لَمْ يَكُنْ [١] أَحَدٌ مِنْ أَحْدَاثِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمَ مِنْ أَبِي/ سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ.
قَالَ أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى: مَاتَ أَبُو سَعِيدٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ.
٤٥٨- سلمة الأكوع، واسم الأكوع سنان بن عبد الله بن قشير: [٢]
غزا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات، وشهد الحديبية، وبايعه تحت الشجرة، وأمر رسول الله ﷺ زيد بن حارثة فغزا معه سبع غزوات، وأمر رسول الله ﷺ أبا بكر فغزا معه فقتل سبعة [أهل] [٣] أبيات:
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا الجوهري، قال: أخبرنا ابن حيوية، قال: أخبرنا ابن مَعْرُوفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَهِمِ، قَالَ: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، قَالَ [٤] :
خَرَجْتُ أُرِيدُ الْغَابَةَ فَلَقِيتُ غُلامًا لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ:
أَخَذْتُ لِقَاحَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: قُلْتُ: فَمَنْ أَخَذَهَا؟ قَالَ: غَطْفَانُ. قَالَ: فَانْطَلَقْتُ فَنَادَيْتُ: يَا صَبَاحَاهُ يَا صَبَاحَاهُ حَتَّى أَسْمَعْتُ مَنْ بَيْنَ لابَتَيْهَا. ثُمَّ مَضَيْتُ فَاسْتَنْقَذْتُهَا مِنْهُمْ.
قَالَ: وَجَاءَ رسول الله ﷺ في النَّاسِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الْقَوْمَ عِطَاشٌ، أَعْجَلْنَاهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا لِشِفَتِهِمْ، فَقَالَ: «يَا ابْنَ الأَكْوَعِ، مَلَكْتَ فَأَسْجِحْ، إِنَّهُمُ الآنَ فِي غَطْفَانَ يُقْرَوْنَ» . قَالَ: وَأَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [خلفه] [٥] .
стр. 2032
قَالَ ابْنُ سَعْدٍ [١] : وَأَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ النَّبِّيَّ ﷺ فِي الْبَدْوِ فَأَذِنَ لَهُ.
قَالَ [٢] : وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عبد الْعَزِيزِ بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ، قَالَ:
تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً.
٤٥٩- عمرو بن ميمون الأودي [٣] :
روى عن عمر، وعلي [٤] ، وابن مسعود، ومعاذ، وأبي أيوب، وأبي مسعود، وعبد الله بن عمر، وأبي هريرة، وابن عباس.
وكان من الصالحين إذ أري [٥] ذكر الله ، وحج ستين حجة.
٤٦٠- محمد/ بن حاطب بن الحارث، أبو القاسم الجمحي [٦] :
وهو أول من سمي في الإسلام بمحمد بعد رسول الله ﷺ ، وولد في السفينة حين ذهبوا إلى النجاشي، ومسح رسول الله ﷺ علي رأسه وتفل في فيه ودعا له بالبركة.
روى عن رسول الله ﷺ ، وتوفي بمكة في هذه السنة [٧] .
стр. 2033
ثم دخلت سنة خمس وسبعين
فمن الحوادث فيها ضرب عبد الملك الدنانير والدراهم [١]
وقد روينا أن أول من ضرب الدراهم آدم ﵇.
وقد وجدوا دراهم ضرب عليها اسم أردشير بن بابك قبل الإسلام بأكثر من أربعمائة سنة، فضربها عبد الملك ونقش عليها. وكانت مثاقيل الجاهلية التي ضرب عليها عبد الملك اثنين وعشرين قيراطا إلا حبة بالشامي، وكانت العشرة وزن سبعة.
وقيل: ضربها سنة ست وسبعين.
أَنْبَأَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الملك، قَالَ: أَنْبَأَنَا محمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا أبو الحسين بْنِ بِشْرَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنِ الصواف، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن خلف، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثني هارون بن محمد، قال: حدثنا زبير [٢] ، عن عبد الرحمن بن المغيرة الجزامي، عن ابن أبي الزناد، عن أبيه [٣] :
أن عبد الملك أول من ضرب الدنانير والدراهم في سنة خمس وسبعين.
وقال وكيع: وأخبرني محمد بن الهيثم، قال: سمعت ابن بكير يقول: سمعت مالك بن أنس يقول:
стр. 2034
أول من ضرب الدنانير عبد الملك، وكتب عليها القرآن.
قال وكيع: وأخبرني ابن أبي خيثمة، عن مصعب بن عبد الله، قال: وكان وزن الدراهم والدنانير في الجاهلية وزنها اليوم في الإسلام مرتين تدور بين العرب، وكان ما ضرب منها ممسوحا غليظا قصيرا، وليس فيها كتاب حتى كتبها عبد الملك، فجعل في وجه: قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ، ١١٢: ١ وفي الوجه الآخر: لا إله إلا/ الله. وطوقها بطوق فضة وكتب فيه: ضرب هذا الدرهم بمدينة كذا، وفي الطرف الآخر: محمد رسول الله أرسله ... بِالْهُدى [وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ] ٩: ٣٣ [١] .
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: حدثنا محمد بن عبيد الله البقال، قال: حدثنا أَبُو الحسين بْن بشران، قَالَ: أَخْبَرَنَا عثمان بن أحمد الدقاق، قال: حدثنا حنبل بن إسحاق، قال: حدثنا هارون بن معروف، قال: حدثنا سفيان، قال: قال أبو سعد:
الحجاج أول من ضرب الدراهم البيض، وكتب فيها: «قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ» ١١٢: ١. قال:
فقالوا: قاتله الله، أي شيء [هذا] يحمل الناس على أن يأخذه الجنب والحائض.
قال هارون: وقال سفيان: أول من ضرب الدراهم السود زياد، وأول من ضرب الدنانير عبد الملك بن مروان.
قال إبراهيم النخعي: جعل عمر بن الخطاب وزن عشرة دراهم ستة دنانير، فلما ولي زياد جعل وزن عشرة سبعة.
روى أبو القاسم بن زنجي الكاتب، قال: سمعت وكيعا يقول: كان القبط يكتبون على القراطيس: بسم الأب والابن وروح القدس، وكذلك على الدراهم، فوقف على ذلك عبد الملك بن مروان فأمر بتغييرها، وأن يكتب عليها من القرآن وغيره. وأدخلت بلاد الروم على حسب ما كانت تدخل، فلما رأى ملك الروم النقش مخالفا لما كان عليه سأل عنه، فترجم له، فأنكر وأهدى إلى عبد الملك هدية وكتب إليه يسأله أن يجري الأمر في القراطيس على ما كان عليه، فرد الهدية، وأبى ذلك، فبعث إليه ملك الروم
стр. 2035
يتوعده، فقطع الدنانير عن بلده، فبعث إليه إن تعامل بها المسلمون بعد هذا فافعل، وضرب الدنانير عبد الملك، فأما الدراهم فإنها كانت ثلاثة أصناف: الوافية، وهي النعلية، وزن الواحد مثقال. والصنف الآخر الجزية، وزن الواحد نصف مثقال، وكان يتعامل بها في المشرق. والصنف الثالث الطبرية، وزن العشرة منها ستة مثاقيل، فجمع عبد الملك الثلاثة أصناف عشرة عشرة، فصارت ثلاثين درهما عددا، وزنها واحد/ وعشرون مثقالا، فصير السبعة عشرة.
ومن الحوادث غزوة محمد بن مروان الصائفة حين خرجت الروم.
[ولاية الحجاج الكوفة وخطبته في أهلها] [١] .
