← История

История · id 12406

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم

ابن الجوزي

Полный текст (6 790 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

ووجه أبو بكر ﵁ عكرمة بن أبي جهل في خمسمائة مددا لزياد، فقدموا عليه وقد قتل أولئك وغنم أموالهم فأشركهم في الغنيمة. وتحصنت ملوك كندة ومن بقي معهم في النجير وأغلقوا عليهم فجثم عليهم زياد والمهاجر وعكرمة، وكان في الحصن الأشعث بن قيس، فلما طال الحصار، قال الأشعث: أنا أفتح لكم باب الحصن وأمكنكم ممن فيه على أن تؤمنوا لي عشرة، فأعطوه ذلك، ففتح باب الحصن، ثم عزل عشرة [١] أنفس ولم يعد فيهم نفسه وهو يرى أنهم لا يحسبون به في العشرة، فقالوا: إنما صالحناك على عشرة، فنحن نعفو عن هؤلاء ونقتلك لأنك لم تعد نفسك فيهم، فقال لهم: وإن ظنكم ليدلكم على أني أصالح عن غيري وأخرج بغير أمان، فجادلهم وجادلوه، فقالوا: نرد أمرك إلى أبي بكر ﵁ فيرى فيك رأيه، وأمر زياد بكل من في الحصن أن يقتلوا فقتلوا، وكانوا سبعمائة، وسبى نساءهم وذراريهم، وحمل الأشعث إلى أبي بكر ﵁، فزعم أنه قد تاب ودخل في الإسلام، وقال: من علي وزوجني أختك، فإني قد أسلمت، فزوجه أبو بَكْر ﵁ أم فروة بنت أبي قحافة، فولدت له محمدا، وإسحاق، وإسماعيل، فأقام بالمدينة، ثم خرج إلى الشام في خلافة عمر ﵁، وكانت ردة اليمن سنة إحدى عشرة. روى المؤلف بإسناده عن أبي رجاء العطاردي [٢] ، قال: دخلت المدينة فرأيت/ الناس مجتمعين، ورأيت رجلا يقبل رأس رجل وهو يقول: أنا فداؤك، لولا أنت لهلكنا، فقلت: من المقبل ومن المقبل، قالوا: ذاك عمر يقبل رأس أبي بكر ﵄ في قتاله أهل الردة إذ منعوا الزكاة حتى أتوا بها صاغرين . وفي هذه السنة كتب معاذ بن جبل وعمال اليمن إلى أبي بكر يستأذنونه في القدوم، فكتب إليهم: أن رسول الله ﷺ بعثكم لما بعثكم له من أمره، فمن كان أنفذ أمر رسول الله ﷺ فشاء أن

стр. 1262

يرجع فليرجع وليستخلف على عمله، ومن شاء أن يقيم فليقم، فرجعوا. فلما قدم معاذ لقي عمر بن الخطاب فاعتنقا وعزا كل واحد منهما صاحبه برسول الله ﷺ . وكان مع معاذ الخراج، وكان معه وصفاء قد عزلهم، فقال عمر: ما هؤلاء؟ قال: أهدوا لي، فقال عمر: أطعني وائت بهم أبا بكر فليطيبهم لك، قال معاذ: لا لعمري آتي أبا بكر بمالي يطيبه لي، فقال عمر: إنه ليس لك. فلما كان الليل وأصبح أتاه فقال له: لقد رأيتني البارحة كأني أدنو إلى النار، وأنت آخذ بحجزتي، إني وجدت الأمر كما قلت. فأتى أبا بَكْر فاستحلها فأحلهم. فبينما معاذ قائم يصلي رأى رقيقه يصلون كلهم، فقال لهم: ما تصنعون؟ قالوا: نصلي، قال: لمن؟ قالوا: للَّه ، [قال] : [١] فاذهبوا فأنتم للَّه، فأعتقهم. وفي هذه السنة حج بالناس عمر بن الخطاب، وقيل: بل عبد الرحمن بن عوف، وقيل: عتاب بن أسيد. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ١٣٤- ثابت بن أقرن بن ثعلبة بن عدي [٢] : شهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وخرج مع خالد [٣] بن الوليد إلى أهل الردة، فبعثه مع عكاشة فقتلا . ١٣٥- ثابت بن قيس بن شماس بن مالك بن امرئ القيس: [٤] .

стр. 1263

شهد أحدا، والخندق، والمشاهد بعدها [١] / مع رسول الله ﷺ ، وكان خطيبا جهير الصوت. [أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ، أَنْبَأَنَا الْبَرْمَكِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ حَيَّوَيْهِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَهْمِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، أَخْبَرَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ] [٢] ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ جَاءَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ وَقَدْ تَحَنَّطَ وَلَبِسَ ثَوْبَيْنِ أَبْيَضَيْنِ تَكَفَّنَ فِيهِمَا، وَقَدِ انْهَزَمَ الْقَوْمُ، فَقَالَ: اللَّهمّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَهُ هَؤُلاءُ [٣]-[يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ وَأَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ هَؤُلاءِ- يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ-] [٤] ، ثُمّ قَالَ: بِئْسَ مَا عَوَّدْتُمْ أَقْرَانَكُمْ مُنْذُ الْيَوْمِ، خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَاعَةً، فَحَمَلَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ . ١٣٦-[ثابت بن هزال بن عمرو [٥] : شهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وقتل يوم اليمامة] . ١٣٧- ثمامة بن أثال: قتل في هذه السنة . ١٣٨- حبيب بن يزيد مولى عمارة: كان يقول له مسيلمة: أتشهد أني رسول الله، فيسكت، فيقول: [أتشهد أن محمدا رسول الله، فيقول:] نعم، فقطعه أعضاء . ١٣٩- حزن بن أبي وهب: قتل يوم اليمامة . ١٤٠- زيد بن الخطاب، [أخو عمر] [٦] : كان أسن من عمر، وأسلم قبل عمر، وشهد بدرا والمشاهد كلها مع رَسُولُ

стр. 1264

الله ﷺ . [وقَالَ عمر ﵁: سبقني زيد الإسلام والشهادة، وما هبت الصبا قط إلا أتتني بريح زيد. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ، أَخْبَرَنَا الْجَوْهَرِيُّ، أخبرنا ابن حيويه، أخبرنا أحمد بن مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَهْمِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ الْبَجَلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ، عَنْ نَافِعٍ] [١] ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ لأَخِيهِ زَيْدٍ يَوْمَ أُحُدٍ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إِلا لَبِسْتَ دِرْعِي، فَلَبِسَهَا ثُمَّ نَزَعَهَا، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا لَكَ؟ قَالَ: إِنِّي أُرِيدُ لِنَفْسِي مَا تُرِيدُ لِنَفْسِكَ. قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: [وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنِي] [٢] الْحَجَّافُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِنْ وَلَدِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ يَحْمِلُ رَايَةَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ، وَقَدِ انْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى غَلَبَتْ حَنِيفَةُ عَلَى الرِّجَالِ، فَجَعَلَ زَيْدٌ يَقُولُ: أَمَّا الرِّجَالُ فَلا رِجَالَ، ثُمَّ جَعَلَ يَصِيحُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: اللَّهمّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِنْ فِرَارِ أَصْحَابِي، وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ مُسَيْلِمَةُ، وَجَعَلَ يَشْتَدُّ بِالرَّايَةِ يَتَقَدَّمُ بِهَا فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ، ثُمَّ ضَارَبَ بِسَيْفِهِ حَتَّى قُتِلَ وَوَقَعَتِ الرَّايَةُ، فَأَخَذَهَا سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ . ١٤١- سالم مولى أبي حذيفة [٣] : قال ابن سعد: كان لثبيتة بنت يعار الأنصارية، وكانت تحت أبي حذيفة بن عتبة فأعتقته، فتولى أبا حذيفة، وتبناه أبو حذيفة. وقال الخطيب: اسم الذي أعتقته سلمى بنت يعار. وقَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ سالما شديد الحب للَّه» . وكان سالم يؤم المهاجرين/ من مكة حين قدموا، وكان أقرأهم وفيهم أبو بكر

стр. 1265

وعمر، وكان اللواء يوم اليمامة بيد زيد بن الخطاب، فلما قتل أخذه سالم، فقالوا له: إنا نخاف أن نؤتى من قبلك، فقال: بئس حامل القرآن أنا إن أتيتم من قبلي، فقطعت يمينه، فتناولها بشماله فقطعت، فاعتنق اللواء وجعل يقول: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ٣: ١٤٤ [١] ووقف بالراية حتى قتل، فعرض ميراثه على مولاته، فأبت وقالت: أنا سيبته للَّه تعالى. فجعل عمر ميراثه في بيت المال . ١٤٢- سماك بن خرشة، أبو دجانة [٢] : شهد بدرا وأحدا، وثبت مع رسول الله ﷺ يومئذ، وبايعه على الموت، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يومئذ: «من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فقال: أنا، فأخذه ففلق به هام المشركين. [أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ الْبَزَّارُ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الجوهري، أخبرنا أبو عمرو بْنُ حَيُّوَيْهِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَهْمِ، حدثنا محمد بن سعد، عن عبد الله بْنِ جَعْفَرٍ الرَّقَبِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْمُلَيْحِ] [٣] ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، قَالَ: لَمَّا انْصَرَفُوا يَوْمَ أُحُدٍ قَالَ عَلِيٌّ لِفَاطِمَةَ: خُذِي السَّيْفَ غَيْرَ ذَمِيمٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنْ كُنْتِ أَحْسَنْتِ الْقِتَالَ فَقَدْ أَحْسَنَهُ الْحَارِثُ بْنُ الصِّمَّةِ وَأَبُو دُجَانَةَ» [٤] . قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: [وَأَخْبَرَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، قال: حدثنا هشام بن سعد] [٥] ، عن زيد بن أسلم، قال: إنه دخل على أبي دجانة وهو مريض، وكان وجهه يتهلل، فقيل: ما لوجهك يتهلل؟

стр. 1266

فَقَالَ: ما من عملي شيء أوثق من اثنتين، أما إحداهما، فكنت لا أتكلم فيما لا يعنيني، وأما الأخرى فكان قلبي للمسلمين سليما. قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: شهد أبو دجانة اليمامة، وهو فيمن شرك في قتل مسلمة الكذاب، وقتل أبو دجانة يومئذ شهيدا [١] . ١٤٣-[السائب بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى: [٢] شهد أحدا والخندق والمشاهد بعدها مع رسول الله ﷺ وقتل يوم اليمامة . ١٤٤- سليط بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ودّ [٣] : قديم الإسلام بمكة، وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية ثم إلى المدينة، وشهد أحدا وما بعدها، وكأن رسول الله ﷺ وجهه بكتاب إلى هوذة بن علي الحنفي، وقتل سليط يوم اليمامة . ١٤٥- شجاع بن وهب [٤] : شهد بدرا والمشاهد [كلها مع رسول الله ﷺ ] [٥] وقتل يوم اليمامة] [٦] . ١٤٦- عبد الله بن أبي بكر الصديق: أمه قتيلة، أسلم قديما ولم يسمع له بمشهد إلا يوم الطائف، فإنه شهد مع رسول الله ﷺ فرماه أبو محجن بسهم فبقي منه جريحا مدة، ثم اندمل ثم انتقض به في شوال سنة/ إحدى عشرة في خلافة أبيه فمات، ونزل في حفرته عبد الرحمن بن أبي بكر وعمر بن الخطاب ﵄.

