← История

История · id 12404

مقاتل الطالبيين

أبو الفرج الأصبهاني

Полный текст (649 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

[مقدمة الكتاب] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة في سنة أربع وثمانين ومائتين ولد بمدينة أصفهان علي بن الحسين بن محمد بن أحمد بن الهيثم بن عبد الرحمن بن مروان بن عبد الله بن مروان بن محمد بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، القرشي الأموي. ونشأ ببغداد وأخذ العلم عن أعلامها، وكانت بغداد إذ ذاك قرارة العلم والعلماء، ومثابة الأدب والأدباء ومهوى أفئدة الذين يرغبون في الإلمام بالثقافة، أو يودون التخصص في فروعها. وقد أخذ علي بن الحسين نفسه بالجد في طلب العلم، وأفرغ له باله، وأخلص فكره، فنبغ وتفوّق، وكان له من توقد ذكائه، والتهاب خاطره، وسرعة حفظه، وشغفه بالمعرفة ما مكن له من ناصية التفوق وذلّل له من شماس النبوغ، وجعله ينهض بتأليف كتاب الأغاني العظيم ولما يبلغ الثلاثين من عمره، فإذا ما بلغها أو جاوزها بعام أو ببعض عام ألّف كتابه الخالد «مقاتل الطالبيين» . وليس ذلك بغريب على أديب مجدّ موهوب قد ملئ طموحا إلى المراتب العالية، وهام وجدا بالعز الرفيع. وقد قدّر له أن يعرف شابا من لداته يهيم بالمجد مثله، ويبتغي إليه الوسيلة بالقوة في العلم والأدب، وهو الحسن بن محمد المهلبي، وتظهرهما المعرفة على ما بينهما من التمازج النفسي، والالتقاء الكثير في الإرادات والاختيارات والشهوات، فتتوثق بينهما صداقة عقلية، ومؤاخاة روحية، وتظل قوية العرى، مستحصدة العلائق على كر الغداة ومرّ العشى.

стр. 2

ويختلف الدهر، ويتبدل العسر باليسر، ويرق الزمان لفاقة المهلّبي، ويرثى لطول تحرقه، وينيله ما يرتجى، فيصير وزيرا لمعز الدولة بن بويه. ويطيع الدهر بعد عصيانه لأبي الفرج فيصبح كاتبا لركن الدولة بن بويه، قريب المنزلة منه، عظيم المكانة لديه. ولعلّ من أسباب تلك الحظوة اتفاقهما في التشيع فقد كان ركن الدولة يتعهد العلويين بالأموال الكثيرة والمنح الجزيلة «١» . وفي سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة يستوزر ركن الدولة أبا الفضل بن العميد فيكون بينه وبين أبي الفرج ما يكون عادة من التحاسد والتباغض، والمصارعة النفسية، والاستباق إلى قلب ركن الدولة، ويستطيل ابن العميد على أبي الفرج ويتعاظم، ولا يلقاه بما ينبغي له من الإجلال والتعظيم أثناء دخوله وخروجه، فتثور نفسه، ويجيش صدره، ويخاطبه بقوله: ما لك موفور فما باله ... أكسبك التيه على المعدم ولم إذا جئت نهضنا وإن ... جئنا تطاولت ولم تتم وإن خرجنا لم تقل مثل ما ... نقول: قدّم طرفه قدّم إن كنت ذا علم فمن ذا الذي ... مثل الذي تعلم لم يعلم ولست في الغارب من دولة ... ونحن من دونك في المنسم وقد ولينا وعزلنا كما ... أنت فلم نصغر ولم نعظم تكافأت أحوالنا كلها ... فصل على الإنصاف أو فاصرم ويظل أبو الفرج في ظلال الوزير المهلبي مدة وزارته لمعز الدولة، وهي مدة طويلة أربت على ثلاث عشرة سنة، يسامره وينادمه ويؤاكله، ويصبر الوزير على مساوئ أبي الفرج فقد كان قذر المطعم والمشرب والملبس، لا ينضو عنه ثوبه إلّا إذا أبلت جدته الأيام، وصار خلقا لا يجمل بذي المروءة أن يلبسه ولو لم يكن سميرا لوزير، أو كاتبا لأمير. وتجري الأيام بينهما على خير ما تجري بين صديقين أو على خير ما تجري به بين سمير ظريف، ووزير حصيف يفيض بالكرم والإنعام. ويؤتى الكرم ثماره

стр. 3

فيسخر أبو الفرج أدبه في خدمة الوزير، ويترصد مواقع هواه فيضع فيها نثره وشعره، ويؤلف له «نسب المهالبة» . و «مناجيب الخصيان» لأنه كان يهيم بخصيين مغنيين كانا له، وينظم فيه الشعر كلما دعت المناسبة، فيهنئه إذا أبلّ من مرض أو ولد له، ويمدحه في المواسم والأعياد، ويتظرف فيشكو إليه الفأر، ويصف الهر، ويستميحه البر: رهنت ثيابي وحال القضا ... ء دون القضاء وصد القدر وهذا الشتاء كما قد ترى ... عسوف عليّ قبيح الأثر ينادي بصرّ من العاصفا ... ت أو دمق مثل وخز الإبر وسكان دارك ممن أعو ... ل يلقين من برده كلّ شر فهذي تحنّ وهذي تئنّ ... وأدمع هاتيك تجري درر إذا ما تململن تحت الظلام ... تعللن منك بحسن النظر ولاحظن ربعك كالممحلى ... ن شاموا البروق رجاء المطر يؤملن عودي بما ينتظرن ... كما يرتجى آئب من سفر فأنعم بإنجاز ما قد وعدت ... فما غيرك اليوم من ينتظر وعش لي وبعدي فأنت الحيا ... ة والسمع من جسدي والبصر وهو إذا ما عرض لمدحه لا يجنح إلى المبالغة الممقوتة، ولا يتعمل الثناء الأجوف ولا يتصيد المكارم تصيدا، بل يقول ما يعرفه ويصفه بما فيه: إذا ما علاى في الصدر للنهي والأمر ... وبثهما في النفع منه وفي الضر وأجرى ظبا أقلامه وتدفقت ... بديهته كالمستمد من البحر رأيت نظام الدر في نظم قوله ... ومنثوره الرقراق في ذلك النثر ويقتضب المعنى الكثير بلفظة ... ويأتي بما تحوى الطوامير في سطر أيا غرة الدهر أئتنف غرة الشهر ... وقابل هلال الفطر من ليلة الفطر بأيمن أقبال وأسعد طائر ... وأفضل ما ترجوه في أفسح العمر فليس في هذا المديح إسراف ولا إغراق في المبالغة فقد كان الوزير المهلبي كما يقول الثعالبي: «غاية في الأدب والمحبة لأهله وكان يترسل مترسلا مليحا، ويقول الشعر قولا لطيفا يضرب بحسنه المثل يغذي الرّوح ويجلب

стр. 4

الرّوح» «١» وكان محدثا حسن الحديث، بليغ العبارة رشيق اللفظ، وكان أكثر حديثه يدور حول مذاكرة الأدب ومقابسة العلوم لكثرة من يغشى مجالسه من العلماء والأدباء والندماء كالصاحب ابن عباد «٢» وأبي إسحاق الصابي «٣» والقاضي التنوخي «٤» ، وابن سكّرة الهاشمي «٥» ، وأبي القاسم الجهني «٦» ، وأبي النجيب الجزري «٧» ، وأبناء المنجم «٨» ، وكان أبو الفرج يجول في هذه المجالس ويصول يقص ويروي وينقد ويتندّر وينثر من أدبه ويفيض من علمه فكان مجلس المهلبي من أسباب نباهة شأنه وشيوع ذكره، كما كان بر المهلبي من أسباب رفاهية عيشه وتفرغه للعلم والأدب، ولكنه مع ذلك لم يخل من هجوه وكان يعلم أنه يهجوه سرا فطلب إليه وقد سكرا ذات ليلة أن يهجوه جهرا في قصة نطويها كما يطوي بساط السلاف بما فيه، وقد رأى أبو الفرج منه بعض ما يكره فظن أنه رمى به من حالق، بعد أن أنعم عليه الخالق، فقذفه بهذين البيتين: أبعين مفتقر إليك رأيتني ... بعد الغنى فرميت بي من حالق لست الملوم أنا الملوم لأنّني ... أملت للإحسان غير الخالق يومىء أبو الفرج إلى ما كان من فقر الوزير أيام كان يشتهي اللحم ولا يقدر على ثمنه فيتمنى الموت ويقول: ألا موت يباع فأشتريه ... فهذا العيش ما لا خير فيه ألا موت لذيذ الطعم يأتي ... يخلصني من العيش الكريه إذا أبصرت قبرا من بعيد ... وددت لو انّني مما يليه ألا رحم المهيمن نفس حرّ ... تصدق بالوفاة على أخيه وتفعل هذه الإشارة فعلها في نفس المهلبي ولكنه يذكر إحسان الخالق إليه وأنه أصبح وزيرا رافه العيش «إذا أراد أكل شيء مما يتناول بالملعقة كالأرز