وفيها: ولى عبد الملك يحيى بن الحكم بن أبي العاص المدينة، وولى الحجاج بن يوسف العراق دون خراسان وسجستان. فقدم الحجاج الكوفة بعد وفاة بشر بن مروان في اثني عشر راكبا [على النجائب] [٢] حتى دخل الكوفة، فجأة، وقد كان بشر بعث المهلب إلى الحرورية فبدأ الحجاج بالمسجد فدخله، ثم صعد المنبر وهو متلثم بعمامة خز حمراء، فلما اجتمع الناس هموا به [فكشف عن وجهه] [٣] وقال [٤] :
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني
قال مؤلف الكتاب: قد رويت لنا هذه الحالة مختلفة ونحن نذكرها بطرقها.
أخبرنا ابن المبارك الأنماطي، قال: أخبرنا أبو الحسين، ابن عبد الجبار الصيرفي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْد اللَّهِ الْحُسَيْن بْن مُحَمَّد بْن الحسن النصيبي، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيل بْن سَعِيد بْن سويد.
وأنبأنا علي بن عبيد الله، عن عبد الصمد بن المأمون، عن إسماعيل بن سعيد،
стр. 2036
قال: أخبرنا أبو بكر الأنباري، قَالَ: حَدَّثَني أبي، قَالَ: حدثنا أحمد بن عبيد الله، قال:
حدثنا محمد بن يزيد بن ريان الكلبي، عن عبد الملك بن عمير، قال:
لما اشتدت شوكة أهل العراق وطال وثوبهم بالولاة يحصبونهم ويقصرون بهم أمر عبد الملك، فنادى الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فخطبهم ثم قال: أيها الناس، إن العراق قد علا لهيبها، وسطع وميضها، وعظم الخطب فيها، فجمرها ذكي وشهابها وري [١] ، فهل من رجل ينتدب لهم ذي سلاح عتيد، وقلب شديد، فيخمد نيرانها، ويبيد شبانها، فسكت الناس، فوثب الحجاج بن يوسف، وقال: أنا يا أمير المؤمنين، قال: ومن أنت؟ قال: الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود صاحب رسول الله ﷺ وعظيم القريتين، قال له: اجلس فلست هناك، ثم/ أطرق عبد الملك مليا، ثم رفع رأسه، وقال: من للعراق؟ فسكت الناس، فوثب الحجاج وقال: أنا يا أمير المؤمنين، قال: ومن أين أنت؟ قال: من قوم رغبت في مناكحتهم قريش ولم يقيت منهم، وإعادة الكلام مما ينسب صاحبه إلى العي، ولولا ذلك لأعدت الكلام الأول، فقال له: اجلس فلست هناك. ثم أطرق عبد الملك مليا ورفع رأسه وقال: من لأهل العراق؟ فسكت الناس، فقال: ما لي أرى الليوث قد أطرقت، ولا أرى أسدا يزأر نحو فريسته، فسكت الناس، فوثب الحجاج فقال: أنا للعراق، يا أمير المؤمنين، قال: وما الذي أعددت لأهل العراق؟
قال: ألبس لهم جلد النمر، ثم أخوض الغمرات، وأقتحم الهلكات، فمن نازعني طلبته، ومن لحقته قتلته بعجلة وريث، وتبسم وازورار، وطلاقة واكفهرار، ورفق وجفاء، وصلة وحرمان، فإن استقاموا كنت لهم وليا حفيا، وإن خالفوا لم أبق منهم أحدا، فهذا ما أعددت لهم يا أمير المؤمنين، ولا عليك أن تجربني، فإن كنت للطلى قطاعا وللأرواح نزاعا، وللأموال جماعا، وإلا فاستبدل بي فإن الرجال كثير.
فقال عبد الملك: أنت لها، ثم التفت إلى كاتبه، وقال: اكتب عهده، ولا تؤخره، واعطه من الرجال والكراع والأموال ما سأل.
стр. 2037
قال عبد الملك بن عمير: فبينا نحن جلوس في المسجد الأعظم بالكوفة إذ أتانا آت فقال: هذا الحجاج بن يوسف [وقد قام] [١] أميرا على العراق، فاشرأب الناس نحوه، وأفرجوا له إفراجة عن صحن المسجد، فإذا نحن به يتنهنس في مشيته عليه عمامة حمراء متلثما بها متنكبا قوسا عربيا يؤم المنبر فما زلت أرمقه ببصري حتى صعد المنبر فجلس عليه وما تحدر اللثام عن وجهه، وأهل الكوفة يومئذ لهم حال حسنة وهيئة جميلة، وعز ومنعة، يدخل الرجل منهم المسجد معه عشرة أو عشرون رجلا من مواليه وأتباعه/ عليهم الخزوز والقوهية، وفي المسجد رجل يقال له عمير بن ضابىء البرجمي، فقال لمحمد بن عطارد التميمي: هل لك أن أحصبه لك، قال: لا حتى نسمع كلامه، فقال: لعن الله بني أمية حيث يستعملون علينا مثل هذا، ولقد ضيع العراق حيث يكون مثل هذا أميرا عليه، والله لو أن هذا كله كلام ما كان شيئا.
والحجاج ينظر يمنة ويسرة، حتى إذا غص المسجد بالناس، قال: يا أهل العراق، إني لأعرف قدر اجتماعكم، هل اجتمعتم؟ فقال رجل: قد اجتمعنا أصلحك الله، فسكت هنيهة لا يتكلم. فقال الناس: ما يمنعه من الكلام إلا العي والحصر [٢] ، فقام الحجاج فحسر لثامه، وقال: يا أهل العراق، أنا الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود، ثم قال: [٢]
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا [٣] ... متى أضع العمامة تعرفوني
صليت العود من سلفي نزار ... لنصل السيف وضاح الجبين
وماذا يبتغي الشعراء مني ... وقد جاوزت رأس الأربعين
أخو خمسين مجتمع لشدي ... ونجدة في مداومة الشؤون
وأني لا يعود إلي قرني ... غداة العين إلا أي حين
قال أبو بكر: قال أبي: والشعر لسحيم بن وثيل الرياحي، تمثل به الحجاج- والله
стр. 2038
يا أهل العراق إني لأرى رءوسا قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها، والله لكأني أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى:
هذا أوان الشد فاشتدي زيم ... قد لفها الليل بسواق حطم
ليس براعي إبل ولا غنم ... ولا بجزار على ظهر وضم
[وقال] :
قد لفها الليل بعصلبي ... وشمرت عن ساق سمري
أروع خراج من الدوي ... مهاجر ليس بأعرابي/
ما علتي وأنا شيخ رود ... والنفوس فيها وتر على عود [١]
مثل ذراع البكر أو أشد ... وتروى مثل حران العود [٢]
والله يا أهل العراق ما يغمز [٣] جانبي كتغماز التين، ولا يقعقع لي بالشنان ولقد فرزت [٤] عن ذكاء وفتشت عن تجربة، وأجريت من الغاية، وإن أمير المؤمنين نثر كنانته [٥] فعجم عيدانها عودا عودا، فوجدني أمرها عودا [٦] ، وأشدها مكسرا [٧] ، فوجهني إليكم، فرماكم بي.
يا أهل الكوفة، يا أهل الشقاق والنفاق، ومساوىء الأخلاق، فإنكم طالما أوضعتم في أودية الفتنة، اضطجعتم في منام الضلال، وسننتم سنن الغي، وأيم الله لألحونكم لحو العود، ولأعصبنكم عصب السلمة ولأضربنكم ضرب غريبة الإبل، إني والله لا أحلف إلا بررت، ولا أعد إلا وفيت، وإياي وهذه الزرافات والجماعات، وقال وما يقول، وكان وما يكون وما أنتم وذاك.
