← История

История · id 12406

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم

ابن الجوزي

Полный текст (6 790 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

ثم دخلت سنة إحدى وسبعين فمن الحوادث فيها مسير عبد الملك بن مروان إلى العراق لحرب ابن الزبير [١] وكان عبد الملك لا يزال يقرب من مصعب، ويخرج مصعب، ثم تهجم الشتاء فيرجع كل واحد منهما إلى موضعه، ثم يعودان. ثم إن عبد الملك خرج من الشام يريد مصعبا من سنة سبعين ومعه خالد بن عبد الله، فقال له خالد: إن وجهتني إلى البصرة وأتبعتني خيلا يسيرة رجوت أن أغلبك عليها، فوجهه عبد الملك، فقدمها مستخفيا في مواليه وخاصته حتى نزل على عمرو بن أصمع الباهلي، فأجاره وأرسل إلى عباد بن الحصين- وكان على شرطة ابن معمر، وكان مصعب إذا شخص عن البصرة استخلف عبيد الله بن عبد الله بن معمر- ورجا عمرو بن أصمع أن يتابعه عباد، فقال له: إني قد أجرت خالدا، وأحببت أن تعلم ذلك لتكون لي ظهرا، فوافاه رسوله حين نزل عن فرسه، فقال له عباد: قل له: والله لا أضع لبد فرسي حتى آتيك في الخيل، فقال عمرو لخالد: إني لا أغرك، هذا عباد يأتينا الساعة، ولا والله ما أقدر على منعك، ولكن عليك بمالك بن مسمع. فخرج يركض، عليه قميص قوهي قد حسره عن فخذيه، وأخرج رجليه من الركابين حتى أتى مالك، فقال: إني قد اضطررت إليك فأجرني، قال: نعم. ووجه مصعب زحر بن قيس [٢] مددا لابن معمر في ألف، ووجه عبد الملك عبد الله بن

стр. 1997

زياد بن ظبيان مددا لخالد، فلما وصل علم تفرق الناس فلحق بعبد الملك ودافع مالك بن مسمع عن خالد، وكانت تجري مناوشات وقتال، وأصيبت عين مالك بن مسمع فضجر من الحرب، ومشت السفراء بينهم، [فصولح مالك] [١] على أن يخرج خالد وهو آمن، فأخرجه من البصرة. فصل ولما/ جد عبد الملك في قتال [٢] مصعب قيل له: لو بعثت غيرك، فقال: إنه لا يقوم بهذا الأمر إلا قرشي له رأي، ولعلي أبعث من له شجاعة، ولا رأي له، وأني أجد في نفسي أني بصير بالحرب، شجاع بالسيف إن ألجأت إلى ذلك، ومصعب شجاع ولا علم له بالحرب، ومن معه يخالفه، ومن معي ينصح لي. أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا عبد المحسن بن محمد، قَالَ: أخبرنا عبد الكريم بن محمد المحاملي، قال: أخبرنا الدار الدَّارَقُطْنِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّد بْن سَالِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيد عَبْدُ اللَّهِ بن شبيب، قال: حدثنا الزبير، قال: حدثني عمر بن أبي بكر القرشي، عن عبد الله بن أبي عبيدة، قال: لما أراد عبد الملك الخروج إلى مصعب أتته امرأته عاتكة بنت يزيد فبكت وبكى جواريها، فجلس ثم قال: قاتل الله ابن أبي جمعة حيث يقول: إذا ما أراد الغزو لم يثن همه ... حصان عليها نظم در يزينها نهته فلما لم تر النهي عاقه ... بكت وبكى مما عناها قطينها وسار عبد الملك حتى نزل بمسكن، وكتب إلى شيعته من أهل العراق، ثم جاء مصعب، فلما تراءى العسكران تقاعس بمصعب أصحابه [٣] ، فقال لابنه عثمان: يا بني، اركب إلى عمك أنت ومن معك فأخبره بما صنع أهل العراق، ودعني فإني مقتول، فقال ابنه: الحق بالبصرة أو بأمير المؤمنين، فقال: والله لا تتحدث قريش أني فررت ولكن أقاتل، فإن قتلت فلعمري ما السيف بعار، وما الفرار لي بعادة.

стр. 1998

فأرسل إليه عبد الملك بأخيه محمد بن مروان يقول له: إن ابن عمك يعطيك الأمان، فقال مصعب: إن مثلي لا ينصرف عن مثل هذا الموقف إلا غالبا أو مغلوبا. فأثخن مصعب بالرمي، ثم شد عليه زائدة بن قدامة فطعنه وقال: يا لثارات المختار، ونزل إليه عبيد الله بن زياد بن ظبيان فاحتز رأسه، / وقال: إنه قتل أخي، فأتى به عبد الملك فأثابه ألف دينار، فأبى أن يأخذها وقال: إنما قتلته على وتر صنعه [١] بي، فلا آخذ في حمل رأس مالا. وكان قتل مصعب على نهر يقال له الدجيل، ثم دعا عبد الملك أهل العراق [٢] فبايعوه. وفي هذه السنة دخل عبد الملك الكوفة [٣] ففرق أعمال العراق على عماله، هذا قول الواقدي. وقال المدائني: كان ذلك في سنة اثنتين وسبعين. ولما أتى الكوفة نزل بالنخيلة، ودعا الناس إلى البيعة، ثم ولى قطن بن عبد الله الحارثي الكوفة أربعين يوما ثم عزله، ثم ولى بشر بن مروان، وصعد المنبر فخطب فقال: إن عبد الله بن الزبير لو كان خليفة كما يزعم لخرج فآسى بنفسه ولم يغرز بذنبه [٤] في الحرم، وإني قد استعملت عليكم بشر بن مروان وأمرته بالإحسان إلى أهل الطاعة، والشدة على أهل المعصية، فاسمعوا له وأطيعوا. واستعمل محمد بن عمير على همذان، ويزيد بن رويم على الري، وفرق العمال، وصنع طعاما كثيرا وأمر به إلى الخورنق، وأذن إذنا عاما فأكلوا، فقال: ما ألذ عيشنا لو أن شيئا يدوم، ولكن كما قال الأول:

стр. 1999

وكل جديد يا أميم إلى بلى ... وكل امرئ يوما يصير إلى كان ثم أتى مجلسه فاستلقى وقال: اعمل على مهل فإنك ميت ... واكدح لنفسك أيها الإنسان فكأن ما قد كان لم يك إذ مضى ... وكأن ما هو كائن قد كان وفي هذه السنة بعث عبد الملك خالد بن عبد الله على البصرة واليا، ووجه خالد عبد الله بن أبي بكرة خليفة له على البصرة، ورجع عبد الملك إلى الشام. وفيها: افتتح قيسارية. وفيها: نزع ابن الزبير جابر بن الأسود بن عوف عن المدينة، واستعمل عليها طلحة/ بن عبيد الله بن عوف، وهو آخر وال لابن الزبير على المدينة، ثم قدم طارق بن عمرو مولى عثمان، فهرب طلحة وأقام طارق. وفيها: قام عبد الله بن الزبير بمكة حين بلغه قتل أخيه مصعب، وقال: الحمد للَّه الذي له الخلق والأمر، إنه قد أتانا من العراق خبر أحزننا، وأفرحنا، [أتانا] [١] قتل مصعب ﵀، فأما الذي أفرحنا أن قتله شهادة، وأما الذي أحزننا فإن الفراق للحميم لوعة يجدها حميمه عند المصيبة، ألا إن أهل العراق أهل الغدر والنفاق أسلموه وباعوه بأقل الثمن، فلا والله ما نموت على مضاجعنا كما تموت بنو أبي العاص، والله ما قتل منهم رجل في زحف في الجاهلية ولا الإسلام، وما نموت إلا قعصا [٢] بالرماح، وموتا نحت ظلال السيوف. وفيها: حج بالناس عبد الله بن الزبير بن العوام.

стр. 2000

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٤٤٩- مصعب بن الزبير بن العوام بن خويلد بن عبد الله [١] : وأمه الرباب بنت أنيف الكلبية. كان من أحسن الناس وجها، وأشجعهم قلبا، وأجودهم كفا. ولما دعي لأخيه عبد الله بن الزبير بالخلافة ولى [أخاه مصعبا] [٢] إمارة العراق، فلم يزل على ولايته إلى أن سار إليه عبد الملك بن مروان، فحاربه فقتل. وكان الذي تولى قتله عبيد الله بن زياد بن ظبيان على دجيل عند نهر الجاثليق [٣] واحتز رأسه وحمله إلى عبد الملك، فسجد عبد الملك وقال: واروه فلقد كان من أحب الناس إلي وأشدهم لي لقاء ومودة، ولكن الملك عقيم. فقتل في هذه السنة. وقال المدائني: قتل يوم الثلاثاء [لثلاث] [٤] عشرة خلت من جمادى الأولى، / أو الآخرة. وكتب إلى زوجته سكينة بنت الحسين ﵁ بعد خروجه من الكوفة بليال: وكان عزيزا إن أبيت وبيننا ... حجاب فقد أصبحت مني على عشر وأبكاهما للعين والله فاعلمي ... إذا ازددت مثليها فصرت على شهر وأبكى لقلبي منهما اليوم أنني ... أخاف بأن لا نلتقي آخر الدهر وقال الماجشون [٥] : دخل مصعب على سكينة يوم قتل، فنزع ثيابه، ولبس غلالة، وتوشح بثوب، وأخذ سيفه، فعلمت سكينة أنه لا يريد أن يرجع، فصاحت: وا حزناه عليك يا مصعب، فالتفت إليها وقد كانت تخفي ما في قلبها عنه، فقال: أوكل

