وكان الفيقار قد بعث رجلا عربيا، فقال: ادخل في هؤلاء القوم يوما وليلة، ثم ائتني بخبرهم، فجاء فقال: بالليل رهبان وبالنهار فرسان، ولو سرق ابن ملكهم قطعوا يده، ولو زنا رجم لإقامة الحق فيهم، فَقَالَ: لبطن الأرض خير من لقاء هؤلاء على ظهرها، فلما أقبلوا تجلجل الفيقار وأشراف من الروم برانسهم، ثم جلسوا وقالوا: لا نحب أن نرى يوم السوء إذا [١] لم نستطع أن نرى يوم السرور، وإذ لم نستطع أن نمنع النصرانية فأصيبوا في تزملهم.
وقال عكرمة بن أبي جهل يومئذ [٢] : قاتلت رسول الله ﵌ في كل موطن، وأفر منكم اليوم، ثم نادى: من يبايع على الموت؟ فبايعه الحارث بن هشام، وضرار بن الأزور في أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم، فقاتلوا قدام فسطاط خالد حتى أثبتوا جميعا جراحا. وأتى خالد [بعد ما أصبحوا] [٣] بعكرمة جريحا، فوضع رأسه على فخذه، وبعمرو بن عكرمة فوضع رأسه على ساقه، وجعل يمسح عن وجوههما [٤] ، ويقطر في حلوقهما الماء، [ويقول: كلا، زعم ابن الحنتمة أنا لا نستشهد] [٥] .
وأصيبت يومئذ عين أبي سفيان، فأخرج السهم من عينه [أبو] [٦] حثمة. وقاتل النساء يومئذ، منهن جويرية [٧] بنت أبي سفيان [٨] .
وقتل الله أخا هرقل، وأخذ التذارق [٩] ، وانتهت الهزيمة إلى هرقل وهو دون مدينة حمص، فارتحل فجعل مدينة حمص بينه وبينهم [١٠] .
стр. 1297
كانت وقعة اليرموك في سنة/ ثلاث عشرة، وكانت أول فتح فتح على عمر بعد عشرين ليلة من متوفى أبي بكر ﵁.
وأما الواقدي فإنه يقول في سنة خمس عشرة.
[أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، ومحمد بن ناصر، قالا: أَخْبَرَنَا ابْن المبارك بْن عَبْد الجبار، أَخْبَرَنَا أبو مُحَمَّد الجوهري، أخبرنا أبو عمرو بن حيوية، أخبرنا أبو بكر بن الأنباري، قال: حَدَّثَني أبي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بن عبيد] [١] ، عن ابن الأعرابي، قال:
استشهد باليرموك عكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، وجماعة من بني المُغِيرة، فأتوا بماء وهم صرعى، فتدافعوه حتى ماتوا ولم يذوقوه. أتي عكرمة بالماء، فنظر إِلى سهيل بن عمرو ينظر إليه، فقال: ابدءوا بذا، فنظر سهيل إلى الحارث بن هشام ينظر إليه، فقال: ابدءوا بذا، فماتوا كلهم قبل أن يشربوا، فمر بهم خالد، فقال: بنفسي أنتم. كذا في هذه الرواية عن ابن الأعرابي.
فأما عكرمة فاستشهد، وأما الحارث وسهيل فاستشهدا بعد ذلك بزمان.
قال علماء السير: وأتى خالد دمشق فجمع له صاحب بصرى، فسار إليه هو وأبو عبيدة، فظفروا بالعدو، وطلب العدو الصلح فصولحوا على كل رأس دينار في كل عام، وجريب حنطة، ثم رجع العدو على المسلمين، فتوافت جنود المسلمين والروم بأجنادين، فالتقوا يوم السبت لليلتين بقيتا من جمادى الأولى، فظهر المسلمون على المشركين، وقتل خليفة هرقل في رجب
. وكان من الحوادث في هذه السنة [وقعة جرت بالعراق بعد مجيء خالد إلى الشام]
[٢] أنه استقام أمر فارس على شهربراز بن أردشير بن شهريار، فوجه إلى المثنى الذي استخلفه خالد على العراق جندا عظيما عليهم هرمز بن جاذويه في عشرة آلاف، ومعه فيل،
стр. 1298
وكتب مسالح [١] المثنى إليه بإقبال العدو، فخرج المثنى من الحيرة نحوه، وضم إليه المسالح [٢] وأقام ببابل، وأقبل هرمز بن جاذويه، وكتب إلى المثنى: إني قد بعثت إليك جندا من وخش أهل [٣] فارس، إنما هم رعاة الدجاج/ والخنازير، فلست أقاتلكم إلا بهم. فأجابه المثنى: إن الّذي يدل عليه الرأي أنكم اضطررتم إلى ذلك، فالحمد للَّه الذي رد كيدكم إلى رعاة الدجاج والخنازير. فجزع أهل فارس من كتابه [٤] وقالوا:
جرأت علينا عدونا.
فالتقوا ببابل، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم أن ناسا من المسلمين قصدوا الفيل وقتلوه، فانهزم أهل فارس، واتبعتهم المسلمون يقتلونهم، ومات شهربراز حين انهزم هرمز بن جاذويه.
ثم اجتمع أهل فارس على دخت زنان ابنة كسرى، فلم ينفذ لها أمر فخلعت [٥] .
وملك سابور بن شهربراز [٦] ، وقام بأمره الفرخزاذ بن البندوان، فسأله أن يزوجه آزرميدخت بنت كسرى، ففعل فغضبت من ذلك، وقالت: يا ابن عم أتزوجني عبدي؟
فقال: استحيي من هذا الكلام [ولا تعيديه] [٧] ، فإنه زوجك. فشكت إليه الذي تخاف، فقال لها: قولي له، ليقل له فليأتك فأنا أكفيكه.
فلما كانت ليلة العرس [أقبل الفرخزاد حتى دخل] [٨] ، فثار به سياوخش، فقتله ومن معه، ثم نهد بها إلى سابور فحضرته ثم دخلوا عليه فقتلوه.
وملكت آزرميدخت بنت كسرى، وأبطأ خبر المسلمين على أبي بكر ﵁، فخلف المثنى على المسلمين بشير بن الخصاصية، فخرج إلى أبي بكر رضي الله
стр. 1299
عَنْهُ ليخبره خبر المسلمين والمشركين ويستأذنه في الاستعانة بمن ظهرت توبته وندمه من أهل الردة، فقدم المدينة وأبو بكر ﵁ مريض، فقال لعمر: إني أرجو أن أموت من يومي هذا، فلا تمسين حتى تندب الناس مع المثنى، وإن تأخرت إلى الليل فلا تصبحن حتى تندب الناس معه، ولا تشغلنكم مصيبة عن دينكم، وقد رأيتني متوفى رسول الله ﵌ وما صنعت.
فمات أبو بكر ﵁ وندب عمر الناس مع المثنى
. ومن الحوادث في هذه السنة مرض أبي بكر ﵁ [١]
/ وحدث في مرضه أنه عقد الخلافة من بعده لعمر ﵄.
ولما أراد [٢] ذلك دعا عبد الرحمن بن عوف، فقال: أخبرني عن عمر [بن الخطاب] [٣] ، فقال: هو والله أفضل من رأيك فيه من رجل، [ولكن] [٤] فيه غلظة، فقال أبو بكر: ذاك لأنه يراني رقيقا، ولو أفضى الأمر إليه لترك كثيرا مما هو عليه، ثم دعا عثمان [ابن عفان] [٥] فقال: أخبرني عن عمر، فَقَالَ: أنت أخبرنا به، فقال: على ذلك [يا أبا عبد الله، فقال عثمان] [٦] : اللَّهمّ [علمي به] [٧] أن سريرته خير من علانيته، وأنه ليس فينا مثله، فقال أبو بكر ﵁: [يرحمك الله، والله] [٨] لو تركته ما عدوتك.
ثم قال له [٩] : اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما عهد أبو بكر بن أبي
стр. 1300
قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجا [منها] [١] ، وأول عهده بالآخرة داخلا فيها حين يؤمن الكافر ويوقن الفاجر، [ويصدق الكاذب] [٢] ، إني استخلفت عليكم.
ثم أغشي عليه، فكتب عثمان: [إني أستخلف عليكم] [٣] عمر بن الخطاب.
فلما أفاق أبو بكر قال: اقرأ علي، فقرأ عليه، فكبر وقال: أراك خفت أن يختلف الناس إن أفلتت نفسي في غشيتي، قال: نعم، قال: جزاك الله خيرا عن الإسلام وأهله، وأقرها أبو بكر ﵁، وأمره فخرج عَلَى الناس بالكتاب، فبايعوه لمن فيه، قد علموا أنه عمر، ودخل عليه قوم، فقالوا: ما تقول لربك إذا سألك عن استخلافك عمرو أنت ترى غلظته، فقال: أجلسوني، أباللَّه تخوفوني، خاب من تزود من أمركم بظلم، أقول اللَّهمّ استخلفت عليهم خير أهلك. ثم دعا عمر وأوصاه.
[أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الجوهري، قَالَ: أخبرنا أبو عمرو بن حيوية، قال: أخبرنا أحمد بن معروف، قال: أخبرنا الحسين بن الفهم، قال: حدثنا محمد بن سَعْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مُسْرُوقٍ] [٤] ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ:
لَمَّا مَرِضَ أَبُو بَكْرٍ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، قَالَ: انْظُرُوا مَا زَادَ فِي مَالِي مُنْذُ دَخَلْتُ الإِمَارَةَ فَابْعَثُوا بِهِ إِلَى الْخَلِيفَةِ مِنْ بَعْدِي، فَإِنِّي قَدْ كُنْتُ اسْتَصْلَحْتُهُ جَهْدِي، وَكُنْتُ أُصِيبُ مِنَ [الْوَدَكِ نَحْوًا مِمَّا كُنْتُ أُصِيبُ فِي] [٥] التِّجَارَةِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَمَّا مَاتَ نَظَرْنَا فَإِذَا عبد/ نوبي كان يحمل صبيانه، وإذا نَاضِحٌ كَانَ يَسْقِي بُسْتَانًا لَهُ، فَبَعَثْنَا بِهِمَا إِلَى عُمَرَ، قَالَتْ: فَأَخْبَرَنِي حَرْبِيٌّ- يَعْنِي رَسُولِي- أَنَّ عُمَرَ بَكَى وَقَالَ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ لَقَدْ أَتْعَبَ مَنْ بَعْدَهُ تَعَبًا شديدا.
ذكر موت أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁
[قَالَ مؤلف الكتاب] [١] : في سبب موته قولان:
أحدهما: أن اليهود سمته في حريرة [٢] ، أكل منها هو والحارث بن كلدة، فأخذ منها الحارث لقمة ثم قال: كف فقد أكلت طعاما مسموما سم سنة فماتا جميعا للسنة يوم مات أبو بكر.
وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ عَنْ [عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأُوَيْسِيِّ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَقِيلٍ،] [٣] عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَالْحَارِثَ بْنَ كَلْدَةَ كَانَا يَأْكُلانِ حَرِيرَةً أُهْدِيَتْ لأَبِي بكر، فقال الحارث: ارفع يدك يا خليفة رسول الله، وَاللَّهِ إِنَّ فِيهَا لَسُمَّ سَنَةً وَأَنَا وَأَنْتَ نَمُوتُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ. فَلَمْ يَزَالا عَلِيلَيْنِ حَتَّى مَاتَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ عِنْدَ انْتِهَاءِ السَّنَةِ.
والقول الثاني: ذكره الواقدي عن أشياخه [٤] : أن أبا بكر ﵁ اغتسل في يوم بارد فحم خمسة عشر يوما، فكان لا يخرج إلى الصلاة، وأمر عمر أن يصلي بالناس، وكان عثمان ألزمهم له في مرضه.
رَوَى [هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ،] [٥] عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي فَأَثَبْتُ الْمَوْتَ فِيهِ فَبَكَيْتُ ثُمَّ قُلْتُ:
مَنْ [لا] [٦] يَزَالُ دَمْعُهُ مُقَنَّعًا ... فَإِنَّهُ [لا بُدَّ] [٧] مَرَّةً مَدْفُونُ.
فَقَالَ [أَبُو بَكْرٍ ﵁] [٨] : لَيْسَ كَمَا قُلْتِ، بَلْ: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ ٥٠: ١٩
стр. 1304
بِالْحَقِّ ذلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ٥٠: ١٩ [١] . قَالَ: أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قُلْتُ: يَوْمَ الاثْنَيْنِ، قَالَ: فَإِنِّي أَرْجُو مِنَ اللَّهِ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّيْلِ، فَلَمْ يَتَوَفَّ حَتَّى أَمْسَى مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ.
/ قَالَتْ [٢] : ثُمَّ دُفِنَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ. قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ: فِي كَمْ كُفِّنَ رَسُولُ الله ﵌؟
قالت: في ثلاثة أثواب بيض يَمَانِيَّةٍ. قَالَتْ فَنَظَرَ إِلَى ثَوْبٍ كَانَ عَلَيْهِ يُمَرَّضُ فِيهِ، فِيهِ دِرْعُ زَعْفَرَانَ أَوْ مَشْقٌ، فقال: اغسلوا هَذَا وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ وَكَفِّنُونِي، قُلْتُ: إِنَّ هَذَا خَلِقٌ، قَالَ: إِنَّ [الْحَيَّ] [٣] أَحَقُّ بِالْجَدِيدِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ- يَعْنِي الصَّدِيدَ. قَالَتْ: فَغَسَلْنَاهُ وَكَفَّنَّاهُ فِيهِ.
توفي أبو بكر في مساء ليلة الثلاثاء بين المغرب والعشاء، ودفن ليلة الثلاثاء لثمان ليال بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة، فكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشر ليال.
وقال أبو معشر: أربعة أشهر إلا أربع ليال، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة، وغسلته امرأته أسماء بنت عميس، أوصاها بذلك، فقالت: لا أطيق، فقال: يعينك عبد الرحمن. ولما توفي حمل على السرير الذي حمل عليه رسول الله ﵌، وصلى عليه عمر في مسجد رسول الله ﵌ بين القبر والمنبر، وكبر عليه أربعا، ودخل قبره عمر، وعثمان، وطلحة، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وكان قد أوصى أن يدفن إلى [جنب] [٤] رسول الله ﵌، [فحفر له] [٥] فجعل رأسه عند كتفي رسول الله ﵌، وألصقوا اللحد باللحد.
[قَالَ] مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ [٦] : [أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ عُثْمَانَ] ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بن الزبير، قال:
стр. 1305
رَأْسُ أَبِي بَكْرٍ عِنْدَ كَتِفَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ [١] ، وَرَأْسُ عُمَرَ عِنْدَ حِقْوَيْ أَبِي بَكْرٍ.
ولما توفي أبو بكر ﵁ نعي إلى أبيه أبي قحافة فقال: رزء جليل، وورث أبو قحافة السدس من ماله، وقال: قد رددت ذلك على ولد أبي بكر ﵁.
ومن الحوادث في هذه السنة خلافة عمر ﵁
باب خلافة عمر بن الخطاب ﵁
ذكر نسبه
هو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رباح/ بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بْن كعب، ويكنى أبا حفص. وأمه حنتمة بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. وكانت إليه السفارة في الجاهلية والمنافرة، إن وقعت حرب من قريش أو من غيرهم بعثوه سفيرا، وإن فاخرهم مفاخر بعثوه منافرا [٢] ورضوا به
. ذكر صفته
كان أبيض طوالا، تعلوه حمرة، أصلع أشب يخضب بالحناء والكتم، وكان نقش خاتمه: «كفى بالموت واعظا يا عمر»
. ذكر أزواجه وأولاده
كان له من الولد عبد الله وعبد الرحمن، وحفصة، وأمهم زينب بنت مظعون بن حبيب. وزيد الأكبر، ورقية، وأمهم أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب وأمها فاطمة بْنت رسول الله ﵌. وزيد الأصغر، وعبيد الله، وأمهما أم كلثوم بنت جرول.
وفرق الإسلام بين عمر وبين أم كلثوم [بنت جرول] ، وعاصم وأمه جميلة بنت
стр. 1306
ثابت بن أبي الأقلح، [وعبد الرحمن الأوسط- وهو أبو المجبر [١]- وأمه لهية أم ولد] [٢] ، وعبد الرحمن الأصغر، وأمه أم ولد، وفاطمة وأمها أم حكيم بنت الحارث بن هشام، وزينب وأمها فكيهة أم ولد، وعياض [بن عمر] ، وأمه عاتكة بنت زيد بن عمرو [بن نفيل] [٣] .
[أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ، أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، أَخْبَرَنَا أبو محمد الجوهري، أخبرنا أبو عمرو بن حيوية، أخبرنا أبو بكر محمد بن خلف إِجَازَةً، وَحَدَّثَنَا عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَاقِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي] [٤] بَشِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ:
كَانَتْ [تَحْتَ] [٥] عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ امْرَأَةٌ تُسَمَّى عَاصِيَةَ، فَسَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﵌ جَمِيلَةَ، وَكَانَتِ امْرَأَةٌ جَمِيلَةً، وَكَانَ عُمَرُ يُحِبُّهَا، وَكَانَ عُمَرُ إِذَا خَرَجَ إِلَى الصَّلاةِ مَشِيَتْ مَعَهُ مِنْ فِرَاشِهَا إِلَى الْبَابِ، فَإِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ قَبَّلَتْهُ ثُمَّ مَضَى فَرَجَعَتْ إِلَى فِرَاشِهَا
. ذكر إسلام عمر بن الخطاب ﵁
[أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ:
أخبرنا أبو عمرو بن حيوية، قال: أخبرنا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ مَعْرُوفٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بن الفهم، قال: أخبرنا محمد بن سعد، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْرَقُ، قَالَ:
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عُثْمَانَ الْبَصْرِيُّ] [٦] ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ:
خَرَجَ عُمَرُ مُتَقَلِّدًا بِسَيْفِهِ- أو قال: بالسيف- فلقيه [٧] رجل من بني زهرة، فقال: /
عُمَرُ، فَإِنْ يُرِدِ اللَّهُ بِعُمَرَ خَيْرًا يُسْلِمْ ويتبع النبي ﵌، وَإِنْ يُرِدْ غَيْرَ ذَلِكَ يَكُنْ قَتْلُهُ علينا هينا. قال: والنبي ﵌ دَاخِلٌ يُوحَى إِلَيْهِ. قَالَ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ حَتَّى أَتَى عُمَرَ، فَأَخَذَ بِمَجَامِعِ ثَوْبِهِ وَحَمَائِلِ السَّيْفِ، فَقَالَ: «مَا أَنْتَ مُنْتَهِيًا يَا عُمَرُ حَتَّى يُنْزِلَ اللَّهُ بِكَ مِنَ الْخِزْيِ وَالنَّكَالِ مَا أَنْزَلَ بِالْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ؟ اللَّهمّ هَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، اللَّهمّ أَعِزَّ الإِسْلامَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ» . [قَالَ:] فَقَالَ عُمَرُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَأَسْلَمَ وَقَالَ:
اخْرُجْ يَا رَسُولَ اللَّهِ [١] .
[قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عمر، قال: حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، عَنْ داود بْن الحصين، قَالَ: وحدثني معمر، عن الزهري، قالا:] [٢] .
أسلم عمر بعد أن دخل [٣] رسول الله ﵌ دار الأرقم وبعد أربعين أو نيف وأربعين من رجال ونساء قد أسلموا قبله. وقد كان رسول الله ﵌ قال بالأمس: اللَّهمّ أيد الإسلام بأحب الرجلين إليك: عمر بن الخطاب، أو عمرو بن هشام، فلما أسلم عمر نزل جبريل فقال: يا محمد، [لقد] [٤] استبشر أهل السماء بإسلام عمر.
[قال محمد بن سعد، أخبرنا محمد بن عمر، قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ الزهري] [٥] ، عن سَعِيد بن المسيب، قال:
أسلم عمر بعد أربعين رجلا وعشر نسوة، فما هو إلا أن أسلم عمر فظهر الإسلام بمكة [٦] .
стр. 1309
[قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ سَلْمَانَ الأَغَرِّ، عَنْ أَبِيهِ] [١] ، عَنْ صُهَيْبِ بْنِ سِنَانٍ، قَالَ [٢] :
لَمَّا أَسْلَمَ عُمَرُ ظَهَرَ الإِسْلامُ وَدُعِيَ إِلَيْهِ عَلانِيَةً، وَجَلَسْنَا حَوْلَ الْبَيْتِ حِلَقًا [٣] ، وَطُفْنَا بِالْبَيْتِ، وَانْتَصَفْنَا مِمَّنْ غَلَّظَ عَلَيْنَا، وَرَدَدْنَا عَلَيْهِ بَعْضَ مَا يَأْتِي بِهِ.
قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: أَسْلَمَ عُمَرُ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ مِنَ النُّبُوَّةِ، وَهُوَ ابْنُ سِتٍّ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَشَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كلها مع/ رَسُولُ الله ﵌، وَآخَى رَسُولُ اللَّهِ ﵌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَقِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عُوَيْمِ بْنِ سَاعِدَةَ
. ذكر ولايته الخلافة
لما ولي الخلافة، قال: ورب الكعبة لأحملنهم على الطريق.
[أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ النَّقُّورِ، أَخْبَرَنَا الْمُخَلِّصُ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ] [٤] بْنِ مِكْنَفٍ، قَالَ:
سُلِّمَ عَلَى عُمَرَ في صدر إمارته: يا خليفة خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ فَجَمَعَ النَّاسَ بَعْدُ، وَقَالَ: إني أراكم لمن بعدكم خير مَنْ رَأْيُهُمْ لأَنْفُسِهِمْ، وَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَلْحَدُوا فِي هَذَا الاسْمِ، أَنْتُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَنَا أَمِيرُكُمْ، فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقُبِلَتْ
. ذكر وصيته لعماله وتعاهده إياهم
قال صالح بن كيسان [٥] : أول كتاب كتبه عمر حين ولي إلى أبي عبيدة يوليه على
стр. 1310
جند خالد: أوصيك بتقوى الله الذي يبقى ويفنى ما سواه، الذي هدانا من الضلالة، وأخرجنا من الظلمات إلى النور. وقد استعملتك على جند خالد بن الوليد، فقم بأمرهم الذي يحق [عليك] [١] ، لا تقدم المسلمين إلى هلكة رجاء غنيمة، ولا تنزلهم منزلا قبل أن تستزيده لهم، وتعلم كيف مأتاه، ولا تبعث سرية إلا في كثف من الناس [٢] ، وإياك وإلقاء المسلمين في الهلكة، [وقد أبلاك الله بي وأبلاني بك] [٣] ، فغمض بصرك عن الدنيا، وإياك أن تهلكك كما أهلكت من كان قبلك، فقد رأيت مصارعهم.
[أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قالا: أخبرنا ابن النقور، أخبرنا المخلص، أخبرنا أحمد بن عبد الله، أَخْبَرَنَا السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا سَيْفٌ، عَنْ عَبْدَةَ بْنِ مُعَتِّبٍ] [٤] ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، قَالَ:
لَمَّا وَلِيَ عُمَرُ ﵁ قَالَ لِعَلِيٍّ ﵁: اقْضِ بَيْنَ النَّاسِ، وَتَجَرَّدْ لِلْحَرْبِ.
[أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، وَحَدَّثَنَا سَيْفٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ] [٥] ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، قَالَ:
كَتَبَ عُمَرُ إِلَى الْقُضَاةِ مَعَ أَوَّلِ قِيَامِهِ: أَنْ لا تَبُتُّوا الْقَضَاءَ إِلا عَنْ مَلأ، فَإِنَّ رَأْيَ الْوَاحِدِ يَقْصُرُ إِذَا اسْتَبَدَّ، وَيَبْلُغُ إِذَا اسْتَشَارَ، وَالصَّوَابُ مَعَ الْمَشُورَةِ. وَقَالَ: يَا مَعَشْرَ الْعَرَبِ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ أَذَلَّ أُمَّةٍ وَأَشْقَاهَا حَتَّى أَعَزَّكُمُ اللَّهُ بِالإِسْلامِ، فَكُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، فَلا تَطْلُبُوا الْعِزَّةَ بِغَيْرِهِ فَتَذِلُّوا.
[أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قالا: أخبرنا ابن النقور، أخبرنا المخلص، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا السَّرِيُّ بن يحيى، حدّثنا شعيب،
стр. 1311
عَنِ الرَّبِيعِ] [١] / وَأَبِي عُثْمَانَ وَأَبِي الْحَارِثَةِ وَأُبَيٍّ المجالد بإسنادهم، قَالُوا:
كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِذَا بَعَثَ عُمَّالَهُ يَشْتَرِطُ عَلَيْهِمِ: أَنْ لا تَتَّخِذُوا عَلَى الْمَجَالِسِ الَّتِي تَجْلِسُونَ فِيهَا لِلنَّاسِ بَابًا، وَلا تَرْكَبُوا الْبَرَاذِينَ، وَلا تَلْبَسُوا الثِّيَابَ الرِّقَاقَ، وَلا تَأْكُلُوا النَّقِيَّ، وَلا تَغِيبُوا عَنْ صَلاةِ الْجَمَاعَةِ، وَلا تُطْمِعُوا فِيكُمُ السُّعَاةَ.
