يتلقونه بالسلاح، [فظنهم محاربين، فرجع فأخبر النبي ﷺ أنهم لما رأوه لقوه بالسلاح] [١] ومنعوا الصدقة، فهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ يبعث إليهم بعثا، وبلغهم ذلك، فقدموا على رسول الله ﷺ فقالوا: سله هل ناطقنا أو كلمنا حتى رجع ونحن قوم مؤمنون، فنزل على رسول الله ﷺ وهو يكلمهم: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ ... ٤٩: ٦ [٢] الآية.
وولاه عمر صدقات بني تغلب، وولاه عثمان الكوفة بعد سعد بن أبي وقاص ثم عزله عنها، فلم يزل بالمدينة حتى بويع علي، فخرج إلى الرقة فنزلها معتزلا/ لعلي ومعاوية، فمات بها، وقبره على خمسة عشر ميلا من الرقة، كان له هناك ضيعة فمات بها.
стр. 1892
ثم دخلت سنة اثنتين وستين
فمن الحوادث فيها مقدم وفد المدينة على يزيد ومبايعتهم محمد بن حنظلة [١]
وكان السبب في ذلك أن يزيد لما عزل عمرو بن سعيد، وولى الوليد بن عتبة، قدم الوليد [المدينة] [٢] فأخذ غلمانا لعمرو، نحوا من ثلاثمائة فحبسهم، فكلمه فيهم عمرو فأبى أن يخليهم، فخرج عمرو من المدينة وكتب إلى غلمانه: إني باعث إلى كل رجل منكم جملا وأداته، تناخ لكم بالسوق [٣] ، فإذا أتاكم رسولي فاكسروا باب السجن، ثم ليقم كل رجل منكم إلى جمله فليركبه، ثم أقبلوا علي [٤] .
ففعل ذلك، فقدم على يزيد، فرحب به وعاتبه على تقصيره في أشياء يأمره بها في ابن الزبير، فقال: يا أمير المؤمنين: الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، وإن جل أهل الحجاز مالوا إليه، ولم يكن معي جند أقوى عليه لو ناهضته، فكنت أداريه لأتمكن منه [٥] ، مع أني قد ضيقت عليه، فجعلت على مكة وطرقها رجالا لا يدعون أحدا يدخلها حتى يكتبوا لي اسمه واسم أبيه، وما جاء به، فإن كان ممن أرى أنه يريده رددته صاغرا، وقد بعثت الوليد وسيأتيك من عمله ما تعرف به فضل مبايعتي ومناصحتي.
стр. 1893
فعزل يزيد الوليد، وبعث عثمان بن محمد بن أبي سفيان وهو حدث لم يحنكه السن، وكان لا يكاد ينظر في شيء من عمله. وبعث إلى يزيد وفدا من المدينة فيهم عبد الله بن حنظلة الغسيل، والمنذر بن الزبير، فأكرمهم وأجازهم، ثم رجعوا إلى المدينة فأظهروا شتم يزيد وقالوا: قدمنا من عند رجل ليس له دين، يشرب الخمر، ويعزف بالطنابير ويلعب بالكلاب، وإنا/ نشهدكم أنا قد خلعناه.
وقال المنذر: والله لقد أجازني بمائة ألف درهم، وإنه لا يمنعني ما صنع إلي أن أصدقكم عنه، والله إنه ليشرب الخمر، وإنه ليسكر حتى يدع الصلاة. ثم بايعوا عبد الله بن حنظلة.
وفيها: حج بالناس الوليد بن عتبة، وكان العمال على البلاد في هذه السنة هم العمال فِي السنة التي قبلها، وقد ذكرناهم.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر .
٤١٤- بريدة بن الحصيب بن عبد الله بن الحارث بن الأعرج، أبو عبد الله: [١]
أسلم لما مر به النبي ﷺ في طريق الهجرة.
وذلك أن رسول الله ﵌ لما خرج من مكة إلى المدينة فانتهى إلى الغميم أتاه بريدة بن الحصيب فدعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام هو ومن معه، وكانوا زهاء ثمانين بيتا، فصلى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ العشاء وصلوا خلفه ليلتئذ صدرا من سورة مريم، ثم قدم على رسول الله ﷺ [المدينة] [٢] بعد أن مضت بدر وأحد فتعلم بقية السورة، وغزا معه مغازيه [٣] بعد ذلك، واستعمله على أسارى المريسيع، وأعطاه لواء يوم الفتح، وبعثه على أسلم وغفار يصدقهم، وإلى أسلم لما أراد غزوة تبوك يستنفرهم، ولم يزل مقيما بالمدينة مع رسول الله ﷺ إلى أن توفي، فلما فتحت البصرة تحول إليها واختلط بها، ثم خرج
стр. 1894
غازيا إلى خراسان، فمات بمرو في خلافة يزيد.
٤١٥- الرّبيع بن خيثم، أبو يزيد الثوري [١] :
روى عن ابن مسعود وغيره.
أخبرنا علي بن عبد الواحد الدينَوَريّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيّ بْن عُمَر القزويني، قَالَ: أخبرنا أبو بكر بن شاذان، قال: أخبرنا البغوي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن حنبل، قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بن فضيل، عن أبيه، عن سعيد بن مسروق، قال: قال عبد الله للربيع بن خيثم [٢] :
لو رآك رسول الله ﷺ / لأحبك.
قال أحمد: وحدثني عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد الواحد عن عبد الله بن الربيع، عن أبي عبيدة، قال:
كان عبد الله يقول للربيع: ما رأيتك إلا ذكرت المخبتين [٣] .
وكان الربيع إذا أتى عبد الله لم يكن عليه إذن حتى يفرغ كل واحد منهما من صاحبه، وكان الربيع إذا جاء إلى باب عبد الله يقول للجارية: من بالباب؟ فتقول الجارية ذلك الشيخ الأعمى.
وروى سفيان [٤] بن نسير بن ذعلوق، عن إبراهيم التيمي، قال: أخبرنا من صحب [٥] الربيع بن خثيم عشرين عاما ما سمع منه كلمة تعاب.
وأخبرنا سفيان، قال: أخبرتني سرية الربيع بن خيثم قالت:
стр. 1895
كان عمل الربيع بن خثيم كله سرا، كان ليجيء الرجل وقد نشر المصحف فيغطيه بثوبه.
٤١٦- الرباب بنت امرئ القيس: [١]
تزوجها الحسين بن علي ﵄، فولدت له سكينة، وكان يحبها حبا شديدا، ويقول:
لعمرك إنني لأحب دارا ... تحل بها سكينة والرباب
أحبهما وأبذل جل مالي [٢] ... وليس لعاتب عندي عتاب
وكانت الرباب معه يوم الطف، فرجعت إلى المدينة مصابة مع من رجع، فخطبها الأشراف من قريش، فقالت: والله لا يكون حمو آخر بعد رسول الله ﷺ . فعاشت بعد الحسين ﵁ سنة لم يظلها سقف، فبليت وماتت كمدا.
٤١٧- علقمة بن قيس بن عبد الله، أبو شبل النخعي الكوفي: [٣]
وهو عم الأسود وعبد الله ابني يزيد. وخال إبراهيم التيمي.
روى عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وحذيفة، وأبي الدرداء، وأبي موسى، وغيرهم. روى عنه أبو وائل، والشعبي، والنخعي وابن سيرين.
وشهد حرب الخوارج بالنهروان، وكان/ من العلماء الربانيين، مقدما في الحديث والفقه والزهد والورع، وكان يشبه بابن مسعود.
٤١٨- عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عوف، أبو الضحاك: [٤]
استعمله النبي ﷺ على نجران اليمن وهو ابن سبع عشرة سنة، وتوفي رسول
стр. 1896
الله ﷺ وهو عامله على نجران، وعاش عمرو حتى أدرك معاوية وبيعته لابنه يزيد.
وتوفي بالمدينة.
٤١٩- عقبة بن نافع بن عبد قيس الفهري: [١]
وجهه معاوية إلى أفريقية غازيا في عشرة آلاف من المسلمين فافتتحها واختط قيروانها، وقد كان موضعه غيطة لا ترام من السباع والحيات وغير ذلك من الدواب، فدعا الله تعالى عليها ونادى: إنا نازلون فاظعنوا، فلم يبق شيء مما كان من السباع وغيرها إلا خرج، وجعلن يخرجن من جحرهن هوارب، حتى أن السباع كانت تحمل [٢] أولادها.
ثم قدم بعد موت معاوية على يزيد فرده واليًا على أفريقية في هذه السنة، فعرض له جمع من الروم والبربر وهو في قل، فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل عقبة شهيدا.
٤٢٠- مسلمة بن مخلد بن الصامت، أبو معن، ويقال: أبو سعيد: [٣]
ولد حين قدم رسول الله ﷺ المدينة. وسمع من رسول الله ﷺ ، وشهد فتح مصر واختلط بها، وولي الجند لمعاوية بن أبي سفيان ولابنه يزيد.
روى عنه علي بن رباح وغيره، وتوفي في ذي القعدة من هذه [٤] السنة.
٤٢١- نوفل بن معاوية بن عمرو بن صخر بن يعمر: [٥]
شهد بدرا مع المشركين، وأحدا والخندق، وكان له ذكر ونكاية، ثم أسلّم بعد
стр. 1897
ذلك وشهد مع رسول الله ﷺ فتح مكة وحنينا والطائف، ونزل المدينة، وحج مع أبي بكر سنة تسع، / وحج مع رسول الله ﷺ سنة عشر.
