← История

История · id 12406

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم

ابن الجوزي

Полный текст (6 790 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

[المجلد الأول] بسم الله الرّحمن الرّحيم المقدمة ١- تعريف التاريخ وأهميته وفوائده وفروعه. ٢- ترجمة وافية لابن الجوزي. ٣- كتاب المنتظم: ومنهجه وأسلوبه ومصادره، وأهميته، ومختصراته والذيول عليه. ٤- عرض للمخطوطات التي تم الاستعانة بها واعتمادها في تحقيق الكتاب. ٥- منهج التحقيق. ٦- ثبت المراجع والمصادر المعتمدة عليها في التحقيق.

стр. 2

[مقدمة المحقق] بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ، رَبِّ الْعالَمِينَ. الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ. إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ. صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ. غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ. ١: ١- ٧ والْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا، وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا الله. ٧: ٤٣ وصلى الله على خيرته المصطفى لوحيه، المنتخب لرسالته، المفضل على جميع خلقه، بفتح رحمته، وختم نبوته، وأعم ما أرسل به مرسل قبله، المرفوع ذكره مع ذكره في الأولى، والشافع المشفع في الأخرى، أفضل خلقه نفسا، وأجمعهم لكل خلق رضيه في دين ودنيا، وخيرهم نسبا ودارا: محمد عبده ورسوله، وعلى آل محمد وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد: فإن الحمد للَّه تعالى أن أعاننا على إخراج هذا الكتاب الّذي يعدّ موسوعة تاريخية نادرة لم يسبق لها مثيل. وكيف لا وصاحبه هو واحد من أساطين المؤرخين الذين برعوا في هذا المجال وفي غيره من فروع العلم، ألا وهو مؤرخ القرن السادس الهجريّ الإمام عبد الرحمن بن علي المعروف بابن الجوزي ﵀ رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته. فقد عاش الإمام ابن الجوزي في فترة تميزت بتغيرات سياسية واجتماعية واسعة النطاق، تخللته أيضا تيارات فكرية مختلفة، فقد عاش ابن الجوزي في مركز الخلافة العباسية بغداد، وأدرك معظم القرن السادس الهجريّ، وبذلك يكون قد عايش ستة من الخلفاء العباسيين هم: المسترشد باللَّه والّذي تولى الخلافة العباسية من عام ٥١٢ هـ-

стр. 3

وحتى ٥٢٩ هـ-. ثم الراشد باللَّه في الفترة ما بين سنة ٥٢٩ هـ- وحتى ٥٣٢ هـ-. ثم المقتفي لأمر الله من ٥٣٢ هـ- وحتى ٥٥٥ هـ-. ثم المستنجد باللَّه من ٥٥٥ هـ- وحتى ٥٦٦ هـ-. ثم المستضيء بأمر الله من ٥٦٦ وحتى ٥٧٥ هـ-. ثم أخيرا الناصر لدين الله الّذي تولى الخلافة عام ٥٧٥ هـ- وحتى عام ٦٢٢ هـ- وتوفي ابن الجوزي أثناء خلافته في عام ٥٩٧ هـ-. فقد تميزت هذه الفترة بعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي والفكري فكانت مادة خصبة للتأريخ، فلم يضن على المكتبة العربية الإسلامية بالجهد، وشمّر عن ساعديه، وقدح زناد فكره، فقدّم لنا هذه الموسوعة التاريخية الهائلة التي هي بين أيدينا الآن بعد غياب قرون عديدة. فقد بذل فيه ابن الجوزي جهدا كبيرا لم تظفر به بقية مصنفاته إلى حدّ جعله يقوم باختصاره في كتاب آخر سمّاه «شذور العقود» [١] . وبعد جهد متواضع منّا دام سنوات ثلاثا في تحقيق هذا الكتاب أصبح الآن في متناول أيدي طلبة العلم، وأضيف إلى المكتبة الإسلامية درّة ثمينة غابت طويلا إلى أن كتب الله تعالى لها الظهور. وبعد: فنحن إذ نقدم لكتاب موسوعي مثل هذا لا بد في البداية أن نعرض للنقاط الرئيسية التي تشتمل عليها المقدمة وهي: ١- تعريف التاريخ وأهميته وفوائده وفروعه. ٢- ترجمة وافية للمؤلف. ٣- كتاب المنتظم: منهجه، وأسلوبه، ومصادره، وأهميته، مختصراته والذيول عليه. ٤- عرض للمخطوطات التي تم الاستعانة بها واعتمادها في تحقيق الكتاب. ٥- منهج التحقيق. ٦- ثبت المراجع والمصادر التي تم الاعتماد عليها في التحقيق. هذا وسنفرد جزءا- إن شاء الله- مستقلا للفهارس العلمية التي أعددناها والتي سنعرض لها في مقدمة الجزء الخاص بالفهارس.

стр. 4

نرجو من الله تعالى أن يتقبل منا هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، ويكون لنا لا علينا يوم القيامة، إنه قريب مجيب. ونأمل أن يحظى عملنا قبول طلبة العلم، وأن يجعل الله تعالى لهم فيه ضالتهم المنشودة، كما نرجو ممن تقع يده على خطأ أو زلة قلم أن يصححه ويلتمس لنا العذر، ويدعو الله أن يغفر لنا، فقد أبى الله تعالى أن يكمل إلا كتابه.

стр. 5

- ١- تعريف التاريخ وأهميته وفوائده وفروعه تعريف التاريخ لغة: قال السخاوي في «الإعلان بالتوبيخ» [١] : التاريخ لغة الإعلام بالوقت، يقال: أرخت الكتاب، وورخته، أي: بينت وقت كتابته. قال الجوهري: التاريخ تعريف الوقت، والتوريخ مثله، يقال: أرخت وورخت. وقيل: اشتقاقه من الأرخ- بفتح الهمزة وكسرها- وهو صغار الأنثى من بقر الوحش، لأنه شيء حدث كما يحدث الولد. قال أبو الفرج قدامة بن جعفر الكاتب في كتاب «الخراج» له: تاريخ كل شيء آخره، فيؤرخون بالوقت الّذي فيه حوادث مشهورة. تعريف التاريخ اصطلاحا: قال السخاوي في «الإعلان بالتوبيخ» : [٢] وفي الاصطلاح: التعريف بالوقت الّذي تضبط به الأحوال من مولد الرواة والأئمة، ووفاة، وصحة، وعقل، وبدن، ورحلة، وحج، وحفظ، وضبط، وتوثيق، وتجريح، وما أشبه هذا، مما مرجعه الفحص عن أحوالهم في ابتدائهم وحالهم واستقبالهم، ويلتحق به ما يتفق من الحوادث والوقائع الجليلة، من ظهور ملمة، وتجديد فرض، وخليفة، ووزير، وغزوة، وملحمة، وحرب، وفتح بلد وانتزاعه من متغلب عليه، وانتقال دولة، وربما يتوسع فيه لبدء الخلق وقصص

стр. 6

الأنبياء، وغير ذلك من أمور الأمم الماضية، وأحوال القيامة ومقدماتها مما سيأتي. أو دونها: كبناء جامع، أو مدرسة، أو قنطرة، أو رصيف، أو نحوها، مما يعم الانتفاع به مما هو شائع ومشاهد، أو خفي: سماوي: كجراد وكسوف وخسوف، أو أرضي: كزلزلة وحريق وسيل وطوفان وقحط وطاعون وموتان وغيرها من الآيات العظام والعجائب الجسام. والحاصل أنه فن يبحث فيه عن وقائع من حيثية التعيين والتوقيت، بل عما كان في العالم. أهمية التاريخ وفائدته: قال ابن الجوزي في مقدمة هذا الكتاب [١] : وللسير والتواريخ فوائد كثيرة أهمها فائدتان: إحداهما: أَنَّهُ إِن ذكرت سيرة حازم ووصفت عاقبة حاله، أفادت حسن التدبير واستعمال الحرم، أو سيرة مفرط ووصفت عاقبته أفادت الخوف من التفريط، فيتأدب المتسلط، ويعتبر المتذكر، ويتضمن ذَلِكَ شحذ صوارم العقول، ويكون روضة للمتنزه فِي المنقول. وَالثَّانِيَة: أَن يطلع بِذَلِكَ عَلَى عجائب الأمور وتقلبات الزمن وتصاريف القدر، وسماع الأخبار. وقال المسعودي [٢] : إنه علم يستمتع به العالم والجاهل، ويستعذب موقعه الأحمق والعاقل، فكل غريبة منه تعرف، وكل أعجوبة منه تستظرف، ومكارم الأخلاق ومعاليها منه تقتبس، وآداب سياسة الملوك وغيرها منه تلتمس، يجمع لك الأول والآخر، والناقص والوافر، والبادي والحاضر، والموجود والغابر، وعليه مدار كثير من الأحكام، وبه يتزين في كل محفل ومقام، وإنه حمله على التصنيف فيه وفي أخبار العالم محبة احتذاء المشاكلة التي قصدها العلماء وقفاها الحكماء، وأن يبقى في العالم ذكرا محمودا، وعلما منظوما عتيدا.