فمر يوما في طريق من طرق المدينة وفي ناحية [منها] [٢] رجل يسأل، فقال: يا عمر تستعمل العمال وتعهد إليهم عهدك، ثم ترى أن ذلك قد أجزاك، كلا والله إنك لمأخوذ إذا لم تعاهدهم، قال: وما ذلك؟ قال: عياض بن غنم يلبس اللين، ويفعل ويفعل، فقال: أساع؟ قال: بل مؤدي الذي عليه فبعث إلى محمد بن مسلمة أن الحق بعياض بن غنم فآتني به كما تجده، فانتهى إلى بابه وإذا عليه بواب، فقال له: قل لعياض على الباب رجل يريد أن يلقاك، قال: ما تقول؟ قال: قل له ما أقول لك. فذهب كالمتعجب، فأخبره، فعرف عياض أنه أمر حدث، فخرج فإذا محمد بن مسلمة، فرحب به وقال: ادخل، وإذا عليه قميص رقيق لين، فقال: إن أمير المؤمنين أمرني أن لا يفارق سوادي سوادك حتى أذهب بك كما أجدك، ونظر في أمره فوجد الأمر كما حدثه السائل.
فلما قدم به على عمر وأخبره، دعا بدراعة وكساء وحذاء وعصا، وقال: أخرجوه من ثيابه، فأخرج منها وألبسه ذلك، ثم قال: انطلق بهذه الغنم فأحسن رعيتها وسقيها والقيام عليها، واشرب من ألبانها، واجتز من أصوافها، وارفق بها، فإن فضل شيء فأردده علينا. فلما مضى رده، وقال: أفهمت؟ / قال: نعم، والموت أهون من هذا، قال: كذبت، ولكن ترك الفجور أهون من هذا. ثُمَّ قال له: أرأيت لو رددتك أتراه يكون فيك خير؟ قال: نعم والله يا أمير المؤمنين، ولا يبلغنك عني شيء بعد هذا، فرده ولم يبلغه عنه شيء إلا ما أحب حتى مات.
[وحدثنا سيف، عن عبد الملك] [٣] ، عن عاصم، قال: مات عياض بن غنم بعد أبي عبيدة، فأمر عمر على عمله سعيد بن عامر بن جذيم، فمات سعيد فأمر عمر مكانه عمير بن سعيد الأنصاري.
стр. 1312
[أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ، أَخْبَرَنَا الْجَوْهَرِيُّ، أخبرنا ابن حيويه، أخبرنا أحمد بن معروف، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَهِمِ، حَدَّثَنَا] [١] مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ [أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَسْعَدَ الْجُهَنِيُّ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ] [٢] ، عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ:
أَيُّمَا عَامِلٍ لِي ظَلَمَ [أَحَدًا] فَبَلَغَتْنِي مَظْلَمَتُهُ فَلَمْ أُغَيِّرْهَا فَأَنَا ظَلَمْتُهُ.
قال محمد بن سعد: كان عدي بن فضلة قديم الإسلام بمكة، وهاجر إلى الحبشة ومات هناك أول من مات ممن هاجر، وأول من ورث في الإسلام، ورثه ابنه النعمان، وكان عمر قد استعمل النُّعمان على ميسان، وكان يقول الشعر، فقال:
ألا هل أتى الحسناء أن حليلها ... بميسان يسقى في زجاج وحنتم
إذا شئت غنتني دهاقين قربة ... ورقاصة يحثو على كل ميسم
فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني ... ولا تسقني بالأصغر المتثلم
لعل أمير المؤمنين يسوؤه ... تنادمنا في الجوسق المتهدم
فلما بلغ عمر قوله قال: نعم والله إنه ليسوؤني، من لقيه فليخبره أني قد عزلته.
فقدم عليه رجل من قومه فأخبره بعزله، فقدم على عمر، فقال: والله ما صنعت شيئا مما قلت، ولكن كنت امرأ شاعرا [وجدت فضلا من قول فقلت فيه الشعر] [٣] ، فَقَالَ عمر:
والله لا تعمل على عمل ما بقيت وقد قلت ما قلت [٤] .
[أَنْبَأَنَا الْحُسَيْنُ بن محمد بن عبد الوهاب، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَر بْن الْمُسْلِمَةِ، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْمُخَلِّصُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن سُلَيْمَان بْن دَاوُد، حَدَّثَنَا الزُّبَير بْن بكار، قَالَ:
حدثني محمد بن الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ الْحِزَامِيُّ، عَنْ أَبِيهِ] [٥] ، قَالَ:
لَمَّا بَلَغَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ هَذَا الشِّعْرُ كتب إلى النعمان بن فضلة: بسم الله
دَعَانِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ [﵁] فَأَتَيْتُهُ، فَإِذَا بَيْنَ يَدَيْهِ نَطْعٌ عَلَيْهِ الذَّهَبُ مَنْثُورٌ، فَقَالَ: / هَلُمَّ فَاقْسِمْ هَذَا بَيْنَ قَوْمِكَ، فاللَّه أَعْلَمُ حَيْثُ زَوَى هَذَا عَنْ نَبِيهِ ﵌ وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ وَأَعْطَانِيهُ لِخَيْرٍ أَعْطَانِيهُ أَمْ لِشَرٍّ. قَالَ: فَأَكْبَبْتُ عَلَيْهِ أُقَسِّمُهُ، فَسَمِعْتُ الْبُكَاءَ فَإِذَا صَوْتُ عُمَرَ يَبْكِي وَيَقُولُ فِي بُكَائِهِ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا حَبَسَهُ عَنْ نبيه ﵌ وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ [﵁] إِرَادَةَ الشَّرِّ بِهِمَا، وَأَعْطَاهُ عُمَرَ إِرَادَةَ الْخَيْرِ
. فصل ومن أول الحوادث في ولاية عمر ﵁ اليرموك
وكانت بداية [أمر] اليرموك في حياة أبي بكر ﵁، ثم إن المسلمين ذهبوا بعد اليرموك إلى أجنادين
ذكر وقعة قحل [١]
ويقال: فحل. ولما فرغ المسلمون من أجنادين ساروا إلى فحل من أرض الأردن وقد اجتمع فيها جماعة من الروم قد نزلوا بيسان بين فلسطين والأردن، وتبعوا أنهارها وهي أرض سبخة، وكانت وحلا، فوحلت خيول المسلمين إلا أن الله تعالى سلمهم، ونهضوا إلى الروم بفحل، فاقتتلوا، فهزمت الروم ودخل المسلمون فحل، وذلك في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة على ستة أشهر من خلافة عمر ﵁.
وأقام تلك الحجة للناس عبد الرحمن بن عوف
. ذكر فتح دمشق [٢]
كان عمر ﵁ قد عزل خالد بن الوليد واستعمل أبا عبيدة على جميع
стр. 1317
النّاس، فالتقى المسلمون والروم حول دمشق فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم هزم الله الروم، فدخلوا دمشق فتحصنوا بها فرابطهم المسلمون ستة أشهر حتى فتحوا دمشق وأعطوا الجزية، وكان الصلح على يدي خالد، وكان قد قدم على أبي عبيدة كتاب بتوليته وعزل خالد، واستحى أَبُو عبيدة أن يقرئه الكتاب. فلما فتحت أظهر أبو عبيدة ذلك، وكان فتح دمشق في سنة أربع عشرة في رجب، وكان حصارها ستة/ أشهر.
وقال ابن إسحاق: بل كانت في سنة ثلاث عشرة.
وروى سيف عن أشياخه [١] : أن أبا عبيدة استخلف على اليرموك بشير بن كعب، وخرج حتى نزل بالصّفّر [٢] يريد اتباع الفالة، فأتاه خبرهم أنهم أرزوا إلى فحل. وأتاه الخبر أن المدد قد أتى أهل دمشق من حمص، فلم يدر أيبدأ بدمشق أم بفحل، فكتب بذلك إلى عمر، ولما جاء فتح اليرموك، إلى عمر أقر الأمراء على ما استعملهم عليه أبو بكر ﵁ إلا خالد بْن الوليد فإنه ضمه إلى أبي عبيدة، وعمرو بن العاص فإنه أمره بمعونة الناس، حتى يصير الحرب إلى فلسطين ثم يتولى حربها.
وكتب إلى أبي عبيدة: ابدءوا بدمشق فإنها حصن الشام وبيت مملكتهم، واشغلوا عنكم أهل فحل بخيل تكون بإزائهم. فحاصروا دمشق نحوا من سبعين ليلة حصارا شديدا، وقاتلوهم بالمجانيق [٣] [فكان أبو عبيدة على ناحية، ويزيد على ناحية] [٤] ، وعمرو على ناحية.
وبعث أبو عبيدة ذا الكلاع، وكان بين دمشق وحمص، وهرقل يومئذ بحمص، وقد استمدوه، وجاءت خيل هرقل مغيثة لأهل الشام، فأشجتها الخيول التي مع ذي الكلاع. فأيقن أهل دمشق أن الأمداد لا تصل إليهم، فأبلسوا [٥] ، فصعد قوم من أصحاب خالد بالأوهاق إلى السور فكبروا. وجاء المسلمون إلى الباب، وقتل خالد البوابين ودخل عنوة ودخل غيره مصالحا، وكان صلح دمشق على المقاسمة في الدينار
стр. 1318
والعقار، ودينار [عن] [١] كل رأس، وبعثوا بالبشائر إلى عمر.
