← История

История · id 12406

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم

ابن الجوزي

Полный текст (6 790 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

فَنَجْعَلُهُ [١] إِلَيْهِ، وَاللَّهُ عَلَيْهِ وَالإِسْلامُ لَيَنْظُرَنَّ [٢] أَفْضَلَهُمْ فِي نَفْسِه [٣] ؟ فَأُسْكِتَ الشَّيْخَانِ. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَفَتَجْعَلُونَهُ [٤] إِلَيَّ وَاللَّهِ عَلَيَّ أَنْ لا آلُو عَنْ أَفْضَلِكُمْ؟ قَالا: نَعَمْ. فَأَخَذَ بِيَدِ أَحَدِهِمَا فَقَالَ: لَكَ قَرَابَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ وَالْقِدَمُ فِي الإِسْلامِ مَا قَدْ عَلِمْتَ، فاللَّه [٥] عَلَيْكَ لَئِنْ أَمَرْتُكَ لَتَعْدِلَنَّ، وَلَئِنْ أَمَّرْتُ عُثْمَانَ لَتَسْمَعَنَّ وَلَتُطِيعَنَّ. ثُمَّ خَلا بِالآخَرِ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ. فَلَمَّا أَخَذَ الْمِيثَاقَ قَالَ: ارْفَعْ يَدَكَ يَا عُثْمَانُ، فَبَايَعَهُ، فَبَايَعَ لَهُ [٦] عَلِيٌّ، وَوَلَجَ أَهْلُ الدَّارِ فَبَايَعُوهُ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ [٧] . ولما مَات عُمَر قدم الطعام بَيْنَ أيدي النَّاس عَلَى عادتهم فامتنعوا لموضع حزنهم، فابتدأ العَبَّاس [٨] . [أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ غَيْلانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر الشَّافِعِي قَالَ: حَدَّثَنَا موسى بن يُونُسَ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ] [٩] ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: إِنَّ قُرَيْشًا رُؤَسَاءُ النَّاسِ، لا يَدْخُلُونَ بَابًا [١٠] إِلا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْهُ خَيْرًا. فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ وَاسْتُخْلِفَ صُهَيْبٌ عَلَى إِطْعَامِ النَّاسِ، وَحَضَرَ النَّاسُ وَفِيهِمُ الْعَبَّاسُ، فَأَمْسَكَ النَّاسُ بِأَيْدِيهِمْ عَنِ الأَكْلِ، فَحَسَر عَنْ ذِرَاعَيْهِ وَقَالَ: يا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ مَاتَ فَأَكَلْنَا، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ مَاتَ فَأَكَلْنَا، وَإِنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الأَكْلِ. فَضَرَبَ بِيَدِهِ، وَضَرَبَ الْقَوْمُ بِأَيْدِيهِمْ. فَعَرَفَ قَوْلَ [١١] عُمَرَ: إن قريشا رؤساء [الناس] [١٢] .

стр. 1507

٢٣٣- قَتَادَة بْن النعمان بْن زَيْد بْن عامر، أَبُو عَبْد اللَّهِ الأَنْصَارِي [١] ﵁ . شهد بدرا وأحدا، وأصيبت عينه يومئذ، فسالت عَلَى وجنتيه، فأتى رَسُول اللَّه ﵌ فَقَالَ: يا رَسُول اللَّه، إِن عندي امرأة أحبها، وإن هِيَ رأت عيني خشيت أَن تقذرني/ فردها رَسُول اللَّه ﵌ بيده، فاستوت ورجعت، وكانت أقوى عينيه وأصحهما بَعْد أَن كبر. وشهد الخندق والمشاهد كلها مع رسول الله ﵌، وكانت مَعَهُ راية بَنِي ظفر يَوْم الفتح. وتوفي في هذه السنة، وهو ابن خمس وستين سَنَة، وصلى عَلَيْهِ عُمَر، ونزل فِي قبره أخوه لأمه أَبُو سَعِيد الخدري. ﵃ أجمعين.

стр. 1508

ثُمَّ دخلت سَنَة أربع وعشرين فمن الحوادث فِيهَا: استخلاف عُثْمَان بْن عَفَّان ﵁. بَاب: ذكر خلافة عُثْمَان ﵁ ذكر نسبه هُوَ عُثْمَان بْن عَفَّان بن أبي العاص بن أمية بْن عَبْد شمس بْن عَبْد مناف بْن قصي. يكنى أبا عَمْرو، ويقال: أبا عَبْد اللَّهِ. وأمه أروى بنت كريز بْن ربيعة بْن حبيب بْن عَبْد شمس. وأمها أم حَكِيمِ، وَهِيَ البيضاء بنت عَبْد المطلب بْن هاشم بْن عَبْد مناف. كَانَ عُثْمَان يكنى فِي الجاهلية أبا عَمْرو، فلما ولد فِي الإِسْلام من رقية عبد الله اكتنى به، فبلغ سنت سنين، فنقره ديك فِي عينه، فمرض، فمات . ذكر صفته كَانَ عُثْمَان حسن الوجه، رقيق البشرة، بوجهه نكتات من جدري، لَيْسَ بالقصير ولا بالطويل، كبير اللحية عظيمها، أسمر اللون، عظيم الكراديس، بعيد مَا بَيْنَ المنكبين، أصلع، وَكَانَ نقش خاتمه: آمن عُثْمَان باللَّه العظيم . ذكر إسلامه قَالَ الواقدي: أسلم عُثْمَان قديما/ قبل دخول رسول الله ﵌ دار الأرقم، وهاجر

стр. 1509

إِلى الحبشة الهجرتين مَعَهُ رقية بنت رَسُول الله ﵌. [أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا الجوهري قال: أخبرنا ابن حيوية قال: أخبرنا ابن مَعْرُوفٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَهِمِ قَالَ: حدثنا محمد بن سعد قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ:] [١] حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا أَسْلَمَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ أَخَذَهُ عَمُّهُ الْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ، فَأَوْثَقَهُ رِبَاطًا وَقَالَ: أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ آبَائِكَ إِلَى دِينٍ مُحْدَثٍ؟ وَاللَّهِ لا أُخَلِّيكَ أَبَدًا حَتَّى تَدَعَ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الدِّينِ. فَقَالَ عُثْمَانُ: وَاللَّهِ لا أَدَعُهُ أَبَدًا وَلا أُفَارِقُهُ. فَلَمَّا رَأَى الْحَكَمُ صَلابَتَهُ فِي دِينِهِ تَرَكَهُ. قَالَ علماء السير: لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ إِلَى بدر خلف عُثْمَان عَلَى ابنته رقية، وكانت مريضة فماتت يَوْم قدم زَيْد بْن حارثة بشيرا بِمَا فتح اللَّه عَلَى رسول الله ببدر. فضرب رَسُول اللَّه ﵌ [لعثمان] [٢] بسهمه وأجره فِي بدر فكان كمن شهدها، وزوجه أم كلثوم بَعْد رقية، فماتت فَقَالَ: «لو كانت عندي ثالثة لزوجت عُثْمَان» . واستخلفه رَسُول اللَّه ﵌ فِي غزوة ذَات الرقاع، وَفِي غزوته [٣] إِلَى غطفان . ذكر أولاده ولدت لَهُ رقية: عَبْد اللَّهِ. وولدت لَهُ فاختة بنت غزوان: عَبْد اللَّهِ الأصغر. وولدت لَهُ أم عَمْرو بنت جندب: عمرا، وخالدا، وأبانا، وعمر، ومريم. وولدت لَهُ فاطمة بنت الْوَلِيد بْن عَبْد شمس: الْوَلِيد، وسعيد، وأم سَعِيد. وولدت أم البنين بنت عُيَيْنَة بْن حصن: عَبْد الْمَلِك. وولدت لَهُ رملة بنت شيبة بْن ربيعة: عائشة، وأم أبان، وأم عمرو.

стр. 1510

وولدت لَهُ نائلة بنت الفرافصة: مريم. وقتل وعنده: رملة، ونائلة، وأم/ البنين، وفاختة. وَقَالَ بَعْضهم: طلق أم البنين وَهُوَ محصور. [أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ قالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ النَّقُّورِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُخْلِصُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا شعيب قال: حَدَّثَنَا سَيْفٌ، عَنْ مَعْشَرٍ] [١] ، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ عُمَرَ قَالَ قَبْلَ مَوْتِهِ: إِنَّ هَذَا الأَمْرَ لا يَزَالُ فِيكُمْ مَا طَلَبْتُمْ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ وَالدَّارَ الآخِرَةِ، فَإِذَا طَلَبْتُمْ بِهِ الدُّنْيَا وَتَنَازَعْتُمْ سَلَبَكُمُوهُ اللَّهُ وَنَقَلَهُ عَنْكُمْ، ثُمَّ لا يَرُدُّهُ عَلَيْكُمْ أَبَدًا، هَلْ تَعْلَمُونَ [أَنَّ أَحَدًا] [٢] أَحَقُّ بِهَذَا الأَمْرِ مِنْ هَؤُلاءِ السِّتَّةِ نَفَرٍ الَّذِينَ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ؟ قَالُوا: لا. فَلَمَّا مَاتَ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَيُّكُمْ يَكْفِينَا النَّظَرَ وَيُخْرِجُ نَفْسَهُ؟ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ. فَقَالَ: أَنَا أُخْرِجُ نَفْسِي وَابْنَ عَمِّي سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، فَأَنْظُرُ لَكُمْ. قَالُوا: نَعَمْ. فَخَرَجَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَلَمْ يَدَعْ أَحَدًا بِالْمَدِينَةِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ السَّابِقِينَ وَالأَنْصَارِ إِلا اسْتَشَارَهُ، وَكُلُّهُمْ قَالَ عُثْمَانُ. فَنَامَ، فَرَأَى فِي الْمَنَامِ أَنَّ أَقْرَأَ قُرْآنِهِمْ فَإِنِ اسْتَوَوْا فَأَفْقَهَهُمْ، فَإِنِ اسْتَوَوْا فَأَسَنَّهُمْ، فَانْتَبَهَ، فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُونَ هَذَا اجْتَمَعَ فِي أَحَدٍ مِنْكُمْ غَيْرَ عُثْمَانَ؟ فَبَايَعُوهُ. وَحَدَّثَنَا سَيْفٌ، عَنْ بَدْرِ] [٣] بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عَمِّهِ قَالَ: لَمَّا بَايَعَ أَهْلُ الشُّورَى عُثْمَانَ خَرَجَ وَهُوَ أَشَدُّهُمْ كَآبَةً، فَأَتَى مِنْبَرَ النَّبِيِّ ﵌، فَخَطَبَ فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَصَلَّى على النبي ﵌ وَقَالَ: إِنَّكُمْ فِي دَارِ قَلْعَةٍ، وَفِي بَقِيَّةِ أَعْمَارٍ، فَبَادِرُوا آجَالَكُمْ بِخَيْرِ مَا تَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، فَقَدْ أَتَيْتُمْ صُبِّحْتُمْ أَوْ مُسِّيتُمْ أَلا إِنَّ الدُّنْيَا طُوِيَتْ عَلَى الْغُرُورِ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ٣١: ٣٣ [٤] وَاعْتَبِرُوا بِمَنْ مَضَى، ثُمَّ شُدُّوا وَلا تَغْفُلُوا، فَإِنَّهُ لا يُغْفَلُ عَنْكُمْ، أَيْنَ أَبْنَاءُ الدُّنْيَا وَإِخْوَانُهَا الَّذِينَ آثَرُوهَا وَمُتِّعُوا بِهَا طَوِيلا؟ [أَلَمْ تَلْفِظْهُمْ؟] [٥] ارْمُوا بِالدُّنْيَا حَيْثُ رَمَى اللَّهُ بِهَا، وَاطْلُبُوا الآخِرَةَ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ ضَرَبَ مَثَلَهَا

стр. 1511

فَقَالَ: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ [فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ، وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ] مُقْتَدِراً ١٨: ٤٥ [١] . [أَخْبَرَنَا ابْن الْحَسَن، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حدثنا عبد الله بن أحمد قال: حَدَّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِمٍ] [٢] ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: كَيْفَ بَايَعْتُمْ عُثْمَانَ وَتَرَكْتُمْ عَلِيًّا؟ قَالَ: مَا ذَنْبِي؟ قَدْ بَدَأْتُ بِعَلِيٍّ فَقُلْتُ: أُبَايِعُكَ على كتاب الله وسنة رسوله، وَسِيرَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ. فَقَالَ: فِيمَا اسْتَطَعْتُ، ثُمَّ عَرَضْتُهَا عَلَى عُثْمَانَ فَقَبِلَهَا. [أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بن الحسين، وإسماعيل قالا: أخبرنا ابن النقور قال: أخبرنا المخلص قال: أخبرنا أحمد بن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى قال: حدثنا شعيب قال: حدثنا سيف، عن عَمْرٍو،] [٣] عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: اجْتَمَعَ أَهْلُ الشُّورَى عَلَى عُثْمَانَ لِثَلاثٍ مَضَيْنَ مِنَ الْمُحَرَّمِ، وَقَدْ دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ، وَقَدْ أَذَّنَ صُهَيْبٌ، وَاجْتَمَعُوا بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ، فَخَرَجَ فصلى بِالنَّاسِ، فَزَادَ النَّاسُ كَآبَةً، وَوَفَدَ أَهْلُ الأَمْصَارِ. [أَخْبَرَنَا ابْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ: أَخْبَرَنَا الَجْوَهَرِيُّ قَالَ: أخبرنا ابن حيوية قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن معروف قَالَ: أخبرنا الحسين بن الفهم قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بْن عُمَرَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ الأَخْنَسِيِّ (ح) وَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي سَبْرَةَ] [٤] ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بُويِعَ عُثْمَانُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ لِلَيْلَةٍ بَقِيَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَلاثٍ وَعِشْرِينَ، فَاسْتَقْبَلَ بِخِلافَتِهِ الْمُحَرَّمَ مِنْ سنة أربع وعشرين.