стр. 5

واللّبن وأمثالهما وقف من جانبه الأيمن غلام معه نحو ثلاثين ملعقة زجاجا مجرودا، وكان يستعمله كثيرا فيأخذ منه ملعقة يأكل بها من ذلك اللون لقمة واحدة ثم يدفعها إلى غلام آخر قام من الجانب الأيسر، ثم يأخذ أخرى فيفعل بها فعل الأولى حتى ينال الكفاية لئلا يعيد الملعقة إلى فيه دفعة ثانية» «١» . يذكر المهلبي ذلك كله ويذكر صديقه أبا الفرج فيعفو عنه ويغفر له هجاءه، ويتصل حبل إخائهما حتى يقطعه موت المهلبي في سنة ٣٥٢ هـ ثم يلحق به أبو الفرج بعد أن يخلط في ذي الحجة سنة ٢٥٦ هـ على أصح الأقوال «٢» . وقد كان أبو الفرج هجّاء خبيث اللسان يحذره الناس ويتقونه، وقد التمس ذات مرة عصا من أحد القضاة فلم يعطه إيّاها فهجاه بأبيات بلغت الغاية في الإقذاع، ويستوزر الخليفة الراضي أبا عبد الله البريدي وكانت داره ملاصقة لدار أبي الفرج فيهجوه ويؤنب الراضي بقصيدة تزيد على مائة بيت مطلعها: يا سماء اسقطي ويا أرض ميدي ... قد تولى الوزارة ابن البريدي «٣» وينحدر أبو الفرج إلى البصرة فيضيق بها ويهجوها وأهلها ويقول عنهم: «إنهم كلاب يلبسون الفرا» . وقد كان أبو الفرج ذا عناية ملحوظة بالحيوانات وتربيتها: «كان له سنور أبيض يسميه يققا، وكان من عادة هذا السنور أن يخرج ويصيح إذا ما قرع باب أبي الفرج قارع إلى أن يتبعه من يفتح الباب، وقد مرض يفق بالقولنج فشغل أبو الفرج بعلاجه وتفقده أصحابه وذهب إليه منهم أبو إسحاق الصابي وأبو العلاء صاعد وأبو علي الأنباري لقضاء حقه وتعرف خبره، فطلع عليهم أبو الفرج بعد مدة مديدة ويده ملوثة بما ظنوه شيئا كان يأكله فقالوا له: عققناك بأن قطعناك عمّا كان أهم من قصدنا إيّاك، فقال لهم: لا والله يا سادتي ما كنت على ما تظنون-

стр. 6

وإنما لحق يققا قولنج فاحتجت إلى حقنه فأنا مشغول بذلك فلما سمعوا قوله ورأوا التلوث في يده نفروا منه واعتذروا إليه وانصرفوا عنه «لتناهيه في القذارة إلى ما لا غاية بعده» «١» كما قالوا وحسبوا، ولعلّه قد غاب عنهم أن أبا الفرج كان بصيرا بعلم «الجوارح والبيطرة والطب» وأنه لا تثريب عليه إذا ما زاول علاج سنوره بيده وطبق العلم على العمل كما يقال. ومن يدري فلعلّ أبا الفرج لو لم يحقن يققا لضاع على مؤرخي الحضارة العربية شاهد عظيم يثبت معرفة العرب لحقن الحيوان وسبقهم إلى ذلك منذ منتصف القرن الرابع الهجري. وقد فجع أبو الفرج في ديك له رشيق تكاملت فيه جمل الجمال بأسرها، وكسى كالطاوس ريشا لا معا متلألأ ذا رونق وبريق: من حمرة في صفرة في خضرة ... تخيلها يغني عن التحقيق وكأن سالفتيه تبر سائل ... وعلى المفارق منه تاج عقيق فرثاه بقصيدة طويلة تعد من عيون الشعر العربي في رثاء الحيوان، وصار يبكيه كلما أبصر ربعه موحشا أو سمع صياح ديك: أبكي إذا أبصرت ربعك موحشا ... بتحنن وتأسف وشهيق ويزيدني جزعا لفقدك صادح ... في منزل دان إليّ لصيق قرع الفؤاد وقد زقا فكأنّه ... نادى ببين أو نعيّ شقيق فتأسفي أبدا عليك مواصل ... بسواد ليل أو بياض شروق وإذا أفاق ذوو المصائب سلوة ... وتصبّروا أمسيت غير مفيق وكان أبو الفرج في ربيع العمر وريعان الشباب يطلق عقال النفس، ويقيد مراشف الكأس، ويرتاد منازه الحسن، ويطوف بمسارح الجمال لينزه مقلته، ويرشف من رحيقه ما ينقع غلته، ثم يوقع أنغام نفسه وألحان حسه على قيثارة شعره، ويشدو بما يفصح عن إسماح الجميل بعد ليانه، وإطاعة الدهر بعد عصيانه.

стр. 7

كما كان يغشى سوق الوراقين ويجلس على دكاكينهم يقرأ ما يلحظ وينقد ما يسمع «١» ، ويأخذ بأطراف الأحاديث التي يتجاذبها بينهم رواد السوق من العلماء والأدباء، ثم يؤوب إلى داره بعد أن يصطفى ما يرتئي من الأسفار والمصادر التي يعتمد عليها في تأليف كتبه. ولأبي الفرج مؤلفات كثيرة منها: (١) الأغاني الكبير. (٢) أخبار القيان. (٣) أخبار الطفيليين. (٤) أخبار جحظة البرمكي. (٥) أيام العرب: ألف وسبعمائة يوم. (٦) الإماء الشواعر. (٧) أدب الغرباء. (٨) أدب السماع. (٩) الأخبار والنوادر. (١٠) الفرق والمعيار في الأوغاد والأحرار. (١١) المماليك الشعراء. (١٢) الغلمان المغنين. (١٣) الحانات. (١٤) التعديل والانتصاف في أخبار القبائل وأنسابها، وهو كتاب جمهرة أنساب العرب. (١٥) تفضيل ذي الحجة. (١٦) تحف الوسائد في أخبار الولائد. (١٧) الخمارين والخمارات. (١٨) دعوة التجار.

стр. 8

(١٩) دعوة الأطباء. (٢٠) الديارات. (٢١) رسالة في الأغاني. (٢٢) مجرد الأغاني. (٢٣) مقاتل الطالبيين. (٢٤) مجموع الأخبار والآثار. (٢٥) مناجيب الخصيان. (٢٦) كتاب النغم. (٢٧) نسب المهالبة. (٢٨) نسب بني عبد شمس. (٢٩) نسب بني شيبان. (٣٠) نسب بني كلاب. (٣١) نسب بني تغلب. وقد عنى بديوان أبي تمام فجمعه ورتبه على الأنواع. كما جمع ديوان أبي نواس وجمع ديوان البحتري ورتبه على الأنواع كذلك. وكان لأبي الفرج في منزله عمل آخر غير تأليف الكتب والرسائل وقرض الشعر وجمع الدواوين، فقد كان يجلس لتلاميذه وروّاد أدبه يقرئهم من كتبه ما يريد أو ما يريدون على نحو ما كان يفعله أستاذه أبو جعفر الطبري، وفي طليعة تلك الكتب التي قرئت عليه من أولها إلى آخرها كتاب الأغاني الكبير الذي «جمع فيه أخبار العرب وأشعارهم وأنسابهم وأيّامهم ودولهم، وجعل مبناه على الغناء في مائة الصوت التي اختارها المغنون للرشيد فاستوعب فيه ذلك أتم استيعاب وأوفاه. ولعمري أنه ديوان العرب وجامع أشتات المحاسن التي سلفت لهم في كل فن من فنون الشعر والتاريخ والغناء وسائر الأحوال- ولا يعدل به في ذلك كتاب فيما نعلمه، وهو الغاية التي يسمو إليها الأديب ويقف عندها وأتى له بها» «١» .

стр. 9

ومن كتبه التي قرئت عليه كذلك كتاب «مقاتل الطالبيين» . وقد عنيت بنشره لقيمة موضوعه وجلال مؤلفه في نفسي وعظم مكانتها في الأدب العربي والتاريخ الإسلامي منذ كانا إلى يوم الناس هذا. ولا يعرف التاريخ أسرة كأسرة أبي طالب بلغت الغاية من شرف الأرومة وطيب النجار، ضل عنها حقها وجاهدت في سبيل حق الجهاد على مرّ الأعصار ثم لم تظفر من جهادها المرير إلّا بالحسرات ولم تعقب من جهادها إلّا العبرات على ما فقدت من أبطال أسالوا نفوسهم في ساحة الوغى راضية قلوبهم مطمئنة ضمائرهم وصافحوا الموت في بسالة فائقة وتلقوه في صبر جميل يثير النفس أفانين الإعجاب والإكبار، ويشيّع فيها ألوان التقدير والإعظام. وقد أسرف خصوم هذه الأسرة الطاهرة في محاربتها وأذاقوها ضروب النكال وصبّوا عليها صنوف العذاب ولم يرقبوا فيها إلّا ولاذمة ولم يرعوا لها حقا ولا حرمة، وأفرغوا بأسهم الشديد على النساء والأطفال والرجال جميعا في عنف لا يشوبه لين وقسوة لا تمازجها رحمة حتى غدت مصائب أهل البيت مضرب الأمثال في فظاعة النكال. وقد فجّرت هذه النسوة البالغة ينابيع الرحمة والمودة في قلوب الناس، وأشاعت الأسف الممض في ضمائرهم وملأت عليهم أقطار نفوسهم شجنا، وصارت مصارع هؤلاء الشهداء حديثا يروى وخبرا يتناقل وقصصا يقص يجد فيه الناس إرضاء عواطفهم وإرواء مشاعرهم فتطلّبوه وحرصوا عليه. وقد استجاب الرواة والمؤلفون لنداء هذه الرغبة العارمة أو لطلب المثالة بين الناس فشرعوا يؤلفون أخبارهم ويسطرون فضائلهم ويدبجون سيرهم ويؤرخون مقاتلهم، ومن هؤلاء العلماء أبو مخنف المتوفى قبل سنة ١٧٠ هـ فقد ألّف مقتل علي «١» و «مقتل الحسين» «٢» وألّف نصر بن مزاحم المنقري المتوفى سنة ٢١٢ هـ «مقتل الحسين» «٣» .