وقال ابن إسحاق: كانت وقعة فحل قبل دمشق، وكانت في سنة ثلاث عشرة في ذي القعدة
. ذكر فتح بيسان [٢]
لما فرغ شرحبيل من وقعة فحل نهد في الناس [٣] ومعه عمرو إلى [أهل] [٤] بيسان، فنزلوا عليهم فحاصروهم أياما، ثم إنهم خرجوا عليهم فقاتلوهم، فأناموا من خرج إليهم، وصالحوا بقية أهلها، فقبل ذلك على صلح دمشق
. ذكر طبرية
[٥] وبلغ أهل طبرية الخبر، فصالحوا أبا/ الأعور على أن يبلغهم شرحبيل، ففعل، فصالحوهم على صلح دمشق، وتم صلح الأردن، وتفرقت الأمداد في مدائن الأردن وقراها، وكتب إلى عمر بالفتح
. ذكر خبر المثنى بن حارثة وأبي عبيد بن مسعود [٦]
قد ذكرنا أن عمر أول ما ولي ندب الناس مع المثنى بن حارثة الشيباني إلى أهل فارس قبل صلاة الفجر، من الليلة التي مات فيها أبو بكر ﵁، ثم أصبح فبايع الناس، وعاد فندب الناس [إلى فارس] [٧] ، وكان وجه فارس من أكره الوجوه إليهم
стр. 1319
وأثقلها عليهم، لشدة سلطانهم [وشوكتهم] [١] وقهرهم الأمم.
فلما كان اليوم الرابع، عاد فندب الناس إلى العراق، فقال: إن الحجاز ليس لكم بدار إلا على النجعة، ولا يقوى عليه أهله إلا بذلك، سيروا في الأرض التي وعدكم الله في الكتاب أن يورثكموها فإنه قال: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ٩: ٣٣ [٢] ، والله مظهر دينه، ومعز ناصره [٣] ، ومولي أهله مواريث الأمم. أين عباد الله الصالحون.
وكان أول منتدب أبو عبيد بن مسعود، ثم ثنى سعد بن عبيد [٤] ويقال: سليط بن قيس- وتكلم المثنى بن حارثة، فقال: أيها الناس لا يعظمن عليكم هذا الوجه، فإنا قد تبحبحنا ريف فارس، وغلبناهم على خير السواد، وشاطرناهم ونلنا منهم، ولها إن شاء الله ما بعدها.
فلما اجتمع البعث قيل لعمر: أمر عليهم رجلا من السابقين من المهاجرين والأنصار، فَقَالَ: لا والله لا أفعل، إن الله إنما رفعكم بسبقكم وسرعتكم [٥] إلى العدو، فإذا كرهتم اللقاء فأولى بالرياسة منكم من أجاب، لا أؤمر عليهم إلا أولهم انتدابا.
وانتخب عمر ألف رجل، ثم دعا أبا عبيدة فأمره على الخيل، ثم قال له: اسمع من أصحاب رسول الله ﵌ وأشركهم في الأمر، فإن الحرب لا يصلحها إلا الرجل الذي يعرف الفرصة والكف، / فقال أبو عبيد: أنا لها، فكان أول بعث بعثه عمر بعث أبي عبيد، ثم بعث يعلى بن أُمَيَّة إلى اليمن، وأمره بإجلاء أهل نجران، لوصية رسول الله ﵌ في مرضه بذلك، ولوصية أبي بَكْر ﵁ بذلك في مرضه.
ثم ندب أهل الردة فأقبلوا سراعا من كل أوب فرمى بهم الشام والعراق، وكتب إلى أهل اليرموك بأن عليكم أبا عبيد، وكان أول فتح أتاه اليرموك.
стр. 1320
[خبر النمارق]
[١] فخرج أبو عبيد، ومعه سعد بن عبيد، وسليط بن قيس، والمثنى بن حارثة، فقدم أبو عبيد والرأس شيري، والعدل بين الناس بوران- فإنها كانت تصلح الأمور، وهو الوالي حينئذ، فقدم المثنى الحيرة من المدينة في عشر، ولحقه أبو عبيد بعد شهر، وكان أهل فارس قد جعلوا الحرب على رستم وتوجوه، فبعث إلى دهاقين السودان أن يثوروا بالمسلمين، وبعث جندا لمصادمة المثنى.
وخرج أبو عبيد [٢] ، فجعل المثنى على الخيل، وعلى ميمنته والق بن جيدارة، وعلى ميسرته عَمْرو بن الهيثم، واقتتلوا، فهزم الله أهل فارس، وأسر جابان، وكان الأمير من قبل رستم، فخدع الذي أسره بشيء فخلى [عنه] ، فأخذه المسلمون فأتوا به أبا عبيد وأخبروه أنه الملك، وأشاروا بقتله، فقال: إني أخاف الله أن أقتله وقد آمنه مسلم
. [السقاطية بكسكر]
[٣] ولما انهزمت فارس [أخذوا] [٤] نحو كسكر ليلحقوا نرسي- وهو ابن خالة كسرى- وكانت كسكر قطيعة له، نادى أبو عبيد بالرحيل، وقال للمجردة: اتبعوهم حتى تدخلوهم عسكر نرسي، أو تبيدوهم [فيما بين النمارق إلى بارق إلى درتا] [٥] .
ومضى أبو عبيد حتى نزل على نرسي بكسكر، وعلى مجنبة نرسي ابنا خال كسرى بندويه وتيرويه، وقد أتى الخبر بوران ورستم بهزيمة جابان، فعاجل أبو عبيد، فالتقوا أسفل كسكر، فاقتتلوا قتالا شديدا، وهزم الله فارس، وهرب نرسي وغلب على
стр. 1321
عسكره، وأخرب أبو عبيد ما كان/ حول معسكرهم من كسكر، وجمع الغنائم، وأخذ خزائن نرسي. وأقام أبو عبيد، وسرح المثنى إلى باروسما، وبعث والقا إلى الزوابي، وعاصما إلى نهر جوبر، فهزموا من كان تجمع، وأخربوا وسبوا، وكان مما أخرب المثنى وسبى أهل زندورد. وجاءوا إلى أبي عبيد بطعام أكرموه به، فقال: أكرمتم الجند كلهم بمثل هذا؟ قالوا: لا، قَالَ: بئس المرء أبو عبيد، إن صحب قوما فاستأثر عليهم، لا والله لا نأكل إلا مثل ما يأكل أوساطهم
. [وقعة القرقس]
[١] ثم جاء بهمن جاذويه ومعه راية كسرى والفيل، فقال لأبي عبيد: إما أن تعبروا إلينا، وإما أن تدعونا نعبر إليكم، فقال الناس: لا تعبر أبا عبيد، فقال: لا يكونوا أجرأ على الموت منا، بل نعبر، فعبروا إليهم واقتتلوا- وأبو عبيد فيما بين التسعة والعشرة- وكانت الخيول إذا نظرت إلى الفيلة عليها الحلية والخيل [٢] عليها التجافيف [٣] لم تقدم خيولهم، وإذا حملوا على المسلمين فرقوهم [٤] ورموهم بالنشاب.
فترجل أبو عبيد والناس، ثم قال للناس: أقصدوا الفيلة، وواثب هو الفيل الأبيض، فتعلق ببطانه فقطعه، وفعل القوم مثل ذلك، فما تركوا فيلا إلا حطوا رحله، وقتلوا أصحابه، وقتل من المشركين ستة آلاف في المعركة، ولم ينتظروا غير الهزيمة، فأهوى أبو عبيد، فنفخ مشفر الفيل بالسيف، فخبطه الفيل.
وكان أبو عبيد لما رأى الفيل، قال: ما هذا؟ ولم يكن رآه قط، فقالوا: هذا الفيل، فارتجز وقال:
يا لك من ذي أربع ما أكبرك. ... يا لك من يوم وغى ما أمكنك
стр. 1322
إني لغال بالحسام مشفرك ... وهالك وفي الهلاك لي درك
ثم ضربه على خرطومه فقطعه ووقع عليه الفيل فقتله. فلما بصر الناس بأبي عبيد تحت الفيل ضعفت/ نفوسهم، ثم حاربوا الفيل حتى تنحى عنه فاجتروه إلى المسلمين، وجال المسلمون، فركبهم أهل فارس، وأخذ اللواء سبعة من المسلمين، كلهم يقتل، فبادر عبد الله بْن مرثد الثقفي الجسر فقطعه وانتهى الناس إليه والسيوف تأخذهم، فتهافتوا في الفرات، فأصابوا يومئذ من المسلمين أربعة آلاف من بين غريق وقتيل، وهرب ألفان، وبقي ثلاثة آلاف، وحمى المثنى الناس وعاصم والكلج الضبي ومذعور، حتى عقدوا الجسر وعبروهم ثم عبروا في آثارهم، وخرج الحماة كلهم.
