Полный текст (649 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب
إذا الحروب أقبلت تلهب «١» فبرز إليه علي ﵇ وهو يقول «٢» :
أنا الذي سمتني أمي حيدرة ... كليث غاب في العرين قسوره «٣»
أكيلكم بالصاع كيل السندره «٤» حدّثني محمد بن الحسين، قال حدّثنا عباد [بن يعقوب] «٥» قال حدّثنا موسى بن عمير القرشي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده: وذكر سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله (ص) كناه أبا تراب وكانت من أحب ما يكنى به إليه «٦» . وكانت بنو أمية دعت سهلا إلى أن يسبه على المنبر.
حدّثني علي بن إسحاق بن عيسى المخزومي «٧» ، قال حدّثنا محمد بن بكار بن الرّيان «٨» ، قال حدّثنا أبو معشر عن أبي حازم عن سهل بن سعد، قال:
كان بين علي وفاطمة شيء فجاء رسول الله (ص) / (١٠) يلتمس عليّا فلم يجده، فقال لفاطمة: أين هو؟ قالت: كان بيني وبينه شيء فخرج من عندي وهو غضبان، فالتمسه رسول الله (ص) فوجده في المسجد راقدا وقد زال رداؤه عنه وأصابه التراب، فأيقظه رسول الله (ص) وجعل يمسح التراب عن ظهره وقال له: إجلس فإنما أنت أبو تراب. وكنا نمدح عليّا إذا قلنا له أبو
стр. 37
تراب «١» .
فحدّثني علي بن إسحاق، قال حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، قال حدّثنا خالد بن مخلد، قال حدّثنا سلمان بن بلال، قال حدّثني أبو حازم بن دينار، قال سمعت سهل بن سعد الساعدي يقول:
إن كان لأحب أسماء علي إليه أبو تراب، وإن كان ليفرح أن يدعى بها، وما سمّاه بذلك إلّا رسول الله (ص) .
وكان رسول الله (ص) أخذ عليّا من أبيه وهو صغير في سنة أصابت قريشا وقحط نالهم، وأخذ حمزة جعفرا، وأخذ العباس طالبا ليكفوا أباهم مؤنتهم ويخففوا عنه ثقلهم، وأخذ هو عقيلا لميله كان إليه فقال رسول الله (ص) : اخترت من اختار الله لي عليكم عليا «٢» .
حدّثني بذلك أحمد بن الجعد الوشاء قال حدّثنا عبد الرحمن بن صالح، قال حدّثنا علي بن عابس عن هرون بن سعد عن زيد بن علي.
وكانت سنه يوم أسلم إحدى عشرة سنة على أصح ما ورد من الأخبار في إسلامه، وقد قيل ثلاث عشر سنة، وقيل سبع سنين. والثابت إحدى عشرة، لأن رسول الله (ص) بعث وهذه سنوه فأقام معه بمكة ثلاث عشرة، وبالمدينة عشرا. وعاش بعد رسول الله (ص) ثلاثين سنة تنقص شهورا. وقال في خطبته التي حدّثني بها العباس بن علي النسائي وغيره، قالوا حدّثنا محمد بن حسان الأزرق قال حدّثنا شبابة بن سوار «٣» قال حدّثنا قيس بن الربيع عن عمرو بن قيس الملائي عن أبي صادق: إنه ﵇ خطب الناس وقد بلغه خبر غارة الغامدي على الأنبار فقال في خطبته: لقد قالت قريش إن ابن أبي طالب رجل شجاع ولكن لا علم له بالحرب، ويحهم وهل فيهم أشد مراسا لها
стр. 38
مني! والله لقد دخلت فيها وأنا ابن عشرين سنة، وأنا الآن قد نيفت على الستين، ولكن لا رأي لمن لا يطاع «١» .
وكان ﵇ أسمر مربوعا وهو إلى القصر أقرب عظيم البطن دقيق الأصابع غليظ الذراعين، حمش الساقين، في عينيه لين، عظيم اللحية/ (١١) ، أصلع ناتئ الجبهة «٢» .
قال أبو الفرج: وصفته هذه وردت بها الروايات متفرقة فجمعتها، وأتم ما ورد فيها من الأخبار حديث حدّثني به أحمد بن الجعد وعبد الله بن محمد البغوي قالا «٣» حدّثنا سويد بن سعيد، قال حدّثنا داود بن عبد الجبار عن أبي إسحاق، قال:
أدخلني أبي المسجد يوم الجمعة فرفعني فرأيت عليا يخطب على المنبر شيخا أصلع ناتئ الجبهة عريض ما بين المنكبين له لحية قد ملأت صدره في عينه اطرغشاش، قال داود يعني لينا في العين. قال فقلت لأبي: من هذا يا أبه؟
فقال هذا علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله (ص) وأخو رسول الله ووصي رسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله ورضوانه وسلامه عليه.
قال أبو الفرج: وقد أتينا على صدر من أخباره فيه مقنع. وفضائله ﵇ أكثر من أن تحصى، والقليل منها لا موقع له في مثل هذا الكتاب، والإكثار يخرجنا عمّا شرطناه من الاختصار، وإنما ننبه على من خمل عند بعض الناس ذكره أو لم يشع فيهم فضله. فأمير المؤمنين ﵇ بإجماع المخالف والممالي، والمضاد والموالي، على ما لا يمكن غمطه ولا ينساغ ستره من فضائله المشهورة في العامة لا المكتوبة عند الخاصة تغني عن تفضيله بقول والاستشهاد عليه برواية.
стр. 39
ثم نعود إلى ذكر خبر مقتله والسبب فيه
حدّثني به أحمد بن عيسى العجلي العطار قال حدّثني الحسين بن نصر بن مزاحم قال حدّثنا زيد بن المعذل النمري قال حدّثنا يحيى بن سعيد الجزار «١» عن أبي مخنف عن سليمان بن أبي راشد.
[عن عبد الرحمن بن عبيد الله عن جماعة] «٢» . من الرواة قد ثبت ما رووه في مواضعة وحدّثني أيضا بمقتله ﵇ محمد بن الحسين الأشناني قال حدّثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي «٣» قال حدّثنا عثمان بن عبد الرحمن الحراني قال حدّثنا إسماعيل بن راشد ودخل حديثه في حديث من قدّمت ذكره، وحدّثنا ببعضه أحمد بن محمد بن دلّان الخيشي «٤» وأحمد بن الجعد الوشاء ومحمد بن جرير الطبري وجماعة غيرهم قالوا حدّثنا أبو هشام الرفاعي قال حدّثنا أبو أسامة قال حدّثنا أبو حباب قال حدّثنا أبو عون الثقفي عن أبي عبد الرحمن السلمي حديثا ذكر فيه مقتله فأتيت بأشياء منه في مواضعها من سياقة الأحاديث، وأكثر اللفظ في ذلك لأبي مخنف، إلّا ما عسى أن يقع فيه خلاف فأبينه قال:
اجتمع بمكة نفر من الخوارج فتذاكروا أمر المسلمين فعابوهم وعابوا أعمالهم عليهم «٥» / (١٢) وذكروا أهل النهروان وترحموا عليهم وقال بعضهم لبعض «٦» فلو أنا شرينا أنفسنا لله فأتينا أئمة الضلال وطلبنا غرّتهم فأرحنا منهم العباد والبلاد وثأرنا بإخواننا الشهداء بالنهروان، فتعاقدوا على ذلك عند انقضاء
стр. 40
الحج، فقال عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله أنا أكفيكم عليا، وقال أحد الآخرين: أنا أكفيكم معاوية، وقال الثالث: أنا أكفيكم عمرو بن العاص، فتعاقدوا وتواثقوا على الوفاء ألا ينكل واحد منهم عن صاحبه الذي يتوجه إليه ولا عن قتله واتعدوا لشهر رمضان في الليلة التي قتل فيها ابن ملجم عليا ﵇.
قال أبو مخنف قال أبو زهير «١» العبسي: الرجلان الآخران، البرك بن عبد الله التميمي وهو صاحب معاوية، والآخر عمرو بن بكر التميمي وهو صاحب عمرو بن العاص.
فأما صاحب معاوية فإنه قصده «٢» فلما وقعت عينه عليه ضربه فوقعت ضربته في إليته، وأخذ، فجاء الطبيب إليه فنظر إلى الضربة، فقال اسماعيل بن راشد في حديثه: فقال: إن السيف مسموم فاختر إما أن أحمي لك حديدة فأجعلها في الضربة فتبرأ وإما أن أسقيك دواء فتبرأ وينقطع نسلك. قال أما النار فلا أطيقها، وأما النسل ففي يزيد وعبد الله ما يقرّ عيني وحسبي بهما، فسقاه الدواء، فعوفي وعالج جرحه حتى التأم ولم يولد له بعد ذلك.
قال وقال له البرك بن عبد الله إن لك عندي بشارة، قال: وما هي؟
فأخبره بخبر صاحبيه، وقال له: إن عليا يقتل في هذه الليلة فاحبسني عندك فإن قتل فأنت ولي ما تراه في أمري، وإن لم يقتل أعطيتك العهود والمواثيق أن أمضي فأقتله ثم أعود إليك فأضع يدي في يدك حتى تحكم في بما تراه، فحبسه عنده، فلما أتاه أن عليا قد قتل خلى سبيله.
وقال غيره من الرواة بل قتله من وقته.
قال وأما صاحب عمرو بن العاص فإنه وافاه في تلك الليلة وقد وجد علة فأخذ دواء واستخلف رجلا يصلي بالناس يقال له خارجة بن أبي حبيبة أحد بني عامر بن لؤي، فخرج للصلاة وشد عليه عمرو بن بكر فضربه بسيفه فأثبته،
стр. 41
وأخذ الرجل فأتى به عمرو العاص فقتله، ودخل من غد إلى خارجة وهو يجود بنفسه فقال له: أما والله أبا عبد الله ما أراد غيرك، قال عمرو: ولكن الله أراد خارجة.