стр. 7

فروع علم التاريخ: قال السخاوي [١] : وأما التصانيف في التاريخ فكثيرة جدا، لا تدخل تحت الحصر، بحيث قال الحافظ العلاء مغلطاي الحنفي في كتاب «إصلاح ابن الصلاح» له فيما قرأته بخطه: رأيت من ملك نحوا من ألف تصنيف فيه. ثم قال السخاوي: ورأيت بخط المؤرخ العمدة أبي عبد الله الذهبي ما نصه: فنون التواريخ التي تدخل في تاريخي الكبير المحيط، ولم أنهض له، ولو عملته لجاء في ستمائة مجلد: ١- سيرة نبينا ﷺ . ٢- قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ٣- تاريخ الصحابة ﵃. ٤- تاريخ الخلفاء من الصحابة، ومن بني أمية، وبني العباس، ومعهم المروانية بالأندلس والعبيدية بالمغرب ومصر. ٥- تاريخ الملوك والدول والأكاسرة والقياصرة ومعهم ملوك الإسلام: كابن طولون، والإخشيد، وابن بويه، وابن سلجوق ونحوهم. وملوك خوارزم، والشام، وملوك التتار، ومن لقّب بالملك. ٦- تاريخ الوزراء أولهم: هارون ﵇، وأبو بكر وعمر، وطائفة. وبعضهم دخل في الأنبياء، وفي الخلفاء، وغير ذلك، وفي الملوك. ٧- تاريخ الأمراء، والأكابر، ونواب المماليك، وكبار الكتاب. ومنهم من الموقعين، وبعضهم أدباء وشعراء. ٨- تاريخ الفقهاء وأصحاب المذاهب، وأئمة الأزمنة، والفرضيين. ٩- تاريخ القراء بالسبع. ١٠- تاريخ الحفاظ. ١١- تاريخ مشيخة المحدثين وأئمتهم. ١٢- تاريخ المؤرخين.

стр. 8

١٣- تاريخ النحاة، والأدباء، واللغويين، والشعراء، والبلغاء، والعروضيين، والحسّاب. ١٤- تاريخ العباد، والزهاد، والأولياء، والصوفية، والنساك. ١٥- تاريخ القضاة، والولاة ومعهم تاريخ الشهود، والأمناء. ١٦- تاريخ المعلمين، والوراقين، والقصاص، والطرقية، والغرباء. ١٧- تاريخ الوعاظ، والخطباء، وقراء الأنغام، والندماء، والمطربين. ١٨- تاريخ الأشراف، والأجواد، والعقلاء، والأذكياء، والحكماء. ١٩- تاريخ الأطباء، والفلاسفة، والزنادقة، والمهندسين، ونحو ذلك. ٢٠- تاريخ المتكلمين، والجهمية، والمعتزلة، والأشعرية، والكرامية، والمجسمة. ٢١- تاريخ أنواع الشيعة، من الغلاة، والرافضة، وغير ذلك. ٢٢- تاريخ فنون الخوارج، والنواصب، وأنواع المبتدعة وأهل الأهواء. ٢٣- تاريخ أهل السنة من علماء الأمة، وصوفيتها، وفقهائها، ومحدثيها. ٢٤- تاريخ البخلاء، والطفيلية، والثقلاء، والأكلة، وذوي الحمق والخيلاء، والسفهاء. ٢٥- تاريخ الأضراء، والزمنى، والصم، والخرس، والحدبان. ٢٦- تاريخ المنجمين، والسحرة، والكيميائيين، والمطالبين والمشعوذين. ٢٧- تاريخ النسابين، والأخباريين، والأعراب. ٢٨- تاريخ الشجعان، والفرسان، والشطار، والسعاة. ٢٩- تاريخ التجار، وعجائب الأسفار، والبحار، وغرباء البحرية، والمجردين. ٣٠- تاريخ أولي الصنائع العجيبة، والرشقين في أشغالهم، واقتراحاتهم، وتوليدهم فنون الأعمال. ٣١- تاريخ الرهبان، وأولي الصوامع، والخلوات والأحوال الفاسدة.

стр. 9

٣٢- تاريخ الأئمة، والمؤذنين، والموقتين، والمعبرين، والعامة. ٣٣- تاريخ قطاع الطريق، والغداوية، ولعّاب الشطرنج والنرد والقمار. ٣٤- تاريخ الملاح، والعشاق، والمتيمين، والرقاصين، وشربة الخمور، والعرر، وأهل الخلاعة، والقيادة، والكذب، والأبنة. ٣٥- تاريخ أولي الدهاء والحزم والتدبير والرأي والخداع والحيل. ٣٦- تاريخ المنديين، والمخايلين، والصانعين، والفرشيين، والمخنثين، وأهل المجون، والمزاح، والتجر، والتلار، والكذب. ٣٧- تاريخ عقلاء المجانين، والموسوسين، والمتمرين، والمدمغين، والمطعومين. ٣٨- تاريخ السائلة، والشحاذين، والمتمنين، والحرافشة والجمرية. ٣٩- تاريخ قتلى القرآن والحب والسماع والفرع والحال. ٤٠- تاريخ الكهان، وأولي الخوارق والكشف الّذي كأنه كرامات، من الفسقة وغيرهم .

стр. 10

- ٢- الإمام ابن الجوزي مؤلف الكتاب [١] اسمه ولقبه ونسبه ومولده: هو عبد الرحمن بن علي بن محمد بن جعفر الجوزي. ينتهي نسبه إلى خليفة رسول الله ﷺ : أبي بكر الصديق ﵁ [٢] . فهو عربي أصيل، قرشي تيمي. واختلف في نسبة تقديما وتأخيرا، إلا أن أصح نسبة هي ما ضبطها سبطه في «مرآة الزمان» وهي: عبد الرحمن بن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حمادي بن أحمد بن محمد بن جعفر الجوزي بن عبد الله بن القاسم بن النصر بن القاسم بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القاسم بْن مُحَمَّد بْن أبي بكر الصديق ﵁ [٣] . يكنى ابن الجوزي بأبي الفرج، وكان يلقب وهو صغير بالمبارك، ثم لقب بجمال الدين، شيخ وقته، وإمام عصره، والحافظ المفسر، والفقيه الواعظ، والأديب [٤] . أما عن نسبة الجوزي- بفتح الجيم وسكون الواو وبعدها زاي- فقد اختلف فيها العلماء. فقيل: إن جد الأسرة قد عرف بهذه النسبة لسكناه في دار بواسط بها جوزة لم يكن بواسط جوزة سواها. وقيل: إن هذه النسبة ترجع إلى بيع الجوز، أو إلى مشرعة الجوز ببغداد، وقيل غير ذلك.

стр. 11

قال سبط ابن الجوزي في «مرآة الزمان» : ورأيت بخط ابن دحية المغربي قال: وجعفر الجوزي منسوب إلى فرضة من فرض البصرة يقال لها: جوزة [١] . ولد ابن الجوزي بدرب حبيب ببغداد [٢] ، واختلف المؤرخون في تاريخ ميلاده: فذهب البعض إلى أنه ولد في سنة ثمان وخمسمائة. وقيل: سنة تسع. وقيل: سنة عشر. ولكن ذكر سبطه في «مرآة الزمان» في حوادث عام ٥١٠ هـ-، قال: وفيها ولد جدي ﵀ على وجه الاستنباط لا على وجه التحقيق. وقال: سألته عن مولده غير مرة وفي كلها يقول: ما أحقق ولكنه يكون تقريبا في سنة ٥١٠ هـ-[٣] . وقال الدمياطيّ في «المستفاد من ذيل تاريخ بغداد» نقلا من خط ابن الجوزي قوله: لا أحقق مولدي، غير أنه مات والدي في سنة أربع عشرة، وقالت الوالدة: كان لك من العمر نحو ثلاث سنين [٤] . وكذلك وجد بخط ابن الجوزي في كتابه «لفتة الكبد في نصيحة الولد» إشارة إلى أنه صنّفه سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، وقال: ولي من العمر سبع عشرة سنة [٥] . وبذلك يتحقق لنا تحديد ميلاد ابن الجوزي في سنة إحدى عشرة وخمسمائة هجرية. نشأته العلمية ونبوغه: ينتمي ابن الجوزي إلى أسرة اشتغلت بالتجارة، فكان والده يتجر في النحاس، لأنه قد وجدت في بعض الأسماع لابن الجوزي لقب «الصفّار» نسبة إلى النحاس [٦] . ويقول ابن الجوزي في «نصيحة الولد» : واعلم يا بني أننا من أولاد أبي بكر الصديق، ثم تشاغل سلفنا بالتجارة والبيع والشراء [٧] .