стр. 1267

١٤٧- عبد الله بن سهيل بن عمرو [١] : [هاجر [٢] إلى الحبشة الهجرة الثانية، فلما قدم مكة أخذه أبوه فأوثقه وفتنه. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ، أَخْبَرَنَا الجوهري، أخبرنا ابن حيويه، أخبرنا ابن معروف، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْفَهِمِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قال: قال محمد بن عمر: حدثني عطاء [٣] بن محمد بن عمرو بن عطاء، عن أبيه، قال: خرج عبد الله بن سهيل إلى نفير بدر مع المشركين وهو [٤] مع أبيه سهيل في نفقته وحملانه، [٥] ولا يشك أبوه أنه رجع إلى دينه، فلما التقوا انحاز عبد الله بن سهيل إلى المسلمين حتى جاء رسول الله ﷺ قبل القتال، فشهد بدرا مسلما وهو ابن سبع وعشرين سنة، فغاظ ذلك أَبَاهُ غيظا شديدا. قال عبد الله: فجعل الله لي وله في ذلك خيرا كثيرا. وشهد عبد الله أحدا والخندق والمشاهد كلها] [٦] وقتل يوم اليمامة شهيدا [وهو ابن ثمان وثلاثين سنة] [٧] فلما حج أبو بكر الصديق في خلافته أتاه سهيل بن عمرو فعزاه أبو بكر بعبد الله [٨] ، [فقال [٩] سهيل: لقد بلغني أن رسول الله ﷺ ، قال: يشفع الشهيد لسبعين من أهله، فأنا أرجو ألا يبدأ ابني بأحد قبلي . ١٤٨- عبد الله بن مخرمة بن عبد العزى، أبو محمد [١٠] : هاجر إلى الحبشة الهجرتين، وشهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها مع رسول

стр. 1268

الله ﷺ ، وقتل يوم اليمامة شهيدا] [١] . ١٤٩- عباد بن بشر بن وقش بن زغبة، أبو بشر [٢] : أسلم بالمدينة على يدي مصعب بن عمير، وشهد بدرا، وكان ممن قتل كعب بن الأشرف، وجعله رَسُول الله ﷺ علي مقاسم حنين، واستعمله على حرسه بتبوك مدة إقامته هناك، وكانت إقامته عشرين يوما، وشهد يوم اليمامة فقتل شهيدا وهو ابن خمس وأربعين سنة . ١٥٠- عبد الرحمن بن عبد الله بن ثعلبة، أبو عقيل [٣] : شهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ وقتل يوم اليمامة. [أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ الْبَزَّارُ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْن حيويه، أخبرنا أحمد بن معروف، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَهْمِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، أَخْبَرَنَا الْوَاقِدِيُّ، حَدَّثَنَا] [٤] جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَسْلَمَ، قَالَ [٥] : لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْيَمَامَةِ وَاصْطَفَّ النَّاسُ [لِلْقِتَالِ] [٦] . كَانَ أَوَّلَ مَنْ خَرَجَ أَبُو عُقَيْلٍ، رُمِيَ بِسَهْمٍ فَوَقَعَ بَيْنَ مِنْكَبَيْهِ وَفُؤَادِهِ فِي غَيْرِ مَقْتَلٍ، فَأَخْرَجَ السَّهْمَ، وَوَهِنَ لَهُ شِقُّهُ الأَيْسَرُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَجُرَّ إِلَى الرَّحْلِ، فَلَمَّا حَمِيَ الْقِتَالُ وَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ وَجَاوَزُوا رِحَالَهُمْ وَأَبُو عُقَيْلٍ وَاهِنٌ مِنْ جُرْحِهِ سَمِعَ مَعْنَ بْنَ عَدِيٍّ يَصِيحُ: يَا للأنصار، الله اللَّهُ وَالْكَرَّةُ عَلَى عَدُوِّكُمْ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: فَنَهَضَ أَبُو عُقَيْلٍ يُرِيدُ قَوْمَهُ، فَقُلْتُ: مَا فِيكَ قِتَالٌ، قَالَ: قَدْ نَوَّهَ الْمُنَادِي بِاسْمِي. قَالَ ابْنُ عُمَرَ فَقُلْتُ: إِنَّمَا يقول يا للأنصار، ولا يعني الجرحى،

стр. 1269

قال أَبُو عُقَيْلٍ: أنا [رَجُلٌ] [١] مِنَ الأَنْصَارِ وَأَنَا أُجِيبُهُ وَلَوْ حَبْوًا قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَتَحَزَّمَ أبو عقيل وأخذ السَّيْفَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى [مُجَرَّدًا] [٢] ، ثُمَّ جَعَلَ يُنَادِي: يَا لَلأَنْصَارِ كَرَّةً كَيَوْمِ حُنَيْنٍ. فَاجْتَمَعُوا ﵏ جَمِيعًا، يَقْدُمُونَ الْمُسْلِمِينَ [٣] [دُرْبَةً دُونَ عَدُوِّهِمْ] [٤] حتى أقحموا [[٥] عدوهم الحديقة فَاخْتَلَطُوا وَاخْتَلَفَتِ السُّيُوفُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ. قَالَ ابْنُ عمر: فنظرت إلى أبي عقيل وقد قطعت يَدُهُ الْمَجْرُوحَةُ مِنَ الْمِنْكَبِ فَوَقَعَتْ بِالأَرْضِ، وَقُتِلَ عَدُوُّ اللَّهِ مُسَيْلَمَةُ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَوَقَعْتُ عَلَى أَبِي عُقَيْلٍ وَهُوَ صَرِيعٌ بِآَخِرِ رَمَقٍ، فقلت: أَبَا عُقَيْلٍ، فَقَالَ: [٦] لَبَّيْكَ [بِلِسَانٍ مُلْتَاثٍ] ، لِمَنْ الدَّبَرَةُ؟ قَالَ: قُلْتُ: أَبْشِرْ قَدْ قُتِلَ عَدُوُّ اللَّهِ، فَرَفَعَ إِصْبُعَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَحَمِدَ اللَّهَ، وَمَاتَ ﵀. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَأَخْبَرْتُ عُمَرَ بَعْدَ أَنْ قَدَّمْتُ خَبَرَهُ كُلَّهَ، فَقَالَ: ﵀، ما زال يطلب الشهادة ويطلبها، وَإِنْ كَانَ مَا عَلِمْتُ مِنْ خِيَارِ أَصْحَابِ نبينا ﷺ وقديم إسلامهم . ١٥١- فاطمة بْنت رسول الله ﷺ [٧] : ولدت قبل النبوة بخمس سنين، ومرضت بعد رسول الله ﷺ مرضا شديدا، فقالت لأسماء بنت عميس: ألا ترين ما قد بلغت فأحمل على سرير ظاهر، فقالت: لا لعمري ولكن نعشا كما يصنع الحبشة، فقالت: فأرينيه، فأرسلت إلي جرائد رطبة، فقطعت ثم جعلتها على السرير نعشا، فتبسمت فاطمة ﵍ وما رئيت متبسمة إلا يومئذ، وتوفيت ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من رمضان هذه السنة وهي بنت تسع وعشرين سنة، وصلى عليها العباس، ونزل في حفرتها هو، وعلي، والفضل.

стр. 1270

وقال ابن عباس، وعروة: صلى عليها علي ﵁. وقال الشعبي وإبراهيم: صلى عليها أبو بكر ﵁ ودفنت ليلا . ١٥٢- معن بن عدي بن العجلان [١] : شهد العقبة مع السبعين، وَآخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بينه وبين زيد بن الخطاب، فقتلا جميعا يوم اليمامة. شهد معن بدرا وأحدا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، ولما توفي رسول اللَّهِ ﷺ بَكَى النَّاسُ وقالوا: وددنا أنا متنا قبله، نخشى أن نفتن بعد، فقال معن: لكني والله ما أحب أني مت قبله حتى أصدقه ميتا كما صدقته حيا . ١٥٣- نعمان بن عصر بن عبيد بن وائلة [٢] : كذا قال الأكثرون: عصر بكسر العين. وقال هشام بن الكلبي: عصر بفتح العين والصاد. قال ابن عمارة: اسمه لقيط بن عصر. شهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وقتل يوم اليمامة . ١٥٤- هشام بن عتبة بن ربيعة، أبو حذيفة، وقيل هشيم: [٣] شهد بدرا والمشاهد كلها، وقتل يوم الميامة.