رجع الحديث إلى خبر ابن ملجم لعنه الله. فحدّثني محمد بن الحسين الأشناني وغيره قالوا حدّثنا علي بن المنذر الطريقي «١» قال حدّثنا ابن فضيل قال حدّثنا فطر «٢» / (١٣) عن أبي الطفيل قال:
جمع أمير المؤمنين علي الناس للبيعة فجاء عبد الرحمن بن ملجم فرده مرتين أو ثلاثا ثم بايعه، فقال له علي: ما يحبس أشقاها؟ فو الذي نفسي بيده لتخضبن هذه من هذه، ثم قال:
أشدد حيازيمك للمو ... ت فإن الموت لاقيك
ولا تجزع من المو ... ت إذا حل بواديك
قال: وروى غيره أن عليا أعطى الناس فلما بلغ إلى ابن ملجم قال:
أريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد «٣»
أخبرنا الحسن بن علي الوشاء في كتابه إليّ قال حدّثنا أبو نعيم الفضل بن دكين قال حدّثنا فطر عن أبي الطفيل بنحو من هذا الحديث «٤» .
حدّثني أحمد بن عيسى العجلي قال حدّثنا الحسين بن نصر بن مزاحم قال حدّثنا زيد بن المعذل عن يحيى بن شعيب عن أبي مخنف عن أبي زهير العبسي قال: كان ابن ملجم من مراد وعداده في كندة فأقبل حتى قدم الكوفة فلقي بها أصحابه وكتمهم أمره وطوى عنهم ما تعاقد هو وأصحابه عليه بمكة من قتل أمراء
стр. 42
المسلمين مخافة أن ينشر منه شيء «١» وأنه زار رجلا من أصحابه ذات يوم من تيم الرباب فصادف عنده قطام بنت الأخضر بن شجنة من تيم الرباب، وكان علي قتل أباها وأخاها بالنهروان، وكانت من أجمل نساء أهل زمانها، فلما رآها ابن ملجم لعنه الله شغف بها واشتد إعجابه، فخبر خبرها فخطبها فقالت له: ما الذي تسمى لي من الصداق فقال لها؟ احتكمي ما بدا لك. فقالت: أنا محتكمة عليك ثلاثة آلاف درهم ووصيفا وخادما وقتل علي بن أبي طالب، فقال لها: لك جميع ما سألت، فأما قتل علي فأنى لي بذلك؟ فقالت: تلتمس غرته فإن أنت قتلته شفيت نفسي وهنأك العيش معي، وإن قتلت فما عند الله خير لك من الدنيا، قال لها: أما والله أقدمني هذا المصر وقد كنت هاربا منه لا آمن مع أهله إلّا ما سألتني من قتل علي، فلك ما سألت، قالت له: فأنا طالبة لك بعض من يساعدك على ذلك ويقويك ثم بعثت إلى وردان بن مجالد من تيم الرباب فخبرته الخبر وسألته معونة ابن ملجم لعنه الله، فتحمل ذلك لها، وخرج ابن ملجم فأتى رجلا من أشجع يقال له شبيب بن بجرة فقال له: يا شبيب، هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ قال: وما هو قال تساعدني على قتل علي بن أبي طالب، وكان شبيب على رأي الخوارج، فقال له: يا بن ملجم هبلتك الهبول. لقد جئت شيئا إدّا، وكيف نقدر على ذلك؟ قال له ابن ملجم:
نكمن له في المسجد الأعظم فإذا خرج لصلاة الفجر فتكنا به فقتلناه، فإذا نحن قتلناه شفينا أنفسنا وأدركنا ثأرنا، فلم يزل به حتى أجابه، فأقبل معه حتى دخل على قطام وهي معتكفة في المسجد الأعظم قد ضربت عليها قبة، فقالا لها: قد اجتمع رأينا على قتل هذا الرجل/ (١٤) .
قالت لهما: فإذا أردتما ذلك فألقياني في هذا الموضع. فانصرفا من عندها فلبثا أياما. ثم أتياها ليلة الجمعة لتسع عشرة خلت من شهر رمضان سنة أربعين. هكذا في حديث أبي مخنف، وفي حديث أبي عبد الرحمن السلمي أنها كانت ليلة سبع عشرة خلت من شهر رمضان، وهو أصح. فقال لها ابن
стр. 43
ملجم: هذه الليلة التي واعدت فيها صاحبيّ وواعداني أن يقتل كل واحد منا صاحبه الذي يتوجه إليه. فدعت لهم بحرير فعصبت به صدورهم، وتقلّدوا سيفهم، ومضوا فجلسوا مما يلي السدة التي كان يخرج منها أمير المؤمنين إلى الصلاة.
حدّثني أحمد بن عيسى، قال: حدّثنا الحسين بن نصر، قال: حدّثنا زيد بن المعذل، عن يحيى بن شعيب، عن أبي مخنف، عن الأسود والأجلح أن ابن ملجم أتى إلى الأشعث بن قيس- لعنهما الله- في الليلة التي أراد فيها بعليّ ما أراد، والأشعث في بعض نواحي المسجد. فسمع حجر بن عدي الأشعث يقول لابن ملجم- لعنه الله- النجاء النجاء لحاجتك فقد فضحك الصبح فقال له حجر: قتلته يا أعور. وخرج مبادرا إلى علي وأسرج دابته وسبقه ابن ملجم- لعنه الله- فضرب عليا. وأقبل حجر والناس يقولون: قتل أمير المؤمنين.
قال أبو الفرج علي بن الحسين بن محمد الأصفهاني:
وللأشعث بن قيس في انحرافه عن أمير المؤمنين- ﵇ أخبار يطول شرحها منها ما حدّثنيه محمد بن الحسين الأشناني قال: حدّثنا إسماعيل بن موسى بن بنت السدي «١» قال: حدّثنا علي بن مسهر، عن الأجلح عن موسى بن أبي النعمان قال:
جاء الأشعث إلى علي يستأذن عليه فردّه قنبر، فأدمى الأشعث أنفه.
فخرج علي وهو يقول: ما لي ولك يا أشعث، أما والله لو بعبد ثقيف تمرست لا قشعرت شعيراتك، قيل: يا أمير المؤمنين ومن غلام ثقيف؟ قال: غلام يليهم لا يبقى أهل بيت من العرب إلّا أدخلهم ذلا. قيل: يا أمير المؤمنين:
كم يلي؟ وكم يمكث؟ قال: عشرين إن بلغها.
حدّثني محمد بن الحسين الأشناني. قال: حدّثني إسماعيل بن موسى.
قال: حدّثني رجل، عن سفيان بن عيينة، عن جعفر بن محمد قال: حدّثتني
стр. 44
امرأة منّا قالت:
رأيت الأشعث بن قيس دخل على علي- ﵇ فأغلظ له علي، فعرض له الأشعث بأن يفتك به. فقال له علي ﵇: أبا لموت تهددني، فو الله ما أبالي وقعت على الموت، أو وقع الموت عليّ.
حدّثني أبو عبيد محمد بن أحمد بن المؤمل الصيرفي بهذين الحديثين، عن فضل المصري عن إسماعيل [ابن بنت السدي] .
رجع الحديث إلى مقتل أمير المؤمنين.
قال أبو مخنف: فحدّثني أبي عن عبد الله بن محمد الأزدي، قال «١» :
إني لأصلي تلك الليلة في المسجد الأعظم مع رجال من أهل المصر كانوا يصلون في ذلك الشهر من أول الليل إلى آخره إذ نظرت إلى رجال يصلون قريبا من السدة قياما وقعودا، وركوعا وسجودا، ما يسأمون، إذ خرج على صلاة الفجر، فأقبل ينادي: الصلاة الصلاة، فما أدري أنادى أم رأيت بريق السيف؟ وسمعت قائلا يقول: الحكم لله يا علي لا لك ولا لأصحابك، ثم رأيت بريق سيف آخر ثانيا وسمعت عليا يقول: لا يفوتنكم الرجل.
وقال إسماعيل بن راشد في حديثه، ووافقه في معناه حديث أبي عبد الرحمن السلمي أن شبيب بن بجرة ضربه فأخطأه «٢» ووقعت ضربته في الطاق، وضربه ابن ملجم- لعنه الله- فأثبت الضربة في وسط رأسه.
وقال عبد الله بن محمد الأزدي في حديثه: وشد الناس عليه من كل ناحية حتى أخذوه.
قال أبو مخنف: فذكرت همدان أن رجلا منهم يكنى أبا أدماء من مرهبة أخذه، وقال يزيد بن أبي زياد: أخذه المغيرة بن الحرث بن عبد المطلب طرح عليه قطيفة ثم صرعه. وأخذ السيف من يده وجاء به.
стр. 45
وأما شبيب بن بجرة فإنه خرج هاربا، فأخذه رجل فصرعه وجلس على صدره وأخذ السيف من يده ليقتله، فرأى الناس يقصدون نحوه، فخشي أن يعجلوا عليه ولا يسمعوا منه، فوثب عن صدره وخلاه، وطرح السيف من يده. ومضى الرجل هاربا حتى دخل منزله. ودخل عليه ابن عم له فرآه يحل الحرير عن صدره، فقال له: ما هذا؟ لعلّك قتلت أمير المؤمنين، فأراد أن يقول: لا، فقال: نعم. فمضى ابن عمّه فاشتمل على سيفه ثم دخل عليه فضربه حتى قتله.