وروى عن رسول الله ﷺ ، وعاش ستين سنة في الجاهلية، وستين سنة في الإسلام، وتوفي في خلافة يزيد، وكان له ولد اسمه سلمى، وكان أجود العرب، وفيه يقول الشاعر:
يسود أقوام وليسوا بسادة ... بل السيد المحمود سلمى بن نوفل
стр. 1898
ثم دخلت سنة ثلاث وستين
فمن الحوادث فيها أخرج أهل المدينة عامل يزيد وهو عثمان بن محمد بن أبي سفيان وخلعوا يزيد [١]
فذكر أبو الحسين المدائني عن أشياخه: أن أهل المدينة أتوا المنبر، فخلعوا يزيد، فقال عبد الله بن أبي عمرو بن حفص المخزومي: قد خلعت يزيد كما خلعت عمامتي- ونزعها عن رأسه- وإني لا أقول هذا وقد وصلني وأحسن جائزتي، ولكن عدو الله سكير.
وقال آخر: قد خلعته كما خلعت نعلي، حتى كثرت العمائم والنعال، ثم ولوا على قريش عبد الله بن مطيع، وعلى الأنصار عبد الله بن حنظلة، ثم حاصر القوم من كان بالمدينة من بني أمية ومواليهم ومن يرى رأيهم.
فكتب مروان وجماعة من بني أمية إلى يزيد: «إنا قد حصرنا في دار مروان، ومنعنا العذب، فيا غوثاه» .
فوصل الكتاب إليه وهو جالس على كرسي واضع قدميه في ماء في طست من وجع كان به- ويقال إنه كان به نقرس- ثم قال للرسول: أما يكون بنو أمية ومواليهم بالمدينة ألف رجل؟ فقال: بلى وأكثر، قال: فما استطاعوا أن يقاتلوا ساعة من نهار، فقال: أجمع الناس عليهم، فلم/ يكن بهم طاقة، فبعث إلى عمرو بن سعيد فأقرأه
стр. 1899
الكتاب وأمره أن يسير إليهم، فقال: قد كنت ضبطت لك البلاد وأحكمت الأمور، فأما الآن فإنما هي دماء قريش تهراق، فلا أحب أن أتولى ذلك.
قال: فبعثني بالكتاب إلى مسلم بن عقبة وهو شيخ كبير، فجاء حتى دخل على يزيد، فقال: اخرج وسر بالناس. فخرج مناديه فنادى: أن سيروا إلى الحجاز على أخذ أعطياتكم كملا [١] ومعونة مائة دينار توضع في يد الرجل من ساعته، فانتدب لذلك اثني عشر ألفا، وكتب يزيد إلى ابن مرجانة: أن اغز ابن [٢] الزبير، فقال: لا والله لا أجمعهما [٣] للفاسق أبدا، أقتل ابْن [بنت] [٤] رَسُول اللَّهِ ﷺ ، وأغزو البيت.
وفصل ذلك الجيش من عند يزيد وعليهم مسلم بن عقبة، وقال له: إن حدث بك حادث [٥] فاستخلف على الجيش حصين بن نمير السكوني، وقال له: ادع القوم ثلاثا، فإن هم أجابوك وإلا فقاتلهم، فإذا ظهرت عليهم فأبحها ثلاثا، فما فيها من مال أو سلاح أو طعام فهو للجند، فإذا مضت الثلاث فاكفف عنهم، وانظر علي بن الحسين فاستوص به [خيرا] [٦] ، أدن مجلسه فإنه لم يدخل في شيء مما دخلوا فيه.
وأقبل مسلم بن عقبة بالجيش حتى إذا بلغ أهل المدينة إقباله وثبوا على من معهم من بني أمية فحصروهم [٧] في دار مروان، فقالوا: لا والله لا نكف عنكم حتى نستنزلكم، ونضرب أعناقكم، أو تعطونا عهد الله وميثاقه أن لا تبغونا غائلة، ولا تدلوا لنا على عورة، ولا تظاهروا علينا عدوا، فأعطوهم العهد على ذلك، فأخرجوهم من المدينة، فخرجوا بأثقالهم حتى لقوا مسلم بن عقبة بوادي القرى، فدعا بعمرو بن عثمان وقال له: أخبرني ما وراءك، وأشر علي، قال: لا أستطيع أن أخبرك/ شيئا،
стр. 1900
أخذت علينا العهود والمواثيق أن لا ندلك على عورة، فانتهره وقال: لولا أنك ابن عثمان لضربت، وأيم الله لا أقيلها قرشيا بعدك، فخرج بما لقي من عنده إلى أصحابه، فقال مروان لابنه عبد الملك: ادخل [١] قبلي لعله يجتزئ بك عني [٢] ، فدخل عليه عبد الملك، فقال: هات ما عندك، أخبرني خير الناس، وكيف ترى؟ فقال له: أرى أن تسير بمن معك حتى تأتيهم من قبل الحرة، ففعل وقال: يا أهل المدينة، إن أمير المؤمنين يزيد يزعم أنكم الأصل، ويقول: إني أكره إراقة دمائكم، وإني أؤجلكم ثلاثا، فمن راجع الحق أمنته ورجعت عنكم وسرت إلى هذا الملحد الذي بمكة، وإن أبيتم فقد أعذرنا إليكم، فلما مضت الأيام الثلاثة قال: يا أهل المدينة ما تصنعون؟ قالوا:
نحارب، فقال: لا تفعلوا وادخلوا في الطاعة، فقالوا: لا نفعل. وكانوا قد اتخذوا خندقا ونزله منهم جماعة وكان عليهم عبد الرحمن بن زهير بن عبد عوف [٣] ، وكان عبد الله بن مطيع على ربع آخر في جانب المدينة، وكان معقل بن سنان الأشجعي على ربع آخر وكان أمير جماعتهم عبد الله بن حنظلة الغسيل الأنصاري في أعظم تلك الأرباع وأكثرها عددا [٤] .
وقيل: كان ابن مطيع على قريش، وابن حنظلة على الأنصار، ومعقل بن سنان على المهاجرين.
فحمل ابن الغسيل على الخيل حتى كشفها، وقاتلوا قتالا شديدا، وجعل مسلم يحرض أصحابه- وكان مريضا، فنصب له سرير بين الصفين- وقال: قاتلوا عن أميركم، وأباح مسلم المدينة ثلاثا، يقتلون الناس ويأخذون الأموال، فأرسلت سعدى بنت عوف المرية [٥] إلى مسلم، تقول بنت عمك مر أصحابك لا/ يعترضوا الإبل لنا بمكان كذا، فقال: لا تبدءوا إلا بها. وجاءت امرأة إلى مسلم وقالت: أنا مولاتك وابني
стр. 1901
في الأسرى، فقال: عجلوه لمكانها، فضربت عنقه وقال: اعطوها رأسه، أما ترضين أن لا تقتلي حتى تكلمي في ابنك، ووقعوا على النساء، وقاتل عبد الله بن مطيع حتى قتل هو وبنون له سبعة، وبعث برأسه إلى يزيد.
فأفزع ما جرى من كان بالمدينة من الصحابة، فخرج أبو سعيد الخدري حتى دخل الجبل، فدخل عليه رجل بسيف، فقال: من أنت؟ فقال: أبو سعيد، فتركه.
أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا المبارك بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّد بن عبد الواحد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو بكر أحمد بْن إبراهيم بن شاذان، قال:
أخبرنا أحمد بن محمد بن شيبة البزاز، قال: أخبرنا أحمد بن الحارث الخزاز، قال:
حدثنا أبو الحسن المدائني، عن أبي عبد الرحمن القرشي، عن خالد الكندي، عن عمته أم الهيثم بنت يزيد، قالت:
رأيت امرأة من قريش تطوف، فعرض لها أسود، فعانقته وقبلته، فقلت: يا أمة الله، أتفعلين هذا بهذا الأسود، قالت: هو ابني وقع علي أبوه يوم الحرة، فولدت هذا.
وعن المدائني، عن أبي قرة، قال: قال هشام بن حسان [١] : ولدت ألف امرأة بعد الحرة من غير زوج، ثم دعى مسلم بالناس إلى البيعة ليزيد، وقال: بايعوا على أنكم خول له، وأموالكم له، فقال يزيد بن عبد الله بن ربيعة: نبايع على كتاب الله، فأمر به فضربت عنقه، وبدأ بعمرو بن عثمان، فقال: هذا الخبيث ابن الطيب، فأمر به فنتفت لحيته.
أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عبد الجبار، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عبد الواحد، قَالَ: أخبرنا أبو بكر بْن شَاذَان، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن محمد بن شيبة، قال: / أخبرنا أحمد بن الحارث، قال: حدثنا المدائني، عن حويرثة وابن جعدية:
أن مسلما نظر إلى قتلى الحرة، فقال: إن دخلت النار..... [٢] بعدها ولا إني لشقي.
стр. 1902
وأسر مسلم أسراء فحبسهم ثلاثة أيام لم يطعموا فجاءوا بسعيد بن المسيب إلى مسلم، فقالوا: بايع، فقال: أبايع على سيرة أبي بكر وعمر، فأمر بضرب عنقه، فشهد له رجل أنه مجنون فخلى عنه.
وعن المدائني، عن علي بن عبد الله القرشي، وأبي إسحاق التميمي، قال: لما انهزم أهل المدينة والصبيان، فقال ابن عمر: بعثمان ورب الكعبة.