стр. 2001

هذا لي في قلبك؟ قالت: وما أخفي أكثر، فقال: لو كنت أعلم هذا كانت لي ولك حال، ثم خرج فلم يرجع. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا [أحمد بن] [١] علي بن ثابت، قال: أخبرنا عبد الكريم بن محمد الضبي [٢] ، قال: أخبرنا علي بن عمر الحافظ، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن مسلم قال: حدثنا أبو سعيد عبد الله بن شبيب، قال: حدثنا أبو محلم، قال [٣] : لما قتل مصعب بن الزبير خرجت سكينة تطلبه في القتلى، فعرفته بشامة في خده، فأكبت عليه وقالت: يرحمك الله، نعم والله خليل المسلمة كنت، أدركك والله ما قال عنترة: وحليل غانية تركت مجدلا ... بالقاع لم يعهد ولم يتكلم فهتكت بالرمح الطويل إهابه ... ليس الكريم على القنا بمحرم أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الأزهري، قال: أخبرنا محمد بن العباس، قال: حدثنا محمد بن خلف بن المرزبان، قال: أخبرنا أبو علي السجستاني، قال: حدثني عبد الله بن سلمويه، قال: أسر مصعب بن الزبير رجلا فأمر بضرب/ عنقه، فقال: أصلح الله الأمير، ما أقبح بمثلي أن يقوم يوم القيامة [فأتعلق] بأطرافك الحسنة، وبوجهك الذي يستضاء به، فأقول: يا رب سل مصعبا فيم قتلني؟ فقال: يا غلام، أعف عنه، فقال: أصلح الله الأمير، إن رأيت أن تجعل ما وهبت لي من حياتي في عيش رخي، قال: يا غلام، أعطه مائة ألف، فقال: أيها الأمير، فإني أشهد الله وأشهدك أني قد جعلت لابن قيس الرقيات منها خمسين ألفا، فقال له: ولم؟ قال: لقوله فيك: [٤]

стр. 2002

إنما مصعب شهاب من الله ... تجلت عن وجهه الظلماء أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر بن ثابت، قال: أنبأنا علي بن أبي علي، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن المخلص، وأحمد بن عبد الله الدوري، قالا: حدثنا أحمد بن سليمان الطوسي، قال: حدثنا الزبير، قال: حدثنا محمد بن الحسن، عن زافر [١] بن قتيبة، عن الكلبي، قال: قال عبد الملك بن مروان يوما لجلسائه: من أشجع العرب؟ فقالوا: شبيب بن قطري [٢] ، وفلان وفلان، فقال: إن أشجع العرب لرجل جمع بين سكينة بنت الحسين، وعائشة بنت طلحة، وأمة الحميد بنت عبد الله بن عامر بن كريز، وابنة رباب بن أنيف الكلبي [سيد ضاحية العرب] [٣] وولي العراق خمس سنين، فأصاب ألف ألف، وألف ألف، وألف ألف، وأعطي الأمان فأبى ومشى بسيفه حتى مات، ذاك مصعب بن الزبير، لا من قطع الجسور مرة هاهنا ومرة ها هنا [٤] . قال المدائني: قتل يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من جمادى الأولى أو الآخرة سنة إحدى وسبعين، وهو ابن خمس وأربعين، وقيل: خمس وثلاثين. ومن العجائب: قول عبد الملك بن عمير الليثي: رأيت في قصر الإمارة بالكوفة رأس الحسين ﵁ بين يدي عبيد الله بن زياد، ثم رأيت رأس ابن زياد بين يدي المختار، ثم رأيت رأس المختار/ بين يدي مصعب بن الزبير، ثم رأيت رأس مصعب بين يدي عبد الملك بن مروان.

стр. 2003

ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين فمن الحوادث فيها ما كان من أمر الخوارج والمهلب [١] . قال علماء السير: اقتتلت الأزارقة والمهلب بسولاف ثمانية أشهر أشد القتال، فأتاهم قتل مصعب بن الزبير، فبلغ ذلك إلى الأزارقة قبل المهلب، فنادت الخوارج لعسكر المهلب: ما قولكم في مصعب؟ فقالوا: إمام هدى، قالوا: فما قولكم في عبد الملك؟ قالوا: نحن براء منه، قالوا: فإن مصعب قد قتل، وستجعلون غدا عبد الملك إمامكم. فلما كان من الغد بلغ المهلب الخبر، فبايع لعبد الملك، فقالت الخوارج: يا أعداء الله، أنتم أمس تتبرءون منه وهو اليوم إمامكم. وكان عبد الملك قد ولى على البصرة خالد بن عبد الله، فبعث خالد المهلب على خراج الأهواز، وبعث أخاه عبد العزيز على قتال الأزارقة، فهزم وأخذت زوجته بنت المنذر بن الجارود، فأقيمت فيمن يزيد، فبلغت مائة ألف، وكانت جميلة، فغار رجل من قومها كان من رءوس الخوارج، فقال: تنحوا، ما أرى هذه المشركة إلا قد فتنتكم، فضرب عنقها. وكتب خالد إلى عبد الملك يخبره بما جرى، فكتب إليه [٢] : قبح الله رأيك حين

стр. 2004

تبعث أخاك [١] أعرابيا من أهل مكة [٢] على القتال وتدع المهلب يجبي الخراج وهو البصير بالحرب، فإذا أمنت عدوك فلا تعمل فيهم برأي حتى يحضر المهلب وتستشيره فيه. وكتب عبد الملك إلى بشر بن مروان [٣] : أما بعد، فإني قد كتبت إلى خالد بن عبد الله آمره بالنهوض إلى الخوارج، فسرح إليه خمسة آلاف رجل، وابعث عليهم رجلا ترضاه، فإذا قضوا غزاتهم تلك صرفتهم إلى الري فقاتلوا عدوهم. فقطع على الكوفة خمسة آلاف، وبعث عليهم عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وقال: إذا قضيت غزاتك هذه فانصرف إلى/ الري، وخرج خالد بأهل البصرة حتى قدم الأهواز، فقال له المهلب: إني أرى ها هنا سفنا كثيرة، فضمها إليك، فو الله ما أرى القوم إلا محرقيها، فما لبث إلا ساعة حتى أقبلت خيل من خيلهم فحرقتها. وبعث خالد المهلب على ميمنته، وداود بن قحذم على ميسرته، ومر المهلب على عبد الرحمن بن محمد ولم يخندق، فقال له: يا ابن أخي ما يمنعك من الخندق، فقال: والله لهم أهون علي من ضرطة الحمار [٤] ، قال: فلا يهونوا عليك فإنهم سباع العرب، لا أبرح أو تضرب عليك خندقا. فأقاموا [٥] نحو عشرين ليلة، ثم إن خالدا زحف إليهم بالناس، فرأوا عددا هائلا، فولوا وأخذ المسلمون ما في عسكرهم، واتبعهم خالد وداود في جيش من أهل البصرة يقتلونهم، وانصرف عبد الرحمن إلى الري، وأقام المهلب بالأهواز، وكتب خالد إلى عبد الملك يخبره بأن المارقين انهزموا وتبعهم فقتل من قتل منهم، وقد تبعهم داود بن قحذم. [٦] فكتب عبد الملك إلى بشر بن مروان: أما بعد فابعث من قبلك رجلا شجاعا

стр. 2005

بصيرا بالحرب في أربعة آلاف فليسيروا إلى فارس في طلب المارقة، فإن خالدا كتب يخبرني أنه قد بعث في طلبهم داود بن قحذم، فمر صاحبك الذي تبعث أن لا يخالف ابن قحذم إذا التقيا. فبعث بشر عتاب بن ورقاء على أربعة آلاف من أهل الكوفة، فخرجوا فالتقوا بداود فتبعوا القوم إلى أن نفقت [١] عامة خيولهم، ورجعوا إلى الأهواز. وفي هذه السنة خرج أبو فديك الخارجي فغلب على البحرين [٢] فبعث خالد بن عبد الله أخاه أمية بن عبد الله بجند، فهزمهم أبو فديك، فرجع أمية إلى البصرة. وفي هذه السنة وجه عبد الملك الحجاج بن يوسف إلى مكة لقتال ابن الزبير [٣] وكان السبب في توجيهه الحجاج دون غيره، أن عبد الملك لما أراد الرجوع إلى الشام قام إليه الحجاج بن يوسف فقال: يا أمير المؤمنين، / إني رأيت في منامي أني أخذت عبد الله بن الزبير فسلخته، فابعثني إليه وولني قتاله. فبعثه فخرج في ألفين من أهل الشام في جمادى سنة اثنتين وسبعين فلم يعرض للمدينة، فسار حتى نزل الطائف، فكان قدومه الطائف في شعبان، وقد كتب عبد الملك لأهل مكة الأمان إن دخلوا في طاعته، وكان الحجاج يبعث البعوث إلى عرفة في الخيل، ويبعث ابن الزبير بعثا فيقتتلون هناك، وفي كل ذلك تهزم خيل ابن الزبير ويرجع الحجاج بالظفر. ثم كتب الحجاج إلى عبد الملك يستأذنه في حصار ابن الزبير ودخول الحرم عليه، ويخبره أن شوكته قد قلت، وقد تفرق عنه عامة أصحابه ويسأله أن يمده برجال. فكتب عبد الملك إلى طارق بن عمرو يأمره أن يلحق بمن معه من الجند

стр. 2006

بالحجاج، فسار في خمسة آلاف من أصحابه حتى لحق بالحجاج، فلما دخل شهر ذي القعدة رحل الحجاج من الطائف حتى نزل بئر ميمون، وحصر ابن الزبير لهلال ذي القعدة. وكان قدوم طارق مكة لهلال ذي الحجة، ولم يطف بالبيت ولم يصل إليه وهو محرم، وكان يلبس الحجاج السلاح، ولا يقرب النساء ولا الطيب إلى أن قتل ابن الزبير. ونحر ابن الزبير بدنا بمكة يوم النحر، ولم يحج ذلك العام ولا أصحابه لأنهم لم يقفوا بعرفة، ونحر أصحاب الحجاج وطارق فيما بين الحجون إلى بئر ميمون. وحج الحجاج بالناس ولم يطف بالبيت، وكان العامل على المدينة طارق مولى عثمان من قبل عبد الملك، وعلى الكوفة بشر بن مروان، وعلى قضائها عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعلى البصرة خالد بن عبد الله، وعلى قضائها هشام بن هبيرة. ذكر قصة جرت لطارق بن عمرو مع سعيد بن المسيب أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أنبأنا علي بْنُ أَحْمَدَ السَّرِيُّ [١] ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْن بطة العكبري، قال: حدثني أبو صالح مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ/ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَلاءِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ﵄، قَالَ: وَلَّى عَلَيْنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ طَارِقًا مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁. قال عليّ: فمشيت إِلَى سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَإِلَى الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَإِلَى أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحَمْنِ بْنِ عَوْفٍ، فَقُلْتُ: اذْهَبُوا بِنَا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ نسلم عليه ندفع بذلك عن أنفسنا. قال: فَأَتَيْنَاهُ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَأَجْلَسَنَا عِنْدَهُ، ثُمّ قَالَ لَنَا: أَيُّكُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ؟ قَالَ: فَكَلَّمَهُ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ لَهُ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ، إِنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ قَدْ رَفَعَتْ عَنْهُ الولاة إتيانها، وَقَدْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ الْمَسْجِدَ، فَلَيْسَ يَبْرَحُ مِنْهُ، قَالَ: رَغِبَ أَنْ يَأْتِيَنِي، وَاللَّهِ لأَقْتُلَنَّهُ، وَاللَّهِ لأَقْتُلَنَّهُ، وَاللَّهِ لأَقْتُلَنَّهُ- ثَلاثًا- قَالَ الْقَاسِمُ: فَضَاقَ بِنَا الْمَجْلِسُ حَتَّى قُمْنَا، فَجِئْتُ الْمَسْجِدَ فَتَطَلَّعْتُ فيه فإذا سعيد بن المسيب عند