стр. 1512

ذكر طرف من سيرته من ذَلِكَ أنه أقر عمال عُمَر سَنَة، وولى زَيْد بْن ثابت الْقَضَاء، ورزقه عَلَى ذَلِكَ ستين درهما، وضمه إِلَى علي بْن أَبِي طالب حِينَ كثر النَّاس، وَكَانَ أول كتاب كتبه عُثْمَان إِلَى عماله: «أما بَعْد: فَإِن اللَّه تَعَالَى أمر الأئمة أَن يكونوا رعاة، وَلَمْ يتقدم إليهم أَن يكونوا جباة، وإن صدر هذه الأمة خلقوا رعاة، وَلَمْ يخلقوا جباة، وليوشكن أئمتكم أَن يصيروا جباة، ولا يصيروا رعاة، ألا وإن أعدل [١] السيرة أَن تنظروا فِي أمور الْمُسْلِمِينَ» . وَقَالَ/ عَمْرو بْن شُعَيْب: أول من منع الحمام الطيارة والجلامقات [٢] عُثْمَان حِينَ ظهرت بالمدينة فأمر عَلَيْهَا عُثْمَان رجلا فمنعهم منها. [أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَزَّازِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمَأْمُونِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ حَيَّوَيْهِ، حَدَّثَنَا الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا عَمِّي مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا مُبَارَكٌ] [٣] ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ، رَأَيْتُ عُثْمَانَ نَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ وَرِدَاؤُهُ تَحْتَ رَأْسِهِ، فَيَجِيءُ الرَّجُلُ فَيَجْلِسُ إِلَيْهِ، ثُمَّ يَجِيءُ الرَّجُلُ فَيَجْلِسُ إِلَيْهِ، ثُمَّ يَجِيءُ الرَّجُلُ فَيَجْلِسُ إِلَيْهِ كَأَنَّهُ أَحَدُهُمْ. [أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بن عبد الباقي قال: أخبرنا الجوهري قال: أخبرنا ابن حيوية قال: أخبرنا أحمد بن معروف قال: أخبرنا الحسين بن الفهم قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أُسَامَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَسْعَدَةَ] [٤] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الرُّومِيِّ، قَالَ: كَانَ عُثْمَانُ يَلِي وضوء الليل بنفسه. قال: فَقِيلَ لَهُ: لَوْ أَمَرْتَ بَعْضَ الْخَدَمِ فَكَفَوْكَ. فَقَالَ: لَهُمُ اللَّيْلُ يَسْتَرِيحُونَ فِيهِ. [قَالَ مُحَمَّد بْن سَعْدٍ: وَأَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ] [٥] ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ: أَنَّ عُثْمَانَ كَانَ يُحْيِي اللَّيْلَ، فَيَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي ركعة.

стр. 1513

ومن الحوادث فِي هَذِهِ السنة: أنه لما قتل عُمَر اتهم ابنه عبيد اللَّه: الهرمزان [١] وجفينة فقتلهما، وَكَانَ الهرمزان قَدْ أسلم، وجفينة نصراني. [أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ قالا: أخبرنا ابْنُ النَّقُّورِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْمُخْلِصُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا السَّرِيُّ بن يحيى قال: حدثنا شُعَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا سَيْفٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ] [٢] عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ غَدَاةَ طَعْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: مَرَرْتُ عَلَى أَبِي لُؤْلُؤَةَ عِشَاءَ أَمْسِ وَمَعَهُ جُفَيْنَةُ وَالْهُرْمُزَانُ، وَهُمَا نَجِيٌّ، فَلَمَّا رَهَقْتُهُمْ ثَارُوا وَسَقَطَ مِنْهُمْ خِنْجَرٌ لَهُ رَأْسَانِ، نِصَابُهُ فِي وَسَطِهِ، فَانْظُرُوا بِأَيِّ شَيْءٍ قُتِلَ؟ فَجَاءَ قَاتِلُ أَبِي لُؤْلُؤَةَ بِالْخِنْجَرِ الَّذِي وَصَفَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ عُبَيْدُ اللَّهِ، فَأَمْسَكَ حَتَّى مَاتَ عُمَرُ، ثُمَّ اشْتَمَلَ [٣] عَلَى السَّيْفِ، فَأَتَى الْهُرْمُزَانَ فَقَتَلَهُ، فَلَمَّا عَضَّهُ السَّيْفُ قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى أَتَى جُفَيْنَةَ- وَكَانَ نَصْرَانِيًّا مِنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ ظِئْرًا لِسَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، أَقْدَمَهُ الْمَدِينَةَ لِلْمِلْحِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَلِيَعْلَمَ بِالْمَدِينَةِ الْكِتَابَةَ- فَلَمَّا عَلاهُ بِالسَّيْفِ قَبَصَ [٤] مِنْ عَيْنَيْهِ، وَتَلَقَّى ذَلِكَ صُهَيْبًا، فَبَعَثَ إِلَيْهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى نَاوَلَهُ السَّيْفَ، وَثَاوَرْهُ سَعْدٌ، فَأَخَذَ بِشَعْرِهِ، وَجَاءُوا/ إِلَى صُهَيْبٍ. [وَحَدَّثَنَا سَيْفٌ، عَنِ ابْنِ الشَّهِيدِ الْحِجِّيِّ] [٥] ، عَنِ ابْنِ سَابِطٍ قَالَ: لَمَّا بُويِعَ عُثْمَانُ قَالَ: قُولُوا فِيمَا أَحْدَثَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. فَقَالُوا: الْقَوَدَ الْقَوَدَ. وَنَادَى جُمْهُورُ النَّاسِ لَعَلَّكُمْ تُرِيدُونَ [٦] أَنْ تُتْبِعُوا عُمَرَ ابْنَهُ، اللَّهَ اللَّهَ أَبْعَدَ اللَّهُ الْهُرْمُزَانَ وَجُفَيْنَةَ. قَالَ سَيْفٌ: وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: فَقَالَ عُثْمَانُ لابْنِ الْهُرْمُزَانِ: هَذَا قَاتِلُ أَبِيكَ، وَأَنْتَ أَوْلَى بِهِ مِنَّا، فَاذْهَبْ به

стр. 1514

فَاقْتُلْهُ. قَالَ: فَخَرَجْتُ بِهِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَحَدٌ إِلا مَعِي، إِلا أَنَّهُمْ يَطْلُبُونَ إِلَيَّ فِيهِ، فَقُلْتُ لَهُمْ: إِلَيَّ قَتْلُهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَقُلْتُ: أَلَكُمْ أَنْ تَمْنَعُوهُ؟ قَالُوا: لا. فَتَرَكْتُهُ للَّه فاحتملوني، فو الله مَا بَلَغْتُ الْمَنْزِلَ إِلا عَلَى رُءُوسِ الرِّجَالِ وَأَكُفِّهِمْ. وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ حَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ، فَقَالَ [١] أَبُو مَعْشَرٍ وَالْوَاقِدِيُّ: حَجَّ بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِأَمْرِ عُثْمَانَ، وَقَالَ آخَرُون: بَلْ حَجَّ عثمان ﵁ . ذكر من توفي من هذه السنة من الأكابر ٢٣٤- بركة، أم أيمن. مولاة رَسُول اللَّه ﵌ [وحاضنته] [٢] . ورثها من أَبِيهِ، وكانت سوداء، فأعتقها حِينَ تزوج [خديجة ﵂] فتزوجها عَبْد اللَّهِ بْن زَيْد، فولدت لَهُ: أيمن [٣] ، وتزوجت بعده زَيْد بْن حارثة، فولدت لَهُ أسامة بْن زَيْد ﵁. [أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمَلِكِ بْنِ خَيْرُونٍ قَالَ: أخبرنا أبو محمد الجوهري: قال: أخبرنا ابن حيوية قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن معروف قَالَ: أخبرنا الحسين بن الفهم قال: حدثنا محمد بْنُ سَعْدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ- يَعْنِي حَمَّادَ بْنَ أُسَامَةَ- عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ] [٤] عُثْمَانَ بْنَ الْقَاسِمِ يُحَدِّثُ قَالَ: لَمَّا هَاجَرَتْ أُمُّ أَيْمَنَ أَمْسَتْ بِالْمُنْصَرَفِ دُونَ الرَّوْحَاءِ، فَعَطِشَتْ، فَدُلِّيَ عَلَيْهَا مِنَ السَّمَاءِ دَلْوَ مَاءٍ بِرِشَاءٍ أَبْيَضَ، فَأَخَذَتْهُ فَشَرِبَتْهُ حَتَّى رُوِيَتْ، فَكَانَتْ تَقُولُ: مَا أَصَابَنِي بَعْدَ ذَلِكَ عَطَشٌ، ولقد تعرضت لِلْعَطَشِ بِالصَّوْمِ فِي الْهَوَاجِرِ فَمَا عَطِشْتُ بَعْدَ تِلْكَ الشَّرْبَةِ، وَإِنِّي كُنْتُ لأَصُومُ فِي الْيَوْمِ الحار فما أعطش [٥] .

стр. 1515

[قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: وَأَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو مَعْشَرٍ] [١] ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: جَاءَتْ أُمُّ أَيْمَنَ إِلَى النَّبِيِّ ﵌ فَقَالَتْ: احْمِلْنِي/ فَقَالَ: «أَحْمِلُكِ عَلَى وَلَدِ النَّاقَةِ» فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ لا يُطِيقُنِي وَلا أُرِيدُهُ. قَالَ: «لا أَحْمِلُكِ إِلا عَلَى وَلَدِ النَّاقَةِ» . يَعْنِي: كَانَ يُمَازِحُهَا، وَكَانَ يَمْزَحُ وَلا يَقُولُ إِلا حَقًّا، وَالإِبِلُ كُلُّهَا وَلَدُ النُّوقِ [٢] . قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: حَضَرَتْ أُمُّ أَيْمَنَ أُحُدًا، وَكَانَتْ تَسْقِي الْمَاءَ، وَتُدَاوِي الْجَرْحَى، وَشَهِدَتْ خَيْبَرَ، وَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّه ﵌ بَكَتْ وَقَالَتْ: إِنَّمَا أَبْكِي عَلَى خَبَرِ السَّمَاءِ، كَيْفَ انْقَطَعَ، وَلَمَّا قُتِلَ عُمَرُ بَكَتْ وَقَالَتْ: الْيَوْمَ وَهِيَ الإِسْلامُ. وَتُوُفِّيَتْ فِي أَوَّلِ خِلافَةِ عُثْمَانَ وَقِيلَ: فِي خِلافَةِ أَبِي بَكْرٍ . ٢٣٥- سراقة بْن مَالِك بْن جعشم [٣] . هُوَ الَّذِي لحق رسول الله ﵌ بَعْد خروجه من الغار، فَقَالَ رَسُول اللَّه ﵌: «اللَّهمّ اكفناه» فساخت قوائم فرسه، فَقَالَ: اكتب لي كتابا بالأمن، فأمر عامر بْن فهيرة فكتب لَهُ كتاب أمن، فلما كَانَ رَسُول اللَّه ﵌ بَيْنَ الطائف والجعرانة أتاه بالكتاب فَقَالَ: يا رَسُول اللَّه، هَذَا يَوْم وفاء. فأسلم. وتوفي فِي هذه السنة . ٢٣٦- عُثْمَان بْن قيس بْن أَبِي العاص بْن قيس بْن عدي بْن سهم . ذكر فِي الصَّحَابَة، وشهد الفتح بمصر، وَهُوَ أول من ولي الْقَضَاء بمصر، وَكَانَ صاحب ضيافة، فَقَالَ يَزِيد بْن أَبِي حبيب: كتب عُمَر بْن الْخَطَّاب إِلَى عَمْرو بْن العاص: أَن أفرض لكل من قبلك مِمَّن بايع تَحْتَ الشجرة فِي مائتين [من] العطاء، وابلغ ذَلِكَ بنفسك بإمارتك، وافرض لخارجة بْن حذافة فِي الشرف لشجاعته، وافرض لعثمان بن قيس في الشرف لضيافته.