يا أهل العراق، إنما أنتم أهلي قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً [مِنْ كُلِّ ١٦: ١١٢
стр. 2039
مَكانٍ] فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ ١٦: ١١٢ [١] فأتاها وعيد القرآن من ربها، فاستوثقوا واعتدلوا ولا تميلوا، واسمعوا وأطيعوا وتتابعوا وبايعوا [٢] ، واعلموا أنه ليس مني الإكثار، لا الفرار ولا النقار، وإنما [هو] [٣] انتضاء هذا السيف، ثم لا يغمد [في] الشتاء [ولا] الصيف حتى يدل [٤] الله لأمير المؤمنين عزكم، ويقيم له أودكم وصفوكم [٥] ، ثم أني وجدت الصدق من البر، ووجدت البر من الجنة، ووجدت الكذب من الفجور، ووجدت الفجور في النار، وإن أمير المؤمنين أمرني بإعطائكم أعطياتكم، وإشخاصكم لمجاهدة عدوكم وعدو أمير المؤمنين، وقد أمرتكم بذلك وأجلتكم ثلاثا [٦] ، وأعطيت الله عهدا يؤاخذني به ويستوفيه مني، لئن تخلف رجل منكم بعد قبض عطائه لأضربن عنقه، / ولأنتهبن ماله، ثم التفت إلى أهل الشام، فقال: يا أهل الشام، أنتم الجند والبطانة والعشيرة، والله لريحكم أطيب من ريح المسك الأذفر، إنما أنتم كما قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها في السَّماءِ ١٤: ٢٤ [٧] .
ثم أقبل على أهل العراق، فقال: يا أهل العراق، لريحكم أنتن من ريح الأبخر [٨] ، وإنما أنتم كما قال الله تعالى: وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها من قَرارٍ ١٤: ٢٦ [٩] .
اقرأ كتاب أمير المؤمنين يا غلام، فقال القارئ: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين إلى من بالعراق، [من المؤمنين
стр. 2040
والمسلمين] [١] ، سلام عليكم، فإنّي أحمد الله عليكم الذي لا إله إلا هو.
فسكتوا، فقال الحجاج من فوق المنبر: اسكت يا غلام، فسكت القارئ، فقال: يا أهل الشقاق، و [يا أهل] [٢] النفاق، ومساوىء الأخلاق، أيسلم عليكم أمير المؤمنين فلا تردون ﵇، هذا أدب ابن أبيه [٣] .
قال مؤلف الكتاب [٤] : كذا في هذه الرواية، والصواب ابن أذينة [٥] . وتأتي في طريق آخر.
والله لئن بقيت لكم لأؤدبنكم أدبا سوى أدبه، وليستقيمن [٦] لي أو لأجعلن لكل أمرئ منكم في جسده شغلا، اقرأ كتاب أمير المؤمنين يا غلام، فقال القارئ:
بسم الله الرحمن الرحيم، فلما بلغ موضع السلام صاحوا: وعلى أمير المؤمنين السلام ورحمة الله وبركاته.
ثم نزل فدخل دار الإمارة وحجب الناس ثلاثة أيام، وأذن لهم في اليوم الرابع، فدخل عمير بن ضابىء، فقال: أصلح الله الأمير، إني شيخ كبير وقد خرج اسمي في هذا البعث، ولي ابن هو على الحرب والأسفار أقوى مني وأشجع عند اللقاء، فإن رأى الأمير أن يجعله مكاني فعل، فقال: انصرف أيها الشيخ راشدا، وابعث ابنك بديلا، فلما ولى قال له عنبسة بن سعيد بن العاص: أيها الأمير، أتعرف هذا؟ قال: لا والله، قال: هذا عمير بن ضابىء الذي أراد أبوه [٧] أن يفتك بأمير المؤمنين عثمان ﵁، فلم/ يزل محبوسا في حبسه حتى أصابته الدبيلة، فمات. ثم جاء هذا فوطئ أمير المؤمنين عثمان وهو مقتول فكسر ضلعا من أضلاعه، وأبوه الذي يقول فيما يقول:
стр. 2041
هممت ولم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عثمان تبكي حلائله [١]
فقال: علي بالشيخ، فلما أتى قال: أما يوم الدار فتشهده بنفسك، وأما في قتال الخوارج فتبعث بديلا، أما والله أيها الشيخ إن في قتلك لراحة لأهل المصرين، يا حرسي اضرب عنقه، فضربت عنقه.
قال: وسمع الحجاج صوتا فقال: ما هذا؟ قالوا: البراجم ينتظرون [٢] عميرا، فقال: ارموا إليهم برأسه، فرمي إليهم برأسه فولوا هاربين.
قال [٣] ، وكان ابن لعبد الله بن الزبير الأسدي قد سأله أن يشفع له إلى الحجاج أن يأذن في التخلف، فلما قتل عمير خرج ولم ينتظر الإذن، فقال ابن عبد الله بن الزبير في ذلك.
أقول لإبراهيم لما لقيته [٤] ... أرى الأمر أمسى مفظعا متعصبا [٥]
تجهز فإما أن تزور ابن ضابىء ... عميرا وإما أن تزور المهلبا
هما خطتا خسفا نجاؤك منهما ... ركوبك حوليا من الثلج أشهبا
وإلا فما الحجاج مغمد سيفه ... مدى الدهر حتى يترك الطفل أشيبا [٦]
فأضحى [٧] ولو كانت خراسان دونه ... يراها مكان السوق أو هي أقربا
وكم قد رأينا تارك الغزو ناكثا ... ينكث حنو السرج حتى تحنبا [٨]
فلما اتصل الخيل والرجال بالمهلب تعجب [٩] وقال: لقد ولي العراق رجل ذكر.
стр. 2042
وقد رويت لنا هذه القصة بزيادة ونقصان.
أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ، قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، قَالَ:
أخبرنا أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عبد الرحيم المازني، قال: حدثنا أَبُو علي الحسين بْن القاسم الكوكبي، قَالَ: حدثنا عثمان بن مصعب الجندي [١] ، قال: حدثنا عبد الحميد بن سلمة، قال: حدثني أبي، عن مجالد عن عبد الملك/ بن عمير الليثي قال:
كتب روح بن زنباع الجذامي إلى أهل الكوفة، أن أمير المؤمنين لما أمضه اضطرابكم واشتد بلاؤكم، وكثر توثبكم على الولاة تحصبونهم وتقصرونهم [٢] ولا تنقادون جمع أهل بيته وأكابرهم ممن لهم البأس والنجدة والعز والعدد والظفر، فقال:
أيها الناس، إن العراق قد كدر ماؤها، واملولح عذبها، وعذب ملحها، وسطع لهبها، وبرق وميضها، وثار ضرامها واشتد شعابها، والتاث أفانينها، ودام بأسها، وعظم شررها، وكثر موقدها، فحرها ذكي وخطبها وبي، ومرعاها وخيم، قد صدرهم [٣] الكبار، ولا يقيم درهم الصغار، فمن ينتدب لهم منكم بسيف قاطع، وفرس راتع، وسنان لامع، وجنان غير خاضع، فيخمد نيرانها، ويبيد شبانها، ويقصم كهولها، ويقتل جهولها حتى يعيش فقيرها، وينتفع بماله غنيها، ويستقر الآئب، ويرجع الغائب، ويحيى الخراج، ويداوى الجراح، وتصفو البلاد، ويسلس القياد، فقد دعوت سلبها، وجهرت لظالمها، وليتكلم رجل يقيم أودهم بسيف أدلب، أو خرج. فسكت الناس، فقام الحجاج بن يوسف، فقال: أنا للعراق يا أمير المؤمنين، قال: ومن أنت؟ قال: [أنا الليث المنضام الهزبر [٤] المقصام] [٥] : أنا الحجاج بن يوسف، قال: اجلس فلست هناك. ثم أطرق مليا، وقال: من للعراق، فقد أطرقت الليوث، ولست أرى أسدا يقصد نحو فريسته، فسكت الناس، فقام الحجاج بن يوسف الثقفي فقال: أنا للعراق يا أمير
стр. 2043
المؤمنين، قال: ومن أنت؟ قال [١] : أنا الحجاج بن يوسف، معدن العفو والبوار. قال:
اجلس فلست هناك، ثم أطرق مليا فقال: من العراق، فقد قوي الضعيف، وخضع الشديد، فقام الحجاج فقال: أنا للعراق يا أمير المؤمنين.