стр. 12

وقال أيضا: واعلم يا بني أن أبي كان موسرا، وخلف ألوفا من المال [١] . ويوضح ابن الجوزي حاله منذ صغره فيقول: إن أبي مات وأنا لا أعقل، والأم لا تلتفت إليّ [٢] . فقد كان والده قد توفي، وله من العمر ثلاث سنين، وبقيت والدته على قيد الحياة، حيث سبقها إلى الموت بأيام في عام ٥٩٧ هـ-. ولما بلغ ابن الجوزي سن التمييز مضت به عمته [٣] إلى الشيخ أبي الفضل محمد بن ناصر، الفقيه اللغوي، الّذي تولى تعليم وتثقيف ابن الجوزي، فأحفظه القرآن والحديث. وساعده في الوصول إلى العلماء المتخصصين في شتى العلوم. ويقول ابن الجوزي عن هذه الفترة من حياته: إن أكثر الإنعام عليّ لم يكن بكسبي، وإنما هو تدبير اللطيف بي، فإنّي أذكر نفسي ولي همة عالية وأنا في المكتب ابن ست سنين، وأنا قرين الصبيان الكبار، وقد رزقت عقلا وافرا في الصغر. فما أذكر أني لعبت في الطريق مع الصبيان قط، ولاضحكت ضحكا خارجا، حتى إني كنت ولي سبع سنين أو نحوها أحضر رحبة الجامع، فلا أتخير حلقة مشبعة، بل أطلب المحدث، فيتحدث بالسير فأحفظ جميع ما أسمعه، وأذهب إلى البيت فأكتبه، ولقد وفق لي شيخنا أبو الفضل بن ناصر ﵀، وكان يحملني إلى الشيوخ، فأسمعني المسند وغيره من الكتب الكبار، وأنا لا أعلم ما يراد مني، وضبط لي مسموعاتي إلى أن بلغت، فناولني ثبتها، ولازمته إلى أن توفي ﵀، فنلت به معرفة الحديث والنقل، ولقد كان الصبيان ينزلون إلى دجلة ويتفرجون على الجسر، وأنا في زمن الصغر آخذ جزءا من القرآن وأقعد حجزة من الناس، فأتشاغل بالعلم [٤] . ولقد كان ابن الجوزي شغوفا محبا لطلب العلم مهما كلفه من عناء في طلبه، فهو يقول في ذلك: ولقد كنت في حلاوة طلبي للعلم ألقى من الشدائد ما هو عندي أحلى

стр. 13

من العسل لأجل ما أطلب وأرجو. كنت في زمان الصبا آخذ معي أرغفة يابسة فأخرج في طلب الحديث، وأقعد على نهر عيسى، فلا أقدر على أكلها إلا عند الماء، فكلما أكلت لقمة شربت عليها، وعين همتي لا ترى إلا لذة تحصيل العلم. وأثمر ذلك عندي من المعاملة ما لا يدرك بالعلم، حتى انني أذكر في زمان الصبوة ووقت الغلمة والعزبة قدرتي على أشياء كانت النفس تتوق إليها توقان العطشان إلى الماء الزلال، ولم يمنعني عنها إلا ما أثمر عندي من العلم من خوف الله ، ولولا خطايا لا يخلو منها البشر لكنت أخاف على نفسي من العجب [١] . وكانت مدينة بغداد يومئذ شأنها في كل عهودها العربية الإسلامية زاخرة بالمعاهد والعلماء، ولم تفتر فيها الحركة العلمية إطلاقا، فساعد ذلك ابن الجوزي على الاختلاف إلى شيوخه في وقت مبكر في حياته حدده بعضهم بعام ٥١٦ هـ-، وآخرون بعام ٥٢٠ هـ-. بيد أن ابن الجوزي كان أكثر تطرفا في هذا الشأن إذ ذكر سماعه على محمد بن محمد الخزيمي (ت ٥١٤ هـ-) وقال: «ورأيت من مجالسه أشياء قد علقت عنه فيها كلمات ولكن أكثرها ليس بشيء فيها أحاديث موضوعة وهذيانات فارغة يطول ذكرها» وكان عمره يومئذ في أكثر تقدير خمسة أعوام إذا أخذنا بتحديد ميلاده عام ٥٠٨ هـ-، وإلا فإن عمره- في هذا النص لو صح- لا يتجاوز الثلاث سنين، وهو أمر مستبعد. ولكنه من الثابت أنه أقبل على الدرس منذ نعومة أظفاره يدفعه إلى ذلك تشجيع ذويه وميوله الذاتية. وقد أكسبه حب العلم والإقبال عليه ثقافة واسعة مستمدة من معاهد العلم في بغداد، لأنه لم يخرج منها طيلة حياته إلا لأداء فريضة الحج وأخيرا نفيه إلى واسط، ومن ثم فإن ثقافته بغدادية خالصة، ولا يقدح بثقافته كونها لم تتجاوز حدود بغداد إلى غيرها من الحواضر الإسلامية، ذلك أن بغداد كانت ملتقى رجال العلم والفكر من شتى أنحاء العالم الإسلامي، ومن هنا فهي تمثل عالم الإسلام كله من أقصاه إلى أقصاه بلا استثناء [٢] . وليس أدلّ على أن ابن الجوزي يعد من أئمة عصره في شتى العلوم، من قول أئمة

стр. 14

النقد فيه فقد قال عنه الإمام الذهبي: وله في كل علم مشاركة، لكنه كان في التفسير من الأعيان، وفي الحديث من الحفاظ، وفي التاريخ من المتوسعين، ولديه فقه كاف، وأما السجع الوعظي فله فيه ملكة قوية [١] . فلم يقتصر ابن الجوزي على فن واحد من فنون العلم، فهو نفسه يقول: «ولم أقنع بفن واحد، بل كنت أسمع الفقه والحديث، وأتبع الزهاد، ثم قرأت العربية، ولم أترك أحدا ممن يروي ويعظ، ولا غريبا يقدم، إلا وأحضره وأتخير الفضائل» [٢] . ففي علم التفسير كان من الأعيان كما قال عنه الذهبي، فقد فسّر القرآن كله في مجلس الوعظ، كما قال: «ما عرفت واعظا فسر القرآن كله في مجلس الوعظ منذ نزل القرآن، فالحمد للَّه المنعم» [٣] وقد كان من أبرز ما ألّف ابن الجوزي في القرآن الكريم هو كتاب «زاد المسير في علم التفسير» ، و «المغني» . وفي علم الحديث كان من الحفاظ، فقد كتب الحديث وله إحدى عشرة سنة، وسمع قبل ذلك على حدّ قوله [٤] . قال أبو محمد الدبيثي: إليه معرفة الحديث وعلومه والوقوف على صحيحه وسقيمه، وله فيه المصنفات من المسانيد والأبواب والرجال ومعرفة ما يحتج به. وقال ابن الساعي في «الجامع المختصر» : روى الحديث عن خلق كثير وسمع الناس منه وانتفعوا به وكتب بخطه ما لا يدخل تحت الحصر، وخرج التخاريج، وجمع شيوخه، وأفرد المسانيد، وبيّن الأحاديث الواهية والضعيفة [٥] . وقد كان من أبرز مؤلفاته في الحديث: «جامع المسانيد» ، و «الحدائق» ، و «الموضوعات» . وفي الوعظ هو عالم العراق وواعظ الآفاق، فقد بدأ ابن الجوزي الوعظ في التاسعة من عمره، وهو سن مبكر يدل على ذاكرة واعية، وبديهة حاضرة، وذكاء حاد، ونبوغ مبكر، لأن وعظه في هذه السن كان له أثره، وكان يحضر مجلس وعظه الكثيرون، يسمعون له، ويتأثرون به، فيقول ابن الجوزي عن مدى تأثيره في الناس: «وضع الله لي

стр. 15

القبول في قلوب الخلق فوق الحد، وأوقع كلامي في نفوسهم، فلا يرتابون بصحته، وقد أسلم على يدي نحو مائتين من أهل الذمة، ولقد تاب في مجالسي أكثر من مائة ألف، وقد قطعت أكثر من عشرين ألف سالف مما يتعاناه الجهال» [١] . وفي حقيقة الأمر أن ابن الجوزي كواعظ يحتاج إلى دراسة متوسعة تتناول أسلوبه ومنهجه ونماذج من وعظه وأثر وعظه على المجتمع الّذي كان يعيش فيه، مما يجعلنا نقتصر في هذا المقام على مجرد الإشارة إلى ابن الجوزي الواعظ كجانب من جوانب نبوغه وعلمه فقط. قال ابن رجب: «إن مجالسه الوعظية لم يكن لها نظير، ولم يسمع بمثلها، وكانت عظيمة النفع، يتذكر بها الغافلون، ويتعلم منها الجاهلون، ويتوب فيها المذنبون، ويسلم فيها المشركون» [٢] . ولعل من أبرز ما كتبه في الوعظ: «التبصرة» ، و «المنتخب» ، و «المدهش» ، و «بحر الدموع» . أما في الفقه فلا بد وأن يكون فقيها، وكيف لا وهو الواعظ المفسر الحافظ، فهو حنبلي المذهب مجتهد في بعض الآراء، فمن أبرز ما ألّف في الفقه: «الإنصاف في مسائل الخلاف» و «عمدة الدلائل في مشهور المسائل» و «المذهب في المذهب» و «مسبوك الذهب» وغير ذلك. وفي التاريخ هو من المتوسعين، وليس أدل على ذلك من كتاب «المنتظم» هذا الّذي نحن بصدد التقديم له. كما أن كتب المناقب التي كتبها تعد موسوعة تاريخية متخصصة كل في موضوعة، منها «مناقب أحمد بن حنبل» ، و «مناقب بغداد» ، و «مناقب الحسن البصري» ، و «مناقب عمر بن الخطاب» ، و «مناقب عمر بن عبد العزيز» ، و «مناقب سفيان الثوري» وغيرها. هذا بالإضافة إلى نبوغه في الأدب واللغة والشعر، فقد قال الذهبي: «ونظم الشعر المليح وكتب بخطه ما لا يوصف، ورأى من القبول والاحترام ما لا مزيد عليه» [٣] .