стр. 1516

٢٣٧- لبابة الكبرى بنت الْحَارِث بْن حزن [١] . / وَهِيَ أول امرأة أسلمت بَعْد خديجة، تزوجها العباس، فولدت لَهُ: الفضل، وعبد اللَّه، وعبيد الله، ومعبدا، وقثم، وعَبْد الرَّحْمَنِ، وأم حبيب. وفيها يَقُول عَبْد اللَّهِ بْن يَزِيد ارتجالا: مَا ولدت نجيبة من فحل ... كستة من بطن أم الفضل أكرم بها من كهلة وكهل. وهاجرت إِلَى المدينة بَعْد إسلام العباس، وَكَانَ رَسُول الله ﵌ يزورها ويقيل فِي بيتها، وكانت تصوم [يوم] الاثنين والخميس رحمها الله تعالى.

стр. 1517

ثُمَّ دخلت سَنَة خمس وعشرين فمن الحوادث فِيهَا: التغيير عَلَى جَمَاعَة من الولاة، فَإِن عُمَر كَانَ قَدْ أوصى أَن يقر عماله سَنَة، فلما ولي عُثْمَان أقرهم، وأقر المغيرة بْن شُعْبَة عَلَى الكوفة سَنَة، ثُمَّ عزله، واستعمل سَعْد بْن أَبِي وقاص، فعمل عَلَيْهَا سَعْد سَنَة وَبَعْض أُخْرَى، وأقر أبا موسى سنوات، وضم حمص، وقنسرين إِلَى مُعَاوِيَة. وتُوُفّي عَبْد الرَّحْمَنِ بْن علقمة الكناني- وَكَانَ عَلَى فلسطين- فضم عُثْمَان عمله إِلَى مُعَاوِيَة. ومرض عمير بْن سَعْد فاستعفى، فضم عمله إِلَى مُعَاوِيَة، فاجتمع الشام لمعاوية لسنتين من إمارة عُثْمَان، ثُمَّ بعث عُثْمَان [١] عَلَى خراسان عمير بْن عُثْمَان بْن سَعْد، فصالح من لَمْ يجب الأحنف، وأمر الناس بعبور النهر، فصالحه من وراء النهر، [٢] فجرى ذَلِكَ واستقر [٣] . فمن الحوادث فِي هذه السنة: أَن أَهْل الإسكندرية نقضوا عهدهم فغزاهم عَمْرو بْن العاص فقتلهم. وفيها: كتب عَبْد اللَّهِ بْن سَعْد بْن أَبِي سرح يستأذن عُثْمَان فِي الغزو إِلَى إفريقية، فأذن لَهُ/. [أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الْوَهَّابِ الْبَارِعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جعفر بْن المسلمة

стр. 1518

قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو طاهر المخلص قَالَ: أَخْبَرَنَا أحمد بن سليمان بن داود الطوسي قال: حدثنا الزبير بْن بكار قَالَ: حدثني عمي مُصْعَبُ] [١] بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: غَزَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ أَفْرِيقِيَّةَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي السَّرْحِ، فَحَدَّثَنِي الزُّبَيْرُ بن حبيب قال: قال عبد الله بن الزُّبَيْرِ: هَجَمَ عَلَيْنَا جُرْجِيرُ فِي عَسْكَرِنَا فِي مِائَةٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا، فَاخْتَلَطُوا بِنَا فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَسَقَطَ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ، وَنَحْنُ فِي عِشْرِينَ أَلْفًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَاخْتَلَفَ النَّاسُ عَلَى ابْنِ أَبِي السَّرْحِ، فَدَخَلَ فُسْطَاطًا لَهُ فَخَلا فِيهِ، وَرَأَيْتُ غُرَّةً مِنْ جُرْجِيرَ، بَصُرْتُ بِهِ خَلْفَ عَسَاكِرِهِ عَلَى بِرْذَوْنٍ أَشْهَبَ، مَعَهُ جَارِيَتَانِ تُظِلانِ عَلَيْهِ بِرِيشِ الطَّوَاوِيسِ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ جُنْدِهِ أَرْضٌ بَيْضَاءُ لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ، فَخَرَجْتُ أَطْلُبُ ابْنَ أَبِي سَرْحٍ، فَقِيلَ: قَدْ خَلا فِي فُسْطَاطِهِ، فَأَتَيْتُ حَاجِبَهُ، فَأَبَى أَنْ يَأْذَنَ لِي عَلَيْهِ، فَدُرْتُ مِنْ كَسْرِ الْفُسْطَاطِ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَوَجَدْتُهُ مُسْتَلْقِيًا عَلَى ظَهْرِهِ، فَلَمَّا دَخَلْتُ فَرَعَ واستوى جالسا، فقال: ما أدخلك عليّ يا ابن الزُّبَيْرِ؟ قُلْتُ: إِنِّي رَأَيْتُ عَوْرَةً مِنَ الْعَدُوِّ [فَاخْرُجْ] [٢] فَانْدُبْ لِيَ النَّاسَ. قَالَ: وَمَا هِيَ؟ فأخبرته فخرج معي سريعا، فقال: يا أيها النَّاسُ، انْتَدِبُوا مَعَ ابْنِ الزُّبيرِ، فَاخْتَرْتُ ثَلاثِينَ فَارِسًا، وَقُلْتُ لِسَائِرِهِمُ: اثْبُتُوا [٣] عَلَى مَصَافِّكُمْ. وَحَمَلْتُ فِي الْوَجْهِ الَّذِي رَأَيْتُ فِيهِ جُرْجِيرَ، وَقُلْتُ لأصحابي: احموا لي ظهري، فو الله مَا نَشِبْتُ أَنْ خَرَقْتُ الصَّفَّ إِلَيْهِ، فَخَرَجْتُ صَامِدًا لَهُ، وَمَا يَحْسِبُ [٤] هَؤُلاءِ أَصْحَابُهُ إِلا أَنِّي رَسُولٌ إِلَيْهِ حَتَّى دَنَوْتُ مِنْهُ، فَعَرَفَ الشَّرَّ، فَثَنَى بِرْذَوْنَهُ مُوَلِّيًا، فَأَدْرَكْتُهُ فَطَعَنْتُهُ، فَسَقَطَ وَسَقَطَتِ الْجَارِيَتَانِ عَلَيْهِ، وَأَهْوَيْتُ إِلَيْهِ مُبَادِرًا/ فَدَقَقْتُ عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ، وَأَصَبْتُ يَدَ إِحْدَى الْجَارِيَتَيْنِ فَقَطَعْتُهَا، ثم احترزت رأسه فنصبته في رمحة، وَكَبَّرْتُ، وَحَمَلَ الْمُسْلِمُونَ فِي الْوَجْهِ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ، وَأَرْفَضَ الْعَدُوُّ فِي كُلِّ وَجْهٍ، وَمَنَحَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ أَكْتَافَهُمْ، فَلَمَّا أَرَادَ ابْنُ أَبِي سَرْحٍ أَنْ يُوَجِّهَ بَشِيرًا إِلَى عُثْمَانَ قَالَ: أنت أولى من هاهنا بِذَلِكَ. فَانْطَلِقْ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنيِنَ فَقَدِمْتُ عَلَى عُثْمَانَ فَأَخْبَرْتُهُ بِفَتْحِ اللَّهِ وَنَصْرِهِ، وَوَصَفْتُ لَهُ أَمْرَنَا كَيْفَ كَانَ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُؤَدِّيَ هَذَا إِلَى

стр. 1519

النَّاسِ؟ قُلْتُ: وَمَا يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: فَاخْرُجْ إِلَى النَّاسِ فَأَخْبِرْهُمْ، فَخَرَجْتُ حَتَّى جِئْتُ الْمِنْبَرَ، فَاسْتَقْبَلْتُ النَّاسَ، فَتَلَقَّانِي وَجْهُ أَبِي الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، فَدَخَلَتْنِي [مِنْهُ] [١] هَيْبَةٌ، فَعَرَفَهَا أَبِي في، فقبض قبضة من حصا، وَجَمَعَ وَجْهَهُ فِي وَجْهِي، وَهَمَّ أَنْ يَحْصِبَنِي، فَاعْتَزَمْتُ فَتَكَلَّمْتُ، فَزَعَمُوا أَنَّ الزُّبَيْرَ قَالَ: وَاللَّهِ لَكَأَنِّي سَمِعْتُ كَلامَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً فَلْيَنْظُرْ إِلَى أَبِيهَا وَأَخِيهَا، فَإِنَّمَا تَأْتِيهِ بِأَحَدِهِمَا» . وفيها: غزا الْوَلِيد بْن عتبة أذربيجان وأرمينية [٢] لمنع أهلها مَا كَانُوا صالحوا عَلَيْهِ أَيَّام عُمَر، هَذَا فِي رواية أبي مخنف، وَقَالَ غيره: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي سَنَة ست وعشرين، ثُمَّ إِن الْوَلِيد صالح أَهْل أذربيجان على ثمانمائة ألف درهم، وَهُوَ الصلح الَّذِي صالحوا عَلَيْهِ حذيفة بْن اليمان سَنَة اثنتين وعشرين بَعْد وقعة نهاوند بسنة، ثُمَّ حبسوها عِنْدَ وفاة عُمَر. فلما ولي عُثْمَان وولى الْوَلِيد الكوفة سار حَتَّى وطئهم بالجيش، ثُمَّ بعث سلمان بْن ربيعة إِلى أرمينية فِي اثني عشر/ ألفا، فقتل وسبى، وغنم. وقيل: كَانَ هَذَا فِي سَنَة أربع وعشرين. وفيها: جاشت الروم، وجمعت جموعا كبيرة [٣] ، فكتب عُثْمَان إِلَى الْوَلِيد: إِن مُعَاوِيَة كتب إلي يخبرني أَن الروم قَدْ أجلبت عَلَى جموع عظيمة، وَقَدْ رأيت أَن تمدهم من أَهْل الكوفة بثمانية آلاف أَوْ تسعة آلاف أَوْ عشرة آلاف. فبعث سلمان بْن ربيعة فِي ثمانية آلاف، فشنوا الغارات عَلَى أرض الروم، وفتحوا حصونا كثيرة، وملئوا أيديهم من الغنم. وفيها: حج بالناس عُثْمَان [٤] .

стр. 1520

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٢٣٨- جندب بْن جنادة، أَبُو ذر [١] . وَفِي اسمه ونسبه خلاف قَدْ ذكرته فِي كتاب «التلقيح» . كَانَ طويلا أدم، وَكَانَ يشهد أَن لا إله إلا اللَّه وَكَانَ يتعبد قبل الإِسْلام. وقيل لَهُ: أين كنت تتوجه؟ قَالَ: أين وجهني اللَّه ، ولقي رَسُول اللَّه ﷺ بمكة فأسلم، وخرج يصرخ بالشهادة فضربوه، فأكب عَلَيْهِ العباس وَقَالَ لقريش: أنتم تجتازون [بهم وطريقكم] [٢] عَلَى غفار. فتركوه ورجع إِلَى قومه. وَكَانَ يعرض لعيرات قريش فيقتطعها وَيَقُول: لا أرد لكم منها شَيْئًا حَتَّى تشهدوا أَن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا رَسُول اللَّه. فَإِن فعلوا رد مَا أخذ مِنْهُم، وإن أبوا لَمْ يرد عَلَيْهِم شيئًا، فبقي عَلَى ذَلِكَ إِلَى أن هاجر رسول الله ﷺ ، ومضت بدر وأحد، ثُمَّ قدم فأقام بالمدينة ثُمَّ مضى إِلَى الشام، فاختلف هُوَ ومعاوية في قوله تعالى: الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ٩: ٣٤ [٣] فَقَالَ مُعَاوِيَة: نزلت فِي أَهْل الكتاب. وَقَالَ أَبُو ذر: نزلت فينا وفيهم. / فدار بينهما كَلام، فكتب مُعَاوِيَة إِلَى عُثْمَان يشكوه، فكتب إِلَيْهِ أَن أقدم، فقدم المدينة، فاجتمع النَّاس عَلَيْهِ، فذكر ذَلِكَ لعثمان، فَقَالَ لَهُ: إِن شئت تنحيت قريبا، فخرج إِلَى الربذة، فمات بها. ذكر وفاته: [أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، قِيلَ: أَنْبَأَكُمْ أَبُو إِسْحَاقَ الْبَرْمَكِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ حَيَّوَيْهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَعْرُوفٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الحسين بن الفهم قال: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْرَائِيلَ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الأَشْتَرِ، عَنْ أَبِيهِ] [٤] ، أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَ أَبَا ذَرٍّ الْمَوْتُ بكت امرأته