стр. 10

وألّف الهيثم بن عدي المتوفى سنة ٢٠٧ هـ- «أخبار الحسن ووفاته» «١» وألّف الواقدي «مقتل الحسن» و «مقتل الحسين» «٢» . وألّف ابن النطاح «مقتل زيد بن علي» «٣» . وألف الغلابي «مقتل علي» و «مقتل الحسين» «٤» . وألف الأشناني «مقتل الحسن» و «مقتل زيد بن علي» «٥» . وألف عمر بن شبه «مقتل محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن» «٦» . وألّف المدائني المتوفى سنة ٢٢٥ هـ كتاب «أسماء من قتل من الطالبيين» «٧» . ثم جاء أبو الفرج الأصفهاني المتوفى سنة ٣٥٦ هـ فألف «مقاتل الطالبيين» أو «مقاتل آل أبي طالب» كما يسميه ابن النديم «٨» . ترجم أبو الفرج فيه للشهداء من ذرية أبي طالب منذ عصر رسول الله (ص) إلى الوقت الذي شرع يؤلف فيه كتابه، وهو جمادي الأولى سنة ثلاثة عشر وثلثمائة سواء أكان المترجم له قتيل الحرب أو صريع السم في السلم، وسواء أكان مهلكه في السجن أم في مهر به أثناء تواريه من السلطان. وقد رتّب مقاتلهم على السياق الزمني ولم يرتبها على حسب أقدارهم في الفضل ومنازلهم في المجد. واقتصر على من كان نقي السيرة قويم المذهب، وأعرض عن ذكر من عدل عن سنن آبائه وحاد عن مذاهب أسلافه وكان مصرعه

стр. 11

في سبيل أطماعه وجزاء ما اجترحت يداه من عيث وإفساد. وقد صنّف أبو الفرج أخبارهم، ونظّم سيرهم، ورصف مقاتلهم، وجلّى قصصهم بأسلوبه الساحر، وبيانه الآسر وطريقته الفذة في حسن العرض، ومهارته الفائقة في سبك القصة، وحبك نسجها، وائتلاف أصباغها وألوانها، وتسلسل فكرتها، ووحدة ديباجتها، وتسوق نصاعتها، على اختلاف رواتها وتعدد روايتها وتباين طرقها، حتى لتبدو وكأنها بنات فكر واحد وهذا هو سر الصنعة في أدب أبي الفرج الأصفهاني. ولئن كان أبو الفرج قد بلغ غاية التصوير والتعبير في كتاب الأغاني لأن موضوعه يلتئم ومزاجه الفني ويتفق ومسلكه في الحياة ويقع من عقله وفكره وذوقه وعاطفته موقع الرضا والقبول، فإنه كذلك قد بلغ غاية التصوير والتعبير في مقاتل الطالبيين لأن موضوعه حبيب إلى نفسه، عظيم المكانة من قلبه لأنه وإن كان أموي النسب فإنه شيعي الهوى وليس ذلك بمستغرب ولا مستنكر فإن التشيّع الحقيقي ينجم عن حب الرسول ويصدر عن مودة قرباه وآل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا، والحب الصادق لا يقيم وزنا لفارق النسب ولا لغيره من الفوارق التي يحقّرها ويحطم مغاليقها وأسوارها وإن تواضع الناس على احترامها. نعم كان أبو الفرج أمويّا شيعيّا، وشيعيّا أمويّا يعطف على الدولة الأموية بالأندلس ويكرم وفادة رسلها إليه، ويختصها بثمار قريحته ونتائج فطنته، ويؤلف الكتب ثم يرسل بها إليهم فتظهر عندهم قبل ظهورها في المشرق بل لا يكاد المشرق يعرف عن أكثرها إلّا اسمه وقد عدّ الخطيب البغدادي من هذه الكتب أحد عشر كتابا «١» . كان موضوع مقاتل الطالبيين إذا محببا إلى نفس أبي الفرج فحشد له همته،

стр. 12

وجند روايته، وصنعه على عينيه فجاء جامعا لأشتات محاسنهم، وصار عمدة لكل من أتى بعده وقصد قصده. وقد كان أبو الفرج غزير العلم والأدب جيد الرواية لهما والبصر بفقههما، قال معاصره القاضي التنوخي: «ومن الرواة المتسعين الذين شاهدناهم أبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني فإنه كان يحفظ من الشعر، والأغاني، والأخبار والآثار، والحديث المسند، والنسب ما لم أر قط من يحفظ مثله، وكان شديد الاختصاص بهذه الأشياء ويحفظ دون ما يحفظ منها علوما أخر منها اللغة، والنحو، والخرافات، والسير، والمغازي ومن آلة المنادمة شيئا كثيرا مثل علم الجوارح، والبيطرة، ونتف من الطب، والنجوم، والأشربة وغير ذلك» «١» . وقد ثقف أبو الفرج معارفه وعلومه الجمّة عن الأعلام في عصره والأسفار القيّمة التي كانت موجودة إذ ذاك، بيد أنه استباح لنفسه أن يروي منها على أنه حدث بها ومن أجل ذلك اتهم بالاختلاق، والذي يقرأ الأغاني ومقاتل الطالبيين تهوله تلك الكثرة الهائلة، ويتعاظمه ذلك الجم الغفير من الرواة ويتخالجه الشك إذا ذكر ما يقوله ابن النديم من أن أبا الفرج كانت له رواية يسيرة، وأكثر تعويله في تصنيفه كان على الكتب المنسوبة الخطوط أو غيرها من الأصول الجياد «٢» . ومن الرواة الذين روى عنهم أبو الفرج يحيى بن علي المنجم المتوفي سنة ٣٠٠ هـ ومحمد بن جعفر القتات المتوفي سنة ٣٠٠ هـ والفضل بن الحباب المتوفي سنة ٣٠٥ هـ وعلي بن العباس المقانعي المتوفي سنة ٣١٣ هـ، والأخفش المتوفي سنة ٣١٥ هـ، وجعفر بن قدامة المتوفي سنة ٣١٩ هـ، وابن دريد المتوفي سنة ٣٢١ هـ، ونفطويه المتوفي سنة ٣٢٣ هـ، وجحظه المتوفي سنة ٣٢٦ هـ وابن الأنباري المتوفي سنة ٣٢٨ هـ كما روى عن عمّه الحسن بن محمد وعم أبيه

стр. 13

عبد العزيز بن أحمد بن الهيثم «١» ، ومحمد بن خلف بن المرزبان، ولعلّ أهم أستاذ لأبي الفرج في الناحية التاريخية التي نحن بصددها هو محمد بن جرير الطبري وقد قرأ عليه تاريخ الأمم والملوك وكتاب المغازي. وكان أبو الفرج يبتغي الوسائل إلى قلبه ويسارع في مرضاته. وقد روى عن أبي الفرج عدد كبير منهم محمد بن أحمد المغربي رواية أبي الطيب المتنبي وكان له معه أخبار كما يقول ياقوت. ومنهم أبو الحسن علي بن محمد بن دينار «٣٢٣ هـ- ٤٠٩ هـ» وقد حدث عنه ابن بشران النحوي أنه قال: قرأت على أبي الفرج علي بن الحسين الأصفهاني جميع كتاب الأغاني. ومنهم الدارقطني «٣٠٦ هـ- ٣٨٥ هـ» وعبد الله بن الحسين الفارسي، وأبو إسحاق الطبري «٣٢٤ هـ- ٣٩٣ هـ» ، وهما اللذان رويا عنه مقاتل الطالبيين، وقد سلم نص روايتهما له من عوادي الزمن، وعنه كانت الطبعة الأولى للكتاب في طهران سنة ١٣٠٧ هـ، وهي طبعة حجرية سقيمة يشيع فيها التحريف والتصحيف. ثم أعيد طبعها في النجف سنة ١٣٥٣ هـ، وهي طبعة لا تفضل أصلها إلّا بكثرة الأخطاء الغليظة التي يستغلق معها الفهم، وينبهم المعنى ويعتاص، ومن نماذج هذه الأخطاء ما يلي: ١- «حدثنا الوليد بن هشام بن محذم قال: حدثني شهر بشر، قال سمعت شفاة تقول: «ليت هذا المهدي قد خرج» . والصواب ص ٢٠٥: « ... بن هشام بن محمد قال: حدثني سهل بن بشر قال: ٢- ومن ذلك «حدثني الحسن بن جعفر قال: كنت- بالكوفة نقل عيسى بن موسى قد دخل الكوفة نهارا» . والصواب ص ٣٥٣ « ... بالكوفة فرأيت فلّ عيسى بن موسى ... » .

