أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي، قَالَ: أَخْبَرَنَا العتيقي، قال: أخبرنا عثمان بن محمد بن القاسم الأدمي، قال: أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا عبد الأول بن مريد، عن ابن عائشة، قال:
أفضى الأمر إلى عبد الملك والمصحف في حجره يقرأ فأطبقه، وقال: هذا آخر العهد بك [١] .
قال مؤلف الكتاب [٢] : وقد رواها ثعلب، عن ابن الزعفراني، قال: لما سلم على عبد الملك بالخلافة [٣] كان في حجره مصحف، فأطبقه، وقال: هذا فراق بيني وبينك.
أَخْبَرَنَا الْقَزَّازُ بِإِسْنَادٍ لَهُ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ الْخَالِقِ بْنِ زَيْدِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، قَالَ:
كُنْتُ أُجَالِسُ بَرِيرَةَ فَقَالَتْ: إِنَّ فِيكَ خِصَالا خَلِيق أَنْ تَلِيَ الأَمْرَ فَإِنْ وُلِّيتَهُ فَاتَّقِ الدِّمَاءَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيُدْفَعُ عَنْ بَابِ الْجَنَّةِ بَعْدَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا بِمِلْءِ مِحْجَمةٍ مِنْ دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ [٤] يُرِيقُهُ» .
وفي هذه السنة اشتدت شوكة الخوارج بالبصرة وفيها قتل نافع بن الأزرق
وذلك أن عبيد الله بن عبد الله بن معمر بعث أخاه عثمان إلى ابن الأزرق في جيش فلقيهم بموضع في الأهواز يقال له: دولاب، فاقتتلوا قتالا شديدا، وقتل نافع بن الأزرق، ثم أمرت الخوارج غيره، وجاءهم المدد وقوي القتال وقتل خلق من المؤمنين، وقدم المهلب بن أبي صفرة على تلك الحال معه عهده على خراسان من قبل ابن الزبير، فسأله المسلمون أن يلي الحرب، فأبى، فكتبوا على لسان ابن الزبير إلى المهلب أن يلي قتال الخوارج، فقال: إني لا أسير إليهم إلا أن تجعلوا لي ما غلبت عليه وتعطوني
стр. 1927
من بيت المال ما أقوى به، وانتخب من فرسان الناس/ ووجوههم من أحببت، فقال أهل البصرة: لك ذلك.
وجاءت الخوارج، فخرج إليهم فدفعهم عن البصرة، وما زال يدفعهم ويتبعهم، ثم التقوا فاقتتلوا قتالا شديدا حتى انهزم الناس إلى البصرة، فنادى المهلب: إلي عباد الله، ثم هجم على القوم، فأخذ عسكرهم وما فيه، وقتل الأزارقة قتلا عنيفا، وخرج فلهم إلى كرمان وأصبهان، وأقام المهلب بالأهواز، وكتب إلى ابن الزبير بما ضمن له، فأجاز ذلك.
وقيل: إن وقعة الأزارقة كانت سنة ست وستين.
وفي هذه السنة عزل عبد الله بن الزبير عبد الله بن يزيد عن الكوفة
وولاها عبد الله بن مطيع، ونزع عن المدينة أخاه عبيدة بن الزبير وولاها أخاه مصعب بن الزبير.
وكان له سبب عزله أخاه عبيدة بن الزبير أنه خطب فقال: قد رأيتم ما صنع بقوم في ناقة قيمتها خمسمائة درهم، فسمي مقوم الناقة [١] ، وبلغ ذلك ابن الزبير، فقال: هذا لهو التكلف.
وفي هذه السنة بنى ابن الزبير الكعبة
وأدخل الحجر فيها، وقد ذكرنا أنه نقضها في السنة التي قبل هذه السنة، فيمكن أن تكون الرواية مختلفة، ويمكن أن يكون النقض في سنة والبناء في السنة الأخرى.
وفي هذه السنة [٢] حج بالناس عبد الله بن الزبير، وكان على المدينة مصعب بن الزبير، وعلى
стр. 1928
الكوفة في آخر السنة عبد الله بن مطيع، وعلى البصرة عبد الله بن الحارث بن أبي ربيعة، وعلى قضائها هشام بن هبيرة، وعلى خراسان عبد الله بن خازم.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٤٣٠- جميل بن معمر- وقيل ابن عبد الله- بن معمر بن الحارث بن ظبيان: [١]
رأى بثينة وهو صبي صغير فهويها، وهما من بني عذرة وتكنى/ بثينة: أم عبد الملك- فلما كبر خطبها فرد عنها فقال فيها الشعر، وكان يزورها وتزوره، ومنزلهما وادي القرى، فجمع أهلها له جمعا ليأخذوه، فأخبرته [٢] بثينة [فاختفى] [٣] وهجا قومها فاستعدوا عليه مروان بن الحكم [وهو] [٣] يومئذ على المدينة من قبل معاوية، فنذر ليقطعن لسانه، فلحق بخذام فأقام هناك إلى أن عزل مروان.
أخبرتنا شهدة بنت أحمد الكاتبة، قالت: أَخْبَرَنَا جعفر بْن أحمد بْن السراج، قَالَ:
كنت مارا بين تيماء ووادي القرى مبادرا من مكة فرأيت صخرة عظيمة ملساء فيها تربيع بقدر ما يجلس عليها النفر [٤] كالدكة، فقال بعض من كان معنا من العرب، وأظنه جهنيا: هذا مجلس جميل وبثينة فاعرفه.
ومن أشعاره المستحسنة فيها قوله:
حلت بثينة من قلبي بمنزلة ... بين الجوانح لم ينزل به أحد
صادت [٥] فؤادي بعينيها ومبسمها ... كأنه حين تبديه لنا برد
وعاذلين لحوني في محبتها ... يا ليتهم وجدوا مثل الّذي أجد
стр. 1929
لما أطالوا عتابي فيك قلت لهم ... لا تفرطوا بعض هذا اللوم واقتصدوا
قد مات قبلي أخو نهد وصاحبه ... من قيس ثم اشتفى من عروة الكمد
وكلهم كان في عشق منيته ... وقد وجدت بها فوق [١] الذي وجدوا
إني لأحسبه أو كدت أعلمه ... أن سوف يوردني الحوض الذي وردوا
إن لم ينلني بمعروف يجود به ... أو يدفع الله عني الواحد الصمد
وقال أيضا [٢] :
لحى الله من لا ينفع الود عنده ... ومن حبله إن مد غير متين
ومن هو إن تحدث له العين نظرة ... يقطع لها أسباب كل قرين
ومن هو ذو لونين ليس بدائم ... على خلق خوان كل يمين
فليت رجالا فيك قد نذروا دمي ... وهموا بقتلي يا بثين لقوني
/ إذا ما رأوني طالعا من ثنية ... يقولون من هذا وقد عرفوني
يقولون لي أهلا وسهلا ومرحبا ... ولو ظفروا بي ساعة قتلوني
وكيف ولا توفي دماؤهم دمي ... ولا مالهم مالي إذا [٣] فقدوني
وقال أيضا:
فيا ويح نفسي حسب نفسي الذي بها ... ويا ويح أهلي ما أصيب به أهلي
فلو تركت عقلي معي ما طلبتها ... ولكن طلابيها لما فات من عقلي
خليلي فيما عشتما هل رأيتما ... قتيلا بكى من حب قاتله قبلي
أَخْبَرَنَا المبارك بْن عَلي الصيرفي، قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد بن علي العلاف، قال:
حدثنا عبد الملك بن بشران، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم الكندي، قال: حدثنا محمد بن جعفر الخرائطي، قال: حدثنا الحسن بن علي، قال: حدثنا المثنى بن سعد الجعفي، قال:
стр. 1930
بلغني أن كثير عزة لقي جميلا [١] ، فقال له: متى عهدك ببثينة؟ قال: ما لي بها عهد منذ عام أول وهي تغسل ثوبا بوادي الدوم، فقال كثير: أتحب أن أعدها لك الليلة؟
قال: نعم، فأقبل راجعا إلى بثينة، فقال له أبوها: يا فلان ما ردك؟ أما كنت عندنا قبيل؟
قال: بلى، ولكن حضرت أبيات قلتها في عزة، قال: وما هي؟ فقال:
فقلت لها يا عز أرسل صاحبي ... على باب داري والرسول موكل
أما تذكرين العهد يوم لقيتكم ... بأسفل وادي الدوم والثوب يغسل
فقالت بثينة: اخسأ، فقال أبوها: ما هاجك، قالت: كلب لا يزال يأتينا من وراء هذا الجبل بالليل وأنصاف النهار.
قال: فرجع إليه فقال: قد وعدتك وراء هذا الجبل بالليل وأنصاف النهار، فالقها إذا شئت.