وعن المدائني، عن محمد بن عمر قال: قال ذكوان مولى مروان: شرب مسلم بن عقبة دواء بعد ما انهب المدينة، ودعا بالغداء، فقال له الطبيب: لا تعجل فإنّي أخاف عليك إن أكلت قبل أن يعمل الدواء، قال: ويحك، إنما أحب البقاء حتى أشفي قلبي- أو قال: نفسي- من قتلة عثمان، فقد أدركت ما أردت فليس شيء أحب إلي من الموت على طهارتي، فإني لا أشك أن الله قد طهرني من ذنوبي بقتلي هؤلاء الأرجاس.
وعن المدائني، عن شيخ من أهل المدينة، قال: سألت الزهري: كم كانت القتلى يوم الحرة؟ قال: سبعمائة من وجوه الناس من قريش والأنصار والمهاجرين ووجوه الموالي، وممن لا يعرف من عبد وحر وامرأة عشرة آلاف، وكانت الوقعة لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وستين، وانتهبوا المدينة ثلاثة أيام.
وعن المدائني، عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن رجل من قريش، قال: كنت أنزل بذي الحليفة فدخلت المسجد فإذا رجل مريض، قلت: من أنت؟ قال: أنا رجل من خثعم أقبلت نجران فمرضت فتركني أصحابي ومضوا، فحولته إلى المنزل، فكان عندنا حتى صح، وأقام عندنا حينا كرجل منا، وعملت لصاحبتي حليا بمائة دينار وهو يرى ذلك، ثم خرج إلى الشام، فقدم المدينة أيام الحرة وقد/ تحولنا من ذي الحليفة إلى المدينة، فلما انتهب مسلم المدينة أتانا في جماعة فسمعت الجلبة في الدار، فخرجت فإذا أنابه وأصحابه خارجا، فقلت له: قد كنا نتمناك، قال: ما جئت إلا لأدفع عن دمك، ولكني آخذ مالك، فإن الأمير قد أمرنا بالنهب، وسيؤخذ ما عندك وأنا أحق به، فقلت: أنت لعمري أحق به، فاصرف أصحابك وخذه وحدك، فخرج فرد أصحابه ورجع، فقال: ما فعل الحلي؟ قلت: على حاله، قال: فهاته، قلت: هو مدفون بذي الحليفة عند البئر التي رأيت، فإذا أمسينا خرجنا إليها فأدفعه إليك. فلما أمسيت خرجت
стр. 1903
أنا وهو وتبعني ابنان لي حتى انتهينا إلى البئر وطولها ثلاثون ذراعا، فأخذناه أنا وابناي، فشددناه وثاقا، وأرميناه في البئر ودفناه فيها ورجعنا، فلما أصبحنا إذا رجل ممن كان معه بالأمس قد أتانا، فقال: أين أبو المحرش؟ قلنا: غدا حين أصبح، قال: أراه والله خدعنا وأخذ المتاع، قلنا: ما أخذ شيئا، ادخل فانظر، فدخل فأغلقنا عليه الباب وقتلناه.
وعن المدائني، عن سلمان بن أبي سلمان، عن أبي بكر بن إبراهيم بن نعيم بن النحام، قال:
مر ركب من أهل اليمن إلى الشام يريدونه ومعهم رجل مريض، فأرادوا دفنه وهو حي، فمنعهم أبي فمضوا وخلفوه، فلم يلبث أن بريء وصح، فجهزه أبي وحمله، وكان ممن قدم مع مسلم، فرأته جاريه لنا، فعرفته، فقالت: عمرو، فقال: نعم وعرفها، قال:
ما فعل أبو إسحاق؟ قالت: قتل، فقال لأصحابه: هؤلاء أيسر أهل [بيت] [١] بالمدينة، فانتهبوا منزلهم، فكان يضرب به المثل بالمدينة: «وأنت أقل شكرا من عمرو» .
ثم استخلف مسلم على المدينة روح بن زنباع، وسار إلى ابن الزبير، فاحتضر في الطريق، فقال لحصين بن نمير: إنك تقدم بمكة ولا منعة لهم ولا سلاح، / ولهم جبال تشرف عليهم، فانصب عليهم المنجنيق فإنهم بين جبلين، فإن تعوذوا بالبيت فارمه واتجه على بنيانه.
قال أبو معشر والواقدي: كانت وقعة الحرة يوم الأربعاء لليلتين خلتا من ذي الحجة سنة ثلاث وستين.
وقال بعضهم: لثلاث بقين منه.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٤٢٢- ربيعة بن كعب الأسلمي: [٢]
أسلم قديما وكان من أهل الصفة، وكان يَخْدُمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، ويبيت على بابه
مُنْقَطِعَةٌ وَزَائِلَةٌ، وَأَنَّ لِيَ فِيهَا رِزْقًا سَيَأْتِينِي، فَقُلْتُ: أَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لآخِرَتِي، قَالَ:
فَصَمَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَوِيلا، ثُمَّ قَالَ لِي: «إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ [بِكَثْرَةِ] [١] السُّجُودِ» .
٤٢٣- عبد الله بن حنظلة الغسيل ابن أبي عامر الراهب: [٢]
كان حنظلة لما أراد الخروج إلى أحد وقع على امرأته جميلة، فعلقت بعبد الله في شوال على رأس اثنين وثلاثين شهرا من الهجرة، وقتل حنظلة يومئذ شهيدا فغسلته الملائكة، فقال لولده: بنو غسيل الملائكة، وولدت جميلة عبد الله، فقبض رسول الله ﷺ ولعبد الله سبع سنين.
ولما وثب أهل المدينة ليالي الحرة فأخرجوا بني أمية عن المدينة، وأظهروا عيب يزيد، أجمعوا على عبد الله، فأسندوا أمرهم إليه فبايعهم على الموت وقال: يا قوم، اتقوا الله وحده، فو الله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء، إن رجلا ينكح الأمهات والبنات والأخوات، ويشرب الخمر ويدع الصلاة، والله لو لم يكن معي أحد من الناس لأبليت للَّه فيه بلاء حسنا. فتواثب الناس يومئذ يبايعون من كل النواحي. وما كان لعبد الله بن حنظلة تلك الليالي [٣] مبيت إلا المسجد، فلما دخلوا المدينة قاتل حتى قتل يومئذ.
٤٢٤- أبو عائشة الهمداني، واسمه مسروق بن الأجدع بن مالك: [٤]
/ سرق وهو صغير ثم وجد فسمي مسروقا. ورأى أبا بكر وعمر وعثمان وعليا وابن مسعود، وحضر مع علي حرب الخوارج بالنهروان، وقال عمر بن الخطاب: ما اسمك؟ فقال: مسروق بن الأجدع، فقال: مسروق بن عبد الرحمن [٥] .
стр. 1906
وعمرو بن معديكرب خال مسروق [١] .
وقال ابن المديني [٢] : ما أقدم على مسروق أحدا من أصحاب عبد الله.
أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أحمد بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بن محمد المعدل، قال: أخبرنا دعلج، قال: حدثنا إبراهيم بن أبي طالب، قال:
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا حجاج، عن شعبة، عن أبي إسحاق، قال:
حج مسروق فلم ينم إلا ساجدا على وجهه حتى رجع [٣] .
أخبرنا القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي، قال: حدثنا ابن رزق، قال: أخبرنا أحمد بن سلمان [٤] ، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني أزهر بن مروان، قال:
حدثنا حماد بن زيد، عن أنس بن سيرين، أن امرأة مسروق قالت:
كان يصلي حتى ورمت [٥] قدماه، فربما جلست خلفه أبكي [٦] مما أراه يصنع بنفسه [٧] .
توفي مسروق ﵁ بالكوفة في هذه السنة، وهي سنة ثلاث وستين، وله ثلاث وستون سنة.
стр. 1907
ثم دخلت سنة أربع وستين
فمن الحوادث فيها مسير أهل الشام إلى مكة لحرب عبد الله بن زبير ومن كان على مثل رأيه في الامتناع على يزيد بن معاوية [١]
قال علماء السير [٢] : لما فرغ مسلم بن عقبة من قتال أهل المدينة وإنهاب جنده أموالهم ثلاثا، شخص بمن معه من الجند متوجها نحو مكة، وخلف على المدينة روح بن زنباع الجذامي.
وقيل: خلف عمرو بن محرز الأشجعي.
فسار ابن عقبة حتى إذا انتهى إلى فقا/ المشلل [٣] نزل به الموت، وذلك في آخر المحرم سنة أربع وستين، فدعا حصين بن نمير السكوني، فقال له: يا برذعة الحمار [٤] ، أما لو كان هذا الأمر إلي ما وليتك هذا الجند، ولكن أمير المؤمنين ولاك بعدي، وليس لأمره مترك [٥] ، أسرع المسير، ولا تؤخر ابن الزبير ثلاثا حتى تناجزه، ثم قال: اللَّهمّ إني لم أعمل عملا قط بعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله
стр. 1908
أحب إلي من قتل أهل المدينة، ولا أرجى [عندي] [١] في الآخرة. ومات فدفن بالمشلل [٢] .
ثم خرج الحصين بن نمير بالناس، فقدم على ابن الزبير مكة لأربع بقين من المحرم، فحاصر ابن الزبير أربعا وستين يوما حتى جاءهم- يعني يزيد بن معاوية- لهلال ربيع الآخر، وكان القتال في هذه المدة شديدا، وقذف البيت بالمجانيق [٣] في يوم السبت ثالث ربيع الأول، وأحرق بالنار، وكانوا يرتجزون ويقولون: [٤]
كيف ترى صنيع أم فروه ... تأخذهم بين الصفا والمروه
يريدون بأم فروة: المنجنيق.
وروى الواقدي، عن أشياخه [٥] : أنهم كانوا يوقدون حول البيت، فأقبلت شرارة فأحرقت ثياب الكعبة وخشب البيت في يوم السبت ثالث ربيع الأول.