فقال: يا ابن يوسف، لكل أمر آلة وقلائد، فما آلتك وقلائدك؟ قال: القتل والعفو، والمكاشفة والمداراة، والحرق [٢] والرفق، والعجلة والريث، والإبراق والتبسم، والإرعاد والتنفس، والإبعاد والدنو، [والرفق] [٣] والجفا طورا والزيارة والصلة آونة، والتجبر والتقمص أحيانا، والحرمان، والترهيب والترغيب ألوانا، ألبس جلد النمر، وسيفا منيعا، وتوضعا في/ تجبر وخوض غمرات الفنيق، ضحضاح الثمد عند الورود، فمن رمقني حددته، ومن لوى شدقه خدعته، ومن نازعني جذبته [٤] ، ومن عض منقبة بددته، ومن تغير لونه قتلته، ومن دنا أكرمته، ومن نأى طلبته، ومن ما حكني [٥] غلبته، ومن أدركته كسعته، فهذه آلتي وقلادتي، ولا عليك يا أمير المؤمنين أن تجربني، فإن كنت للأعناق قطاعا، وللأوصال جزاعا، وللأرواح نزاعا، وللخراج جماعا، ولك في [هذه] [٦] الأشياء نفاعا، وإلا فاستبدل بي غيري، فإن الناس كثير، ومن يسد بهم الثلم قليل.
فقال عبد الملك: أنت لها للَّه أبوك فتناولها كيف شئت ثم التفت إلى كاتبه، فقال: اكتب له عهدا على العراق جميعا، وأطلق يده في السلاح والكراع والرجال والأموال، ولا تجعل له علة، وقد كتب عهده يوم الاثنين وهو خارج يوم السبت، فالزموا طاعته يا أهل الكوفة، واحذروا صولته.
فبينا نحن جلوس في المسجد الأعظم بالكوفة إذ أتانا آت، فقال: الحجاج بن يوسف قد قدم أميرا على العراق، فاشرأب الناس نحوه ينظرون إليه، ثم أفرجوا له
стр. 2044
إفراجة واحدة عن صحن المسجد، وإذا هم به يمشي، عليه عمامة حمراء قد تلثم بها وهو متنكب قوسا له عربية [١] وهو يؤم المنبر [٢] ، قال: فما زلت أرميه ببصري حتى جلس [٣] على المنبر ما يحدر لثامه، ولا ينطق حرفا، وأهل الكوفة يومئذ ذو حالة حسنة وهيئة جميلة، في عز ومنعة، فكان الرجل يدخل المسجد ومعه الخمسة والعشرة والعشرون من مواليه وأتباعه عليهم الخزوز والقوهية، وفي المسجد يومئذ عمير بن ضابىء البرجمي، وعبد الرحمن بن محمد الأشعث، ومحمد بن عمير بن حاجب بن زرارة الحنظلي، فابتدرنا عمير، فقال: أحصبه لكم، فقلنا: لا حتى نسمع ما يقول، فأبى عمير إلا أن يحصبه، فمنعناه، فقال: لعن الله بني أمية حيث يستعملون مثل هذا، وضيع والله العراق حيث صار مثل/ هذا عليها واليا، فو الله لو كان هذا كله كلاما ما كان شيئا.
والحجاج ساكت ينظر يمينا وشمالا، فلما رأى المسجد قد غص بأهله، قال: اجتمعتم، فلم يرد عليه أحد شيئا، فقال: كأني أرى قدر اجتماعكم، فقال رجل من القوم: قد اجتمعنا أصلح الله الأمير، فسكت هنيهة، فلما رأى القوم أنه لا يحير جوابا قال بعضهم لبعض: ما يمنعه من الكلام إلا العي، وأهووا بأيديهم إلى الحصى ليحصبوه بها، ففطن الحجاج فوثب قائما وقد أحاط بالمسجد مائتا طائل، ومائتا دارع، ومائتا جاشن، ومائتا سائف، ومائتا رامح، على الطائلة سويد بن عدية العجلي، وعلى الدارعة السكن بن يوسف الثعلبي، وعلى السائفة بدر بن مدركة اليشكري، وعلى البرامجة عطية بن حويرثة [٤] الأصبحي، فكان مما راعهم ذلك وأفزعهم، فأومأ الحجاج إلى الطائلة أن اسكتوا فسكتوا، فقال: أفعلتموها يا أهل العراق ويا أهل العير الداجنة أنا الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن عامر بن مسعود عظيم القريتين ابن معتب بن مالك بن عوف بن قسي بن منبه بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس بن غيلان بن مضر، ثم قال:
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني
стр. 2045
صليب العود من سلفي نزار ... كنصل السيف وضاح الجبين
فماذا يغمز الأقران مني ... وقد جاوزت حد الأربعين
أخو خمسين مجتمع أشدي ... وتحددني مداولة الشؤون
يا أهل الكوفة إني لأرى رءوسا قد أينعت وحان قطافها، وإني لصاحبها، للَّه أبوكم، كأني انظر إلى الدماء بين العمائم واللحى، ثم قال:
هذا أوان الشد فاشتدي زيم ... قد لفها الليل بسواق حطم
ليس براعي إبل ولا غنم ... ولا بجزار على ظهر وضم
من يلقني يودى كما أودت إرم
/ قد لفها الليل بصلبي [١] ... مهاجر ليس بأعرابي
قد شمرت عن ساق سمهري
وأيم الله يا أهل العراق لا يغمز جنابي كتغماز التين، ولا يقعقع لي بالشنان، فلقد فرغت [٢] عن ذكاء، وفتشت عن تجربة، وأجريت إلى الغاية القصوى، إن أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان نكث [٣] كنانته بين يديه، فعجم عيدانها عودا عودا فوجدني أمرها عودا وأصلبها مكسرا، فوجهني إليكم يا أهل العراق والشقاق والنفاق ومساوىء الأخلاق، إنكم والله طالما أوضعتم في أودية الفتنة واضطجعتم في منام الضلالة وسلكتم سنن الغي، والله لأقرعنكم قرع المروة، ولألحونكم لحو العود [٤] ، ولأعصبنكم عصب السلمة والشاة السقيمة، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل، واعلموا أني والله لا أعد إلا وفيت، ولا أحلق إلا فريت، ولا أحلف إلا نزرت، ولا أبعد إلا شيعت، وإياكم وهذه الزرافات والخرافات والبطالات والمقالات والجماعات، وقيل وقال، وما قال وما يقول، وكان و [ما] [٥] يكون، وفيم أنتم وما أنتم وذاك، يا أهل الكوفة
стр. 2046
إنما أنتم أهل قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً [مِنْ كُلِّ مَكانٍ] [١] فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ، فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ ١٦: ١١٢ [٢] ، وآتاها وعيد القرى من ربها بسوء ما كسبت أيديهم ألا إن الأمور إذا استقرت لا يدركها إلا كل ذي لب برأيه، وإن خير الرأي ما هدى الله به العبد، وراقبوا الله واعتصموا بحبله، وأعطوا القياد خلفاءكم وأمراءكم من قبل زوال النعمة، ولا تكونوا كالذين لا يعقلون، ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ ٧: ١٧٧ [٣] ، فليعقل من كان له معقول، فقد أعذر من أنذر، فقد والله حلت بكم بائقة فيها بوائق تتلوها سطوة من سطوات الله تجتاح الأموال، وتهريق الدماء، ثم لا تستطيعون عند ذلك غبرا، ولا تبدلون نعما.