стр. 1271

ثُمَّ دخلت سنة اثنتي عشرة فمن الحوادث فيها [مسير خالد إلى العراق وصلح الحيرة] [١] لما فرغ خالد من أمر اليمامة كتب إليه أبو بكر الصديق ﵁ وهو مقيم باليمامة: إني قد وليتك حرب العراق، فاجسر على من ثبت على إسلامه] [٢] وقاتل أهل الردة، ممن بينك وبين العراق من تميم وأسد/ وقيس وعبد القيس، وبكر بن وائل، ثم سر نحو فارس فادخل بهم العراق من أسفلها، فابدأ بفرج الهند، وهي يومئذ الأبلة، وكان صاحبها بساحل أهل السند والهند في البحر، وبساحل العرب في البر، فسار في المحرم إلى أرض الكوفة وفيها المثنى بن حارثة الشيباني، وجعل طريقه البصرة، وفيها قطبة بن قتادة السدوسي. قال الواقدي: من الناس من يقول: مضى خالد من اليمامة إلى العراق، ومنهم من يقول: رجع من اليمامة فقدم المدينة ثم سار إلى العراق، فمر على طريق الكوفة حتى انتهى إلى الحيرة. وروى ابن إسحاق، عن صالح بن كيسان [٣] : أن أبا بكر ﵁ كتب إلى خالد يأمره أن يسير إلى العراق، فمضى خالد يريد العراق حتى نزل بقريّات من [٤]

стр. 1272

السواد، يقال [لها] : بانقيا وباروسما وأليس، فصالحه أهلها، وكان الذي صالحه عليها ابن صلوبا، وذلك في سنة اثنتي عشرة، فقبل منهم خالد الجزية، وكتب لهم كتابا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من خالد بن الوليد لابن صلوبا السوادي- ومنزله بشاطئ الفرات- إنك آمن بأمان الله- إذ حقن دمه بإعطاء الجزية- وقد أعطيت عن نفسك وعن أهلك خرجك وجزيرتك ومن كان في قريتك ألف درهم فقبلتها منك ورضي من معي من المسلمين بها منك، ولك ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ وذمة المسلمين على ذلك. وشهد هشام بن الوليد. ثم أقبل خالد بن الوليد بمن معه حتى نزل الحيرة، فخرج إليه أشرافهم مع قبيصة بن إياس الطائي، وكان أمره عليها كسرى بعد النعمان بن المنذر، فقال له خالد ولأصحابه: أدعوكم إلى الله وإلى الإسلام، فإن أجبتم إليه فأنتم من المسلمين، لكم ما لهم وعليكم ما عليهم، فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم فقد أتيتكم بأقوام هم أحرص على/ الموت منكم عَلَى الحياة، فنجاهدكم حتى يحكم الله بيننا وبينكم. فقال له قبيصة بن إياس: ما لنا بحربك من حاجة بل نقيم على ديننا ونعطيك [الجزية] [١] ، فصالحهم على تسعين ألف درهم، فكانت أول جزية وقعت بالعراق هي والقريات التي صالح عليها ابن صلوبا. وقال هشام بن الكلبي [٢] : إنما كتب أبو بكر إلى خالد وهو باليمامة أن يسير إلى الشام، وأمره أن يبدأ بالعراق فيمر بها، فأقبل خالد يسير حتى نزل النّباج. [قال: وقال أبو مخنف: حدثني حمزة بن علي، عن رجل من بكر بن وائل] [٣] : أن المثنى بن حارثة سار حتى قدم على أبي بكر ﵁، فقال: أمرني على من قبلي من قومي، أقاتل من يليني من أهل فارس وأكفيك ناحيتي، ففعل ذلك، فأقبل

стр. 1273

يجمع قومه وأخذ يغير ناحية كسكر مرة، وفي أسفل الفرات مرة، ونزل خالد بن الوليد النّباج والمثنى بن حارثة [بخفان] [١] معسكر، فكتب إليه خالد بن الوليد ليأتيه، وبعث إليه بكتاب من أبي بكر ﵁ يأمره فيه بطاعته، فانقض إليه [جوادا] [٢] حتى لحق به [٣] . فأقبل خالد يسير، فعرض له جابان صاحب أليس [٤] ، فبعث إليه المثنى بن حارثة، فقاتله فهزمه، وقتل جل أصحابه، إلى جانب نهر، فدعي نهر دم لتلك الوقعة، وصالح أهل أليس [٥] ، وأقبل حتى دنا من الحيرة، فخرجت إليه خيول آزاذبه [٦] صاحب خيل كسرى التي كانت في مسالح ما بينه وبين العرب، فلقوهم بمجتمع الأنهار، فتوجه إليهم المثنى بن حارثة، فهزمهم [الله] [٧] . ولما رأى ذلك أهل الحيرة خرجوا يستقبلونه، فيهم عبد المسيح بن عمرو بن بقيلة، وهاني بْن قبيصة، فقال خالد لعبد المسيح: من أثرك؟ قال: من ظهر أبي، قال: من أين خرجت؟ قال: من بطن أمي، قال: ويحك على أي شيء أنت؟ قال: على الأرض، قال: ويلك في أي شيء أنت؟ قال: في ثيابي، قَالَ: ويحك، تعقل؟ قال: نعم وأقيد، قال: إنما أسألك، قال: وأنا أجيبك، قال: أسلم أنت أم حرب؟ قَالَ: بل سلم، قال: فما هذه الحصون التي أرى؟ قال: بنيناها للسفيه نحبسه حتى يجيء الحليم فينهاه [٨] ، قال خالد: إني/ أدعوكم إلى الإسلام، فإن أبيتم فالجزية، وإن أبيتم

стр. 1274

قاتلتكم، قالوا: لا حاجة لنا في حربك، فصالحهم على تسعين ومائة ألف درهم، فكانت أول جزية حملت إلى المدينة من العراق. وفي رواية أخرى: أن عبد المسيح لما حضر عند خالد وجد معه شيئا يقلبه في كفه، فقال: ما هذا؟ قال: سم، قال: وما تصنع به؟ قال: إن كان عندك ما يوافق قومي حمدت الله وقبلته، وإن كانت الأخرى لم أكن أول من ساق إليهم ذلا أشربه وأستريح من الحياة، قال: هاته. فأخذه خالد، وقال: بسم الله، وباللَّه رب الأرض والسماء الذي لا يضر مع اسمه شيء، ثم أكله فجللته غشية، ثم ضرب بذقنه صدره طويلا ثم عرق وأفاق كأنما نشط من عقال، فرجع ابن بقيلة إلى قومه، فقال: جئتكم من عند شيطان أكل سم ساعة فلم يضره فصانعوا القوم وادرءوهم عنكم فإنهم مصنوع لهم، فصالحوهم على مائة ألف درهم. [قال مؤلف الكتاب] [١] : وهذا عبد المسيح هو ابن [٢] عمرو بن قيس بن حبان بن بقيلة، واسم بقيلة ثعلبة، وقيل: الحارث، وإنما سمي بقيلة، لأنه خرج على قومه في بردين أخضرين، فقالوا: ما أنت إلا بقيلة. وعاش عبد المسيح ثلاثمائة وخمسين سنة، وكان نصرانيا، وخرج بعض أهل الحيرة يخط ديرا في ظهرها، فلما حفر وأمعن وجد كهيئة البيت، ووجد رجلا على سرير من زجاج وعند رأسه كتابة: أنا عَبْد المسيح بن بقيلة ومكتوب بعده: حلبت الدهر أشطر، حياتي ... ونلت من المنى فوق المزيد وكافحت الأمور وكافحتني ... ولم أجعل بمعضلة كؤود وكدت أنال في الشرف الثريا ... ولكن لا سبيل إلى الخلود روى مجالد، عن الشعبي [٣] : أقرأني بنو بقيلة كتاب خالد إلى أهل المدائن: «من خالد بن الوليد إلى مرازبة أهل فارس سلام على من اتبع الهدى، أما بعد/

стр. 1275

فالحمد للَّه الذي سلب ملككم، ووهن كيدكم، وإنه من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم الّذي له ما لنا وعليه ما علينا أما بعد، فإذا جاءكم كتابي هذا فابعثوا إلي [بالرهن] [١] بالتي هي أحسن، [٢] واعتقدوا مني الذمة، وإلا فو الّذي لا إله غيره لأبعثن إليكم قوما يحبون الموت كما تحبون الحياة. فلما قرءوا الكتاب أخذوا يتعجبون، وذلك في سنة اثنتي عشرة. قال الشعبي [٣] : ولما فرغ خالد من اليمامة، كتب إليه أبو بكر ﵁: إن الله فتح عليك فعارق حتى تلقى عياضا. وكتب إلى عياض بن غنم وهو بين النباج والحجاز: أن سر حتى تأتي المصيخ فابدأ بها، ثم ادخل العراق من أعلاها، وعارق حتى تلقى خالدا. وإذنا لمن شَاءَ بالرجوع، [ولا تستفتحا بمتكاره] [٤] . فلما أذنا للناس ارفضوا، فاستمد خالد أبا بكر ﵁، فأمده بالقعقاع بن عمرو التميمي وحده، فقيل أتمده برجل واحد، فقال: لا يهزم جيش فيهم مثل هذا، فأمد عياضا بعبد بْن عمرو الحميري، وكتب إليهما أن استنفرا من قاتل أهل الردة، ومن ثبت على الإِسْلامَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ولا يغزون معكم أحد ارتد حتى أرى رأيي، فلم يشهد الأيام مرتد. فقدم خالد الأبلة وحشر من بينه وبين العراق، فلقي هرمز في ثمانية عشر ألفا، وكتب خَالِد إلى هرمز: أما بعد، وأسلم تسلم، واعقد لنفسك ولقومك الذمة، وأقرر بالجزية، وإلا فلا تلومن إلا نفسك، فقد جئتك بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة. وقال المغيرة بن عيينة وهو قاضي الكوفة: فرق خالد مخرجه من اليمامة إلى العراق جنده ثلاث فرق، ولم يحملهم على طريق واحدة، فسرح المثنى قبله بيومين ودليله ظفر، وسرح عدي بن حاتم، وعاصم بن عمرو ودليلهما [مالك] [٥] بن عباد،