وفي رواية: أن رجلا أخذ قبسا في رأس رمح له، فطارت به الريح فاحترق.
وَرَوَى الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ، قَالَ [٦] : لَمَّا سَارَ أَهْلُ الشَّامِ فَحَاصَرُوا ابْنَ الزُّبَيْرِ سَمِعَ أَصْوَاتًا مِنَ اللَّيْلِ فَوْقَ الْجَبَلِ، فَخَافَ أَنْ يَكُونَ أَهْلُ الشَّامِ قَدْ وَصَلُوا إِلَيْهِ، وَكَانَتْ لَيْلَةً ظَلْمَاءَ ذَاتَ رِيحٍ شَدِيدَةٍ وَرَعْدٍ وَبَرْقٍ، فَرَفَعَ نَارًا عَلَى رَأْسِ رُمْحٍ لِيَنْظُرَ إِلَى النَّاسِ، فَأَطَارَتْهَا الرِّيحُ فَوَقَعَتْ عَلَى أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَأَحْرَقَتْهَا وَاسْتَطَارَتْ فِيهَا، وَجَهِدَ النَّاسُ فِي إِطْفَائِهَا فَلَمْ يَقْدِرُوا/ فَأَصْبَحَتِ الْكَعْبَةُ تَتَهَافَتُ، وَمَاتَتِ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَخَرَجَ النَّاسُ كُلُّهُمْ مَعَ جِنَازَتِهَا خَوْفًا مِنْ أَنْ يَنْزِلَ الْعَذَابُ عليهم، وأصبح ابن الزبير
стр. 1909
سَاجِدًا يَدْعُو وَيَقُولُ: «اللَّهمّ إِنِّي لَمْ أَعْتَمِدْ مَا جَرَى، فَلا تُهْلِكْ عِبَادَكَ بِذَنْبِي، وَهَذِهِ نَاصِيَتِي بَيْنَ يَدَيْكَ» . فَلَمَّا تَعَالَى النَّهَارُ أَمِنَ النَّاسُ وَتَرَاجَعُوا، فَقَالَ لَهُمْ: يَنْهَدِمُ فِي بَيْتِ أَحَدِكُمْ حَجَرٌ فَيَبْنِيهِ وَيُصْلِحُهُ، وَأَتْرُكُ الْكَعْبَةَ خَرَابًا. ثُمَّ هَدَمَهَا مُبْتَدِئًا بِيَدِهِ، وَتَبِعَهُ الْفَعَلَةُ إِلَى أن بلغوا إلى قواعدها، ودعي بناءين مِنَ الْفُرْسِ وَالرُّومِ. فَبَنَاهَا.
وفي هذه السنة جاء نعي يزيد بن معاوية لهلال ربيع الآخر وفيها بويع لمعاوية بن يزيد بالشام بالخلافة، ولعبد الله بن الزبير بالحجاز [١] .
ولما هلك يزيد مكث الحصين بن نمير وأهل الشام يقاتلون ابن الزبير ولا يعلمون بموت يزيد أربعين يوما وقد حصروهم حصارا شديدا، وضيقوا عليهم، فبلغ موته ابن الزبير قبل أن يبلغ حصين، فصاح بهم ابن الزبير: إن طاغيتكم قد هلك، فمن شاء منكم أن يدخل فيما دخل فيه الناس فليفعل، ومن كره فليلحق بشآمه، فما صدقوا، حتى قدم ثابت بن قيس بن المنقع [٢] النخعي، فأخبر الحصين بذلك، فبعث الحصين بن نمير إلى ابن الزبير: موعد ما بيننا وبينك الليلة الأبطح. [فالتقيا] [٣] ، فقال له الحصين:
إن يك هذا الرجل قد هلك فأنت أحق بهذا الأمر، هلم فلنبايعك، ثم اخرج معي إلى الشام، فإن هذا الجند الذين معي [هم] وجوه أهل الشام وفرسانهم، فو الله لا يختلف عليك اثنان [٤] ، وتؤمن الناس، وتهدر هذه الدماء التي كانت بيننا وبينك. فقال: لا أفعل، ولأقتلن بكل رجل عشرة [٥] . فقال الحصين: قد كنت أظن أن لك رأيا، أنا أدعوك إلى الخلافة وأنت تعدني بالقتل.
ثم خرج وصاح في الناس/ فأقبل بهم نحو المدينة، وندم ابن الزبير على ما صنع، فأرسل إليه: أما أن أسير إلى الشام فلست فاعلا لأني أكره الخروج من مكة،
стр. 1910
ولكن بايعوا لي هناك فإني مؤمنكم. فقال الحصين: أرأيت [إن] [١] لم تقدم بنفسك، ووجدت هناك أناسا كثيرا من أهل هذا البيت يطلبونها يجيبهم الناس، [فما أنا صانع؟
فأقبل بأصحابه ومن معه نحو المدينة، فاستقبله علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب] [٢] واجترأ أهل المدينة وأهل الحجاز على أهل الشام فذلوا حتى كان لا ينفرد منهم رجل إلا أخذ بلجام دابته فنكس عنها. فقالت لهم بنو أمية: لا تبرحوا حتى تحملونا معكم إلى الشام، ففعلوا ومضى ذلك الجيش حتى دخلوا الشام وقد أوصى يزيد بالبيعة لابنه معاوية.
وفي هذه السنة بايع أهل البصرة عبيد الله بن زياد [٣]
على أن يقوم لهم بأمرهم حتى يصطلح الناس على إمام يرتضونه لأنفسهم، ثم أرسل [٤] عُبَيْد الله رسولا إلى أهل الكوفة يدعوهم إلى مثل ذلك فأبوا عليه، وحصبوا الوالي الذي كان عليهم.
وذلك [٥] أنه لما بلغت عبيد الله وفاة يزيد، قام خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا أهل البصرة، لقد وليتكم وما أحصى ديوان مقاتلتكم إلا سبعين ألف مقاتل، ولقد أحصى اليوم ثمانين ألف مقاتل، وما أحصى ديوان عمالكم [٦] إلا تسعين ألفا، ولقد أحصى اليوم مائة ألف وأربعين ألفا، وما تركت لكم ذا ظنة أخافه عليكم إلا وهو في سجنكم، وإن أمير المؤمنين يزيد قد توفي، وقد اختلف أهل الشام وأنتم اليوم أكثر الناس عددا، وأوسعهم بلادا، وأغنى عن الناس [٧] ، فاختاروا لأنفسكم رجلا ترضونه
стр. 1911
لدينكم وجماعتكم، فأنا أول راض من رضيتموه، فإن اجتمع أهل الشام على رجل ترضونه دخلتم فيما دخل فيه المسلمون، وإن كرهتم ذلك [كنتم على جديلتكم حتى تعطوا] [١] حاجتكم، فما لكم إلى [٢] أحد من أهل البلدان/ حاجة.
فقامت خطباء أهل البصرة فقالوا: والله ما نعلم أحدا أقوى منك عليها، فهلم نبايعك، فقال: لا حاجة لي في ذلك، فاختاروا لأنفسكم، فأبوا غيره وأبى عليهم حتى كرروا ذلك ثلاث مرات. فلما أبوا بسط يده فبايعوه. ثم خرجوا يمسحون أكفهم بباب الدار وحيطانه، وجعلوا يقولون: أظن ابن مرجانة أنا نوليه أمرنا في الفرقة. فكان يأمر بالأمر فلا ينفذ، ويرى الرأي فيرد عليه رأيه.
فأقام كذلك ثلاثة أشهر، وقدم مسلمة بن ذؤيب فدعا الناس إلى بيعة ابن الزبير، فمالوا إليه وتركوا ابن زياد، فكان في بيت المال يومئذ تسعة عشر ألف ألف، ففرق ابن زياد بعضها في بني أمية وحمل الباقي معه، وخرج في الليل يتخفى، فعرفه رجل فضربه بسهم فوقع في عمامته وأفلت، فطلبوه فمات وانتهبوا ما وجدوا له فطلب الناس من ثار عليهم، فبايعوا عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، فولي أمرهم أربعة أشهر، ثم ولي عبيد الله بن معمر على البصرة.
وفي هذه السنة وقع الطاعون الجارف بالبصرة [٣] .
فماتت أم ابن معمر الأمير، فما وجدوا من يحملها حتى استأجروا لها أربعة أنفس، وكان وقوع هذا الطاعون أربعة أيام، فمات في اليوم الأول سبعون ألفا، وفي اليوم الثاني واحد وسبعون ألفا، وفي اليوم الثالث ثلاثة وسبعون ألفا، وأصبح الناس في اليوم الرابع موتى [إلا قليلا من] [٤] الآحاد.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن ناصر الحافظ، قَالَ: أنبأنا أحمد بن أحمد الحداد، قال: أخبرنا
стр. 1912
أبو نعيم الحافظ، قال: حدثنا عبيد الله، قَالَ: حدثنا أحمد بن عصام، قَالَ: حدثني معدي عن رجل يكنى أبا النفيد وكان قد أدرك زمن الطاعون، قال [١] :
كنا نطوف في القبائل وندفن الموتى، ولما كثروا لم نقو على الدفن، فكنا ندخل الدار قد مات أهلها فنسد بابها، قال: فدخلنا دارا/ ففتشناها فلم نجد فيها أحدا حيا، فسددنا بابها، فلما مضت الطواعين كنا نطوف على القبائل ننزع تلك السدد التي سددناها، فانتزعنا سد ذلك الباب الذي دخلناه ففتشنا الدار فلم نجد أحدا حيا، فإذا نحن بغلام في وسط الدار طري دهين كأنما أخذ ساعته من حجر أمه. قال: ونحن وقوف على الغلام نتعجب منه فدخلت كلبة من شق في الحائط تلوذ بالغلام، والغلام يحبو إليها حتى مص من لبنها، فقال معدي: رأيت هذا الغلام في مسجد البصرة قد قبض على لحيته.