لا تغروني يا قوم بكم، ولا تسهروني بعد رقدتي، فإني/ راض بما صفا لي منكم من علانيتكم، ما لم تكن حيلة في سواد هذه الدهماء، ولا تحملوني على أكتافكم بأحجاركم في رقابتكم، وفي كل يوم ما الخبر، إن الحجاج ذو حسام باتر تجتلى به الأوصال، فكم له في كل حي من حرز إلا من استوثقت لنا طاعته، وخلصت لنا مودته، ودامت لنا مقته، فذاك منا ونحن منه، فأما من ركب الترهات وأخذ في النية بعد النية، فهيهات هيهات يا هيهات لأهل المعاصي والنفاق، ألا ترهبون، ويحكم أن تغير عليكم الخيل الملجمة فتترككم أمثال الرقاق المنتفخة المستوسقة الشائلة بأرجلها، ألا وإن نصلي سبك من دماء [أهل] العراق، فمن شاء فليحقن دمه، ومن أبى أوسعت بالوعة الموت دمه، وفتتت للسباع لحمه، وقامت الرخم على شلوه، وضعت الدعارع بعجمه، فمهلا يا أهل العراق مهلا، فإن تميلي بقرن الصعاب، وبذل الرقاب، ولو قل العقاب وتستقل الحروب، ألم تعلموا أني في الحروب ولدت، وفيها تلدت، وفيها فطمت، وفيها قطعت تمائمي، وبليت نواجذي، وصلع رأسي، أفأنتم تجلجونني أن يكون ذلك حتى يجلجل صم الصناخيد التي هي للأرض أوتاد، وإني قد سست وساسني السائسون، وأدبني المؤدبون.
стр. 2047
استوثقوا واستقيموا، وتابعوا وبايعوا، وجانبوا واحذروا واتقوا، واعلموا أنه ليس مني الإكثار ولا الإهذار، ولا مع ذلك الفرار ولا النفار، وإنما هو انتضاء السيف، ثم لا يغمد الشتاء ولا الصيف حتى تفيئوا إلى أمر الله، وتجتمعوا [١] إلى طاعته وطاعة أمير المؤمنين حتى يذل الله له صعبكم، ويقيم أودكم، ويلوي به صغيركم.
ألا وإني وجدت الصدق مع البر، والبر في الجنة، وألفيت الكذب مع الفجور، والفجور في النار. وقد وجهني أمير المؤمنين إليكم وأمرني بإعطائكم عطاياكم، وإشخاصكم إلى مجاهدة عدوكم، وقد أمرت بذلك لكم، وأجلتكم ثلاثا، وأعطي الله عهدا يأخذه مني ويستوفيه/ علي، لئن بلغني أن رجلا تخلف منكم بعد قبض عطائه يوما واحدا لأضربن عنقه، ولأنهبن ماله. اقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين يا غلام، فقال الكاتب:
«بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عبد الملك بن مروان إلى من بالعراق من المؤمنين والمسلمين، سلام عليكم» . فلم يقل أحد شيئا، فغضب الحجاج وقال: يا أهل الفتن الداحية، والأهواء الراثية، والألباب الماجنة، أيسلم عليكم أمير المؤمنين فلا تردون ﵇، والله لأؤدبنكم غير أدب ابن أذينة- وكان ابن أذينة صاحب شرطة بالكوفة- ولأجعلن لكل امرئ منكم في جسده شغلا، أعد القراءة يا غلام، فأعاد الكاتب، فلما بلغ قوله: سلام عليكم، قال جميع من في المسجد، وعلى أمير المؤمنين السلام ورحمة الله وبركاته، ثم نزل فدخل الدار.
فلما كان اليوم الرابع أتاه عمير بن ضابىء البرجمي ومعه ابنان له وقد ركب معه جماعة من البراجمة ألفا فارس وقالوا له: إن رأيت من الأمير ريب فدماؤنا دون دمك، فقال: أيها الأمير، إني شيخ كبير، وقد خرج اسمي في هذا البعث، وابني هذا أقوى مني على السفر، وأجلد في الحرب، فإن رأى الأمير أن يمن علي بلزوم منزلي، ويقبل ابني بديلا فعل ذلك موفقا. فقال: نعم ذلك لك يا شيخ انطلق راشدا وابعث ابنك بديلا.
فلما ولي قال له عنبسة بن سعيد بن العاص: أيها الأمير، أتعرف هذا الشيخ الّذي
стр. 2048
ناجاك آنفا؟ قال: لا، قال: هذا عمير بن ضابىء البرجمي الذي هجا أبوه ابن قطن في حال كلب لهم يقال له قرحان [وكان] [١] يصيد حمر الوحش، فاستعاره منهم، فلما طلبوه منه منعهم، فركبوا إليه فساءوه، فأنشأ يقول:
يكلف دوني وفد قرحان شقه ... تضلّ لها الوجناء وهي حسير
فأردفتهم كلبا فراحوا كأنما ... حباهم تناج الهرمزان أسير [٢]
فيا راكبا أما عرضت فبلغن ... ثمامة عني والأمور تدور
فأمكم لا تتركوها وكلبكم ... فإن عقوق الأمهات كبير
إذا ما انتشى من آخر الليل نشوة ... يبيت له فوق الفراش هرير
فاستعدوا عليه عثمان فحبسه في السجن حتى مات، واتخذ حديدة لعثمان ليقتله بها، فعلم بذلك عثمان فحبسه حتى مات في السجن [٣] ، وقد كان في مرضه قال:
وقائلة لا يبعد الله ضابئا ... إذا اخضر من دهر الشتاء أصائله
وقائله لا يبعد الله ضابئا ... إذا العرب الرعى تنضت سوائله
وقائلة لا يبعد الله ضابئا ... إذا الكبش لم يوجد له من ينازله
هممت ولم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عثمان تبكي حائله
فلا تتبعوني إن هلكت ملامة ... فليس بعار قتل قرن أنازله
فلما قتل عثمان دخل هذا فيمن دخل عليه يطلب ثأر أبيه، فكسر ضلعا من أضلاع عثمان وهو يقول:
أين تركت ضابئا يا نعثل قال: فقال الحجاج: ردوه، فردوه، فقال: أتشهد يوم الدار بنفسك وتطلب اليوم بديلا، هلا سألت بديلا يوم الدار، والله أيها الشيخ إن في قتلك صلاحا للمصرين، يا حرسي اضرب عنقه، ثم قال: إني والله لجواد بدمه إن قتله غيري، قربوه. فقربوه
стр. 2049
فضرب عنقه، فإذا رأسه بين رجليه، ثم أخذ بلحيته فهزها وأخذ يتمثل بشعر يزيد بن أبي كاهل اليشكري:
ساء ما ظنوا وقد أبليتهم ... عند غايات المدى كيف أقع
كيف يرجون سقاطي بعد ما ... جلل الرأس بشيب وصلع
/ رب من أنضحت غيظا صدره ... قد تمنى لي موتا لم يطع
وتراني كالشجى في خلقه ... عسرا مخرجه ما ينتزع
ويحييني إذا لاقيته ... وإذا يخلو له الحي رتع
ثم سمع ضوضاء، فقال: ما هذه الضوضاء، قالوا: البراجم بالباب تنتظر عميرا، فقال: أتحفوهم برأسه، فرمى بالرأس إليهم، فلما نظروا إليه ولوا هاربين لاحقين بمراكزهم، ثم إنهم ازدحموا على الحسين بن أبي براء التميمي فاستنصروه، فقال: لأمهاتكم الهبل [١] ، ألا تتقون الله، تحملونني على إهراق الدماء، والله لا يترك الحجاج قدما إلا أوطأها عبد الملك بن مروان، ولا نزل بأحدكم أخرى إلا لحق بعمير وبمثله، والله يقرن الصعاب، ومر عبد الله بن الزبير الأسدي بابن عم له يقال له إبراهيم، فقال: ما وراءك أبا حبيب، قال: ورائي كل بلية، قتل والله عمير بن ضابىء، النجاء النجاء، وأنشأ يقول:
أقول لإبراهيم لما لقيته ... أرى الأمر أمسى هالكا متشعبا
ترحل فإما أن تزور ابن ضابىء ... عميرا وإما أن تزور المهلبا [٢]
هما خطتا كره نجاؤك منهما ... ركوبك حوليا من الثلج أشبها
وإن على الحجاج فيه ألية ... بمعدلها نابا علوفا، ومحلبا
فأضحى ولو كانت خراسان دونه ... رآها مكان السوق أو هي أقربا
وإلا فما الحجاج مغمد سيفه ... مدى الدهر حتى يترك الطفل أشيبا
وكم قد رأينا تارك الغزو ناكلا ... ينكب حبو السرج حتى تنكبا
стр. 2050
فخرج الناس أرسالا يؤمون خراسان نحو المهلب، فلما قدموا عليه قال المهلب:
اليوم قوتل والله العدو، ويحكم من ولي العراق؟ قالوا له: الحجاج بن يوسف، قال المهلب: وليها والله رجل ذكر، ثم قال: يا أهل العراق/ لقد داهتكم داهية، ورميتم بالخنة، ولقد مارسكم امرؤ [١] ذكر. وقصوا عليه قصة الحجاج، فقال: والله لقد تخوفت أن يكون القادم عليكم مبير ثقيف، وليخربن دياركم، وليسجد من أبناءكم، وليمزقنكم كل ممزق، اللَّهمّ لا تسلطه علينا ولا على أحد من أوليائك إنك على كل شيء قدير.