وحكى أبو محمد بن قتيبة عن بعض الناس أنه قال: خرجت من تيماء فرأيت عجوزا على أتان، فقلت: ممن أنت؟ فقالت: من عذرة، قلت: هل تروين عن بثينة وجميل شيئا؟ فقالت: والله/ إني لعلى ماء من الجناب [٢] وقد اعتزلنا الطريق وقد خرج رجالنا في سفر وخلفوا عندنا غلمانا أحداثا، وقد انحدرا لغلمان عشية إلى صرم [٣] قريب منا يتحدثون إلى جوار منهم، وقد بقيت أنا وبثينة نستبرم غزلا لنا إذ انحدر علينا منحدر من هضبة حذاءنا، فسلم ونحن مستوحشون، فرددت السلام ونظرت فإذا رجل واقف شبهته بجميل، ودنا فأتيته فقلت: جميل، قال: أي والله، قلت: عرضتنا ونفسك للشر، فما جاء بك؟ قال: هذه الغول التي من ورائك، وأشار إلى بثينة، فإذا هو لا يتماسك، فقمت إلى قعب فيه أقط مطحون وتمر، وإلى عكة فيها سمن فعصرته على الأقط وأدنيته منه، فقلت: أصب من هذا، ففعل وقمت إلى سقاء فيه لبن، فصببت له في قدح، وشننت [٤] عليه من الماء فشرب وتراجع، فقلت: لقد جهدت فما أمرك؟ قال: أردت
стр. 1931
مصر فجئت لأودعكم وأحدث بكم عهدا، وأنا والله في هذه الهضبة التي ترين منذ ثلاث أنتظر أن أجد فرصة حتى رأيت منحدر فتيانكم [١] العشية، فجئت لأجدد بكم العهد [٢] فحدثنا ساعة ثم ودعناه وانطلق. فما لبثنا إلا يسيرا حتى أتانا نعيه من مصر.
أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي بإسناد له عَنْ أبي بكر بْن الأنباري، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن المرزبان، قال: حدثنا أَبُو بكر العامري، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن محمد وهو المدائني، قال: حدثني أبو عبد الرحمن العجلاني، عن عباس بن سهل بن سعد الساعدي، قال:
كنت بالشام فقال لي قائل: هل لك في جميل فإنه لما به، فدخلت عليه وهو يجود بنفسه وما يخيل لي أن الموت يكتربه، فقال لي: يا ابن سعد، ما تقول في رجل لم يسفك دما حراما قط، ولم يشرب خمرا قط، ولم يزن قط يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله منذ خمسين سنة، قلت: من هذا؟ ما أحسبه إلا ناجيا، قال الله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً ٤: ٣١ [٣] فلعلك تعني نفسك، قال: نعم، قلت: كيف وأنت تشبب ببثينة منذ عشرين سنة، قال: هذا آخر وقت من أوقات الدنيا، وأول وقت من أوقات الآخرة، فلا نالتني شفاعة محمد إن كنت وضعت يدي عليها لريبة قط، وإن كان أكثر ما نلت منها إلا أني كنت آخذ يدها فأضعها على قلبي فأستريح إليها [٤] . ثم أغمي عَلَيْهِ وأفاق فأنشأ يقول:
صرح النعي وما كنى بجميل ... وثوى بمصر ثواء غير قفول
ولقد أجر الذيل في وادي القرى ... نشوان بين مزارع ونخيل
قومي بثينة فاندبي بعويل ... وأبكي خليلك قبل كل خليل
ثم أغمي عليه فمات.
стр. 1932
أخبرنا ابن الحصين بإسناد له عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال:
لما حضرت الوفاة جميلا بمصر قال: من يعلم بثينة؟ فقال رجل: أنا، فلما مات صار إلى حي بثينة فقال:
بكر النعي وما كنى بجميل ... وثوى بمصر ثواء غير قفول
[بكر النعي بفارس ذي همة ... بطل إذا حمل اللواء نديل] [١]
فخرجت بثينة مكشوفة الرأس، فقالت:
وإن سؤالي عن جميل لساعة ... من الدهر ما حانت ولا حان حينها
سواء علينا يا جميل بن معمر ... إذا مت بأساء الحياة ولينها
٤٣١- سليمان بن صرد بن الجون بن أبي الجون الخزاعي، يكنى أبا المطرف: [٢]
وكانت له صحبة وسن عالية وشرف في قومه، وحضر صفين مع علي ﵇.
أخبرنا القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: أخبرنا عبيد الله بن عمر الواعظ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن جرير، عن رجاله، قال:
سليمان بن صرد أسلم وصحب النبي ﷺ ، وكان اسمه يسارا، فلما أسلم سماه رسول الله ﷺ سليمان، ونزل الكوفة حين نزلها المسلمون، وشهد مع علي ﵁ صفين، وكان فيمن كتب إلى الحسين بن علي ﵄ قدوم الكوفة، فلما قدمها/ ترك القتال معه، فلما قتل الحسين ندم هو والمسيب بن نجية الفزاري وجميع من خذله فلم يقاتل معه، فلما قتل الحسين ندم هو والمسيب بن نجية الفزاري وجميع من خذله فلم يقاتل معه، ثم قالوا: ما لنا توبة مما فعلنا إلا أن نقتل أنفسنا في الطلب بدمه، فعسكروا بالنخيلة وولوا أمرهم سليمان بن صرد، وخرجوا إلى الشام في الطلب بدم الحسين ﵁، فسموا التوابين، وكانوا أربعة آلاف، فقتل سليمان بن صرد
стр. 1933
في هذه الوقعة، رماه يزيد بن حصين بن نمير بسهم فقتله وحمل رأسه ورأس ابن نجية إلى مروان بن الحكم، وكان سليمان يوم قتل ابن ثلاث وتسعين سنة.
٤٣٢- عبد الله [١] بن عمرو بن العاص [٢] :
أسلم قبل أبيه، وكان متعبدا، وقال لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟» قال: بلى، فقال له: «صم وأفطر وصل ونم، فإن لجسدك عليك حقا، وإن لربك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا. أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْجَوْهَرِيُّ، قال: أخبرنا ابن حيوية، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَعْرُوفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْفَهْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلالٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ:
اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي كِتَابِ مَا سَمِعْتُ مِنْهُ فَأَذِنَ لِي فَكَتَبْتُهُ. فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُسَمِّي صَحِيفَتَهُ [تِلْكَ] [٣] الصَّادِقَةَ.
وَعَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ، قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو الْوَفَاةُ، قَالَ: إِنَّهُ كَانَ خَطَبَ إِلَيَّ ابْنَتَيْ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَقَدْ كان مني إليه شبيه بالوعد، فو الله لا أَلْقَى اللَّهَ بِثُلُثِ النِّفَاقِ، اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ زَوَّجْتُهَا إِيَّاهُ.
توفي عبد الله بالشام في هذه السنة وهو ابن اثنتين وسبعين سنة.
٤٣٣- مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس [٤] .
قبض رَسُول اللَّهِ ﷺ وهو ابن ثماني سنين، فلم يزل مع أبيه بالمدينة حتى مات في
стр. 1934
خلافة عثمان بن عفان، ولم يزل/ مع ابن عمه عثمان، وكان كاتبا له فأعطاه أموالا كثيرة يتأول صلة قرابته، فنقم الناس ذلك على عثمان، وكانوا يرون أن كثيرا مما ينسب إلى عثمان لم يأمر به، وإنما هو رأي مروان، فلما حصر عثمان قاتل قتالا شديدا، فلما سار طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة يطلبون بدم عثمان سار معهم فقاتل قتالا شديدا، فلما نظر إلى طلحة، قال: والله إن كان دم عثمان إلا عند هذا. فرماه بسهم فقتله وتوارى إلى أن أخذ له الأمان من علي، فأتاه فبايعه ثم انصرف إلى المدينة، فلم يزل بها حتى ولي معاوية فولاه المدينة سنة اثنتين وأربعين، فلما وثب أهل المدينة أيام الحرة أخرجوا بني أمية من المدينة وأخرجوه، فجعل يحرض مسلم بن عقبة عليهم، ورجع معه حتى ظفر بأهل المدينة، فانتهبها ثلاثا، وقدم على يزيد فشكر له ذلك، فلما مات يزيد ولي ابنه معاوية أياما ثم مات، ودعي لابن الزبير فخرج مروان يريد ابن الزبير [ليبايعه] [١] ، فلقيه عبد الله بن زياد فرده وقال: ادع إلى نفسك وأنا أكفيك قريشا، فبايع لنفسه بالجابية في نصف ذي القعدة سنة أربع وستين، وبعث عماله.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو القاسم بن البرني، عن أبي عبد الله بن بطة، قال: سمعت محمد بن علي بن شقيق، يقول: حدثنا أبو صالح النحويّ سلمويه، قال: أخبرني عبد الله يعني ابن المبارك قال: أخبرني يونس، عن الزهري قال:
اجتمع مروان وابن الزبير عند عائشة، فذكر مروان بيت لبيد:
وما المرء إلا كالشهاب [٢] وضوؤه ... يجوز رمادا بعد إذ هو ساطع
فقال ابن الزبير: لو شئت لقلت ما هو أفضل من هذا:
ففوض إلى الله الأمور إذا اعترت ... وباللَّه لا بالأقربين لدافع [٣]
فقال مروان:
وداو ضمير القلب بالبر والتقى ... ولا يستوي قلبان قاس وخاشع [٤]
стр. 1935
فقال ابن الزبير [١] :
ولا يستوي عبدان عبد مكلم ... عتل لأرحام الأقارب قاطع
فقال مروان: [٢]
وعبد تجافى جنبه عن فراشه ... يبيت يناجي ربه وهو راكع
فقال ابن الزبير:
وللخير أهل يعرفون بهداهم ... إذا حجبتهم في الخطوب الجوامع
فقال مروان:
وللشر أهل يعرفون بشكلهم ... تشير إليهم بالفجور الأصابع
فسكت ابن الزبير، فقالت عائشة: ما لك فما سمعت بمحاورة قط أحسن من هذه، ولكن لمروان إرث في الشعر ليس لك، فقال ابن الزبير لمروان: عرضت، قال:
بل أنت أشد تعريضا، طلبت يدك فأعطيتني رجلك.