قال أبو مخنف: فحدّثني أبي، عن عبد الله بن محمد الأزدي، قال:
ادخل ابن ملجم لعنه الله على عليّ، ودخلت عليه فيمن دخل، فسمعت عليا يقول: النفس بالنفس إن أنا مت فاقتلوه كما قتلني، وإن سلمت رأيت فيه رأيي «١» ، فقال ابن ملجم- لعنه الله- والله لقد ابتعته بألف، وسممته بألف، فإن خانني فأبعده الله. قال: ونادته أم كلثوم: يا عدو الله قتلت أمير المؤمنين.
قال: إنما قتلت أباك. قالت يا عدو الله. إني لأرجو أن ألا يكون عليه بأس.
قال لها: فأراك إنما تبكين عليا. إذا والله لقد ضربته ضربة لو قسمت بين أهل الأرض لأهلكتهم «٢» .
قال وأخرج ابن ملجم- لعنه الله- وهو يقول: قال إسماعيل بن راشد في حديثه والشعر لابن أبي مياس الفزاري «٣» :
ونحن ضربنا يا بنة الخير إذ طغى ... أبا حسن مأمومة فتقطرا «٤»
هذا البيت لأبي مخنف وحده، وزاد إسماعيل هذين البيتين:
стр. 46
ونحن خلعنا ملكه عن نظامه ... بضربة سيف إذ علا وتجبرا
ونحن كرام في الصباح أعزة ... إذا المرء بالموت ارتدى وتأزرا «١»
قال أبو مخنف. فحدّثني بعض أصحابنا، عن صالح بن ميثم، عن أخيه عمران قال:
لقد رأيت الناس حين انصرفوا من صلاة الصبح أتوا بابن ملجم لعنه الله ينهشون لحمه بأسنانهم كأنهم سباع وهم يقولون له: يا عدو الله، ماذا فعلت؟
أهلكت أمة محمد (ص) ، وقتلت خير الناس. وإنه لصامت ما ينطق.
قال أبو مخنف: وحدّثني معروف بن خربوذ «٢» عن أبي الطفيل أن صعصعة بن صوحان استأذن على أمير المؤمنين علي وقد أتاه عائدا، فلم يكن له عليه إذن، فقال صعصعة للآذن: قل له يرحمك الله يا أمير المؤمنين حيا وميتا، فو الله لقد كان الله في صدرك عظيما، ولقد كنت بذات الله عليما، فأبلغه الآذن مقالة صعصعة، فقال له علي: قل له وأنت يرحمك الله، فلقد كنت خفيف المؤونة، كثير المعونة «٣» .
قال: وقال رجل يذكر أمر قطام وابن ملجم لعنهما الله وقال محمد بن [الحسين الأشناني] «٤» في حديثه عن المسروقي وهو ابن أبي مياس [الفزاري] :
فلم أر مهرا ساقه ذو سماحة ... كمهر قطام من فصيح وأعجم «٥»
ثلاثة آلاف وعبد وقينة ... وضرب علي بالحسام المصمم
ولا مهر أغلى من علي وإن علا ... ولا فتك إلّا دون فتك ابن ملجم
وأنشدنا حبيب بن نصر المهلبيّ، قال: أنشدنا الرياشي أحسبه عن أبي
стр. 47
عبيدة «١» لعمران بن حطان- لعنه الله- يمدح ابن ملجم لعنه الله وغضب عليهما بقتل أمير المؤمنين ﵇:
يا ضربة من كمي ما أراد بها ... إلّا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
أني لأفكر فيه ثم أحسبه ... أو في البرية عند الله ميزانا»
كذب. لعنهما الله وعذبهما.
حدّثني أحمد بن عيسى، قال: حدّثني الحسن بن نصر «٣» ، قال: حدّثنا زيد بن المعذل، عن يحيى بن شعيب، عن أبي مخنف، قال: حدّثني عطية بن الحرث، عن عمر بن تميم وعمرو بن أبي بكار أن عليا لما ضرب جمع له أطباء الكوفة فلم يكن منهم أحد أعلم بجرحه من أثير بن عمرو بن هانئ السكوني، وكان متطبّبا صاحب كرسي يعالج الجراحات، وكان من الأربعين غلاما الذين كان خالد بن الوليد أصابهم في عين التمر فسباهم، وإن أثيرا لما نظر إلى جرح أمير المؤمنين- ﵇ دعا برئة شاة حارة واستخرج عرقا منها، فأدخله في الجرح ثم استخرجه فإذا عليه بياض الدماغ فقال له: يا أمير المؤمنين إعهد عهدك فإن عدو الله قد وصلت ضربته إلى أم رأسك. فدعا علي عند ذلك بصحيفة ودواة وكتب وصيته «٤» .
بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. أوصى بأنه يشهد أن لا إله إلّا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، صلوات الله وبركاته عليه.
إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربّ العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين «٥» .
стр. 48
أوصيك يا حسن وجميع ولدي وأهل بيتي ومن بلغه كتابي هذا بتقوى الله ربنا ولا تموتن وإلّا أنتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، فإني سمعت رسول الله يقول: إصلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام، وإن المبيدة الحالقة للدين فساد ذات البين. ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم.
انظروا إلى ذوي أرحامكم فصلوهم يهون الله عليكم الحساب. الله الله في الأيتام فلا تغيّرن أفواههم بجفوتكم «١» ، والله الله في جيرانكم فإنها وصية رسول الله (ص) ما زال يوصينا بهم حتى ظننا أنه سيورثهم.
والله الله في القرآن فلا يسبقنكم إلى العمل به غيركم، والله الله في الصلاة فإنها عماد دينكم.
والله الله في بيت ربكم فلا يخلون منكم ما بقيتم، فإنه إن ترك لم تناظروا وإنه إن خلا منكم لم تنظروا.
والله الله في صيام شهر رمضان فإنه جنة من النار، والله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم.
والله الله في زكاة أموالكم فإنها تطفئ غضب ربكم.
والله الله في أمة نبيكم فلا يظلمن بين أظهركم. والله الله في أصحاب نبيكم فإن رسول الله ﵌ أوصى بهم.
والله الله في الفقراء والمساكين فأشركوهم في معايشكم، والله الله فيما ملكت أيمانكم [فإنها «٢» كانت آخر وصية رسول الله (ص) إذ قال: أوصيكم بالضعيفين فيما ملكت أيمانكم] «٣» .
ثم قال: الصلاة الصلاة. لا تخافوا في الله لومة لائم فإنه يكفكم من بغى
стр. 49
عليكم وأرادكم بسوء قولوا للناس حسنا كما أمركم الله، ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيولّي الأمر عنكم وتدعون فلا يستجاب لكم.
عليكم بالتواضع والتباذل والتبار، وإيّاكم والتقاطع والتفرق والتدابر:
وتعاونوا على البرّ والتّقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتّقوا الله إنّ الله شديد العقاب «١» حفظكم الله من أهل بيت، وحفظ فيكم نبيه، استودعكم الله خير مستودع وأقرأ عليكم سلام الله ورحمته.
حدّثني أحمد بن محمد بن دلان، وأحمد بن الجعد، ومحمد بن جرير الطبري «٢» ، قالوا: حدّثنا أبو هشام الرفاعي، قال: حدّثنا أبو أسامة، قال:
حدّثني أبو جناب، قال: حدّثني أبو عون الثقفي، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن الحسن بن علي قال:
خرجت أنا وأبي نصلي في هذا المسجد، فقال لي: يا بني، إني بت الليلة أوقظ أهلي لأنها ليلة الجمعة صبيحة «٣» يوم بدر لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان فملكتني عيناي، فسنح لي رسول الله (ص) ، فقلت: يا رسول الله، ماذا لقيت من أمتك من الأود واللدد؟ فقال لي: ادع عليهم. فقلت: «اللهم أبدلني بهم من هو خير لي منهم، وأبدلهم بي من هو شر لهم مني» ، وجاء ابن النباح «٤» . فآذنه بالصلاة فخرج وخرجت خلفه فاعتوره الرجلان فأما أحد فوقعت ضربته في الطاق، وأما الآخر فأثبتها في رأسه «٥» .
[قال أبو الفرج الأود العوج، واللد الخصومات] «٦» :
حدّثني أحمد بن عيسى، قال: حدّثنا الحسن «٧» بن نصر، قال: حدّثنا
стр. 50
زيد بن المعذل، عن يحيى بن شعيب، عن أبي مخنف، عن فضيل بن خديج، عن الأسود والكندي والأجلخ «١» قالا:
توفي أمير المؤمنين علي- ﵇ وهو ابن أربع وستين سنة، سنة أربعين في ليلة الأحد لإحدى وعشرين ليلة مضت من شهر رمضان، وولي غسله ابنه الحسن بن علي وعبد الله بن العباس، وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص. وصلّى عليه ابنه الحسن وكبّر عليه خمس تكبيرات، ودفن في الرحبة مما يلي أبواب كندة عند صلاة الصبح.
ودعا الحسن بعد دفنه بابن ملجم- لعنه الله- فأتى به «٢» فأمر بضرب عنقه، فقال له: إن رأيت أن تأخذ على العهود أن أرجع إليك حتى أضع يدي في يدك بعد أن أمضي إلى الشام فأنظر ما صنع صاحبي بمعاوية فإن كان قتله وإلّا قتلته ثم أعود إليك. تحكم في بحكمك، فقال له الحسن: هيهات. والله لا تشرب الماء البارد أو تلحق روحك بالنار، ثم ضرب عنقه فاستوهبت أم الهيثم بنت الأسود النخعية جيفته منه فوهبها لها فأحرقتها بالنار.