стр. 2007

أُسْطُوَانَتِهِ جَالِسٌ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا كَانَ وَقُلْتُ لَهُ: أَرَى لَكَ أَنْ تَخْرُجَ السَّاعَةَ إِلَى مَكَّةَ فَتَعْتَمِرُ وَتُقِيمُ بِهَا، قَالَ: مَا حَضَرَتْنِي فِي ذَلِكَ نِيَّةٌ، وَإِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إليّ ما نويت، فقلت له: فإنّي أَرَى أَنْ تَخْرُجَ إِلَى بَعْضِ مَنَازِلِ إِخْوَانِكَ فَتُقِيمَ فِيهِ حَتَّى نَنْظُرَ مَا يَكُونُ مِنَ الرَّجُلِ، قَالَ: فَكَيْفَ أَصْنَعُ بِهَذَا الدَّاعِي الَّذِي يَدْعُونِي فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، وَاللَّهِ لا دَعَانِي إِلا أَجَبْتُهُ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ، قُلْتُ لَهُ: فَإِنِّي أَرَى أَنْ تَقُومَ مِنْ مَجْلِسِكَ هَذَا فَتَجْلِسَ إِلَى بَعْضِ هَذِهِ الأَسَاطِينِ فَإِنَّكَ إِنْ طَلَبْتَ فَإِنَّمَا تَطْلُبُ عِنْدَ أُسْطُوَانَتِكَ. قَالَ: وَلِمَ أَقُومُ مِنْ مَوْضِعِي هَذَا الَّذِي قَدْ آتَانِيَ اللَّهُ فِيهِ الْعَافِيَةَ مِنْ كَذَا وَكَذَا سَنَةٍ، [قُلْتُ لَهُ: رَحِمَكَ اللَّهُ، أَمَا تَخَافُ عَلَى نَفْسِكَ كَمَا يَخَافُ النَّاسُ؟ فَقَالَ لِي] [١] : وَاللَّهِ لا أَحْلِفُ باللَّه كَاذِبًا مَا خِفْتُ شَيْئًا سِوَاهُ، قُلْتُ لَهُ: فَبِمَاذَا أَقُومُ مِنْ عِنْدِكَ رَحِمَكَ اللَّهُ، فَقَدْ غَمَمْتَنِي، فَقَالَ: تَقُومُ بِخَيْرٍ، أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يُنْسِيَهُ ذِكْرِي. قَالَ: فَانْصَرَفْتُ مِنْ عِنْدِهِ فَجَعَلْتُ أَسْأَلُ فَرَطَ الأَيَّامِ [هَلْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ خَبَرٌ؟] فَلا أُخْبَرُ إِلا بِخَيْرٍ. قَالَ: فَأَقَامَ عَلَيْنَا وَالِيًا سَنَةً لا يَذْكُرُهُ وَلا يَخْطُرُ بِبَالِهِ حَتَّى إِذَا عزل وصار بوادي القرى مِنَ الْمَدِينَةِ/ عَلَى خَمْسِ مَرَاحِلَ، قَالَ لِغُلامِهِ وهو يوضئه: ويحك أمسك، وا سوءتاه مِنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَمِنَ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَمِنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَلَفْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ثَلاثَةَ أَيْمَانٍ لأَقْتُلَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، وَاللَّهِ مَا ذَكَرْتُهُ إِلا فِي سَاعَتِي هَذِهِ، فقال له غلامه، يا مولاي تأذن لِي أَنْ أُكَلِّمَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا أَرَادَ اللَّهُ لَكَ خَيْرًا مِمَّا أَرَدْتَ لِنَفْسِكَ إِذْ أَنْسَاكَ ذِكْرَهُ. فَقَالَ لَهُ: اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ. وفي هذه السنة كتب عبد الملك إلى عبد الله بن خازم السلمي يدعوه إلى بيعته [٢] ويطعمه [٣] خراسان سبع سنين، فقال للرسول: لولا أن أضرب بيني وبين بني

стр. 2008

سليم وبني عامر لقتلتك، ولكن كل هذه الصحيفة فأكلها. وكتب عبد الملك إلى بكير بن وشاح، وكان خليفة ابن خازم على مرو وعلى خراسان، فوعده ومناه فخلع بكير عبد الله بن الزبير، ودعا إلى عبد الملك فأجابه أهل مرو، وبلغ ابن خازم فخاف أن يأتيه بكير بن وشاح بأهل مرو، فبرز له فاقتتلوا، فقتل ابن خازم وبعث برأسه إلى عبد الملك. وبعضهم يزعم أنه إنما كتب عبد الملك إلى ابن خازم بعد قتل ابن الزبير، ونفذ رأس ابن الزبير إليه، فحلف ابن خازم أن لا يعطيه طاعة أبدا، ودعى بطست فغسل الرأس وحنطه وكفنه وصلى عليه، وبعث به إلى أهل ابن الزبير بالمدينة، وأطعم الرسول الكتاب. وقيل: بل قطع يديه ورجليه وضرب عنقه. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٤٥٠- عبيدة السلماني المرادي الهمداني، ويكنى أبا مسلم، ويقال: أبا عمرو [١] : أسلم قبل وفاة رسول الله ﷺ بسنتين. وسمع من عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن الزبير، ونزل الكوفة. وروى عنه الشعبي، والنخعي. وحضر مع علي ﵁ وقعه [الخوارج] [٢] بالنهروان، / وكان يوازي شريحا في القضاء، فإذا أشكل على شريح شيء دلهم عليه، وأتاه غلامان بلوحين [فيهما كتاب] [٣] يتخايران، فقال: إنه حكم، وأبى.

стр. 2009

وكان من أصحاب عبد الله الذين يقرئون ويفتون [١] . قال ابن سيرين: ما رأيت رجلا كان أشد توقيا من عبيدة. قال: وأدركت الكوفة. وبها أربعة ممن يعد بالفقه، فمن بدأ بالحارث [بن قيس] [٢] ثنى بعبيدة، ومن بدأ بعبيدة ثنى بالحارث، ثم علقمة، وشريح الرابع. [توفي في هذه السنة] [٣] .

стр. 2010

ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين فمن الحوادث فيها مقتل عبد الله بن الزبير [١] قد ذكرنا أن ابن الزبير حصر لهلال ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين، وما زال الحجاج يحصره ثمانية أشهر وسبع عشرة ليلة. وكانوا يضربونه بالمنجنيق. قال يوسف بن ماهك: رأيت المنجنيق يرمى به فرعدت السماء وبرقت وعلا صوت كالرعد، فأعظم ذلك أهل الشام فأمسكوا أيديهم، فرفع الحجاج حجر المنجنيق فوضعه ثم قال: ارموا، ثمّ رمى معهم، ثم جاءت صاعقة تتبعها أخرى، فقتلت من أصحابه اثني عشر رجلا، فانكسر أهل الشام، فقال الحجاج: لا تنكروا هذا فإني ابن تهامة، هذه صواعق تهامة، هذا الفتح قد حضر، فصعقت من الغد صاعقة، فأصيب من أصحاب ابن الزبير عشرة، فقال الحجاج: ألا ترون أنهم يصابون. أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أخبرنا عمر بن عبيد الله البقال، قال: أخبرنا أبو الحسين بن بشران، قال: أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق، قال حدثنا حنبل بن إسحاق، قال: أخبرنا الحميدي، قال: حدثنا سفيان، قال: كانوا يرمون المنجنيق من أبي قبيس ويرتجزون. خطارة مثل الفنيق المزبد [٢] ... أرمي بها أعواد هذا المسجد

стр. 2011

/ قال: فجاءت صاعقة فأحرقتهم، فامتنع الناس من الرمي فخطبهم الحجاج فقال: ألم تعلموا أن بني إسرائيل كانوا إذا قربوا قربانا فجاءت نار فأكلته [١] علموا أنه قد تقبل منهم، وإن لم تأكله [٢] قالوا لم تقبل، فما زال يخدعهم حتى عادوا فرموا. قال علماء السير [٣] : فلم تزل الحرب إلى قبيل مقتل ابن الزبير، فتفرق عامة أصحابه وخذلوه، وخرج عامة أهل مكة إلى الحجاج في الأمان حتى ذكر [أن] [٤] ولديه حمزة وحبيب أخذوا لأنفسهما أمانا، فدخل عبد الله بن الزبير على أمه أسماء حين رأى من الناس ما رأى من الخذلان، فقال لها: خذلتني الناس حتى ولدي وأهلي، فلم يبق معي إلا من ليس عنده من الدفع أكثر من ساعة والقوم يعطونني ما أردت من الدنيا، فما رأيك؟ فقالت: أنت والله يا بني أعلم بنفسك، إن كنت تعلم أنك على حق وإليه تدعو فامض له، وقد قتل عليك أصحابك، ولا تمكن من رقبتك فينقلب [٥] بها غلمان بني أمية، وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت، أهلكت نفسك وأهلكت من قتل معك. وإن قلت: كنت على الحق فلما وهن أصحابك ضعفت، فليس هذا فعل الأحرار ولا أهل الدين، وكم خلودك في الدنيا! القتل [القتل] أحسن. فدنا ابن الزبير فقبل رأسها وقال: هذا والله رأيي، والذي قمت به ما ركنت إلى الدنيا ولا أحببت الحياة فيها، وما دعاني إلى الخروج إلا الغضب للَّه أن تستحل حرمته، ولكنني أحببت أن أعلم رأيك في مثل ذلك، فانظري يا أمي فإني مقتول في يومي [٦] هذا، فلا يشتد حزنك، وسلمي الأمر للَّه، فإن ابنك لم يتعمد إتيان منكر، ولا عمدا بفاحشة، ولم يجر في حكم الله ، ولم يتعمد ظلم مسلم ولا معاهد، ولم يبلغني ظلم عن عمالي فرضيت به بل أنكرته، ولم يكن شيء آثر عندي من رضا