وكان قد تزوج [٣] أم خالد بن يزيد بن معاوية، وكان مروان يطمعه في بعض الأمر، ثم بدا له فعقد لابنيه عبد الملك وعبد العزيز، فأراد أن يضع من خالد ويزهد الناس فيه، وكان إذا دخل عليه أجلسه معه على سريره، فدخل عليه يوما، فذهب ليجلس مجلسه، فزبره وقال: تنح يا ابن رطبة الاست، والله ما وجدت لك عقلا.
فانصرف خالد وقتئذ مغضبا حتى دخل على أمه، فقال: قد فضحتني وقصرت بي، ونكست برأسي. قالت: وما ذاك؟ قال: تزوجت هذا الرجل فصنع كذا وكذا وأخبرها بما قال له، فقالت: لا يسمع هذا منك أحد، ولا يعلم مروان أنك أعلمتني بشيء من ذلك، وادخل علي كما كنت تدخل، واطو هذا الأمر فإني سأكفيك وأنتصر لك منه، فسكت خالد ودخل مروان على أم خالد فقال: ما قال لك خالد ما قلت له اليوم؟ فقالت: ما حَدَّثَني/ بشيء ولا قال لي فقال: ألم يشكني إليك، ويذكر تقصيري به.
стр. 1936
فقالت: يا أمير المؤمنين، أنت أجل في عين خالد وهو أشد لك تعظيما من أن يحكي عنك شيئا أو يجد من شيء تقوله، وإنما أنت له بمنزلة الوالد. فانكسر مروان وظن أن الأمر على ما حكت، فسكت حتى إذا كان بعد ذلك، وحانت القائلة فنام عندها، فوثبت هي وجواريها فغلقن الأبواب على مروان، ثم عمدت إلى وسادة فوضعتها على وجهه، فلم تزل هي وجواريها يغممنه حتى مات.
ثم قامت فشقت جيبها وأمرت جواريها وخدمها فشققن وصحن وقلن: مات أمير المؤمنين فجأة. وذلك لهلال رمضان سنة خمس وستين، ومروان ابن أربع وستين، وكانت ولايته على الشام ومصر لم يعد ذلك ثمانية أشهر. وقيل: ستة أشهر.
وقد قال له علي بن أبي طالب: ليحملن راية ضلالة بعد ما يشيب صدغاه وله إمرة كلحسة الكلب أنفه [١] .
стр. 1937
ثم دخلت سنة ست وستين
فمن الحوادث فيها وثوب المختار بن أبي عبيد طالبا بدم الحسين ﵁ [١]
وذلك أن أصحاب سليمان بن صرد لما قتلوا بعد قتل من قتل منهم كتب إليهم المختار وهو في السجن: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: فإن الله أعظم لكم الأجر، وحط عنكم الوزر بمفارقة القاسطين، وجهاد المحلين، وإنكم لم تنفقوا نفقة، ولم تقطعوا عقبة، ولم تخطوا خطوة إلا رفع الله لكم بها درجة، وكتب لكم بها حسنة، فأبشروا، فإني لو خرجت إليكم جردت فيما بين المشرق والمغرب من عدوكم السيف بإذن الله .
فبعثوا إليه في الجواب: إنا قد قرأنا كتابك [٢] ونحن بحيث يسرك، فإن شئت أن نأتيك حتى نخرجك فعلنا، فقال لهم: إني أخرج في أيامي هذه. وشفع فيه عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن يزيد/ وإبراهيم بن محمد الأميرين على الكوفة، فضمنوه جماعة من الأكابر وأخرجوه ثم أحلفاه باللَّه الذي لا إله إلا هو، لا يبغيهما [غائلة] ، ولا يخرج عليهما ما كان لهما سلطان، فإن هو فعل فعليه ألف بدنة ينحرها [لدى] [٣] رتاج الكعبة [٤] ، ومماليكه كلهم أحرار، فحلف لهما.
стр. 1938
ثم جاء إلى داره فنزلها، فقال: قاتلهم الله، ما أحمقهم حين يرون أني أفي لهم، أما حلفي باللَّه فإنه ينبغي لي إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها أن أكفره، وخروجي عليهم خير من كفي عنهم. وأما ألف بدنة فما قدر ثمنها، وأما عتق مماليكي فوددت إن استتب لي أمري، ثم لم أملك مملوكا أبدا.
ولما استقر في داره اختلفت الشيعة إليه ورضيت به، فلم يزل أمره يقوى إلى أن عزل عبد الله بن الزبير عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد، وبعث عبد الله بن مطيع على عملهما بالكوفة، وبعث الحارث بن أبي ربيعة على البصرة، فقدم ابن مطيع الكوفة لخمس بقين من رمضان سنة خمس وستين، فقيل له: خذ المختار واحبسه، فبعث إليه فتهيأ للذهاب، فقرأ زائدة بن قدامة: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ... ٨: ٣٠ [١] ففهمها المختار، فجلس وألقى ثيابه، وقال: ألقوا علي القطيفة، ما أراني إلا قد وعكت، ثم قال: أعلموا ابن مطيع حالتي واعتذروا عنده، فأخبر بعلته، فصدقه ولهى عنه، وبعث المختار إلى أصحابه، وأخذ يجمعهم في الدور حوله، وأراد أن يثب بالكوفة في المحرم، فقال: بعض أصحابه لبعض: إن المختار يريد أن يخرج بنا وقد بايعناه ولا ندري أرسله إلينا ابن الحنفية أم لا، فانهضوا بنا إلى ابن الحنفية، فإن رخص لنا في اتباعه تبعناه، فذهبوا إليه فأخبروه فقال: والله لوددت أن الله انتصر لنا بمن أشاء، فلما قدموا قالوا: أذن لنا، ففرح المختار، وكان قد انزعج/ من خروجهم وخاف أن لا يأذن لهم، وقد كان إبراهيم بن الأشتر بعيد الصوت كثير العشيرة، فأرادوه أن يخرج مع المختار، فقال: بل أكون أنا الأمير، قالوا: إن محمد بن الحنفية قد أمر المختار بالخروج، فسكت، فصنع المختار كتابا عن ابن الحنفية إليه يأمره بالموافقة للمختار، وأقام من يشهد أنه كتاب ابن الحنفية، فبايعه وتردد إليه، فاجتمع رأيهم على أن يخرجوا ليلة الخميس لأربع عشرة من ربيع الأول سنة ست وستين.
فأتى إياس بن مضارب عبد الله بن مطيع، فقال: إن المختار خارج عليك إحدى الليلتين، فأخرج الشرط، وأقامهم على الطريق في الجبابين، خارج البلد، فخرج إبراهيم بن الأشتر، وقال: والله لأمرن على دار عمرو بن حريث إلى جانب القصر وسط
стр. 1939
السوق، ولأرهبن عدونا [١] ، ولأرينهم هوانهم علينا، فمر فلقيه إياس بن مضارب في الشرط مظهرين السلاح، فقال له ولأصحابه: من أنتم؟ فقال: أنا إبراهيم بن الأشتر، فقال: ما هذا الجمع معك؟ إن أمرك لمريب وما أنا بتاركك حتى آتي بك الأمير، فتناول إبراهيم رمحا من بعض أصحاب إياس فطعن به إياسا فقتله، وقال لرجل من قومه: انزل فاحتز رأسه، ففعل، فتفرق أصحابه ودخل إبراهيم على المختار، وكانت ليلة الأربعاء، فقال له: إنا اتعدنا للخروج ليلة الخميس، وقد حدث أمر لا بد له من الخروج الليلة، فقال: وما هو؟ فقال: عرض لي إياس بن مضارب فقتلته، فقال المختار: بشرك الله بخير، هذا أول الفتح، قم يا سعيد بن منقذ، فأشعل في الهرادي [٢] النيران ثم ارفعها للمسلمين، وقم يا عبد الله بن شداد، فناد: «يا منصور أمت» ، وقم أنت يا سفيان بن ليل، وأنت يا قدامة بن مالك وقل: «يا لثارات الحسين» . ثم قال [المختار] : علي بدرعي وسلاحي، فأتي به، فأخذ يلبس سلاحه ويقول:
قد علمت بيضاء حسناء الطلل ... واضحة الخدين عجزاء الكفل
/ أني غداة الروع مقدام بطل
ثم إن إبراهيم قال للمختار: إن هؤلاء الذين وضعهم ابن مطيع في الجبابين يمنعون إخواننا أن يأتونا، ويضيقون عليهم، فلو أني خرجت بمن معي من أصحابي حتى آتي قومي، فيأتيني كل من قد بايعني، ثم سرت بهم في نواحي الكوفة، ودعوت بشعارنا، فخرج إلي من أراد الخروج، قال: فاعجل، ولا تقاتل إلا من قاتلك.
فخرج إبراهيم، واجتمع إليه جل من كان بايعه، فسار بهم في سكك الكوفة، وخرج فهزم كل من لقيه من المسالح، وخرج المختار حتى نزل في ظهر دير هند. وخرج أبو عثمان النهدي ونادى: يا لثارات الحسين، ألا إن أمير آل محمد قد خرج فنزل دير هند، وبعثني إليكم داعيا، فاخرجوا رحمكم الله، فخرجوا من الدور يتداعون: يا لثارات الحسين. فوافى المختار منهم ثلاثة آلاف وثمانمائة من اثني عشر ألفا كانوا
стр. 1940
بايعوه، واجتمعوا له قبل انفجار الصبح [١] . وجمع ابن مطيع الناس في المسجد وبعث شبث بن ربعي إلى المختار في نحو من ثلاثة آلاف، وبعث راشد بن إياس في أربعة آلاف من الشرط، وخرج إبراهيم بن الأشتر في جماعة كثيرة واقتتلوا قتالا شديدا، فقتل راشد وانهزم أصحابه، وجاء البشير بذلك إلى المختار، فقويت نفوس أصحابه، وداخل أصحاب ابن مطيع الفشل. ودنا إبراهيم من شبث وأصحابه، فحمل عليهم فانكشفوا حتى انتهوا إلى أبيات الكوفة، ورجع الناس من السبخة منهزمين إلى ابن مطيع، وجاءه قتل راشد بن إياس، فأسقط في يده.