стр. 16

الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية في عصر ابن الجوزي: عاش الإمام ابن الجوزي في القرن السادس الهجريّ، والّذي يعد من أهم القرون المؤثرة في الساحة العربية من الناحية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية، والّذي شهد اضطرابات سياسية واجتماعية وفكرية واسعة النطاق. فمن الناحية الاجتماعية كانت هناك اضطرابات اجتماعية خطيرة، فقد كان هناك تفاوت في المجتمع من حيث المستوى الاجتماعي، يرجع ذلك إلى اختلاف الدخول، فقد كانت هناك طبقة الأثرياء الذين يمتلكون الأموال الطائلة، بينما هناك من لا يجد قوت يومه، أدى ذلك إلى ظهور طبقة العيارين والشطار، الذين عاثوا في البلاد فسادا، وقد زاد من انتشارهم ضعف السلطة وعدم الاستقرار السياسي. وقد رأى ابن الجوزي بأم عينه اتساع الفتن الاجتماعية الناجمة من الصراعات الطائفية، ومن غارات البدو والقبائل على الآمنين، وهذه ناتجة من بعض ما أفرزه القلق والفوضى السائدان في القرن السادس الهجريّ الّذي سيطر فيه السلاجقة. وقد حفل كتاب «المنتظم» بأخبار الكثير من الحوادث المؤسفة والخطيرة التي كانت تتعرض إليها بغداد، بلا مبرر سوى الرضوخ الأهوج إلى بعض الرواسب التقليدية، كما كانت بعض المدن العراقية الأخرى عرضة لهجمات بعض القبائل المتمردة على النظام وتجرد قوافل الحجاج من الأموال والمتاع، وتعريض أرواحهم إلى الخطر [١] . أما الناحية السياسية فقد شهد عصر ابن الجوزي سقوط الدولة الفاطمية سنة ٥٦٧ هـ-، وقيام الدولة الأيوبية وتجديد شباب الخلافة العباسية في عهد الناصر لدين الله. أما الناحية الاقتصادية فقد كان لسوء توزيع الثروة بين الناس أثره الشديد على تنعم بعض الطبقات بالأموال الطائلة والثروات الكبيرة وحرمان الآخرين، مما أثر على ترابط المجتمع وعدم تماسكه. وعلى الرغم من ذلك فلم يكن هناك توازن بين دخول الناس والضرائب المفروضة عليهم، فقد تعسفت السلطة في جمع الضرائب من الناس على الرغم من سوء الأحوال الاقتصادية.

стр. 17

أما الناحية الفكرية فقد تميز عصر ابن الجوزي بكثرة العلماء والمفكرين، كما اتسع تيار الصوفية الّذي كان له اتجاهان: أحدهما التزهد والبعد عن مباهج الحياة، والآخر الشعوذة والتمسك بالخرافات والأساطير. وقد كان ابن الجوزي بحكم مذهبه الحنبلي المتشدد معاديا للمذاهب العقلية والفلسفية، مما أدى إلى وجود صراع بينهما. شيوخ ابن الجوزي: أخذ ابن الجوزي علومه من كبار علماء بغداد في عصره، وقد جمع شيوخه في «مشيخته» [١] ذكر منهم ستة وثمانين شيخا وثلاث شيخات. نذكر منهم ما يلي، مرتبة أسماؤهم على حروف المعجم: ١- إبراهيم بن دينار النهرواني، أبو حكيم. كان من العلماء العاملين بالعلم، زاهدا، عابدا، متواضعا، عالما بالفرائض. تولى المدرسة التي بناها عمرو بن الشمحل بالمأمونية، بعد وفاة شيخه. صنف كتاب «شرح النهاية» ولم يتمه. قال ابن الجوزي: قرأت عليه القرآن والمذهب والفرائض. توفي سنة ٥٥٦ هـ-. [٢] . ٢- أحمد بن أحمد المتوكلي. انفرد ابن الجوزي بالرواية عنه. قال ابن الجوزي: كان سماعه صحيحا، وسمعت منه الحديث، وكتب لي إجازة بخطه فذكر فيها نسبه الذي ذكرته. توفي في سنة ٥٢١ هـ-. [٣] ٣- أحمد بن الحسين بن أحمد بن محمد البغدادي، أبو العباس، المعروف بالعراقي. نزيل دمشق.

стр. 18

عالم بالقراءات، وسمع الحديث على العديد من العلماء. توفي في سنة ٥٨٨ هـ-. [١] ٤- أحمد بن عبيد الله بن محمد السلمي، أبو العز، المعروف بابن كادش العكبريّ. كان محدثا مكثرا، واتهمه بعض العلماء بالخلط. وتوفي في سنة ٥٢٦ هـ-. [٢] ٥- أحمد بن علي بن الحسن بن البناء، أبو غالب، البغدادي. المعروف بمسند العراق ومسند بغداد. سمع منه ابن الجوزي الحديث، وقال عنه: كان ثقة. توفي في عام ٥٢٧ هـ-. [٣] ٦- أحمد بن علي بن محمد بن المجلي البزاز، أبو السعود، البغدادي. سمع منه ابن الجوزي الحديث. وتوفي في سنة ٥٢٥ هـ-. [٤] ٧- أحمد بن محمد بن الحسن البغدادي، أبو سعد، البغدادي الأصبهاني. قال ابن الجوزي: سمعت منه الكثير ورأيت أخلاقه اللطيفة ومحاسنه الجميلة. توفي في سنة ٥٤٠ هـ-. [٥] ٨- أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي الفتح الدينَوَريّ، أبو بكر، البغدادي. كان من أئمة الحنابلة في بغداد، تفقه وسمع الحديث على جماعة من العلماء، وبرع في الفقه. توفي في سنة ٥٣٢ هـ-. [٦]

стр. 19

٩- أحمد بن محمد بن عبد القاهر الطوسي، أبو نصر. سمع منه ابن الجوزي، وابن ناصر. قال ابن الجوزي: سمعت منه الحديث وأجاز لي جميع رواياته وأنشدني أشعارا حسنة. توفي في سنة ٥٢٥ هـ-. [١] ١٠- أحمد بن منصور بن أحمد الصوفي، أبو نصر، الهمذاني. قال ابن الجوزي: كان حسن الصورة، مليح الشيبة، لطيف الخلقة مائلا إلى أهل الحديث والسنة، كثير التهجد. توفي في سنة ٥٣٦ هـ-. [٢] ١١- إسماعيل بن أحمد بن عمر السمرقندي، أبو القاسم. سمع من شيوخ بغداد ودمشق وغيرهم. قال ابن الجوزي: كان له يقظة ومعرفة بالحديث، وأملى بجامع المنصور زيادة على ثلاثمائة مجلس. توفي في سنة ٥٣٦ هـ-[٣] . ١٢- إِسْمَاعِيل بن أحمد بن محمود بن دوست، أبو البركات، الصوفي، المعروف بشيخ الشيوخ. كان جليل القدر مهيبا وقرا مصونا، سمع الحديث على جماعة من العلماء. توفي في سنة ٥٤١ هـ-[٤] . ١٣- الحسن بن أحمد بن محبوب، أبو علي القزاز. المتوفى عام ٥٥٠ هـ[٥] . ١٤- الْحُسَيْن بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الْوَهَّاب الدباس، البغدادي، أبو عبد الله، المعروف بالبارع.

стр. 20

كان فاضلا عارفا باللغة والأدب، وله شعر مليح. سمع منه ابن الجوزي الحديث. توفي عام ٥٤٣ هـ-[١] . ١٥- زاهر بن طاهر بن أبي عبد الرحمن الشحامي النيسابورىّ، أبو القاسم. مسند خراسان ونيسابور، كان إماما في الحديث مكثرا عالي الإسناد، صدوقا في الرواية لكنه يخل في الصلوات. توفي سنة ٥٣٣ هـ-[٢] . ١٦- سعد الله بن محمد بن علي بن أحمدي، البزاز، أبو البركات. توفي عام ٥٥٧ هـ-[٣] . ١٧- سعد الله بن نصر بن سعيد الدجاجي البغدادي، أبو الحسن. من أعيان الفقهاء الفضلاء وشيوخ الوعاظ النبلاء، كان لطيف الكلام حلو الإيراد، ملازما للمطالعة. كان يخالط الصوفية ويحضر معهم السماعات. توفي عام ٥٦٤ هـ-[٤] . ١٨- سعد الخير بن محمد بن سعد المغربي الأندلسي الأنصاري. كان فقيها عالما متقنا، وكان ثقة صحيح السماع. توفي سنة ٥٤١ هـ-[٥] . ١٩- سعيد بن أحمد بن الحسن بن عبد الله البناء، أبو القاسم. كان عالما بالحديث، قرأ عليه ابن الجوزي كثيرا من حديثه.

стр. 21

توفي سنة ٥٥٠ هـ-[١] . ٢٠- سلمان بن مسعود بن الحسين، القصّاب، الشحام، أبو محمد. كان سماعه صحيحا، قرأ عليه ابن الجوزي الحديث. توفي سنة ٥٥١ هـ-. [٢] ٢١- شهدة بنت أحمد- أبو نصر- بن الفرج، الدينَوَريّ البغدادي، المعروفة بفخر النساء، ومسندة العراق، والكاتبة. كانت من العلماء، وكتبت الخط الجيد، وسمع عليها خلق كثير، وكان لها السماع العالي، ألحقت فيه الأصاغر بالأكابر. توفيت سنة ٥٧٤ هـ-. [٣] ٢٢- صافي بن عبد الله الجمالي عتيق أبي عبد الله بن جردة. قرأ ابن الجوزي عليه الحديث، وكان شيخًا مليح الشيبة، ملازمًا للصلوات في جماعة. توفي سنة ٥٤٥ هـ-. [٤] ٢٣- طاهر بن محمد بن طاهر، المقدسي الهمذاني، أبو زرعة. كان من المشهورين بعلو الإسناد وكثرة السماع. توفي سنة ٥٦٦ هـ-. [٥] ٢٤- ظفر بن علي الهمذاني.