стр. 2012

ربي ، اللَّهمّ إني لا أقول هذا تزكية [مني لنفسي] ، أنت أعلم/ بي، ولكن أقوله تعزية لأمي لتسلو عني. فقالت: إني لأرجو من الله [١] أن يكون عزائي فيك حسنا إن تقدمتني، أخرج حتى أنظر ما يصير أمرك، فقال: جزاك الله يا أماه خيرا، ولا تدعي الدعاء لي قبل وبعد. فقالت: لا أدعه أبدا، فمن قتل على باطل فقد قتلت على حق. ثم قالت: اللَّهمّ ارحم طول ذلك القيام في الليل الطويل، وذلك النحيب في الظلماء [٢] ، وذلك الصوم في هواجر المدينة ومكة، وبره بأبيه وبي، اللَّهمّ إني قد أسلمته لأمرك فيه ورضيت بما قضيت فأثبني في عبد الله ثواب الصابرين الشاكرين. وفي رواية أخرى: أنه دخل عليها وعليه الدرع والمغفر، فوقف فسلم ثم دنا فتناول يدها فقبلها، فقالت: هذا وداع فلا تقعد [٣] ، فقال: جئت مودعا، إني لأرى هذا آخر أيامي من الدنيا، واعلمي يا أماه أني إن قتلت فإنما أنا لحم لا يضرني ما صنع بي، قالت: صدقت يا بني، أتمم على نصرتك، ولا تمكن ابن أبي عقيل منك، ادن مني أودعك. فدنا منها فودعها وقبلها وعانقها، وقالت حيث مست الدرع: ما [هذا] [٤] صنيع من يريد ما تريد، قال: ما لبست [هذا] [٥] الدرع [٦] إلا لأشد منك، قالت: فإنه لا يشد مني. ثم انصرف وهو يقول: إني إذا أعرف يومي أصبر ... إذ بعضهم يعرف ثم ينكر ثم إن القوم أقاموا على كل باب رجالا وقائدا، فشحنت الأبواب بأهل الشام، وكان لأهل حمص الباب الذي يواجه باب الكعبة، ولأهل دمشق باب بني شيبة، ولأهل الأردن باب الصفا، ولأهل فلسطين باب بني جمح، ولأهل قنسرين باب بني سهم،

стр. 2013

فمرة يحمل ابن الزبير في هذه الناحية، ومرة في هذه الناحية، كأنه أسد لا يقدم عليه الرجال، وقالت لابن الزبير/ زوجته: اخرج أقاتل معك؟ فقال: لا، وأنشد: كتب القتل والقتال علينا ... وعلى المحصنات جر الذيول فلما كان يوم الثلاثاء صبيحة سبع عشرة من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين وقد أخذ الحجاج على ابن الزبير الأبواب، وبات ابن الزبير يصلي ليلته، ثم احتبى بحمائل سيفه فأغفى، ثم انتبه، فقال: أذن يا سعد، فأذن عند المقام، وتوضأ ابن الزبير، وركع ركعتي الفجر ثم تقدم، وأقام المؤذن، فصلى بأصحابه، فقرأ: ن وَالْقَلَمِ ٦٨: ١. وقال: من كان سائلا عني فإني في الرعيل الأول، وأنشد: ولست بمبتاع الحياة بسبة ... ولا مرتق من خشية الموت سلما ثم قال: احملوا على بركة الله، ثم حمل حتى بلغ بهم الحجون، فرمي بآجرة فأصابته في وجهه فأرعش لها ودمي وجهه، فلما وجد سخونة الدم تسيل على وجهه ولحيته، قال يرتجز [١] : فلسنا على الأعقاب تدمي كلومنا ... ولكن على أقدامنا تقطر الدما وتغاووا عليه [٢] فقتل. وجاء الخبر إلى الحجاج فسجد وسار حتى وقف عليه ومعه طارق بن عمرو، فقال طارق: ما ولدت النساء أذكر من هذا فبعث الحجاج رأسه ورأس عبد الله بن صفوان ورأس عمارة بن عمرو إلى المدينة، فنصبت بها، ثم ذهب بها إلى عبد الملك، وسيأتي تمام قصة ابن الزبير في ذكر من مات في هذه السنة. وفي هذه السنة اجتمع الناس على عبد الملك فكتب إليه ابن عمر، وأبو سعيد، وسلمة بن الأكوع بالبيعة، وكان عبد الملك يجلس للناس في كل أسبوع يومين.

стр. 2014

أخبرنا ابن ناصر الحافظ، قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، قال: أخبرنا أبو القاسم [عليّ بن الحسن التنوخي، قال: حدثنا مُحَمَّد بْن عبد الرحيم المازني، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو علي الحسين بْن القَاسِم] [١] الكوكبي، قَالَ: حدثنا أبو العباس الكديمي، قال: أخبرنا السلمي، عن محمد بن نافع مولاهم، / عن أبي ريحانة أحد حجاب عبد الملك بن مروان، قال: كان عبد الملك يجلس في كل أسبوع يومين جلوسا عاما، فبينا هو جالس في مستشرف له وقد أدخلت عليه القصص، إذ وقعت في يده قصة غير مترجمة فيها: إن رأى أمير المؤمنين أن يأمر جاريته تغنيني ثلاثة أصوات ثم ينفذ في ما يشاء من حكمه. فاستشاط من ذلك غضبا، وقال: يا رباح، علي بصاحب هذه القصة، فخرج الناس جميعا وأدخل عليه غلاما كما أعذر كأهنأ الصبيان وأحسنهم، فقال له عبد الملك: يا غلام هذه قصتك؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: وما الذي غرك مني، والله لأمثلن بك، ولأردعن بك نظراءك من أهل الجسارة، علي بالجارية، فجيء بجارية كأنها فلقة قمر، وبيدها عود، فطرح لها كرسي وجلست، فقال عبد الملك: مرها يا غلام، فقال: غني لي يا جارية بشعر قيس بن ذريح: لقد كنت حسب النفس لو دام أو دنا ... ولكنما الدنيا متاع غرور وكنا جميعا قبل أن يظهر الهوى ... فأنعم حالي غبطة وسرور فما برح الواشون حتى بدت لنا ... بطون الهوى مقلوبة بظهور فغنته وأجادت، فخرج الغلام من جميع ما كان عليه من الثياب تخريقا، ثم قال له عبد الملك: مرها تغنيك الصوت الثاني، فقال: غني بشعر جميل: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بوادي القرى إني إذا لسعيد إذا قلت ما بي يا بثينة قاتلي ... من الحب قالت ثابت ويزيد وإن قلت ردي بعض عقلي أعش به ... مع الناس قالت ذاك منك بعيد

стр. 2015

فلا أنا مردود بما جئت طالبا ... ولا حبها فيما يبيد يبيد يموت الهوى مني إذا ما لقيتها ... ويحيا إذا فارقتها فيعود فغنته الجارية وسقط مغشيا عليه ساعة، ثم أفاق، فقال له عبد/ الملك: مرها فلتغنك الصوت الثالث. فقال: يا جارية غني بشعر قيس بن الملوح: وفي الجيرة الغادين من بطن وجرة ... غزال غضيض المقلتين ربيب فلا تحسبي أن الغريب الذي نأى ... ولكن من تنأين عنه غريب فغنته الجارية، فطرح الغلام نفسه من المستشرق فلم يصل إلى الأرض حتى تقطع. فقال عبد الملك: ويحه لقد عجل على نفسه، ولقد كان تقديري فيه غير الذي فعل، وأمر فأخرجت الجارية من قصره، ثم سأل عن الغلام، فقالوا: غريب لا يعرف، إلا أنه منذ ثلاث ينادي في السوق ويده على رأسه: غدا يكثر الباكون منا ومنكم ... وتزداد داري من دياركم بعدا وفي هذه السنة وجه عبد الملك عمر بن عبيد الله لقتال أبي فديك وأمره أن ينتدب معه من أحب، فقدم الكوفة فندب أهلها، فانتدب معه عشرة آلاف، فأخرج لهم أعطياتهم [١] ، ثم سار بهم، فجعل أهل الكوفة على الميمنة وعليهم محمد بن موسى بن طلحة، وجعل أهل البصرة على الميسرة وعليهم ابن أخيه عمر بن موسى بن عبيد الله، وهو في القلب، حتى انتهوا إلى البحرين، فصف عمر أصحابه، وقدم الرجالة في أيديهم الرماح، فحمل أبو فديك وأصحابه حملة واحدة فكشفوا ميسرة عمر، فارتث عمر [٢] ، وحمل أهل الكوفة وأهل البصرة، واستباحوا عسكر العدو، وقتلوا أبا فديك، وحصروهم، فنزلوا على الحكم، فقتلوا منهم نحوا من ستة آلاف، وأسروا ثمانمائة، وانصرفوا إلى البصرة.