وخرج فحض الناس على القتال، وقال: امنعوا حريمكم [٢] وقاتلوا عن مصركم، فقال إبراهيم للمختار: سر بنا، فما دون القصر أحد يمنع، ولا يمتنع كبير امتناع، فقال المختار: ليقم هاهنا كل شيخ وكل ذي علة، وضعوا ما كان لكم من ثقل ومتاع [٣] بهذا الموضع. واستخلف عليهم أبا عثمان النهدي، وقدم إبراهيم أمامه.
وبعث عبد الله بن مطيع عمرو بن الحجاج في ألفين، فبعث المختار إلى إبراهيم أن أطوه ولا تقم، وأمر يزيد بن أنس/ أن يصمد لعمرو. ومضى المختار في أثر إبراهيم، وأقبل شمر بن ذي الجوشن في ألفين، فبعث إليه المختار سعيد بن منقذ، فواقعه [٤] ، وبعث إلى إبراهيم أن أطوه وامض على وجهك، فمضى حتى انتهى إلى سكة شبث، وإذا نوفل بن مساحق في نحو من خمسة آلاف، وقد أمر ابن مطيع سويد بن عبد الرحمن فنادى في الناس أن يلحقوا بابن مساحق.
وولى حصار القصر إبراهيم بن الأشتر، ويزيد بن أنس، ويحمر بن شميط.
وخرج ابن مطيع فاستتر في دار، وخلى القصر، وفتح أصحابه الباب، وقالوا: يا ابن الأشتر، نحن آمنون [٥] ؟ قال: نعم، فبايعوا المختار [٦] .
стр. 1941
ودخل المختار القصر، فبات به، وخرج من الغد فصعد المنبر، فقال [١] : الحمد للَّه الذي وعد وليه النصر، وعدوه الخسر، ثم نزل فبايعه الناس، فجعل يقول: تبايعون على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ [٢] ، والطلب بدماء أهل البيت، وجهاد المحلين، وأخذ المختار في السيرة الجميلة، فقيل له: إن ابن مطيع في الدار الفلانية [٣] ، فسكت، فلما أمسى بعث إليه بمائة ألف درهم، وقال له: تجهز بهذه واخرج فإني قد شعرت بمكانك، وكان صديقه قبل ذلك.
وأصاب [٤] المختار في بيت مال الكوفة سبعة آلاف ألف، فأعطى أصحابه الذين حصروا ابن مطيع في القصر- وهم ثلاثة آلاف وثمانمائة رجل [٥]- كل رجل خمسمائة درهم، وأعطى ستة آلاف من أصحابه مائتين مائتين، وأدنى الأشراف، فكانوا جلساءه.
وأول رجل عقد له المختار راية عبد الله بن الحارث أخو الأشتر، عقد له على أرمينية. وبعث محمد بن عمير بن عطارد على أذربيجان، وبعث عبد الرحمن بن سعيد على الموصل. فلما قدم عليه عبد الرحمن بن سعيد من قبل المختار أميرا تنحى له عن الموصل، ثم شخص إلى المختار فبايع له.
وكان المختار يقضي بين الناس، ثم قال: لي فيما أحاول شغل عن القضاء، فأجلس للناس شريحا، فقضى بين الناس، ثم تمارض/ شريح، فأقام المختار مكانه عبد الله بن عتبة بن مسعود.
وفي هذه السنة وثب المختار بمن كان بالكوفة من قتلة الحسين والمشايعين على قتله [٦]
فقتل من قدر عليه، وهرب منه بعضهم. وكان سبب ذلك أن مروان لما استوثق
стр. 1942
لَهُ أمره بعث عبيد الله بن زياد إلى العراق، وجعل له ما غلب عليه، وأمره أن ينهب الكوفة إذا ظفر بأهلها ثلاثا.
فمر بأرض الجزيرة فاحتبس بها وبقتال أهلها عن العراق نحوا من سنة، ثم أقبل إلى الموصل، فكتب عبد الرحمن بن سعيد عامل المختار على الموصل إلى المختار:
أما بعد، فإني أخبرك أيها الأمير أن عبيد الله بن زياد قد دخل إلى أرض الموصل، وقد وجه خيله قبلي ورجاله، وأني انحزت إلى تكريت حتى يأتيني أمرك.
فكتب إليه المختار: أصبت فلا تبرح من مكانك حتى يأتيك أمري، ثم قال ليزيد بن أنس: اذهب إلى الموصل فإني ممدك بالرجال. فقال: سرح معي ثلاثة آلاف [فارس] [١] أنتخبهم، فإن احتجت إلى الرجال فسأكتب إليك. قال [المختار] : فانتخب من أحببت [٢] . فانتخب ثلاثة آلاف فارس.
ثم فصل من الكوفة [٣] ، فخرج معه المختار يشيعه، وقال له: إذا لقيت عدوك فلا تناظرهم، وإذا أمكنتك الفرصة فلا تؤخرها، وليكن خبرك في كل يوم عندي، وإن احتجت [٤] إلى مدد فاكتب إلي، مع أني ممدك ولو لم تستمد. فقال يزيد: وأيم الله لئن لقيتهم ففاتني النصر لا تفوتني الشهادة. فكتب المختار إلى عبد الرحمن بن سعيد: أما بعد، فخل بين يزيد وبين البلاد، والسلام عليكم.
فسار حتى أتى أرض الموصل، فسأل عبيد الله بن زياد عن عدة أصحاب يزيد، فقيل: خرج مع ثلاثة آلاف، فقال: أنا أبعث إلى كل ألف ألفين.
فمرض يزيد فقال: إن هلكت فأميركم ورقاء بن عازب الأسدي، فإن هلك فأميركم عبد الله بن ضمرة العذري، / فإن هلك فأميركم سعر بن أبي سعر [٥] الحنفي. ثم قال: قدموني وقاتلوا وقاتلوا عني. فأخرجوه في يوم عرفة سنة ست وستين، فجعل يقول:
стр. 1943
اصنعوا كذا، افعلوا كذا، ثم يغلبه الوجع فيوضع. فاقتتل القوم قبل شروق الشمس، فهزم أصحاب عبيد الله وقتل قائدهم. ثم اقتتلوا يوم الأضحى، فهزم أصحاب عبيد الله، وقتلوا قتلا ذريعا. وأتى يزيد بن أنس بثلاثمائة أسير، فأمر بقتلهم، فقتلوا، فما أمسى يزيد حتى مات، فانكسر أصحابه بموته.
فقال ورقاء: يا قوم: إنه قد بلغني أن ابن زياد قد أقبل إلينا في ثمانين ألفا من أهل الشام، ولا طاقة لنا به، فماذا ترون؟ فإني أرى أن نرجع، قالوا: افعل، فرجع ورجعوا.
فبلغ الخبر إلى المختار، فبعث إبراهيم بن الأشتر على تسعة آلاف، ثم قال: اذهب فارددهم معك، ثمّ سر حتى تلقى عدوك فتناجزهم.
ثم إن أهل الكوفة تغيروا على المختار، وقالوا: أتأمر علينا بغير رضا منا، وزعم أن ابن الحنفية أمره بذلك ولم يفعل، فاجتمع رأيهم على قتاله، وصبروا حتى بلغ ابن الأشتر ساباط، ثم وثبوا على المختار، فمنعوا أن يصل إليه شيء وعسكروا، فبعث المختار إلى إبراهيم بن الأشتر: لا تضع كتابي من يدك حتى تقبل بجميع من معك إلي.
ثم بعث المختار إليهم: أخبروني ماذا تريدون؟ قالوا: نريد أن تعتزلنا، فإنك زعمت أن ابن الحنفية بعثك ولم يبعثك، فقال المختار: ابعثوا إليه من قبلكم وفدا، وأبعث من قبلي وفدا حتى تنظروا، إنما أراد أن يشغلهم بالحديث حتى يقدم ابن الأشتر، فأسرع إبراهيم حتى قدم صبيحة ثلاثة من مخرجهم على المختار. ثم خرج إليهم المختار فاقتتلوا كأشد قتال، ونصر عليهم المختار، وهربوا، وأدرك منهم قوم فقتلوا منهم شمر بن ذي الجوشن، وأسر سراقة بن مرداس، فقال: ما أسرتموني، وإنما أسرني قوم على دواب بلق، وجاء سراقة يحلف باللَّه الذي لا إله إلا هو، لقد رأيت الملائكة تقاتل على خيول/ بلق بين السماء والأرض، فقال له المختار: فاصعد المنبر وأعلم المسلمين، ففعل، فلما نزل خلا به المختار، فقال: قد علمت أنك لم تر الملائكة، وإنما أردت أن لا أقتلك، فاذهب عني حيث شئت، ولا تفسد علي أصحابي.