حدّثني أحمد بن سعيد، قال حدّثنا يحيى بن الحسن العلوي، قال:
حدّثنا يعقوب بن زيد «٣» ، قال: حدّثني ابن أبي عمير، عن الحسن بن علي الخلال، عن جده، قال:
قلت للحسن بن علي: أين دفنتم أمير المؤمنين؟ قال: خرجنا به ليلا من منزله حتى مررنا به على مسجد الأشعث، حتى خرجنا به إلى الظهر بجنب الغرى.
حدّثني محمد بن الحسين الأشناني، قال: حدّثنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: حدّثنا عثمان بن عبد الرحمن، قال: حدّثنا إسماعيل بن راشد بإسناده، قال:
стр. 51
لما أتى عائشة نعى علي أمير المؤمنين- ﵇ تمثّلت:
فألقت عصاها واستقرت بها النوى ... كما قرّ عينا بالأياب المسافر «١»
ثم قالت: من قتله؟ فقيل: رجل من مراد، فقالت:
فإن يك نائبا فلقد بغاه ... غلام ليس في فيه التراب
فقالت لها زينب بنت أم سلمة: ألعلي تقولين هذا؟ فقالت: إذا نسيت فذكروني، قال: ثم تمثلت:
ما زال إهداء القصائد بيننا ... باسم الصديق وكثرة الألقاب
حتى تركت كأن قولك فيهم ... في كل مجتمع طنين ذباب «٢»
قال: وكان الذي جاءها بنعيه سفيان بن أبي أمية بن عبد شمس بن أبي وقاص هذا أو نحوه. حدّثني محمد بن الحسين الأشناني، قال: حدّثنا أحمد بن حازم، قال: حدّثنا عاصم بن عامر، وعثمان بن أبي شيبة، قالا: حدّثنا جرير، عن الأعمش، عن عمرو «٣» بن مرة، عن أبي البختري، قال: لما أن جاء عائشة قتل علي ﵇ سجدت. قال أبو مخنف:
وقالت أم الهيثم بنت الأسود النخعية ترثي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب- ﵇ «٤» :
ألا يا عين ويحك فاسعدينا ... ألا تبكي أمير المؤمنينا
رزئنا خير من ركب المطايا ... وخيّسها ومن ركب السفينا «٥»
ومن لبس النعال ومن حذاها ... ومن قرأ المثاني والمئينا «٦»
وكنا قبل مقتله بخير ... نرى مولى رسول الله فينا
стр. 52
يقيم الدين لا يرتاب فيه ... ويقضي بالفرائض مستبينا
ويدعو للجماعة من عصاه ... وينهك «١» قطع أيدي السارقينا
وليس بكاتم علما لديه ... ولم يخلق من المتجبرينا
لعمر أبي لقد أصحاب مصر ... على طول الصحابة أوجعونا
وغرونا بأنهم عكوف ... وليس كذاك فعل العاكفينا
أفي شهر الصيام فجعتمونا ... بخير الناس طرا أجمعينا
ومن بعد النبي فخير نفس ... أبو حسن وخير الصالحينا
كأن الناس إذ فقدوا عليا ... نعام جال في بلد سنينا
ولو أنا سئلنا المال فيه ... بذلنا المال فيه والبنينا
أشاب ذؤابتي وأطال حزني ... أمامة حين فارقت القرينا
تطوف بها لحاجتها إليه ... فلما استيأست رفعت رنينا
وعبرة أم كلثوم إليها ... تجاوبها وقد رأت اليقينا
فلا تشمت معاوية بن صخر ... فإن بقية الخلفاء فينا
وأجمعنا الإمارة عن تراض ... إلى ابن نبينا وإلى أخينا
ولا نعطي زمام الأمر فينا ... سواه الدهر آخر ما بقينا
وإن سراتنا وذوي حجانا ... تواصو أن نجيب إذا دعينا
بكل مهنّد عضب وجرد ... عليهن الكماة مسوّمينا «٢»
أخبرني عمي الحسن بن محمد، قال: أنشدني محمد بن سعد الكناني «٣» لبعض بني عبد المطلب يرثي أمير المؤمنين ﵇، ولم يعرف اسمه:
يا قبر سيدنا المجن له ... صلّى الإله عليك يا قبر «٤»
стр. 53
ما ضر قبرا أنت ساكنه ... أن لا يحل بأرضه القطر «١»
فليندين سماح كفك في الثرى ... وليورقن بجنبك الصخر «٢»
والله لو بك لم أجد «٣» أحدا ... إلّا قتلت، لفاتني الوتر
[عصر بني أمية]
٤- الحسن بن علي
والحسن بن علي «٤» بن أبي طالب- ﵉ ويكنى أبا محمد «٥» وأمه فاطمة بنت رسول الله (ص) »
، وكانت فاطمة تكنى أم أبيها، ذكر ذلك قعنب ابن محرز الباهلي، حدّثني به محمد بن زكريا الصحاف، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن الحسين بن زيد بن علي، عن جعفر بن محمد عن أبيه.
وأمها خديجة «٧» ، تكنى أم هند بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي.
وأمها فاطمة بنت زائدة بن الأصم بن هرم بن رواحة بن حجر بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤي.
وأمها هالة بنت [عبد] «٨» مناف بن الحارث بن منقذ بن عمرو بن معيص بن عامر بن لؤي.
وأمها العرقة، وهي قلابة «٩» بنت سعيد بن سهم بن عمرو بن
стр. 54
هصيص بن كعب بن لؤي. وإنما سميت العرقة لطيب عرقها وعطرها، وكانت مبدنة، وكانت إذا عرقت فاحت رائحة الطيب منها فسميت العرقة.
وأمها عاتكة بنت عبد العزى بن قصي.
وأمها الحظيا وهي ريطة الصغرى بنت كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي.
وأمها مارية «١» ويقال قيلة بنت حذافة بن جمح.
وأمها ليلى بنت عامر الخيار بن غيسان «٢» واسمه الحرث بن عبد عمرو بن عمرو بن قوي «٣» بن ملكان بن أفصى من خزاعة.
وأمها سلمى بنت سعد بن كعب بن عمرو من خزاعة.
وأمها ليلى بنت عابس «٤» بن الظرب بن الحرث بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة.
وأمها سلمى بنت لؤي «٥» بن غالب.
وأمها ليلى بنت محارب «٦» بن فهر.
وأمها عاتكة بنت مخلد «٧» بن النضر بن كنانة.
وأمها الوارثة بنت الحرث بن مالك بن كنانة.
وأمها مارية بنت سعد بن زيد مناة بن تميم واسمها أسماء بنت جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن ثعلب بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دغمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار.
وتزوجت خديجة- صلوات الله عليها- قبل رسول الله (ص) رجلين.
يقال لأحدهما عتيق بن عائذ «٨» بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وولدت له بنتا
стр. 55
يقال لها هند. ثم توفي عنها. فخلف عليها أبو هالة «١» بن النبّاش بن زرارة بن وقدان بن حبيب بن سلامة بن عدي «٢» بن حرزة بن أسيد بن عمرو بن تميم، فولدت له ابنا يقال له هند، وروى عن النبي (ص) ، روى عنه الحسن بن علي بن أبي طالب حديث صفة رسول الله (ص) المشهور، وقال فيه: سألت خالي هند بن أبي هالة عن صفة رسول الله (ص) وكان له وصّافا.
وتوفيت خديجة- ﵂ قبل الهجرة بثلاث سنين، ولها يومئذ خمس وستون سنة «٣» . حدّثني بذلك الحسن بن علي، قال: حدّثنا الحرث بن محمد، قال: حدّثنا ابن سعد عن الواقدي. ودفنت بالحجون.
وكان مولد فاطمة- ﵍ قبل النبوّة وقريش حينئذ تبني الكعبة «٤» وكان تزويج علي بن أبي طالب إيّاها في صفر بعد مقدم رسول الله (ص) المدينة، وبنى بها بعد رجوعه من غزوة بدر، ولها يومئذ ثماني عشرة سنة «٥» .
حدّثني بذلك الحسن بن علي، قال: حدّثنا الحرث، قال: حدّثنا ابن سعد «٦» عن الواقدي، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن أبي جعفر «٧» بن محمد بن علي.
وكان مولد الحسن في سنة ثلاث من الهجرة.
وكانت وفاته- ﵇ بعد عشر سنين خلت من إمارة معاوية، وذلك في سنة خمسين من الهجرة «٨» .
وكانت وفاة فاطمة- ﵍ بعد وفاة النبي (ص) بمدة يختلف في
стр. 56
مبلغها فالمكثّر يقول: بستة أشهر «١» . والمقلّل يقول «٢» : أربعين يوما إلّا أن الثابت في ذلك ما روى عن أبي جعفر محمد بن علي أنّها توفيت بعده بثلاثة أشهر «٣» .
حدّثني بذلك الحسن بن عبد الله «٤» ، قال: حدّثنا الحرث، عن ابن سعد «٥» ، عن الواقدي، عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر محمد بن علي.
وكان في لسان الحسن بن علي ثقل كالفأفأة.
حدّثني به محمد بن الحسين الأشناني، قال: حدّثنا محمد بن اسماعيل الأحمسي، قال: حدّثنا مفضل بن صالح عن جابر، قال: كانت في لسان الحسن رتّة، فقال سلمان الفارسي. أتته [من] قبل عمّه موسى [بن عمران] «٦» ﵇.
ودس معاوية إليه حين أراد أن يعهد إلى يزيد بعده، وإلى سعد بن أبي وقّاص سمّا فماتا منه في أيام متقاربة.
وكان الذي تولّى ذلك من الحسن زوجته [جعدة] «٧» بنت الأشعث بن قيس لمال بذله لها معاوية.
وسنذكر الخبر في ذلك.