стр. 2016

وفيها: عزل عبد الملك خالد بن عبد الله عن البصرة. وفيها: غزا محمد بن مروان الصائفة، وهزم الروم. وكانت وقعة عثمان/ بن الوليد بالروم من ناحية أرمينية، وكان في أربعة آلاف، والروم في ستين ألفا فهزمهم وأكثر القتل فيهم. وفي هذه السنة حج بالناس الحجاج بن يوسف وهو على مكة واليمن واليمامة، وكان على الكوفة والبصرة بشر بن مروان. وبعضهم يقول: كان على الكوفة بشر، وعلى البصرة خالد بن عبد الله، وعلى قضاء الكوفة شريح بن الحارث، وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة، وعلى خراسان بكير بن وشاح. وقد ذكرنا في الحوادث ما فعل عبد الله بن خازم، فأقره عبد الملك على خراسان [١] . ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٤٥١- أسماء بنت أبي بكر الصديق [٢] : أسلمت قديما، وبايعت رسول الله ﷺ ، وهي ذات النطاقين. وذلك أنها شقت نطاقها نصفين حين أراد رسول الله ﷺ الخروج إلى الغار، فجعلت واحدا لسفرة رسول الله ﷺ والآخر عصاما لقربته. تزوجها الزبير وولدت عبد الله، وعروة، والمنذر، وعاصم، والمهاجر، وخديجة، وأم الحسن، وعائشة، وطلقها. وكانت تمرض المرضة فتعتق كل مملوك

стр. 2017

لها. وماتت في هذه السنة بعد أن قتل ابنها عبد الله بن الزبير بليال. ٤٥٢- بشر بن مروان بن الحكم، أخو عبد الملك [١] : ولي الولايات. أَخْبَرَنَا المبارك بْن علي الصيرفي، قَالَ: أخبرتنا فاطمة بنت عبد الله بن إبراهيم الجبري، قال: أَخْبَرَنَا علي بْن الحسن بْن الفضل، قَالَ: أخبرنا أحمد بْن مُحَمَّد بْن خالد الكاتب، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه بْن المغيرة الجوهري، قال: حدثنا أحمد بن سعيد الدمشقي، قال: حدثني الزبير بن بكار، عن القاسم بن عدي، عن أبيه، قال: قال لي يتاذوق [٢] الطبيب الذي كان للحجاج- وكان قد أدرك كسرى بن هرمز، وأدرك الحجاج، أتت عليه ثلاثون ومائة سنة- قال: قال/ لي أمير من أمراء العراق ولم يسمه- قال الهيثم: وظنناه يعني بشر بن مروان، وذلك أن بشرا مات بالعراق وهو أميرها: يا يتاذوق، ما ترى هذه العلة قد طالت بي؟ فقلت: أصلح الله الأمير، لا يستقيم أن أصف لك شيئا حتى أستبرئ ما بك، وإن أحب الأمير أن أستبرئ ذلك فليدع بي على ريق النفس. فلما كان من الغد دعا بي [٣] ، فدخلت عليه واضجعته على حصير ليس تحته ولا تحت رأسه شيء، فجسست ما بين أخمص قدميه إلى هامته، ثم قلت: اجلس أيها الأمير، فجلس، فقلت: أيما أحب إليك أيها الأمير، الصدق أم الكذب؟ قال: ما حاجتي إلى الكذب، بل الصدق أحب إلي، قلت: أيها الأمير، إن الله كتب الفناء على خلقه فهم ميتون، فاعهد عهدك واكتب وصيتك. قال: يا يتاذوق، قد نعيت إلي نفسي. قلت: أيها الأمير، إن أردت أريك إمارة ما قلت [٤] ؟ قال: نعم، قلت [٥] : فادع لي بلحم أحمر، فدعى بمسلوخ، فأخذت قطعة من لحم الفخذ حراء، فرققتها

стр. 2018

حتى جعلتها مثل قشر البيض، ثم ثقبت فيها ثقبا وجعلت فيه خيط [١] إبريسم دقيق، ثم قلت: ازدردها أيها الأمير، فازدردها فتركتها في جوفه ساعة، ثم جذبتها بالخيط فأخرجتها فإذا هي مملوءة دودا، فقلت: أيها الأمير، ما بقاء جوف هذا فيه، فقال: يا يتاذوق، وأنّى أصابني هذا، فو الله لقد قدمت مصركم هذا فكتبت [٢] نفسي من الحر والبرد، فقلت: أيها الأمير، منها أتيت، قدمت هذا المصر فكتبت نفسك في الشتاء باللبود [٣] والنيران، فلم يصل إليك البرد، وكتبته في الصيف بثياب الكتان والماء والثلج فلم يصل إليك الحر فتفكك [٤] جوفك، والأبدان لا تقوم إلا بالحر والبرد وإن أذاها. قال: فو الله ما عاش بعد هذا الكلام إلا ثلاثة أيام حتى مات. ٤٥٣- صفوان بن محرز المازني [٥] : كان من كبار العباد الصالحين. وأسند عن ابن عمر، وأبي موسى، وعمران بن حصين في آخرين. أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أخبرنا محمد بن هبة الله الطبري، قال: أخبرنا محمد بن الحسين بن الفضل، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر بْن درستويه، قال: حدثنا يعقوب بن سفيان، قال: حدثنا المعلى بن راشد، قال: أخبرنا جعفر، قال: أخبرنا المعلى بن زياد الفردوسي، قال: كان لصفوان سرب يبكي فيه. أخبرنا عبد الوهاب الحافظ، قال: أخبرنا علي بن محمد الخطيب، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف، قَالَ: حَدَّثَنَا الحسين بْن صفوان، قَالَ: حَدَّثَنَا أبو بكر

стр. 2019

القرشي، قال: حدثني شريح بن يونس، قال: حدثنا عثمان بن مطر، عن هشام بن حسان، عن الحسن، قال: لقيت أقواما كانوا فيها أحل الله لهم أزهد منكم [فيما حرم الله عليكم] [١] ولقد لقيت أقواما كانوا من حسناتهم أشفق ألا تقبل منهم من سيئاتكم، ولقد صحبت أقواما كان أحدهم يأكل على الأرض وينام على الأرض، منهم صفوان بن محرز المازني، كان يقول: إذا آويت إلى أهلي وأصبت رغيفا أكلته، فجزى الله الدنيا عن أهلها خيرا، والله ما زاد على رغيف حتى فارق الدنيا، فيظل صائما ويفطر على رغيف ويشرب عليه من الماء حتى يتروى، ثم يقوم فيصلي حتى يصبح، فإذا صلى الفجر أخذ المصحف فوضعه في حجره يقرأ حتى يترجل النهار ثم يقوم فيصلي حتى ينتصف النهار، فإذا انتصف النهار رمى بنفسه على الأرض فنام إلى الظهر، وكانت تلك نومته حتى فارق الدنيا، وكان إذا صلى الظهر قام فصلى إلى العصر، فإذا صلى العصر وضع المصحف في حجره، فلا يزال يقرأ حتى تصفر الشمس. ٤٥٤- عبد الله بن عمر بن الخطاب، أبو عبد الرحمن [٢] : أسلم بمكة مع أبيه وهو صغير قبل أن يبلغ، وهاجر مع أبيه، وشهد غزوة الخندق وما بعدها، وحضر يوم القادسية ويوم جلولاء [٣] وما بينهما/ من وقائع الفرس. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ عبد الله رجل صالح» [٤] وقال جابر بن عبد الله [٥] : ما أدركنا أحدا إلا وقد مالت به الدنيا إلا ابن عمر. وقالت عائشة: ما رأيت أحدا ألزم للأمر الأول من ابن عمر.

стр. 2020

وقال سعيد بن المسيب [١] : لو شهدت لأحد أنه من أهل الجنة لشهدت لعبد الله بن عمر. وقال طاووس: ما رأيت رجلا أورع من ابن عمر، وكان يقول في سجوده: قد تعلم أنه ما يمنعني من مزاحمة قريش على هذه الدنيا إلا خوفك. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حمد بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْحُرَيْشِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَصْمَعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: اجْتَمَعَ فِي الْحِجْرِ أَرْبَعَةٌ: مُصْعَبٌ، وَعُرْوَةُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بَنُو الزُّبَيْرِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، فَقَالُوا: تَمَنَّوْا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَمَّا أَنَا فَأَتَمَنَّى الْخِلافَةَ، وَقَالَ عُرْوَةُ: أَمَّا أَنَا فَأَتَمَنَّى أَنْ يُؤْخَذَ عَنِّيَ الْعِلْمُ [٢] . وَقَالَ مُصْعَبٌ: أَمَّا أَنَا فَأَتَمَنَّى إِمْرَةَ الْعِرَاقِ وَالْجَمْعَ بَيْنَ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ وَسُكَيْنَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: وَأَمَّا أَنَا فَأَتَمَنَّى الْمَغْفِرَةَ. قَالَ: فَنَالُوا مَا تَمَنَّوْا، وَلَعَلَّ ابْنَ عُمَرَ قَدْ غُفِرَ لَهُ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقْرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ، قَالا: أَخْبَرَنَا طَرَّادُ بْن مُحَمَّد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الحسين بْنِ بِشْرَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنِ صَفْوان، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا، قال: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانٍ الْعَامِرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ عَجَبًا، كُنَّا بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ أَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَمُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ وعبد الملك بن مروان، فقال القوم بعد ما فرغوا من حديثهم: ليقم رجل منكم فليأخذ بالركن اليماني وليسأل الله حاجته، فإنه يعطى سؤله، قم