ونادى المختار: من أغلق بابه فهو آمن إلا رجلا أشرك في دم آل محمد، وخرج أشراف أهل الكوفة فلحقوا بمصعب بن الزبير بالبصرة، وتجرد المختار لقتلة الحسين، وكان يقول: لا يسوغ لي الطعام والشراب حتى أطهر الأرض منهم، وأنقي المصر
стр. 1944
منهم، فجعل يتبع من خرج في قتال الحسين ﵇ فيقتلهم شر قتل، وبعث إلى خولي الأصبحي- وهو صاحب رأس الحسين- فأحاطوا بداره، فاختبأ في المخرج، فقالوا لامرأته: أين هو؟ فقالت: لا أدري، وأشارت بيدها إلى المخرج، فأخرجوه فقتلوه وأحرقوه.
وبعث إلى عمر بن سعد من قتله، وكان قد أعطاه في أول ما خرج أمانا بشرط أن لا يحدث.
وكان أبو جعفر الباقر [يقول] [١] : إنما أراد بالحدث دخول الخلاء، فجيء برأسه وابنه حفص بن عمر بن سعد جالس عند المختار، فقال له: أتعرف هذا الرأس؟
فاسترجع وقال: نعم، لا خير في العيش بعده، فقال المختار: صدقت فإنك لا تعيش بعده، فقتل، فإذا رأسه مع رأس أبيه، فقال المختار: هذا بحسين، وهذا بعلي بن حسين، ولا سواء، والله لو قتل به ثلاثة أرباع قريش ما وفوا أنملة من أنامله. ثم بعث برأسيهما إلى محمد بن علي ابن الحنفية [٢] ، وكان الذي هيج على قتل عمر بن سعد، أنه بلغه عن ابن الحنفية أنه يقول: يزعم المختار أنه لنا شيعة وقتلة الحسين جلساؤه يحدثونه. فلما لبث أن قتل عمر وابنه، وطلب المختار سنان بن أنس الذي كان يدعي قتل الحسين، فوجده قد هرب إلى البصرة، فهدم داره، وما زال يتبع القوم ويقتلهم بفنون القتل، فإذا لم يجد الرجل هدم داره.
وفي هذه السنة بعث المختار جيشا إلى المدينة للمكر بابن الزبير [٣]
وهو مظهر له أنه وجههم معونة/ له لحرب الجيش الذي كان بعثه عبد الملك لحربه. وسبب ذلك أنه لما ظهر المختار بالكوفة كان يدعو إلى ابن الحنفية، والطلب بدماء أهل البيت، وأخذ يخادع ابن الزبير، فكتب إليه: أما بعد، فإنك قد عرفت
стр. 1945
مناصحتي وما كنت أعطيتني إذا فعلت ذلك من نفسك، فلما وفيت لك، وقضيت مالك عليّ، لم تف لي بما عاهدتني، فإن ترد مراجعتي أراجعك، أو مناصحتي أنصح لك، وإنما أراد بذلك كفه عنه حتى يستجمع الأمر، فأراد ابن الزبير أن يعلم أسلم هو أم حرب. فدعا عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي فقال له: تجهز إلى الكوفة فقد ولّيناكها، فقال: كيف وبها المختار، فقال: إنه يزعم أنه لنا سامع مطيع.
فتجهز بما بين الثلاثين ألف درهم إلى الأربعين ألف درهم، ثم خرج مقبلا إلى الكوفة. فبلغ الخبر المختار، فدعا زائدة بن قدامة، فقال له: اجعل معك [١] سبعين ألف درهم، ضعف ما أنفق هذا في مسيره إلينا وتلقه في المفاوز، وأخرج معك بمسافر بن سعيد بن نمران في خمسمائة فارس دارع رامح، ثم قل له: خذ هذه النفقة فإنها ضعف نفقتك وانصرف، فإن فعل وإلا فأره الخيل وقل له: إن وراء هؤلاء مثلهم مائة كتيبة.
فخرج زائدة فتلقاه وعرض عليه المال وأمره زائدة بالانصراف، فقال: إن أمير المؤمنين قد ولاني الكوفة ولا بد من إنفاذ أمره، فدعا زائدة بالخيل، [فلما رآها] [٢] قال:
هذا الآن عذري، فهات المال، فأخذه وذهب نحو [البصرة، ولما أخبر المختار أن أهل الشام قد أقبلوا نحو العراق خشي أن يأتيه] [٣] مصعب بن الزبير من قبل البصرة، فوادع ابن الزبير وداراه وكتب إليه: قد بلغني أن عبد الملك بن مروان قد بعث إليك جيشا، فإن أحببت أن أمدك بمدد أمددتك.
فكتب إليه عجل بالجيش. فدعا المختار شرحبيل الهمداني يسرحه في ثلاثة آلاف أكثرهم الموالي، ليس فيهم إلا سبعمائة من العرب، وقال: سر حتى تدخل المدينة، فإذا/ دخلتها فاكتب إلي بذلك حتى يأتيك أمري.
стр. 1946
وفي هذه السنة قدمت الخشبية مكة [١]
وكان السبب في ذلك أن عبد الله بن الزبير حبس محمد ابن الحنفية ومن معه من أهل بيته، وسبعة عشر رجلا من وجوه أهل الكوفة بزمزم، وكرهوا البيعة لمن لم تجتمع عليه الأمة، وهربوا إلى الحرم، وتوعدهم بالقتل والإحراق، وأعطى الله عهدا إن لم يبايعوه أن ينفذ فيهم ما توعدهم به [٢] ، وضرب لهم في ذلك أجلا، فأشار بعض من كان مع ابن الحنفية عليه أن يبعث إلى المختار وإلى من بالكوفة رسولا يعلمهم حالهم وما توعدهم به ابن الزبير، فوجه ثلاثة نفر إلى المختار وأهل الكوفة حين نام الحرس على باب زمزم، وكتب إليهم يعلمهم بالحال ويسألهم أن لا يخذلوه كما خذلوا الحسين وأهل بيته، فقدموا على المختار، فدفعوا إليه الكتاب، فنادى في الناس وقرأ عليهم الكتاب، وقال:
هذا كتاب مهديكم، وصريح أهل بيت نبيكم، وقد تركوا ينتظرون التحريق بالنار، ولست أبا إسحاق إن لم أنصرهم نصرا مؤزرا، وإن لم أسرب إليهم الخيل في أثر الخيل كالسيل حتى يحل بابن الكاهلية الويل.
ووجه أبا عبد الله الجدلي في سبعين راكبا ومعه ظبيان بن عمير [٣] في أربعمائة راكبا، وأبا المعتمر في مائة، وهانئ بن قيس في مائة، وعمير بن طارق في أربعين، ويونس بن عمران في أربعين. وخرج أبو عمران حتى نزل ذات عرق، ولحقه ابن طارق وسار بهم حتى دخلوا المسجد الحرام وهم ينادون: يا لثارات الحسين، حتى انتهوا إلى زمزم وقد أعد ابن الزبير الحطب ليحرقهم، وكان قد بقي من الأجل يومين، فطردوا الحرس وكسروا أعواد زمزم، ودخلوا على ابن الحنفية، فقالوا له: خل بيننا وبين عدو
стр. 1947
الله ابن الزبير [١] ، فقال لهم: إني لا أستحل القتال في حرم الله ، ثم تتابع المدد فخرج ابن الحنفية في أربعة آلاف.
وفي هذه السنة [٢] حج عبد الله بن الزبير/ بالناس، وكان على المدينة مصعب بن الزبير، وعلى البصرة الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وعلى قضائها هشام بن هبيرة، وكان المختار غالبا على الكوفة، وبخراسان عبد الله بن خازم.
وفي هذه السنة توجه إبراهيم بن الأشتر إلى عبيد الله بن زياد لحربه، وذلك لثمان بقين من ذي الحجة [٣]
وقد ذكرنا أن المختار وجه إبراهيم بن الأشتر لقتال أهل العراق، فلما وثب أهل الكوفة لقتال المختار بعث إلى ابن الأشتر فرده.
فلما نصر عليهم عاد فأشخصه إلى الوجه [٤] الذي بعثه فيه، فخرج يوم السبت لثمان بقين من ذي الحجة، وخرج معه المختار وبين يديه كرسي كان يستنصر به، فناجزهم ساعة تلقاهم.
وفي ذلك الكرسي قولان: [٥] أحدهما: أن طفيل بن جعدة قال: كنت قد أملقت، فرأيت جارا لي زياتا [٦] له كرسي قد أعلاه الوسخ، فخطر ببالي أن لو قلت للمختار في هذا، فأخذت الكرسي وأتيت المختار وقلت: إني كنت أكتمك شيئا وقد بدا لي أن أذكره، وهو كرسي كان لجعدة بن هبيرة كان يجلس عليه ويرى أن فيه أثرة من علم، فقال: ابعث به، وأمر لي باثني عشر ألفا، ثمّ دعا: الصلاة جامعة، وقال: إنه لم
стр. 1948
يكن في الأمم الخالية أمر إلا وهو كائن في هذه الأمة مثله، وإنه كان في بني إسرائيل التابوت، وإن هذا فينا مثل التابوت، فرفعوا أيديهم، فلما قيل لهم: هذا عبيد الله بن زياد قد نزل بأهل الشام خرج بالكرسي على بغل يمسكه عن يمينه سبعة، وعن يساره سبعة، فندم طفيل على ما فعل.
القول الثاني [١] : إن المختار قال لآل جعدة بن هبيرة- وكانت أم جعدة أم هاني.