стр. 1521

فقال ها: مَا يُبْكِيكِ؟ قَالَتْ: أَبْكِي لأَنَّهُ لا بُدَّ أَنَّ لِي بِنَعْشِكَ [١] وَلَيْسَ لِي ثَوْبٌ مِنْ ثِيَابِي يَسَعُكَ كَفَنًا، وَلَيْسَ لَكَ ثَوْبٌ يَسَعُكَ. قَالَ: لا تَبْكِي، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِنَفَرٍ أَنَا فِيهِمْ: «لَيَمُوتَنَّ رَجُلٌ مِنْكُمْ بِفَلاةٍ مِنَ الأَرْضِ تَشْهَدُهُ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنيِنَ» وَلَيْسَ مِنْ أُولَئِكَ النَّفَرِ رَجُلٌ إِلا قَدْ مَاتَ فِي قَرْيَةٍ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَا الَّذِي أَمُوتُ بِفَلاةٍ، وَاللَّهِ، مَا كَذَبَ وَلا كَذَبْتُ، فَأَبْصِرِي الطَّرِيقَ، فَقَالَتْ: أَنَّى وَقَدِ انْقَطَعَ الْحَاجُّ، وَتَقَطَّعَتِ الطُّرُقُ [٢] . وَكَانَتْ تَشْتَدُّ إِلَى كَثِيبٍ تَقُومُ عَلَيْهِ تَنْظُرُ ثُمَّ تَرْجِعُ إِلَيْهِ فَتُمَرِّضُهُ ثُمَّ تَرْجِعُ إِلَى الْكَثِيبِ. فَبَيْنَا هِيَ كَذَلِكَ إِذَا هِيَ بِنَفَرٍ تَخُبُّ بِهِمْ رَوَاحِلُهُمْ كَأَنَّهُمْ الرَّخَمُ، فَلاحَتْ بِثَوْبِهَا، فأقبلوا حتى وقفوا عليها [٣] . قالوا: مالك؟ قالت: امرؤ من المسلمين تكفنونه- أَوْ قَالَ: امْرُؤٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [٤] يَمُوتُ فَتُكَفِّنُونَهُ، وَهُوَ الأَصَحُّ [٥]- قَالُوا: وَمَنْ هُوَ؟ قَالَتْ: أَبُو ذَرٍّ. فَفَدَوْهُ بِآبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ وَوَضَعُوا السِّيَاطَ فِي نُحُورِهَا يَسْتَبِقُونَ إِلَيْهِ، حَتَّى جَاءُوا فَقَالَ: أَبْشِرُوا، فَحَدَّثَهُمُ الْحَدِيثَ الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول: «لا يَمُوتُ بَيْنَ امْرَأَيْنِ مُسْلِمَيْنِ وَلَدَانِ أَوْ ثَلاثَةٌ، فَيَحْتَسِبَانِ وَيَصْبِرَانِ فَيَرَيَانِ النَّارَ، أَتَسْمَعُونَ لَوْ/ كَانَ لِي ثَوْبٌ يَسَعُنِي كَفَنًا لَمْ أُكَفَّنْ بِهِ إِلا فِي ثَوْبٍ هُوَ لِي أوْ لامرأتي ثَوْبٍ يَسَعُنِي كَفَنًا إِلا فِي ثَوْبِهَا، فَأَنْشُدُكُمُ الله والإسلام أن يُكَفِّنَنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ كَانَ أَمِيرًا أَوْ عَرِيفًا أَوْ نَقِيبًا أَوْ بَرِيدًا، فَكُلُّ الْقَوْمِ قَدْ كَانَ قَارَفَ بَعْضَ ذَلِكَ إِلا فَتًى مِنَ الأَنْصَارِ قَالَ: أَنَا أُكَفِّنُكَ، فَإِنِّي لَمْ أُصِبْ مِمَّا ذَكَرْتَ شَيْئًا، أُكَفِّنُكَ فِي رِدَائِي هَذَا الَّذِي عَلَيَّ، وَفِي ثَوْبَيْنِ فِي عَيْبَتِي مِنْ غَزْلِ أُمِّي حَاكَتْهُمَا لِي. قَالَ: أَنْتَ، فَكَفِّنِّي. قَالَ، فَكَفَّنَهُ الأَنْصَارِيُّ وَالنَّفَرُ [٦] الَّذِينَ شَهِدُوهُ، فِيهِمْ جَحْشُ بْنُ الأَدْبَرِ، وَمَالِكُ بْنُ الأَشْتَرِ فِي نفر كلهم يمان [٧] .

стр. 1522

وذكر ابْن إِسْحَاق أَن ابْن مَسْعُود صلى عَلَيْهِ منصرفه من الكوفة [١] . ٢٣٩- عَبْد اللَّهِ بْن قيس بْن زيادة بْن الأصم [٢] . وأمه عاتكة، وَهِيَ: أم مكتوم بنت عَبْد اللَّهِ بْن عتيكة بْن عامر. أسلم ابْن أم مكتوم بمكة قديما، وَكَانَ ضرير البصر، ذهبت عيناه وَهُوَ غلام، وقدم المدينة مهاجرًا. قَالَ البراء: أول من قدم عَلَيْنَا من المهاجرين مُصْعَب، ثُمَّ ابْن أم مكتوم، فكان يؤذن للنبي ﷺ بالمدينة مَعَ بلال، وكأن رسول الله ﷺ يستخلفه عَلَى المدينة. [أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِيُّ قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْبَرْمَكِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ حَيَّوَيْهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن معروف قَالَ: أخبرنا الحسين بن الفهم قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ:] [٣] حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ جالسا مع رجال من قُرَيْشٍ، فِيهِمْ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَنَاسٌ مِنْ/ وُجُوهِ قُرَيْشٍ وَهُوَ يَقُولُ لَهُمْ: أَلَيْسَ حَسَنًا إِنْ جِئْتُ بِكَذَا فَيَقُولُونَ: بَلَى. فَجَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَهُوَ مُشْتَغِلٌ بِهِمْ، فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ فَأَعْرَضَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى ٨٠: ١- ٢ [٤] يَعْنِي: ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى ٨٠: ٥ يعني: عتبة وأصحابه فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ٨٠: ٦، وَأَمَّا من جاءَكَ يَسْعى وَهُوَ يَخْشى ٨٠: ٨- ٩ يَعْنِي ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ. [قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: وَأَخْبَرَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ] [٥] ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: نَزَلَتْ: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ٤: ٩٥ ... وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ٤: ٩٥ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ: أَيْ رَبُّ أَنْزِلْ عُذْرِي، أَيْنَ عُذْرِي؟ فَأَنْزَلَ الله: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ٤: ٩٥ [٦] فجعلت بينهما، وكان بعد ذلك يغزو

стр. 1523

فَيَقُول: ادْفَعُوا إِلَيَّ اللَّوَاءَ، فَإِنِّي أَعْمَى لا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَفِرَّ، وأَقِيمُونِي بَيْنَ الصَّفَّيْنِ. [قَالَ عَفَّانُ: وَحَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عُرُوبَةَ، عَنْ قتادة] [١] ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ كَانَتْ مَعَهُ رَايَةٌ لَهُ سَوْدَاءُ وَعَلَيْهِ دِرْعٌ . ٢٤٠- عَمْرو بْن عتبة بْن فرقد بْن حبيب السلمي [٢] . [كَانَ] أبوه عتبة من الصَّحَابَة، كَانَ يتولى الولايات ويجتهد بابنه عَمْرو أَن يعينه عَلَى ذَلِكَ، فلا يفعل زهدا فِي الدنيا. [أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ناصر قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار وَعَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالا: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ الْبَرْمَكِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بن نحيب [٣] قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرِ بْنُ ذُرَيْحٍ قَالَ: حدثنا هناد قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأَعْمَشِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الله] [٤] بن الربيعة قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ وَمِعْضَدٍ الْعجلِيِّ، وَعَمْرِو بْنِ عُتْبَةَ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الرَّبِيعَةَ، أَلا تُعِينُنِي عَلَى ابْنِ أُخْتِكَ يُعِينُنِي عَلَى مَا أَنَا فِيهِ مِنْ عَمَلِي؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: يَا عَمْرُو، أَطِعْ أَبَاكَ. قَالَ: فَنَظَرَ عَمْرٌو إِلَى مِعْضَدٍ فقال له: لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ٩٦: ١٩ [٥] [فَقَالَ عَمْرٌو: يَا أَبِي، إِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ أَعْمَلُ فِي فِكَاكِ رَقَبَتِي. فَبَكَى عُتْبَةُ ثُمَّ قال: يا بني، أحبك حبين: حب للَّه، وَحُبَّ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ] [٦] . فَقَالَ عَمْرٌو: يَا أَبَتِ، إِنَّكَ قَدْ كُنْتَ أَثَبَتْنِي [٧] بِمَالٍ بَلَغَ سَبْعِينَ أَلْفًا، فَإِنْ كُنْتَ سَائِلِي عَنْهُ فَهُوَ هَذَا، فَخُذْهُ وَإِلا فَدَعْنِي أُمْضِهِ. قَالَ: يَا بُنَيَّ، أَمْضِهِ. فَأَمْضَاهُ حَتَّى مَا بَقِيَ عِنْدَهُ دِرْهَمٌ. [أَخْبَرَنَا علي بْن مُحَمَّد بْن حسنون قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّد بْن عُثْمَان قَالَ: أخبرنا

стр. 1524

أَبُو القاسم بْن المنذر قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَن بن صفوان قال: حدثنا أبو بكر بن عبيد اللَّه قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَن شيخ من قريش قَالَ: قَالَ مولى لعمرو] [١] بْن عتبة وأنا مَعَ رجل وَهُوَ يقع فِي/ آخر، فَقَالَ لي: ويلك- وَلَمْ يقلها لي قبلها ولا بعدها- نزه سمعك عَن استماع الخنا كما تنزه لسانك عَن القول، فَإِن المستمع شريك القائل، وإنما نظر إِلَى مَا سد فِي وعائه فأفرغه فِي وعائك، ولو ردت كلمة سفيه فِي فِيهِ لسعد بها رادها كما شقي بها قائلها. [أَخْبَرَنَا ابْن ناصر قَالَ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَن بْن عَلِيّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر بْن مالك قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم الدورقي قَالَ: حَدَّثَنَا عنبسة بْن سَعِيد القرشي قَالَ: حَدَّثَنِي ابْن المبارك] [٢] ، عَن عيسى بْن عُمَر قَالَ: كَانَ عَمْرو بْن عتبة يخرج عَلَى فرسه ليلا فيقف عَلَى القبور فَيَقُول: يا أَهْل القبور، قَدْ طويت الصحف، ورفعت الأعمال. ثُمَّ يبكي، ثُمَّ يصف قدميه حَتَّى يصبح، فيرجع فيشهد صلاة الصبح. [أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن أبي القاسم قال: أخبرنا أحمد بن أحمد قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله الأصبَهانيّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّد بْن حيان قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن الْحُسَيْن الحذاء قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد الدروقي قَالَ: حَدَّثَنَا علي بْن إِسْحَاق قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْن المبارك قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن عُمَر الفرواي قَالَ: حَدَّثَنِي مولى لعمرو] [٣] بْن عتبة قَالَ: استيقظنا يوما حارا فِي ساعة حارة، فطلبنا عَمْرو بْن عتبة، فوجدناه فِي جبل وَهُوَ ساجد وغمامة تظله، وكنا نخرج إِلَى العدو فلا نتحارس لكثرة صلاته، فرأيته ليلة يصلي، فسمعنا زئير الأسد فهربنا وَهُوَ قائم يصلي لَمْ ينصرف، فقلنا لَهُ: أما خفت الأسد؟ فَقَالَ: إني لأستحي من اللَّه أَن أخاف شَيْئًا سواه. [أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن أَبِي القاسم بإسناده عَن أَحْمَد قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَن عمارة بْن عمير] [٤] ، عَن عَبْد الرَّحْمَنِ بْن يَزِيد قَالَ: خرجنا فِي جيش فيهم علقمة ويزيد بْن مُعَاوِيَة النخعي، وعمرو بْن عتبة، ومعضد قَالَ: فخرج عمرو بن