فبينما أهل فارس يحاولون العبور أتاهم الخبر أن الناس بالمدائن قد ثاروا برستم، ونقضوا الذي بينهم وبينه وبلغ عمر الخبر فاشتد عليه، وقال: لو أن أبا عبيد انحاز إلي لكنت له فئة. وقال للمنهزمين: أنا فئتكم.
وكان بين وقعة اليرموك والجسر أربعون ليلة، فكانت اليرموك في جمادى الآخرة، والجسر في شعبان
. قصة البويب
[١] ثم إن المثنى خرج في آثار القوم، فأسر منهم وقتل، وبعث إلى من يليه فاجتمع إليه جمع عظيم، فبلغ ذلك رستم والفيرزان، فبعثا إليه مهران الهمذاني، وبلغ المثنى [الخبر] [٢] ، فجمع النّاس بالبويب، فعبر مهران فنزل على شاطئ الفرات، فنادى المثنى في الناس: انهدوا لعدوكم، قم قال: إني مكبر ثلاثا فتهيئوا، ثم احملوا مع الرابعة.
فلما كبر أول تكبيرة أعجلهم فارس فخالطوهم وركدت الحرب، وهزمت فارس، وهلك مهران، وتمكن المسلمون من الغارة على السواد فيما بينهم وبين دجلة،
стр. 1323
فمخروها، لا يخافون كيدا، وانتقضت مسالح العجم، واعتصموا بساباط، وسرهم أن يتركوا ما وراء دجلة.
وكانت وقعة البويب في رمضان سنة ثلاث عشرة، وكانت تحزر عظام القتلى بمائة ألف
. ذكر قصة الخنافس
[١] / ولما غزا المثنى السواد دل على سوق تجتمع فيه ربيعة وقضاعة والناس يقال لها الخنافس، فأغار عليهم يوم سوقها
. ذكر قصة بغداد
[٢] جاء رجل من أهل الحيرة إلى المثنى، فقال له: هل أدلك على قرية يأتيها تجار مدائن كسرى والسواد ومعهم الأموال، وهذه أيام سوقهم، فإن أغرت عليهم وهم لا يشعرون أصبت فيها مالا يكون غنى للمسلمين، يقوون به على عدوهم دهرهم؟ قال: وكم بينها وبين مدائن كسرى؟ قال: بعض يوم. فأخذ الأدلاء وصبحهم في أسواقهم، فوضع فيهم السيف، فقتل وأخذ، ثم رجع إلى نهر السليحين بالأنبار، وما زال هو وأصحابه يغيرون على الأطراف.
[أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال:
كانت ببغداد في أيام مملكة العجم قرية يجتمع رأس كل سنة التجار، ويقوم بها للفرس سوق عظيمة، فلما توجه المسلمون إلى العراق، وفتح أول السواد، ذكر للمثنى بن حارثة الشيباني أمر سوق بغداد.
فأخبرنا محمد بن أحمد بن رزق البزار، أخبرنا محمد بن الحسن الصواف،
стр. 1324
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْقَطَّانُ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عيسى العطار، أخبرنا إسحاق بن بشر أبو حذيفة، قال: قال] [١] ابن إسحاق: حدثني عبد الله أن أهل الحيرة، قالوا للمثنى:
ألا ندلك على قرية يأتيها تجار مدائن كسرى وتجار السواد، وتجتمع بها كل سنة من أموال الناس مثل خراج العراق، وهذه أيام سوقهم التي يجتمعون فيها، فإن أنت قدرت على أن تغير عليهم وهم لا يشعرون، أصبت بها مالا يكون منه عز للمسلمين، وقوة على عدوهم، وبينها وبين مدائن كسرى عامة يوم، فقال لهم: وكيف لي بها؟ فقالوا له: إن أردتها فخذ طريق البر حتى تنتهي إلى الأنبار، ثم تأخذ رءوس الدهاقين فيبعثون معك الأدلاء، فتسير سواد ليلة من الأنبار حتى تأتيهم ضحى [٢] .
قال: فخرج من الغد ومعه أدلاء أهل الحيرة حتى دخل الأنبار، فنزل، بصاحبها فتحصن منه، فأرسل إليه، انزل فإنك آمن على دينك وقريتك، وترجع سالما إلى حصنك، فتوثق عليه، ثم نزل فَقَالَ: إني أريد أن تبعث معي دليلا يدلني على بغداد، فإني أريد أن أعبر منها إلى المدائن، قال: أنا أجيء معك/ قال المثنى: لا أريد أن تجيء معي، ولكن ابعث معي من يعرف الطريق، ففعل وأمر لهم بعلف وطعام وزاد، وبعث معهم دليلا، فأقبل حتى بلغ المنصف قال لَهُ المثنى: كم بيننا وبين هذه القرية؟ قال: أربع فراسخ أو خمسة، وقد بقي عليك ليل، فقال لأصحابه: انزلوا واقصموا واطعموا وابعثوا الطلائع، فلا تلقون أحدا إلا حبستموه، ثم سار بهم فصبحهم في أسواقهم، فوضع فيهم السيف، فقتل وأخذ الأموال وقال لأصحابه: لا تأخذوا إلا الذهب والفضة، ومن المتاع ما يقدر الرجل منكم على حمله على دابته، وهرب النّاس وتركوا أمتعتهم، وملأ المسلمون أيديهم من الصفراء والبيضاء، ثم رجع حتى نزل نهر السليحين، فقال للمسلمين: احمدوا الله الذي سلمكم وأغنمكم، انزلوا فاعلفوا خيلكم من هذا القصب وعلقوا عليها وأصيبوا من
стр. 1325
أزوادكم، ثم سار حتى انتهى إلى الأنبار. وهذا المثنى هو أول من حارب الفرس في أيام أبي بكر ﵁
. ذكر ما هيج أمر القادسية
[١] اجتمع أهل فارس إلى رستم والفيرزان، فقالوا: قد وهنتما أهل فارس، وأطمعتما فيهم عدوهم، وما بعد بغداد وساباط وتكريت إلا المدائن، والله لتجتمعان أو لنبدأنّ بكما قبل أن يشمت بنا شامت.
فقال رستم والفيروزان لبوران بنت كسرى: اكتبي لنا نساء كسرى وسراريه، ونساء آل كسرى وسراريهم. ففعلت، فأرسلوا في طلبهن، فاجتمعن فسألوهن عن ذكر من أبناء كسرى، فلم يوجد عندهن، فقال بعضهن: لم يبق إلا غلام يدعى يزدجرد من ولد شهريار بن كسرى، وأمه من أهل بادوريا. وكانت في أيام شيري حين قتل الذكور، دلته في زبيل [٢] إلى أخواله، فجاءوا به فملكوه وهو ابن إحدى وعشرين [سنة] ، واطمأنت/ فارس واستوثقت، فكتب بذلك إلى عمر ﵁، فكتب عمر إِلى عمال العرب وذلك في ذي الحجة سنة ثلاث عشرة مخرجه إلى الحج، أن لا تدعوا أحدا له سلاح أو فرس أو نجدة أو رأي إلا انتخبتموه، ثم وجهتم إلي، والعجل العجل.
وحج بالناس [٣] عامئذ عبد الرحمن بن عوف، وكان عامل عمر في هذه السنة على مكة عتاب بن أسيد، وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص، وعلى اليمن يعلى بن أمية، وعلى عمان واليمامة حذيفة بن محصن، وعلى البحرين العلاء بن الحضرمي، وعلى الشام أبو عبيدة، وعلى فرج الكوفة وما فتح من أرضها المثنى بن حارثة، وكان على القضاء علي بن أبي طالب.
стр. 1326
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
١٦٢- الأخنس بن شريق:
واسمه أبي [بن] شريق بن عمرو بن وهب، [وكان اسمه أبي] [١] فلما أشار على بني زهرة بالرجوع إِلى مكة حين توجهوا في النفير إلى بدر يمنعوا العير فقبلوا منه، قيل:
خنس بهم، فسمي الأخنس يومئذ.
أسلم يوم فتح مكة، وشهد مع رسول الله ﵌ حنينا، فأعطاه مع المؤلفة قلوبهم.