стр. 22

لم يعلم سنة وفاته ولا ميلاده، وقد ذكر ابن الجوزي في المشيخة أنه سمع منه سنة ٥٣٤ هـ-[١] . ٢٥- عبد الله بن علي بن أحمد بن عبد الله، المقرئ البغدادي، أبو محمد. شيخ المقرءين بالعراق أو مقرئ العراق. كان كثير التلاوة، لطيف الأخلاق، ظاهر الكياسة والظرافة، حسن المعاشرة للعوام والخواص [٢] . ٢٦- عبد الله بن محمد بن أبي بكر الشاشي، أبو محمد. كان فاضلا ظريف الشمائل مليح المحاورة، حسن العبارة. توفي سنة ٥٢٨ هـ-. [٣] ٢٧- عبد الأول بن عيسى بن شعيب السجزيّ الهروي، أبو الوقت. كان شيخا صالحا وصبورا على القراءة. توفي سنة ٥٥٣ هـ-. [٤] ٢٨- عبد الحق بن عبد الخالق. صرّح ابن الجوزي بالسماع منه سنة ٥٥٩ هـ-[٥] . ٢٩- عبد الخالق بن أحمد بن عبد القادر البغدادي، أبو الفرج، محدّث بغداد. كان من المكثرين سماعا وكتابة وله فهم وضبط ومعرفة بالنقل. توفي سنة ٥٤٨ هـ-. [٦]

стр. 23

٣٠- عبد الرحمن بن محمد بن عبد الواحد القزاز، أبو منصور القزاز الشيبانيّ البغدادي، المعروف بابن زريق. كان صالحا كثير الرواية، ساكتا قليل الكلام، خيرا سليما صبورا على العزلة، حسن الأخلاق. توفي سنة ٥٣٥ هـ-. [١] ٣١- عبد الملك بن عبد الله بن أبي سهل، أبو الفتح الكروخي. كان خيّرا صالحا صدوقا، ورعا ثقة. توفي سنة ٥٤٨ هـ-. [٢] ٣٢- عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن، أبو البركات الأنماطي البغدادي. محدّث بغداد. كان صحيح السماع ثقة ثبتا، جمع الفوائد وخرّج التخاريج. توفي سنة ٥٣٨ هـ-. [٣] ٣٣- علي بن أحمد بن الحسن بن عبد الباقي الموحد، أبو الحسن، المعروف بابن البقشلان. المتوفى سنة ٥٣٠ هـ-. [٤] ٣٤- علي بن الحسن الغزنوي الملقب بالبرهان، أبو الحسن. المتوفى سنة ٥٥١ هـ-[٥] . ٣٥- علي بن عبد الواحد بن أحمد، أبو الحسن، الدينَوَريّ. المتوفى سنة ٥٢١ هـ-[٦] .

стр. 24

٣٦- علي بن عبيد الله بن نصر بن السري، أبو الحسن الزغواني. أحد أعيان شيوخ الحنابلة. صاحب التاريخ. المتوفى سنة ٥٢٧ هـ-[١] . ٣٧- علي بن المبارك المقرئ الزاهد، المعروف بابن الفاعوس، أبو الحسن. المتوفى سنة ٥٢١ هـ-[٢] . ٣٨- علي بن محمد بن علي الزيتوني، أبو الحسن المعروف بالبراندسي، الحنبلي، المقرئ الفقيه، الضرير. كان من أهل القرآن. توفي سنة ٥٨٦ هـ-[٣] . ٣٩- علي بن محمد بن أبي عمر، البزاز الدباس، أبو الحسن. المتوفى سنة ٥٤٩ هـ-[٤] . ٤٠- علي بن محمد القزاز. ذكره ابن الجوزي في المشيخة [٥] . ٤١- عمر بن أبي الحسن البسطامي، أبو شجاع. كان حافظا مفسرا واعظا أديبا مفتيا. توفي سنة ٥٤٢ هـ-[٦] . ٤٢- عمر بن ظفر المغازلي، أبو حفص البغدادي. المقرئ المحدث الصالح. مفيد بغداد ومحدثها. المتوفى سنة ٥٤٢ هـ-. [٧] ٤٣- محمد بن الحسن بن علي بن الحسن، أبو غالب، الماوردي البصري. كان شيخا صالحا، سمع الحديث بالبصرة وبغداد وأصبهان. وتوفي سنة ٥٢٥ هـ-. [٨] ٤٤- محمد بن الحسين بن علي، أبو بكر المزوني الشيبانيّ.

стр. 25

كان إماما في القرآن والفرائض، وسمع الحديث من مشايخ عدة [١] . ٤٥- محمد بن أبي طاهر عبد الباقي الأنصاري، البصري البغدادي، أبو بكر. كان ثبتا حجة متقنا في علوم كثيرة، وله الإسناد العالي. توفي سنة ٥٣٥ هـ-. [٢] ٤٦- محمد بن عبد الله بن أحمد بن حبيب العامري، المعروف بابن الخبازة، أبو بكر. كان متكلما على طريقة المتصوفة، وله معرفة بالحديث والفقه. توفي سنة ٥٣٠ هـ-. [٣] ٤٧- محمد بْن عبد الباقي بْن أحمد بْن سلمان، أبو الفتح، المعروف بابن البطي، مسند العراق، المتوفى سنة ٥٦١ هـ-. [٤] ٤٨- محمد بن عبد الملك بن الحسن بن إبراهيم بن حيرون، أبو منصور، مقرئ العراق. كان ثقة وسماعه صحيح. وتوفي سنة ٥٣٩ هـ-[٥] . ٤٩- محمد بن عمر بن يوسف الارموي، أبو الفضل، المتوفى سنة ٥٤٧ هـ-[٦] . ٥٠- محمد بن ناصر بن محمد بن علي السلامي، البغدادي، أبو الفضل. محدث العراق، وحافظ بغداد، ومسندها. كان حافظا ضابطا متقنا ثقة لا مغمز فيه. توفي سنة ٥٥٠ هـ-[٧] .

стр. 26

٥١- هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بن الحصين الشيبانيّ، أبو القاسم، الكاتب. كان ثقة صحيح السماع، مسند العراقيين ومسند العراق. توفي سنة ٥٢٥ هـ-[١] . ٥٢- يحيى بن ثابت بن بندار البغدادي البقال، أبو القاسم. المتوفى سنة ٥٦٦ هـ-[٢] . إلى غير هؤلاء من الشيوخ الذين ذكرهم ابن الجوزي في مشيخته. مؤلفات ابن الجوزي: بدأ ابن الجوزي في التصنيف في وقت مبكر من عمره، إذ أنه بدأ التصنيف وعمره ثلاثة عشر عاما في الوعظ. وقد اختلف المؤرخون في عدد تصانيف ابن الجوزي، فقد قام الأستاذ عبد الحميد العلوجي ببليوغرافيا عن مؤلفات ابن الجوزي [٣] . أحصى فيها بدليل نقدي مقارن مرتب على حروف الهجاء حوالي ٥١٩ كتابا مما أوردته المصادر منسوبا لابن الجوزي ذاكرا مظان ذكرها أو وجودها وأرقام المخطوطات الباقي منها في مكتبات العالم المختلفة. واستدرك عليه زملاؤه الأساتذة: محمد الباقر، وهلال ناجي، وناجية عبد الله بعض المؤلفات التي لم يذكرها. وقد يرجع سبب الاختلاف في عدد مؤلفات ابن الجوزي إلى أن كثيرا من مؤلفاته تتضمن مختصرات لمؤلفات سابقة عليه أو تكميلها أو مختصرات لمؤلفات له. يتضح لنا ذلك من اختلاف أقوال ابن الجوزي نفسه في عدد مؤلفاته. فنجده يذكر في كتاب «دفع شبهة التشبيه» أن مؤلفاته قد بلغت وقت تأليفه هذا الكتاب: مائتين وخمسين مصنفا. وذكر في شعره أثناء سجنه في محنته أن مصنفاته قد بلغت ثلاثمائة مصنف [٤] .

стр. 27

وقد سئل مرة عن عدد مؤلفاته فقال: زيادة على ثلاثمائة وأربعين مصنفا منها ما هو عشرون مجلدا ومنها ما هو كرأس واحد [١] . وقد سئل الإمام ابن تيمية في الأجوبة المصرية عن الإمام ابن الجوزي فقال: كان الشيخ أبو الفرج مفتيا كثير التصنيف والتأليف، وله مصنّفات في أمور كثيرة حتى عددتها فرأيتها أكثر من ألف مصنّف، ورأيت بعد ذلك ما لم أره [٢] . وقد كانت كثرة تصانيفه سببا في نقد العلماء له وتصيّد أخطائه ووصفه بأنه كثير الغلط. ولكن نقل ابن رجب عنه قوله: «أنا مرتب ولست بمصنف» [٣] في معرض الدفاع عنه. وعلى أي حال فإنه لا ينتقص ذلك من حق ابن الجوزي ومن علمه، فلا يوجد مصنف بدون أخطاء. أما عن مؤلفاته فنذكر منها أهمها على سبيل المثال، وعلى من رغب في معرفتها على وجه التحديد الرجوع إلى كتاب العلوجي. ١- المغني في التفسير. ٢- تذكرة الأريب في تفسير الغريب. ٣- نزهة العيون النواظر في الوجوه والنظائر. ٤- فنون الأفنان في علوم عيون القرآن. ٥- ورد الأغصان في فنون الأفنان. ٦- عمدة الراسخ في معرفة المنسوخ والناسخ. ٧- غريب الغريب. ٨- زاد المسير في علم التفسير. ٩- منتقد المعتقد. ١٠- منهاج الوصول إلى علم الأصول.