وقيل: كان هذا الطاعون في سنة تسع وستين.
وفي هذه السنة طرد أهل الكوفة عمرو بن حريث وأمروا عامر بن مسعود [٢]
وكان ابن زياد قد قتل من الخوارج ثلاثة عشر ألفا وحبس أربعة آلاف، فلما هلك يزيد قام خطيبا فقال: إن الّذي كنا نقاتل عن طاعته قد مات، فإن أمرتموني جبيت فيئكم [٣] ، وقاتلت عدوكم. وبعث بذلك إلى أهل الكوفة مقاتل بن مسمع، وسعيد [٤] [بن قرحا] [٥] المازني، فقام عمرو بن حريث، وقال: إن هذين الرجلين قد أتياكم من قبل أميركم يدعو انكم إلى أمر يجمع الله به كلمتكم فاسمعوا لهما، فقام ابن الحارث وهو يزيد، فقال: الحمد للَّه الذي أراحنا من ابن سمية، فأمر به عمرو إلى السجن فحالت بينه وبينه بكر، وصعد عمرو المنبر فحصبوه، فدخل داره، واجتمع الناس في
стр. 1913
المسجد وقالوا: نؤمر رجلا إلى أن يجتمع الناس على خليفة، فأجمعوا على عمرو بن سعد [١] بن أبي وقاص، ثم أجمعوا على عامر بن مسعود، وكتبوا بذلك إلى ابن الزبير، فأقره، واجتمع لابن الزبير أهل البصرة وأهل الكوفة ومن قبله من العرب وأهل الشام وأهل الجزيرة إلا أهل الأردن.
وفي هذه السنة بويع لمروان بالخلافة في الشام [٢]
وسبب/ ذلك أن ابن الزبير كتب إلى عامله بالمدينة أن يخرج بني أمية، فخرجوا وخرج معهم مروان بن الحكم إلى الشام- وعبد الملك يومئذ ابن ثمان وعشرين سنة، فكان من رأي مروان أن يرحل إلى ابن الزبير ويبايعه. فقدم عبيد الله بن زياد، فاجتمعت عنده بنو أمية، فقال لمروان: استحييت لك مما تريده، أنت كبير قريش وسيدها، تصنع ما تصنع، فقال: والله ما فات شيء بعد، فقام معه بنو أمية ومواليهم، فبايعوه بالجابية لثلاث خلون من ذي القعدة، وتجمع إليه أهل اليمن، فسار وهو يقول: ما فات شيء بعد، فقدم دمشق وقد بايع أهلها الضحاك بن قيس الفهري على أن يصلي بهم ويقيم لهم أمرهم حتى يجتمع [أمر] [٣] أمة محمد ﷺ .
وكان ابن الضحاك يهوى هوى ابن الزبير، فيعمل في ذلك سرا خوفا من بني أمية، وثار زفر بن الحارث الكلابي بقنسرين يبايع لابن الزبير، واختلف أهل دمشق فخرج مروان فقتله وقتل أصحابه وقتل النعمان بن بشير الأنصاري- وكان على حمص- وأطبق أهل الشام على مروان، فخرج مروان حتى أتى مصر وعليها عبد الرحمن بن جحدم القرشي يدعو إلى ابن الزبير، فخرج إليه فيمن معه من بني فهر، وبعث مروان عمرو بن سعيد الأشدق من ورائه حتّى دخل مصر، وقام على منبرها للناس، وأمر مروان الناس فبايعوه، ثم رجع إلى دمشق حتى إذا دنا منها بلغه أن ابن الزبير قد بعث أخاه مصعب بن الزبير نحو فلسطين، فسرح إليه مروان عمرو بن سعيد الأسدي في جيش، فاستقبله قبل
стр. 1914
أن يدخل الشام، فقاتله فهزم أصحاب مصعب. وقيل لمروان: إنما ينظر الناس إلى هذا الغلام- يعنون خالد بن يزيد بن معاوية- فتزوج أمه فيكون في حجرك، فتزوجها، ثم جمع بني أمية فبايعوه.
وفي هذه السنة بايع أهل خراسان سالم بن زياد
بعد موت يزيد بن معاوية، وبعد موت ابنه معاوية، على أن يقوم بأمرهم حتى يجتمع الناس على خليفة.
وفيها كانت فتنة عبد الله بن خازم بخراسان
وذلك أن سالم بن زياد بعث بما أصاب من هدايا سمرقند وخوارزم إلى يزيد بن معاوية مع عبد الله بن خازم، وأقام سلم [١] واليا على خراسان حتى مات يزيد وابنه معاوية، فلما بلغه ذلك دعا الناس إلى البيعة على الرضا حتى يستقيم الناس على خليفة، فبايعوه، وكانوا يحبونه حتى أنهم سموا في سني ولايته أكثر من عشرين ألف مولود بسلم [٢] .
وأقاموا على بيعته شهرين ثم نكثوا. فخرج عن خراسان وخلف عليها المهلب بن أبي صفرة، فلقيه عبد الله بن خازم، فقال له: اكتب لي عهدا على خراسان، فكتب له فقال: أعني الآن بمائة ألف درهم، ففعل، وأقبل فغلب على مرو، وجرت له حروب كثيرة.
وفي هذه السنة تحركت الشيعة بالكوفة [٣]
واتعدوا للاجتماع بالنخيلة بالمسير إلى أهل الشام للطلب بدم الحسين ﵇ وتكاتبوا في ذلك.
стр. 1915
ومنذ قتل الحسين ﵇ كانوا يتلاومون بينهم ويندمون على ترك نصرته، فرأوا أنهم قد جنوا جناية لا يكفرها إلا الطلب [بدمه] .
فاجتمع من ملأهم جماعة في بيت سليمان بن صرد، وتعاهدوا وجاءوا بأموال يجهزون بها من يعينهم، وكاتبوا شيعتهم وضربوا أجلا ومكانا، فجعلوا الأجل غرة شهر ربيع الآخر من سنة خمس وستين، والموطن النخيلة، وابتدءوا في أمورهم في سنة إحدى وستين وهي السنة التي قتل فيها الحسين ﵇، وما زالوا في الاستعداد ودعاء الناس في السر حتى مات يزيد، فخرجت حينئذ منهم دعاة يدعون الناس، فاستجاب لهم خلق كثير. وكان عبيد الله بن زياد قد حبس المختار بن أبي عبيد لعلمه بميله إلى شيعة علي، فكتب ابن عمر إلى يزيد: أن ابن/ زياد قد حبس المختار وهو صهري، فإن رأيت أن تكتب إلى ابن زياد يخليه، فكتب إليه يأمره بتخليته فدعاه وقال:
قد أجلتك ثلاثا فإن أدركتك بالكوفة بعدها [١] برئت منك الذمة، فخرج إلى الحجاز، وكان يقول: والله لأقتلن بالحسين عدة من قتل على دم يحيى بن زكريا، فقدم على بن الزبير فرحب به، فقال له: ما تنتظر، ابسط يدك نبايعك، ثم مضى إلى الطائف، ثم عاد بعد سنة فبايع ابن الزبير وقاتل معه وأقام عنده حتى هلك يزيد، ثم وثب فركب راحلته نحو الكوفة، فقدمها في النصف من رمضان يوم الجمعة بعد ستة أشهر من هلاك يزيد.
ورأى المختار اجتماع رءوس الشيعة على سلمان بن صرد، فقال لهم: إني قد جئتكم من قبل المهدي محمد بن الحنفية [٢] ، فانشعبت إليه طائفة من الشيعة.
وكان المختار يقول لهم: إنما يريد سليمان أن يخرج فيقتل نفسه ويقتلكم، فإنه ليس [له] [٣] بصر بالحروب.
وكان سليمان بن صرد وأصحابه يريدون الوثوب بالكوفة وأميرها يومئذ عبد الله بن يزيد الأنصاري من قبل ابن الزبير، فبلغه ذلك فقال: وما الذي يريدون؟ قيل: إنهم يطلبون بدم الحسين، قال: وأنا قتلت الحسين، لعن الله قاتل الحسين. ثم خطب
стр. 1916
فقال: قد بلغني أن طائفة من أهل هذا المصر يريدون الخروج علينا يطلبون فيما زعموا بدم الحسين، فرحم الله هؤلاء القوم، والله ما قتلته، ولقد أصبت بمقتله. فإن هؤلاء القوم آمنون فليخرجوا ولينتشروا ظاهرين، ثم نسير إلى قاتل الحسين وأنالهم على قاتله ظهير، هذا ابن زياد قاتل الحسين وقاتل خياركم قد توجه إليكم، والاستعداد له أولى من أن تجعلوا بأسكم بينكم.
فخرج سليمان بن صرد [وأصحابه] [١] ينشرون السلاح ظاهرين، ويشترون ويتجهزون لجهادهم بما يصلحهم، وجعل المختار ينتظر ما يصير إليه أمر سليمان بن صرد.
فخرج سليمان نحو الجزيرة، فجاء قوم إلى عبد الله بن يزيد أمير البلدة فحذروه المختار، وأخذوا المختار فحبسوه وقيدوه فجعل يقول: أما ورب البحار، والنخل والأشجار، والمهامة والقفار، والملائكة الأبرار، والمصطفين/ الأخيار، لأقتلن كل جبّار، بكلّ لدن خطّار، ومهند بتار في جموع من الأنصار، ليسوا بميل أغمار [٢] ، ولا بعزل أشرار، حتى إذا أقمت عمود الدين، ورأيت شعب صدع المؤمنين، وشفيت غليل صدور المسلمين، وأدركت بثأر النبيين.