أخت علي بن أبي طالب: ائتوني بكرسي علي بن أبي طالب، فقالوا: والله ما هو عندنا، فقال: ائتوني به، وظن القوم أنهم لا يأتونه بكرسي، ويقولون: هذا هو إلا قبله منهم. فجاءوا بكرسي وقالوا: هذا هو. ثم قال المختار لابن الأشتر: خذ عني ثلاثا:
خف الله في سر أمرك وعلانيته، وعجل السير، وإذا لقيت عدوك فناجزهم/ ساعة تلقاهم.
أَخْبَرَنَا المبارك بْن أَحْمَد الأنصاري، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو محمد بن السمرقندي، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا القاضي أَبُو الحسين عَلي بْن مُحَمَّد بْن حبيب البصري، قال: حدثنا محمد بن المعلى بن عبد الله الأزدي، قال:
أخبرنا أبو جزء محمد بن حمدان القشيري، قال: حدثنا أبو العيناء، عن أبي أنس الحراني، قال: قال المختار لرجل من أصحاب الحديث:
ضع لي حديثا عن النبي ﷺ أني كائن بعده خليفة وطالب له ثرة ولده، وهذه عشرة آلاف درهم وخلعة ومركوب وخادم، فقال الرجل: أما عن النبي ﷺ فلا، ولكن اختر من شئت من الصحابة واحطط من الثمن ما شئت، قال: عن النبي آكد، قال: والعذاب عليه أشد.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٤٣٤- أسماء بن حارثة بن سعيد بن عبد الله [٢] :
كان محتاجا من أهل الصفة، توفي في هذه السنة وَهُوَ ابْن ثمَانين سنة.
стр. 1949
ثم دخلت سنة سبع وستين
فمن الحوادث فيها مقتل عبيد الله بن زياد [١]
وذلك أن إبراهيم بن الأشتر خرج يقصد ابن زياد، فالتقوا قريبا من الموصل، فاقتتلوا قتالا شديدا وقتل خلق كثير من الفريقين، وقال ابن الأشتر: قتلت رجلا وجدت منه ريح المسك تحت راية مفردة على شاطئ نهر فالتمسوه، فإذا هو عبيد الله بن زياد، ضربه فقده نصفين، وقتل الحصين بن نمير، وانهزم أصحاب ابن زياد، وتبعهم أصحاب إبراهيم، فكان من غرق أكثر ممن قتل، وأصابوا عسكرهم وفيه من كل شيء وخرج المختار من الكوفة، فنزل ساباط، وجاءته البشرى بقتل ابن زياد وهزيمة أصحابه، وانصرف المختار إلى الكوفة، ومضى ابن الأشتر إلى الموصل، وبعث عماله عليها.
وفي هذه السنة ولى عبد الله بن الزبير أخاه/ مصعب بن الزبير على البصرة .
فدخلها فصعد المنبر فخطب فقال: بسم الله الرحمن الرحيم طسم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ نَتْلُوا عَلَيْكَ من نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ ٢٨: ١- ٣ إلى قوله: إِنَّهُ كانَ من الْمُفْسِدِينَ ٢٨: ٤- وأشار بيده إلى الشام- وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ ٢٨: ٥- وأشار بيده نحو الحجاز- وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ ٢٨: ٦
стр. 1950
وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ ٢٨: ٦ [١]- وأشار بيده نحو الشام.
وفي هذه السنة [٢] سار مصعب بن الزبير إلى المختار فقتله
وسبب ذلك أن شبث بن ربعي كان فيمن قاتل المختار، فهزمهم المختار، فلحقوا بمصعب بن الزبير بالبصرة، فقدم شبث على مصعب وهو على بغلة قد قطع ذنبها وطرف أذنها وشق قباءه وهو ينادي: يا غوثاه يا غوثاه. فدخل عليه ومعه أشراف الناس من المنهزمين، فأخبره بما أصيبوا به، وسألوه النصر على المختار، ثم قدم محمد بن الأشعث بن قيس أيضا، وكان المختار قد طلبه فلم يجده فهدم داره، فكتب مصعب إلى المهلب، وهو عامله على فارس: أن أقبل إلينا تشهد أمرنا، فإنا نريد المسير إلى الكوفة.
فأقبل المهلب بجموع كثيرة وأموال عظيمة، فدخل على مصعب، فأمر مصعب الناس بالمعسكر عند الجسر الأكبر، ودعا عبد الله بن مخنف وقال له: ائت الكوفة فاخرج إلي جميع من قدرت أن تخرجه، وادعهم إلى بيعتي سرا. وخذل أصحاب المختار، فمضى حتى جلس في بيته مستترا لا يظهر، وخرج مصعب ومعه المهلب، والأحنف بن قيس، وبلغ المختار الخبر، فقام في أصحابه فقال: يا أهل الكوفة، يا أعوان الحق وشيعة الرسول، إن فراركم الذين بغوا عليكم أتوا أشباههم من الفاسقين فاستغووهم، انتدبوا مع أحمد بن شميط، ودعا الرءوس الّذي كانوا مع ابن الأشتر، فبعثهم مع أحمد بن/ شميط، وإنما فارقوا ابن الأشتر لأنهم رأوه كالمتهاون بأمر المختار.
فخرج ابن شميط حتى ورد المدائن، وجاء مصعب فعسكر قريبا منه، فقال: يا هؤلاء، إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وإلى بيعة المختار، وإلى
стр. 1951
أن يجعل هذا الأمر شورى في آل رسول الله ﷺ . فاقتتلوا، فقتل ابن شميط، وانهزم أصحابه.
وبلغ الخبر إلى المختار، فقال: ما من موتة أموتها أحب إلي من موتة ابن شميط، وساروا فالتقوا وقد جعل مصعب على ميمنته المهلب بن أبي صفرة، وعلى ميسرته عمر بن عبيد بن معمر التيمي [١] ، وعلى الخيل عباد بن الحصين، وعلى الرجالة مقاتل بن مسمع البكري، ونزل هو يمشي متنكبا قوسا، وتزاحف الناس ودنا بعضهم إلى بعض، فبعث المختار إلى عبد الله بن جعدة: أن أحمل على من يليك، فحمل فكشفهم حتى انتهوا إلى مصعب، فجثى على ركبتيه، ولم يكن فرارا، ورمى بأسهمه، ونزل الناس عنده فقاتلوا ساعة ثم تحاجزوا، وحمل المهلب فحطم أصحاب المختار حطمة منكرة فكشفهم وقتل محمد بن الأشعث وعامة أصحابه، وتفرق أصحاب المختار، وجاء هو حتى دخل قصر الكوفة فحصر هو وأصحابه، فكانوا لا يقدرون على الطعام والشراب إلا بحيلة، وكان يخرج هو وأصحابه فيقاتلون قتالا ضعيفا، وكانت لا تخرج له خيل إلا رميت بالحجارة من فوق البيوت، وصب عليهم الماء القذر، وصار المختار وأصحابه يشربون من البئر فيصبون عليه العسل ليتغير طعمه.
ثم أمر مصعب أصحابه فاقتربوا من القصر ثم دخلوه، فقال المختار لأصحابه:
ويحكم، إن الحصار لا يزيدكم إلا ضعفا، فانزلوا بنا نقاتل لنقتل كراما، والله ما أنا بآيس إن صدقتموهم أن ينصركم الله. فتوقفوا عن قبول قوله فقال: أما أنا فو الله لا أعطي بيدي.
ثم أرسل إلى امرأته أم ثابت بنت سمرة بن جندب، فأرسلت إليه بطيب كثير، فاغتسل وتحنط ووضع ذلك الطيب على رأسه ولحيته، ثم خرج في تسعة عشر رجلا، فقال لهم: أتؤمنونني وأخرج إليكم؟ فقالوا: لا إلا على الحكم، فقال: لا أحكمكم في نفسي أبدا، فضارب بسيفه حتى قتل، ونزل أصحابه على الحكم فقتلوا، وأمر مصعب بكف المختار فقطعت ثم سمّرت بمسمار حديد إلى جنب حائط المسجد، ولم يزل
стр. 1952
على ذلك حتى قدم الحجاج بن يوسف، فنظر إليها فقال: ما هذه؟ فقالوا: كف المختار، فأمر بنزعها.
وبعث مصعب عماله على الجبال والسواد، وكتب إلى ابن الأشتر يدعوه إلى طاعته ويقول له: إن [أنت] [١] أجبتني ودخلت في طاعتي فلك الشام وأعنة الخيل وما غلبت عليه من أرض المغرب ما دام لآل الزبير سلطان. وكتب عبد الملك بن مروان من الشام إليه يدعوه إلى طاعته، ويقول: إن أجبتني ودخلت في طاعتي فلك العراق، فدعا إبراهيم بن الأشتر أصحابه وقال: ما تقولون- أو ماذا ترون؟ فقال بعضهم تدخل في طاعة عبد الملك، وقال بعضهم: تدخل في طاعة ابن الزبير، فقال ابن الأشتر: لو لم أكن أصبت عبيد الله بن زياد ولا رؤساء أهل الشام تبعت عبد الملك. وأقبل بالطاعة إلى ابن الزبير.
ولما قتل مصعب المختار ملك البصرة والكوفة، غير أنه أقام بالكوفة ووجه المهلب على الموصل والجزيرة وأذربيجان وأرمينية، وأن مصعبا لقي عبد الله بن عمر، فقال له ابن عمر: أنت القاتل سبعة آلاف من أهل القبلة في غداة واحدة، فقال مصعب:
إنهم كانوا كفرة سحرة، فقال ابن عمر: والله لو قتلت عدتهم غنما من تراث أبيك لكان ذلك سرفا.