стр. 28

١١- غوامض الإلهيات. ١٢- مسلك العقل. ١٣- منهاج أهل الإصابة. ١٤- الرد على المتعصب العنيد. ١٥- السر المصون. ١٦- دفع شبهة التشبيه. ١٧- جامع المسانيد بألخص الأسانيد. ١٨- الحدائق. ١٩- نفي النقل. ٢٠- المجتبى. ٢١- عيون الحكايات. ٢٢- إرشاد المريدين في حكايات السلف الصالحين. ٢٣- ملتقط الحكايات. ٢٤- التحقيق في أحاديث التعليق. ٢٥- مناقب بغداد. ٢٦- تلقيح فهوم أهل الأثر في عيون التواريخ والسير. ٢٧- طرائف الظرائف في تاريخ السوالف. ٢٨- شذور العقود في تاريخ العهود. ٢٩- المنتظم في تاريخ الملوك والأمم (وهو كتابنا هذا) . ٣٠- الإنصاف في مسائل الخلاف. ٣١- جنة النظر وجنة الفطر. ٣٢- معتصر المختصر في مسائل النظر. ٣٣- عمدة الدلائل في مشهور المسائل. ٣٤- رد اللوم والضيم في صوم يوم الغيم. ٣٥- المذهب في المذهب. ٣٦- مسبوك الذهب. ٣٧- العبادات الخمس.

стр. 29

٣٨- تبصرة المبتدئ. ٣٩- اللطائف. ٤٠- المنتخب في النوب. ٤١- واسطات العقود من شاهد ومشهود. ٤٢- كنز المذكر. ٤٣- كنوز الرموز. ٤٤- لقط الجمان. ٤٥- الياقوتة. ٤٦- المدهش. ٤٧- اليواقيت في الخطب. ٤٨- القصاص والمذكرين. ٤٩- احكام الأشعار بأحكام الأشعار. ٥٠- الثبات عند الممات. ٥١- الطب الروحانيّ. ٥٢- مناقب عمر بن الخطاب. ٥٣- الشيب والخضاب. ٥٤- المصباح المضيء في دولة المستضيء. ٥٥- ذم الهوى. ٥٦- بحر الدموع. ٥٧- الحمقى والمغفلون. ٥٨- الأذكياء. ٥٩- تلبيس إبليس. ٦٠- الشفا في مواعظ الملوك والخلفاء. ٦١- تقويم اللسان. ٦٢- صيد الخاصر. ٦٣- مناقب أحمد بن حنبل. ٦٤- مناقب الحسن البصري.

стр. 30

٦٥- مناقب سفيان الثوري. ٦٦- مناقب عمر بن عبد العزيز. ٦٧- البازي الأشهب المنقض على مخالفي المذهب. ٦٨- سلوة الأحزان بما روي عن ذوي العرفان. ٦٩- نواسخ القرآن. ثناء الأئمة على ابن الجوزي: قال مؤرخ الإسلام الحافظ الذهبي: الواعظ المتفنن، صاحب التصانيف الكثيرة الشهيرة في أنواع العلم من التفسير والحديث والفقه والوعظ والأخبار والتاريخ وغير ذلك. وعظ من صغره، وفاق فيه الأقران، ونظم الشعر المليح، وكتب بخطه ما لا يوصف، ورأى من القبول والاحترام ما لا مزيد عليه [١] . وقال ابن خلكان: علّامة عصره، وإمام وقته في الحديث وصناعة الوعظ. صنف في فنون عديدة، وكتبه أكثر من أن تعدّ [٢] . وقال عماد الدين الأصبهاني: واعظ، صنيع العبارة، بديع الإشارة، مولع بالتجنيس في لفظه، والتأنيس في وعظه، وله من القلوب قبولها، حسن الشمائل، قد مزجت من اللطافة والكياسة شمولها [٣] . وقال أبو محمد الدبيثي: إليه انتهت معرفة الحديث وعلومه، والوقوف على صحيحه وسقيمه، وله فيه المصنفات من المسانيد والأبواب، والرجال ومعرفة ما يحتج به في أبواب الأحكام والفقه وما لا يحتج به من الأحاديث الواهية والموضوعة، والانقطاع والاتصال، وله في الوعظ العبارة الرائقة والإشارات الفائقة والمعاني الدقيقة والاستعارة الرشيقة [٤] . وقال أبو المظفر سبط ابن الجوزي: كان زاهدا في الدنيا، متقللا منها، وكان

стр. 31

يختم القرآن في كل سبعة أيام، ولا يخرج من بيته إلا إلى الجامع للجمعة وللمجلس، وما مازح أحدا قط، ولا لعب مع صبي، ولا أكل من جهة لا يتيقن حلها، وما زال على ذلك الأسلوب حتى توفاه الله [١] . محنة ابن الجوزي ووفاته: كعادة العلماء عند ما يصل الواحد منهم إلى درجة عالية من العلم تكثر حوله الوشايات والأحقاد، فقد تعرض ابن الجوزي إلى محنة كان لها الأثر في القضاء عليه. فكانت محنته أن ابن يونس الحنبلي لما ولي الوزارة عقد مجلسا للركن عبد السلام بن عبد الوهاب، وأحرق كتبه لما فيها من الزندقة وعبادة النجوم ورأي الأوائل، وذلك بمشورة من ابن الجوزي وغيره من العلماء، كما انتزع الوزير مدرسة الركن عبد السلام وسلّمها إلى ابن الجوزي، فلما ولي الوزارة ابن القصاب- وكان رافضيا خبيثا- سعى في القبض على ابن يونس، وتتبع أصحابه، وأجج الركن عبد السلام نار الحقد في قلبه على ابن الجوزي مشيرا إلى انه ناصبي وانه من أولاد سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وأنه من أكبر أصحاب ابن يونس، ثم وشى به إلى الخليفة الناصر، وكان له ميل إلى الشيعة. واستطاع الركن عبد السلام أن يأخذ تفويضا بالتصرف بالشيخ فجاء إلى داره وقذفه وأهانه، وأخذه قبضا باليد، وختم على داره، وشتت أولاده، ثم أخذه وعليه غلالة بلا سراويل وعلى رأسه تخفيفة وأركبه سفينة بقي فيها خمسة أيام لم يتناول طعاما إلى أن أوصله إلى سجن في واسط، حيث دخله في سنة ٥٩٠ هـ-، وبقي فيه إلى سنة ٥٩٥ هـ-. أي أن عمره خلال سجنه قد قارب الثمانين عاما، وظل في سجنه يغسل ثوبه، ويطبخ الشيء بنفسه دون أن تتاح له الفرصة لدخول الحمام خلال هذه السنوات الخمس، وبقي الشيخ على حاله تلك صابرا على ما أنزله الله فيه من بلواه محتسبا عنده ثواب عمله، راضيا بقضاء الله وقدره، يسليه ربه ، فيدخل عليه بعض الناس ممن يستمعون منه العلم أو يملي عليهم مسائله، فيجد بذلك أنس قلبه، وسلوى نفسه، وفي تلك الأثناء برع ولده يوسف في الوعظ حتى وصل إلى مقامات عالية ساعدته معها

стр. 32

أم الخليفة التي كانت تتعضب للشيخ ابن الجوزي فشفعت فيه عند ابنها الناصر، الّذي أمر بإعادة الشيخ، وأتى إليه ولده يوسف، فخرج فنودي له بالجلوس للوعظ، ولم يعش ابن الجوزي بعدها أكثر من عامين حيث لقي ربه راضيا مطمئنا في يوم الجمعة ١٢ رمضان عام ٥٩٧ هـ-، وكانت جنازته مهيبة، وأنزل الدفن والمؤذن يقول الله أكبر، وحزن الناس لفراقه، وباتوا عند قبره الباقي من شهر رمضان، يختمون الختمات القرآنية بالشموع والجماعات [١] . رحم الله الإمام ابن الجوزي، وأسكنه فسيح جناته، ونفعنا بعلمه إلى يوم الدين، وجزاه عنا خير الجزاء.