وقيل: اسمها سكينة، وقيل: شعثاء، وقيل: عائشة، والصحيح في ذلك جعدة.
стр. 57
ذكر الخبر في بيعته بعد وفاة أمير المؤمنين علي (ع) وتسليمه الأمر إلى معاوية والسبب في وفاته
حدّثني أحمد بن عيسى العجلي، قال: حدّثنا حسين بن نصر، قال:
حدّثنا زيد بن المعذل، عن يحيى شعيب، عن أبي مخنف، قال: حدّثني أشعث بن سوار عن أبي إسحاق [السبيعي] «١» عن سعيد «٢» بن رويم، وحدّثني علي بن إسحاق المخرمي «٣» وأحمد بن الجعد، قالا: حدّثنا عبد الله بن عمر شكدانه «٤» ، قال: حدّثنا وكيع عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن حبشي، وحدّثني علي بن إسحاق، قال: حدّثنا عبد الله بن عمر، قال: حدّثنا عمران بن عيينة عن الأشعث، عن أبي إسحاق موقوفا، وحدّثني محمد بن الحسين الخثعمي، قال: حدّثنا عباد بن يعقوب، قال: حدّثنا عمرو بن ثابت عن أبي إسحاق، عن هبيرة بن بريم، قال: قال عمرو بن ثابت:
كنت أختلف إلى أبي إسحاق [السبيعي] «٥» سنة أسأله عن خطبة الحسن بن علي، فلا يحدّثني بها، فدخلت إليه في يوم شات وهو في الشمس وعليه برنسه كأنه غول، فقال لي: من أنت؟ فأخبرته، فبكى وقال: كيف أبوك؟ كيف أهلك؟ قلت: صالحون، قال: في أي شيء تردّد منذ سنة؟
قلت: في خطبة الحسن بن علي بعد وفاة أبيه.
قال: [حدّثني هبيرة بن بريم] ، وحدّثني محمد بن محمد الباغندي، ومحمد بن حمدان الصيدلاني، قالا: حدّثنا إسماعيل بن محمد العلوي، قال:
حدّثني عمي علي بن جعفر بن محمد، عن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن زيد بن الحسن، عن أبيه، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، والمعنى قريب، قالوا:
стр. 58
خطب الحسن بن علي بعد وفاة أمير المؤمنين علي ﵇، فقال»
:
لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون بعمل، ولا يدركه الآخرون بعمل، ولقد كان يجاهد مع رسول الله (ص) فيقيه بنفسه، ولقد كان يوجهه برايته فيكتنفه جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، فلا يرجع حتى يفتح الله عليه، ولقد توفي في هذه الليلة التي عرج فيها بعيسى بن مريم، ولقد توفي فيها يوشع بن نون وصي موسى، وما خلّف صفراء ولا بيضاء إلّا سبعمائة درهم بقيت من عطائه أراد أن يبتاع بها خادما لأهله.
ثم خنقته العبرة، فبكى وبكى الناس معه.
ثم قال: أيّها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن محمد (ص) ، أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، أنا ابن الداعي إلى الله بإذنه، وأنا ابن السراج المنير، وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، والذين افترض الله مودتهم في كتابه إذ يقول:
ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا «٢» . فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت.
قال أبو مخنف عن رجاله:
ثم قام ابن عباس بين يديه، فدعا الناس إلى بيعته، فاستجابوا له، وقالوا: ما أحبه إلينا وأحقه بالخلافة فبايعوه.
ثم نزل عن المنبر.
قال: ودسّ معاوية رجلا من بني حمير إلى الكوفة، ورجلا من بني القين إلى البصرة يكتبان إليه بالأخبار، فدل على الحميري عند «٣» لحام جرير «٤» ودلّ على القيني بالبصرة في بني سليم، فأخذا وقتلا «٥» .
стр. 59
وكتب الحسن إلى معاوية:
أما بعد، فإنك دسست إليّ الرجال كأنك تحب اللقاء، وما أشك في ذلك، فتوقّعه إن شاء الله، وقد بلغني أنك شمت بما لا يشمت به ذوو الحجى، وإنما مثلك في ذلك كما قال الأوّل:
وقل للذي يبغي «١» خلاف الذي مضى ... تجهز لأخرى مثلها فكأن قد
وإنا ومن قد مات منا لكالذي ... يروح ويمسي في المبيت ليغتدي (٢٣)
فأجابه معاوية:
أما بعد، فقد وصل كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، ولقد علمت بما حدث فلم أفرح ولم أحزن ولم أشمت ولم آس «٢» ، وإن علي بن أبي طالب كما قال أعشى بني قيس بن ثعلبة:
وأنت الجواد وأنت الذي ... إذا ما القلوب ملأن الصدورا «٣»
جدير بطعنة يوم اللقا ... ء تضرب منها النساء النحورا
وما مزبد من خليج البحا ... ر يعلو الإكام ويعلو الجسورا «٤»
بأجود منه بما عنده ... فيعطي الألوف ويعطى البدورا
قال: وكتب عبد الله بن العباس من البصرة إلى معاوية «٥» :
أما بعد، فإنك ودسّك أخا بني قين إلى البصرة تلتمس من غفلات قريش مثل الذي ظفرت به من يمانيتك لكما قال أمية بن الأسكر «٦» :
لعمرك إني والخزاعيّ طارقا ... كنعجة عاد حتفها تتحفّر «٧»
стр. 60
أثارت عليها شفرة بكراعها ... فظلّت بها من آخر الليل تنحر
شمتّ بقوم من «١» صديقك أهلكوا ... أصابهم يوم من الدهر أصفر «٢»
فأجابه معاوية:
أما بعد، فإن الحسن بن علي قد كتب إليّ بنحو ما كتبت به، وأنبأني بما لم أجز «٣» ظنا وسوء رأي، وإنك لم تصب مثلكم ومثلي ولكن مثلنا ما قاله طارق الخزاعي يجيب أمية عن هذا الشعر «٤» :
فو الله ما أدري وإني لصادق ... إلى أيّ من يظنّني «٥» أتعذّر
أعنّف أن كانت زبينة أهلكت ... ونال بني لحيان شرّ فأنفروا «٦»
قال أبو الفرج:
وكان أوّل شيء أحدث الحسن أنه زاد المقاتلة «٧» مائة مائة، وقد كان عليّ فعل ذلك يوم الجمل، والحسن فعله على حال الاستخلاف، فتبعه الخلفاء من بعد ذلك.
وكتب الحسن إلى معاوية مع جندب «٨» بن عبد الله الأزدي:
بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله الحسن أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان، سلام عليك،
стр. 61
فإني أحمد الله الذي لا إله إلّا هو، أما بعد: فإن الله تعالى بعث محمدا (ص) رحمة للعالمين، ومنّة على المؤمنين، وكافة إلى الناس أجمعين لينذر من كان حيّا ويحقّ القول على الكافرين «١» فبلغ رسالات الله، وقام على أمر الله حتى توفّاه الله غير مقصر ولا وان، حتى أظهر الله به الحق، ومحق به الشرك، ونصر به المؤمنين، وأعزّ به العرب، وشرف به قريشا خاصّة، فقال تعالى: وإنّه لذكر لك ولقومك «٢» فلما توفي (ص) تنازعت سلطانه العرب فقالت قريش: نحن قبيلته وأسرته وأولياؤه، ولا يحل لكم أن تنازعونا سلطان محمد في الناس وحقّه، فرأت العرب أن القول كما قالت قريش، وأن الحجة لهم في ذلك على من نازعهم امر محمد (ص) فأنعمت «٣» لهم العرب وسلّمت ذلك، ثم حاججنا نحن قريشا بمثل ما حاجّت به العرب، فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب لها، إنهم أخذوا هذا الأمر دون العرب بالانتصاف والاحتجاج فلما صرنا أهل بيت محمد وأوليائه إلى محاجّتهم، وطلب النّصف منهم باعدونا، واستولوا بالاجتماع على ظلمنا ومراغمتنا، والعنت منهم لنا، فالموعد الله، وهو الولي النصير.
وقد تعجبنا لتوثب المتوثبين علينا في حقنا، وسلطان نبيّنا (ص) وإن كانوا ذوي فضيلة وسابقة في الإسلام، فأمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدين أن يجد المنافقون والأحزاب بذلك مغمزا يثلمونه به، أو يكون لهم بذلك سبب لما أرادوا به من فساده، فاليوم فليعجب المتعجب من توثّبك يا معاوية على أمر لست من أهله، لا بفضل في الدين معروف، ولا أثر في الإسلام محمود، وأنت ابن حزب من الأحزاب، وابن أعدى قريش لرسول الله (ص) ، ولكنّ الله خيّبك وستردّ فتعلم لمن عقبى الدار، تالله لتلقينّ عن قليل ربّك، ثم ليجزينّك بما قدمت يداك، وما الله بظلّام للعبيد.
إن عليا- رضوان الله عليه- لما مضى لسبيله- رحمة الله عليه- يوم
стр. 62
قبض، ويوم من الله عليه بالإسلام، ويوم يبعث حيا- ولانّي المسلمون الأمر بعده، فأسأل الله أن لا يزيدنا في الدنيا الزائلة شيئا ينقصنا به في الآخرة مما عنده من كرامته، وإنما حملني على الكتاب إليك الإعذار فيما بيني وبين الله في أمرك، ولك في ذلك إن فعلت الحظّ الجسيم، وللمسلمين فيه صلاح، فدع التمادي في الباطل وادخل فيما دخل فيه الناس من بيعتي، فإنك تعلم أني أحق بهذا الأمر منك عند الله وعند كل أوّاب حفيظ، ومن له قلب منيب، واتّق الله، ودع البغي، واحقن دماء المسلمين، فو الله ما لك من خير في أن تلقى الله من دمائهم بأكثر مما أنت لاقيه به، فادخل في السلم والطاعة، ولا تنازع الأمر أهله، ومن هو أحق به منك، ليطفئ الله النّائرة «١» بذلك، وتجمع الكلمة، وتصلح ذات البين، وإن أنت أبيت إلّا التمادي في غيك نهدت «٢» إليك بالمسلمين، فحاكمتك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين «٣» .