стр. 1276

وسالم بن نصر، أحدهما قبل صاحبه بيوم، وخرج ودليله رافع، فوعدهم جميعا الحفير ليجتمعوا به وليصادفوا عدوهم، وكان فرج الهند [١] / أعظم فروج فارس شأنا واشده شوكة، وكان صاحبه يحارب العرب في البر والهند في البحر. ولما قدم كتاب خالد على هرمز، كتب بالخبر إلى شيري بن كسرى، وإلى أردشير بن شيري، وجمع جموعه وتعجل وجعل على مجنبتيه قباز والنوشجان، ونزلوا على الماء، فجاء خالد، فقال لأصحابه: جالدوهم على الماء، فليصيرن الماء لأصبر الفريقين، وتنازل هرمز وخالد وانهزم أهل فارس وأفلت قباز والنوشجان. وأول ملوك فارس قاتله المسلمون شيري بن كسرى، وبعث خالد بالنفل إلى أبي بكر ﵁ ومعه فيل، فكان يطاف به في المدينة، وكان أهل فارس يجعلون قلانسهم على قدر أحسابهم في عشائرهم، فمن تم شرفه فقيمة قلنسوته مائة ألف، وكان هرمز قد تم شرفه فنفل أَبُو بكر ﵁ خالدا قلنسوته، وكانت مفصصة بالجوهر . [وقعة المذار] [٢] وبعث شيري إلى هرمز قارن بن قريانس مددا له، فلما انتهى إلى المذار بلغته هزيمة القوم، فعسكر هنالك واستعمل على مجنبته قباذ والنوشجان، وقتل من فارس ثلاثون ألفا سوى من غرق وأعطى خالد الأسلاب من سلبها، وقسم الفيء وبعث ببقية الأخماس مع سعيد بن النُّعمان، وكانت وقعة المذار في صفر سنة اثنتي عشرة . [ذكر وقعة الولجة] [٣] وأتى الخبر أردشير، فبعث الأندر في خلق كثير، فلقوا خالدا فاقتتلوا قتالا شديدا، وكان لخالد كمين، فخرج على القوم من وجهين، فانهزمت صفوف الأعاجم، وأخذوا من بين أيديهم ومن خلفهم، ومضى الأندر منهزما فمات عطشا.

стр. 1277

[ذكر خبر أليس وهي على صلب الفرات] [١] ثم إن النصارى وفارس اجتمعوا بأليس وقد وضعوا الأطعمة يأكلون، فقال: كلوا ولا تحفلوا بهم، فعالجهم خالد فقاتلهم، وقال: اللَّهمّ إن لك علي إن منحتني أكتافهم أن لا أستبقي منهم أحدا قدرنا عليه حتى أجري نهرهم بدمائهم. فمنحه الله أكتافهم، فأمر مناديه: الأسر الأسر، ولا/ تقتلوا إلا من امتنع، فضرب أعناقهم في النهر، فقيل: لو قتل أهل الأرض لم تجر دماؤهم، إن الدم لا تزيد على أن تترقرق أرسل عليه الماء تبر يمينك. وكان قد صد الماء عن النهر، فأعاده، فجرى دما عبيطا [٢] ، فسمي نهر الدم لذلك إلى اليوم. وكانت على الماء أرحاء، فطحنت قوت العسكر ثلاثة أيام بالماء الأحمر، وبلغ القتلى سبعين ألفا. ووقف [٣] خالد على طعامهم، فقال لأصحابه: قد نفلتكم الطعام، فكان من لا يعرف خبز الرقاق يقول: ما هذه الرقاع البيض، وجعل من يعرفها [يقول] [٤] : هل سمعتم برقيق العيش؟ هو هذا . [حديث أمغيشيا] [٥] ونفذ خالد إلى أبي بكر ﵁ بفتح أليس، فلما فرغ خالد من وقعة أليس جاء إلى أمغيشيا، وقد جلا أهلها فأمر بهدمها، وكانت مصرا كالحيرة، فأصابوا منها ما لم يصيبوا مثله قط، بلغ سهم الفارس ألف وخمسمائة سوى النفل الذي نفله أهل البلاء . [حديث يوم المقر وفم فرات بادقلي] [٦] ثم خرج آزاذبه وابنه نحو خالد في عسكر كبير، فقتلهم خالد حتى أتى منهم، وهرب آزاذبه، ثُمَّ قصد خالد الحيرة وسار حتى نزل الخورنق والنّجف، وأدخل خالد

стр. 1278

الحيرة الخيل، وأمر كل قائد من قواده بمحاصرة قصر من قصورها، فكان ضرار بن الأزور محاصرا للقصر الأبيض، وفيه إياس بن قبيصة الطائي، وكان ضرار بن الخطاب محاصرا قصر العدسيين [١] وفيه عدي بن عدي، وكان ضرار بن مقرن المازني محاصرا قصر بني مازن وفيه ابن أكال، وكان المثنى محاصرا قصر ابن بقيلة، وفيه عمرو بن عبد المسيح، فدعوهم جميعا، وأجلوهم يوما، فأبى أهل الحيرة [ولجوا] [٢] ، فناوشهم المسلمون. فكان أول القواد أنشب القتال ضرار بن الأزور، وصبح كل أمير ثغره، فأكثروا فيهم القتل، وصاحوا: كفوا عنا حتى تبلغونا إلى خالد، وكان أول من طلب الصلح عمرو بن عَبْد المسيح، وهو بقيلة. فلما وصل الرؤساء إلى خالد، قال: اختاروا واحدة من ثلاث: إما أن تدخلوا في ديننا، وإما الجزية، وإما المناجزة/، فقد والله أتيتكم بأقوام أحرص على الموت منكم على الحياة، قالوا: بل الجزية، فصالحوه على مائة ألف وتسعين ألفا في كل سنة. فبعث بالهدايا والفتح إلى أبي بكر ﵁، فقبلها أبو بكر ﵁، وكتب إلى خالد: احسب لهم هداياهم من الجزية، وصالحهم خالد في ربيع الأول سنة اثنتي عشرة. ثم أنهم كفروا بعد موت أبي بكر ﵁ فحاربهم المثنى ثم عادوا فكفروا فقتلهم سعد . فصل [خبر ما بعد الحيرة] [٣] ولما فتح خالد الحيرة قام شويل، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ يذكر فتح الحيرة، فسألته كرامة بنت عبد المسيح، فقال: «هي لك إذا فتحت عنوة» . وشهد له بذلك،

стр. 1279

[وعلى ذلك صالحهم] [١] ، فدفعها إليه، وكان يهزأ بها دهره، فاشتد ذلك على أهلها، فقالت: ما تخافون على امرأة قد بلغت ثمانين سنة، وإنما هذا رجل أحمق رآني في شبيبتي، فظن أن الشباب يدوم، فلما أخذها قالت: ما أربك إلى عجوز كما ترى، فادني، فقال: لست لأم شويل إن [نقصتك] [٢] من ألف درهم، فاستكثرت ذلك لتخدعه ثم أتته بها. فلما سمع الناس ذلك عنفوه، فقال: ما كنت أرى عددا يزيد على ألف. ولما صالح خالد [٣] أهل الحيرة خرج إليه صلوبا صاحب قس الناطف، فصالحه على بانقيا وبسما على ألوف في كل سنة. وبعث خالد بن الوليد عماله وبعث آخرين على ثغور، ثم إن خالدا كتب إلى أهل فارس وهم في المدائن مختلفون لموت أردشير، وكتب كتابين: كتابا إلى الخاصة، وكتابا إلى العامة، وقال لرجل: ما اسمك؟ قال: مرة قال: خذ هذا الكتاب فأت به أهل فارس، لعل الله أن يمر عليهم عيشهم، وقال لآخر: ما اسمك؟ قال: هزقيل، قال: خذ هذا الكتاب، [وقال] : [٤] اللَّهمّ أرهق نفوسهم، وكان في أحد الكتابين [٥] : «بسم الله الرحمن الرحيم، من خالد بن الوليد إلى ملوك فارس، / أما بعد، فالحمد للَّه الذي حل نظامكم، ووهن كيدكم، وفرق كلمتكم، [ولو لم يفعل ذلك بكم كان شرا لكم] [٦] ، فادخلوا في أمرنا ندعكم وأرضكم، ونجوزكم إلى غيركم، وإلا كان ذلك وأنتم كارهون على أيدي قوم يحبون الموت كما تحبون الحياة» . وكان في الكتاب الآخر [٧] : «بسم الله الرحمن الرحيم، من خالد بن الوليد إلى

стр. 1280

مرازبة فارس، أما بعد، فالحمد للَّه الذي فرق كلمتكم، وفل حدكم، وكسر شوكتكم، فاسلموا تسلموا، وإلا فأدوا الجزية، وإلا فقد جئتكم بقوم يحبون الموت، كما تحبون الخمر» . وكان [١] أهل فارس لموت أردشير مختلفين في الملك، وكانوا بذلك سنة، والمسلمون يمخرون ما دون دجلة وليس لأهل فارس فيما بين الحيرة ودجلة أمر، وأمر خالد رسوليه أن يأتياه بالخبر، وأقام في عمله سنة، ومنزله الحيرة، ويصعد ويصوب، وأهل فارس يخلعون ويملكون، وذلك أن شيري بن كسرى قتل كل من كان يناسبه إلى كسرى بن قباذ، ووثب أهل فارس بعده وبعد أردشير، وبعد أردشير ابنه [٢] ، فقتلوا كل من بين كسرى بن قباذ وبين بهرام جور، فبقوا لا يقدرون على من يملكونه ممن يجتمعون عليه. واستقام لخالد من أسفل الفلاليج إلى أسفل السواد، وفرق سواد الحيرة على جماعة من أصحابه، وفرق سواد الأبلة على جماعة من أصحابه . فصل [حديث الأنبار] [٣] قدم خالد إلى الأنبار، فطاف يخندقهم، وأنشب القتال، وكان قليل الصبر عَن القتال، وتقدم إلى رماته، فقال: إني أرى أقواما لا علم لهم بالقتال، فارموا عيونهم فرموا رشقا واحدًا [٤] ، ففقئت ألف عين، فسميت تلك الوقعة ذات العيون، فأتى خالد أضيق مكان في الخندق [برذايا] [٥] الجيش، فرماهم فيها، فأفعمه، ثم اقتحم الخندق، فقهرهم. وسميت الأنبار لأنه كان فيها أنابير الحنطة والشعير، والقت والتبن، وكان