وفي هذه السنة هدم ابن الزبير الكعبة [٣]
وكانت حيطانها قد مالت مما رميت به من حجارة المنجنيق فهدمها حتى سواها بالأرض، وحفر أساسها وأدخل الحجر فيها، وجعل الركن الأسود عنده في سرقة [٤] من حرير في تابوت، وجعل ما كان من حلي البيت وما وجد فيه من ثياب أو طيب عند الحجبة في خزانة البيت حتى [أعادها لما] [٥] أعاد بناءه.
стр. 1917
وفي هذه السنة حج بالناس عبد الله بن الزبير، وكان عامله على المدينة أخوه عبيد الله بن الزبير، وعلى الكوفة عبد الله بن يزيد الخطمي، وعلى قضائها سعيد بن نمران.
وأبى شريح أن يقضي فيها، وقال: لا أقضي في الفتنة. وكان على البصرة عُمَر بْن عبيد اللَّه بْن معمر التيمي، وعلى قضائها هشام بن هبيرة، وعلى خراسان عبد الله بن خازم.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٤٢٥- عبد الله بن سوار بن همام العبدي:
وكان شريفا جوادا، وولاه معاوية السند.
أنبأنا ابن ناصر، قَالَ: أخبرنا أبو عبد الله الحُمَيْدِي، قال: حدثنا محمد بن سلامة القضاعي، قال: أخبرنا أبو مسلم محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا ابن دريد، قال: أخبرنا العكلي، عن عبد الله بن أبي خالد، عن الهيثم بن عدي، عن رجاله، قالوا:
وفد على عبد الله بن سوار بن همام العبدي رجل من أهل البصرة وهو عامل معاوية على السند، فانتظر إذنه ثلاثا ثم دخل عليه فأنكره، فقال: من الرجل؟ قال: من أهل البصرة من بني تميم من بني سعد، قال: وما وراءك؟ قال: حرمة أمت بها، قال:
وما هي؟ قال: كنت تمر بمجلس بني سور فتسلم فأرد عليك أتم من سلامك بأجهر من كلامك، وأتبعك بدعائي من بين رجال قومي/ قال: حرمة والله.
وكان عبد الله بن سوار شريفا جوادا، فقال: ما حاجتك؟ قال: أملي، قال: وما أملك؟ قال: ما أستغني به عن غيرك إن عشت، وتنمو به عقبي إن مت. فأمر له بثلاثين ألفا، وكساه وقال: هي لك عندي في كل سنة إن أبقاني لك الدهر.
стр. 1918
٤٢٦- معاوية بن يزيد بن معاوية، أبو ليلى، ويقال: أبو عبد الرحمن [عبد الله] [١] :
ولي بعد أبيه يزيد وهو ابن تسع عشرة سنة. وقيل: ثلاثة عشر وثمانية عشر يوما.
وبويع له بالشام فأقام نحو ثلاثة أشهر. وقيل: أربعين ليلة. وتوفي في هذه السنة.
وكان خيرا ذا دين، سألته، أمه أم هانئ بنت أبي هشام بن عتبة بن ربيعة في مرضه أن يستخلف أخاه خالدا بن يزيد فأبى وقال: والله لا أحملها حيا وميتا، فقالت له:
وددت أنك كنت نسيا منسيا ولم تضعف هذا الضعف، قال: وددت أني كنت نسيا منسيا ولم أسمع بذكر جهنم، ثم قال: يا حسان بن مالك، اضبط ما قبلك وصل بالناس إلى أن يرضى المسلمون بإمام يحققون عليه.
وروى أبو جعفر الطبري: أنه خطب الناس فقال: إني نظرت في أمركم فصعقت عنه فابتغيت لكم رجلا مثل عمر بن الخطاب حين فزع إليه أبو بكر فلم أجده، فابتغيت لكم سنة الشورى مثل سنة عثمان ولم أجدهم، فأنتم أولى بأمركم فاختاروا له من أحببتم، ثم دخل منزله ولم يخرج إلى الناس. فقال بعض الناس: إنه دس إليه فسقي سما. وقيل: بل طاعن.
٤٢٧- المسور بن مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة، أبو عبد الرحمن [٢]
أمة عاتكة بنت عوف، أخت عبد الرحمن بن عوف من المهاجرات المبايعات، قبض رَسُول اللَّهِ ﷺ والمسور/ ابن ثمان سنين، وروى عن رسول الله ﷺ ، وكان يلازم عمر بن الخطاب ويحفظ عنه، وكان من أهل الفضل والدين، ولم يزل مع خاله عبد الرحمن مقبلا ومدبرا في أمر الشورى، ثم انحاز إلى مكة حين توفي معاوية، وكره بيعة يزيد، فلم يزل هنالك حتى قدم الحصين بن نمير وحضر حصار ابن الزبير.
أَنْبَأَنَا الْحُسَيْنُ الْبَارِعُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابن المسلمة، قَالَ: أَخْبَرَنَا المخلص، قال:
стр. 1919
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، قَالَ:
أُتِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ بِبُرُودٍ مِنَ الْيَمَنِ فَقَسَمَهَا بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ والأنصار، وكان فِيهَا بُرْدٌ فَائِقٌ، فَقَالَ: إِنْ أَعْطَيْتُهُ أَحَدًا مِنْهُمْ غَضِبَ أَصْحَابُهُ وَرَأَوْا أَنَّهُ فَضَّلْتُهُ عَلَيْهِمْ، فَدُلُّونِي عَلَى فَتًى مِنْ قُرَيْشٍ نَشَأَ نَشْأَةً حسنة أعطيه إياه، فأسمو الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ، فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَلَى الْمِسْوَرِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: كَسَانِيهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَجَاءَ سَعْدٌ إِلَى عُمَرَ فَقَالَ: تَكْسُونِي هَذَا الْبُرْدَ وَتَكْسُو ابْنَ أَخِي أَفْضَلَ مِنْهُ؟ فَقَالَ: يَا أبا إسحاق، إني كَرِهْتُ أَنْ أُعْطِيَهُ أَحَدًا مِنْكُمْ فَيَغْضَبَ أَصْحَابُهُ فَأَعْطَيْتُهُ فَتًى نَشَأَ نَشْأَةً حَسَنَةً حَتَّى لا يُتَوَهَّمَ فِيهِ أَنِّي أُفَضِّلُهُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ سَعْدٌ:
فَإِنِّي قَدْ حَلَفْتُ لأَضَرِبَنَّ بِالْبُرْدِ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي رَأْسَكَ، فَخَضَعَ لَهُ عُمَرُ رَأْسَهُ وَقَالَ: عِنْدَكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ فَارْفُقِ الشَّيْخَ بِالشَّيْخِ، فَضَرَبَ رَأْسَهُ بِالْبُرْدِ.
أَخْبَرَنَا محمد بْن أبي طاهر، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو محمد الجوهري، قال: أخبرنا ابن حيوية، قال: أخبرنا أحمد بن معروف، قال: أخبرنا الحسين بن الفهم، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا عبد الملك بن عمرو، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، عن أم بكر بنت المسور:
أن المسور كان لا يشرب من الماء الذي يوضع في المسجد ويكرهه ويرى أنه صدقة، وأنه احتكر طعاما/ فرأى سحابا من سحاب الخريف فكرهه، فلما أصبح أتى السوق فقال: من جاءني وليته، فبلغ ذلك عمر الخطاب، فأتاه بالسوق فقال: أجننت يا مسور؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين، ولكني رأيت سحابا من سحاب الخريف فكرهته، فكرهت ما ينفع المسلمين [١] ، فكرهت أن أربح فيه وأردت ألا أربح فيه، فقال عمر:
جزاك الله خيرا.
قال ابن سعد: وأخبرنا محمد بن عمر، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ أم بكر بنت المسور، عن أبيها:
أنه كان يصوم الدهر وأنه أصابه حجر من المنجنيق، ضرب البيت فانفلق منه فلقة
стр. 1920
فأصابت جدار المسور وهو قائم يصلي، فمرض منها أياما ثم هلك في اليوم الذي جاء فيه نعي يزيد بن معاوية بمكة، وابن الزبير يومئذ لا يتسمى بالخلافة والأمر شورى، وهو ابن اثنتين وستين سنة.
٤٢٨- يزيد بن الأسود الجرشي [١] :
كان عبدا صالحا، وكان القطر قد احتبس في زمن معاوية، فصعد المنبر ودعاه فصعد إليه، فقال معاوية: اللَّهمّ إنا نستشفع إليك اليوم بخيرنا وأفضلنا، اللَّهمّ إنا نستشفع إليك بيزيد بن الأسود، فسقى الناس، ثم جرى له مثل هذا مع الضحاك بن قيس.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن هبة الله الطبري، قال: أخبرنا محمد بن الحسين بن الفضل، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر بن درستويه [٢] ، قال:
حدثنا يعقوب بن سفيان، قال: حدثنا سعيد بن أسد، قال: حدثنا ضمرة، عن ابن أبي جميلة، قال:
أصاب الناس قحط بدمشق، وعلى الناس الضحاك بن قيس الفهري، فخرج بالناس يستسقي، فقال: أين يزيد بن الأسود الجرشي، فلم يجبه أحد مرارا، فقال:
عزمت عليه أن يسمع كلامي إلا قام، فقام فرفع يديه فقال: اللَّهمّ يا رب إن عبادك تقربوا إليك فاسقهم، فانصرف الناس وهم يخوضون/ الماء، فقال: اللَّهمّ إنه قد شهرني فأرحني منه، فما أتت عليه جمعة حتى قتل الضحاك.