قال مؤلف الكتاب: وفي رواية أخرى: أن الحجاج لما فرغ من خطبته قال:
الحقوا بالمهلب وأتوني بالبراءات بموافاتكم، ولا تغلقوا باب الجسر ليلا ولا نهارا، فلما قتل عمير بن ضابىء خرج الناس فازدحموا على الجسر، وخرجت العرفاء إلى المهلب وهو برامهرمز فأخذوا كتبه بالموافاة، ولما وصل الحجاج إلى الكوفة بعث الحكم بن أيوب الثقفي أميرا على البصرة وأمره أن يشد على خالد بن عبد الله، فلما بلغ خالد الخبر خرج من البصرة قبل أن يدخلها الحكم، فنزل الحجاج وتبعه أهل البصرة، فلم يبرح حتى قسم فيهم ألف ألف درهم.
وفي هذه السنة ثار الناس بالحجاج بالبصرة [٢]
وذلك أنه خرج من الكوفة بعد أن قتل ابن ضابىء حتى قدم البصرة، فقام فيهم بخطبة مثل التي قام بها في الكوفة، وتوعدهم مثل وعيده [٣] أولئك، فأتي برجل من بني يشكر فقيل له: إن هذا عاص [٤] ، قال: إن بي فتقا، وقد رآه بشر فعذرني، وهذا عطائي مردود إلى بيت المال، فلم يقبل منه وقتله، ففزع لذلك أهل البصرة، فخرجوا حتى أدركوا [٥] العارض بقنطرة رامهرمز، وخرج الحجاج ونزل رستقباذ، وكان بينه وبين
стр. 2051
المهلب ثمانية عشر فرسخا، فقام في الناس، فقال: إن الزيادة التي زادكم ابن الزبير في أعطياتكم زيادة فاسق منافق، ولست أجيزها، فقام إليه عبد الله بن الجارود العبدي، فقال: إنها ليست بزيادة فاسق منافق، ولكنها زيادة أمير المؤمنين عبد الملك قد أثبتها لنا، فكذبه وتوعده/ فخرج ابن الجارود على الحجاج وبايعه وجوه الناس، فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل ابن الجارود وجماعة من أصحابه، وبعث برأسه ورءوس عشرة من أصحابه إلى المهلب، ونصبت برامهرمز للناس، وانصرف إلى البصرة، وكتب إلى المهلب وإلى عبد الرحمن بن مخنف: أما بعد، فإذا أتاكم كتابي هذا فناهضوا الخوارج، والسلام.
فلما وصل الكتاب [١] إليهما ناهضا الأزارقة يوم الاثنين لعشر بقين من شعبان- وقيل: يوم الأربعاء لعشر بقين من رمضان- فأجلوهم عن رامهرمز من غير قتال، فذهبوا إلى أرض يقال لها كازرون، فسارا وراءهم حتى نزلا بهم في أول رمضان، فخندق المهلب عليه وقال لعبد الرحمن: إن رأيت أن تخندق عليك فافعل، فأبى أصحاب عبد الرحمن، وقالوا: إنما خندقنا سيوفنا، فزحفت الخوارج إلى المهلب ليلا ليبيتوه، فوجدوه قد أخذ حذره، فمالوا: إلى عبد الرحمن فقاتلوه، فانهزم عنه أصحابه، فنزل فقاتل فقتل في جماعة من أصحابه.
وكتب المهلب بذلك إلى الحجاج، فبعث مكانه عتاب بن ورقاء، وأمره أن يسمع للمهلب ويطيع، فساءه ذلك ولم يجد بدا من طاعة الحجاج، فجاء حتى أقام في العسكر وقاتل الخوارج، وكان لا يكاد يستشير المهلب في شيء فأغرى به المهلب رجالا من أهل الكوفة منهم بسطام بن مصقلة.
وجرى بين المهلب وعتاب يوما كلام، فذهب المهلب ليرفع القضيب عليه، فوثب إليه ابنه المغيرة، فقبض على القضيب، وقال شيخ من شيوخ العرب: فاحتمله وقام عتاب فاستقبله بسطام يشتمه ويقع فيه، فكتب إلى الحجاج يشكو المهلب ويخبره أنه قد أغرى به سفهاء المصر، فبعث إليه أن أقدم.
стр. 2052
وفي هذه السنة تحرك صالح بن مسرح أحد بني امرئ القيس وكان يرى رأي الصفرية [١]
وقيل [٢] : إنه أول من خرج منهم، وكان صالح هذا ناسكا عابدا، وله أصحاب يقرئهم القرآن، ويفقههم ويقص عليهم ويقدم الكوفة فيقيم بها الشهر/ والشهرين، وكان بأرض الموصل، وله كلام مستحسن، وكان إذا فرغ ذكر أبا بكر وعمر فأثنى عليهما، وذكر ما أحدث عثمان وعلي وتحكيمه الرجال، فيتبرأ منهما، ثم يدعو إلى مجاهدة أئمة الضلال، ويقول: تيسروا للخروج من دار الفناء إلى دار البقاء، واللحاق بإخواننا المؤمنين الذين باعوا الدنيا بالآخرة، ولا تجزعوا من القتل في الله، فإن القتل أيسر من الموت، والموت نازل بكم.
فبينا [٣] هو كذلك ورد عليه كتاب شبيب يقول فيه [٤] : قد كنت دعوتني يا صالح إلى أمر فاستجبت له، فإن كان ذلك من شأنك فبادر فإنك شيخ المسلمين، وإن أردت تأخير ذلك فأعلمني، فإن الآجال غادية ورائحة، ولا آمن أن تخترمني المنية ولم أجاهد الظالمين، جعلنا الله وإياك ممن يريد الله بعمله.
فأجابه صالح أني مستعد فأقدم، فقدم عليه في جماعة من أهله فواعدهم الخروج في صفر سنة ست وسبعين، ثم قال صالح لأصحابه: اتقوا الله ولا تعجلوا إلى قتال أحد إلا أن يريدوكم فإنكم خرجتم غضبا للَّه.
وحج صالح في سنة خمس وسبعين ومعه شبيب بن يزيد، وسويد، والبطين وأشباههم.
وفي هذه السنة حج عبد الملك بالناس فهم [٥] شبيب بالفتك به، وبلغ عبد الملك شيء من خبرهم، فكتب إلى الحجاج بعد انصرافه يأمره بطلبهم، وكان صالح يأتي الكوفة فيقيم
стр. 2053
بها الشهر ونحوه، فنبت بصالح الكوفة لما طلبه الحجاج، فتنكبها، ووفد يحيى بن الحكم في هذه السنة على عبد الملك، واستخلف على عمله بالمدينة أبان بن عمرو ابن عثمان، فأقر عبد الملك يحيى على ما كان عليه بالمدينة، وعلى الكوفة والبصرة الحجاج، وعلى خراسان أمية بن عبد الله، وعلى قضاء الكوفة شريح، وعلى قضاء البصرة زرارة بن أبي أوفى.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٤٦١- الأسود بن يزيد بن قيس بن عبد الله، أبو عمرو [١] :
وهو ابن أخي علقمة بن قيس، وهو أكبر من علقمة.