والتراث هو الميراث.
وفي هذه السنة عزل عبد الله بن الزبير أخاه مصعب بن الزبير عن البصرة وبعث ابنه حمزة بن عبد الله إليها [٢]
قال المدائني: وفد مصعب إلى عبد الله بعد قتل المختار، فعزله وحبسه عنده، واعتذر إليه من عزله، وقال: / والله إني لأعلمك أنك أكفأ من حمزة ولكني رأيت فيه ما رأى عثمان في عبد الله بن عامر حين عزل أبا موسى وولاه.
стр. 1953
فقدم حمزة البصرة، وكان يجود تارة حتى لا يدع شيئا يملكه، ثم يبخل مما لا يمنع مثله، فظهر منه ضعف وتخليط. وكتب الأحنف بن قيس إلى ابن الزبير بذلك وسأله أن يعيد مصعبا، فعزله فأخذ مالا كثيرا، وخرج إلى المدينة، فأودعه رجالا فذهبوا سوى يهودي كان أودعه فإنه وفى له. وعلم ابن الزبير بذلك، فقال: أبعده الله، أردت أن أباهي به بني مروان.
وفي هذه السنة حج بالناس عبد الله بن الزبير، وكان القاضي على الكوفة عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة، وكان على خراسان عبد الله بن خازم السلمي، وكان بالشام عبد الملك بن مروان.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٤٣٥- عبيد الله بن زياد بن أبية [١] :
وقد ذكرنا قتله في الحوادث.
٤٣٦- المختار بن أبي عبيد، واسم أبي عبيد مسعود بن عمرو بن عمير بن عوف: [٢]
وأمه دومة بنت عمرو بن وهب، ويكنى المختار أبا إسحاق، وهو أخو صفية زوجة عبد الله بن عمر بن الخطاب.
خرج طالبا بدم الحسين ﵁، وجرت له عجائب قد ذكرنا بعضها. وكان يقول: قام الآن عن هذه الوسادة جبريل، وعن الأخرى ميكائيل.
أَخْبَرَنَا ابْنُ الحصين، قال: أخبرنا ابن المذهب، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قال: حدثني أبي، قال: حدّثنا ابن نمير، قال:
стр. 1954
حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا السّريُّ [١] ، عَنْ رِفَاعَةَ الْقَتْبَانِيِّ، قَالَ [٢] : دَخَلْتُ عَلَى الْمُخْتَارِ، فَأَلْقَى إِلَيَّ وِسَادَةً وَقَالَ: لَوْلا أَنَّ أَخِي جِبْرِيلَ قَامَ عَنْ هَذِهِ لأَلْقَيْتُهَا لَكَ. قَالَ: فَأَرَدْتُ أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَذَكَرْتُ حَدِيثًا حَدَّثَنِي بِهِ أَخِي عَمْرُو بْنُ الْحَمِقِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيُّمَا مُؤْمِنٍ أَمَّنَ مُؤْمِنًا عَلَى دَمِهِ/ فَقَتَلَهُ فَأَنَا مِنَ الْقَاتِلِ بَرِيءٌ» . قتل المختار لأربع عشرة ليلة خلت من رمضان سنة سبع وستين، وهو ابن سبع وستين [سنة] [٣] .
стр. 1955
ثم دخلت سنة ثمان وستين
فمن الحوادث فيها أن عبد الله بن الزبير رد أخاه مصعب بن الزبير أميرا على العراق [١]
بعد عزله إياه، فبدأ بالبصرة فدخلها. وبعث الحارث بن أبي ربيعة على الكوفة أميرا.
وفي هذه السنة رجعت الأزارقة من فارس إلى العراق [٢]
حتى صاروا إلى قرب الكوفة، ودخلوا المدائن، وذلك أن الأزارقة كانت قد لحقت بفارس وكرمان ونواحي أصبهان بعد ما أوقع بهم المهلب بالأهواز. فلما وجه مصعب المهلب إلى الموصل ونواحيها عاملا عليها، وبعث عمر بن عبيد الله بن معمر على فارس انحطت الأزارقة على عمر فلقيهم بنيسابور، فقاتلهم قتالا شديدا، فقتل منهم قوم وانهزموا، وتبعهم فقطعوا قنطرة طبرستان ثم ارتفعوا إلى نحو من أصبهان وكرمان فأقاموا بها حتى قووا واستعدوا وكثروا.
ثم إن القوم أقبلوا حتى مروا بفارس، فشمر في طلبهم عمر مسرعا حتى أتى أرّجان، فوجدهم قد خرجوا منها متوجهين إلى الأهواز، وبلغ مصعبا إقبالهم، فخرج فعسكر بالناس بالجسر الأكبر، وقال: والله ما أدري ما الذي أغنى عني عمر، وضعت
стр. 1956
معه جندا بفارس أجري عليهم أرزاقهم وأمده بالرجال، فقطعت الخوارج أرضه، والله لو قاتلهم لكان عندي أعذر.
وجاءت للخوارج عيونهم بأن عمر في آثارهم، وأن مصعبا قد خرج من البصرة إليهم، فذهبوا إلى المدائن فشنوا الغارة على أهلها، يقتلون الولدان والنساء والرجال ويبقرون الحبالى. وأقبلوا إلى ساباط فوضعوا أسيافهم في الناس، ثم تبعهم الناس وقاتلوهم وقتل أميرهم، فانحازوا إلى قطري فبايعوه، فذهب/ بهم إلى ناحية كرمان، فأقام بها حتى اجتمعت إليه جموع كثيرة وقوي، ثم أقبل حتى أخذ في أرض أصبهان، ثم خرج إلى الأهواز، وكتب للحارث بن أبي ربيعة وهو عامل مصعب على البصرة يخبره أن الخوارج قد انحدرت إلى الأهواز وأنه ليس لهذا الأمر إلا المهلب، فبعث إلى المهلب فأمره بقتال الخوارج والمصير إليهم، وبعث إلى عامله إبراهيم بن الأشتر، فجاء المهلب إلى البصرة وانتخب الناس، وسار بمن أحب، ثم توجه نحو الخوارج، وأقبلوا إليه حتى التقوا بسولاف، فاقتتلوا بها ثمانية أشهر أشد القتال.
وفي هذه السنة كان القحط الشديد بالشام [١]
ولم يقدروا لشدته على الغزو، وشتى عبد الملك بأرض قنسرين ثم انصرف منها إلى دمشق.
وفي هذه السنة وافت عرفات أربعة ألوية [٢]
ابن الحنفية في أصحابه في لواء أقام عند جبل المشاة، وعبد الله بن الزبير في لواء، فقام مقام [٣] الإمام اليوم، ثم تقدم ابن الحنفية بأصحابه حتى وقفوا حذاء ابن الزبير، ونجدة الحروري قام خلفهما في لواء بني أمية يسارهما. فكان أول من أفاض
стр. 1957
لواء محمد ابن الحنفية، ثم تبعه نجدة في لواء بني أمية، ثم لواء ابن الزبير، وتبعه الناس.
وقد روى سعيد بن جبير عن أبيه، قال: خفت الفتنة فجئت إلى محمد بن علي فقلت: اتّق الله فإنا في بلد حرام، والناس وفد الله إلى هذا البيت، فلا تفسد عليهم حجتهم. فقال: والله ما أريد ذلك، ولا يؤتى أحد من الحاج من قبلي، ولكني رجل أدفع عن نفسي، فجئت إلى ابن الزبير فكلمته في ذلك فقال: أنا رجل قد أجمع الناس علي، فقلت: أرى الكف خيرا لك، قال: أفعل. فجئت نجدة فكلمته في ذلك، فقال: أما أن أبتدئ أحدا بقتال فلا، ولكن من بدأ بقتالي قاتلته. ثم جئت شيعة/ بني أمية فكلمتهم بنحو ذلك، فقالوا: نحن عزمنا على أن لا نقاتل أحدا إلا أن يقاتلنا.
وفي هذه السنة حج ابن الزبير بالناس، وكان عامله على المدينة جابر بن الأسود بن عوف الزهري، وعلى البصرة والكوفة مصعب، وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة، وعلى قضاء الكوفة عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعلى خراسان عبد الله بن خازم، وبالشام عبد الملك بن مروان.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٤٣٧- الحارث بن مالك- وقيل: الحارث بن عوف، وقيل: عوف بن الحارث- أبو واقد الليثي: [١]
أسلم قديما، وكان يحمل لواء بني ليث وضمرة وسعد بن بكر يوم الفتح، وبعثه رَسُول اللَّهِ ﷺ حين أراد الخروج إلى تبوك يستنفر بني ليث. وخرج إلى مكة فجاور بها فمات في هذه السنة وَهُوَ ابْن خمس وثمانين سنة، ودفن بمكة في مقبرة المهاجرين التي بفج، وإنما سميت مقبرة المهاجرين لأنه دفن فيها من مات ممن كان هاجر إلى المدينة.
стр. 1958
٤٣٨- عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم، يكنى آبا العباس [١] :
وأمه لبابة بنت الحارث بن حرب الهلالية أخت ميمونة زوج النبي ﷺ .
ولد بمكة في شعب بني هاشم قبل الهجرة بثلاث سنين، وَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فقال: «اللَّهمّ فقهه في الدين وعلمه الحكمة والتأويل» . وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يدنيه ويحضره مع شيوخ الصحابة وأهل بدر ويقول له: والله لأنك أصبح فتياننا وجها وأحسنهم عقلا، وأفقههم في كتاب الله . وكان يستشيره ويقول: غص غواص. وكان ابن مسعود يقول [٢] : لو أن ابن عباس أدرك أسناننا ما عاشره منا أحد، وقال: نعم ترجمان القرآن ابن عباس.
