة غالية حملتها إليك من العراق، ليس في هذا البلد من هذا الطيب شيء. فقبلها وتغلل بها وشمّها، وانصرف سليمان إلى صاحبه، وقد أعدّ فرسين، وخرجا يركضان عليهما. وسقط إدريس مغشيّا عليه من شدة السم فلم يعلم من بقربه ما قصته. وبعثوا إلى راشد مولاه فتشاغل به ساعة يعالجه وينظر ما قصته، فأقام إدريس في غشيته هاته نهاره حتى قضي عشيا، وتبين راشد أمر سليمان فخرج في جماعة يطلبه فما لحقه غير راشد وتقطعت خيل الباقين، فلما لحقه ضربه ضربات منها على رأسه ووجهه، وضربة كتعت أصابع يديه «١» وكان بعد ذلك مكتعا.
هذه رواية النوفلي.
وذكر علي بن إبراهيم، عن محمد بن موسى:
أن الرشيد وجه إليه الشّماخ مولى المهدي، وكان طبيبا «٢» ، فأظهر له أنه من الشيعة وأنه طبيب، فاستوصفه فحمل إليه سنونا «٣» وجعل فيه سما، فلما استن به جعل لحم فيه ينتثر وخرج الشماخ هاربا حتى ورد مصر. وكتب ابن الأغلب إلى الرشيد بذلك، فولّى الشماخ بريد مصر وأجازه.
حدثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن، قال:
حدثني داود بن القاسم الجعفري:
أن سليمان بن جرير أهدى إلى إدريس سمكة مشوية مسمومة فقتله، رضوان الله عليه ورحمته.
قالوا: وقال رجل من أولياء بني العباس يذكر قتل إدريس «٤» بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵇.
أتظن يا إدريس أنك مفلت ... كيد الخليفة أو يقيك فرار «٥»
فليدركنّك أو تحلّ ببلدة ... لا يهتدي فيها إليك نهار
стр. 402
إن السيوف إذا انتضاها سخطه ... طالت وتقصر دونها الأعمار «١»
ملك كأن الموت يتبع أمره ... حتى يقال تطيعه الأقدار
قال ابن عمار: وهذا الشعر عندي يشبه شعر أشجع بن عمرو السلمي، وأظنه له.
قال أبو الفرج الأصبهاني:
هذا الشعر لمروان بن أبي حفصة، أنشدنيه علي بن سليمان الأخفش له.
قالوا:
ورجع راشد إلى الناحية التي كان بها إدريس مقيما فدفنه «٢» ، وكان له حمل فقام له راشد بأمر المرأة حتى ولدت، فسمّاه باسم أبيه إدريس، وقام بأمر البربر حتى كبر ونشأ فولى أمرهم أحسن ولاية.
وكان فارسا شجاعا جوادا شاعرا «٣» ، وأنا أذكر خبره في موضعه من هذا الباب إن شاء الله تعالى «٤» .
٤٢- عبد الله بن الحسن
وعبد الله بن الحسن بن علي بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵇ وهو الذي يقال له ابن الأفطس «٥» .
ويكنى أبا محمد.
وأمه أم سعيد بنت سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف.
حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن، قال: حدثني عبد الله بن الحسين بن زيد، قال:
стр. 403
حدثني من رأى عبد الله بن الحسن بن الأفطس يوم فخ متقلدا سيفين يقاتل بهما.
حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى، قال: سمعت عبد الله بن حمزة يحكي عمن شهد ذلك «١» ، قال:
ما كان بفخ أحد أشد غناء من عبد الله بن الحسن بن علي بن علي.
حدثني أحمد، قال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عمر:
أن الحسين صاحب فخ أوصى إلى عبد الله بن الحسن بن علي بن علي ان حدث به حدث فالأمر إليه.
ذكر الخبر عن مقتله
حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال: حدثني النوفلي عن أبيه، قال:
كان الرشيد مغري بالمسألة عن أمر آل أبي طالب، وعمن له ذكر ونباهة منهم فسأل يوما الفضل بن يحيى هل سمعت بخراسان ذكرا يحد منهم؟.
قال: لا والله ولقد جهدت فما ذكر لي أحد منهم، إلا أني سمعت رجلا يقول وذكر موضعا، فقال: ينزل فيه عبد الله بن الحسن بن علي، ولم يزد على هذا.
فوجه الرشيد من وقته إلى المدينة فأخذ فجيء به، فلما أدخل عليه قال له:
بلغني أنك تجمع الزيدية وتدعوهم إلى الخروج معك.
قال قال: نشدتك بالله يا أمير المؤمنين في دمي، فو الله ما أنا من هذه الطبقة ولا لي فيهم ذكر، وإن أصحاب هذا الشأن بخلافي، أنا غلام نشأت بالمدينة، وفي صحاريها أسعى على قدمي، وأتصيد بالبواشيق ما هممت بغير ذلك قط.
قال: صدقت، ولكني أنزلك دارا، وأوكل بك رجلا واحدا يكون معك ولا يحجبك أحدا يدخل عليك، وإن أردت أن تلعب بالحمام فافعل.
فقال: يا أمير المؤمنين، نشدتك بالله في دمي، فو الله لئن فعلت ذلك بي لأوسوسن وليذهبن عقلي.
فلم يقبل ذلك منه وحبسه، فلم يزل يحتال لأن تصل رقعته إلى الرشيد حتى
стр. 404
قدر على ذلك، فأنفذ إليه رقعة مختومة فيها كل كلام قبيح وكل شتم شنيع، فلما قرأها طرحها وقال: قد ضاق صدر هذا الفتى فهو يتعرض للقتل، وما يحملني فعله ذلك على قتله. ثم دعا جعفر بن يحيى فأمره أن يحوله إليه ويوسع عليه في محبسه.