стр. 2021

يا عبد/ الله بن الزبير فإنك أول مولد في الهجرة، فقام فأخذ بالركن اليماني، ثم قَالَ: اللَّهمّ إِنَّكَ عَظِيمٌ تُرْجَى لِكُلِّ عَظِيمٍ أَسْأَلُكَ بِحُرْمَةِ وَجْهِكَ وَحُرْمَةِ عَرْشِكَ [وَحُرْمَةِ بَيْتِكَ] [١] وَحُرْمَةِ نَبِيِّكَ ﵇ أَلا تُمِيتَنِي مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى تُوَلِّيَنِي الْحِجَازَ وَيُسَلَّمَ عَلَيَّ بِالْخِلافَةِ. وَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ، فَقَالُوا: قُمْ يَا مُصْعَبُ، فَقَامَ فَأَخَذَ بِالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ، فَقَالَ: اللَّهمّ إِنَّكَ رب كل شيء وإليك يصير كُلُّ شَيْءٍ، أَسْأَلُكَ بِقُدْرَتِكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ أَلا تُمِيتَنِي مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى تُوَلِّيَنِيَ الْعِرَاقَ وَتَزَوِّجَنِي سُكَيْنَةَ بِنْتَ الْحُسَيْنِ، وَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ، فَقَالُوا: قُمْ يَا عَبْدَ الْمَلِكِ، فَقَامَ فَأَخَذَ بِالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ، فَقَالَ: اللَّهمّ رَبَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبَّ الأَرْضِ ذَاتِ النَّبْتِ بَعْدَ الْقَفْرِ أَسْأَلُكَ مَا سَأَلَكَ عِبَادُكَ الْمُطِيعِينَ لأَمْرِكَ، وَأَسْأَلُكَ بِحُرْمَةِ وَجْهِكَ، وَأَسْأَلُكَ بِحَقِّكَ عَلَى جَمِيعَ خَلْقِكَ، وَبِحَقِّ الطَّائِفِينَ حَوْلَ بَيْتِكَ أَلا تُمِيتُنِي مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى تُوَلِّيَنِي شَرْقَ الأَرْضِ وَغَرْبَهَا، وَلا يُنَازِعَنِي أَحَدٌ إِلا أَتَيْتُ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ جَاءَ حَتَّى جَلَسَ، ثُمَّ قَالُوا: قُمْ يَا عَبْدَ اللَّهِ بن عمر، فقام حتى أخذ بالركن اليماني ثم قال: اللَّهمّ إنك رحمان رَحِيمٌ، أَسْأَلُكَ بِرَحْمَتِكَ الَّتِي سَبَقَتْ غَضَبَكَ، وَأَسْأَلُكَ بِقُدْرَتِكَ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِكَ أَلا تُمِيتَنِي مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى تُوجِبَ لِيَ الْجَنَّةَ. قَالَ الشَّعْبِيُّ: فَمَا ذَهَبَتْ عَيْنَايَ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى رَأَيْتُ كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ قَدْ أُعْطِيَ مَا سَأَلَ، وَبُشِّرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بِالْجَنَّةِ، وَرَأَيْتُ لَهُ. أَخْبَرَنَا ابْنُ حَبِيبٍ الْعَامِرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِي بْن الْفَضْلِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ حَيْوَيَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ خُرَيْمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ حِمَاسٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ [٢] ، قَالَ: خَطَرَتْ هَذِهِ الآيَةُ: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ٣: ٩٢ [٣] فَذَكَرْتُ مَا أَعْطَانِي فَمَا وَجَدْتُ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ جَارِيَتِي رُمَيْثَةَ، فَقُلْتُ: هِيَ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ، فَلَوْلا أَنِّي لا أَعُودُ فِي شيء جعلته للَّه نكحتها، فأنكحها نافعا، فهي أم ولده.

стр. 2022

أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا حمد/ بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله الأَصْفَهَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسحاق، قال: حدثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ خُنَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا اشْتَدَّ عَجَبُهُ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ قَرَّبَهُ إِلَى اللَّهِ ، قَالَ نافع: كان رقيقه قد عَرَفُوا ذَلِكَ مِنْهُ، فَرُبَّمَا شَمَّرَ أَحَدُهُمْ فَيَلْزَمُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا رَآهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ الْحَسَنَةِ أَعْتَقَهُ، فَيَقُولُ لَهُ أَصْحَابُهُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَاللَّهِ مَا بِهِمْ إِلا أَنْ يَخْدَعُوكَ، فَيَقُولُ ابْنُ عُمَرَ: مَنْ خَدَعَنَا باللَّه انْخَدَعْنَا لَهُ. قَالَ نَافِعٌ: وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا ذَاتَ عَشِيَّةٍ وَرَاحَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى نَجِيبٍ لَهُ قَدْ أَخَذَهُ بِمَالٍ، فَلَمَّا أَعْجَبَهُ مَسِيرُهُ أَنَاخَهُ مَكَانَهُ ثُمَّ نَزَلَ عَنْهُ، فَقَالَ: يَا نَافِعُ، انْزَعُوا زِمَامَهُ وَرَحْلَهُ وَحَلِّلُوهَ وَأَشْعِرُوهَ وَأَدْخِلُوهُ فِي الْبُدْنِ. قَالَ نَافِعٌ: مَا مَاتَ ابْنُ عُمَرَ حَتَّى أَعْتَقَ أَلْفَ إِنْسَانٍ [١] ، وَمَا زَادَ. وَكَانَ يُحْيِي الليل صَلاةً، فَإِذَا جَاءَ السَّحَرُ اسْتَغَفَرَ إِلَى الصَّبَاحِ، وَكَانَ يُحْيِي مَا بَيْنَ الظُّهْرِ إِلَى الْعَصْرِ. وَكَانَ الْبِرّ لا يُعْرَفُ فِي عُمَرَ وَلا ابْنِ عُمَرَ حَتَّى يَقُولا أَوْ يَعْمَلا. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ [٢] : أَخْبَرَنَا الْوَاقِدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ زَجُّ رُمْحِ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ الْحَجَّاجِ قَدْ أَصَابَ رِجْلَ ابْنِ عُمَرَ، فَانْدَمَلَ الْجُرْحُ، فَلَمَّا صَدَرَ النَّاسُ انْتَقَضَ عَلَى ابْنِ عُمَرَ فَدَخَلَ الْحَجَّاجُ يَعُودُهُ، فَقَالَ: مَنْ أَصَابَكَ؟ قَالَ: أَنْتَ قَتَلْتَنِي، قَالَ: وَفِيمَ؟ قَالَ: حَمَلْتَ السِّلاحَ فِي حَرَمِ اللَّهِ فَأَصَابَنِي بَعْضُ أَصْحَابِكَ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَوْصَى أَلا يُدْفَنَ فِي الْحَرَمِ، فَغُلِبَ فَدُفِنَ فِي الْحَرَمِ وَصَلَّى عَلَيْهِ الْحَجَّاجُ. أَخْبَرَنَا الْقَزَّازُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الخطيب، قَالَ: أَخْبَرَنَا [محمد بن أحمد] [٣] بن

стр. 2023

رِزْقٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ سَنَةَ ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ [١] . وكذلك قال أبو الفضل بن دكين وابن بكير. وقيل: إنه مات في سنة أربع وسبعين. وعن سعيد بن عفير/ قال: في سنة أربع [وسبعين] [٢] مات عبد الله بن عمر بمكة، فدفن بذي طوى في مقبرة المهاجرين وقيل: إنه دفن بفج وهو ابن أربع وثمانين. قال مؤلف الكتاب رحمه [٣] الله: وفي مقدار عمره قول آخر: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ [بْنُ مُحَمَّدِ] الْقَزَّازِ، [قَالَ: أخبرنا الخطيب [٤]] بإسناده عن مالك، قال: بلغ عبد الله بن عمر من السن تسعا وثمانين سنة. ٤٥٥- عبد الله بن الزبير بن العوام، أبو بكر [٥] : أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، وهو أول مولود ولد في الإسلام للمهاجرين بعد الهجرة. ولد بقباء على رأس عشرين شهرا من الهجرة، وحنكه رسول الله ﷺ بتمرة، وأذن أبو بكر في أذنه. ولم يزل مقيما بالمدينة إلى أن توفي معاوية، فبعث يزيد إلى الوليد بن عتبة يأمره بالبيعة، فخرج ابن الزبير إلى مكة، وجعل يحرض الناس على بني أمية،

стр. 2024

فوجد عليه يزيد إلا أنه مشى ابن الزبير إلى يحيى بن الحكم والي مكة، فبايعه ليزيد، فقال يزيد: لا أقبل حتى يؤتى به في وثاق، فأبى ابن الزبير، وقال: اللَّهمّ إني عائذ ببيتك، وجرت حروب، وحوصر ابن الزبير، ثم مات يزيد، فدعى إلى نفسه، وسمي أمير المؤمنين، وولى العمال، واستوثقت له البلاد ما خلا طائفة من الشام فإنهم بايعوا مروان. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ الْبَزَّازُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ رَأَى فِي مَنَامِهِ كَأَنَّهُ صَارَعَ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ، فَصَرَعَ عَبْدَ الْمَلِكِ، وَسَمَرَهُ فِي الأَرْضِ بِأَرْبَعَةِ أَوْتَادٍ، فَأَرْسَلَ رَاكِبًا إِلَى الْبَصْرَةِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَلْقَى ابْنَ سِيرِينَ ويقص الرؤيا عَلَيْهِ وَلا يَذكر لَهُ مَنْ أَنْفَذَهُ، وَلا يُسَمِّيَ عَبْدَ الْمَلِكِ، فَسَارَ الرَّاكِبُ حَتَّى أَنَاخَ بِبَابِ ابْنِ سِيرِينَ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْمَنَامَ، فَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: مَنْ رَأَى هَذَا؟ قَالَ: أَنَا رَأَيْتُهُ فِي رُجَلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنِي عَدَاوَةٌ، قَالَ: لَيْسَ هَذِهِ رُؤْيَاكَ، هَذَهِ رُؤْيَا ابْنِ الزُّبَيْرِ أَوْ عَبْدِ الْمَلِكِ أَحَدُهُمَا فِي الآخَرِ، فَسَأَلَهُ الْجَوَابَ، فَقَالَ: مَا أُفَسِّرُهَا أَوْ تَصْدُقَنِي فَلَمْ يَصْدُقْهُ، فَامْتَنَعَ مِنَ التَّفْسِيرِ، فَانْصَرَف الرَّاكِبُ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ// فَأَخْبَرَهُ بِمَا جَرَى، فَقَالَ: ارْجِعْ وَاصْدُقْهُ أَنِّي رَأَيْتُهَا فِي عَبْدِ الْمَلِكِ، فَرَجَعَ الراكب إِلَى ابْنِ سِيرِينَ بِرِسَالَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَصَدَّقَهُ فَقَالَ لَهُ: قُلْ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، عَبْدُ الْمَلِكِ يَغْلِبُكَ عَلَى الأَرْضِ، وَيَلِي هَذَا الأَمْرَ مِنْ وَلَدِهِ لِظَهْرِهِ أَرْبَعَةٌ بِعَدَدِ الأَوْتَادِ التي سمرتها فِي الأَرْضِ. فَلَمَّا مَاتَ مَرْوَانُ وَلِيَ عَبْدُ الْمَلِكِ، وَأَقْبَلَ فَقَتَلَ مُصْعَبَ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَبَعَثَ الْحَجَّاجَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَحَصَرَهُ وَجَرَى لَهُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. قال علماء السير: قتل ابن الزبير يوم الثلاثاء سابع عشر جمادى الأول، وصلبه الحجاج على الثنية التي بالحجون، ثم أنزله فرماه في مقابر اليهود، وكتب إلى عبد الملك يخبره، فكتب إليه يلومه، ويقول: ألا خليت أمه تواريه، فأذن لها فوارته. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، قال: أخبرنا أبو محمد الجوهري، قال: أخبرنا ابن حيوية، قال: أخبرنا أحمد بن معروف، قال: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَهِمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، وَعَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَأَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا نَوْفَلُ بْنُ أَبِي عَقْرَبٍ:

стр. 2025

أَنَّ الْحَجَّاجَ لَمَّا قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ صَلَبَهُ عَلَى عَقَبَةِ الْمَدِينَةِ، فَمَرَّ بِهِ ابْنُ عُمَرَ، فوقف فقال: السلم عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ نَهَيْتُكَ عَنْ عَدُوِّ اللَّهِ [١] ، أَمَا وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ أنك [كُنْتَ] [٢] صَوَّامًا قَوَّامًا، ثُمَّ اسْتَنْزَلَهُ الْحَجَّاجُ فَرَمَى بِهِ فِي مَقَابِرِ الْيَهِودِ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَى أُمِّهِ وَقَدْ ذَهَبَ بَصَرُهَا أَنْ تَأْتِيَهُ، فَأَبَتْ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا: لَتَأْتِيَنِّي أَوْ لأَبْعَثَنَّ إِلَيْكِ مَنْ يَسْحَبُكِ بِقُرُونِكِ حَتَّى يَأْتِيَنِي بِكِ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ: إِنِّي وَاللَّهِ لا آتِيكَ حَتَّى تَبْعَثَ إِلَيَّ من يسحبني بقروني، فأتاه رسوله فأخبره، فقال: يا غلام، ناولني سبتيتي [٣] ، فَنَاوَلَهُ نَعْلَيْهِ فَانْتَعَلَ ثُمَّ خَرَجَ يَتَوَذَّفُ [٤] حَتَّى أَتَاهَا، فَدَخَلَ عَلَيْهَا فَقَالَ: كَيْفَ رَأَيْتِنِي صَنَعْتُ بِعَدُوِّ اللَّهِ؟ قَالَتْ: رَأَيْتُكَ أَفْسَدْتَ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ وَأَفْسَدَ عَلَيْكَ آخِرَتَكَ، وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُعَيِّرُهُ فَتَقُولُ: يَا ابْنَ ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ، وَقَدْ كُنْتُ والله ذات النِّطَاقَيْنِ/ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَنِطَاقُ الْمَرْأَةِ الَّتِي لا تستغني عنه، وأما النطاق الآخر فإنّي كنت أَرْفَعُ فِيهِ طَعَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَطَعَامَ أَبِي مِنَ النَّمْلِ وَغَيْرِهِ، فأي ذلك ويل أمك عيّرته به، أما إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّهُ سَيَخْرُجُ مِنْ ثَقِيفَ رَجُلانِ: كذاب، ومبير» . فأما الكذاب فقد رَأَيْنَاهُ ابْنَ أَبِي عُبَيْدٍ، وَأَمَّا الْمُبِيرُ فَأَنْتَ ذَلِكَ، فَوَثَبَ فَانْصَرَفَ عَنْهَا وَلَمْ يُرَاجِعْهَا. أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ [٤] الْبَاقِلاوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا دَعْلَجٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: [٥] دَخَلَتْ عَلَيَّ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ بَعْدَ قَتْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبْيَرِ، فَقَالَتْ: بَلَغَنِي أَنَّهُمْ عَلَّقُوا عَبْدَ اللَّهِ مُنَكَّسًا، وَعَلَّقُوا مَعَهُ هِرَّةً، وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي لا أَمُوتُ حَتَّى يُدْفَعَ إِلَيَّ فَأُغَسِّلُهُ وَأُكَفِّنُهُ وَأُحَنِّطُهُ ثُمَّ أَدْفِنُهُ، فَمَا لَبِثَتْ حَتَّى جَاءَ كِتَابُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنْ يُدْفَعَ إِلَى أَهْلِهِ، فَأَتَيْتُ بِهِ أسماء فغسلته وكفنته وحنطته ثم دفنته.

стр. 2026

وَعَنْ أَيُّوبَ فَأَحْسَبُهُ [١] قَالَ: فَمَا عَاشَتْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى مَاتَتْ. قال إبراهيم الحربي: قتل الحجاج ابن الزبير وقطعه قطعا، فغسلته أسماء أمه- وكانت مكفوفة- فكانت تغسله قطعة قطعة، ويوضع في الأكفان. أَخْبَرَنَا ابن ناصر، قال: أخبرنا عبد القادر بن مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيم بْن عُمَرَ الْبَرْمَكِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يَعْقُوبَ إِسْحَاقُ بْنُ سَعْدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُمَحِيِّ، عَنْ أُمِّهِ، قَالَتْ: دَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْمَسْجِدَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ قَدْ قُتِلَ وَصُلِبَ، فَقِيلَ لَهُ: هَذِهِ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ فِي/ الْمَسْجِدِ فَمَالَ إِلَيْهَا وَقَالَ: اصْبِرِي فَإِنَّ هَذِهِ الْجُثَثَ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ وَإِنَّمَا الأَرْوَاحُ عِنْدَ اللَّهِ، فَقَالَتْ: وَمَا يَمْنَعُنِي مِنَ الصَّبْرِ وَقَدْ أُهْدِيَ رَأْسُ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا إِلَى بَغِيٍّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ. أَخْبَرَنا عَبْدُ الْحَقِّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو بكر ابن بشران، قال: حدثنا الدار الدَّارَقُطْنِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْبَغَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُجَاهِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا رِيَاحٌ النُّوبِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ مَوْلَى آلِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ تَقُولُ لِلْحَجَّاجِ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ فَدَفَعَ دَمَهُ إِلَى ابْنِي فَشَرِبَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: كَرِهْتُ أَنْ أَصُبَّ دَمَكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لا تُمْسِكِ النَّارَ» وَمَسَحَ عَلَى رَأْسِهِ، وَقَالَ: «وَيْلُ النَّاسِ مِنْكَ وَوَيْلٌ لَكَ مِنَ النَّاسِ» . أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عبد الله الزغواني، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْن عَلِيِّ بْن الْمَأْمُونِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّه بْن مُحَمَّد بْن [حبابة، قال: أخبرنا يحيى بن

стр. 2027

أَحْمَدَ بْنِ] [١] صَاعِدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلاءِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، قَالَ: أَوْصَى إِلَى الزُّبَيْرِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبْعَةٌ، فَكَانَ يُنْفِقُ مِنْ مَالِهِ، وَيَحْبِسُ عَلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ، مِنْهُمْ عُثْمَانُ، وَالْمِقْدَادُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ. قَالَ: وَأَوْصَى إِلَى عبد الله بن الزبير عائشة وَحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَقَالَ: اعْتَدَّ بِمَكْرُمَتَيْنِ لَمْ يَعْتَدَّ بِهِمَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، وَأَوْصَتْ لَهُ عَائِشَةُ بِحُجْرَتِهَا وَاشْتَرَى حُجْرَةَ سَوْدَةَ، فَصَارَتْ لَهُ حُجْرَتَانِ مِنْ حُجَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ.

стр. 2028

ثم دخلت سنة أربع وسبعين فمن الحوادث فيها أن عبد الملك عزل طارق بن عمرو عن المدينة واستعمل عليها الحجاج بن يوسف [١] : فانصرف الحجاج إلى المدينة واليا عليها في صفر، فأقام بها ثلاثة/ أشهر يعبث بأهلها ويتعنتهم ويقول: قتلتم أمير المؤمنين، وبنى بها مسجدا في بني سلمة، فهو ينسب إليه. واستخف فيها بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فختم في أعناقهم. ودعا سهل بن سعد، فقال: ما منعك أن تنصر عثمان؟ قال: قد فعلت. قال: كذبت، ثم، أمر به فختم في عنقه برصاص. وختم في عنق أنس بن مالك، وكلمه بالقبيح. فلما جاءه كتاب عبد الملك بولاية العراقين أعطى البشير ثلاثة آلاف دينار وهو يقول: الحمد للَّه الذي أخرجني منها. وفي هذه السنة استقضى عبد الملك أبا إدريس الخولاني. وفيها: نقض الحجاج [٢] بنيان الكعبة الذي كان بناه ابن الزبير، وأخرج الحجر منها وأعادها إلى بنيانها الأول.

стр. 2029

وفيها ولى عبد الملك المهلب لحرب الأزارقة [١] . وذلك أنه لما صار بشر إلى البصرة كتب إليه عبد الملك: أما بعد: فابعث المهلب بن أبي صفرة في أهل مصر إلى الأزارقة، ولينتخب من أهل مصر ووجوههم وفرسانهم، فإنه أعرف بهم، وخله ورأيه في الحرب، فإني أوثق شيء بتجربته ونصيحته للمسلمين، وابعث من أهل الكوفة بعثا كثيفا، وابعث عليهم رجلا معروفا شريفا، ثم انهض بأهل المصرين واتبعوهم أي وجه توجهوا. ففعل ذلك، فلما تراءى العسكران برامهرمز لم يلبث الناس إلا عشرا حتى أتاهم نعي بشر، وتوفي بالبصرة. وقد ذكرنا في رواية: أن بشرا توفي في السنة التي قبلها. وفي هذه السنة عزل عبد الملك بكير بن وشاح، وولى أمية بن خالد بن أسد. وفيها: حج بالناس الحجاج وهو على مكة والمدينة، وكان ولى قضاء المدينة عبد الله بن قيس بن مخرمة، وكان على الكوفة والبصرة بشر بن مروان، هذا في رواية. وقد ذكرنا أنه توفي في السنة التي قبلها. وكان على خراسان أمية بن عبد الله/ بن خالد، وعلى قضاء الكوفة شريح، وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٤٥٦- رافع بن خديج بن رافع بن عدي بن زيد، أبو عبد الله [٢] : شهد أحدا والمشاهد بعدها مع رسول الله ﷺ ، ورمي بسهم في ثندوته [٣] يوم أحد،