стр. 14

٣- ومن ذلك: قول مستبسل يرى الموت ... في الله رباحا ذا بال غاب عقير قد تلبثت بالمقادير عنهم ... تبث في الرياح عن ذي البكور والصواب ص ٣٨٦ « ... تلبثت للمقادير عنهم لبث الرائحين عن ... » ٤- ومن ذلك: ولو أديم البئر بئر سويقة ... فطين بها والحاضر المتجاور والصواب ص ٣٩٧ «وإذا لا يريم البئر ... قطين» . ٥- ومن ذلك «وفصل بين الصفين مهر لحازم بن خزيمة على أخيه يدعى عبدويه» . والصواب « ... الصفين صهر لحازم ... على أخته ... » . ٦- ومن ذلك: مخضبكم يضحي وإني بعدها ... لأعنق فيما ساءكم وأهملج والصواب «محضتكم نصحي ... » . ٧- ومن ذلك «كانت الراحم وأهل النسك لا يعدلون بزيد بن علي أحدا» . والصواب «كانت المرجئة ... » وكلتا الطبعتين مترعة بأمثال هذه التصحيفات والتحريفات مما حفزني إلى تحقيق الكتاب ودفعني إلى نشره. وقد رجعت في تحقيقه إلى نسخة خطية محفوظة «بدار الكتب المصرية» فرغ ناسخها من نسخها في شهر صفر سنة ١٠٧٤ هـ وكانت من كتب الإمام يحيى إمام اليمن السابق ثم أهداها إلى شيخ العروبة المغفور له «أحمد زكي باشا» وكتب عليه بخطه «هذا الكتاب الفخم قدّمناه لحضرة السيد أحمد زكي باشا عافاه الله» كما كتب عليه أحمد زكي باشا بخطه «هذه النسخة عليها تعليقات وحواش بخط أمير المؤمنين يحيى حميد الدين المتوكل على الله» وكنت

стр. 15

أبغي مراجعة النسخة الخطية المحفوظة بالمتحف البريطاني بلندن ولكن الصورة الفوتوغرافية التي طلبتها لم تصل إليّ إلّا أثناء طبع الفهارس. وهي منسوخة في سنة ١٠٥٣ هـ. وقد راجعت نصوص الكتاب على الكتب التي نقل منها أبو الفرج، أو التي نقلت عنه، وأثبت ما بينها من فروق، وفي طليعة هذه الكتب، تاريخ الطبري، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، والإرشاد للشيخ المفيد المتوفى سنة ٤١٣ هـ ولكتاب الإرشاد هذا أهمية خاصة لأنه ينقل عن نسخة أبي الفرج نفسه، وقد نص على ذلك بقوله في صفحة ٢٥٣ «ووجدت بخط أبي الفرج علي بن الحسين بن محمد الأصفهاني في أصل كتابه المعروف بمقاتل الطالبيين» . كما حرصت على أن أثبت في أول كل ترجمة كل ما أعرف من مراجع عرضت للمترجم له بأي لون من ألوان الذكر حتى أضع بين يدي القارئ مفتاحا للترجمة جليل النفع، وأقيم له منارا يهديه سواء السبيل إذا ما أراد أن يضرب في شعاب الكتب ويمشي في مناكب الأسفار ابتغاء الدرس والبحث، والتأليف. وقد صنعت للكتاب فهارس مفصلة للرواة، والأعلام، والجماعات، والفرق، والأماكن، والأيام، والشعر، والمصادر، والتراجم. ومما يجدر ذكره أن هناك خلافا ملحوظا بين النسخة المخطوطة وبين المطبوعة، أشّرت إليه، ولم أستطع الفصل فيه. وقد انفردت المطبوعة بذكر ترجمة للحسين بن زيد بن علي لم يرد لها ذكر في المخطوطة كما قلت في صفحة ٣٨٧ وقد رجعت إلى نسخة لندن المصوّرة فألفيتها خالية من ذكر هذه الترجمة، ولا شك عندي في أن هذه الترجمة قد نسبت إلى أبي الفرج زورا وبهتانا لأن الحسين بن زيد هذا لم يمت قتيلا، وقد شرط أبو الفرج على نفسه ألّا يورد في كتابه إلّا من كان قتيلا، كما قال في مقدمته، وكما يتضح

стр. 16

من منهجه في الكتاب، استمع إليه إذ يقول في صفحة ٣٩٨ «ولما ولي المهدي أطلق الحسن بن زيد. وله خبر طويل قد وضعناه في موضعه من كتابنا الكبير، إذ كان هذا ليس مما يجري مجرى من قتل في معركة أو غيرها فيذكر خبره هنا» ويشير أبو الفرج إلى خروج جماعة من الطالبيين في ثنايا ترجمة ثم يعقب على إشارته بقوله في صفحة ٦١٦ «ولهؤلاء أخبار قد ذكرناها في الكتاب الكبير، لم يحمل هذا الكتاب إعادتها لطولها ولأنا شرطنا ذكر خبر من قتل دون من خرج فلم يقتل» . كما انفردت المخطوطة بترجمة موجزة لمحمد بن القاسم بن علي أثبتها في هامش صفحة ٥٧٧ وقد رجعت إلى النسخة المصورة فوجدتها قد اقتصرت عليها. وقد خلت المخطوطة من تلك السلاسل الطويلة لأمهات المترجم لهم، كما خلت منها المصورة، ولكن بعض هذه السلاسل ثابت في النسخة التي نقل عنها ابن أبي الحديد. من أجل ذلك كله لم أستطع الفصل- كما قلت- في هذه الاختلافات حتى يسفر البحث عن أصول معتمدة موثوق بصحتها. وأمر آخر لا مناص من الإشارة إليه وهو أن المواضع التي أشار إليها أبو الفرج في هذا الكتاب، وأحال فيها على كتاب الأغاني لم أجد لها أثرا في أية طبعة من طبعات الأغاني، وتفسير ذلك عندي سهل يسير، فإن كتاب الأغاني مع الأسف البالغ لم يطبع إلى الآن طبعة كاملة تضم كل نصوصه وأخباره حتى طبعة دار الكتب نفسها، ولست أعني النقص في بعض الأخبار، أو الأشعار، وإنما أعني نقص التراجم الكاملة كترجمة مسلم بن الوليد صريع الغواني التي نقلها ناشر ديوانه عن إحدى مخطوطات الأغاني، وهي ترجمة طويلة تقع في ٣٤ صفحة «١» .

стр. 17

ولو قد استحضرت دار الكتب مخطوطات الأغاني لما خرج الكتاب ناقصا ولاستمتعنا بأخبار هؤلاء الطالبيين الذين لم يذكرهم أبو الفرج في مقاتل الطالبيين. وقد أتى أبو الفرج بروايات مدخولة، وأحاديث موضوعة لم يعقب عليها ولكنه أمر نقده على بعضها، كما فعل حين روى عن الضحاك قتل عبيد الله بن عمر بن الخطاب لمحمد بن جعفر بن أبي طالب فإنه قال في التعقيب عليها صفحة ٢٢: «وهذه رواية الضحاك بن عثمان، وما أعلم أحدا من أهل السيرة ذكر أن محمد ابن جعفر قتيل عبيد الله بن عمر، ولا سمعت لمحمد في كتاب أحد منهم ذكر مقتل» . وكنت إذا ما رأيت أبا الفرج ينزع نزعة مسرحية نقلت من أقوال ثقاة المؤرخين ما يرجع الحق إلى نصابه، ويرد التاريخ إلى محرابه، كما صنعت في ترجمة عبد الله الأشتر صفحة ٣١٠- ٣١٣. وبعد فإن مقاتل الطالبيين كنز من كنوز الأدب والتاريخ ترجم فيه أبو الفرج لنيف ومائتين من شهداء الطالبين، فأحسن الترجمة وصوّر بطولتهم تصويرا أخاذا يختلب الألباب، ويمتلك المشاعر وذكر فيه من خطبهم ورسائلهم وأشعارهم، ومحاوراتهم، وما قيل فيهم وبسببهم من روائع الشعر والنثر، ما لا تجده مجموعا في كتاب سواه، إلّا أن يكون منقولا عنه، أو ملخصا منه، فهو خير كتاب أخرج للناس في تاريخ الطالبيين وأدبهم، يجد فيه العلماء طلبتهم، والأدباء ضالتهم، ويجد فيه القاصون منهم مادة خصيبة لإنتاجهم الفني. وهو من أنفس الكتب التي تغذو العقول والقلوب والأرواح جميعا.