стр. 1525

عتبة عَلَيْهِ جبة جديدة بيضاء، فَقَالَ: مَا أحسن الدم ينحدر عَلَى هذه. فخرج فتعرض للقوم، فأصابه حجر فشجه فتحدر عَلَيْهَا الدم، ثُمَّ مَات منها فدفناه، ولما أصابه الحجر فشجه جعل يلمسها بيده وَيَقُول: إنها لصغيرة [١] ، وإن اللَّه ليبارك فِي الصغير. [أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الباقي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن أحمد، أخبرنا أبو نعيم الحافظ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن مَالِك، حَدَّثَنَا عَبْد اللَّهِ بْن أَحْمَد قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم الدورقي قَالَ: حَدَّثَنَا علي بْن إِسْحَاق قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن المبارك قَالَ: أَخْبَرَنَا عيسى بْن عُمَر، عَن السدي قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن عم] [٢] لعمرو بْن عتبة قَالَ: نزلنا فِي مرج حسن/، فَقَالَ عَمْرو بْن عتبة: مَا أحسن هَذَا المرج، مَا أحسن الآن لو أَن مناديا ينادي: يا خيل اللَّه اركبي. فخرج رجل فكان أول من لقي فأصيب، ثُمَّ جيء بِهِ فدفن فِي هَذَا المرج [٣] . قَالَ: فَمَا كَانَ بأسرع من أَن نادى مناد: يا خيل الله اركبي. فخرج عَمْرو فِي سرعان النَّاس فِي أول من خرج، فأتى عتبة فأخبر بِذَلِكَ فَقَالَ: علي عمرًا. فأرسل فِي طلبه، فَمَا أدرك حَتَّى أصيب. قَالَ: فَمَا أراه دفن إلا فِي مركز رمحه، وعتبة يومئذ عَلَى النَّاس. قَالَ المؤلف: [وهذه] [٤] الغزاة الَّتِي استشهد فِيهَا عَمْرو، [وَلَمْ تذكر] هِيَ غزاة أذربيجان، وكانت فِي خلافة عُثْمَان [﵁] . ٢٤١- عمير بْن وهب بْن خلف بْن وهب بْن حذافة بْن جمح [٥] . كَانَ قَدْ شهد بدرا مَعَ المشركين، وبعثوه طليعة ليحرز أَصْحَاب رَسُول اللَّه ﷺ ، ففعل، وَكَانَ حريصًا عَلَى رد قريش عَنْ [لقاء] [٦] رَسُول اللَّه ﷺ ببدر، فلما التقوا أسر أبوه وهب [٧] ، أسره رفاعة بْن رافع، فرجع إِلَى مكة، فَقَالَ لَهُ صفوان بن أمية: دينك

стр. 1526

علي، وعيالك أمونهم مَا عشت، واجعل كَذَا وكذا إِن أَنْتَ خرجت إِلَى مُحَمَّد حَتَّى تغتاله. فخرج حَتَّى أتى رَسُول اللَّه ﷺ فيخبره النَّبِي ﷺ بِمَا جاء بِهِ وَمَا جرى لَهُ مَعَ صفوان [بْن أمية] [١] ، فأسلم وشهد أحدًا مَعَ رَسُول اللَّه ﷺ ، وبقي [إِلَى] خلافة عُثْمَان ﵁ . ٢٤٢- عروة بْن حزام بْن مهاجر [٢] . شاعر إسلامي، أحد المتيمين الَّذِينَ قتلهم الهوى. أخبرتنا شهدة بنت أَحْمَد الكاتبة قالت: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّد جَعْفَر بْن أَحْمَد بْن السراج قَالَ: نقلت من خط أَبِي عَمْرو بْن حيوية، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن المرزبان قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو العباس فضل بْن مُحَمَّد بْن النويري، حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم الموصلي قَالَ: أَخْبَرَنَا لقيط] [٣] بْن بكير المحاربي: أَن عروة بْن حزام، وعفراء ابنة مَالِك العذريين- وهما بطن من عذرة يقال لهم بنو هند بْن حزام بْن ضبة بْن عَبْد بْن بكير بن عذرة- ويقال/ إنهما نشآ جميعا، فعلقا علاقة الصبا، وَكَانَ عروة يتيما في حجر عمه حتى بلغ، وكان يسأل عمّه أَن يزوجه عفراء فيسوفه إِلى أَن خرجت عير لأهله إِلَى الشام، وخرج عروة إِلَيْهَا، ووفد عَلَى عمه ابْن عم لَهُ من البلقاء يريد الحج، فخطبها فزوجه إياها، فحملها وأقبل عروة فِي عيره تلك حَتَّى إِذَا كَانَ بتبوك نظر إِلَى رفقة مقبلة من نَحْو المدينة فِيهَا امرأة عَلَى جمل أحمر، فَقَالَ لأَصْحَابه: والله لكأنها شمائل عفراء: فَقَالُوا: ويحك، مَا تترك ذكر عفراء لشيء. قَالَ: وجاء الْقَوْم فلما دنوا منه وتبين الأمر يبس قائما لا يتحرك ولا يحير جوابا، حَتَّى بَعْد الْقَوْم، فذلك حِينَ يَقُولُ: وإني لتعروني لذكراك رعدة ... لَهَا بَيْنَ جلدي والعظام دبيب فَمَا هُوَ إلا أَن أراها فجاءة ... فأبهت حتى ما أكاد أجيب

стр. 1527

وقلت لعراف اليمامة داوني ... فإنك إِن داويتني لطبيب فَمَا بي من حمى وَمَا بي جنة ... ولكن عمي الحميري كذوب ثُمَّ إِن عروة انصرف إِلَى أهله وأخذه البكاء والهلاس حَتَّى نحل، فلم يبق منه شَيْء، فَقَالَ بَعْض النَّاس: هُوَ مسحور، وَقَالَ قوم: بِهِ جنة، وَقَالَ آخرون: بَل هُوَ موسوس، وإن بالحاضر من اليمامة لطبيبا لَهُ تابع من الجن، وَهُوَ أطب النَّاس، فلو أتيتموه فلعل اللَّه يشفيه. فساروا إِلَيْهِ من أرض بَنِي عذرة حَتَّى داواه، فجعل يسقيه وينشر عَنْهُ، وهو يزداد سقما، فقال له عروة: هل عندك للحب دواء أَوْ رقية، فَقَالَ: لا والله. فانصرفوا حَتَّى مروا بطبيب بحجر، فعالجه [١] وصنع بِهِ مثل ذَلِكَ، / فَقَالَ لَهُ عروة: والله مَا دائي ولا دوائي إلا شخص بالبلقاء مقيم، فَهُوَ دائي وعنده دوائي. فانصرفوا بِهِ، فأنشأ عِنْدَ ذَلِكَ وجعل يَقُول عِنْدَ انصرافهم بِهِ: جعلت لعراف اليمامة حكمه ... وعراف نجد إِن هما شفياني فقالا نعم يشفى من الداء كُلهُ ... وقاما مَعَ العواد يبتدران فَمَا تركا من رقية يعلمانها ... ولا سلوة إلا وَقَدْ سقياني فَقَالَ شفاك اللَّه والله مَا لنا ... بِمَا ضمنت منك الضلوع يدان فلما قدم عَلَى أهله، وَكَانَ لَهُ أخوات أربع ووالدة وخالة، فمرضنه دهرا، فقال لهن يوما: اعلمن أني لو نظرت إِلَى عفراء نظرة ذهب وجعي، فذهبوا بِهِ حَتَّى نزلوا البلقاء مستخفين، وَكَانَ لا يزال يلم بعفراء وينظر إِلَيْهَا، وكانت عِنْدَ رجل كريم كثير المال والحاشية، فبينا عروة بسوق البلقاء لقيه رجل من بَنِي عذرة فسأله عَن حاله ومقدمه فأخبره، فقال: والله لقد سمعت أنك مريض وأراك قَدْ صححت، فلما أمسى دَخَلَ الرجل عَلَى زوج عفراء، فَقَالَ: مَتَى قدم هَذَا الكلب عليكم الَّذِي فضحكم، قَالَ زوج عفراء: أي كلب هُوَ؟ قَالَ: عروة، قَالَ: وَقَدْ قدم؟ قَالَ: نعم، قَالَ: أَنْتَ أولى بها من أَن تكون كلبا، مَا علمت بقدومه، ولو علمت لضممته إليّ.

стр. 1528

فلما أصبح غدا يستدل عَلَيْهِ حَتَّى جاءه، فَقَالَ: قدمت هَذَا البلد وَلَمْ تنزل بنا، وَلَمْ تر أَن تعلمنا بمكانك فيكون منزلك عندنا علي، وعلي إِن كَانَ لَكَ منزل إلا عندي، قَالَ: نعم نتحول إليك الليلة أَوْ فِي غد. فلما ولى/ قَالَ عروة لأهله: قَدْ كَانَ مَا ترون، وإن أنتم لَمْ تخرجوا معي لأركبن رأسي ولألحقن بقومكم فليس علي بأس. فارتحلوا وركبوا طريقهم ونكس عروة ولم يزل مدنفا حَتَّى نزلوا وادي القرى. وَفِي رواية أُخْرَى: أَن حزاما هلك وترك ابنه عروة صغيرا فِي حجر عمه عقال بْن مهاصر، وكانت عفراء تربا لعروة يلعبان جميعا ويكونان معا حَتَّى [ألف كُل واحد منهما] ألفا شديدًا، وَكَانَ عقال يَقُول لعروة لما يرى من الفهما: أبشر، فَإِن عفراء امرأتك إِن شاء اللَّه، وكانا كذلك حَتَّى بلغا، فأتى عروة عمة لَهُ يقال لَهَا هند بنت مهاصر، فشكى إِلَيْهَا مَا بِهِ من حب عفراء، وَقَالَ لَهَا: يا عمة إني لأكلمك وأنا مستحي منك، وَلَمْ أفعل هَذَا حَتَّى ضقت ذرعا بِمَا أنا فِيهِ، فذهبت عمته إِلَى أخيها، فقالت: يا أخي قَدْ أتيتك فِي حاجة أحب أَن تحسن قضاءها، فَإِن اللَّه يؤجرك بصلة رحمك، قَالَ: إِن تسأليني لا أردك فِيهَا، قالت: تزوج عروة ابْن أخيك بابنتك عفراء، فَقَالَ: مَا عَنْهُ مذهب، ولا بنا عَنْهُ رغبة، ولكنه لَيْسَ بذي مال، وليست عَلَيْهِ عجلة، فسكت عروة بَعْض السكوت، وكانت أمها لا تريد إلا ذا مال، فعرف عروة أَن رجلا ذا مال قَدْ خطبها، فأتى عمه، فَقَالَ: يا عم، قَدْ عرفت حقي وقرابتي، وإني ربيت فِي حجرك، وَقَدْ بلغني أَن رجلا يخطب عفراء فَإِن أسعفته بطلبتي قتلتني وسفكت دمي، فأنشدك اللَّه ورحمي وحقي، فرق لَهُ، وَقَالَ: يا بَنِي، أَنْتَ معدم، وأمها قَدْ أبت أَن تخرجها إلا/ بمهر غال، فاضطرب واسترزق اللَّه. فجاء إِلَى أمها ولاطفها وداراها فأبت إلا بِمَا تحتكم من المهر، فعمل عَلَى قصد ابْن عم لَهُ موسر باليمن، فجاء إِلَى عمه وامرأته فأخبرهما بقصده وعزمه، فصوباه ووعداه ألا يحدثا حدثا حَتَّى يعود. وودع عفراء والحي، وصحبه فتيان كانا يألفانه، وَكَانَ طول سفره ساهيا حَتَّى قدم عَلَى ابْن عمه فعرفه حاله، فوصله وكساه وأعطاه مائة من الإبل، فانصرف بها، وَقَدْ كَانَ رجل من أَهْل الشَّام قَدْ نزل فِي حي عفراء، فنحر وأطعم ورأى عفراء فأعجبته، فخطبها

стр. 1529

إِلى أبيها فاعتذر إِلَيْهِ وَقَالَ: قَدْ سميتها باسم ابْن أخي، فَمَا لغيره إِلَيْهَا سبيل، فَقَالَ لَهُ: إني أرغبك فِي المهر، فَقَالَ: لا حاجة لي فِي ذَلِكَ، فعدل إِلَى أمها فوافق عندها قبولا ورغبة فِي المال، فجاءت إِلَى زوجها، فقالت: وأي خير فِي عروة حَتَّى تحبس ابنتي عَلَيْهِ، والله مَا تدري أعروة حي أم ميت، وهل ينقلب إليك بخير أم لا، فتكون قَدْ حرمت ابنتك خيرا حاضرا، فلم تزل بِهِ حَتَّى قَالَ: إِن عاودني خاطبها أجبته، فوجهت إِلَيْهِ: أعد غدا خاطبا، فنحر جزورا وأطعم ووهب وجمع الحي عَلَى طعامه وفيهم أَبُو عفراء، وأعاد الخطبة فزوجه وحولت عفراء إِلَيْهِ، فَقَالَ قبل أَن يدخل بها: يا عروة إِن الحي قَدْ نقضوا عهد اللَّه وحاولوا الغدران. ثُمَّ دَخَلَ بها زوجها وأقام فيهم ثلاثا ثُمَّ ارتحل إِلَى الشام، وعمد أبوها إِلَى قبر عتيق، فجدده وسواه، وسأل أَهْل الحي كتمان أمرها، وقدم عروة بَعْد أَيَّام، فنعاها أبوها إِلَيْهِ وذهب بِهِ إِلَى ذَلِكَ القبر، وَكَانَ يختلف إِلَيْهَا أياما حَتَّى أخبرته جارية/ من الحي الْخَبَر، فركب بَعْض إبله فدخل الشام فنزل عَلَى الرجل وَهُوَ لا يعرفه، فأكرمه، فَقَالَ لجارية لهم: هل لَكَ فِي يد تولينيها؟ قالت: نعم، قَالَ: تدفعين خاتمي هذا إلى مولاتك، فقالت: سوءة لك، أما تستحي من هذا القول، فأمسك ثُمَّ أعاد عَلَيْهَا، وَقَالَ: ويحك هِيَ والله بنت عمي، فاطرحي هَذَا الخاتم فِي صبوحها فَإِن أنكرت عليك فقولي: اصطبح ضيفنا قبلك ولعله سقط منه، فرقت الأمة وفعلت، فلما رأت عفراء الخاتم قالت: أصدقيني فأصدقتها، فلما جاء زوجها قالت: أتدري من ضيفك؟ إنّه عروة بْن حزام، وَقَدْ كتم نَفْسه حياء منك، فبعث إِلَيْهِ وعاتبه عَلَى كتمانه نَفْسه، وَقَالَ لَهُ: بالرحب والسعة نشدتك اللَّه إِن رمت هَذَا المكان أبدا، وخرج وتركه مَعَ عفراء يتحدثان، وأوصى خادما لَهُ بالاستماع عليهما وإعادة مَا يسمعه منهما. فلما خليا تشاكيا مَا وجدا من الفراق وطالت الشكوى وَهُوَ يبكي أحر بكاء، ثُمَّ أتته بشراب وسألته أَن يشربه، فَقَالَ: والله مَا دَخَلَ جوفي حرام قط، ولا ارتكبته منذ كنت، ولو استحللت حراما كنت قَدِ استحللته منك وأنت حظي من الدنيا وَقَدْ ذهبت مني وذهبت منك، فَمَا أعيش بعدك، وَقَدْ أجمل هَذَا الرجل الكرم وأحسن، وأنا أستحي منه، وو الله لا أقيم بَعْد علمه بمكاني، وإني لعالم أني أرحل إِلَى منيتي. فبكت وبكى وانصرف.