فلما كان يوم غد، وهو يوم نيروز، قدّمه جعفر بن يحيى فضرب عنقه، وغسل رأسه وجعله في منديل، وأهداه إلى الرشيد مع هدايا، فقبلها وقدمت إليه فلما نظر إلى الرأس أفظعه فقال له: ويحك لم فعلت هذا؟.
قال: لإقدامه على ما كتب به إلى أمير المؤمنين، وبسط يده ولسانه بما بسطهما.
قال: ويحك فقتلك إيّاه بغير أمري أعظم من فعله. ثم أمر بغسله ودفنه.
فلما كان من أمره ما كان في أمر جعفر قال لمسرور: إذا أردت قتله فقل له:
هذا بعبد الله بن الحسن بن عمي الذي قتلته بغير أمري. فقالها مسرور عند قتله إيّاه.
٤٣- محمد بن يحيى بن عبد الله
ومحمد بن يحيى بن عبد الله بن الحسن ابن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵈ وأمه خديجة بنت إبراهيم بن طلحة بن عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي.
حبسه بكار بن عبد الله الزبيري، فمات في حبسه.
حدثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبد الله قال: حدثني مالك بن يزيد الجعفري «١» . وحدثني علي بن إبراهيم العلوي، قال: كتب إليّ محمد بن موسى بن حماد أن محمد بن الحسن بن مسعود حدثه، قال: أخبرني عمر بن عثمان الزهري:
أن بكار بن عبد الله الزبيري وجّه إلى محمد بن يحيى بن عبد الله بن الحسن، وقد ورد سويقة ليصوم شهر رمضان في منزله، فجاءه الرسول فأخذه فمضى به إلى الحبس وجعل يتبعه برسول بعد رسول يأمره بالتضييق عليه، ثم أتبعه بآخر يأمره
стр. 405
بتقييده، ثم أتبعه بآخر يأمره بإثقاله والزيادة في حديده، فالتفت إلى الرسول فقال له: قل لصاحبك:
إني من القوم الذين تزيدهم ... قسوا وصبرا شدة الحدثان
فلم يزل محبوسا ثم أخرجه فقال له من يكفل بك.
قال: جماعة ولد أبي طالب. فقال بعضهم لسنا نكفل لمن عصى أمير المؤمنين، فوثب وأنشأ يقول:
وما العود إلّا نابت في أرومة ... أبي صالح العيدان أن يتقطرا «١»
بنو الصالحين الصالحون ومن يكن ... لآباء صدق تلقهم حيث ستّرا «٢»
قال: فرده إلى محبسه، فلم يزل فيه حتى مات.
٤٤- الحسين بن عبد الله بن اسماعيل
والحسين بن عبد الله بن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر ابن أبي طالب ﵇ أمه حمادة بنت معاوية بن عبد الله بن جعفر.
ذكر محمد بن علي بن حمزة أن بكارا الزّبيري أخذه بالمدينة أيام ولايته إيّاها فضربه بالسوط ضربا مبرّحا، فمات من ذلك الضرب.
٤٥- العباس بن محمد بن عبد الله
والعباس بن محمد بن عبد الله بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب ﵇ ويكنى أبا الفضل.
وأمه أم سلمة بنت محمد بن علي بن الحسين.
حدثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثني يحيى بن الحسن العلوي،
стр. 406
قال: حدثني عبد الله بن محمد، قال:
دخل العباس بن محمد بن عبد الله بن علي بن الحسين، على هارون فكلمه كلاما طويلا، فقال هارون: يابن الفاعلة.
قال: تلك أمك التي تواردها النخاسون.
فأمر به فأدنى فضربه بالجرز «١» حتى قتله.
٤٦- موسى بن جعفر بن محمد
وموسى بن جعفر بن محمد «٢» بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب ﵇ ويكنى أبا الحسن، وأبا إبراهيم.
وأمه أم ولد تدعى حميدة.
حدثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن قال:
كان موسى بن جعفر إذا بلغه عن الرجل ما يكره بعث إليه بصرة دنانير، وكانت صراره ما بين الثلثمائة إلى المائتين دينار، فكانت صرار موسى مثلا «٣» .
حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى:
أن رجلا من آل عمر بن الخطاب كان يشتم علي بن أبي طالب إذا رأى موسى ابن جعفر، ويؤذيه إذا لقيه، فقال له بعض مواليه وشيعته: دعنا نقتله، فقال: لا، ثم مضى راكبا حتى قصده في مزرعة له فتواطأها بحماره، فصاح لا تدس زرعنا فلم يصغ إليه وأقبل حتى نزل عنده فجلس معه وجعل يضاحكه، وقال له: كم غرمت على زرعك هذا؟ قال: مائة درهم. قال: فكم ترجو أن تربح؟ قال: لا أدري.
قال: إنما سألتك كم ترجو. قال مائة أخرى. قال: فأخرج ثلثمائة دينار فوهبها له فقام فقبل رأسه، فلما دخل المسجد بعد ذلك وثب العمري فسلم عليه وجعل
стр. 407
يقول: الله أعلم حيث يجعل رسالته، فوثب أصحابه عليه وقالوا: ما هذا؟
فشاتمهم، وكان بعد ذلك كلما دخل موسى خرج يسلم عليه ويقوم له.
فقال موسى لمن قال ذلك القول: أيما كان خيرا ما أردتم أو ما أردت «١» .
حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال: حدثني محمد بن عبد الله المدائني قال:
حدثني أبي، قال: حدثني بعض أصحابنا.