فكتب إليه معاوية:
بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله أمير المؤمنين إلى الحسن بن علي، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلّا هو، أما بعد، فقد بلغني كتابك، وفهمت ما ذكرت به رسول الله (ص) من الفضل، وهو أحق الأولين والآخرين بالفضل، كلّه، قديمه وحديثه، وصغيره وكبيره، فقد والله بلّغ فأدى، ونصح وهدى، حتى أنقذ الله به من التّهلكة، وأنار به من العمى، وهدى به من الضلالة، فجزاه الله أفضل ما جزى نبيا عن أمته، وصلوات الله عليه يوم ولد ويوم قبض ويوم يبعث حيا.
стр. 63
وذكرت وفاة النبي (ص) ، وتنازع المسلمين من بعده، فرأيتك صرحت بتهمة أبي بكر الصديق، وعمر الفاروق، وأبي عبيدة الأمين، وحواري الرسول (ص) ، وصلحاء المهاجرين والأنصار، فكرهت ذلك لك، فإنك امرؤ عندنا وعند الناس غير ظنين، ولا المسيء ولا اللئيم، وأنا أحب لك القول السديد والذكر الجميل.
إن هذه الأمة لما اختلفت بعد نبيها لم تجهل فضلكم، ولا سابقتكم ولا قرابتكم من النبي (ص) ، ولا مكانتكم في الإسلام وأهله، فرأت الأمة أن تخرج من هذا الأمر لقريش لمكانها من نبيها، ورأى صلحاء الناس من قريش والأنصار وغيرهم من سائر الناس وعامتهم أن يولوا هذا الأمر من قريش أقدمها إسلاما وأعلمها بالله وأحبها له وأقواها على أمر الله، واختاروا أبا بكر، وكان ذلك رأي ذوي الحجى والدين والفضيلة والناظرين للأمة، فأوقع ذلك في صدوركم لهم التهمة، ولم يكونوا بمتهمين، ولا فيما أتوا بمخطئين، ولو رأى المسلمون فيكم من يغني غناءه أو يقوم مقامه، أو يذب عن حريم المسلمين ذبه، ما عدلوا بذلك الأمر إلى غيره رغبة عنه، ولكنهم عملوا في ذلك بما رأوه صلاحا للإسلام وأهله، فالله يجزيهم عن الإسلام وأهله خيرا.
وقد فهمت الذي دعوتني إليه من الصلح، والحال فيما بيني وبينك اليوم مثل الحال التي كنتم عليها أنتم وأبو بكر بعد النبي (ص) ، ولو علمت أنك أضبط مني للرعية، وأحوط على هذه الأمة، وأحسن سياسة، وأقوى على جمع الأموال وأكيد للعدو، لأجبتك إلى ما دعوتني إليه، ورأيتك لذلك أهلا، ولكني قد علمت أني أطول منك ولاية، وأقدم منك لهذه الأمة تجربة، وأكثر منك سياسة، وأكبر منك سنا، فأنت أحق أن تجيبني إلى هذه المنزلة التي سألتني، فأدخل في طاعتي ولك الأمر من بعدي، ولك ما في بيت مال العراق من مال بالغا ما بلغ تحمله إلى حيث أحببت ولك خراج أي كور العراق شئت، معونة لك على نفقتك، يجيبها لك أمينك، ويحملها إليك في كل سنة، ولك ألا يستولى عليك بالإساءة ولا تقضي دونك الأمور، ولا تعصى في أمر أردت به طاعة الله ، أعاننا الله وإيّاك على طاعته إنه سميع مجيب الدعاء، والسلام.
стр. 64
قال جندب:
فلما أتيت الحسن بن علي بكتاب معاوية قلت له: إن الرجل سائر إليك، فابدأ أنت بالمسير حتى تقاتله في أرضه وبلاده وعمله، فأما أن تقدر أنه يتناولك فلا والله حتى يرى يوما أعظم من يوم صفين، فقال: أفعل، ثم قعد عن مشورتي وتناسى قولي «١» .
قال: وكتب معاوية إلى الحسن بن علي.
بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، فإن الله يفعل في عباده ما يشاء، لا معقّب لحكمه وهو سريع الحساب «٢» فاحذر أن تكون منيّتك على يد رعاع من الناس، وايئس من أن تجد فينا غميزة «٣» ، وإن أنت أعرضت عمّا أنت فيه وبايعتني وفيت لك بما وعدت، وأجزت لك ما شرطت، وأكون في ذلك كما قال أعشى بني قيس بن ثعلبة:
وإن أحد أسدى إليك أمانة ... فأوف بها تدعى إذا متّ وافيا
ولا تحسد المولى إذا كان ذا غنى ... ولا تجفه إن كان في المال فانيا
ثم الخلافة لك من بعدي، فأنت أولى الناس بها، والسلام.
فأجابه الحسن بن علي:
بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، وصل إليّ كتابك تذكر فيه ما ذكرت، فتركت جوابك خشية البغي عليك، وبالله أعوذ من ذلك، فاتبع الحق تعلم أني من أهله، وعليّ إثم أن أقول فأكذب، والسلام «٤» .
стр. 65
فلما وصل كتاب الحسن إلى معاوية قرأه، ثم كتب إلى عماله على النواحي نسخة واحدة:
بسم الله الرحمن الرحيم من معاوية أمير المؤمنين إلى فلان بن فلان ومن قبله من المسلمين، سلام عليكم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلّا هو، أما بعد، فالحمد لله الذي كفاكم مؤنة عدوكم وقتلة خليفتكم، إن الله بلطفه وحسن صنعه أتاح لعلي بن أبي طالب رجلا من عباده. فاغتاله فقتله، فترك أصحابه متفرقين مختلفين، وقد جاءتنا كتب أشرافهم وقادتهم يلتمسون الأمان لأنفسهم وعشائرهم، فاقبلوا إليّ حين يأتيكم كتابي هذا بجندكم وجهدكم وحسن عدتكم، فقد أصبتم بحمد الله الثأر، وبلغتم الأمل، وأهلك الله أهل البغي والعدوان، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته «١» .
قال: فاجتمعت العساكر إلى معاوية بن أبي سفيان، وسار قاصدا إلى العراق وبلغ الحسن خبر مسيره، وأنه بلغ [جسر] منبج، فتحرّك لذلك، وبعث حجر بن عديّ يأمر العمال والناس بالتهيؤ للمسير، ونادى المنادي:
الصلاة جامعة، فأقبل الناس يثوبون ويجتمعون، فقال الحسن: إذا رضيت جماعة الناس فأعلمني، وجاء سعيد بن قيس الهمداني، فقال: اخرج، فخرج الحسن- ﵇ فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
أما بعد، فإن الله كتب الجهاد على خلقه، وسمّاه كرها «٢» .
ثم قال لأهل الجهاد من المؤمنين واصبروا إن الله مع الصابرين «٣» ، فلستم أيّها الناس نائلين ما تحبون، إلّا بالصبر على ما تكرهون، إنه بلغني أن معاوية بلغه أنا كنا أزمعنا على المسير إليه، فتحرك لذلك، فأخرجوا- رحمكم الله- إلى معسكركم بالنخيلة [حتى ننظر وتنظروا ونرى وتروا] .
стр. 66
قال: وإنه في كلامه ليتخوف خذلان الناس إيّاه. قال: فسكتوا فما تكلّم منهم أحد، ولا أجاب بحرف.
فلما رأى ذلك عدي بن حاتم قال:
أنا ابن حاتم، سبحان الله، ما أقبح هذا المقام؟ ألا تجيبون إمامكم، وابن بنت نبيكم، أين خطباء مضر؟ أين المسلمون؟ أين الخوّاضون من أهل المصر الذين ألسنتهم كالمخاريق «١» في الدعة، فإذا جدّ الجدّ فروّاغون كالثعالب، أما تخافون مقت الله، ولا عيبها وعارها.
ثم استقبل الحسن بوجهه فقال:
أصاب الله بك المراشد، وجنّبك المكاره، ووفقك لما يحمد ورده وصدره، فقد سمعنا مقالتك، وانتهينا إلى أمرك، وسمعنا منك، وأطعناك فيما قلت وما رأيت، وهذا وجهي إلى معسكري، فمن أحب أن يوافيني فليوافي.
ثم مضى لوجهه، فخرج من المسجد ودابته بالباب، فركبه ومضى إلى النّخيلة، وأمر غلامه أن يلحقه بما يصلحه، وكان عدي أول الناس عسكرا.
ثم قام قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري ومعقل بن قيس الرياحي، وزياد بن صعصعة التيمي «٢» فأنّبوا الناس ولاموهم وحرضوهم، وكلموا الحسن بمثل كلام عدي بن حاتم في الإجابة والقبول.
فقال لهم الحسن: صدقتم- رحمكم الله- ما زلت أعرفكم بصدق النية، والوفاء بالقول والمودة الصحيحة، فجزاكم الله خيرا ثم نزل.
وخرج الناس، فعسكروا، ونشطوا للخروج، وخرج الحسن إلى معسكره، واستخلف على الكوفة المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وأمره باستحثاث الناس وإشخاصهم إليه، فجعل يستحثهم ويخرجهم، حتى التأم العسكر] «٣» .