стр. 1530

فلما جاء زوجها أخبره الخادم بِمَا جرى بينهما، فَقَالَ: يا عفراء، امنعي ابْن عمك من الخروج، / فقالت: لا يمتنع، وَهُوَ والله أكرم وأشد حياء أَن يقيم بَعْد مَا جرى بينكما، فدعاه وَقَالَ: يا أخي: اتق اللَّه فِي نفسك فَقَدْ عرفت خبرك وأنك إن رحلت تلفت، وو الله مَا أمنعك من الاجتماع معها أبدا، وإن شئت لأنزلن لَكَ عَنْهَا. فجزاه خيرا وأثنى عَلَيْهِ، وَقَالَ: إنها كَانَ الطمع فِيهَا، والآن فَقَدْ يئست وحملت نفسي عَلَى الصبر، ولي أمور لا بد من الرجوع إِلَيْهَا، وإن وجدت بي قوة، وإلا عدت إليكم وزرتكم. فزودوه وشبعوه، وانصرف، فأصابه غشي وخفقان. فكان كلما أغمي عَلَيْهِ ألقى عَلَى وجهه خمارا كانت عفراء قَدْ زودته إياه فيفيق، فلقيه فِي طريقه عراف اليمامة ابْن مكحول، فسأله عما بِهِ وهل بِهِ خبل، فَقَالَ: وَمَا بي من خبل وَمَا بي جنة ... ولكن عمي يا أخي كذوب أقول لعراف اليمامة داوني ... فإنك إن داويتني لطبيب فوا كبدي أمست رفاتا كأنما ... يلذعها بالموقدان لهيب عشية لا عفراء منك بعيدة ... فتسلو ولا عفراء منك قريب فو الله مَا أنساك مَا هبت الصبا ... وَمَا عقبتها فِي الرياح جنوب وإني ليغشاني لذكراك روعة ... لَهَا بَيْنَ جلدي والعظام دبيب وَقَالَ يخاطب رفيقيه: خليلي من عليا هلال بْن عامر ... بصنعاء عوجا اليوم فانتظراني فلا تزهدا فِي الذخر عندي وأجملا ... فإنكما بي اليوم مبتليان ألما عَلَى عفراء إنكما غدا ... بوشك النوى والبين مفترقان فيا واشيي عفراء ويحكما بمن ... ومن وإلى من حيثما تشياني بمن لو رآه غائبا لفديته ... ومن لو رآني غائبا لفداني مَتَى تكشفا عني القميص تبينا ... بي الضر من عفراء يا فتيان فَقَدْ تركتني لا أعي لمحدث ... حَدِيثا وإن ناجيته ونجاني جعلت لعراف اليمامة حكمه ... وعراف حجران هما شفياني فَمَا تركا من حيلة يعلمانها ... ولا شربة إلا بها سقياني

стр. 1531

ورشا عَلَى وجهي من الماء ساعة ... وقاما مَعَ العواد يبتدران وقالا شفاك اللَّه والله مَا لنا ... بِمَا ضمنت منك الضلوع يدان فويلي عَلَى عفراء ويل كأنه ... عَلَى الصدر والأحشاء وخز سنان إِذَا رام قلبي هجرها حال دونه ... شفيعان من قلبي لَهَا خذلاني إِذَا قُلْت لا قالا بلى ثُمَّ أصبحا ... جميعا عَلَى الرأي الَّذِي ترياني تحملت من عفراء مَا لَيْسَ لي بِهِ ... ولا للجبال الراسيات يدان فيا رب أَنْتَ المستعان عَلَى الَّذِي ... تحملت من عفراء منذ زماني كأن قطاة علقت بجناحها ... عَلَى كبدي من شدة الخفقان وَفِي رواية أنه لَمْ يعلمه بتزويجها حَتَّى لقي الرفقة الَّتِي هِيَ فِيهَا، وأنه كَانَ توجه إِلَى ابْن عم لَهُ بالشام لا باليمن، فلما رآها وقف دهشا، ثُمَّ قَالَ: فَمَا هُوَ إلا أَن أراها فجاءة ... فأبهت حَتَّى لا أكاد أجيب وأصدف عَن رأيي الَّذِي كنت أرتئي ... وأنسى الَّذِي أزمعت حِينَ تغيب ويظهر قلبي عذرها ويعينها ... علي فَمَا لي فِي الفؤاد نصيب وَقَدْ علمت نفسي مكان شفائها ... وهل مَا لا ينال قريب [١] حلفت برب الساجدين لربهم ... خشوعا وَفَوْقَ الساجدين رقيب/ لئن كَانَ برد الماء حران صاديا ... إلي حبيبا إنها لحبيب ثُمَّ عاد إِلَى أهله وَقَدْ نحل وضنى، وَكَانَ لَهُ أخوان وخالة وجدة، فجعلن يعالجن أمره فلا ينفع، وَكَانَ يَأْتِي حياض الماء الَّتِي كانت عفراء تردها، فيلصق صدره بها وَيَقُول: بي البأس أَوْ داء الهيام سقيته ... فإياك عني لا يكن بك مَا بيا وَفِي رواية أنه لَمْ يرجع إِلَى حيه، وإن مَات قبل منزله بثلاث ليال، وبلغ عفراء وفاته فجزعت جزعا شديدا. [أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن ناصر الْحَافِظ، أَخْبَرَنَا الْمُبَارَك بْن عَبْد الجبار، أَخْبَرَنَا أبو الحسن أحمد بن عبد الله الأنماطي، أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْمَرْوَزِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الكريم المروزي، قال: حدثني

стр. 1532

جدي محمد بن عبد الكريم، حدثنا الهيثم بْن عدي، أَخْبَرَنَا هِشَام بْن عروة، عَن أَبِيهِ] [١] ، عَن النُّعمان بْن بشير، قَالَ: استعملني عُمَر بْن الْخَطَّاب- أَوْ عُثْمَان بْن عَفَّان، شك الهيثم- عَلَى صدقات سَعْد بْن هذيم، وهم عذرة، وسلامان، والحارث، وهم من قضاعة، فلما قبضت الصدقة وقسمتها بَيْنَ أهلها، وأقبلت بالسهمين الباقيين إِلَى عُمَر- أَوْ إِلَى عُثْمَان- فلما كنت فِي بلاد عدي فِي حي يقال لهم بنو هند، إِذَا أنا ببيت جرير، فملت إِلَيْهِ، فَإِذَا عجوز جالسة عِنْدَ كسر الْبَيْت، وإذا شاب نائم فِي ظل الْبَيْت، فلما دنوت سلمت، فترنم بصوت لَهُ ضعيف: جعلت لعراف اليمامة حكمه ... وعراف حجران هما شفياني فذكر الأبيات، فشهق شهقة خفيفة، فنظرته فَإِذَا هُوَ قَدْ مَات، فَقُلْتُ: أيها العجوز، مَا أظن هَذَا النائم بفناء بيتك إلا قَدْ مَات، قالت: والله إني لأظن ذَلِكَ، فقامت فنظرت إِلَيْهِ، فقالت: فاض ورب مُحَمَّد، فَقُلْتُ: يا أمة اللَّه، من هَذَا؟ قالت: عروة بْن حزام وأنا أمه، قُلْت: فَمَا صيره إِلَى هَذَا؟ قالت: العشق، ولا والله مَا سمعت/ لَهُ أنه منذ سَنَة إلا فِي صدره وَفِي يومنا هَذَا، فإني سَمِعْتُهُ يَقُول: من كَانَ من أمهاتي باكيا أبدا ... فاليوم إني أراني اليوم مقبوضا تستمعيه فإني غَيْر سامعة ... إِذَا علوت رقاب الْقَوْم معروضا قَالَ النعمان: فأقمت والله عَلَيْهِ حَتَّى غسل وكفن وحنط، وصلي عَلَيْهِ، ودفن. قَالَ: قُلْت للنعمان: فَما دعاك إِلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: احتساب الأجر فِيهِ والله. وَقَدْ ذكر أَبُو دَاوُد فِي كتاب الزهرة: أَن عروة بْن حزام لما مَات مر بِهِ ركب فعرفوه، فلما انتهوا إِلَى منزل عفراء صاح بَعْضهم، فَقَالَ: ألا أيها القصر المعقل أهلها ... بحق نعينا عروة بْن حزام فأجابته فقالت: ألا أيها الركب المخبون ويحكم ... بحق نعيتم عروة بن حزام

стр. 1533

فأجابوها: نعم قَدْ تركناه بأرض بعيدة ... مقيما بها فِي دكدك وأكام فقالت لهم: فَإِن كَانَ حقا مَا تَقُولُونَ فاعلموا ... بأن قَدْ نعيتم بدر كُل ظلام [١] فلا لقي الفتيان بعدك لذة ... ولا رجعوا من غيبة بسلام ولا وضعت أنثى تماما بمثله ... ولا فرحت من بعده بغلام ولا لا بلغتم حيث وجهتم لَهُ ... ونغصتم لذات كُل طعام ثُمَّ سألتهم: أين دفنوه؟ فأخبروها، فسارت إِلَى قبره، فلما قربوا من موضع قبره، قالت: إني أريد قضاء حاجة، فأنزلوها فانسلت إِلَى قبره فانكبت عليه، فلما راعهم إلا صوتها، فلما سمعوها بادروا/ إِلَيْهَا، فَإِذَا هِيَ ممدودة عَلَى القبر قَدْ خرجت نفسها، فدفنوها إِلَى جانبه. [أَنْبَأَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الملك بْن خيرون، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، حَدَّثَنَا علي بْن أيُّوب القمي، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عمران، حَدَّثَنَا عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد بْن أَبِي سَعِيد، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاق بْن مُحَمَّد النخعي، حَدَّثَنَا] [٢] معاذ بْن يَحْيَى الصنعاني، قَالَ: خرجت من مكة إِلَى صنعاء، فلما كَانَ بيننا وبين صنعاء خمس رأيت النَّاس ينزلون عَن محاملهم ويركبون دوابهم، قُلْت: أين تريدون؟ قَالُوا: نريد أَن ننظر قبر عروة وعفراء، فنزلت عَن محملي وركبت حماري واتصلت بهم، فانتهيت إِلَى قبرين متلاصقين قَدْ خرج من هَذَا القبر ساق شجرة، ومن هَذَا ساق شجرة، حَتَّى إِذَا صارا عَلَى قامة التفا، وَكَانَ النَّاس يقولون: تآلفا فِي الحياة وَفِي الْمَوْت. وَقَدْ روي لنا أَن هذه القصة كانت فِي عهد عُمَر بْن الْخَطَّاب، فروينا عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ: لو أدركت عروة وعفراء لجمعت بينهما. وروينا عَن مُعَاوِيَة أنه قَالَ: «لو علمت بهذين الشريفين لجمعت بينهما» .