стр. 2030

فأتى رسول الله ﷺ ، فقال: أنزع السهم، فقال: «إن شئت نزعت السهم، والقطبة جميعا، وإن شئت نزعت السهم وتركت القطبة، وشهدت لك يوم القيامة أنك شهيد» . قال: انزع القطبة واشهد لي. ففعل [١] ، فانتقض عليه في أول هذه السنة، فمات منه بالمدينة وهو ابن ست وثمانين سنة. ٤٥٧- سعد بن مالك بن سنان بن عبيد الله بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر، وهو خدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج، أبو سعيد الخدري [٢] : كان من أفاضل الأنصار، استصغر يوم أحد، فرد ثم خرج فيمن يتلقى رَسُول اللَّهِ ﷺ حين رجع من أحد، فنظر إليه رسول الله ﷺ ، وَقَالَ: «سعد بن مالك» . قال: قلت: نعم بأبي وأمي، ودنوت منه فقبلت ركبته، فقال: «آجرك الله في أبيك» . وكان قتل يومئذ شهيدا. ثم شهد أبو سعيد الخدري الخندق وما بعدها، وورد المدائن مع علي بن أبي طالب لما حارب الخوارج بالنهروان. وروى عنه من الصحابة: جابر بن عبد الله، و [عبد الله] [٣] بن عباس. أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ [٤] ، قال: أخبرنا أبو بكر [أحمد بن علي] [٥] قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ السَّبَخِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أبي سفيان، عن أشياخه، قال:

стр. 2031

لَمْ يَكُنْ [١] أَحَدٌ مِنْ أَحْدَاثِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمَ مِنْ أَبِي/ سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ. قَالَ أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى: مَاتَ أَبُو سَعِيدٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ. ٤٥٨- سلمة الأكوع، واسم الأكوع سنان بن عبد الله بن قشير: [٢] غزا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات، وشهد الحديبية، وبايعه تحت الشجرة، وأمر رسول الله ﷺ زيد بن حارثة فغزا معه سبع غزوات، وأمر رسول الله ﷺ أبا بكر فغزا معه فقتل سبعة [أهل] [٣] أبيات: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا الجوهري، قال: أخبرنا ابن حيوية، قال: أخبرنا ابن مَعْرُوفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَهِمِ، قَالَ: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، قَالَ [٤] : خَرَجْتُ أُرِيدُ الْغَابَةَ فَلَقِيتُ غُلامًا لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: أَخَذْتُ لِقَاحَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: قُلْتُ: فَمَنْ أَخَذَهَا؟ قَالَ: غَطْفَانُ. قَالَ: فَانْطَلَقْتُ فَنَادَيْتُ: يَا صَبَاحَاهُ يَا صَبَاحَاهُ حَتَّى أَسْمَعْتُ مَنْ بَيْنَ لابَتَيْهَا. ثُمَّ مَضَيْتُ فَاسْتَنْقَذْتُهَا مِنْهُمْ. قَالَ: وَجَاءَ رسول الله ﷺ في النَّاسِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الْقَوْمَ عِطَاشٌ، أَعْجَلْنَاهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا لِشِفَتِهِمْ، فَقَالَ: «يَا ابْنَ الأَكْوَعِ، مَلَكْتَ فَأَسْجِحْ، إِنَّهُمُ الآنَ فِي غَطْفَانَ يُقْرَوْنَ» . قَالَ: وَأَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [خلفه] [٥] .

стр. 2032

قَالَ ابْنُ سَعْدٍ [١] : وَأَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ النَّبِّيَّ ﷺ فِي الْبَدْوِ فَأَذِنَ لَهُ. قَالَ [٢] : وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عبد الْعَزِيزِ بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ، قَالَ: تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً. ٤٥٩- عمرو بن ميمون الأودي [٣] : روى عن عمر، وعلي [٤] ، وابن مسعود، ومعاذ، وأبي أيوب، وأبي مسعود، وعبد الله بن عمر، وأبي هريرة، وابن عباس. وكان من الصالحين إذ أري [٥] ذكر الله ، وحج ستين حجة. ٤٦٠- محمد/ بن حاطب بن الحارث، أبو القاسم الجمحي [٦] : وهو أول من سمي في الإسلام بمحمد بعد رسول الله ﷺ ، وولد في السفينة حين ذهبوا إلى النجاشي، ومسح رسول الله ﷺ علي رأسه وتفل في فيه ودعا له بالبركة. روى عن رسول الله ﷺ ، وتوفي بمكة في هذه السنة [٧] .

стр. 2033

ثم دخلت سنة خمس وسبعين فمن الحوادث فيها ضرب عبد الملك الدنانير والدراهم [١] وقد روينا أن أول من ضرب الدراهم آدم ﵇. وقد وجدوا دراهم ضرب عليها اسم أردشير بن بابك قبل الإسلام بأكثر من أربعمائة سنة، فضربها عبد الملك ونقش عليها. وكانت مثاقيل الجاهلية التي ضرب عليها عبد الملك اثنين وعشرين قيراطا إلا حبة بالشامي، وكانت العشرة وزن سبعة. وقيل: ضربها سنة ست وسبعين. أَنْبَأَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الملك، قَالَ: أَنْبَأَنَا محمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا أبو الحسين بْنِ بِشْرَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنِ الصواف، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن خلف، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثني هارون بن محمد، قال: حدثنا زبير [٢] ، عن عبد الرحمن بن المغيرة الجزامي، عن ابن أبي الزناد، عن أبيه [٣] : أن عبد الملك أول من ضرب الدنانير والدراهم في سنة خمس وسبعين. وقال وكيع: وأخبرني محمد بن الهيثم، قال: سمعت ابن بكير يقول: سمعت مالك بن أنس يقول:

стр. 2034

أول من ضرب الدنانير عبد الملك، وكتب عليها القرآن. قال وكيع: وأخبرني ابن أبي خيثمة، عن مصعب بن عبد الله، قال: وكان وزن الدراهم والدنانير في الجاهلية وزنها اليوم في الإسلام مرتين تدور بين العرب، وكان ما ضرب منها ممسوحا غليظا قصيرا، وليس فيها كتاب حتى كتبها عبد الملك، فجعل في وجه: قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ، ١١٢: ١ وفي الوجه الآخر: لا إله إلا/ الله. وطوقها بطوق فضة وكتب فيه: ضرب هذا الدرهم بمدينة كذا، وفي الطرف الآخر: محمد رسول الله أرسله ... بِالْهُدى [وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ] ٩: ٣٣ [١] . أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: حدثنا محمد بن عبيد الله البقال، قال: حدثنا أَبُو الحسين بْن بشران، قَالَ: أَخْبَرَنَا عثمان بن أحمد الدقاق، قال: حدثنا حنبل بن إسحاق، قال: حدثنا هارون بن معروف، قال: حدثنا سفيان، قال: قال أبو سعد: الحجاج أول من ضرب الدراهم البيض، وكتب فيها: «قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ» ١١٢: ١. قال: فقالوا: قاتله الله، أي شيء [هذا] يحمل الناس على أن يأخذه الجنب والحائض. قال هارون: وقال سفيان: أول من ضرب الدراهم السود زياد، وأول من ضرب الدنانير عبد الملك بن مروان. قال إبراهيم النخعي: جعل عمر بن الخطاب وزن عشرة دراهم ستة دنانير، فلما ولي زياد جعل وزن عشرة سبعة. روى أبو القاسم بن زنجي الكاتب، قال: سمعت وكيعا يقول: كان القبط يكتبون على القراطيس: بسم الأب والابن وروح القدس، وكذلك على الدراهم، فوقف على ذلك عبد الملك بن مروان فأمر بتغييرها، وأن يكتب عليها من القرآن وغيره. وأدخلت بلاد الروم على حسب ما كانت تدخل، فلما رأى ملك الروم النقش مخالفا لما كان عليه سأل عنه، فترجم له، فأنكر وأهدى إلى عبد الملك هدية وكتب إليه يسأله أن يجري الأمر في القراطيس على ما كان عليه، فرد الهدية، وأبى ذلك، فبعث إليه ملك الروم

стр. 2035

يتوعده، فقطع الدنانير عن بلده، فبعث إليه إن تعامل بها المسلمون بعد هذا فافعل، وضرب الدنانير عبد الملك، فأما الدراهم فإنها كانت ثلاثة أصناف: الوافية، وهي النعلية، وزن الواحد مثقال. والصنف الآخر الجزية، وزن الواحد نصف مثقال، وكان يتعامل بها في المشرق. والصنف الثالث الطبرية، وزن العشرة منها ستة مثاقيل، فجمع عبد الملك الثلاثة أصناف عشرة عشرة، فصارت ثلاثين درهما عددا، وزنها واحد/ وعشرون مثقالا، فصير السبعة عشرة. ومن الحوادث غزوة محمد بن مروان الصائفة حين خرجت الروم. [ولاية الحجاج الكوفة وخطبته في أهلها] [١] . وفيها: ولى عبد الملك يحيى بن الحكم بن أبي العاص المدينة، وولى الحجاج بن يوسف العراق دون خراسان وسجستان. فقدم الحجاج الكوفة بعد وفاة بشر بن مروان في اثني عشر راكبا [على النجائب] [٢] حتى دخل الكوفة، فجأة، وقد كان بشر بعث المهلب إلى الحرورية فبدأ الحجاج بالمسجد فدخله، ثم صعد المنبر وهو متلثم بعمامة خز حمراء، فلما اجتمع الناس هموا به [فكشف عن وجهه] [٣] وقال [٤] : أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني قال مؤلف الكتاب: قد رويت لنا هذه الحالة مختلفة ونحن نذكرها بطرقها. أخبرنا ابن المبارك الأنماطي، قال: أخبرنا أبو الحسين، ابن عبد الجبار الصيرفي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْد اللَّهِ الْحُسَيْن بْن مُحَمَّد بْن الحسن النصيبي، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيل بْن سَعِيد بْن سويد. وأنبأنا علي بن عبيد الله، عن عبد الصمد بن المأمون، عن إسماعيل بن سعيد،
следующие страницы →