стр. 67
ثم إن الحسن بن علي سار في عسكر عظيم وعدة حسنة حتى أتى دير عبد الرحمن فأقام به ثلاثا حتى اجتمع الناس، ثم دعا عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب فقال له:
يابن عم، إني باعث معك اثنا عشر ألفا من فرسان العرب وقراء المصر، الرجل: منهم يزن «١» الكتيبة فسر بهم، وألن لهم جانبك، وابسط وجهك، وافرش لهم جناحك، وادنهم من مجلسك فإنهم بقية ثقة أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وسرّ بهم على شط الفرات حتى تقطع بهم الفرات، ثم تصير إلى مسكن، ثم امض حتى تستقبل معاوية، فإن أنت لقيته فاحبسه حتى آتيك فإني في إثرك وشيكا، وليكن «٢» خبرك عندي كل يوم، وشاور هذين، يعني قيس ابن سعد، وسعيد بن قيس، فإذا لقيت معاوية فلا تقاتله حتى يقاتلك، فإن فعل فقاتل، فإن أصبت فقيس بن سعد على الناس، وإن أصيب قيس فسعيد بن قيس على الناس، ثم أمره بما أراد.
وسار عبيد الله حتى انتهى إلى شينور حتى خرج إلى شاهي، ثم لزم الفرات والفالوجة حتى أتى مسكن.
وأخذ الحسن على حمّام عمر، حتى أتى دير كعب، [ثم بكّر] فنزل ساباط دون القنطرة فلما أصبح نادى في الناس: الصلاة جامعة، فاجتمعوا، وصعد المنبر، فخطبهم، فحمد الله فقال «٣» :
الحمد لله كلما حمده حامد، وأشهد أن لا إله إلّا الله كلما شهد له شاهد، وأشهد أن محمدا رسول الله أرسله بالحق، وائتمنه على الوحي (ص) .
أما بعد، فو الله إني لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد الله ومنه وأنا أنصح خلق الله لخلقه، وما أصبحت محتملا على مسلم ضغينة ولا مريدا له سوءا ولا غائلة، ألا وإن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة،
стр. 68
ألا وإني ناظر لكم خيرا من نظركم لأنفسكم، فلا تخالفوا أمري، ولا تردوا عليّ رأيي، غفر الله لي ولكم وأرشدني وإيّاكم لما فيه المحبة والرضا.
قال: فنظر الناس بعضهم إلى بعض، وقالوا: ما ترونه، يريد [بمال قال] ؟ قالوا: نظنه والله يريد أن يصالح معاوية ويسلم الأمر إليه، فقالوا:
كفر والله الرجل ثم شدّوا على فسطاطه فانتهبوه حتى أخذوا مصلّاه من تحته، ثم شد عليه عبد الرحمن بن عبد الله بن جعال الأزدي، فنزع مطرفه عن عاتقه، فبقي جالسا متقلدا السيف بغير رداء، ثم دعا بفرسه فركبه، وأحدق به طوائف من خاصّته وشيعته، ومنعوا منه من أراده، ولاموه وضعّفوه لما تكلم به، فقال: ادعوا لي ربيعة وهمدان، فدعوا له، فأطافوا به، ودفعوا الناس عنه، ومعهم شوب «١» من غيرهم، فقام إليه رجل من بني أسد من بني نصر بن قعين يقال له الجراح بن سنان، فلما مرّ في مظلم ساباط قام إليه، فأخذ بلجام بلغته وبيده معول، فقال: الله أكبر يا حسن، أشركت كما أشرك أبوك [من قبل] ، ثم طعنه، فوقعت الطعنة في فخذه، فشقته حتى بلغت أربيّته «٢» فسقط الحسن إلى الأرض بعد أن ضرب الذي طعنه بسيف كان بيده وأعتنقه، وخرا جميعا إلى الأرض، فوثب عبد الله بن الخطل «٣» فنزع المعول من يد [جراح بن سنان] فخضخضه به، وأكبّ ظبيان بن عمارة عليه، فقطع أنفه ثم أخذوا الآجرّ «٤» فشدّخوا وجهه ورأسه، حتى قتلوه.
وحمل الحسن على سرير إلى المدائن، وبها سعد «٥» بن مسعود الثقفي واليا عليها من قبله، وكان علي ولّاه فأقره الحسن بن علي، [فأقام عنده يعالج نفسه] «٦» .
قال: ثم إن معاوية وافى حتى نزل قرية يقال لها الحبوبيّة «٧» بمسكن،
стр. 69
فأقبل عبد الله بن العباس حتى نزل بإزائه، [فلما كان من غد وجه معاوية بخيله إليه فخرج إليهم عبيد الله بن العباس فيمن معه، فضربهم حتى ردهم إلى معسكرهم] «١» ، فلما كان الليل أرسل معاوية إلى عبيد الله بن العباس أن الحسن قد راسلني «٢» ، في الصلح وهو مسلم الأمر إليّ، فإن دخلت في طاعتي الآن كنت متبوعا، وإلّا دخلت وأنت تابع، ولك إن جئتني الآن أن أعطيك ألف ألف درهم، يعجّل [لك] في هذا الوقت النصف، وإذا دخلت الكوفة النصف الآخر، فانسلّ عبيد الله ليلا، فدخل عسكر معاوية، فوفى له بما وعده، فأصبح الناس ينتظرون أن يخرج فيصلّي بهم، فلم يخرج حتى أصبحوا، فطلبوه فلم يجدوه، فصلّى بهم قيس بن سعد [بن عبادة] ، ثم خطبهم فقال:
أيّها الناس، لا يهولنكم ولا يعظمن عليكم ما صنع هذا الرجل الوله الورع «أي الجبان» إن هذا وأباه وأخاه لم يأتوا بيوم خير قط، إن أباه عمّ رسول الله (ص) ، فأخذ فداءه فقسمه بين المسلمين، وإن أخاه ولّاه علي أمير المؤمنين على البصرة فسرق مال الله ومال المسلمين، فاشترى به الجواري، وزعم أن ذلك له حلال، وإن هذا ولّاه على اليمن، فهرب من بسر بن أرطأة وترك ولده حتى قتلوه، وصنع الآن هذا الذي صنع.
قال فتنادى الناس: الحمد لله الذي أخرجه من بيننا، فانهض بنا إلى عدوّنا، فنهض بهم.
وخرج إليهم بسر بن أرطاة في عشرين ألفا، فصاحوا بهم: هذا أميركم قد بايع، وهذا الحسن قد صالح فعلام تقتلون أنفسكم؟
فقال لهم قيس بن سعد [بن عبادة] : اختاروا إحدى اثنتين: إما القتال مع غير إمام، أو تبايعون بيعة ضلال، فقالوا: بل نقاتل بلا إمام، فخرجوا فضربوا أهل الشام حتى ردّوهم إلى مصافهم.
стр. 70
وكتب معاوية إلى قيس يدعوه ويمنّيه، فكتب إليه قيس «١» :
لا والله لا تلقاني أبدا إلّا وبيني وبينك الرمح.
فكتب إليه معاوية:
أما بعد، فإنما أنت يهودي ابن يهودي تشقي نفسك وتقتلها فيما ليس لك، فإن ظهر أحبّ الفريقين إليك نبذك وعزلك، وإن ظهر أبغضهما إليك نكّل بك وقتلك، وقد كان أبوك أوتر غير قوسه، ورمى غير غرضه، فأكثر الحزّ وأخطأ المفصل «٢» فخذله قومه، وأدركه يومه، فمات بحوران طريدا غريبا، والسلام.
فكتب إليه قيس بن سعد- ﵀:
أما بعد: فإنما أنت وثن [بن وثن] من هذه الأوثان، دخلت في الإسلام كرها، وأقمت عليه فرقا، وخرجت منه طوعا، ولم يجعل الله لك فيه نصيبا، لم يقدم إسلامك، ولم يحدث نفاقك، ولم تزل حربا لله ورسوله، وحزبا من أحزاب المشركين، فأنت عدوّ الله ورسوله والمؤمنين من عباده.
وذكرت أبي، ولعمري ما أوتر إلّا قوسه، ولا رمى إلّا غرضه، فشغب عليه من لا تشقّ غباره، ولا تبلغ كعبه، وكان امرأ مرغوبا عنه، مزهودا فيه.
وزعمت أني يهودي ابن يهودي، ولقد علمت وعلم الناس أني وأبي من أنصار الدين الذي خرجت منه، وأعداء الدين الذي دخلت فيه، وصرت إليه، والسلام.
فلما قرأ كتابه معاوية غاظه وأراد إجابته، فقال له عمرو: مهلا، إن كاتبته أجابك بأشد من هذا، وإن تركته دخل فيما دخل فيه الناس، فامسك عنه.
قال: وبعث معاوية عبد الله بن عامر، وعبد الرحمن بن سمرة إلى الحسن للصلح، فدعواه إليه، وزهّداه في الأمر، وأعطياه ما شرط له معاوية وإلّا يتبع
стр. 71
أحد بما مضى، ولا ينال أحد من شيعة علي بمكروه ولا يذكر علي إلّا بخير، وأشياء اشترطها الحسن.
فأجابه الحسن إلى ذلك، وانصرف قيس فيمن معه إلى الكوفة، وانصرف الحسن [إليها أيضا] «١» وأقبل معاوية قاصدا إلى الكوفة، واجتمع إلى الحسن وجوه الشيعة، وأكابر أصحاب أمير المؤمنين علي يلومونه ويبكون إليه جزعا ممّا فعله.