стр. 18

وأوجز ما يقال في وصف مقاتل الطالبيين: إنه دائرة معارف لتاريخ الطالبيين وأدبهم في القرون الثلاثة الأولى. وإني أحمد الله سبحانه أن وفقني لإخراجه على هذا النحو فإن كنت أصبت فالخير أردت، وإن تكن الأخرى فحسبي أنني بذلت وسعي حسبما اتسع له وقتي ويسرته للقارئ وجنّبته مصاعب كان يتشعب فيها فكره ويتبدد وقته، وأتحت للناقد أن يهجم على ما قد يكون فيه بفكر جميع وعقل نشيط فيستطيع أن يؤدي واجبه في يسر وسهولة. ولن يبلغ نشر الكتب القديمة مبلغه من الصحة والدقة المثلى إلّا بالتعاون الوثيق بين الناشرين والناقدين، ولطالما رددت هذا المعنى فيما كتبته من مقالات في النقد الأدبي. ومما قلته في نقد كتاب «الشعر والشعراء» الذي نشره القاضي الفاضل الشيخ «أحمد محمد شاكر» . «وإني أعتقد أنه يجب على كل قارئ للكتب القديمة أن يعاون الناشر وينشر ما يرتئيه من أخطاء وما يعن له من ملاحظاته، فبمثل هذا التعاون العلمي المنشود تخلّص الكتب العربية من شوائب التحريف والتصحيف الذي منيت به على أيدي الناسخين قديما والطابعين حديثا» «١» . والله أسأل- كما سأله أبو الفرج- حسن التوفيق والمعونة على ما أرضاه من قول وأزلف لديه من عمد، وهو حسبنا ونعم الوكيل. السيد أحمد صقر

стр. 19

[خطبة الكتاب] بسم الله الرحمن الرحيم أخبرنا السيد الشريف أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الرحمن الحسني ﵁ وأرضاه قرأته عليه قال: أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمد الطبري «١» ، وعبد الله بن الحسين بن محمد الفارسي «٢» قراءة عليهما قالا: أخبرنا أبو الفرج علي بن الحسين بن محمد الأصبهاني قال «٣» : بحمد الله والثناء عليه يفتتح كل كلام، ويبتدأ كل مقال كفاء لآلائه «٤» ، وشكرا لجميل بلائه. ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة من آمن بربوبيته، واعترف بوحدانيته، وأن محمدا عبده ورسوله المبعوث برسالته، والداعي إلى طاعته، والموضح الحق ببرهانه، والمبين أعلام الهدى ببيانه، عليه وعلى آله

стр. 20

وأطايب أرومته «١» ، والمصطفين من عترته «٢» أفضل سلام الله وتحيته، وبركاته ورحمته. وبالله نستعين على ما أردناه، وقصدنا إليه ونحوناه، من أمر الدنيا والآخرة، والعاجلة والآجلة. وبه عزّ وتعالى نعوذ من كل عمل لا يرتضيه، فيردى «٣» ، وسعي لا يشكره فيكدى «٤» ، إذعانا بالتقصير والعجز، وتبرءوا من الحول والطول «٥» إلّا بقدرته ومشيئته، وتوفيقه وهدايته. وما توفيقي إلّا بالله عليه توكّلت وإليه أنيب. وصلى الله على نبيه محمد صلى الله عليه سيد الأولين والآخرين، وخاتم النبيين والمرسلين أولا وآخرا، وبادئا وتاليا، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين، وسلّم كثيرا. ونحن ذاكرون في كتابنا هذا إن شاء الله وأيّد منه بعون وإرشاد جملا من أخبار من قتل من ولد أبي طالب منذ عهد رسول الله (ص) إلى الوقت الذي ابتدأنا فيه هذا الكتاب، وهو في جمادي الأولى سنة ثلاث عشرة وثلثمائة للهجرة ومن احتيل في قتله منهم بسمّ سقيه وكان سبب وفاته، ومن خاف السلطان وهرب منه فمات في تواريه، ومن ظفر به فحبس حتى هلك في محبسه، على السياقة لتواريخ «٦» مقاتل من قتل منهم، ووفاة من توفي بهذه الأحوال، لا على قدر مراتبهم في الفضل والتقدم. ومقتصرون في ذكر أخبارهم على من كان

стр. 21

محمود الطريقة، سديد المذهب، لا من كان بخلاف ذلك، أو عدل عن سبيل أهله ومذاهب أسلافه، أو كان خروجه على سبيل عيث وإفساد. وعلى أنا لا ننتفي من أن يكون الشيء من أخبار المتأخرين منهم فاتنا «١» ولم يقع إلينا، لتفرقهم في أقاصي المشرق والمغرب، وحلولهم في نائي الأطراف وشاسع المحال التي يتعذر علينا استعلام أخبارهم فيها، ومعرفة قصصهم لاستيطانهم إيّاها سيما مع قصور زماننا «٢» [هذا] وأهله، وخلوه من مدوّن الخبر، أو ناقل الأثر، كما كان المتقدمون قبلهم يدونون ويصنفون وينظمون ويرصفون. ومن اعترف بالتقصير خلا من التأنيب/ (٣) . وجاعلون ما نؤلفه في هذا الكتاب ونأتي به، على أقرب ما يمكننا من الاختصار ونقدر عليه من الاقتصار، وجامعون فيه ما لا يستغنى عن ذكره من أخبارهم وسيرهم ومقاتلهم وقصصهم إذ كان استيعاب ذلك وجمعه من طرقه ووجوهه يطول جدا ويكثر ويثقل على جامعه وسامعه، والاختصار لمثل هذا أخف على الحامل والناقل. والله المسؤول حسن التوفيق والمعونة على ما أرضاه من قول، وأزلف لديه [من عمل] «٣» . وهو حسبنا ونعم الوكيل. [عصر النبي والخلفاء الأولين] ١- جعفر بن أبي طالب فأول قتيل منهم في الإسلام جعفر بن أبي طالب ﵇ «٤» . واسم أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب، وهو شيبة بن هاشم وهو عمرو بن عبد مناف. ويكنى أبا عبد الله فيما يزعم أهله.

стр. 22

وروى عن أبي هريرة قال: كان جعفر بن أبي طالب يكنى أبا المساكين «١» . حدّثني بذلك محمد بن أحمد بن المؤمل الصيرفي قال: حدّثنا فضل بن الحسن المصري «٢» قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا عبد الرازق عن معمر عن أبي ذئب عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة. وكان جعفر بن أبي طالب الثالث من ولد أبيه، وكان طالب أكبرهم سنا، ويليه عقيل، ويلي عقيلا جعفر، ويلي جعفرا علي. وكل واحد منهم أكبر من صاحبه بعشر سنين، وعليّ أصغرهم سنّا «٣» . حدّثني بذلك أحمد بن محمد، بن سعيد الهمداني «٤» ، قال: حدّثنا يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبيد الله بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، قال: حدّثنا الحسن بن محمد، قال: حدّثنا ابن أبي السري، عن هشام بن محمد الكلبي عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس. وأمهم جميعا فاطمة بنت أسد «٥» بن هاشم بن عبد مناف، وأمها فاطمة، وتعرف بحبّى بنت هرم بن رواحة، بن حجر بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤي. وأمها حدية بنت وهب بن ثعلبة بن وائلة [بن] عمرو بن شيبان «٦» بن محارب بن فهر.

стр. 23

وأمها فاطمة بنت عبيد «١» بن منقذ بن عمرو بن معيص بن عامر بن لؤي. وأمها سلمى بنت عامر بن ربيعة بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر. وأمها عاتكة بنت أبي همهمة. واسم أبي همهمة عمرو بن عبد العزى بن عامر بن عميرة بن أبي وديعة بن الحارث بن فهر. وأمها تماضر بنت أبي عمرو بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي. وأمها حبيبة، وهي أمة الله بنت عبد يا ليل بن سالم بن مالك بن حطيط بن جشم بن قسي وهو ثقيف. وأمها فلانة بنت مخزوم بن أسامة بن صبح بن وائلة بن نصر بن صعصعة بن ثعلبة بن كنانة بن عمرو بن قين بن فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان بن مضر. وأمها ريطة بنت يسار بن مالك بن حطيط بن جشم بن ثقيف. وأمها كليبة بنت قصية «٢» بن سعد بن بكر بن هوازن. وأمها حبّى بنت الحارث بن النابغة بن عميرة بن عوف بن نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن. وفاطمة بنت أسدي، بن هاشم، أول هاشمية تزوجت هاشميا وولدت له، وأدركت النبي (ص) ، فأسلمت وحسن إسلامها، وأوصت إليه حين حضرتها الوفاة فقبل وصيتها، وصلّى عليها ونزل في لحدها واضطجع معها فيه، وأحسن الثناء عليها.