٤٢٩- يزيد بن معاوية بن أبي سفيان [٣] :
توفي لأربع عشر خلت من ربيع الأول من هذه السنة بقرية من قرى حمص يقال لها حوارين، وهو ابن خمس وثلاثين سنة. وقيل: تسع وثلاثين.
وكانت خلافته ثلاث سنين وتسعة أشهر وقال الواقدي: وثمانية أشهر إلا ثمان ليال.
стр. 1921
ثم دخلت سنة خمس وستين
فمن الحوادث فيها شخوص التوابين إلى ابن زياد للطلب بدم الحسين ﵇ [١]
وذلك أن سليمان بن صرد بعث إلى رءوس أصحابه من الشيعة، فأتوه، فلما استهلوا هلال ربيع الآخر خرج في وجوه أصحابه إلى النخيلة فلم يعجبه عدد الناس [٢] ، فبعث حكيم بن منقذ الكندي في خيل، وبعث الوليد بن غصين الكناني في خيل، فقال: اذهبا حتى تدخلا الكوفة، فناديا: يا لثارات الحسين، فخرج منها خلق كثير، فنظر لما أصبح في ديوانه، فوجد الذين بايعوه على الخروج ستة عشر ألفا لم يجتمع منهم [إلا] [٣] أربعة آلاف [٤] ، فقال: أما يذكرون ما أعطونا من العهود، فقيل له: إن المختار يثبط الناس [٥] عنك، فأقام بالنخيلة ثلاثا يبعث إلى المتخلفين فيذكرهم الله ، فخرج نحو من ألف رجل، فقال له المسيب ابن نجية الفزاري: إنك لا ينفعك إلا من أخرجته النية فاكمش في أمرك [٦] . فقام فقال: والله ما نأتي غنيمة نغنمها، ولا فيئا نستفيئه، وما معنا من ذهب ولا فضة، وما هي إلا سيوفنا في عواتقنا، ورماحنا في أكفنا وزاد بمقدار البلغة إلى لقاء عدونا، فمن يرى غير هذا فلا يصحبنا.
стр. 1922
فلما عزم على المسير، قال بعض أصحابه: إن قتلة الحسين بالكوفة عمر بن سعد ورءوس القبائل، فأنى نذهب.
وقال آخرون: بل نقصد ابن زياد فهو الذي عبى الجنود إليه فإن ظهرنا عليه كان من بعده أهون شوكة، وكان عمر بن سعد في تلك الأيام لا يبيت إلا في قصر الإمارة مخافة على نفسه، وجاء عبيد الله بن يزيد والي الكوفة إلى سليمان فقال: قم حتى نبعث معك جيشا كثيفا، فلم يقم وأدلج عشية الجمعة لخمس مضين من ربيع الآخر سنة خمس وستين، ولم يزل يسير إلى أن أتى قبر الحسين ﵇، فأقام عنده يوما وليلة، فجعل أصحابه يبكون ويتمنون لو أصيبوا معه، وجعلوا يستغيثون: يا رب إنا خذلنا ابن بنت نبيك فاغفر لنا ما مضى منا وتب علينا.
ووصل كتاب عبد الله بن يزيد إلى سليمان بن صرد، وفيه: هذا كتاب ناصح محب، بلغني أنكم تسيرون بالعدد القليل إلى الجمع الكثير، وإنه من يرد أن ينقل الجبال عن مراتبها تكل معاوله، وينزع [وهو] مذموم العقل والفعل، ومتى أصابكم عدوكم طمع في من وراءكم: إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً ١٨: ٢٠ [١] . يا قوم، إن أيدينا وأيديكم واحدة، ومتى اجتمعت كلمتنا [نظهر] [٢] على عدونا.
فلما قرأ الكتاب على أصحابه، قال: ما ترون؟ قالوا: إنا قد أبينا هذا عليهم ونحن في مصرنا، فالآن حين دنونا من أرض العدو، ما هذا برأي. فساروا مجدين إلى أن وصلوا عين وردة، فأقاموا بها خمسا، فأقبل أهل الشام في عساكرهم، فقدم المسيب بن نجية فلقي أوائل القوم فأصابهم بالجراح فانهزموا فأخذوا منهم ما خف، فبلغ الخبر ابن زياد، / فبعث الحصين بن نمير مسرعا في اثني عشر ألفا، فاقتتلوا فكان الظفر لسليمان إلى أن حجز بينهم الليل فأمدهم ابن زياد بذي الكلاع في ثمانية آلاف فكثروهم، فنزل سليمان ونادى: عباد الله، من أراد البكور إلى ربه، والتوبة من ذنبه، والوفاء بعهده، فإلي، ثم كسر جفن سيفه، ونزل ناس كثير، فقاتلوا فقتلوا من أهل الشام مقتلة عظيمة.
стр. 1923
فاكتنفهم القوم ورموهم بالنبل، فقتل سليمان ثم المسيب وقتل الخلق.
فلما جن الليل ذهب فل القوم [١] تحت الليل، فأصبح الحصين فوجدهم قد ذهبوا، فلم يبعث في آثارهم أحدا، وكان قد خرج جماعة من أهل البصرة وجماعة من أهل المدائن وأهل الكوفة، فبلغهم الخبر فرجعوا إلى بلادهم، فقال المختار لأصحابه:
عدوا لغازيكم هذا أكثر من عشر، ودون الشهر، ثم يجيئكم بضرب هبر، وطعن نتر، وأن سليمان قد قضى ما عليه، وليس بصاحبكم الّذي به تنصرون، أنا قاتل الجبارين والمنتقم من الأعداء.
وفي هذه السنة أمر مروان بن الحكم أهل الشام بعقد البيعة لابنيه عبد الملك وعبد العزيز [٢]
وجعلهما وليي عهده، وكان مروان قد بعث عمرو بن سعيد بن العاص إلى مصعب بن الزبير حين وجهه أخوه عبد الله بن الزبير إلى فلسطين، فهزم ابن الزبير ورجع إلى مروان بدمشق، وبلغ مروان أن عمرا يقول: هذا الأمر لي من بعد مروان، فبايع مروان لابنيه.
وفي هذه السنة بعث مروان بعثين [٣]
أحدهما إلى المدينة عليهم حبيش بن دلجة، والآخر إلى العراق وعليهم عبيد الله بن زياد، فأما ابن زياد فإنه سار حتى نزل الجزيرة، فأتاه بها موت مروان. وخرج إليه التوابون من أهل الكوفة طالبين بدم الحسين، فجرى لهم ما سبق ذكره، وسنذكر باقي خبره/ إن شاء الله.
وأما حبيش فانتهى إلى المدينة وعليها جابر بن الأسود بن عوف بن
стр. 1924
عبد الرحمن بن عوف من قبل ابن الزبير، فهرب جابر، فبعث الحارث بن أبي ربيعة جيشا من البصرة، وكان ابن الزبير قد ولاه عليها، فانفذهم لمحاربة حبيش، فسار إليهم حبيش، وبعث ابن الزبير عباس بن سهل بن سعد على المدينة، وأمره أن يطلب حبيشا، فلحقهم بالربذة، فجاء سهم غرب فقتل حبيشا، وتحرز منهم نحو خمسمائة في المدينة، فقال [لهم] عباس: انزلوا على حكمي، فنزلوا، فضرب أعناقهم، ورجع فل حبيش إلى الشام.
وفي هذه السنة مات مروان، وقام مكانه ابنه عبد الملك [١] .
стр. 1925
باب ذكر خلافة عبد الملك بن مروان [١]
هو عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، ويكنى أبا الوليد، وأمه عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبي العاص.
ولد في سنة ست وعشرين هو ويزيد بن معاوية.
وقيل: ولد في سنة أربع وعشرين، وحمل به ستة أشهر فقط، وكان أبيض.
وقيل: كان آدم طوالا كثير الشعر كبير اللحية والعينين، مشرق الأنف، دقيق الوجه مضبب الأسنان بالذهب، كان فقيها راويا ناسكا، يدعى حمامة المسجد، شاعرا.
وقيل لابن عمر [٢] : من نسأل بعدكم، فقال: إن لمروان ابنا فقيها فسلوه.
وقال نافع: [٣] أدركت المدينة وما بها شاب أنسك، ولا أشد تشميرا، ولا أكثر صلاة، ولا أطلب للعلم من عبد الملك بن مروان.
قال مؤلف الكتاب: [٤] استعمله معاوية على المدينة وهو ابن ست عشرة سنة، وأول من سمي بعبد الملك بن عبد الملك بن مروان، وأول من سمي في الإسلام أحمد أبو الخليل بن أحمد العروضي. وعبد الملك أول/ من أمر أن يقال على المنابر: اللَّهمّ أصلح عبدك وخليفتك، فلما بويع له تغيرت أموره في باب الدين.
стр. 1926
أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي، قَالَ: أَخْبَرَنَا العتيقي، قال: أخبرنا عثمان بن محمد بن القاسم الأدمي، قال: أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا عبد الأول بن مريد، عن ابن عائشة، قال:
أفضى الأمر إلى عبد الملك والمصحف في حجره يقرأ فأطبقه، وقال: هذا آخر العهد بك [١] .
قال مؤلف الكتاب [٢] : وقد رواها ثعلب، عن ابن الزعفراني، قال: لما سلم على عبد الملك بالخلافة [٣] كان في حجره مصحف، فأطبقه، وقال: هذا فراق بيني وبينك.