стр. 33

- ٣- كتاب المنتظم: منهجه، وأسلوبه، ومصادره، وأهميته، ومختصراته، والذيول عليه الكتاب: منهجه وأسلوبه: يتكون كتاب المنتظم من ثمانية عشر جزءا وذلك طبقا لنسخة أحمد الثالث، ومفقود من هذه النسخة الجزء الأول والثالث عشر، ولذلك قمنا بإكمالها من نسخة تراخانة ذات الخط الدقيق جدا وذلك لأنها هي النسخة الوحيدة التي تحتوي على الجزء الأول. أما الجزء الثالث عشر فقد اعتمدنا على نسخة تراخانة أيضا بالإضافة إلى النسخ الأخرى التي سنوضحها في عرضنا لمخطوطات الكتاب فيما بعد، إذ أننا بصدد عرض المحتوى العام للكتاب وعرض لأسلوبه ومنهجه. فيتكون الجزء الأول من تسع وثلاثين ورقة من القطع الكبير من نسخة تراخانة تشمل مقدمة الكتاب وبداية الخلق حتى وفاة يحيى بن زكريا ﵇. والجزء الثاني يتكون من تسع وأربعين ومائة ورقة من نسخة أحمد الثالث، تشمل الأحداث من وفاة يحيى بن زكريا ﵇ حتى السنة الثامنة من النبوة. والجزء الثالث يتكون من أربع وخمسين ومائة ورقة من نسخة أحمد الثالث، تشمل الأحداث من السنة العاشرة من النبوة حتى السنة العاشرة من الهجرة. والجزء الرابع يتكون من سبع وأربعين ومائة ورقة من نسخة أحمد الثالث، تشمل الأحداث من السنة العاشرة من الهجرة حتى السنة الثامنة والعشرين. والجزء الخامس يتكون من أربع وأربعين ومائة ورقة من نسخة أحمد الثالث، تشمل الأحداث من السنة التاسعة والعشرين حتى السنة الحادية والستين.

стр. 34

والجزء السادس يتكون من تسع وأربعين ومائة ورقة من نسخة أحمد الثالث، وتشمل على الأحداث من السنة الحادية والستين حتى وفيات السنة الخامسة والتسعين. والجزء السابع يتكون من خمس وخمسين ومائة ورقة من نسخة أحمد الثالث، تشمل على وفاة الحجاج حتى بداية السنة السابعة والثلاثون بعد المائة من الهجرة. والجزء الثامن يتكون من سبع وخمسين ومائة ورقة من نسخة أحمد الثالث، تشمل حوادث السنة السابعة والثلاثين بعد المائة حتى السنة الرابعة والسبعين بعد المائة. والجزء التاسع يتكون من تسع وعشرين ومائة ورقة من نسخة أحمد الثالث، تشمل حوادث السنة الخامسة والسبعين بعد المائة حتى حوادث السنة الثالثة والتسعين بعد المائة. والجزء العاشر يتكون من اثنتين وأربعين ومائة ورقة من نسخة أحمد الثالث، تشمل على حوادث السنة الرابعة والتسعين بعد المائة إلى حوادث السنة السادسة عشرة بعد المائتين. والجزء الحادي عشر ويتكون من ثلاث وخمسين ومائة ورقة من نسخة أحمد الثالث، وتشمل الحوادث من السنة السابعة عشرة بعد المائتين حتى السنة السابعة والأربعين بعد المائتين. والجزء الثاني عشر ويتكون من خمس وخمسين ومائة ورقة من نسخة أحمد الثالث، وتشمل الحوادث من السنة الثامنة والأربعين بعد المائتين حتى ذكر خلافة المكتفي باللَّه تعالى. والجزء الثالث عشر يتكون من حوالي سبع وثلاثين ورقة من القطع الكبير من نسخة تراخانة وتشمل الأحداث من سنة تسع وثمانين بعد المائتين حتى السنة الثالثة والثلاثين بعد الثلاثمائة. والجزء الرابع عشر يتكون من أربع وخمسين ومائة ورقة من نسخة أحمد الثالث، وتشمل الحوادث من باب خلافة المتقي للَّه حتى السنة السابعة والثمانين بعد الثلاثمائة. والجزء الخامس عشر يتكون من إحدى وستين ومائة ورقة من نسخة أحمد الثالث،

стр. 35

وتشمل الحوادث من السنة الثامنة والثمانين بعد الثلاثمائة حتى السنة السابعة والأربعين وأربعمائة. والجزء السادس عشر يتكون من اثنتين وخمسين ومائة ورقة، وتشمل الحوادث من السنة الثامنة والأربعين وأربعمائة حتى السنة التاسعة والسبعين وأربعمائة. والجزء السابع عشر، يتكون من مائة وخمسين ورقة، وتشمل الحوادث من السنة الثمانين بعد الأربعمائة حتى السنة الثالثة والخمسين بعد الخمسمائة. والجزء الثامن عشر يتكون من ثلاث وعشرين ومائة ورقة، وتشمل الحوادث من السنة الرابعة والخمسين بعد الخمسمائة حتى السنة الرابعة والسبعين بعد الخمسمائة. أما عن منهج وأسلوب ابن الجوزي ومصادره في المنتظم فيحتاج ذلك إلى دراسة مستفيضة لكي تتناول جميع النقاط الرئيسية التحليلية لأسلوبه ومنهجيته في سرد الأحداث والتراجم والنقد والتعقيب إلى غير ذلك من نقاط الدراسة، وقد قام بالفعل بهذا المجهود الشاق الأستاذ الدكتور/ حسن عيسى علي الحكيم، ونال بهذه الدراسة درجة الدكتوراه من جامعة بغداد، وقد طبعت هذه الرسالة ببيروت، عالم الكتب سنة ١٩٨٥. ونحن في هذا المقام نسترشد بما قام به السيد الدكتور من دراسة بأسلوب مختصر بما يليق بكونها مقدمة للكتاب وليست دراسة مستفيضة. بدأ ابن الجوزي كتابه بمقدمة أوضح فيها أهمية التاريخ ومناهج المؤرخين الذين سبقوه وتنوع مذاهبهم، وقد أراد ابن الجوزي أن يكون التاريخ عبرة وعظة لرجال الحكم والسياسة بقوله: «إن الشرع هُوَ السياسة، لا عمل السلطان برأيه وهواه» حيث ان للتاريخ فائدتين: هما دراسة الحازمين والمفرطين ومعرفة عواقب أحوالهم، والتطلع على عجائب الأمور وتقلبات الزمن. ثم افتتح ابن الجوزي «المنتظم» بذكر الدليل على وجود الله، منتهجا منهج الكلاميين في إثبات وجوده . ثم تتبع قصة الخلق وما جرى فيها ناقلا وناقدا ومحللا، ثم انتقل من حديثه عن الخليقة وخلق الأرض إلى النبوات بدءا بآدم ﵇ وانتهاء برفع عيسى عليه

стр. 36

السلام. ثم خصص للأمم بعد النبوات جانبا، فهو مرة يفصّل، ومرة يوجز، فهو عند تناوله للحوادث المتعلقة بالعرب وبخاصة بين عرب الحيرة والزباء، ولكنه أغفل الحياة الاجتماعية والسياسية في الجزيرة العربية، ولم يذكر من أيام العرب سوى الفجار أثناء حديثه عن السيرة النبويّة، ولم يشر إلى شعراء العرب، وأصحاب المعلقات، سوى امرئ القيس الّذي ورد ذكره عند حديثه عن كسرى أنوشروان، وقد أوجز في حديثه عن عرب الأنبار وعلاقتهم بطسم وجديس، وذكر زرقاء اليمامة، ولم يغفل علاقة الزباء السياسية بعمرو بن عدي، معتمدا في ذلك على ابن الكلبي. هذا وقد أطال ابن الجوزي في تاريخ الفرس وملوكهم حيث تناولهم الواحد بعد الآخر، موليا لكسرى أنوشروان أهمية بارزة. أما دولة الروم فلم يعطها أهمية كبيرة، وإنما ذكر بعض حوادث الروم وعلاقاتهم مع الفرس، وبناء القسطنطينية. ولم يذكر من ملوك اليونان سوى الإسكندر المقدوني وبطليموس، وجانب من الحياة العلمية عند اليونان. وأغفل ابن الجوزي تاريخ الصين ومصر خلافا لسلفيه اليعقوبي والمسعودي، وقد تأثر في ذلك بالطبري. وخصص بعد ذلك الإمام ابن الجوزي جانبا كبيرا من «المنتظم» للسيرة النبويّة تناول فيها مرحلة المولد وما كان فيها من أحداث، ثم مرحلة النبوة، وقد انتهج في مرحلة النبوة منهجا مختلفا ابتداء من السنة الأولى من النبوة ولمدة ثلاث عشرة سنة. ثم بعد ذلك مرحلة الهجرة والّذي بدأ به منهجا آخر ابتداء بالسنة الأولى من الهجرة وحتى نهاية الكتاب، فهو يذكر حوادث كل سنة ويختمها بوفيات هذه السنة، فيقول عند الحوادث: (ثم دخلت سنة ... ) وعند ذكر الوفيات: (ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر) ويتخلل ذلك فصول وأبواب عن أشهر الحوادث. وبعد الانتهاء من عصر الرسالة وتقصّي أحداثها بدقة واستفاضة تناول ابن الجوزي العصر الراشدي متناولا الحوادث السياسية والعسكرية التي حدثت خلال هذه الفترة، فتناول حركات الردة، وحوادث الجزيرة، وحركات التحرير في العراق وبلاد