أن الرشيد لما حج لقيه موسى بن جعفر على بغلة «٢» . فقال له الفضل بن الربيع: ما هذه الدابة التي تلقيت عليها أمير المؤمنين؟ فأنت إن طلبت عليها لم تدرك، وإن طلبت لم تفت.
قال: إنها تطأطأت عن خيلاء الخيل، وارتفعت عن ذلة العير، وخير الأمور أوسطها.
(ذكر السبب في أخذه وحبسه)
حدثني «٣» بذلك أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال: حدثنا علي بن محمد النوفلي عن أبيه وحدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثني يحيى بن الحسن العلوي، وحدثني غيرهما ببعض قصته، فجمعت ذلك بعضه إلى بعض.
قالوا «٤» :
كان السبب في أخذ موسى بن جعفر أن الرشيد جعل ابنه محمدا في حجر جعفر بن محمد بن الأشعث «٥» ، فحسده يحيى بن خالد بن برمك على ذلك وقال:
إن أفضت الخلافة إليه زالت دولتي ودولة ولدي. فاحتال على جعفر بن محمد، وكان يقول بالإمامة، حتى داخله وأنس به، وأسر إليه، وكان يكثر غشيانه في منزله فيقف على أمره ويرفعه إلى الرشيد ويزيد عليه في ذلك بما يقدح في قلبه. ثم قال يوما لبعض ثقاته: أتعرفون لي رجلا من آل أبي طالب ليس بواسع الحال يعرفني ما أحتاج إليه من
стр. 408
أخبار موسى بن جعفر؟ فدلّ على علي بن إسماعيل بن جعفر بن محمد، فحمل إليه يحيى ابن خالد البرمكي مالا. وكان موسى يأنس إليه ويصله وربما أفضى إليه بأسراره، فلما طلب ليشخص به أحس موسى بذلك، فدعاه فقال: إلى أين يابن أخي؟ قال: إلى بغداد قال:
وما تصنع؟ قال: عليّ دين وأنا مملق. قال: فأنا أقضي دينك وأفعل بك واصنع، فلم يلتفت إلى ذلك، فعمل على الخروج، فاستدعاه أبو الحسن موسى فقال له: أنت خارج؟
فقال له: نعم لا بد لي من ذلك فقال له: انظر يابن أخي واتق الله لا تؤتم أولادي! وأمر له بثلاثمائة دينار، وأربعة آلاف درهم.
قالوا: فخرج علي بن اسماعيل حتى أتى يحيى بن خالد البرمكي، فتعرّف منه خبر موسى بن جعفر، فرفعه إلى الرشيد وزاد فيه، ثم أوصله إلى الرشيد فسأله عن عمّه فسعى به إليه، فعرف يحيى جميع خبره وزاد عليه وقال له: إن الأموال تحمل إليه من المشرق والمغرب، وإن له بيوت أموال، وإنه اشترى ضيعة بثلاثين ألف دينار فسماها اليسيرة، وقال له صاحبها وقد أحضره المال: لا آخذ هذا النقد ولا آخذ إلّا نقدا كذا وكذا، فأمر بذلك المال فرد وأعطاه ثلاثين ألف دينار من النقد الذي سأل بعينه، فسمع ذلك منه الرشيد وأمر له بمائتي ألف درهم نسبت «١» له على بعض النواحي، فاختار كور المشرق، ومضت رسله لقبض المال. ودخل هو في بعض الأيام إلى الخلاء فزحر زحرة فخرجت حشوته كلها فسقطت، وجهدوا في ردّها فلم يقدروا، فوقع لما به، وجاءه المال وهو ينزع فقال: وما أصنع به وأنا أموت؟! وحج الرشيد في تلك السنة فبدأ بقبر النبي (ص) فقال: يا رسول الله إني أعتذر إليك من شيء أريد أن أفعله، أريد أن أحبس موسى بن جعفر فإنه يريد التشتت بين أمتك وسفك دمائها.
ثم أمر به فأخذ من المسجد فأدخل إليه فقيده، وأخرج من داره بغلان عليهما قبتان مغطاتان هو في إحداهما، ووجه مع كل واحد منهما خيلا، فأخذوا بواحدة على طريق البصرة، والأخرى على طريق الكوفة، ليعمى على الناس أمره، وكان موسى في التي مضت إلى البصرة، فأمر الرسول أن يسلّمه إلى عيسى بن جعفر بن المنصور، وكان على البصرة حينئذ فمضى به، فحبسه عنده سنة، ثم كتب إلى الرشيد: أن خذه
стр. 409
مني وسلّمه إلى من شئت، وإلّا خلّيت سبيله، فقد اجتهدت أن آخذ عليه حجة فما أقدر على ذلك، حتى إني لأتسمع عليه إذا دعا لعلّه يدعو عليّ أو عليك فما أسمعه يدعو إلّا لنفسه، يسأل الله الرحمة والمغفرة.
فوجه من تسلّمه منه، وحبسه عند الفضل بن الربيع ببغداد، فبقي عنده مدة طويلة. وأراده الرشيد على شيء من أمره فأبى، فكتب إليه ليسلمه إلى الفضل بن يحيى، فتسلمه منه، وأراد ذلك منه فلم يفعله، وبلغه أنه عنده في رفاهية وسعة ودعة، وهو حينئذ بالرقة، فأنفذ مسرورا الخادم إلى بغداد على البريد، وأمره أن يدخل من فوره إلى موسى فيعرف خبره، فإن كان الأمر على ما بلغه أوصل كتابا منه إلى العباس بن محمد وأمره بامتثاله، وأوصل كتابا منه إلى السّندي بن شاهك يأمره بطاعة العباس بن محمد.