فحدّثني محمد بن الحسين الأشناني، وعلي بن العباس المقانعي «٢» قالا:
حدّثنا عباد بن يعقوب، قال: أخبرنا عمرو بن ثابت، عن الحسن بن حكم، عن عدي بن ثابت، عن سفيان بن الليل «٣» . وحدّثني محمد بن أحمد أبو عبيد «٤» ، قال: حدّثنا الفضل بن الحسن المصري «٥» قال: حدّثنا محمد بن عمروية «٦» قال: حدّثنا مكي بن إبراهيم، قال: حدّثنا السري بن إسماعيل، عن الشعبي، عن سفيان بن الليل، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، وأكثر اللفظ لأبي عبيد، قال:
أتيت الحسن بن علي حين بايع معاوية، فوجدته بفناء داره، وعنده رهط، فقلت: السلام عليك يا مذل المؤمنين، فقال: عليك السلام يا سفيان إنزل فنزلت، فعقلت راحلتي، ثم أتيته، فجلست إليه، فقال: كيف قلت يا سفيان [بن الليل] ؟ فقلت: السلام عليك يا مذل [رقاب] المؤمنين. فقال:
ما جرّ هذا منك إلينا؟.
فقلت: أنت والله- بأبي أنت وأمي- أذللت رقابنا حين أعطيت هذا الطاغية البيعة، وسلّمت الأمر إلى اللعين بن اللعين بن آكلة الأكباد، ومعك
стр. 72
مائة ألف كلهم يموت دونك. وقد جمع الله لك أمر الناس.
فقال: يا سفيان، إنا أهل بيت إذا علمنا الحق تمسّكنا به، وإني سمعت عليا يقول: سمعت رسول الله (ص) يقول: لا تذهب الليالي والأيام حتى يجتمع أمر هذه الأمة على رجل واسع السّرم، ضخم البلعوم، يأكل ولا يشبع «١» ، لا ينظر الله إليه، ولا يموت حتى لا يكون له في السماء عاذر، ولا في الأرض ناصر، وإنه لمعاوية، وإني عرفت أن الله بالغ أمره.
ثم أذّن المؤذن، فقمنا على حالب يحلب ناقة، فتناول الإناء، فشرب قائما [ثم سقاني] ، فخرجنا نمشي إلى المسجد، فقال لي: ما جاءنا بك يا سفيان؟
قلت: حبكم، والذي بعث محمدا للهدى ودين الحق. قال: فأبشر يا سفيان، فإني سمعت عليّا يقول: سمعت رسول الله (ص) يقول: يرد عليّ الحوض أهل بيتي ومن أحبهم من أمتي كهاتين، يعني السبّابتين. ولو شئت لقلت هاتين يعني السبابة والوسطى، إحداهما تفضّل على الأخرى، أبشر يا سفيان فإن الدنيا تسع البر والفاجر حتى يبعث الله إمام الحق من آل محمد ﵌. هذا لفظ أبي عبيد.
وفي حديث محمد بن الحسين، وعلي بن العباس بعض هذا الكلام موقوفا عن الحسن غير مرفوع إلى النبي (ص) إلّا في ذكر معاوية فقط «٢» .
(رجع الحديث إلى خبر الحسن ﵇ قال: وسار معاوية حتى نزل النّخيلة، وجمع الناس بها فخطبهم قبل أن يدخل الكوفة خطبة طويلة لم ينقلها أحد من الرواة تامة، وجاءت مقطعة في الحديث، وسنذكر ما انتهى إلينا من ذلك.
فحدّثني أحمد بن عبيد الله بن عمّار، قال: حدّثني أحمد بن بشر «٣» عن الفضل بن الحسن وعيسى بن مهران، قالوا: حدّثنا علي بن الجعد، قال:
стр. 73
حدّثنا قيس بن الربيع، عن عطاء بن السائب. عن الشعبي، قال:
خطب معاوية حين بويع له فقال:
ما اختلفت أمة بعد نبيها إلّا ظهر أهل باطلها على أهل حقّها، ثم إنه انتبه فندم، فقال: إلّا هذه الأمة فإنها وإنها.
حدّثني أبو عبيد، قال: حدّثني الفضل المصري، قال: حدّثنا يحيى بن معين، قال: حدّثنا أبو أسامة، عن مجالد، عن الشعبي بهذا. حدّثني علي بن العباس المقانعي، قال: أخبرنا جعفر بن محمد بن الحسين الزهري، قال:
حدّثنا حسن بن الحسين، عن عمرو بن ثابت، عن أبي إسحاق، قال:
سمعت معاوية بالنخيلة يقول:
ألا إن كل شيء أعطيته الحسن بن علي تحت قدمي هاتين لا أفي به.
قال أبو إسحاق: وكان والله غدّارا «١» .
حدّثني أبو عبيد، قال: حدّثنا الفضل المصري، قال: حدّثني عثمان «٢» بن أبي شيبة قال: [حدّثني أبو معاوية، عن الأعمش، وحدّثني أبو عبيد، قال: حدّثنا فضل، قال] حدّثنا عبد الرحمن بن شريك. قال حدّثنا «٣» أبي عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن سويد قال:
صلّى بنا معاوية بالنّخيلة الجمعة في الصحن، ثم خطبنا فقال:
إني والله ما قاتلتكم لتصلّوا، ولا لتصوموا، ولا لتحجوا، ولا لتزكوا، إنكم لتفعلون ذلك. وإنما قاتلتكم لأتأمّر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون.
قال شريك في حديثه: هذا هو التهتّك «٤» .
стр. 74
حدّثني أبو عبيد، قال: حدّثنا فضل، قال: حدّثني يحيى بن معين، قال: حدّثنا أبو حفص الأبار «١» ، عن إسماعيل بن عبد الرحمن، وشريك بن أبي خالد، وقد روى عنه إسماعيل بن أبي خالد، عن حبيب بن أبي ثابت، قال:
لما بويع معاوية خطب فذكر عليا، فنال منه، ونال من الحسن، فقام الحسين ليردّ عليه فأخذ الحسن بيده فأجلسه، ثم قام فقال «٢» :
أيّها الذاكر عليا، أنا الحسن، وأبي علي، وأنت معاوية، وأبوك صخر، وأمي فاطمة، وأمك هند، وجدي رسول الله (ص) ، وجدك حرب، وجدتي خديجة، وجدتك قتيلة، فلعن الله أخملنا ذكرا، وألأمنا حسبا، وشرنا قدما، وأقدمنا كفرا ونفاقا.
فقال طوائف من أهل المسجد: آمين. قال فضل: فقال يحيى بن معين: ونحن نقول: آمين. قال أبو عبيد: ونحن أيضا نقول: آمين. [قال أبو الفرج: وأنا أقول: آمين] .
قال: ودخل معاوية الكوفة بعد فراغه من خطبته بالنخيلة، وبين يديه خالد بن عرفطة، ومعه رجل يقال له حبيب بن عمار «٣» يحمل رايته حتى دخل الكوفة، فصار إلى المسجد، فدخل من باب الفيل، فاجتمع الناس إليه.
فحدّثني أبو عبيد الصيرفي، وأحمد بن عبيد الله بن عمّار، قالا: حدّثنا محمد بن علي بن خلف، قال: حدّثني محمد بن عمرو الرازي، قال: حدّثنا مالك بن شعير، عن محمد بن عبد الله الليثي، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، قال:
بينما علي- ﵇ على المنبر، إذ دخل رجل فقال: يا أمير المؤمنين، مات خالد بن عرفطة، فقال: لا والله ما مات. [إذ دخل رجل آخر فقال: يا أمير المؤمنين، مات خالد بن عرفطة، فقال: لا والله ما مات] ، إذ
стр. 75
دخل رجل آخر فقال: يا أمير المؤمنين، مات خالد بن عرفطة، فقال: لا والله ما مات ولا يموت حتى يدخل من باب هذا المسجد، «يعني باب الفيل» براية ضلالة يحملها [له] حبيب بن عمّار، قال فوثب رجل فقال: يا أمير المؤمنين أنا حبيب بن عمّار وأنا لك شيعة. قال: فإنه كما أقول. فقدّم خالد بن عرفطة «١» على مقدّمة معاوية يحمل رايته حبيب بن عمّار.
قال مالك: حدّثنا الأعمش بهذا الحديث، فقال: حدّثني صاحب هذا الدار- وأشار بيده إلى دار السائب أبي عطاء- أنه سمع عليا يقول هذه المقالة «٢» .
قالوا: ولما تم الصلح بين الحسن ومعاوية، أرسل إلى قيس بن سعد بن عبادة يدعوه إلى البيعة فأتى به، وكان رجلا طويلا يركب الفرس المسرف، ورجلاه تخطان في الأرض، وما في وجهه طاقة شعر، وكان يسمى خصي الأنصار، فلما أرادوا أن يدخلوه إليه قال: إني قد حلفت أن لا ألقاه إلّا وبيني وبينه الرمح أو السيف، فأمر معاوية برمح أو سيف فوضع بينه وبينه ليبر يمينه «٣» .
فحدّثني أحمد بن عيسى، قال: حدّثني أبو هاشم الرفاعي، قال: حدّثني وهب بن جرير، قال: حدّثنا أبي عن «٤» ابن سيرين عن عبيدة، وقد ذكر بعض ذلك في رواية أبي مخنف التي قدمنا إسنادها، قال:
لما صالح الحسن معاوية، اعتزل قيس بن سعد في أربعة آلاف وأبى أن يبايع، فلما بايع الحسن أدخل قيس بن سعد ليبايع. قال أبو مخنف في حديثه:
فأقبل على الحسن فقال: أنا في حل من بيعتك، قال: نعم، قال: فألقى لقيس كرسي، وجلس معاوية على سريره، فقال له معاوية: أتبايع [يا قيس] ؟ قال: نعم، فوضع يده على فخذه ولم يمدها إلى معاوية، فجثا معاوية
следующие страницы →