стр. 1281

كسرى بن هرمز يرزق أصحابه/ منها، وكان يسميها الأهراء في زمان يزدجرد بن سابور، ثم صالح خالد من حولهم، وبعث إليهم أهل كلواذى، وكاتبهم على عيبته من وراء دجلة . فصل [خبر عين التمر] [١] ولما فرغ خالد من الأنبار استخلف عليها الزبرقان بن بدر، وقصد عين التمر، وكان بها مهران بن بهرام في جمع عظيم، [وعقة بن أبي عقة في جمع عظيم من العرب] [٢] ، فقال عقة لمهران: إن العرب أعلم بقتال العرب، فدعنا وخالدا [٣] ، فقال: صدقتم أنتم أعلم، فخدعه واتقى به، فقالت الأعاجم: ما حملك على هذا، فقال: إن كانت له فهي لكم، وإن كانت الأخرى لم تبلغوا منهم حتى تهنوا، فنقاتلهم وقد ضعفوا. فالتقيا فحمل خالد، فأخذ عقة أسيرا وأسر أصحابه وهرب بعضهم، فلما سمع مهران هرب بجنده وترك الحصن، فاعتصم به قلال العرب، فحاصرهم خالد حتى استنزلهم وضرب أعناقهم وعنق عقة، وسبى منهم سبيا كثيرا، ووجد في بيعتهم أربعين غلاما يتعلمون الإنجيل عليهم باب مغلق، فكسره عنهم، وقسمهم، في أهل البلاء، منهم أبو زياد مولى ثقيف، ونصير أبو موسى بْن نصير، وأبو عمرو جد عبد الله بن عبد الأعلى [الشاعر] [٤] ، وسيرين أبو محمد بن سيرين، وحمران مولى عثمان، ومنهم ابن أخت النمر، ويسار مولى قيس بن مخرمة.

стр. 1282

فصل [خبر دومة الجندل] [١] ولما فرغ خالد من عين التمر خلف فيها عويمر بن الكاهن [٢] الأسلمي، وخرج فلما بلغ دومة الجندل، وكان عليها رئيسان أكيدر بن عبد الملك [٣] ، والجودي بن ربيعة، فاختلفا، فقال أكيدر: أَنَا أعلم الناس بخالد، لا يرى وجهه أحد إلا انهزم، فصالحوا، فأبوا، فقال: لن أمالئكم عَلَى حربه وخرج فعارضه جند خالد، فأخذوه فقتل ونجا خالد، فنزل على دومة/ الجندل، فخرج الجودي، فقتل وتحصن أقوام بالحصن فلم يحملهم، فقتل من تخلف، وقلع باب الحصن، فقتل، وسبى خَالِد بنت الجودي، وكانت موصوفة [بالجمال] [٤] وأقام خالد على دومة الجندل، ورد الأقرع بن حابس إلى الأنبار، فتحركت الأعاجم، فكاتبهم عرب الجزيرة غضبا لعقة، فخرج زرمهر ومعه روزبة يريدان الأنبار، واتعدا حصيدا والخنافس، فكتب الزبرقان وهو على الأنبار إلى القعقاع بن عمرو وهو يومئذ خليفة خالد على الحيرة، فبعث القعقاع أعبد بن فدكي السعدي، وأمره بالحصيد، وبعث عروة بن الجعد البارقي [٥] ، وأمره بالخنافس، فقتل زرمهر، وروزبة، وقتل من العجم مقتلة عظيمة، وغنم المسلمون يوم حصيد غنائم كثيرة، وأرز فلال [٦] حصيد إلى الخنافس فقصدهم ابن فدكي، فهربوا إلى المصيخ. قال عدي بن حاتم [٧] : فبلغ الخبر خالدا فقصدهم فقتلهم على المصيخ، وإذا رجل يقال له: حرقوص بن النعمان من عين النمر، وإذا حوله بنوه وامرأته، وإذا بينهم

стр. 1283

جفنة من خمر وهم عكوف يقولون له: ومن يشرب هذه الساعة، فقال: اشربوا شرب وداع، فما أرى أن تشربوا خمرا بعدها، هذا خالد [بالعين] [١] وجنوده [بحصيد] [٢] ، فسبق إليه بعض الخيل، فضربوا رأسه، فإذا هو في جفنته، وأخذنا بناته وقتلنا بنيه . [الثني والزميل] [٣] ثم خرج خالد من المصيخ، فبدأ بالثني، فبيت أهله وسبى، وبعث بخمس الله إلى أبي بكر، فاشترى علي بن أبي طالب ﵁ الصهباء ابنة ربيعة بن بجير، فاتخذها فولدت له عَمْرو ورقية. وكان خالد قد بعث بالمثنى إلى العراق، فأغار على سوق فيها جمع لقضاعة، وهي مكان بغداد اليوم وطعن خالد في البر، وأراد أن يمضي من قراقر إلى سواء، وهما ماءان لكلب، فخاف الضلال، فدلوه على رافع بن عمرو الطائي، وكان هاديا، فقال لخالد: إن الراكب المنفرد ليخاف على نفسه في هذه المفازة، وما يسلكها إلا مغرور، وأنت معك أثقال، فقال: لا بد أن أسلكها، فقال رافع: من استطاع منكم أن يصير أذن راحلته على ماء فليفعل، ثم قَالَ: ابغني عشرين جزورا عظاما سمانا، فأتى بها فأظمأهن حتى أجهدهن عطشا، ثم سقاهن من الماء حتى أرواهن، ثم قطع مشافرهن، ثم جمعهن حتى لا يحترزن فيفسد الماء في أجوافهن، ثُمَّ قال لخالد: سر، فسار فكلما نزلوا نحر من تلك الجزور أربعا فأخذ ما في بطونهن من الماء فسقاه الخيل وشرب الناس مما تزودوا، حتى إذا كان صبيحة اليوم السادس نحر الجزر كلها قال خالد لرافع: ويحك ما عندك؟ قال: أدركت الري إن شاء الله. وكان رافع يومئذ أرمد، فقال: انظروا، هل ترون شجر عوسج على ظهر الطريق؟ قالوا: لا، قال: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، قد والله إذن هلكت وأهلكت، لا أبا لكم انظروا، فما زوال يطلبونها حتى رأوها، فقال: التمسوا قربها ماء، فنظروا فوجدوا عينا

стр. 1284

فشربوا وارتوا، فقال رافع: ما سلكتها قط إلا مع أبي وأنا غلام، فقال بعض المسلمين في ذلك ارتجازا: للَّه در خالد أنى اهتدى ... في زمن قراقر إلى سوى خمسا إذا ما ساره الجيش بكى ... ما سارها قبلك إنسان أرى عند الصباح يحمد القوم السرى قال: فأغار خالد على ناس من ثعلب وبهرا وعلى غسان . فصل [حديث الفراض] ثم قصد الفراض، فحميت الروم واغتاظت واستعانوا بمن يليهم من مشايخ أهل فارس، واستمدوا تغلبا وإيادا والنمر فأمدوهم، ثم ناهدوا خالدا حتى إذا صار الفراض [١] بينهم، قَالُوا: إما أن تعبروا إلينا وإما أن نعبر/ إليكم، قال خالد: بل اعبروا إلينا، قالوا: فتنحوا حتى نعبر، فقال خالد: لا نفعل ولكن اعبروا أسفل منا، وذلك للنصف من ذي القعدة سنة اثنتي عشرة، فقالت الروم وفارس بعضهم لبعض: احتسبوا ملككم، هذا رجل يقاتل عن دين، والله لينصرن ولنخذلن، فعبروا، فقالت الروم: امتازوا حتى نعرف الحسن والقبيح من أينا يجيء، ففعلوا فقاتلوا قتالا طويلا، ثم هزمهم الله، وقال خالد للمسلمين: ألحوا عليهم [ولا ترفهوا عنهم] [٢] . فقتل يوم الفرار مائة ألف، وأقام هناك بعد الوقعة عشرا، ثم أذن في القفول إلى الحيرة لخمس بقين من ذي القعدة، وأمر عاصم بن عمرو أن يسير بهم، وأمر شجرة بن الأغر أن يسوقهم، وأظهر خالد أنه في الساقة.

стр. 1285

[حجة خالد] [١] وخرج خالد حاجا من الفراض [٢] متكتما بحجه، يعتسف البلاد [٣] حتى أتى مكة بالسمت [٤] ، فتأتى له من ذلك ما لم يتأت له بدليل، وصار طريقا من طرق أهل الحيرة، فلما علم أبو بكر بذلك عتب عليه، وكانت عقوبته له أن صرفه إلى الشام، وكتب إليه: سر حتى تأتي بجموع المسلمين باليرموك، وإياك أن تعود لما فعلت، وأتم يتم الله لك ولا يدخلك عجب فتخسر، وإياك أن تدل بعملك فإن الله له المن، وهو ولي الجزاء. وهذا كله كان في سنة اثنتي عشرة . ومن الحوادث في هذه السنة [عمرة أبي بكر ﵁ في رجب] إن أبا بكر اعتمر في رجب، فدخل مكة ضحوة، فأتى منزله وأبو قحافة جالس على باب داره ومعه فتيان يحدثهم، فقيل له: هذا ابنك، فنهض قائما وعجل أبو بكر أن ينيخ راحلته فنزل عنها وهي قائمة، فجعل يقول: يا أبه لا تقم، ثم التزمه وقبل بين عينيه وهو يبكي فرحا بقدومه، وجاء إلى مكة عتاب بن أسيد، وسهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل، والحارث بن هِشَام، فسلموا عليه: سلام عليك يا خليفة رسول الله، وصافحوه جميعا، فجعل أبو بكر يبكي حين يذكرون رسول الله ﵌، وسلموا/ على أبي قحافة، فقال أبو قحافة: يا عتيق هؤلاء الملأ فأحسن صحبتهم، فقال أبو بكر: يا أبه لا حول ولا قوة إلا باللَّه، طوقت عظيما من الأمر لا قوة لي به ولا يدان إلا باللَّه، وقال: هل أحد يشتكي ظلامة، فما أتاه أحد. وأثنى النّاس على واليهم . وفي هذه السنة تزوج عمر بن الخطاب عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل.