فقدم مسرور فنزل دار الفضل بن يحيى لا يدري أحد ما يريد، ثم دخل على موسى فوجده على ما بلغ الرشيد، فمضى من فوره إلى العباس بن محمد والسندي بن شاهك، فأوصل الكتابين إليهما. فلم يلبث الناس أن خرج الرسول يركض ركضا إلى الفضل بن يحيى، فركب معه وخرج مشدوها دهشا حتى دخل على العباس فدعا العباس بالسياط وعقابين، فوجّه بذلك إليه السندي، فأمر بالفضل فجرد ثم ضربه مائة سوط.
وخرج متغير اللون بخلاف ما دخل، فذهبت قوته «١» فجعل يسلم على الناس يمينا وشمالا.
وكتب مسرور بالخبر إلى الرشيد، فأمر بتسليم موسى إلى السندي بن شاهك وجلس الرشيد مجلسا حافلا وقال:
أيها الناس، إن الفضل بن يحيى قد عصاني وخالف طاعتي، ورأيت أن ألعنه فالعنوه. فلعنه الناس من كل ناحية حتى ارتج البيت والدار بلعنه.
وبلغ يحيى بن خالد الخبر فركب إلى الرشيد، فدخل من غير الباب الذي يدخل منه الناس حتى جاءه من خلفه وهو لا يشعر، ثم قال له: التفت إليّ يا أمير المؤمنين، فأصغي إليه فزعا، فقال له: إن الفضل حدث وأنا أكفيك ما تريد،
стр. 410
فانطلق وجهه وسرّ، فقال له يحيى: يا أمير المؤمنين، قد غضضت من الفضل بلعنك إيّاه فشرّفه بإزالة ذلك، فأقبل «١» على الناس فقال: إن الفضل قد عصاني في شيء فلعنته، وقد تاب وأناب إلى طاعتي فتولوه.
فقالوا: نحن أولياء من واليت، وأعداء من عاديت، وقد توليناه.
ثم خرج يحيى بن خالد بنفسه على البريد حتى وافى بغداد، فماج الناس وأرجفوا بكل شيء، وأظهر أنّه ورد لتعديل السواد، والنظر في أعمال العمال، وتشاغل ببعض ذلك.
ثم دخل ودعا بالسندي وأمره فيه بأمره فلفه على بساط، وقعد الفراشون النصارى على وجهه.
وأمر السنديّ عند وفاته أن يحضر مولى له ينزل عند دار العباس بن محمد في مشرعة القصب ليغسله، ففعل ذلك.
قال: وسألته أن يأذن لي في أن أكفنه فأبى وقال: إنا أهل بيت مهور نسائنا، وحجّ صرورتنا «٢» ، وأكفان موتانا من طاهر أموالنا، وعندي كفني.
فلما مات أدخل عليه الفقهاء ووجوه أهل بغداد وفيهم الهيثم بن عدي وغيره، فنظروا إليه لا أثر به، وشهدوا على ذلك، وأخرج فوضع على الجسر ببغداد، فنودي هذا موسى بن جعفر قد مات، فانظروا إليه، فجعل الناس يتفرسون في وجهه وهو ميت.
وحدثني رجل من أصحابنا عن بعض الطالبيين:
أنه نودي عليه: هذا موسى بن جعفر الذي تزعّم الرافضة أنه لا يموت، فانظروا إليه، فنظروا «٣» .
стр. 411
قالوا:
وحمل فدفن في مقابر قريش ﵀، فوقع قبره إلى جانب قبر رجل من النوفليين يقال له: عيسى بن عبد الله.
٤٧- إسحاق بن الحسن بن زيد
وإسحاق بن الحسن بن زيد «١» بن الحسن ابن علي بن أبي طالب ﵇ وأمه أم ولد.
حبسه هارون فمات في حبسه.
ذكر ذلك محمد بن علي بن حمزة، فيما أخبرنا به ابن أخيه عنه.
стр. 412
ذكر أيام محمد الأمين ابن الرشيد
стр. 413
ذكر أيام محمد الأمين ابن هارون الرشيد وكانت سيرة محمد في أمر آل أبي طالب خلاف من تقدم لتشاغله بما كان فيه من اللهو، والإدمان له، ثم الحرب التي كانت بينه وبين المأمون حتى قتل، فلم يحدث على أحد منهم في أيامه حدث بوجه ولا سبب.
стр. 414
ذكر أيّام المأمون ابن الرشيد
стр. 415
٤٨- محمد بن محمد بن زيد
فممن قتل بها أو سقي السم فمات منهم:
محمد بن محمد بن زيد «١» بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب (ع) وأمه فاطمة بنت علي بن جعفر بن إسحاق بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.
وهو الخارج في أيام أبي السّرايا «٢» .
وإذا ذكرنا من قتل في أيامه، وأيام محمد بن إبراهيم الخارج قبله منهم- شرحنا من أخبارهم ما يحتاج إليه، لتنساق قصصهم إذ كان إفرادهم مما تنقطع معه الأخبار.
٤٩- الحسن بن الحسين بن زيد
والحسن بن الحسين بن زيد بن علي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵇ وهو القتيل يوم قنطرة الكوفة، في الحرب التي كانت بين هرثمة «٣» وأبي السرايا وأمه أم ولد.
стр. 416
٥٠- الحسن بن إسحاق بن علي بن الحسين
والحسن بن إسحاق بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب «١» ﵇ وأمه أم ولد.
قتل في وقعة السوس مع أبي السرايا لما خرج عن الكوفة.