وتوفي في أول خلافة عمر ﵁
. ١٦٣-[خولي بن أبي خولي، واسم أبي خولي عمرو بن زهير بن خيثمة: [٢]
شهد بدرا، والمشاهد كلها مع رسول الله ﵌، وتوفي في هذه السنة
. ١٦٤- شيرين بن أردشير [٣] :
مات في هذه السنة
. ١٦٥- سليم، أبو كبشة، مولى رسول الله ﵌ [٤] :
من مولدي أرض دوس، شهد بدرا، والمشاهد كلها، وتوفي يوم استخلف عمر، وذلك يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة من هَذِهِ السنة] [٥]
. ١٦٦- عمرو بن الطفيل بن عمرو بن طريف بن العاص بن ثعلبة بن سليم [٦] :
كان أبوه ورد على رسول الله ﵌ بمكة.
[أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيم بْن عُمَرَ البرمكي، قَالَ:
فَبَيْنَا هُوَ عِنْدَ عُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ إِذْ أُتِيَ بِطَعَامٍ فَتَنَحَّى عَنْهُ، فقال عمر: مالك لَعَلَّكَ تَنَحَّيْتَ لِمَكَانِ يَدِكَ؟ قَالَ: أَجَلْ، قَالَ: والله لا أذوقه حتى تسوطه بيدك، فو الله مَا فِي الْقَوْمِ أَحَدٌ بَعْضُهُ فِي الْجَنَّةِ غَيْرُكَ. ثُمَّ خَرَجَ عَامَ الْيَرْمُوكِ فِي خِلافَةِ عمر بن الخطاب ﵁ فَقُتِلَ شَهِيدًا
. ١٦٧-[عبد الله خليفة رسول الله ﵌، أبو بكر الصديق ﵁:
وقد سبق ذكر موته، توفي في هذه السنة] [١]
. ١٦٨- عكرمة بن أبي جهل، واسمه عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم:
[أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي طاهر، قال: أخبرنا الجوهري، قال: أخبرنا ابن حيوية، قال:
أخبرنا أحمد بن معروف، قال: أخبرنا الحسين بن الفهم، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي حَبِيبَةَ مَوْلَى الزُّبَيْرِ] [٢] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ:
لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ هَرَبَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ إِلَى الْيَمَنِ، وَخَافَ أَنْ يَقْتُلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌، [فَجَاءَتْ زَوْجَتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵌] [٣] / وَكَانَتِ امْرَأَتُهُ أُمُّ حَلِيمِ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ امْرَأَةً لَهَا عَقْلٌ، وَكَانَتْ قَدِ اتبعت رسول الله ﵌، فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّ ابْنَ عَمِّي عِكْرِمَةَ قَدْ هَرَبَ مِنْكَ [إِلَى الْيَمَنِ] ، وَخَافَ أَنْ تَقْتُلَهُ فَأَمِّنْهُ، قَالَ: «قَدْ أَمَّنْتُهُ بِأَمَانِ اللَّهِ، فَمَنْ لَقِيَهُ فَلا يَعْرِضْ لَهُ» فَخَرَجَتْ فِي طَلَبِهِ، فَأَدْرَكَتْهُ فِي سَاحِلٍ مِنْ سَوَاحِلِ تِهَامَةَ وَقَدْ رَكِبَ الْبَحْرَ، فَجَعَلَتْ تُلَوِّحُ إِلَيْهِ وَتَقُولُ: يَا بن عَمٍّ، جِئْتُكَ مِنْ عِنْدِ أَوْصَلِ النَّاسِ، وَأَبَرِّ النَّاسِ، وَخَيْرِ النَّاسِ، لا تُهْلِكْ نَفْسَكَ وَقَدِ اسْتَأْمَنْتُ لَكَ فَأَمَّنَكَ، فَقَالَ: أَنْتِ فَعَلْتِ ذَلِكَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أَنَا كَلَّمْتُهُ فَأَمَّنَكَ، فَرَجَعَ مَعَهَا، فَلَمَّا دَنَا مِنْ مَكَّةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ لأَصْحَابِهِ: «يَأْتِيكُمْ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ مُؤْمِنًا مُهَاجِرًا فَلا تَسُبُّوا أَبَاهُ، فَإِنَّ سَبَّ الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت» .
стр. 1330
قَالَ: فَقَدِمَ عِكْرِمَةُ فَانْتَهَى إِلَى بَابِ رَسُولِ الله ﵌ وَزَوْجَتُهُ مَعَهُ مُتَنَقِّبَةً، قَالَ:
فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فَدَخَلْتُ فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ بِقُدُومِ عِكْرِمَةَ، فَاسْتَبْشَرَ وَوَثَبَ قَائِمًا عَلَى رجليه وما على رسول الله ﵌ رِدَاءٌ فَرِحًا بِعِكْرِمَةَ، وَقَالَ: أَدْخِلِيهِ، فَدَخَلَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ هَذِهِ أَخْبَرَتْنِي أَنَّكَ أَمَّنْتَنِي، فقال رسول الله ﵌: «صَدَقَتْ وَأَنْتَ آمِنٌ» ، قَالَ عِكْرِمَةُ: فَقُلْتُ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّكَ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَقُلْتُ: أَنْتَ أَبَرُّ النَّاسِ، وَأَصْدَقُ النَّاسِ، وَأَوْفَى النَّاسِ، أَقُولُ ذَلِكَ وَإِنِّي لَمُطَأْطِئُ الرَّأْسِ اسْتِحْيَاءً مِنْهُ، ثُمَّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتَغْفِرْ لِي كُلَّ عَدَاوَةٍ عَادَيْتُكَهَا أَوْ مَرْكَبٍ أُوضِعْتُ فِيهِ أُرِيدُ بِهِ إِظْهَارَ الشِّرْكِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «اللَّهمّ اغْفِرْ لِعِكْرِمَةَ كُلَّ عَدَاوَةٍ عَادَانِيهَا، أَوْ نَطَقَ بِهَا أَوْ مَرْكَبٍ أُوضِعَ فِيهِ/ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّ عَنْ سَبِيلِكَ» ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مُرْنِي بِخَيْرِ مَا تَعْلَمُ فَأَعْمَلَهُ، قَالَ: «قُلْ أَشْهَدُ أَنَّ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَجَاهِدْ فِي سَبِيلِهِ» ثُمَّ قَالَ عِكْرِمَةُ: أَمَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لا أَدَعُ نَفَقَةً كُنْتُ أَنْفَقْتُهَا فِي صَدٍّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِلا أَنْفَقْتُ ضِعْفَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا قِتَالا كُنْتُ أُقَاتِلُ فِي صَدٍّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِلا أَبْلَيْتُ ضِعْفَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ اجْتَهَدَ فِي الْقِتَالِ حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا يَوْمَ أَجْنَادِينَ فِي خِلافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَكَانَ رَسُولُ الله ﵌ اسْتَعْمَلَهُ عَامَ حَجٍّ عَلَى هَوَازِنَ بِصَدَقَتِهَا.
[قال محمد بن سعد: وأخبرنا عارم بن الفضل، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب] [١] ، عن ابن أبي مليكة، قال:
لما كان يوم الفتح ركب عكرمة بن أبي جهل البحر هاربا يجب بهم البحر، فجعلت الصواري يدعون الله ويوحدونه، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا مكان لا ينفع فيه إلا الله ، قال: فهذا إله محمد الذي يدعونا إليه، فارجعوا بنا، فرجع فأسلم. وكانت امرأته أسلمت قبله وكانا على نكاحهما.
[قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: وَأَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ أَبُو حُذَيْفَةَ النَّهْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ] [٢] ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ، قَالَ:
قال لي النبي ﵌ يَوْمَ جِئْتُهُ: «مَرْحَبًا بِالرَّاكِبِ الْمُهَاجِرِ، مَرْحَبًا بِالرَّاكِبِ
стр. 1331
الْمُهَاجِرِ» ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لا أَدَعُ نَفَقَةً أَنْفَقْتُهَا عَلَيْكَ إِلا أَنْفَقْتُ مِثْلَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. [قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: وَأَخْبَرَنَا أَبُو سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ] [١] ، عَنْ هِشَامِ [بْنِ يحيى] المخزومي، قال: قال شَيْخٌ لَنَا:
لَمَّا قَدِمَ عِكْرِمَةُ الْمَدِينَةَ جَعَلَ النَّاسُ يَتَنَادَوْنَ: هَذَا ابْنُ أَبِي جَهْلٍ، هَذَا ابن أبي جهل، فانطلق موايلا حَتَّى دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجَةِ النَّبِيِّ ﵌، فَقَالَتْ لَهُ: مَا شَأْنُكَ؟
قَالَ: مَا شَأْنِي، لا أَخْرُجُ إِلَى طَرِيقٍ وَلا سُوقٍ إِلا يُنَادَى بِي: هَذَا ابْنُ أَبِي جَهْلٍ، فدخل رسول الله ﵌/ فِي خِلالِ ذَلِكَ، فَذَكَرَتْ لَهُ أُمُّ سَلَمَةَ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ فِي مَقَالَتِهِ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يُؤْذُونَ الأَحْيَاءَ بِشَتْمِ الأَمْوَاتِ، أَلا لا تُؤْذُوا الأَحْيَاءَ بِشَتْمِ الأَمْوَاتِ» . [قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: وَأَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ] [٢] :
أَنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ كَانَ إِذَا أَجْهَدَ الْيَمِينَ، قَالَ: لا والّذي نجاتي يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانَ يَضَعُ الْمُصْحَفَ عَلَى وَجْهِهِ وَيَقُولُ: كِتَابُ رَبِّي كِتَابُ رَبِّي
. ١٦٩- عتاب بن أسيد:
ولاه رسول الله ﵌ مكة وهو ابن خمس وعشرين سنة، وتوفي بها يوم مات أبو بكر بالمدينة، وكانا قد سما جميعا
. ١٧٠- نعيم النحام بن عبد الله بن أسيد بن عبد عوف [٣] :
أسلم بعد عشرة، وكان يكتم إسلامه وإنما سمي النحام لأن رسول الله ﵌ قال: «دخلت الجنة فسمعت نحمة من نعيم» . ولم يزل بمكة يحوطه قومه [لشرفه فيهم. فلما هاجر المسلمون إلى المدينة أراد الهجرة، فتعلق به قومه] [٤] فقالوا: دن بأي دين شئت وأقم عندنا. فأقام [بمكة] [٥] إلى
стр. 1332
سنة ست، فقدم مهاجرا إلى المدينة [١] ومعه أربعون من أهله، فأتى رسول الله ﵌ فاعتنقه وقبله.
وشهد مَعَ رَسُول الله ﵌ ما بعد الحديبية، وقتل يوم اليرموك [شهيدا] [٢] في هذه السنة
. ١٧١- هشام بن العاص بن وائل بن هشام بن سعيد بن سهم: [٣]
أسلم بمكة قديما، وهاجر إلى الحبشة في الهجرة الثانية، ثم قدم مكة حين بلغه مهاجرة رسول الله ﵌ إلى المدينة يريد اللحاق به، فحبسه أبوه وقومه بمكة حتى قدم المدينة بعد الخندق على النبي ﵌، فشهد ما بعد ذلك من المشاهد، وكان أصغر سنا من أخيه عمرو بن العاص، وكان عمرو يقول: عرضنا أنفسنا على رسول الله ﵌ فقبله وتركني.
[أخبرنا محمد بن أبي طاهر، أنبأنا أَبُو إِسْحَاقَ الْبَرْمَكِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ حَيَّوَيْهِ، أَخْبَرَنَا أحمد بن معروف، أَخْبَرَنَا الحسين بْن الفهم، حَدَّثَنَا محمد بْن سعد، قال:
أخبرنا محمد بن عمر، قال: حَدَّثَني مخرمة بن بكير، عن أم بكر بنت] [٤] المسور بين مخرمة، قالت:
كان هشام بن العاص رجلا صالحا، لما كان يوم أجنادين رأى من المسلمين بعض النكوص عن عدوهم، فألقى المغفر عن وجهه وجعل يتقدم في نحر العدو، وهو يصيح: يا معشر المسلمين إلي إليَّ، أنا هشام بن العاص، أمن الجنة تفرون؟ حتى قتل [٥] .
روى محمد بن عمر: [وحدثني ثور بن يزيد، عن خلف] [٦] بن معدان، قال:
стр. 1333
لما انهزمت [١] الروم يوم أجنادين انتهوا إلى موضع لا يعبره إلا إنسان إنسان، فجعلت الروم تقاتل عليه وقد تقدموه وعبروه، وتقدم هشام بن العاص بن وائل، فقاتلهم عليه حتى قتل، ووقع على تلك الثلمة فسدها، فلما انتهى المسلمون إليها هابوا أن يوطئوه الخيل، فَقَالَ عمرو بن العاص: أيها الناس، إن الله قد استشهده ورفع روحه، وإنما هو جثة، فأوطئوه الخيل، ثم أوطأه هو وتبعه الناس حتى قطعوه، فلما انتهت الهزيمة ورجع المسلمون إلى العسكر، كر إليه عمرو بن العاص، فجعل يجمع لحمه وأعضاءه وعظامه، ثم حمله في نطع فواراه.
وكانت وقعة أجنادين أول وقعة بين المسلمين والروم، وكانت في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة في خلافة أبي بكر ﵁، وكان على الناس يومئذ عمرو بن العاص
. ١٧٢-[واقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عزيز
[٢] :
أسلم قبل دخول رسول الله ﵌ دار الأرقم، وشهد مع عبد الله بن جحش سريته إلى نخلة، وقتل يومئذ عمرو بن الحضرمي. وشهد بدرا والمشاهد كلها مع رَسُولُ الله ﵌، وليس له عقب] [٣] .
стр. 1334
ثُمَّ دخلت سنة أربع عشرة
[١]
فمن الحوادث فيها قصة القادسية [٢]
وذلك أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ خرج في أول [يوم من] [٣] المحرم من سنة أربع عشرة، فنزل على ماء يدعى صرارا، فعسكر به ولا يدري الناس ما يريد، أيسير أم يقيم؟ وكانوا إذَا أرادوا أن يسألوه عن شيء رموه بعثمان أو بعبد الرحمن بن عوف، وكان عثمان يدعى في زمان عمر/ رديفا، وكانوا إذا لم يقدر هذان على شيء مما يريدون ثلثوا بالعباس، قال: فَقَالَ عثمان لعمر: ما بلغك؟ ما الذي تريد؟ فنادى:
الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فأخبرهم الخبر الذي اقتصصناه في ذكر ما هيج أمر القادسية من اجتماع الناس على يزدجرد، وقصد فارس إهلاك العرب فقال عامة الناس:
سر وسر بنا، فقال: استعدوا فإني سائر إلا أن يجيء رأي هو أمثل من هذا.
ثم بعث إلى أهل الرأي، فاجتمع [إليه] أصحاب رسول الله ﵌ وأعلام العرب، فقال: أحضروني الرأي، فاجتمع ملؤهم على أن يبعث رجلا من أصحاب رسول الله ﵌ ويقيم، ويرميه بالجنود، فإن كان الذي يشتهي من الفتح، فهو الذي يريد، وإلا أعاد رجلا وندب جندا آخر.
فأرسل إلى علي ﵁، وكان قد استخلفه على المدينة، وإلى طلحة، وكان قد بعثه عَلَى المقدمة، وجعل على المجنبتين الزبير وعبد الرحمن بن عوف، فقال
стр. 1335
لَهُ عبد الرحمن: أقم وابعث جندا، فليس انهزام جندك كهزيمتك، فقال: إني كنت عزمت على [١] الخروج، فقد رأيت أني أقيم وأبعث رجلا، فمن ترونه؟ فقالوا:
سعد بن مالك، وكان سعد على صدقات هوازن، فكتب إليه عمر أن ينتخب ذوي الرأي والنجدة، فانتخب ألف فارس ثم أرسل إِلَيْهِ، فقدم.
وكتب عمر إلى المثنى [٢] : تنح إلى البر، وأقم من الأعاجم قريبا على حدود أرضك وأرضهم حتى يأتيك أمري.
وعاجلتهم [٣] الأعاجم، فخرج المثنى بالناس حتى نزل العراق، ففرق الناس في مسالحه [٤] ، وكانوا كالأسد ينازعون فرائسهم، وكانت فارس منزعجة.
ولما قدم [٥] سعد ولاه عمر حرب العراق، وقال: يا سعد لا يغرنك إن قيل: خال رسول الله ﵌ وصاحبه، فإنه ليس بين أحد وبين الله نسب إلا الطاعة، وإنك تقدم على أمر شديد، فالصبر الصبر على ما أصابك.
ثم سرحه فيمن اجتمع معه، فخرج قاصدا إلى العراق في أربعة آلاف، ثم أمده عمر بثلاثة آلاف.
وكتب إلى جرير بن عبد الله والمثنى أن يجتمعا إلى سعد، وأمره عليهما، فمات المثنى من جراحة كان قد جرحها.
وبعض الناس يقول: كان أهل القادسية ثمانية آلاف وبعضهم يقول: تسعة آلاف، وبعضهم يقول: اثني عشر ألفا [٦] .
وخرج سعد [٧] في ثمانية آلاف، ثم أضيف إليه خلق، فشهد القادسية مع سعد بضعة وثلاثون ألفا.