стр. 37

الشام ومصر، وحروب الجمل وصفين والنهروان إلى غير ذلك. وقد تعرض أيضا للحوادث الإدارية والاجتماعية والاقتصادية. ثم بعد ذلك تناول العصر الأموي، وقد شغلت الحوادث السياسية في هذا العصر جانبا كبيرا، حيث تناول ثورة الحسين ﵁ واستشهاده، وتناول أيضا حركة زيد بن علي، وحركات الخوارج، وحركة صالح بن مسرح الخارجي، والحركة الزبيرية وغيرها من الحركات السياسية. ولم يغفل علاقة الدولة الأموية بالروم، ومواصلة الأمويين زحفهم لتحرير الأندلس، ومناطق كثيرة من المشرق الإسلامي. وكذلك تعرض للحوادث الإدارية في العصر الأموي من تخطيط مدينة واسط، وكذلك تعرض للحوادث الطبيعية من حرائق وقحط وفيضانات وسيول وزلازل إلى غير ذلك من حوادث طبيعية. ثم تناول بعد ذلك العصر العباسي وفق نفس المنهج الّذي انتهجه منذ السنة الأولى من الهجرة، وهذه الفترة تنحصر بين عام ١٣٢ هـ- إلى ٥٧٤ هـ-. وقد تناول ابن الجوزي جميع النواحي السياسية بالتفصيل، وكذلك الجوانب الإدارية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية، وكذلك الظواهر الطبيعية من رياح وحرارة وأمطار وثلوج وزلازل وشهب وحرائق وفيضانات وجفاف وآفات وأمراض وأوبئة. كما لم يغفل الجانب العمراني من بناء المساجد والقصور وغيرها. مصادر كتاب المنتظم: لقد استفاد الإمام ابن الجوزي من ابن إسحاق في «السيرة النبويّة» ، ومن ابن سعد في «الطبقات» ، ومن الطبري في «التاريخ» ، ومن الخطيب في «تاريخ بغداد» أكثر من غيرها من المصادر. فكان يشير إليها صراحة في بعض المواضع، ويهملها في مواضع أخرى، ويكون حرفيا في نقله منها حينا، ومختزلا في أحيان أخرى، وناقدا في بعضها، وقد تابع ابن إسحاق من بدء الخليقة حتى عام ٩٥ هـ-، ولكن اقتباساته عنه في عصر الرسالة تشكل بذاتها دراسة مستقلة للسيرة النبويّة، وكان ابن سعد الّذي سايره ابن الجوزي من عصر الرسالة حتى عام ١٩٣ هـ-. وكان كتاب «الطبقات الكبرى» مصدرا

стр. 38

أساسيا له، حيث أولاه ثقة كبيرة، ولم يبتعد عنه إلا من حيث عدم مسايرته في الحرص على سند الرواية، وكان الطبري في كتابه «تاريخ الرسل والملوك» مصدر المنتظم من الخليقة، وسايره وفق العصور التاريخية التالية، فقد كان تعويله عليه كليا، وبخاصة الحوادث السياسية، مكتفيا بذكر الرواية التي يعتبرها أسلم أو أصح من غيرها عند تعدد الروايات للحدث الواحد. وبما أن الطبري يهتم بحوادث العراق والمشرق الإسلامي أكثر من غيرهما، فإن ابن الجوزي يركز بدوره على هاتين المنطقتين أكثر من غيرهما [١] . وكان ابن الجوزي قد استقى نصوصا من موارد الطبري كأبي مخنف لوط بن يحيى، وسيف بن عمر، وهشام الكلبي، ومحمد بن عمر الواقدي، والهيثم بن عدي، وعلي بن محمد المدائني، وغيرهم. وكانت بعض النصوص متطابقة مع الطبري، وحيث ابن ابن الجوزي لم يذكر أنه نقل مباشرة عن أي واحد من هؤلاء فإن اعتماده على الطبري في نقله عنهم قد يبدو محتملا، إلا أن هذا الاحتمال لا ينفي احتمالا آخر هو أن كتب هؤلاء لم تكن قد ضاعت عند تدوين المنتظم، وأن نقله عنها كان مباشرا [٢] . ولا يقل «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي أهمية في تراجم المنتظم عن الطبري في حوادثه، فابن الجوزي قد أعتمده كثيرا، واعتمد على موارده أيضا، وإن لم يشر إليه في كثير من الأحيان، فهو حتى عام ٤٥٨ هـ- يستظل بالخطيب البغدادي، سواء بالنقل الحرفي منه أو باختزال السند والمتن أو أحدهما، ولكنه في بعض الأحيان كان ناقدا لاذعا ومجرحا عنيفا للخطيب البغدادي [٣] . أما بالنسبة للحديث النبوي فقد اعتمد على الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما، فهو في أكثر الأحيان يعتمدهما معا، وفي أحيان أخرى يعتمد على أحدهما، وأحيانا عليهما أو على أحدهما بمعيّة الإمام أحمد في «المسند» [٤] .

стр. 39

أما بالنسبة للمحدثين من تراجمه فقد اعتمد على يحيى بن معين في تاريخه حتى عام ٢٤٨ هـ-. وما قيل في الرجال من مصطلحات الجرح والتعديل، وكان في معظم النصوص ناقلا حرفيا. والإمام البخاري في «تاريخه الكبير، والصغير» حتى عام ٢٤٨ هـ- أيضا. وكان على غرار اقتباساته من يحيى بن معين ناقلا حرفيا. وابن أبي حاتم الرازيّ في كتابه «الجرح والتعديل» والدار الدّارقطنيّ. وقد كانت معظم النصوص المستقاة عنه في تراجمه للمحدثين مودعة في «تاريخ بغداد» وكذلك الحال اقتباساته من أبي بكر البرقاني، وأبي عبد الله الصوري، وأبي الحسن العتيقي، الذين هم من موارد الخطيب. أما الفترة التاريخية التي أعقبت «تاريخ الطبري» فقد كان ابن الجوزي قد اعتمد على أبي بكر الصولي، وكان قد استقى مادته من كتاب «الأوراق» لأن بعضها جاء متطابقا مع كتاب «أخبار الراضي والمتقي» الّذي يشكل جزءا منه، ويبدو أنه قد أحاط الصولي بثقة كبيرة، فقد نقل عنه حرفيا دون أن يكون ناقدا لأحد النصوص في الفترة الواقعة بين ١٠٢ هـ- إلى ٣٣٦ هـ-. وكذلك اعتمد على أبي علي التنوخي في كتابه «نشوار المحاضرة» حتى عام ٣٥٤ هـ-. وهلال بن المحسن الصابي في «خطط بغداد وحضارتها» حتى عام ٤٦٦ هـ-. وكان شيوخ ابن الجوزي مصادره الأساسية في الفترة التي أعقبت وفاة الخطيب البغدادي حتى العقد الثاني من القرن السادس الهجريّ حيث يصبح ابن الجوزي مصدر الحوادث ومؤرخ عصره [١] . أهمية كتاب المنتظم: تميز كتاب المنتظم عما سبقه من كتب، حيث إنه جميع بين كونه مسردا تاريخيا للأحداث على مدار السنوات، واحتوائه على ثلاثة آلاف وثلاثمائة وسبعين ترجمة لمختلف الشخصيات من خلفاء، وملوك، ووزراء، وفقهاء ومحدثين، ومورخين، وفلاسفة، وشعراء، ومصنفين وغيرهم. وهذا ما لم يسبقه أحد من المؤرخين إليه، ولكن قلّده من جاء بعده في طريقته. فقد كان لابن الجوزي الفضل في تغيير أسلوب كتابة التاريخ، فأصبح من أسلوب السرد غير المنسق إلى أسلوب منسق ملتزم بمنهج يسير عليه، فلا يسهب في سرد الأحداث ويهمل التراجم، أو العكس، ولكن يعطي لكل من الجانبين ما يستحقه.

стр. 40

وقد كان من أهمية كتاب المنتظم حفظ النصوص من الضياع، فقد نقل لنا نصوصا من كتب مفقودة في عصرنا هذا، وليس كذلك فقط بل انه نقل لنا نصوصا من كتب مطبوعة الآن مثل كتاب «تاريخ بغداد» للخطيب هذه النصوص لا نجدها ضمن النسخة المطبوعة من هذا الكتاب، ويرجع ذلك إلى سقوط بعض النصوص من النسخة التي طبع عليه الكتاب. وبالإضافة إلى ذلك فإن ابن الجوزي انفرد في «كتاب المنتظم» بنصوص تاريخية لم نجدها لدى أسلافه المتقدمين، ولكن يؤخذ عليه إهمال المصادر التي نقل عنها هذه النصوص التاريخية [١] . وكذلك فإن كتاب «المنتظم» كان في حد ذاته مسردا تاريخيا ووثيقة تاريخية للعصر الّذي عاش فيه ابن الجوزي، حيث انه عاصر فترة من أهم الفترات التاريخية. كما أن «المنتظم» أصبح مصدرا رئيسيا لتدوين التاريخ لمن جاء بعد ابن الجوزي، فقد استفاد منه سبطه في «مرآة الزمان» ، وابن كثير في «البداية والنهاية» ، والذهبي في «تاريخ الإسلام» وغيرهم من المؤرخين الذين جاءوا بعده. مختصراته والذيول عليه: لعل من أهم المختصرات هو كتاب «شذور العقود في تاريخ العهود» الّذي اختصر به ابن الجوزي نفسه كتاب «المنتظم» ، فكان بمثابة مختصر للمنتظم وذيلا عليه في نفس الوقت، حيث أضاف ابن الجوزي عليه حوادث أربع سنوات، ولكن بصورة مختصرة. وقد اختصر أيضا كتاب «المنتظم» الشيخ علاء الدين علي بن محمد المعروف بمصنفك، وسماه: «مختصر المنتظم وملتقط الملتزم» وقد وجه إليه النقد بشدة حيث انه كان به أغلاط صريحة وأوهام. وهناك مختصر آخر غير معلوم المؤلف يوجد منه نسخة بمعهد المخطوطات، وهو مختصر جدير بالذكر لجودته.
следующие страницы →