وقال جابر بن/ عبد الله حين مات ابن عباس: مات أعلم الناس، وأحكم الناس.
وقال ابن الحنفية [٣] : مات رباني هذه الأمة.
وقال مجاهد: كان ابن عباس يسمى البحر من كثرة علمه.
أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أبو حامد بن جبلة، قال: حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجُعْفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَمْزَة الثُّمَالِيُّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، قَالَ:
لَقَدْ رَأَيْتُ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَجْلِسًا لَوْ أَنَّ جَمِيعَ قُرَيْشٍ فَخَرَتْ بِهِ لَكَانَ لَهَا فَخْرًا، رَأَيْتُ النَّاسَ قد اجتمعوا حَتَّى ضَاقَ بِهِمُ الطَّرِيقُ، فَمَا كَانَ أَحَدٌ يقدر [على] [٤] أن يجيء
صَحِبْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَكَانَ إِذَا نَزَلَ قَامَ شَطْرَ اللَّيْلِ يرتل ويكثر في ذلك التَّسْبِيحَ.
قَالَ أَحْمَدُ: وَحَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ شُعَيْبٍ، عن أبي رجاء، قال:
كان هذا الموضوع مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ- مَجْرَى الدُّمُوعِ- كَأَنَّهُ الشَّرَكُ الْبَالِي.
أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الأَمِيرُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمُقْتَدِرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْيَشْكُرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ دُرَيْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ خَضِرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ عن سليمان بن عُمَرَ، عَنْ رِشْدِينَ بْنِ كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ:
ثَلاثَةٌ لا أُكَافِئُهُمْ: رَجُلٌ ضَاقَ مَجْلِسِي فَأَوْسَعَ لِي، وَرَجُلٌ كُنْتُ ظَمْآنَ فَسَقَانِي، وَرَجُلٌ أَغْبَرَتْ قَدَمَاهُ فِي الاخْتِلافِ إِلَى بَابِي، وَرَابِعٌ لا يَقْدِرُ عَلَى [١] مكافئته وَلا يُكَافِئْهُ عَنِّي إِلا اللَّهُ ، رَجُلٌ حَزَبَهُ أَمْرٌ فَبَاتَ لَيْلَتَهُ سَاهِرًا فَلَمَّا أَصْبَحَ لَمْ يَجِدْ لِحَاجَتِهِ مُعْتَمَدًا غَيْرِي.
قَالَ: وَكَانَ يَقُولُ: إِنِّي لأَسْتَحِي مِنَ الرَّجُلِ يَطَأُ بِسَاطِي [٢] ثَلاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ لا يَرَى عَلَيْهِ أثر مِنْ آثَارِ بِرِّي.
توفي ابن عباس بالطائف سنة ثمان وستين، ويقال: خمس وستين، ويقال: أربع وستين. والأول أصح.
وكان ابن إحدى وسبعين سنة [٣] .
أخبرنا محمد بن عبد الباقي الحاجب، قال: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: أخبرنا أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الحسن علي بن محمد بن إبراهيم، قال: حدّثنا محمد بن سليمان/ البصري، قال: حدثنا حفص بن عمر الرملي، قال: حدثنا الفرات [٤] بن السائب، عن ميمون بن مهران، قال:
стр. 1961
شهدت جنازة عبد الله بن عباس بالطائف، فلما وضع ليصلى عليه جاء طائر أبيض حتى دخل في أكفانه، فالتمس فلم يوجد، فلما سوي سمعنا صوتا ولم نر الشخص: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي في عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي] ٨٩: ٢٧- ٣٠ [١] .
٤٣٩- عدي بن حاتم الطائي، وأمه النوار بنت برمكة بن عكل، ويكنى أبا طريف: [٢]
أَخْبَرَنَا أَبُو بكر مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ الْبَزَّازُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ معروف، قال:
أخبرنا الحسين بن الفهم، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ أَبِي عُمَيْرٍ الطَّائِيِّ، قَالَ: كَانَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ يَقُولُ [٣] :
مَا كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ أَشَدَّ كَرَاهِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنِّي، وَكُنْتُ امْرَأً شَرِيفًا قَدْ سُدْتَ قَوْمِي، فَقُلْتُ: إِنِ اتَّبَعْتُهُ كُنْتُ دَنِيًّا. وَكُنْتُ نَصْرَانِيًّا، فَقُلْتُ لِغُلامٍ لِي: أَعِدَّ لِي مِنْ إِبِلِي أَجْمَالا ذُلَلا [٤] سِمَانًا أَحْبِسُهَا قَرِيبًا مِنِّي، فَإِذَا سَمِعْتَ بِجَيْشِ مُحَمَّدٍ قَدْ وَطِئَ هَذِهِ الْبِلادِ فَآذِنِّي فَإِنِّي أَرَى خَيْلَهُ قَدْ وَطِئَتْ بِلادَ الْعَرَبِ كُلَّهَا. فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ غَدَاةٍ جَاءَنِي غُلامِي [٥] فَقَالَ: مَا كُنْتَ صَانِعًا إِذَا غَشِيَتْكَ خَيْلُ مُحَمَّدٍ فَاصْنَعْهُ، فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَايَاتٍ فَسَأَلْتُ عَنْهَا فَقِيلَ: هَذِهِ جُيُوشُ مُحَمَّدٍ. قُلْتُ: قَرِّبْ لِي أَجْمَالِي، فَقَرَّبَهَا فَاحْتَمَلْتُ بِأَهْلِي وَوَلَدِي، ثُمَّ قُلْتُ: أَلْحَقُ بِأَهْلِ دِينِي مِنَ النَّصَارَى بِالشَّامِ، وَخَلَّفْتُ ابْنَةَ حَاتِمٍ [٦] بِالْحَاضِرِ [٧] .
قال علماء السير: لما قدم عدي على رسول الله ﷺ أسلم وحسن إسلامه ورجع إلى بلاد قومه، فلما قبض رَسُول اللَّهِ ﷺ وارتدت العرب ثبت عدي وقومه على الإسلام، وجاء بصدقاتهم إلى أبي بكر، وحضر فتح المدائن، وشهد مع علي الجمل وصفين والنهروان. وكان جوادا يفت للنمل الخبز ويقول: إنهن جارات.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ/ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ على بْن ثابت، قَالَ:
حَدَّثَنَا محمد بن الحسين بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ يَحْيَى الآدَمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ الطَّائِيِّ [١] :
أَنَّهُ أَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي أُنَاسٍ مِنْ طيِّئ- أَوْ قَالَ مِنْ قَوْمِهِ- فَجَعَلَ يَفْرِضُ لِرِجَالٍ مِنْ طيِّئ فِي ألفين أَلْفَيْنِ، فَاسْتَقْبَلْتُهُ فَأَعْرَضَ عَنِّي، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَمَا تَعْرِفُنِي؟ قَالَ: نَعَمْ إِنِّي وَاللَّهِ أعرفك، أسلمت إذ كفروا، وأقبلت إذا أَدْبَرُوا، وَوَفَيْتَ إِذْ غَدَرُوا، وَإِنَّ أَوَّلَ صَدَقَةٍ بيضت وجه رسول الله ﷺ وَوُجُوهَ أَصْحَابِهِ صَدَقَةُ طيِّئ، جِئْتَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
أَنْبَأَنَا عبد الوهاب الحافظ، قَالَ: أخبرنا أبو الحسين بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ علي الطَّنَاجِيرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شَاهِينَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَابِتٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْهُذَيْلُ بْنُ عُمَيْرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ:
أَرْسَلُ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ إِلَى عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ يَسْتَعِيرُ مِنْهُ قُدُورَ حَاتِمٍ، فَأَمَرَ بِهَا عَدِيٌّ فَمُلِئَتْ وَحَمَلَهَا الرِّجَالُ إِلَى الأَشْعَثِ، فَأَرْسَلَ الأَشْعَثُ: إِنَّمَا أَرَدْنَاهَا فَارِغَةً، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ: إِنَّا لا نُعِيرُهَا فَارِغَةً.
أَخْبَرَنَا الْقَزَّازُ، قال أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا ابن بشران، قال:
стр. 1965
أخبرنا ابن صَفْوان، [قَالَ: أخبرنا] [١] ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال [٢] :
مَاتَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ.
وقد قال هشام بن الكلبي: مات سنة تسع وستين، وهو ابن مائة وعشرين سنة.
واختلفوا أين مات على قولين: أحدهما بالكوفة. قاله ابن خياط. والثاني بقرقيسياء.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال:
أخبرنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الرَّزَّازُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إبراهيم الشافعي، قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَزَّازُ [٣] ، قَالَ: / حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ [٤] ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ [٥] :
خَرَجَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَحَنْظَلَةُ الْكَاتِبُ مِنَ الْكُوفَةِ، فَنَزَلُوا قِرْقِيسِيَا وَقَالُوا: لا نُقِيمُ بِبَلَدٍ يُشْتَمُ فِيهِ عُثْمَانُ [٦] .
قال ابن ثابت: قال لي محمد بن علي الصوري: أنا رأيت قبورهم بقرقيسياء.
٤٤٠- عابس بن سعيد القطيفي قاضي مصر [٧] :
ولي القضاء والشرطة لمسلمة بن مخلد، روى عنه أبو قتيل المغافري.
وتوفي في هذه السنة.