стр. 1534

ثُمَّ دخلت سَنَة ست وعشرين فمن الحوادث فِيهَا: أَن عُثْمَان أمر بتجديد أنصاب الحرم، وزاد فِي الْمَسْجِد الحرام، [ووسعه] [١] وابتاع من قوم، وأبى آخرون فهدم عَلَيْهِم، ووضع الأثمان فِي بَيْت المال، فصاحوا عَلَى عُثْمَان، فأمر بهم إِلَى الحبس، وَقَالَ: أتدرون مَا جرأكم علي؟ مَا جرأكم علي إلا حلمي، قَدْ فعل هَذَا بكم عُمَر، فلم تصيحوا بِهِ. ثُمَّ كلمه فيهم عَبْد اللَّهِ بْن خَالِد بْن أسيد، فأخرجوا. وَفِي هذه السنة: جرت خصومة بَيْنَ سَعْد وابن مَسْعُود، فعزل عُثْمَان سعدا. وقيل: كَانَ ذَلِكَ فِي سَنَة خمس وعشرين. وقيل: فِي سَنَة ثَلاث [وعشرين] [٢] . [أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ قالا: أخبرنا ابن النقور قال: أخبرنا المخلص قال: أخبرنا أحمد بن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى قال: حدثنا شعيب قال: حَدَّثَنَا سَيْف بْن عُمَر] [٣] ، عَن الشعبي قَالَ: كَانَ أول مَا نزع الشَّيْطَان من أَهْل الكوفة- وَهُوَ أول- مصر- أَن سَعْد بْن أَبِي وقاص استقرض من عَبْد اللَّهِ بْن مَسْعُود من بَيْت المال مالا، فأقرضه، فلما تقاضاه لم يتيسر عليه، فارتفع بينهما الكلام.

стр. 1535

[وَحَدَّثَنَا سَيْفٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ،] [١] عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ سَعْدٍ، فَأَتَى ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ لِسَعْدٍ: أَدِّ الْمَالَ الَّذِي قِبَلَكَ. فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: هَلْ أَنْتَ إِلا عَبْدٌ مِنْ [٢] هُذَيْلٍ. قَالَ: [وَأَنْتَ] [٣] ابْنُ حُمَيْنَةَ. فَطَرَحَ سَعْدٌ عُودًا فِي يَدِهِ، وَكَانَتْ فِيهِ حِدَّةٌ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَّهمّ رَبَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قُلْ خَيْرًا وَلا تَلْعَنْ. فَقَالَ سَعْدٌ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْلا اتِّقَاءُ اللَّهِ عَلَيْكَ لَدَعَوْتُ عليك دعوة لا تُخْطِئُكَ. فَوَلَّى الآخَرُ سَرِيعًا، [فَخَرَجَ] [٤] . [وَحَدَّثَنَا سَيْفٌ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ عَبْدِ خَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَكِيمٍ قَالَ] [٥] : لَمَّا وَقَعَ بَيْنَ ابْنِ مَسْعُودٍ وَسَعْدٍ الْكَلامُ غَضِبَ عَلَيْهِمَا عُثْمَانُ، وَانْتَزَعَهَا مِنْ سَعْدٍ وَعَزَلَهُ، وَأَقَرَّ عَبْدَ اللَّهِ، وَاسْتَعْمَلَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ، فَقَدِمَ الْكُوفَةَ، فَلَمْ يَتَّخِذْ لِدَارِهِ بَابًا حَتَّى خَرَجَ مِنَ الْكُوفَةِ. وَفِي هذه السنة: حج بالناس عثمان ﵁ [٦] . ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٢٤٣- حبيب بْن يساف بْن عتبة تأخر إسلامه حَتَّى خرج رَسُول اللَّه ﷺ إِلَى بدر، فلحقه فأسلم وشهد أحدا والخندق. وتوفي فِي خلافة عُثْمَان ﵁.

стр. 1536

ثُمَّ دخلت سَنَة سبع وعشرين فمن الحوادث فِيهَا: فتح الأندلس [١] : [أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ قالا: أخبرنا ابن النقور قال: أخبرنا المخلص قال: أخبرنا أحمد بن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى قال: حدثنا شعيب قال: حدثنا سيف، عن مُحَمَّدٍ] [٢] وَطَلْحَةَ قَالا: أَرْسَلَ عُثْمَانُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ/ الْحُصَيْنِ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الْقَيْسِ إِلَى الأَنْدَلُسِ فَأَتَيَاهَا مِنْ قِبَلِ الْبَحْرِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِمْ: «أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ إِنَّمَا تُفْتَحُ مِنَ قِبَلِ الأَنْدَلُسِ، وَإِنَّكُمْ إِنْ فَتَحْتُمُوهَا كُنْتُمْ شُرَكَاءَ مَنْ يَفْتَحُهَا فِي الأَجْرِ وَالسَّلامُ» . فَخَرَجُوا وَمَعَهُمُ الْبَرِيدُ فَأَتَوْهَا مِنْ بَرِّهَا وَبَحْرِهَا، فَفَتَحَهَا اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. قَالَ يَزِيد بْن أَبِي حبيب: نزع عُثْمَان عَمْرو بْن العاص عَن خراج مصر، واستعمل عَبْد اللَّهِ بْن سَعْد، فكتب عَبْد اللَّهِ بْن سَعْد إِلَى عُثْمَان: إِن عمرا كسر الخراج، وكتب عَمْرو إِن عَبْد اللَّهِ كسر عَلَى مكيدة الحرب، فكتب عُثْمَان إِلَى عَمْرو: انصرف، وولى عَبْد اللَّهِ بْن سَعْد الخراج والجند، فقدم عَمْرو مغضبا، فدخل عَلَى عُثْمَان وعليه جبة لَهُ يمانية محشوة قطنا. فَقَالَ لَهُ عُثْمَان: مَا حشو جبتك هذه؟ قَالَ: عَمْرو: [فَقَالَ عُثْمَان:] [٣] لَمْ أرد هذا، إنما سألت أقطن هو أم غيره.

стр. 1537

قَالَ الواقدي: وَفِي هذه السنة كَانَ فتح اصطخر الثَّانِي عَلَى يد عُثْمَان بْن أَبِي العاص. وفيها: غزا مُعَاوِيَة قنسرين [١] . وفيها: حج بالناس عُثْمَان بْن عَفَّان [٢] . ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٢٤٤- عبد الله بْن كعب بْن عَمْرو بْن عوف بْن مبذول، أَبُو الْحَارِث [٣] . شهد بدرا، وَكَانَ عامل رسول الله ﷺ علي المغانم، وشهد المشاهد كلها مَعَ النَّبيِّ ﷺ .

стр. 1538

ثُمَّ دخلت سَنَة ثمان وعشرين فمن الحوادث فِيهَا: فتح قبرس [١] : عَلَى يد مُعَاوِيَة، غزاها بأمر عُثْمَان. هَذَا قَوْل الواقدي. وَقَالَ أَبُو معشر: كان ذلك في سَنَة تسع وعشرين، كَانَ عُمَر بْن الْخَطَّاب يمنع من الغزو فِي البحر/ شفقة بالمسلمين، واستأذنه مُعَاوِيَة، فلم يأذن لَهُ، فلما ولي عُثْمَان استأذنه فأذن لَهُ، وَقَالَ: من اختار الغزو معك طائعا فاحمله. فغزا قبرس، فصالح أهلها، وَهُوَ أول من غزا الروم. أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن عَلِي المجلي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا الحسين بْن صفوان قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقُرَيْشِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا ثَوْرٌ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نَصْرٍ قَالَ: لَمَّا افْتَتَحَ الْمُسْلِمُونَ قُبْرُسَ فُرِّقَ بَيْنَ أَهْلِهَا فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَبْكِي إِلَى بَعْضٍ، فَبَكَى أَبُو الدَّرْدَاءِ فَقَالَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ فِي يَوْمٍ أَعَزَّ اللَّهُ فِيهِ الإِسْلامَ وَأَهْلَهُ، وَأَذَلَّ الشِّرْكَ وَأَهْلَهُ؟ قَالَ: دَعْنَا مِنْكَ يَا جُبَيْرُ، مَا أَهْوَنَ الْخَلْقِ عَلَى اللَّهِ إِذَا تَرَكُوا أَمْرَهُ، بَيْنَا هِيَ أُمَّةٌ قَاهِرَةٌ قَادِرَةٌ، تَرَكُوا أَمْرَ اللَّهِ، فَصَارُوا إِلَى مَا تَرَى. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: تَرَكُوا أَمْرَ اللَّهِ فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ السِّبَاءَ، وَإِذَا سَلَّطَ [السِّبَاءَ] عَلَى الْقَوْمِ فَلَيْسَ له فيهم حاجة [٢] .

стр. 1539

وَفِي هذه السنة: غزا حبيب بْن سلمة سورية [من أرض] [١] الروم. وفيها: تزوج عُثْمَان نائلة بنت الفرافصة بْن الأحوص العربية [٢] . وكانت نصرانية، فتجنثت قبل أن يدخل بها، وكانت محلتها سماوة كلب. قَالَ ابْن الكلبي: كُل اسم فِي المغرب فرافصة بضم الفاء، إلا نائلة بنت الفرافصة، فإنها بفتح الفاء. [أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْبُسْرِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ دُرَيْدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا] [٣] أَبُو عُبَيْدَةَ قَالَ: لَمَّا تَزَوَّجَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ نَائِلَةَ بِنْتَ الْفَرَافِصَةِ اهْتَدَاهَا فَبَعَثَ بِهَا أَبُوهَا إِلَيْهِ مَعَ أَخِيَها ضَبٍّ، فَلَمَّا فصلت مِنَ السَّمَاوَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ خَرَجَتْ مِنْ فِرَاقِ أَهْلِهَا وَبِلادِهَا فَقَالَتْ: أَحَقًّا تُرَاهُ الْيَوْمَ يَا ضَبُّ إِنَّنِي ... مُصَاحَبَةٌ نَحْوَ الْمَدِينَةِ أَرْكَبَا أَمَا كَانَ فِي فِتْيَانِ حِصْنِ بْنِ ضَمْضَمٍ ... لَكَ الْوَيْلُ مَا يُغْنِي الْخِبَاءُ الْمُحْجِبَا [٤] [قَضَى اللَّهُ حَقًّا أَنْ تَمُوتِي غَرِيبَةً ... بِيَثْرِبَ لا تَلْقِينَ أُمًّا وَلا أَبَا قَالَ ابْنُ بَطَّةَ: وَحَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ طَلْحَةَ، عَنْ مَوْلًى لِطَلْحَةَ: أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ اسْتَعَمَلَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ عَلَى صَدَقَاتِ كُلَيْبٍ، فَزَوَّجَهُ نَائِلَةَ بِنْتَ الْفَرَافِصَةِ الْكَلْبِيَّ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: إِنِّي زَوَّجْتُكَ نَائِلَةَ بِنْتَ الْفَرَافِصَةِ. فَقَالَ: زَوَّجْتَنِي نَصْرَانِيَّةً؟ قَالَ: إِنَّهَا إذا قدمت إليك أسلمت. فلما قدم دَخَلَ عَلَيْهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، فصلى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: يَا هَذِهِ، تَأْتِينَا أَوْ نَأْتِيكِ؟ قَالَتْ: بَلْ نَأْتِيكَ وَنُعْمَةَ الْعَيْنِ، فَقَدْ تَجَشَّمْتُ المسير إليك