٥١- محمد بن الحسين بن الحسن
ومحمد بن الحسين بن الحسن بن علي بن علي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵇ وأمه أمينة بنت حمزة بن المنذر بن الزبير.
قتل باليمن في أيام أبي السرايا «٢» .
٥٢- علي بن عبد الله بن محمد
وعلي بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قتل باليمن في أيام أبي السرايا أيضا «٣» .
стр. 417
ذكر السبب في خروج أبي السرايا
كتب إليّ علي بن أبي قربة العجلي، قال: حدثنا يحيى بن عبد الرحمن الكاتب قال: حدثني نصر بن مزاحم المنقري بما شاهد من ذلك، قال وحدث بما غاب عنه عمن حضره فحدثني به، ويحيى بن عبد الرحمن أيضا بنتف من خبره عن غير نصر بن مزاحم، وأخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار، عن علي بن محمد بن سليمان النوفلي بأخباره.
فربما ذكرت الشيء اليسير منها والمعنى الذي يحتاج إليه لأن علي بن محمد كان يقول: بالإمامة فيحمله التعصب لمذهبه على الحيف فيما يرويه «١» ، ونسبة من روى خبره من أهل هذا المذهب إلى قبيح الأفعال، وأكثر حكاياته في ذلك بل سائرها عن أبيه موقوفا عليه لا يتجاوزه، وأبوه حينئذ مقيم بالبصرة لا يعلم بشيء من أخبار القوم، إلّا ما يسمعه من ألسنة العامة على سبيل الأراجيف والأباطيل، فيسطره في كتابه عن غير علم، طلبا منه لما شان القوم، وقدح فيهم.
فاعتمدت على رواية من كان بعيدا عن فعله في هذا، وهي رواية نصر بن مزاحم، إذ كان ثبتا في الحديث والنقل، ويظهر أنه ممن سمع خبر أبي السرايا عنه.
قالوا «٢» :
كان سبب خروج محمد بن إبراهيم وهو محمد إبراهيم بن إسماعيل، وهو ... ابن طباطبا، بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب «٣» وأبي
стр. 418
السرايا ان نصر بن شبيب كان قدم حاجّا وكان متشيعا حسن المذهب، وكان ينزل الجزيرة، فلما ورد المدينة سأل عن بقايا أهل البيت ومن له ذكر منهم، فذكر له: علي بن عبيد الله بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن، ومحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن.
فأما علي بن عبيد الله فإنه كان مشغولا بالعبادة لا يصل إليه أحد ولا يأذن له.
وأما عبد الله بن موسى فكان مطلوبا خائفا لا يلقاه أحد.
وأما محمد بن إبراهيم فإنه كان يقارب الناس ويكلمهم في هذا الشأن، فأتاه نصر ابن شبيب فدخل إليه وذاكره مقتل أهل بيته وغصب الناس إيّاهم حقوقهم، وقال: حتى متى توطئون بالخسف وتهتضم شيعتكم وينزى على حقكم؟ وأكثر من القول في هذا المعنى إلى أن أجابه محمد بن إبراهيم، وواعده لقاءه بالجزيرة.
وانصرف الحاج، ثم خرج محمد بن إبراهيم إلى الجزيرة، ومعه نفر من أصحابه وشيعته، حتى قدم على نصر بن شبيب للموعد، فجمع إليه نصر أهله وعشيرته وعرض ذلك عليهم، فأجابه بعضهم وامتنع عليه بعض، وكثر القول فيهم والاختلاف حتى تواثبوا وتضاربوا بالنعال والعصي، وانصرفوا عن ذلك.
ثم خلا بنصر بعض بني عمه وأهله فقال له:
ماذا صنعت بنفسك وأهلك؟ أفتراك إذا فعلت هذا الأمر وتأبدت «١» السلطان يدعك وما تريد؟ لا والله بل يصرف همّه إليك وكيدة، فإن ظفر بك فلا بقاء بعدها، وإن ظفر صاحبك وكان عدلا كنت عنده بمنزلة رجل من أفناء «٢» أصحابه، وإن كان غير ذلك فما حاجتك إلى تعريض نفسك وأهلك وأهل بيتك لما لا قوام لهم به؟ وأخرى إن جميع هذا البلد أعداء لآل أبي طالب، فإن أجابوك الآن طائعين، فرّوا عنك غدا منهزمين إذا احتجت إلى نصرهم، على أنك إلى خلافهم أقرب منك إلى إجابتهم، ثم تمثل [بقوله] :
وأبذل لابن العم نصحي ورأفتي ... إذا كان لي بالخير في الناس مكرما
فإن راغ عن نصحي وخالف مذهبي ... قلبت له ظهر المجن ليندما
стр. 419
فثنى نصرا عن رأيه «١» ، وفتر نيته، فصار إلى محمد بن إبراهيم معتذرا إليه بما كان من خلاف الناس عليه، ورغبتهم عن أهل البيت، وأنه لو ظن ذلك بهم لم يعده نصرهم، وأومأ إلى أن يحمل إليه مالا ويقويه بخمسة آلاف دينار، فانصرف محمد عنه مغضبا، وأنشأ يقول، والشعر له:
سنغني بحمد الله عنك بعصبة ... يهشّون للدّاعي إلى واضح الحقّ
طلبت لك الحسنى فقصرت دونها ... فأصبحت مذموما وزلت عن الصدق «٢»
جروا فلهم سبق وصرت مقصّرا ... ذميما بما قصرت عن غاية السّبق
وما كل شيء سابق أو مقصر ... يؤول به التقصير إلّا إلى العرق
ثم مضى محمد بن إبراهيم راجعا إلى الحجاز، فلقى في طريقه أبا السّرايا السري بن منصور أحد بني ربيعة «٣» بن ذهل بن شيبان، وكان قد خالف السلطان ونابذه، وعاث في نواحي السّواد، ثم صار إلى تلك الناحية فأقام بها خوفا على نفسه، ومعه غلمان له فيهم:
أبو الشوك «٤» ، وسيّار، وأبو الهرماس، غلمانه.