روى عن أبي بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود، ومعاذ، وسلمان، وأبي موسى/ وعائشة. ولم يرو عن عثمان شيئا. وكان يصوم الدهر فذهبت إحدى عينيه، وكان لسانه يسود من شدة الحر، فيقال له: لا تعذب هذا الجسد، فيقول: إنما أريد له الراحة.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمرو [٢] البرمكي، قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز بن مردك، قال: حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ بن أبي حاتم، قَالَ: حدثنا أبو حميد الحمصي، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا يزيد بن عطاء، عن علقمة بن مرثد، قال:
كان الأسود بن يزيد يجتهد في العبادة، يصوم حتى يخضر ويصفر، فلما احتضر بكى، فقيل له: ما هذا الجزع؟ فقال: ما لي لا أجزع، ومن أحق بذلك مني، والله لو أتيت بالمغفرة من الله لأهمني الحياء منه مما قد صنعت. إن الرجل ليكون بينه
стр. 2054
وبين الرجل الذنب الصغير، فيعفو عنه فلا يزال مستحييا منه. قال: ولقد حج الأسود ثمانين حجة.
توفي الأسود بالكوفة، في هذه السنة.
٤٦٢- توبة بن الحمير من بني عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن خفاجة [١] :
كان شاعرا، وكان أحد عشاق العرب، مشهورا بذلك، وصاحبته ليلى الأخيلية، وكان يقول فيها الشعر ولا يراها إلا متبرقعة، فأتاها يوما فسفرت له عن وجهها فأنكر ذلك، وعلم أنها لم تسفر إلا عن حدث، وكان إخوتها قد أمروها أن تعلمهم بمجيئه، فسفرت لتنذره، ففي ذلك يقول:
وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت ... فقد رابني منها الغداة سفورها
وأول الشعر:
نأتك بليلى دارها لا تزورها ... وشطت نواها واستمر مريرها
يقول رجال لا يضيرك حبها ... بلى كلما شف النفوس يضيرها
أظن بها خيرا وأعلم أنها ... ستنعم يوما أو يفك أسيرها
/ حمامة بطن الواديين ترنمي ... سقاك من الغر الغوادي مطيرها
أبيني لنا لا زال ريشك ناعما ... ولا زلت في خضراء دان بريرها
أرى اليوم يأتي دون ليلى كأنما ... أتت حجج من دونها وشهورها
أرتنا حياض الموت ليلى وراقنا ... عيون نقيات الحواشي تديرها
ألا يا صفي النفس كيف تقولها ... لو أن طريدا خائفا يستجيرها
علي دماء البدن [٢] إن كان بعلها ... يرى لي ذنبا غير أني أزورها
وقد زعمت ليلى بأني فاجر ... لنفسي تقاها أو عليها فجورها
وله أيضا فيها:
فإن تمنعوا ليلى وحسن حديثها ... فلن تمنعوا عيني البكا والقوافيا
стр. 2055
فهلا منعتم إذ منعتم كلامها ... خيالا يمسينا على النأي هاديا
يلومك فيها اللائمون نصاحة ... فليت الهوى باللّائمين مكانيا
لعمري لقد أسهرتني يا حمامة ... العقيق وقد أبكيت ما كان باكيا
ذكرتك بالغور التهامي فأصعدت ... شجون الهوى حتى بلغن التراقيا
كان توبة يشن الغارة على بني الحارث بن كعب وهمدان، وكانت بين أرض بني عقيل وبني مهرة مفازة، وكان يحمل معه الماء إذا أغار، فغزا هو وأخوه عبد الله وابن عم له فنذروا بهم، فانصرف محققا، فمر بجيران لبني عوف، فاطرد إبلهم وقتل رجلا من بني عوف، فطلبوه فقتلوه، وضربوا رجل أخيه فأعرجوه، فبلغ الخبر ليلى، فقالت:
فآليت أبكي [١] بعد توبة هالكا ... وأحفل إذا دارت عليه الدوائر
لعمرك ما بالقتل عار على الفتى ... إذا لم تصبه في الحياة المعايرة [٢]
٤٦٣- سليم بن عتر بن سلمة بن مالك:
هاجر في خلافة عمر بن الخطاب، وحضر/ خطبته بالجابية. وروى عنه، وشهد فتح مصر، وجمع له بها القضاء والقصص. وكان يسمى الناسك لشدة عبادته، وكان يختم القرآن في كل ليلة ثلاث مرات، وكان يقول: لما قدمت من البحر تعبدت في غار سبعة أيام بالإسكندرية لم أصب فيها طعاما ولا شرابا، ولولا أني خشيت أن أضعف لزدت.
روى عنه علي بن رباح، وأبو قتيل، ومسرح بن هاعان وغيرهم.
وتوفي بدمياط في هذه السنة.
٤٦٤- صلة بن أشيم أبو الصهباء العدوي البصري [٣] :
وكان ثقة ورعا عابدا، أسند عن ابن عياض وغيره.
وروى عنه الحسن، وحميد، وهلال.
стр. 2056
أخبرنا محمد بن ناصر، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أحمد أبو علي التميمي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بكر بْن مالك، قَالَ: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن جعفر، عن يزيد الرشك، عن معاذة، قالت:
كان أبو الصهباء يصلي حتى ما يستطيع أن يأتي فراشه إلا زحفا.
قال عبد الله: وحدثنا أبي، قال: حدثنا أحمد بن الحجاج، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن المبارك، قَالَ: أخبرنا المسلم بن سعيد الواسطي، قال: حدثنا حماد بن جعفر بن زيد، أن أباه أخبره قال:
خرجنا في غزاة إلى كابل وفي الجيش صلة بن أشيم، فنزل الناس عند العتمة [١] ، فقلت: لأرمقن عمله فأنظر ما يذكر الناس من عبادته، فصلى العتمة ثم اضطجع والتمس غفلة الناس حتى إذا قلت: هدأت العيون، وثب فدخل غيضة قريبا منه، ودخلت في أثره، فتوضأ ثم قام يصلي.
قال: وجاء أسد حتى دنا منه. قال: فصعدت في شجرة. قال: فتراه التفت أو عند [جروا] [٢] حتى إذا سجد، فقلت: الآن يفترسه. فجلس ثم سلم، فقال: أيها السبع، اطلب الرزق من مكان آخر، فولى وإن له لزئيرا تصدع منه الجبال، فما زال كذلك. فلما كان الصبح جلس فحمد الله بمحامد لم أسمع بمثلها إلى ما شاء الله، ثم قال:
اللَّهمّ إني أسألك أن تجيرني من النار، أو مثلي يجترئ أن يسألك الجنة، ثم رجع/ فأصبح كأنه بات على الحشايا. وأصبحت وبي من الفترة شيء الله به عليم.
قال: فلما دنونا من أرض العدو قال الأمير: لا يشدن أحد من العسكر، قال:
فذهبت بغلته بثقلها فأخذ يصلي، فقالوا له: إن الناس قد ذهبوا. فمضى ثم قال: دعوني أصلي ركعتين. فقالوا: الناس قد ذهبوا، قال: إنهما خفيفتان، قال: فدعى ثم قال:
اللَّهمّ إني أقسم عليك أن ترد بغلتي وثقلها. قال: فجاءت حتى قامت بين يديه.