стр. 1286

وفيها: تزوج علي ﵇ أمامة بنت أبي العاص بن الربيع. وفيها: اشترى عمر أسلم مولاه. وفي هذه السنة: حج أبو بكر ﵁ بالناس [١] ، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ١٥٥-[بشير بن سعد بن ثعلبة [٢] : شهد العقبة مع السبعين، وبدرا، وأحدا، والمشاهد كلها مع رسول الله ﵌، وبعثه سرية إلى بني مرة بفدك، وقتل يوم عين التمر مع خالد بن الوليد . ١٥٦- ثمامة بن حبيب، أبو مروان، وهو مسيلمة الكذاب: وقد سبقت أخباره . ١٥٧- السائب بن عثمان بن مظعون [٣] : هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وكان من الرماة المذكورين، وشهد بدرا والمشاهد كلها، وأصابه سهم يوم اليمامة، فمات منه وهو ابن بضع وثلاثين سنة . ١٥٨- عبد الله بن عبد الله بن أبي مالك: [٤] : شهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله ﵌ وكان يغمه أمر أبيه، وهو الذي قال له: والله لا تدخل المدينة حتى تقر أنك أذن ورسول الله ﵌ الأعز. واستأذن رسول الله ﵌ في قتله فلم يأذن له، فمات أبوه، فشهده رسول الله ﵌ ووقف على قبره، وعزا ابنه عنه. وقتل عبد الله بن عبد الله يوم جواثا في هذه السنة.

стр. 1287

١٥٩- عكاشة بن محصن بن حرثان بن قيس بن مرة، يكنى أبا محصن [١] : شهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها مع رسول الله ﵌، [وبعثه رسول الله ﵌] [٢] بسرية إلى الغمر في أربعين رجلا، وقتل ببزاخة في هذه السنة، وهو ابن خمس وأربعين سنة . ١٦٠- كناز بن الحصين بن يربوع بن طريف، أبو مرثد الغنوي [٣] : حليف حمزة بن عبد المطلب، شهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله ﵌، وتوفي في هذه السنة وهو ابن ست وستين سنة] [٤] . ١٦١- مهشم [٥] بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف، أبو العاص [٦] : وأمه هالة بنت خويلد، وخالته خديجة زوج رسول الله ﵌. تزوج زينب ابنة. رسول الله ﵌ قبل الإسلام، فولدت له عليا وأمامة. فتوفي علي صغيرا، وبقيت أمامة، فتزوجها علي ﵁ بعد موت فاطمة ﵍. وكانت زينب قد أسلمت وهاجرت وأبى أبو العاص أن يسلم، فشهد بدرا مع المشركين، فأسره عَبْد الله بن جبير بن النعمان، فقدم في فدائه أخوه عمر بن الربيع، وبعثت زينب بنت رسول الله ﵌ وهي يومئذ بمكة بقلادة لها كانت لخديجة من جزع ظفار، وظفار جبل باليمن، وكانت خديجة أدخلتها على أبي العاص بتلك القلادة، فلما بعثت بها في فداء زوجها عرفها رسول الله ﵌، ورق لها وذكر خديجة وترحم عليها، وقال: «إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها متاعها فعلتم» ، فأطلقوه وردوا القلادة، وأخذ رسول الله ﵌ على أبي العاص أن يخلي سبيلها ففعل.

стр. 1288

/ وفي رواية أن أبا العاص كان في عير لقريش، فبعث رسول الله ﵌ زيد بن حارثة في جماعة فأخذوها وأسروا أبا العاص، فدخل أبو العاص على زينب امرأته واستجار بها فأجارته، وسألت رسول الله ﵌ أن يرد عليه ما أخذ منه، ورجع إلى مكة فأدى ما عليه من الحقوق، ثم أسلم ورجع إلى رسول الله ﵌ مسلما مهاجرا، فرد إليه زينب. وتوفي أبو العاص في ذي الحجة من هذه السنة، وأوصى إلى الزبير .

стр. 1289

ثُمَّ دخلت سنة ثلاث عشرة فمن الحوادث فيها تجهيز أبي بكر ﵁ الجيوش إلى الشام بعد منصرفه من حجه [١] [أن أبا بكر ﵁ جهز الجيوش إلى الشام بعد منصرفه من حجه] [٢] فبعث عمرو بن العاص قبل فلسطين، وبعث أبا عبيدة بن الجراح، ويزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة وأمرهم أن يسلكوا التبوكية على البلقاء من علياء الشام [٣] . وأول لواء عقده لواء خالد بن سعيد بن العاص، ثم عزله قبل أن يسير، وولى يزيد بن أبي سُفيان، فكان أول الأمراء الذين خرجوا إلى الشام، وخرجوا في سبعة آلاف [٤] . [أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ الْمَأْمُونِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ حَيَّوَيْهِ، حَدَّثَنَا البغوي، حَدَّثَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ الثِّمَارِ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْحَكَمِ، عَنْ نَافِعٍ] [٥] ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: بَعَثَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ يَزِيدَ [٦] بْنَ أَبِي سُفْيَانَ إِلَى الشَّامِ وَمَشَى مَعَهُمْ نحوا من

стр. 1290

مِيلَيْنِ، فَقِيلَ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، لَوِ انْصَرَفْتَ، فَقَالَ: لا، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ يَقُولُ: «مَنْ أُغْبِرَتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَرَّمَهَا اللَّهُ عَلَى النَّارِ» . ثُمَّ بَدَا لَهُ الانْصِرَافُ، فَقَامَ فِي الْجَيْشِ، فَقَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، لا تَعْصُوا، وَلا تَغُلُّوا، وَلا تَجْبُنُوا، وَلا تَهْدِمُوا بَيْعَةً، وَلا تُعْرِقُوا نَخْلا، وَلا تَحْرُقُوا زَرْعًا، وَلا تَقْطَعُوا شَجَرَةً مُثْمِرَةً، وَلا تَقْتُلُوا شَيْخًا كَبِيرًا وَلا صَبِيًّا صَغِيرًا، وَسَتَجِدُونَ أَقْوَامًا حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ لِلَّذِي حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ لَهُ فَذَرُوهُمْ وَمَا حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ لَهُ، وَسَتَرِدُونَ بَلَدًا يَغْدُو عَلَيْكُمْ وَيَرُوحُ فِيهِ أَلْوَانُ/ الطَّعَامِ فَلا يَأْتِيكُمْ لَوْنٌ إِلا ذَكَرْتُمُ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ . فصل [في سبب عزل خالد بن سعيد] [١] وكان سبب عزل أبي بكر ﵁ خالد بن سعيد ما روى ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بَكْر، قال: قدم خالد بن سعيد من اليمن بعد وفاة رسول الله ﵌، فتربص ببيعة أبي بكر شهرين، ولقي علي بن أبي طالب، وعثمان ﵄، فقال: يا بني عبد مناف، لقد طبتم نفسا عن أمركم يليه غيركم، فأما أبو بكر فلم يجعلها عليه، وأما عمر فاضطغنها عليه. فلما أمره قال عمر: أتؤمره وقد صنع ما صنع، وقال ما قال، فلم يزل به حتى عزله، وأمر يزيد بن أبي سفيان [٢] . ثم جعله ردا بتيماء، فأطاع عمر في بعض أمره، وعصاه في بعض، وقال له: انزل بتيماء ولا تبرح، وادع من حولك بالانضمام إليك، ولا تقاتل إلا من قاتلك حتى يأتيك أمري. فاجتمع إليه جموع كثيرة وبلغ الروم عظم ذلك العسكر، فضربوا على العرب البعوث، فكتب بالخبر إلى أبي بكر ﵁، فكتب إليه، أقدم تحجم، واستنصر الله، فسار إليهم خالد فتفرقوا وأعروا منزلهم فنزله، ودخل عامة من كان يجمع له في الإسلام، فسار بمن معه فأقبل إليه بطريق من بطارقة الروم يدعى باهان فهزمه وقتل جنده، وكتب بذلك إلى أبي بكر الصديق واستمده.

стр. 1291

ولما بلغ [١] [الخبر] [٢] الروم وأحوال الأمراء المبعوثين كتبوا إلى هرقل، فقال لأصحابه: أرى من الرأي ألا تقاتلوا هؤلاء القوم، وأن تصالحوهم، فلم يقبلوا منه، فخرج هرقل حتى نزل بحمص، فعبى لهم العساكر، وبعث إلى تذارق، فخرج في تسعين ألفا، فنزلوا على فلسطين، وبعث جرجة بن وذار نحو يزيد ابن أبي سفيان. فعسكر بإزائه، وبعث إليه الدّارقص فاستقبل شُرَحْبيل بن حسنة، وبعث الفيقار بن نسطوس في ستين ألفا نحو أبي عبيدة، فهابهم المسلمون، وكتب المسلمون إلى أبي بكر/ وإلى عمر: ما الرأي؟ فكتب عمر: الرأي الاجتماع، فاتعدوا باليرموك، وجاء كتاب إلى أبي بكر ﵁ بمثل رأي عمر، اجتمعوا باليرموك، فتكونوا عسكرا واحدا، ولن يؤتى مثلكم من قلة، الله ناصر من نصره، وليصل كل رجل منكم بأصحابه. فبلغ ذلك هرقل، فكتب إلى بطارقته: اجتمعوا لهم، وانزلوا بالروم منزلا واسع العطن [٣] ، واسع المطرد، ضيق المهرب، وعلى الناس التذارق، وعلى المقدمة جرجه، وعلى مجنّبتيه باهان والداراقص، وعلى العرب الفيقار. ففعلوا [٤] ونزلوا الواقوصة، وهي على ضفة اليرموك، وصار الوادي خندقا لهم، ونزل المسلمون بحذائهم على طريقهم، وليس للروم طريق إلا عليهم، فقال عمرو: أبشروا حصرت [٥] الروم، وقلما حاصر قوم قوما إلا ظفروا بهم، وأقاموا بذلك صفر من سنة ثلاث عشرة، وشهري ربيع لا يقدرون من الروم على شيء، ولا يخلصون إليهم ولا يخرج الروم خرجة إلا أديل [٦] [المسلمون] [٧] عليهم.