وكان علوي الرأي ذا مذهب في التشيّع، فدعاه إلى نفسه فأجابه وسر بذلك، وقال له: انحدر إلى الفرات حتى أوافي على ظهر الكوفة «٥» ، وموعدك الكوفة.
ففعل ذلك ووافى محمد بن إبراهيم الكوفة يسأل عن أخبار الناس ويتحسسها، ويتأهب لأمره ويدعو من يثق به إلى ما يريد، حتى اجتمع له بشر كثير، وهم في ذلك ينتظرون أبا السرايا وموافاته، فبينا هو في بعض الأيام يمشي في بعض طريق الكوفة إذ نظر إلى عجوز تتبع أحمال الرطب، فتلقط ما يسقط منها فتجمعه في كساء عليها رث، فسألها عما تصنع بذلك. فقالت: إني امرأة لا رجل لي يقوم بمؤنتي، ولي بنات لا يعدن على أنفسهن بشيء، فأنا أتتبع هذا من الطريق وأتقوته أنا وولدي. فبكى بكاء شديدا، وقال:
أنت والله وأشباهك تخرجوني غدا حتى يسفك دمي.
ونفذت بصيرته في الخروج، وأقبل أبو السرايا لموعده على طريق البر حتى
стр. 420
ورد عين التمر في فوارس معه، جريدة لا راجل فيهم، وأخذ على النهرين حتى ورد إلى نينوى فجاء إلى قبر الحسين.
قال نصر بن مزاحم: فحدثني رجل من أهل المدائن، قال:
إني لعند قبر الحسين في تلك الليلة، وكانت ليلة ذات ريح ورعد ومطر، إذا بفرسان قد أقبلوا فترجلوا ودخلوا إلى القبر فسلموا، وأطال رجل منهم الزيارة ثم جعل يتمثل أبيات منصور بن الزبرقان النمري:
نفسي فداء الحسين يوم عدا ... إلى المنايا عدو لا قافل «١»
ذاك يوم أنحى بشفرته «٢» ... على سنام الإسلام والكاهل
كأنما أنت تعجبين ألّا ... ينزل بالقوم نقمة العاجل
لا يعجل الله إن عجلت وما ... ربك عمّا ترين بالغافل
مظلومة والنبي والدها ... يدير أرجاء مقلة جافل
ألا مساعير يغضبون لها ... بسلّة البيض والقنا الذابل
قال: ثم أقبل عليّ فقال: ممن الرجل؟.
فقلت: رجل من الدهاقين من أهل المدائن.
فقال سبحان الله، يحن الولي إلى وليّه كما تحن الناقة إلى حوّارها، يا شيخ إن هذا موقف يكثر لك عند الله شكره ويعظم أجره.
قال: ثم وثب فقال: من كان ها هنا من الزّيدية فليقم إليّ، فوثبت إليه جماعات من الناس، فدنوا منه فخطبهم خطبة طويلة ذكر فيها أهل البيت وفضلهم وما خصّوا به، وذكر فعل الأمّة بهم وظلمهم لهم، وذكر الحسين بن علي فقال:
أيها الناس، هبكم لم تحضروا الحسين فتنصروه، فما يقعدكم عمن أدركتموه ولحقتموه؟ وهو غدا خارج طالب بثأره وحقه، وتراث آبائه وإقامة دين الله، وما يمنعكم من نصرته ومؤازرته؟ إنني خارج من وجهي هذا إلى الكوفة للقيام بأمر الله، والذّب عن دينه، والنصر لأهل بيته، فمن كان له نية في ذلك فليلحق بي. ثم مضى من فوره عائدا إلى الكوفة ومعه أصحابه.
стр. 421
قال: وخرج محمد بن إبراهيم في اليوم الذي واعد فيه أبا السّرايا للاجتماع بالكوفة «١» ، وأظهر نفسه وبرز إلى ظهر الكوفة، ومعه علي بن عبيد الله بن الحسين بن علي بن الحسين، وأهل الكوفة منبثون مثل الجراد إلّا أنهم على غير نظام وغير قوة، ولا سلاح إلّا العصي والسكاكين والآجر، فلم يزل محمد بن إبراهيم ومن معه ينتظرون أبا السرايا ويتوقعونه فلا يرون له أثرا حتى أيسوا منه، وشتمه بعضهم، ولاموا محمد بن إبراهيم على الاستعانة به، واغتم محمد بن إبراهيم بتأخره، فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم من نحو الجرف علمان أصفران وخيل، فتنادى الناس بالبشارة فكبروا ونظروا، فإذا هو أبو السرايا ومن معه، فلما أبصر محمد بن إبراهيم ترجل وأقبل إليه فانكب عليه واعتنقه محمد، ثم قال له: يابن رسول الله، ما يقيمك هاهنا؟ ادخل البلد فما يمنعك منه أحد. فدخل هو وخطب الناس، ودعاهم إلى البيعة إلى الرضا من آل محمد والدعاء إلى كتاب الله وسنّة نبيه (ص) ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والسيرة بحكم الكتاب. فبايعه جميع الناس حتى تكابسوا وازدحموا عليه، وذلك في موضع بالكوفة يعرف بقصر الضرتين.