أَخْبَرَنَا الْقَزَّازُ بِإِسْنَادٍ لَهُ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ الْخَالِقِ بْنِ زَيْدِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، قَالَ:
كُنْتُ أُجَالِسُ بَرِيرَةَ فَقَالَتْ: إِنَّ فِيكَ خِصَالا خَلِيق أَنْ تَلِيَ الأَمْرَ فَإِنْ وُلِّيتَهُ فَاتَّقِ الدِّمَاءَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيُدْفَعُ عَنْ بَابِ الْجَنَّةِ بَعْدَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا بِمِلْءِ مِحْجَمةٍ مِنْ دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ [٤] يُرِيقُهُ» .
وفي هذه السنة اشتدت شوكة الخوارج بالبصرة وفيها قتل نافع بن الأزرق
وذلك أن عبيد الله بن عبد الله بن معمر بعث أخاه عثمان إلى ابن الأزرق في جيش فلقيهم بموضع في الأهواز يقال له: دولاب، فاقتتلوا قتالا شديدا، وقتل نافع بن الأزرق، ثم أمرت الخوارج غيره، وجاءهم المدد وقوي القتال وقتل خلق من المؤمنين، وقدم المهلب بن أبي صفرة على تلك الحال معه عهده على خراسان من قبل ابن الزبير، فسأله المسلمون أن يلي الحرب، فأبى، فكتبوا على لسان ابن الزبير إلى المهلب أن يلي قتال الخوارج، فقال: إني لا أسير إليهم إلا أن تجعلوا لي ما غلبت عليه وتعطوني
стр. 1927
من بيت المال ما أقوى به، وانتخب من فرسان الناس/ ووجوههم من أحببت، فقال أهل البصرة: لك ذلك.
وجاءت الخوارج، فخرج إليهم فدفعهم عن البصرة، وما زال يدفعهم ويتبعهم، ثم التقوا فاقتتلوا قتالا شديدا حتى انهزم الناس إلى البصرة، فنادى المهلب: إلي عباد الله، ثم هجم على القوم، فأخذ عسكرهم وما فيه، وقتل الأزارقة قتلا عنيفا، وخرج فلهم إلى كرمان وأصبهان، وأقام المهلب بالأهواز، وكتب إلى ابن الزبير بما ضمن له، فأجاز ذلك.
وقيل: إن وقعة الأزارقة كانت سنة ست وستين.
وفي هذه السنة عزل عبد الله بن الزبير عبد الله بن يزيد عن الكوفة
وولاها عبد الله بن مطيع، ونزع عن المدينة أخاه عبيدة بن الزبير وولاها أخاه مصعب بن الزبير.
وكان له سبب عزله أخاه عبيدة بن الزبير أنه خطب فقال: قد رأيتم ما صنع بقوم في ناقة قيمتها خمسمائة درهم، فسمي مقوم الناقة [١] ، وبلغ ذلك ابن الزبير، فقال: هذا لهو التكلف.
وفي هذه السنة بنى ابن الزبير الكعبة
وأدخل الحجر فيها، وقد ذكرنا أنه نقضها في السنة التي قبل هذه السنة، فيمكن أن تكون الرواية مختلفة، ويمكن أن يكون النقض في سنة والبناء في السنة الأخرى.
وفي هذه السنة [٢] حج بالناس عبد الله بن الزبير، وكان على المدينة مصعب بن الزبير، وعلى
стр. 1928
الكوفة في آخر السنة عبد الله بن مطيع، وعلى البصرة عبد الله بن الحارث بن أبي ربيعة، وعلى قضائها هشام بن هبيرة، وعلى خراسان عبد الله بن خازم.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٤٣٠- جميل بن معمر- وقيل ابن عبد الله- بن معمر بن الحارث بن ظبيان: [١]
رأى بثينة وهو صبي صغير فهويها، وهما من بني عذرة وتكنى/ بثينة: أم عبد الملك- فلما كبر خطبها فرد عنها فقال فيها الشعر، وكان يزورها وتزوره، ومنزلهما وادي القرى، فجمع أهلها له جمعا ليأخذوه، فأخبرته [٢] بثينة [فاختفى] [٣] وهجا قومها فاستعدوا عليه مروان بن الحكم [وهو] [٣] يومئذ على المدينة من قبل معاوية، فنذر ليقطعن لسانه، فلحق بخذام فأقام هناك إلى أن عزل مروان.
أخبرتنا شهدة بنت أحمد الكاتبة، قالت: أَخْبَرَنَا جعفر بْن أحمد بْن السراج، قَالَ:
كنت مارا بين تيماء ووادي القرى مبادرا من مكة فرأيت صخرة عظيمة ملساء فيها تربيع بقدر ما يجلس عليها النفر [٤] كالدكة، فقال بعض من كان معنا من العرب، وأظنه جهنيا: هذا مجلس جميل وبثينة فاعرفه.
ومن أشعاره المستحسنة فيها قوله:
حلت بثينة من قلبي بمنزلة ... بين الجوانح لم ينزل به أحد
صادت [٥] فؤادي بعينيها ومبسمها ... كأنه حين تبديه لنا برد
وعاذلين لحوني في محبتها ... يا ليتهم وجدوا مثل الّذي أجد
стр. 1929
لما أطالوا عتابي فيك قلت لهم ... لا تفرطوا بعض هذا اللوم واقتصدوا
قد مات قبلي أخو نهد وصاحبه ... من قيس ثم اشتفى من عروة الكمد
وكلهم كان في عشق منيته ... وقد وجدت بها فوق [١] الذي وجدوا
إني لأحسبه أو كدت أعلمه ... أن سوف يوردني الحوض الذي وردوا
إن لم ينلني بمعروف يجود به ... أو يدفع الله عني الواحد الصمد
وقال أيضا [٢] :
لحى الله من لا ينفع الود عنده ... ومن حبله إن مد غير متين
ومن هو إن تحدث له العين نظرة ... يقطع لها أسباب كل قرين
ومن هو ذو لونين ليس بدائم ... على خلق خوان كل يمين
فليت رجالا فيك قد نذروا دمي ... وهموا بقتلي يا بثين لقوني
/ إذا ما رأوني طالعا من ثنية ... يقولون من هذا وقد عرفوني
يقولون لي أهلا وسهلا ومرحبا ... ولو ظفروا بي ساعة قتلوني
وكيف ولا توفي دماؤهم دمي ... ولا مالهم مالي إذا [٣] فقدوني
وقال أيضا:
فيا ويح نفسي حسب نفسي الذي بها ... ويا ويح أهلي ما أصيب به أهلي
فلو تركت عقلي معي ما طلبتها ... ولكن طلابيها لما فات من عقلي
خليلي فيما عشتما هل رأيتما ... قتيلا بكى من حب قاتله قبلي
أَخْبَرَنَا المبارك بْن عَلي الصيرفي، قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد بن علي العلاف، قال:
حدثنا عبد الملك بن بشران، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم الكندي، قال: حدثنا محمد بن جعفر الخرائطي، قال: حدثنا الحسن بن علي، قال: حدثنا المثنى بن سعد الجعفي، قال:
стр. 1930
بلغني أن كثير عزة لقي جميلا [١] ، فقال له: متى عهدك ببثينة؟ قال: ما لي بها عهد منذ عام أول وهي تغسل ثوبا بوادي الدوم، فقال كثير: أتحب أن أعدها لك الليلة؟
قال: نعم، فأقبل راجعا إلى بثينة، فقال له أبوها: يا فلان ما ردك؟ أما كنت عندنا قبيل؟
قال: بلى، ولكن حضرت أبيات قلتها في عزة، قال: وما هي؟ فقال:
فقلت لها يا عز أرسل صاحبي ... على باب داري والرسول موكل
أما تذكرين العهد يوم لقيتكم ... بأسفل وادي الدوم والثوب يغسل
فقالت بثينة: اخسأ، فقال أبوها: ما هاجك، قالت: كلب لا يزال يأتينا من وراء هذا الجبل بالليل وأنصاف النهار.
قال: فرجع إليه فقال: قد وعدتك وراء هذا الجبل بالليل وأنصاف النهار، فالقها إذا شئت.
وحكى أبو محمد بن قتيبة عن بعض الناس أنه قال: خرجت من تيماء فرأيت عجوزا على أتان، فقلت: ممن أنت؟ فقالت: من عذرة، قلت: هل تروين عن بثينة وجميل شيئا؟ فقالت: والله/ إني لعلى ماء من الجناب [٢] وقد اعتزلنا الطريق وقد خرج رجالنا في سفر وخلفوا عندنا غلمانا أحداثا، وقد انحدرا لغلمان عشية إلى صرم [٣] قريب منا يتحدثون إلى جوار منهم، وقد بقيت أنا وبثينة نستبرم غزلا لنا إذ انحدر علينا منحدر من هضبة حذاءنا، فسلم ونحن مستوحشون، فرددت السلام ونظرت فإذا رجل واقف شبهته بجميل، ودنا فأتيته فقلت: جميل، قال: أي والله، قلت: عرضتنا ونفسك للشر، فما جاء بك؟ قال: هذه الغول التي من ورائك، وأشار إلى بثينة، فإذا هو لا يتماسك، فقمت إلى قعب فيه أقط مطحون وتمر، وإلى عكة فيها سمن فعصرته على الأقط وأدنيته منه، فقلت: أصب من هذا، ففعل وقمت إلى سقاء فيه لبن، فصببت له في قدح، وشننت [٤] عليه من الماء فشرب وتراجع، فقلت: لقد جهدت فما أمرك؟ قال: أردت