стр. 1292

وكتب أبو بكر إلى خالد أن يلحق بهم، وأمره أن يخلف على العراق المثنى، فوافاهم في ربيع، وأمد هرقل الروم بباهان، فطلع عليهم وقد قدم قدامه الشمامسة والرهبان والقسيسين [١] يحضونهم [٢] على القتال، فوافى قدومهم قدوم خالد، فقاتل خالد باهان، وقاتل الأمراء من يليهم، فهزم باهان، وتتابعت الروم على الهزيمة، فاقتحموا خندقهم. وكان المشركون مائتي ألف وأربعين ألفا، منهم ثمانون ألف مقيد، وأربعون ألفا مسلسل للموت، وأربعون ألفا مربطون بالعمائم للموت، وثمانون ألف فارس، وثمانون ألف راجل. وكان المسلمون سبعة وعشرين ألفا إلى أن قدم خالد في تسعة آلاف، فصاروا ستة وثلاثين ألفا. وقيل: ستة وأربعين ألفا، فمرض أبو بكر ﵁، وتوفي قبل الفتح بعشر ليال . ذكر خبر اليرموك [٣] لما اجتمع القوم باليرموك أخذ الرهبان يحرضونهم/ وينعون إليهم النصرانية، فخرجوا للقتال في جمادى الآخرة، فقام خالد في الناس، فقال: اجتمعوا وهلموا فلنتعاور الإمارة، فليكن عليها بعضنا اليوم، والآخر غدا، والآخر بعد غد، [حتى يتأمر كلكم] [٤] ، ودعوني اليوم إِلى أمركم، فإنا إن رددنا القوم إلى خندقهم لم نزل نردهم، وإن هزمونا لم نفلح بعدها. فأمروه، فخرجت الروم في تعبية لم ير الراءون مثلها، وخرج خالد في ستة وثلاثين كردوسا [٥] إِلى أربعين، فجعل القلب كراديس، وأقام فيه أبا عبيدة، وجعل الميمنة كراديس وعليها عَمْرو بن العاص وفيها شرحبيل بن حسنة، وجعل الميسرة كراديس وعليها يزيد بن أبي سفيان، وكان على كردوس من كراديس العراق القعقاع بن عمرو، وعلى كردوس مذعور بن عدي، وعياض بن غنم على كردوس،

стр. 1293

وهاشم بن عتبة على كردوس، وزياد بن حنظلة على كردوس، وخالد في كردوس. وعلى فالة خالد بْن سعيد دحية بن خليفة على كردوس، وأبو عبيدة في كردوس، وسعيد بن خالد على كردوس، وأَبُو الأعور بن سفيان على كردوس، وابن ذي الخمار على كردوس، وفي الميمنة عمارة بن مخشي بن خويلد على كردوس، وشرحبيل على كردوس ومعه خالد بن سعيد، وعبد الله بن قيس على كردوس، وعمرو بن عبسة على كردوس، والسمط بن الأسود على كردوس، وذو الكلاع على كردوس، ومعاوية بن حديج على كردوس، وجندب بن عمرو بن حممة [١] على كردوس، وعلى هذا بقية الكراديس. وكان قاضي [٢] القوم أبا الدرداء، وكان القاص فيهم أبو سفيان بن حرب، يسير فيهم فيقف عَلَى الكراديس فيقول الله الله، إنكم أنصار الإسلام، اللَّهمّ هذا يوم من أيامك، اللَّهمّ أنزل نصرك على عبادك. وكان على الطلائع قباث بن أشيم، وعلى الأقباض [٣] عبد الله/ بن مسعود. فشهد اليرموك ألف من أصحاب رسول الله ﵌، فيهم نحو مائة من أهل بدر. ونشب القتال [٤] ، والتحم الناس، وتطارد الفرسان، فإنهم على ذلك إذ قدم البريد من المدينة، وهو محمية بن زنيم، فأخذته الخيول، وسألوه الخبر، فلم يخبرهم إلا بسلامة، وأخبرهم عن أمداد، وإنما جاء بموت أبي بكر وتأمير أبي عبيدة، فأبلغوه خالدا، فأسر إليه خبر أبي بَكْر ﵁، فأخبره بما قال للجند، فقال: أحسنت، وأخذ الكتاب وجعله في كنانته، وخاف إن هو أظهر ذلك أن ينتشر عليه أمر الخيل، فوقف محمية [بن زنيم] مع خالد. [أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، قال: أخبرنا ابن المذهب، قال: أخبرنا أحمد بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن جعفر، قال:

стр. 1294

حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ] [١] عَيَّاضَ الأشعري، قال: شهدت اليرموك وَعَلَيْنَا خَمْسَةً أُمَرَاءٍ: أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَابْنُ حَسَنَةَ، وَخَالِدُ بن الوليد، وعياض- وليس عياض هذا بالذي حَدَّثَ سِمَاكًا عَنْهُ- قَالَ: وَقَالَ عُمَرُ ﵁: إِذَا كَانَ قِتَالٌ فَعَلَيْكُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ، قَالَ: فَكَتَبْنَا إِلَيْهِ: إِنَّهُ قَدْ جَاشَ إِلَيْنَا الْمَوْتُ وَاسْتَمْدَدْنَاهُ. فَكَتَبَ إِلَيْنَا: إِنَّهُ قَدْ جَاءَنِي كِتَابُكُمْ تَسْتَمِدُّونِي، وَإِنِّي أَدَلُّكُمْ عَلَى مَنْ هُوَ أَعَزُّ نَصْرًا وَأَحْضَرُ جُنْدًا، اللَّهُ ، فاستنصروه، فإن محمدا ﵌ قَدْ نُصِرَ يَوْمَ بَدْرٍ فِي أَقَلِّ مِنْ عِدَّتِكُمْ، فَإِذَا أَتَاكُمْ كِتَابِي هَذَا فَقَاتِلُوهُمْ وَلا تُرَاجِعُونِي. قال: فقتلناهم فهزمناهم، وقتلناهم أربع فراسخ. قال: وأصبنا أموالا، فتشاوروا، فأشار علينا عياض: أن نعطى عن كل رأس عشرة، قال: وقال أبو عبيدة: من يراهني؟ فقال شاب: أنا إن لم تغضب. قال: فسبقه، فرأيت عقيصتي [٢] أبي عبيدة تنفران [٣] وهو خلفه على فرس عربي [٤] . قال علماء السير: وخرج جرجة [٥] ، حتى كان بين الصفين، ونادى: ليخرج إلي خالد، فخرج إليه خالد وأقام [٦] أبا عبيدة مكانه/، [فوافقه بين الصفين، حتى اختلفت أعناق دابتيهما، وقد أمن أحدهما صاحبه] [٧] فقال جرجة: يا خالد، أصدقني ولا تكذبني فإن الحر لا يكذب، ولا تخادعني فإن الكريم لا يخادع المسترسل باللَّه، هل أنزل الله على نبيكم سيفا من السماء فأعطاكه. فلا تسله على أحد [٨] إلا هزمتهم؟ قال: لا، قال: فبم سميت سيف الله؟ قال: إن الله بعث فينا نبيه، فدعانا فنفرنا

стр. 1295

منه [١] ، ونأينا عنه، ثم بعضنا صدقه وتابعه، وبعضنا باعده وكذبه، فكنت فيمن كذبه وقاتله، ثم إن الله تعالى أخذ بقلوبنا فهدانا به، فتابعناه [٢] . فقال: «أنت سيف من سيوف الله سله على المشركين» ، ودعا لي بالنصر، فسميت سيف الله بذلك، فأنا من أشد المسلمين على المشركين. فَقَالَ: صدقتني يا خالد، أخبرني إلام تدعون؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، والإقرار بما جاء به من عند الله، قال: فمن لم يجبكم؟ قال: فالجزية، قَالَ: فإن لم يجبكم ويعطها، قال: نؤذنه بحرب، ثم نقاتله، قال: فما منزلة الذي [يدخل فيكم و] يجيبكم إلى هذا الأمر اليوم؟ قال: منزلتنا [واحدة] [٣] قال: هل لمن دخل فيه اليوم مثل ما لَكُمْ من الأجر؟ قال: نعم، قال: وكيف يساويكم وقد سبقتموه، قال: إنا دخلنا في هذا الأمر ونبينا حي بين أظهرنا يأتيه خبر السماء، وحق لمن رأى ما رأينا أن يسلم ويتابع [٤] ، وإنكم أنتم لم تروا ما رأينا، ولم تسمعوا ما سمعنا من العجائب والحجج، فمن دخل في هذا الأمر بنية حقيقية كان أفضل، فقال له: صدقتني، وقلب الترس ومال مع خالد، وقال: علمني الإسلام، فمال به خالد إلى فسطاطه، فشن عليه ماء، ثم صلى به ركعتين، وحملت الروم مع انقلابه إلى خالد، وهم يرون أنها منه حيلة، فأزالوا المسلمين عن مواقفهم إلا المحامية، عليهم عكرمة والحارث بن هشام. وركب خالد ومعه جرجة/ وتراجعت الروم إلى مواقفهم فزحف خالد حتى تصافحوا بالسيوف، فضرب فيهم خالد وجرجة من لدن ارتفاع النهار إلى جنوح الشمس للغروب، ثم أصيب جرجة، ولم يصل صلاة سجد فيها إلا الركعتين [٥] اللتين أسلم عليهما، وصلى الناس الظهر والعصر إيماء، وتضعضع الروم، ونهد خالد بالقلب حتى كان بين خيلهم [٦] ورجلهم وهربوا، فانفرج المسلمون لهم، فذهبوا في البلاد، وأقبل المسلمون على الرجل ففضوهم، فاقتحموا في خندقهم، فتهافت عشرون ومائة ألف،