فحدثني أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني، قال: حدثنا محمد بن منصور بن يزيد أبو جعفر المرادي، قال: حدثنا الحسن بن عبد الواحد الكوفي، قال: حدثنا الحسن بن الحسين عن سعيد بن خيثم بن معمر «٢» ، قال:
سمعت زيد بن علي يقول: يبايع الناس لرجل منا عند قصر الضرتين، سنة تسع وتسعين ومائة، في عشر من جمادي الأولى، يباهي الله به الملائكة.
قال الحسن بن الحسين: فحدثت به محمد بن إبراهيم فبكى.
حدثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا محمد بن منصور، قال: حدثنا علي بن الحسين، قال: حدثنا عمر بن شبة المكي، عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر محمد بن علي، قال:
يخطب على أعوادكم يا أهل الكوفة سنة تسع وتسعين ومائة في جمادي الأولى-
стр. 422
رجل منا أهل البيت، يباهي الله به الملائكة.
حدثني محمد بن الحسين الأشناني، قال: حدثنا أحمد بن حازم الغفاري، قال: حدثنا الحسن بن الحسين، عن عمر بن شبة المكي «١» بنحوه.
رجع الحديث إلى خبر أبي السرايا.
قال: ووجه محمد بن إبراهيم إلى الفضل بن العباس بن عيسى بن موسى رسولا يدعوه إلى بيعته ويستعين به في سلاح وقوة، فوجد العباس قد خرج عن البلد وخندق حول داره، وأقام مواليه في السلاح للحرب، فأخبر الرسول محمدا بذلك فأنفذ محمد أبا السرايا إليهم، وأمره أن يدعوهم ولا يبدأهم بقتال، فلما صار إليهم تبعه أهل الكوفة كالجراد المنتشر، فدعاهم فلم يصغوا إلى قوله ولم يجيبوا دعوته، ورموه بالنشاب من خلف السور، فقتل رجل من أصحابه أو جرح، فوجه به إلى محمد بن إبراهيم، فأمره بقتالهم فقاتلهم. وكان على السور خادم أسود واقف بين شرفتين يرمي لا يسقط له سهم، فأمر أبو السرايا غلامه أن يرميه، فرماه بسهم فأثبته بين عينيه، وسقط الخادم على أم رأسه إلى أسفل فمات وفرّ موالي الفضل بن العباس فلم يبق منهم أحد «٢» وفتح الباب فدخل أصحاب أبي السرايا ينتهبونها ويخرجون حرّ المتاع منها، فلما رأى ذلك أبو السرايا حظره ومنع أحدا من الخروج أو يأخذ ما معه ويفتشه، فأمسك الناس عن النهب.
قال: فسمعت أعرابيا يرتجز ومعه تخت فيه ثياب وهو يقول:
ما كان إلّا ريث زجر الزاجره ... حتى انتضيناها سيوفا باتره
حتى علونا في القصور القاهره ... ثم انقلبنا بالثياب الفاخره
قال: ومضى الفضل بن العباس فدخل على الحسن بن سهل فشكا إليه ما انتهك منه فوعده النصر والغرم والخلف، ثم دعا بزهير بن المسيب «٣» فضم إليه الرجال وأمده بالأموال وندبه إلى المسير نحو أبي السرايا وأن يودعه من وقته ويمضي لوجهه فيه ولا ينزل إلّا بالكوفة، وكان محمد بن إبراهيم عليلا علته التي مات فيها.
стр. 423
وكان الحسن بن سهل، لانتحاله النجوم ونظره فيها، ينظر في نجم محمد فيراه محترقا، فيبادر في طلبه، ويحرص على ترويحه، ويشغله ذلك عن النظر في أمر عسكره.
فسار زهير بن المسيب حتى ورد قصر ابن هبيرة فأقام به، ووجه ابنه أزهر بن زهير على مقدمته، فنزل سوق أسد.
وسار أبو السرايا من الكوفة وقت العصر فأغذ السّير حتى أتى معسكر أزهر بن زهير بسوق أسد، وهم غارون فيه وبيته، فطحن العسكر وأكثر القتل فيه، وغنم دوابهم وأسلحتهم، وانقطع الباقون في الليل منهزمين حتى وافت زهيرا بالقصر، فتغيظ من ذلك.
ورجع أبو السّرايا إلى الكوفة، وزحف زهير حتى نزل ووافت خريطة من الحسن بن سهل، يأمره ألا ينزل إلّا بالكوفة، فمضى حتى نزل عند القنطرة.
ونادى أبو السرايا في الناس بالخروج، فخرجوا حتى صادفوا زهيرا على قنطرة الكوفة في عشية صردة باردة، فهم يوقدون النار يستدفئون بها، ويذكرون الله ويقرأون القرآن، وأبو السّرايا يسكن منهم ويحثهم.
وأقبل أهل بغداد يصيحون يا أهل الكوفة: زيّنوا نساءكم وأخواتكم وبناتكم للفجور، والله لنفعلن بهم كذا وكذا. ولا يكنون.
وأبو السرايا يقول لهم: اذكروا الله وتوبوا إليه، واستغفروه واستعينوه، فلم يزل الناس في تلك الليلة يتحارسون طول ليلتهم، حتى إذا أصبح نهد إليهم فوقف في عسكره، وقد عشيت أبصار الناس من الدروع والبيض والجواش وهم على تعبئة حسنة، وأصوات الطبول والبوقات مثل الرعد العاصف، وأبو السرايا يقول:
يا أهل الكوفة صححوا نياتكم، وأخلصوا لله ضمائركم، واستنصروه على عدوكم، وابرأوا إليه من حولكم وقوتكم، واقرأوا القرآن، ومن كان يروي الشعر فلينشد شعر عنترة العبسي:
قال: ومرّ بنا الحسن بن الهذيل يعترض الناس ناحية ناحية ويقول:
يا معشر الزيدية، هذا موقف تستزل فيه الأقدام، وتزايل فيه الأفعال.