стр. 24

حدّثني العباس بن علي بن العباس النسائي قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن أيّوب، قال حدّثنا الحسن بن بشر، قال/ (٤) حدّثنا سعدان بن الوليد بيّاع السابري «١» ، عن عطاء، عن ابن عباس قال. لما ماتت فاطمة أم علي بن أبي طالب ألبسها رسول الله (ص) قميصه واضطجع معها في قبرها، فقال له أصحابه: يا رسول الله ما رأيناك صنعت بأحد ما صنعت بهذه المرأة. فقال: «إنه لم يكن أحد بعد أبي طالب أبرّ بي منها. إني إنما ألبستها قميصي لتكسى من حلل الجنة، واضطجعت معها في قبرها ليهون عليها» . حدّثني علي بن العباس المقانعي «٢» قال: حدّثنا عبيد بن الهيثم، قال: حدّثنا القاسم بن نصر، عن عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة عن الزبير بن سعد الهاشمي، عن أبيه، عن علي قال: أمرني رسول الله (ص) فغسلت أمي فاطمة بنت أسد. حدّثني محمد بن الحسين الخثعمي قال: حدّثنا عباد بن يعقوب قال: أخبرنا عمرو بن ثابت، عن عبد الله بن يسار، عن جعفر بن محمد قال: كانت فاطمة بنت أسد أم علي بن أبي طالب حادية عشرة، يعني في السابقة إلى الإسلام، وكانت بدرية. حدّثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدّثنا يحيى بن الحسن العلوي [عن حسين بن حسين اللؤلؤي] «٣» قال حدّثنا السّري بن سهل الجند نسابوري قال حدّثنا محمد بن عمرو ربيح «٤» عن جرير بن عبد الحميد عن مغيرة عن إبراهيم، عن الحسن البصري، عن الزبير بن العوّام، قال:

стр. 25

سمعت النبي (ص) يدعوا النساء إلى البيعة حين أنزلت هذه الآية يأيّها النبيّ إذا جاءك المؤمنات يبايعنك، وكانت فاطمة بنت أسد أول امرأة بايعت رسول الله (ص) . حدّثنا أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدّثنا يحيى بن الحسن، قال: حدّثنا بكر بن عبد الوهاب، قال: حدّثنا عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عن أبيه، عن جده: أن رسول الله (ص) دفن فاطمة بنت أسد بن هاشم أم علي بن أبي طالب بالروحاء مقابل حمام أبي قطيفة. ذكر مقتل جعفر بن أبي طالب والسبب فيه وبعض أخباره قرأت [ذلك] على محمد بن جرير الطبري في كتاب المغازي فأقرّ به. قلت حدثكم محمد بن حميد الرازي قال حدّثنا سلمة عن محمد بن إسحاق، قال: وقرئ بحضرتي على أحمد بن محمد بن الجعد الوشاء. قيل حدثكم إسحاق المسيّبي «١» . قال حدّثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب الزهري في خبر جعفر بن أبي طالب ورجوعه من بلاد الحبشة مع من رجع إلى النبي (ص) من المهاجرين إليها بأحاديث/ (٥) دخل بعضها في بعض، وذكرت معانيها مفصلة برواية نقلتها في أماكنها ومواضعها. حدّثني محمد بن إبراهيم بن أبان السرّاج، قال: حدّثنا بشار بن موسى الخفاف، قال: حدّثنا أبو عوانة، عن الأجلح، عن الشعبي- واللفظ له. قال: لما فتح النبي (ص) خيبر قدم جعفر بن أبي طالب رضوان الله عليه من

стр. 26

الحبشة فالتزمه رسول الله (ص) وجعل يقبّل بين عينيه ويقول: «ما أدري بأيهما أنا أشد فرحا بقدوم جعفر أم بفتح خيبر» «١» . قال ابن إسحاق وابن شهاب الزهري: لما قدم جعفر من أرض الحبش بعث رسول الله (ص) بعثه إلى مؤتة. قال ابن إسحاق خاصة عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير: أنه بعث ذلك البعث في جمادي لسنة ثمان من الهجرة، واستعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال: إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبد الله، بن رواحة على الناس «٢» . أخبرنا محمد بن جرير [قراءة عليه] قال: حدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة «٣» ، عن ابن إسحاق قال: حدّثني عبد الله بن أبي بكر، أنه حدّث عن زيد بن أرقم قال: مضى الناس، حتى إذا كانوا بتخوم البقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب، فانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة، فالتقى الناس عندها وتعبأ المسلمون، فجعلوا على ميمنتهم رجلا من عذرة يقال له قطبة بن قتادة، وعلى ميسرتهم رجلا من الأنصار يقال له: عبادة بن مالك. ثم التقوا فاقتتلوا فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله (ص) حتى شاط «٤» في رماح القوم «٥» . ثم أخذها جعفر بن أبي طالب فقاتل بها حتى [إذا ألحمه القتال] اقتحم عن فرس «٦» له

стр. 27

شقراء فعقرها، ثم قاتل القوم حتى قتل. فكان جعفر أول رجل من المسلمين عقر في الإسلام «١» . أخبرنا محمد بن جرير، قال حدّثنا ابن حميد قال حدّثنا ابن حميد قال حدّثنا سلمة وأبو ثميلة، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه [عباد] «٢» ، قال حدّثني أبي الذي أرضعني، وكان أحد بني مرّة بن عوف، وكان في تلك الغزوة غزوة مؤتة، قال: والله لكأني أنظر إلى جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها. ثم قاتل القوم حتى قتل «٣» . حدّثنا أحمد بن عمر بن موسى بن زنجويه قال: حدّثني إبراهيم بن الوليد بن سلمة القرشي، قال حدّثني أبي، قال: حدّثنا عبد الملك بن عقبة، عن أبي يونس، عن عبد الرحمن بن سمرة، قال: بعثني خالد بن الوليد بشيرا إلى رسول الله يوم مؤتة «٤» ، فلما دخلت المسجد قال لي رسول الله (ص) / (٦) : على رسلك يا عبد الرحمن أخذ اللواء زيد بن حارثة فقاتل زيد فقتل، فرحم الله زيدا ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب فقاتل جعفر فقتل فرحم الله جعفرا. ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فقاتل عبد الله بن رواحة فقتل، فرحم الله عبد الله. قال: فبكى أصحاب رسول الله (ص) وهم حوله فقال: ما يبكيكم؟ فقالوا: ما لنا لا نبكي وقد ذهب خيارنا وأشرافنا وأهل الفضل منا. فقال: لا تبكوا فإنما مثل أمتي كمثل حديقة قام عليها صاحبها فأصلح رواكيها «٥» وهيأ مساكبها، وحلق سعفها، فأطعمت عاما فوجا، ثم عاما فوجا، ثم عاما

стр. 28

فوجا، فلعل آخرها طعما أن يكون أجودها قنوانا «١» ، وأطولها شمراخا «٢» . والذي بعثني بالحق ليجدن ابن مريم في أمتي خلفا من حواريه. قال أبو الفرج: وفيما قال لي علي بن الحسين بن علي بن حمزة بن الحسين بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب «اروه عني» ، وأخرج إليّ كتاب عمّه محمد بن علي بن حمزة فكتبته عنه. قال علي بن عبد الله بن جعفر بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب: قتل جعفر وهو ابن ثلاث أو أربع وثلاثين سنة. وهذا عندي شبيه بالوهم لأنه قتل في سنة ثمان من الهجرة، وبين ذلك الوقت وبين مبعث رسول الله (ص) إحدى وعشرون سنة، وهو أسن من أخيه أمير المؤمنين علي ﵇ بعشر سنين، وكان لعلي حين أسلم سنون مختلف في عددها فالمكثر يقول كانت خمس عشرة، والمقلل يقول سبع سنين. وكان إسلامه في السنة التي بعث فيها رسول الله (ص) لا خلاف في ذلك. وعلى أي الروايات قيس أمره علم أنه كان عند مقتله قد تجاوز هذا المقدار من السنين «٣» . قال أبو إسحاق في حديثه الذي تقدم ذكره، وقد حدّثنا به أحمد بن محمد بن سعيد قال: حدّثنا يحيى بن الحسن قال: حدّثني إبراهيم بن علي بن عبيد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق قال: قال كعب بن مالك يرثي جعفر بن أبي طالب: هدت العيون ودمع عينك يهمل ... سحّا كما وكف الضباب المخضل «٤»

стр. 29

وكأنما بين الجوانح والحشا ... مما تأوّبني شهاب مدخل «١» / (٧) وجدا على النّفر الذين تتابعوا ... يوما بمؤتة أسندوا لم ينقلوا صلى الإله عليهم من فتية ... وسقى عظامهم الغمام المسبل «٢» صبروا بمؤتة للإله نفوسهم ... عند الحمام حفيظة أن ينكلوا «٣» إذ يهتدون بجعفر ولوائه ... قدّام أوّلهم ونعم الأوّل «٤» حتى تفرّقت الصفوف وجعفر ... حيث التقى وعث الصّفوف مجدّل «٥» فتغيّر القمر المنير لفقده ... والشمس قد كسفت وكادت تأفل «٦» [قوم بهم نصر الإله عباده ... وعليهم نزل الكتاب المنزل «٧» ] ويهديهم رضى الإله لخلقه ... وبحدّهم نصر النبيّ المرسل «٨» بيض الوجوه ترى بطون أكفّهم ... تندى إذا اعتذر الزمان الممحل «٩»