стр. 1296

وكان الفيقار قد بعث رجلا عربيا، فقال: ادخل في هؤلاء القوم يوما وليلة، ثم ائتني بخبرهم، فجاء فقال: بالليل رهبان وبالنهار فرسان، ولو سرق ابن ملكهم قطعوا يده، ولو زنا رجم لإقامة الحق فيهم، فَقَالَ: لبطن الأرض خير من لقاء هؤلاء على ظهرها، فلما أقبلوا تجلجل الفيقار وأشراف من الروم برانسهم، ثم جلسوا وقالوا: لا نحب أن نرى يوم السوء إذا [١] لم نستطع أن نرى يوم السرور، وإذ لم نستطع أن نمنع النصرانية فأصيبوا في تزملهم. وقال عكرمة بن أبي جهل يومئذ [٢] : قاتلت رسول الله ﵌ في كل موطن، وأفر منكم اليوم، ثم نادى: من يبايع على الموت؟ فبايعه الحارث بن هشام، وضرار بن الأزور في أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم، فقاتلوا قدام فسطاط خالد حتى أثبتوا جميعا جراحا. وأتى خالد [بعد ما أصبحوا] [٣] بعكرمة جريحا، فوضع رأسه على فخذه، وبعمرو بن عكرمة فوضع رأسه على ساقه، وجعل يمسح عن وجوههما [٤] ، ويقطر في حلوقهما الماء، [ويقول: كلا، زعم ابن الحنتمة أنا لا نستشهد] [٥] . وأصيبت يومئذ عين أبي سفيان، فأخرج السهم من عينه [أبو] [٦] حثمة. وقاتل النساء يومئذ، منهن جويرية [٧] بنت أبي سفيان [٨] . وقتل الله أخا هرقل، وأخذ التذارق [٩] ، وانتهت الهزيمة إلى هرقل وهو دون مدينة حمص، فارتحل فجعل مدينة حمص بينه وبينهم [١٠] .

стр. 1297

كانت وقعة اليرموك في سنة/ ثلاث عشرة، وكانت أول فتح فتح على عمر بعد عشرين ليلة من متوفى أبي بكر ﵁. وأما الواقدي فإنه يقول في سنة خمس عشرة. [أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، ومحمد بن ناصر، قالا: أَخْبَرَنَا ابْن المبارك بْن عَبْد الجبار، أَخْبَرَنَا أبو مُحَمَّد الجوهري، أخبرنا أبو عمرو بن حيوية، أخبرنا أبو بكر بن الأنباري، قال: حَدَّثَني أبي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بن عبيد] [١] ، عن ابن الأعرابي، قال: استشهد باليرموك عكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، وجماعة من بني المُغِيرة، فأتوا بماء وهم صرعى، فتدافعوه حتى ماتوا ولم يذوقوه. أتي عكرمة بالماء، فنظر إِلى سهيل بن عمرو ينظر إليه، فقال: ابدءوا بذا، فنظر سهيل إلى الحارث بن هشام ينظر إليه، فقال: ابدءوا بذا، فماتوا كلهم قبل أن يشربوا، فمر بهم خالد، فقال: بنفسي أنتم. كذا في هذه الرواية عن ابن الأعرابي. فأما عكرمة فاستشهد، وأما الحارث وسهيل فاستشهدا بعد ذلك بزمان. قال علماء السير: وأتى خالد دمشق فجمع له صاحب بصرى، فسار إليه هو وأبو عبيدة، فظفروا بالعدو، وطلب العدو الصلح فصولحوا على كل رأس دينار في كل عام، وجريب حنطة، ثم رجع العدو على المسلمين، فتوافت جنود المسلمين والروم بأجنادين، فالتقوا يوم السبت لليلتين بقيتا من جمادى الأولى، فظهر المسلمون على المشركين، وقتل خليفة هرقل في رجب . وكان من الحوادث في هذه السنة [وقعة جرت بالعراق بعد مجيء خالد إلى الشام] [٢] أنه استقام أمر فارس على شهربراز بن أردشير بن شهريار، فوجه إلى المثنى الذي استخلفه خالد على العراق جندا عظيما عليهم هرمز بن جاذويه في عشرة آلاف، ومعه فيل،

стр. 1298

وكتب مسالح [١] المثنى إليه بإقبال العدو، فخرج المثنى من الحيرة نحوه، وضم إليه المسالح [٢] وأقام ببابل، وأقبل هرمز بن جاذويه، وكتب إلى المثنى: إني قد بعثت إليك جندا من وخش أهل [٣] فارس، إنما هم رعاة الدجاج/ والخنازير، فلست أقاتلكم إلا بهم. فأجابه المثنى: إن الّذي يدل عليه الرأي أنكم اضطررتم إلى ذلك، فالحمد للَّه الذي رد كيدكم إلى رعاة الدجاج والخنازير. فجزع أهل فارس من كتابه [٤] وقالوا: جرأت علينا عدونا. فالتقوا ببابل، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم أن ناسا من المسلمين قصدوا الفيل وقتلوه، فانهزم أهل فارس، واتبعتهم المسلمون يقتلونهم، ومات شهربراز حين انهزم هرمز بن جاذويه. ثم اجتمع أهل فارس على دخت زنان ابنة كسرى، فلم ينفذ لها أمر فخلعت [٥] . وملك سابور بن شهربراز [٦] ، وقام بأمره الفرخزاذ بن البندوان، فسأله أن يزوجه آزرميدخت بنت كسرى، ففعل فغضبت من ذلك، وقالت: يا ابن عم أتزوجني عبدي؟ فقال: استحيي من هذا الكلام [ولا تعيديه] [٧] ، فإنه زوجك. فشكت إليه الذي تخاف، فقال لها: قولي له، ليقل له فليأتك فأنا أكفيكه. فلما كانت ليلة العرس [أقبل الفرخزاد حتى دخل] [٨] ، فثار به سياوخش، فقتله ومن معه، ثم نهد بها إلى سابور فحضرته ثم دخلوا عليه فقتلوه. وملكت آزرميدخت بنت كسرى، وأبطأ خبر المسلمين على أبي بكر ﵁، فخلف المثنى على المسلمين بشير بن الخصاصية، فخرج إلى أبي بكر رضي الله

стр. 1299

عَنْهُ ليخبره خبر المسلمين والمشركين ويستأذنه في الاستعانة بمن ظهرت توبته وندمه من أهل الردة، فقدم المدينة وأبو بكر ﵁ مريض، فقال لعمر: إني أرجو أن أموت من يومي هذا، فلا تمسين حتى تندب الناس مع المثنى، وإن تأخرت إلى الليل فلا تصبحن حتى تندب الناس معه، ولا تشغلنكم مصيبة عن دينكم، وقد رأيتني متوفى رسول الله ﵌ وما صنعت. فمات أبو بكر ﵁ وندب عمر الناس مع المثنى . ومن الحوادث في هذه السنة مرض أبي بكر ﵁ [١] / وحدث في مرضه أنه عقد الخلافة من بعده لعمر ﵄. ولما أراد [٢] ذلك دعا عبد الرحمن بن عوف، فقال: أخبرني عن عمر [بن الخطاب] [٣] ، فقال: هو والله أفضل من رأيك فيه من رجل، [ولكن] [٤] فيه غلظة، فقال أبو بكر: ذاك لأنه يراني رقيقا، ولو أفضى الأمر إليه لترك كثيرا مما هو عليه، ثم دعا عثمان [ابن عفان] [٥] فقال: أخبرني عن عمر، فَقَالَ: أنت أخبرنا به، فقال: على ذلك [يا أبا عبد الله، فقال عثمان] [٦] : اللَّهمّ [علمي به] [٧] أن سريرته خير من علانيته، وأنه ليس فينا مثله، فقال أبو بكر ﵁: [يرحمك الله، والله] [٨] لو تركته ما عدوتك. ثم قال له [٩] : اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما عهد أبو بكر بن أبي

стр. 1300

قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجا [منها] [١] ، وأول عهده بالآخرة داخلا فيها حين يؤمن الكافر ويوقن الفاجر، [ويصدق الكاذب] [٢] ، إني استخلفت عليكم. ثم أغشي عليه، فكتب عثمان: [إني أستخلف عليكم] [٣] عمر بن الخطاب. فلما أفاق أبو بكر قال: اقرأ علي، فقرأ عليه، فكبر وقال: أراك خفت أن يختلف الناس إن أفلتت نفسي في غشيتي، قال: نعم، قال: جزاك الله خيرا عن الإسلام وأهله، وأقرها أبو بكر ﵁، وأمره فخرج عَلَى الناس بالكتاب، فبايعوه لمن فيه، قد علموا أنه عمر، ودخل عليه قوم، فقالوا: ما تقول لربك إذا سألك عن استخلافك عمرو أنت ترى غلظته، فقال: أجلسوني، أباللَّه تخوفوني، خاب من تزود من أمركم بظلم، أقول اللَّهمّ استخلفت عليهم خير أهلك. ثم دعا عمر وأوصاه. [أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الجوهري، قَالَ: أخبرنا أبو عمرو بن حيوية، قال: أخبرنا أحمد بن معروف، قال: أخبرنا الحسين بن الفهم، قال: حدثنا محمد بن سَعْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مُسْرُوقٍ] [٤] ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمَّا مَرِضَ أَبُو بَكْرٍ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، قَالَ: انْظُرُوا مَا زَادَ فِي مَالِي مُنْذُ دَخَلْتُ الإِمَارَةَ فَابْعَثُوا بِهِ إِلَى الْخَلِيفَةِ مِنْ بَعْدِي، فَإِنِّي قَدْ كُنْتُ اسْتَصْلَحْتُهُ جَهْدِي، وَكُنْتُ أُصِيبُ مِنَ [الْوَدَكِ نَحْوًا مِمَّا كُنْتُ أُصِيبُ فِي] [٥] التِّجَارَةِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَمَّا مَاتَ نَظَرْنَا فَإِذَا عبد/ نوبي كان يحمل صبيانه، وإذا نَاضِحٌ كَانَ يَسْقِي بُسْتَانًا لَهُ، فَبَعَثْنَا بِهِمَا إِلَى عُمَرَ، قَالَتْ: فَأَخْبَرَنِي حَرْبِيٌّ- يَعْنِي رَسُولِي- أَنَّ عُمَرَ بَكَى وَقَالَ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ لَقَدْ أَتْعَبَ مَنْ بَعْدَهُ تَعَبًا شديدا.
следующие страницы →