стр. 1540

مِنْ أَبْعَدَ مَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ مِنَ الْبَيْتِ، فَقَامَتْ حَتَّى جَلَسَتْ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فقال لها عثمان: إنك لَعَلَّكِ تَرَيْنَ شَيْبًا وَتَقَلُّبًا فِي السِّنِّ، فَإِنَّ وَرَاءَ ذَلِكَ غِلالَةً مِنْ شَبَابٍ. فَقَالَتْ: إِنَّ أَحَبَّ الْخُلَطَاءِ إِلَيَّ لَمَنْ ذَهَبَتْ عَنْهُ مَيْعَةُ الشَّبَابِ، وَاجْتَمَعَ حِلْمُهُ، وَوُثِقَ بِرَأْيِهِ. فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ لَهُ النَّاسُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنيِنَ، كَيْفَ رَأَيْتَ أَهْلَكَ؟ قَالَ: رَأَيْتُ أَوْفَى عَقْلا مِنَ الدَّاخِلَةِ عَلَيَّ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ كَانَ عَلَى الْكُوفَةِ، فَتَزَوَّجَ هِنْدَ بِنْتَ الْفَرَافِصَةِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُثْمَانَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تَزَوَّجْتَ امْرَأَةً، فَاكْتُبْ إِلَيَّ بِنَسَبِهَا وَجَمَالِهَا. فَكَتَبَ إِلَيْهِ إِنْ كَانَتْ لَهَا أُخْتٌ فَزَوَّجْنِيهَا، فبعث سعيد إِلَى الْفَرَافِصَةِ يَخْطُبُ إِحْدَى بَنَاتِهِ عَلَى عُثْمَانَ، فَأَمَرَ الْفَرَافِصَةُ ابْنَهُ ضَبًّا فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ، وَكَانَ ضَبٌّ مُسْلِمًا، وَالْفَرَافِصَةُ نَصْرَانِيًّا، فَلَمَّا أَرَادُوا نَقْلَهَا قَالَ لَهَا أَبُوهَا: إِنَّكِ تَقْدَمِينَ عَلَى نِسَاءٍ مِنْ نَسَاءِ قُرَيْشٍ، مِنْ أَقْدَرَ عَلَى الطِّيبِ مِنْكِ، فَاحْفَظِي عَنِّي [١] خَصْلَتَيْنِ: تَكَحَّلِي وَتَطَيَّبِي بِالْمَاءِ حَتَّى تَكُونَ رِيحُكَ رِيحَ شَنٍّ أَصَابَهُ مَطَرٌ. فَلَمَّا جُمِّلَتْ كَرَبَتْ لِكَرْبِهِ، وَحَزِنَتْ لِفِرَاقِ أَهْلِهَا، وَأَنْشَدَتْ: أَلَسْتَ تَرَى باللَّه يَا ضَبُّ أَنَّنِي ... مُصَاحَبَةٌ نَحْوَ الْمَدِينَةِ أَرْكَبَا لَقَدْ كَانَ فِي أَبْنَاءِ حِصْنِ بْنِ ضَمْضَمٍ ... لَكَ الْوَيْلُ مَانِعُ الْحَيَاءِ الْمُحْجَبَا فَلَمَّا قَدِمَتْ عَلَى عُثْمَانَ وَضَعَ عَمَامَتَهُ فَبَدَا الصَّلَعُ، فَقَالَ: لا يُهَوِّلَنَّكِ مَا تَرَيْنَ مِنْ صَلَعِي، فَإِنَّ وَرَاءَهُ مَا تُحِبِّينَ. فَسَكَتَتْ. فَقَالَ: إِمَّا أَنْ تَقُومِي إِلَيَّ وَإِمَّا أَنْ أَقُومَ إِلَيْكِ. فَقَالَتْ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنَ الصَّلَعِ فَإِنِّي مِنْ نِسَاءٍ أَحَبُّ بُعُولَتِهِنَّ السَّادَةُ الصُّلْعُ، وَأَمَّا قَوْلُكَ: إِنْ تَقُومِي أَوْ أقوم، فو الله لِمَا تَجَشَّمْتُ مِنْ حسبَاتِ السَّمَاوَةِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنِي وَبَيْنَكَ، بَلْ أَقُومُ إِلَيْكَ. فَقَامَتْ، فَجَلَسَتْ إلى جَنْبَهُ، فَمَسَحَ رَأْسَهَا وَدَعَا لَهَا بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ قَالَ: اطْرَحِي عَنْكِ رِدَاءَكَ. فَطَرَحَتْهُ، ثُمَّ قَالَ: حُلِّي إِزَارَكِ. فَقَالَتْ: ذَاكَ إِلَيْكَ. فَحَلَّ إِزَارَهَا، وَكَانَتْ مِنْ أَحْظَى نِسَائِهِ عِنْدَهُ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن ناصر، أَخْبَرَنَا ابْن المبارك بْن عَبْد الجبار، أَخْبَرَنَا أبو مُحَمَّد

стр. 1541

الجوهري، أخبرنا أبو عمرو بن حيوة، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر مُحَمَّد بْن خلف بْن المرزبان قَالَ: أخبرني أَحْمَد بْن حرب قَالَ: أخبرني الزُّبَيْر بْن أَبِي بَكْر قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ موبان قَالَ: نظرت نائلة بنت الفرافصة، امرأة عُثْمَان بْن عَفَّان ﵁، فِي المرآة، فأعجبها ثغرها، فأخذت فهرا فكسرت ثناياها، وقالت: والله لا يجب لَكَ أحد بَعْد عُثْمَان وَفِي هذه السنة: كَانَ فتح أصطخر الأخير [١] . وفيها: حج بالناس عُثْمَان بْن عَفَّان [٢] ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٢٤٥- عَمْرو بْن سراقة بْن المعتمر بْن أَنَس بْن أداة بْن رباح [٣] . شهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ . وتوفي فِي خلافة عُثْمَان بْن عَفَّان ﵁] [تم الجزء الرابع بحمد الله ويليه الجزء الخامس إن شاء الله تعالى وأوله: ثم دخلت سنة تسع وعشرين، فمن الحوادث فيها: أن عثمان ﵁ عزل أبا مُوسَى عن البصرة وولى عبد الله بن عامر بن كريز] .

стр. 1542

[المجلد الخامس] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ثم [١] دخلت سنة تسع وعشرين فمن الحوادث فيها [عزل أبي مُوسَى عن البصرة] [٢] أن عثمان ﵁ عزل أبا مُوسَى عن البصرة، وولى عبد الله بن عامر بن كرز وهو يومئذ ابن خمس وعشرين سنة. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قالا: أخبرنا ابن النقور، أخبرنا المخلص، أخبرنا أحمد بن عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا سَيْفٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ، قَالا [٣] : لَمَّا وُلِّيَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ أَقَرَّ أَبَا مُوسَى عَلَى الْبَصْرَةِ ثَلاثَ سِنِينَ، وَعَزَلَهُ فِي الرَّابِعَةِ، وَأَمَّرَ عَلَى خُرَاسَانَ عُمَيْرَ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ سَعْدٍ، وَعَلَى سِجِسْتَانَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيَّ، فَأَثْخَنَ فِيهَا إِلَى كَابُلَ، وَأَثْخَنَ [عُمَيْرٌ فِي خُرَاسَانَ حَتَّى بَلَغَ فَرْغَانَةَ، فَلَمْ يَدَعْ دُونَهَا كُورَةً إِلا أَصْلَحَهَا، وَبَعَثَ إِلَى مَكْرَانَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ مَعْمَرٍ التَّيْمِيَّ، فَأَثْخَنَ] [٤] فِيهَا حَتَّى بَلَغَ النَّهْرَ. وَبَعَثَ إِلَى كِرْمَانَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ غُبَيْسٍ، وَبَعَثَ إِلَى فَارِسَ وَالأَهْوَازَ نَفَرًا، وَضَمَّ سَوَادَ الْبَصْرَةِ إِلَى الْحُصَيْنِ بْنِ [أَبِي] [٥] الْحُرِّ، ثُمَّ عَزَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَيْرٍ، وَاسْتَعَمَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ [٦] فَأَقَرَّهُ عَلَيْهَا سَنَةً ثُمَّ عَزَلَهُ، وَاسْتَعْمَلَ عَاصِمَ بن عمرو،

стр. 1543

[وَعَزَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ غُبَيْسٍ] [١] ، وَأَعَادَ عَدِيَّ بْنَ سُهَيْلِ بْنِ عَدِيٍّ. فَلَمَّا كَانَ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ كَفَرَ أَهْلُ إِيذجَ وَالأَكْرَادَ، فَنَادَى أَبُو مُوسَى فِي النَّاسِ، وَحَضَّهُمْ وَنَدَبَهُمْ، وَذكر مِنْ فَضْلِ الْجِهَادِ فِي الرُّجْلَةِ [٢] حَتَّى حَمَلَ رِجَالٌ عَلَى دَوَابِّهِمْ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنْ يَخْرُجُوا رِجَالا. وقَالَ آخَرُونَ: لا وَاللَّهِ لا نُعَجِّلُ بِشَيْءٍ حَتَّى نَنْظُرَ مَا صَنِيعُهُ؟ فَإِنْ أَشْبَهَ قَوْلُهُ فِعْلَهُ فَعَلْنَا كَمَا فَعَلَ أَصْحَابُنَا. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ خَرَجَ أَخْرَجَ ثَقْلَةً مِنْ قَصْرِهِ عَلَى أَرْبَعِينَ بَغْلا، فَتَعَلَّقُوا بِعَنَانِهِ، وَقَالُوا: احْمِلْنَا عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الْفُضُولِ، وَارْغَبْ مِنَ الرُّجْلَةِ فِيمَا رَغَّبْتَنَا فِيهِ، فَقَنِعَ الْقَوْمَ حَتَّى تَرَكُوا دَابَّتَهُ وَمَضَوْا، فَأَتَوْا عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، فَاسْتَعْفَوْهُ مِنْهُ وَقَالُوا: [مَا كُلُّ مَا نَعْلَمُ نُحِبُّ أَنْ نَقُولَهُ] [٣] ، فَأَبْدِلْنَا بِهِ، فَقَالَ: مَنْ تُحِبُّونَ؟ فقَالَ غَيْلانُ بْنُ خَرَشَةَ: [٤] [فِي كُلِّ أَحَدٍ عِوَضٌ مِنْ هَذَا الْعَبْدِ الَّذِي قَدْ أَكَلَ أَرْضَنَا، وَأَحْيَا أَمْرَ الْجَاهِلِيَّةِ فِينَا، فَلا نَنْفَكُّ مِنْ أَشْعَرِيٍّ كَانَ يُعَظِّمُ مُلْكَهُ عَنِ الأَشْعَرِيِّينَ، وَيَسْتَصْغِرُ مُلْكَ الْبَصْرَةِ، وَإِذَا أَمَّرْتَ عَلَيْنَا صَغِيرًا كَانَ فِيهِ عِوَضٌ مِنْهُ، أَوْ مُهْتَرًا كَانَ فِيهِ عِوَضٌ مِنْهُ، وَمِنْ بَيْنِ ذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ خَيْرٌ مِنْهُ] [٥] . فَدَعَا عَبْدَ اللَّهِ بنَ عَامِرٍ، فَأَمَّرَهُ عَلَى الْبَصْرَةِ، وَصَرَفَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ مَعْمَرٍ إِلَى فَارِسَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى عَمَلِهِ عُمَيْرَ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ سَعْدٍ، فَجَاشَتْ فَارِسُ، وَانْتَقَضَتْ بِعُبَيْدِ اللَّهِ، فَاجْتَمَعُوا لَهُ بِإِصْطَخِرَ، فَالْتَقَوْا عَلَى بَابِ إِصْطَخِرَ، فَقُتِلَ عُبَيْدُ اللَّهِ وَهُزِمَ جُنْدُهُ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ عَبْدَ اللَّهِ بنَ عَامِرٍ، فَاسْتَنَفَرَ أَهْلَ الْبَصْرَةِ، وَخَرَجَ مَعَهُ بِالنَّاسِ وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ، فَالْتَقَى هُوَ وَهُمْ بِإِصْطَخِرَ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً لَمْ يَزَالُوا مِنْهَا فِي ذُلٍّ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى عثمان ﵁.

стр. 1544

وفِي هذه السنة رجم عثمان امرأة من جهينة دخلت على زوجها فولدت له فِي ستة أشهر، فدخل عليه علي فقَالَ: إن الله يقول: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً ٤٦: ١٥ [١] . فأرسل فِي أثرها فإذا قد رجمت. قاله محمد بن حبيب وفِي هذه السنة ضاق مسجد رسول الله ﷺ على الناس، فوسعه عُثْمَان بْن عَفَّانَ ﵁، وابتدأ فِي بنائه فِي شهر ربيع الأول، وكانت القصة [٢] تحمل إلى عثمان من بطن نخل، وبناه بالحجارة المنقوشة، وجعل عمده من حجارة فيها رصاص، وسقفه ساجا، وجعل طوله ستين ومائة ذراع، وعرضه خمسين ومائة ذراع، وجعل أبوابه على ما كانت على عهد عمر ﵁ ستة أبواب. وَرَأَيْتُ لأبي ألوفا بْنِ عَقِيلٍ فِي ذكر مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ كَلامًا حَسَنًا، قَالَ فِي قَوْلِهِ: «صَلاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلاةٍ فِي غَيْرِهِ إِلا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» قَالَ: هَذَا يَتَعَلَّقُ بِمَسْجِدِ الرَّسُولِ الَّذِي فِي زمانه لا بما زيد فيه بعد. وفِي هذه السنة حج عثمان بالناس وضرب بمنى فسطاطا، وأتم الصلاة بها وبعرفة، قَالَ: إني اتخذت بمكة أهلا فصرت من أهلها. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٢٤٦- سلمان بن ربيعة الباهلي [٣] : شهد يوم القادسية، وحدث عن عمر ﵁، وولاه قضاء المدائن، وهو

стр. 1545

أول من ولي قضاء الكوفة ثم عزله عمر، فخرج غازيا للترك ثم انصرف فاستشهد بالجر من بلاد أرمينية فِي خلافة عثمان ﵁ فِي هذه السنة، وقيل فِي سنة ثلاثين، وقيل فِي سنة إحدى وثلاثين. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الْعَلاءِ الْوَاسِطِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْمَهْدِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ [١] : رَأَيْتُ سَلْمَانَ بْنَ رَبِيعَةَ جَالِسًا بِالْمَدَائِنِ عَلَى قَضَائِهَا، وَاسْتَقْضَاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَمَا رَأَيْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ رَجُلَيْنِ يَخْتَصِمَانِ، فَقُلْنَا لأَبِي وَائِلٍ: فَمِمَّ ذَاكَ؟ قَالَ: مِنِ انْتِصَافِ الناس منهم
следующие страницы →