والسعيد من حاط دينه، والرشيد من وفّى لله بعهده، وحفظ محمدا في عترته.
стр. 424
ألا إن الآجال موقوتة، والأيام معدودة، من هرب بنفسه من الموت كان الموت محيطا به، ثم قال:
من لم يمت عبطة يمت هرما ... الموت كأس والمرء ذائقها
قال أبو الفرج الأصبهاني:
الحسن بن الهذيل هذا، صاحب الحسين المقتول بفخ، وقد روى عنه الحديث. قال: فطلع رجل من أهل بغداد مستلئما شاكي السلاح، فجعل يشتم أهل الكوفة ويقول: لنفجرن بنسائكم ولنفعلن بكم ولنصنعن، وانتدب إليه رجل من أهل الوازار- قرية بباب الكوفة- عليه إزار أحمر وفي يده سكين، فألقى نفسه في الفرات وسبح ساعة حتى صار إليه، فدنا منه فأدخل يده في جيب درعه وجذبه إليه فصرعه، وضرب بالسكين حلقه فقتله، وجر برجله يطفو مرة ويغوص مرة أخرى حتى أخرجه إلى الكوفة فكبّر الناس وارتفعت أصواتهم بحمد الله والثناء عليه والدعاء.
وخرج رجل من ولد الأشعث بن قيس فعبر إلى البغداديين ودعا للبراز، فبرز إليه رجل فقتله، وبرز إليه آخر فقتله، وبرز إليه ثالث فقتله، حتى قتل نفرا.
وأقبل أبو السرايا، فلما رآه شتمه وقال: من أمرك بهذا؟ ارجع فرجع فمسح سيفه بالتراب ورده في غمده وقنع فرسه ومضى نحو الكوفة، فلم يشهد حربا بعدها معهم.
ووقف أبو السرايا على القنطرة طويلا، وخرج رجل من أهل بغداد فجعل يشتمه بالزنا لا يكنى «١» . وأبو السرايا واقف لا يتحرك، ثم تغافل ساعة حتى هم بأن ينصرف، ثم حمل عليه فقتله وحمل على عسكرهم حتى خرج من خلفهم، ثم حمل عليهم من خلف العسكر حتى رجع من حيث جاء. ووقف في موقفه وهو ينفخ وينفض علق الدم عن درعه.
ثم دعا غلاما له فوجهه في نفر من أصحابه وأمره أن يمضي حتى يصير من وراء العسكر، ثم يحمل عليهم لا يكذب «٢» ، فمضى الغلام لوجهه مع من معه قاصدا لما
стр. 425
أمره به، ووقف أبو السرايا على القنطرة على فرس له أدهم محذوف، وقد اتكأ على رمحه فنام على ظهر الفرس حتى غط، وأهل الكوفة جزعون لما يرونه من عسكر زهير، ويسمعونه من تهددهم ووعيدهم، وهم يضجون ويصيحون بالتكبير والتهليل حتى يسمع أبو السرايا فينتبه من نومه، فلم ينتبه حتى ظن أن الكمين الذي بعثه قد انتهى إلى حيث أمره فصاح بفرسه: قتال، ثم قنعه حتى رضي بحفزه، ثم أومأ بيده نحو الكمين الذي بعثه، وصاح بأهل الكوفة: احملوا، وحمل وتبعوه فلم يبق من أصحاب زهير أحد إلّا التفت نحو الإشارة.
وخالط أبو السرايا وغلامه سيار العسكر، وتبعه أهل الكوفة وصاح بغلامه:
ويلك يا سيّار ألا تراني، فحمل سيّار على صاحب العلم فقتله وسقط العلم، وانهزمت المسودة.
وتبعهم أبو السرايا وأصحابه ونادى: من نزل عن فرسه فهو آمن، فجعلوا يترجّلون، وأصحاب أبي السرايا يركبون، وتبعوهم حتى جاوزوا شاهي، ثم التفت زهير إلى أبي السرايا فقال: ويحك، أتريد هزيمة أكثر من هذه؟ إلى أين تتبعني؟ فرجع وتركه. وغنم أهل الكوفة غنيمة لم يغنم أحد مثلها، وصاروا إلى عسكر زهير بن المسيّب ومطابخه قد أعدت وأقيمت، وكان قد حلف ألّا يتغدى إلّا في مسجد الكوفة، فجعلوا يأكلون ذلك الطعام، وينتهبون الأسلحة والآلة «١» ، وكانوا قد أصابهم جوع وجهد شديد.
ومضى زهير لوجهه حتى دخل بغداد مستترا، وبلغ خبره الحسن بن سهل فأمر بإحضاره، فلما رآه رماه بعمود حديد كان في يده، فشتر إحدى عينيه، وقال لبعض من كان بحضرته: أخرجه فاضرب عنقه، فتشفعوا فيه، فلم يزل يكلم فيه حتى عفا عنه.
ودخل أبو السرايا الكوفة، ومعه خلق كثير من الأسارى، ورؤوس كثيرة على الرماح مرفوعة، وفي صدور الخيل مشدودة، ومن معه من أهل الكوفة قد ركبوا الخيل ولبسوا السلاح، فهم في حالة واسعة، وأنفسهم بما رزقوه من النصر قوية.
واشتد غم الحسن بن سهل ومن بحضرته من العباسيين، لما جرى على عسكر
следующие страницы →