стр. 30

حدّثنا حامد بن محمد البلخي، قال: حدّثنا عبد الله بن عمر القواريري قال: حدّثنا محبوب- يعني ابن الحسن- قال: حدّثنا خالد الحذّاء، عن عكرمة، عن أبي هريرة قال: ما ركب أحد المطايا ولا ركب الكور، ولا انتعل، ولا احتذى النعال أحد بعد رسول الله (ص) أفضل من جعفر بن أبي طالب «١» . حدّثني أبو عبيد الصيرفي، قال: حدّثنا الفضل بن الحسن قال: حدّثنا إسحاق بن سليمان الخراز، قال: حدّثنا وكيع بن الجراح، عن فضيل بن مرزوق، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله (ص) : «خير الناس حمزة، وجعفر وعلي ﵈» «٢» . حدّثني أبو عبيد، قال: حدّثنا الفضل، قال: حدّثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، قال: حدّثنا عبد الله بن جعفر المدني، عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﵌: رأيت جعفرا ملكا يطير في الجنة مع الملائكة بجناحين «٣» . حدّثني أحمد بن محمد، قال: حدّثني يحيى بن الحسن، قال: حدّثنا سلمة بن شبيب، قال: حدّثنا وهب بن وهب، قال: حدّثنا جعفر بن محمد عن أبيه، قال: قال رسول الله ﵌: خلق الناس من أشجار شتى، وخلقت أنا وجعفر من طينة واحدة «٤» . حدّثنا محمد بن الحسين الأشناني، قال: حدّثنا محمد بن عبيد

стр. 31

المحاربي، قال: حدّثنا علي بن غراب، عن جعفر بن محمد عن أبيه، قال: قال رسول الله ﵌ لجعفر: أنت أشبهت خلقي وخلقي «١» . حدّثني محمد بن الحسين [الأشناني] قال: حدّثنا جعفر بن محمد الرماني، قال: حدّثنا محمد بن جبلة، قال: حدّثنا محمد بن بكر، قال: حدّثنا أبو الجارود، قال: حدّثني عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر عن أبيه عن جده، قال: خرج رسول الله ﵌ وهو يقول: الناس/ (٨) من شجر شتى وأنا وجعفر من شجرة واحدة «٢» . ٢- محمد بن جعفر ومحمد بن جعفر بن أبي طالب «٣» لا تعرف كنيته «٤» . وأمه أسماء بنت عميس «٥» بن معد بن الحارث بن تيم بن كعب بن مالك بن قحافة بن عامر بن ربيعة بن عامر بن سعد بن مالك بن بشير بن وهب الله بن شهران بن عفرس بن خلف بن أفتل وهو خثعم. وأمها هند بنت عوف بن الحارث وهو حماطة «٦» ، بن ربيعة بن ذي جليل بن جرش واسمه منبه بن أسلم بن زيد بن الغوث بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد

стр. 32

شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن غريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن حمير وهو العرنجج بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وهند هذه التي هي أم أسماء بنت عميس التي قيل فيها: الجرشية أكرم الناس أحماء. جرش من اليمن. وابنتها أسماء بنت عميس تزوجها جعفر بن أبي طالب، ثم أبو بكر، ثم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. وابنتها الأخرى ميمونة أم المؤمنين زوجة النبي (ص) «١» . وابنتها الأخرى لبابة أم الفضل «٢» ، أخت ميمونة، أم ولد العباس بن عبد المطلب. وابنتها الأخرى سلمى بنت عميس أم ولد حمزة بن عبد المطلب «٣» . وأحماء هذه الجرشية: رسول الله (ص) ، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، والحمزة، والعباس، وجعفر، وأبو بكر، ومن أحمائها أيضا الوليد بن المغيرة المخزومي فأم خالد بن الوليد: أم الفضل الكبرى بنت الحارث أخت أسماء لأمها. وهي أم جميع ولد جعفر بن أبي طالب. وتزوجت الجرشية الحارث بن الجون بن بجير بن الهرم بن رويبة «٤» بن عبد الله بن هلال بن عامر، فولدت منه ميمونة زوجة النبي (ص) ، وأم الفضل أختها تزوجها العباس فولدت له عبد الله، وعبيد الله، والفضل ومعبدا وقثم. وذكرها الحسن، بن زيد، بن الحسن، بن علي فقال: كانت الجرشية أكرم الناس أحماء، ذكر رسول الله (ص) ، وعليّا

стр. 33

وحمزة، وجعفر، والعباس، ولم يذكر أبا بكر، وكان في مجلسه جماعة من ولده فرأى ذلك قد شقّ عليهم فقال: وأبو بكر بعد سكوت طويل «١» . ولما قتل عنها جعفر تزوجها أبو بكر «٢» فولدت له محمدا. ثم توفى فخلف عليها علي بن أبي طالب «٣» فولدت له يحيى بن علي، وتوفي في حياة أبيه، ولا عقب له. أخبرني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدّثنا يحيى بن الحسن «٤» ، قال: حدّثني أبو يونس محمد بن أحمد، قال: حدّثنا إبراهيم بن المنذر «٥» ، قال: حدّثني عبد الرحمن بن المغيرة عن أبيه عن الضحاك بن عثمان، قال: خرج عبيد الله بن عمر بن الخطاب في كتيبة يقال لها الخضراء، وكان بإزائه محمد بن جعفر بن أبي طالب معه راية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب التي تسمى الجموح، وكانا في عشرة آلاف. فاقتتلوا قتالا شديدا. قال: فلقد ألقى الله عليهم الصبر، ورفع عنهم النصر، فصاح عبيد الله حتى متى هذا الحذر؟ أبرز حتى أناجزك، فبرز له محمد، فتطاعنا حتى انكسرت رماحهما، ثم تضاربا حتى انكسر سيف محمد، ونشب سيف عبيد الله بن عمر في الدرقة، فتعانقا وعض كل واحد منهما أنف صاحبه فوقعا عن فرسيهما، وحمل أصحابهما عليهما فقتل بعضهم بعضا، حتى صار عليهما مثل التل العظيم من القتلى «٦» .

стр. 34

وغلب علي ﵇ على المعركة فأزال أهل الشام عنهما، ووقف عليهما فقال اكشفوا [هؤلاء القتلى عن ابن أخي فجعلوا يجرون القتلى عنهما حتى كشفوهما] «١» فإذا هما متعانقان، فقال علي ﵇: أما والله لعن غير حب تعانقتما. قال أبو الفرج: هذه رواية الضحاك بن عثمان. وما أعلم أحدا من أهل السيرة ذكر أن محمد بن جعفر قتيل عبيد الله بن عمر، ولا سمعت لمحمد في كتاب أحد منهم ذكر مقتل. وقد حدّثني أحمد بن عيسى بن أبي موسى العجلي بخبر مقتل عبيد الله بن عمر في كتاب صفين، قال: حدّثنا الحسين بن نصر بن مزاحم [المنقري] ، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا عمر بن سعيد البصري، عن أبي مخنف لوط، بن يحيى الأزدي عن جعفر، بن القاسم عن زيد بن علقمة عن زيد بن بدر، قال: خرج عبيد الله بن عمر في كتيبته الرقطاء، وهي الخضرية وكانوا أربعة آلاف عليهم ثياب خضر «٢» ، إذ مرّ الحسن بن علي ﵉ فإذا هو برجل متوسد قتيل قد ركّز رمحه/ (٩) في عينه وربط فرسه برجله فقال الحسن ﵇: انظروا من هذا؟ فإذا الرجل من همدان، وإذا القتيل عبيد الله قد قتله وبات عليه حتى أصبح، ثم سلبه «٣» ثم اختلفوا في قاتله «٤» فقالت

стр. 35

همدان: قتله هانئ بن الخطاب، وقالت حضرموت: قتله مالك بن عمرو التّبعي «١» ، وقالت بكر بن وائل قتله رجل من تيم الله بن ثعلبة يقال له مالك بن الصحصح «٢» من أهل البصرة، وأخذ سيفه ذا الوشاح فبعث معاوية [إليه] حين بويع له وهو بالبصرة فأخذ منه السيف «٣» . وكذلك روى عن جماعة من أهل السيرة في مقتل عبيد الله [بن عمر] أو شبيه به، والله أعلم أي ذلك كان. ٣- علي بن أبي طالب وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ويكنى أبا الحسن وأبا الحسين. وروى عنه ﵇ أنه قال: كان الحسن في حياة رسول الله (ص) يدعوني أبا الحسين. وكان الحسين يدعوني أبا الحسن ويدعوان رسول الله (ص) أباهما، فلما توفى رسول الله ﵌ دعواني بأبيهما «٤» . وكانت فاطمة بنت أسد أمه رحمة الله عليها لما ولدته سمته حيدرة، فغير أبو طالب اسمه وسمّاه عليّا «٥» . وقيل إن ذلك اسم كانت قريش تسميه به. والقول الأول أصح. ويدل عليه خبره يوم خيبر وقد برز إليه مرحب اليهودي وهو يقول:

стр. 36

قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب «١» فبرز إليه علي ﵇ وهو يقول «٢» : أنا الذي سمتني أمي حيدرة ... كليث غاب في العرين قسوره «٣» أكيلكم بالصاع كيل السندره «٤» حدّثني محمد بن الحسين، قال حدّثنا عباد [بن يعقوب] «٥» قال حدّثنا موسى بن عمير القرشي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده: وذكر سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله (ص) كناه أبا تراب وكانت من أحب ما يكنى به إليه «٦» . وكانت بنو أمية دعت سهلا إلى أن يسبه على المنبر. حدّثني علي بن إسحاق بن عيسى المخزومي «٧» ، قال حدّثنا محمد بن بكار بن الرّيان «٨» ، قال حدّثنا أبو معشر عن أبي حازم عن سهل بن سعد، قال: كان بين علي وفاطمة شيء فجاء رسول الله (ص) / (١٠) يلتمس عليّا فلم يجده، فقال لفاطمة: أين هو؟ قالت: كان بيني وبينه شيء فخرج من عندي وهو غضبان، فالتمسه رسول الله (ص) فوجده في المسجد راقدا وقد زال رداؤه عنه وأصابه التراب، فأيقظه رسول الله (ص) وجعل يمسح التراب عن ظهره وقال له: إجلس فإنما أنت أبو تراب. وكنا نمدح عليّا إذا قلنا له أبو

стр. 37

تراب «١» . فحدّثني علي بن إسحاق، قال حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، قال حدّثنا خالد بن مخلد، قال حدّثنا سلمان بن بلال، قال حدّثني أبو حازم بن دينار، قال سمعت سهل بن سعد الساعدي يقول: إن كان لأحب أسماء علي إليه أبو تراب، وإن كان ليفرح أن يدعى بها، وما سمّاه بذلك إلّا رسول الله (ص) . وكان رسول الله (ص) أخذ عليّا من أبيه وهو صغير في سنة أصابت قريشا وقحط نالهم، وأخذ حمزة جعفرا، وأخذ العباس طالبا ليكفوا أباهم مؤنتهم ويخففوا عنه ثقلهم، وأخذ هو عقيلا لميله كان إليه فقال رسول الله (ص) : اخترت من اختار الله لي عليكم عليا «٢» . حدّثني بذلك أحمد بن الجعد الوشاء قال حدّثنا عبد الرحمن بن صالح، قال حدّثنا علي بن عابس عن هرون بن سعد عن زيد بن علي. وكانت سنه يوم أسلم إحدى عشرة سنة على أصح ما ورد من الأخبار في إسلامه، وقد قيل ثلاث عشر سنة، وقيل سبع سنين. والثابت إحدى عشرة، لأن رسول الله (ص) بعث وهذه سنوه فأقام معه بمكة ثلاث عشرة، وبالمدينة عشرا. وعاش بعد رسول الله (ص) ثلاثين سنة تنقص شهورا. وقال في خطبته التي حدّثني بها العباس بن علي النسائي وغيره، قالوا حدّثنا محمد بن حسان الأزرق قال حدّثنا شبابة بن سوار «٣» قال حدّثنا قيس بن الربيع عن عمرو بن قيس الملائي عن أبي صادق: إنه ﵇ خطب الناس وقد بلغه خبر غارة الغامدي على الأنبار فقال في خطبته: لقد قالت قريش إن ابن أبي طالب رجل شجاع ولكن لا علم له بالحرب، ويحهم وهل فيهم أشد مراسا لها

стр. 38

مني! والله لقد دخلت فيها وأنا ابن عشرين سنة، وأنا الآن قد نيفت على الستين، ولكن لا رأي لمن لا يطاع «١» . وكان ﵇ أسمر مربوعا وهو إلى القصر أقرب عظيم البطن دقيق الأصابع غليظ الذراعين، حمش الساقين، في عينيه لين، عظيم اللحية/ (١١) ، أصلع ناتئ الجبهة «٢» . قال أبو الفرج: وصفته هذه وردت بها الروايات متفرقة فجمعتها، وأتم ما ورد فيها من الأخبار حديث حدّثني به أحمد بن الجعد وعبد الله بن محمد البغوي قالا «٣» حدّثنا سويد بن سعيد، قال حدّثنا داود بن عبد الجبار عن أبي إسحاق، قال: أدخلني أبي المسجد يوم الجمعة فرفعني فرأيت عليا يخطب على المنبر شيخا أصلع ناتئ الجبهة عريض ما بين المنكبين له لحية قد ملأت صدره في عينه اطرغشاش، قال داود يعني لينا في العين. قال فقلت لأبي: من هذا يا أبه؟ فقال هذا علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله (ص) وأخو رسول الله ووصي رسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله ورضوانه وسلامه عليه. قال أبو الفرج: وقد أتينا على صدر من أخباره فيه مقنع. وفضائله ﵇ أكثر من أن تحصى، والقليل منها لا موقع له في مثل هذا الكتاب، والإكثار يخرجنا عمّا شرطناه من الاختصار، وإنما ننبه على من خمل عند بعض الناس ذكره أو لم يشع فيهم فضله. فأمير المؤمنين ﵇ بإجماع المخالف والممالي، والمضاد والموالي، على ما لا يمكن غمطه ولا ينساغ ستره من فضائله المشهورة في العامة لا المكتوبة عند الخاصة تغني عن تفضيله بقول والاستشهاد عليه برواية.

стр. 39

ثم نعود إلى ذكر خبر مقتله والسبب فيه حدّثني به أحمد بن عيسى العجلي العطار قال حدّثني الحسين بن نصر بن مزاحم قال حدّثنا زيد بن المعذل النمري قال حدّثنا يحيى بن سعيد الجزار «١» عن أبي مخنف عن سليمان بن أبي راشد. [عن عبد الرحمن بن عبيد الله عن جماعة] «٢» . من الرواة قد ثبت ما رووه في مواضعة وحدّثني أيضا بمقتله ﵇ محمد بن الحسين الأشناني قال حدّثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي «٣» قال حدّثنا عثمان بن عبد الرحمن الحراني قال حدّثنا إسماعيل بن راشد ودخل حديثه في حديث من قدّمت ذكره، وحدّثنا ببعضه أحمد بن محمد بن دلّان الخيشي «٤» وأحمد بن الجعد الوشاء ومحمد بن جرير الطبري وجماعة غيرهم قالوا حدّثنا أبو هشام الرفاعي قال حدّثنا أبو أسامة قال حدّثنا أبو حباب قال حدّثنا أبو عون الثقفي عن أبي عبد الرحمن السلمي حديثا ذكر فيه مقتله فأتيت بأشياء منه في مواضعها من سياقة الأحاديث، وأكثر اللفظ في ذلك لأبي مخنف، إلّا ما عسى أن يقع فيه خلاف فأبينه قال: اجتمع بمكة نفر من الخوارج فتذاكروا أمر المسلمين فعابوهم وعابوا أعمالهم عليهم «٥» / (١٢) وذكروا أهل النهروان وترحموا عليهم وقال بعضهم لبعض «٦» فلو أنا شرينا أنفسنا لله فأتينا أئمة الضلال وطلبنا غرّتهم فأرحنا منهم العباد والبلاد وثأرنا بإخواننا الشهداء بالنهروان، فتعاقدوا على ذلك عند انقضاء

стр. 40

الحج، فقال عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله أنا أكفيكم عليا، وقال أحد الآخرين: أنا أكفيكم معاوية، وقال الثالث: أنا أكفيكم عمرو بن العاص، فتعاقدوا وتواثقوا على الوفاء ألا ينكل واحد منهم عن صاحبه الذي يتوجه إليه ولا عن قتله واتعدوا لشهر رمضان في الليلة التي قتل فيها ابن ملجم عليا ﵇. قال أبو مخنف قال أبو زهير «١» العبسي: الرجلان الآخران، البرك بن عبد الله التميمي وهو صاحب معاوية، والآخر عمرو بن بكر التميمي وهو صاحب عمرو بن العاص. فأما صاحب معاوية فإنه قصده «٢» فلما وقعت عينه عليه ضربه فوقعت ضربته في إليته، وأخذ، فجاء الطبيب إليه فنظر إلى الضربة، فقال اسماعيل بن راشد في حديثه: فقال: إن السيف مسموم فاختر إما أن أحمي لك حديدة فأجعلها في الضربة فتبرأ وإما أن أسقيك دواء فتبرأ وينقطع نسلك. قال أما النار فلا أطيقها، وأما النسل ففي يزيد وعبد الله ما يقرّ عيني وحسبي بهما، فسقاه الدواء، فعوفي وعالج جرحه حتى التأم ولم يولد له بعد ذلك. قال وقال له البرك بن عبد الله إن لك عندي بشارة، قال: وما هي؟ فأخبره بخبر صاحبيه، وقال له: إن عليا يقتل في هذه الليلة فاحبسني عندك فإن قتل فأنت ولي ما تراه في أمري، وإن لم يقتل أعطيتك العهود والمواثيق أن أمضي فأقتله ثم أعود إليك فأضع يدي في يدك حتى تحكم في بما تراه، فحبسه عنده، فلما أتاه أن عليا قد قتل خلى سبيله. وقال غيره من الرواة بل قتله من وقته. قال وأما صاحب عمرو بن العاص فإنه وافاه في تلك الليلة وقد وجد علة فأخذ دواء واستخلف رجلا يصلي بالناس يقال له خارجة بن أبي حبيبة أحد بني عامر بن لؤي، فخرج للصلاة وشد عليه عمرو بن بكر فضربه بسيفه فأثبته،
следующие страницы →