стр. 2057
فلما لقينا العدو حمل هو وهشام بن عامر فصنعا بهم طعنا وضربا وقتلا. فكسر ذلك العدو، فقالوا [١] : رجلان من العرب صنعا بنا هذا، فكيف لو قاتلونا. فأعطوا المسلمين حاجتهم [٢] .
أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي، قال: أنبأنا أبو الفتح أحمد بن محمد الحداد، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي، أن أبا أحمد بن محمد بن محمد الحاكم النيسابورىّ أخبره قال: أخبرني أبو يوسف محمد بن سفيان الصفار، قال: حدثنا سعيد، قال: سمعت ابن المبارك، عن السري بن يحيى [٣] ، قال: حدثنا العلاء بن هلال الباهلي:
أن رجلا من قوم صلة قال لصلة: يا أبا الصهباء إني رأيت أني أعطيت شهدة وأنت [٤] شهدتين، فقال: خيرا رأيت، تستشهد وأستشهد أنا وابني. فلما كان يوم يزيد بن زياد لقيهم الترك بسجستان، فكان أول جيش انهزم من المسلمين ذلك الجيش. فقال صلة لابنه: يا بني، ارجع إلى أمك، فقال: يا أبه أتريد الخير لنفسك وتأمرني بالرجوع [بل ارجع] [٥] أنت والله كنت خيرا مني لأمي [٦] . قال: أما إن قلت هذا فتقدم، فقاتل حتى أصيب فرمى صلة عن جسده- وكان رجلا راميا- حتى تفرقوا عنه، وأقبل يمشي حتى قام عليه، فدعا له، ثم قاتل حتى قتل.
أخبرنا ابن ناصر، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو علي التميمي، قال: أخبرنا أحمد بْن جَعْفَر، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حدثنا أبي، قال:
حدثنا عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: أخبرنا ثابت البناني:
أن صلة بن أشيم كان في مغزى له ومعه ابنه، فقال: أي بني، تقدم فقاتل حتى أحتسبك. فتقدم فقاتل حتى قتل، ثم تقدم هو فقتل. فاجتمعت النساء عند امرأته معاذة
стр. 2058
العدوية، فقالت: إن كنتن جئتن لتنهنئني/ فمرحبا بكن، وإن كنتن جئتن لغير ذلك فارجعن.
قال مؤلف الكتاب ﵀: كانت هذه الغزاة في أول إمارة الحجاج.
٤٦٥- عبد الرحمن بن مل بن عمرو بن عدي، أبو عثمان النهدي [١] :
كان في زمن رسول الله ﷺ ولم يلقه. وأسند عن عمر، وابن مسعود، وأبي موسى، وسلمان في آخرين.
وكان يسكن الكوفة، فلما قتل الحسين تحول إلى البصرة، وقال: لا أسكن بلدا قتل فيه ابْن بنت رَسُول اللَّهِ ﷺ .
وهو يعد من المخضرمين: قال: أبو الحسن الأخفش: المخضرم من قولهم: ماء مخضرم. إذا تناهى في الكثرة واتسع، فسمي الذي يشهد الجاهلية والإسلام مخضرما، كأنه استوفى الأمرين. ويقال: أذن مخضرمة إذا كانت مقطوعة، فكأنه انقطع عن الجاهلية إلى الإسلام.
وتوفي أبو عثمان بالبصرة في أول ولاية الحجاج، وهو ابن ثلاثين ومائة سنة.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أخبرنا عمر بن عبيد الله البقال، قال: أخبرنا أبو الحسين بن بشران، قال: حدثنا عثمان بن أحمد، قال: حدثنا حنبل، قال: حدثنا عفان بن مسلم، قال: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنِ أبي عثمان، قال:
بلغت نحوا من ثلاثين ومائة سنة، ما من شيء إلا قد عرفت النقص فيه إلا أملي كما هو.
٤٦٦- ليلى الأخيلية، وهي ليلى بنت عبد الله بن الرحال بن شداد بن كعب بن معاوية، ومعاوية هو الأخيل بن عبادة بن عقيل [٢] :
أحبها توبة بن الحمير، وكانت من أشعر النساء، لا يقدم عليها في الشعر غير
стр. 2059
خنساء. وكانت هاجت النابغة الجعدي، فكان مما هجاها قوله:
فكيف أهاجي شاعرا رمحه استه ... خضيب البنان ما يزال مكحلا
فقالت في جوابه:
أعيرتني هذا بأمك مثله ... وأي حصان لا يقال لها هلا
/ ودخلت [١] على عبد الملك بن مروان وقد أسنت، فقال لها: ما رأى توبة منك حتى عشقك، فقالت: ما رأى الناس منك حتى جعلوك خليفة، فضحك حتى بدت له سن سوداء كان يخفيها.
أخبرنا ابن المبارك بن علي الصوفي [٢] ، قال: أخبرنا ابن العلاف [٣] ، قال:
أخبرنا عبد الملك بن بشران، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم الكندي، قال: أخبرنا أبو بكر الخرائطي [٤] ، قال: حدثني إسماعيل بن أبي هاشم، قال: حدثنا عبد الله بن أبي الليث، قال:
قال عبد الملك بن مروان [٥] لليلى الأخيلية: باللَّه هل كان بينك وبين توبة سوء قط؟ قالت: والذي ذهب بنفسه وهو قادر على [ذهاب] [٦] نفسي ما كان بيني وبينه سوء قط إلا أنه قدم من سفر فصافحته فغمز يدي فظننت أنه يخضع [٧] لبعض الأمر، قال: فما بعد ذلك؟ فقلت له [٨] :
وذي حاجة قلنا له لا تبح بها ... فليس إليها ما حييت سبيل
стр. 2060
لنا صاحب لا ينبغي أن نخونه ... وأنت لأخرى فارغ [١] وحليل
فقالت: لا والذي ذهب بنفسه ما كلمني بسوء قط حتى فرق بيني وبينه الموت.
أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، ومحمد بن ناصر الحافظان، قالا: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار، قال: أخبرنا الحسين بن محمد النصيبي، قال: أخبرنا إسماعيل بن سويد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر بْن الأنباري، قَالَ: حَدَّثَني أبي، قال: حدثني أحمد بن عبيد، قال: حدثني أبو الحسن المدائني [٢] ، عمن حدثه، عن مولى لعنبسة بن سعيد بن العاص، قال:
كنت أدخل مع عنبسة بن سعيد [بن العاص] [٣] إذا دخل على الحجاج، فدخل يوما ودخلت إليهما وليس عند الحجاج غير عنبسة، فقعدت، فجاء الحاجب فقال: امرأة بالباب، فقال الحجاج: ادخلها. فلما رآها الحجاج طأطأ برأسه حتى ظننت أن ذقنه قد أصابت الأرض، فجاءت حتى قعدت بين يديه فنظرت إليها فإذا امرأة قد أسنت، حسنة الخلق ومعها جاريتان لها، وإذا هي ليلى/ الأخيلية، فسألها الحجاج عن نسبها، فانتسب له، فقال لها: يا ليلى ما أتاني بك؟ فقالت: اختلاف النجوم، وقلة الغيوم، وكلب البرد، وشدة الجهد، وكنت لنا بعد الله الرفد، فقال لها: صفي لنا الفجاج. فقالت:
الفجاج مغبرة، والأرض مقشعرة، والمبرك معتل، وذو العيال مختل، والهالك المقل، [٤] والناس مسنتون، رحمة الله يرجون، وأصابتنا سنون مجحفة لم تدع لنا هبعا [٥] ولا ربعا ولا عافطة ولا نافطة، أذهبت الأموال، وفرقت الرجال، وأهلكت العيال. ثم قالت: إني قد قلت في الأمير قولا، قال: هاتي، فأنشأت تقول:
أحجاج لا تفلل سلاحك إنما ... المنايا تكن [٦] باللَّه حيث يراها
стр. 2061
أحجاج لا تعط العصاة مناهم ... ولا الله يعطي للعصاة [١] مناها
إذا هبط الحجاج أرضا مريضة ... تتبع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العضال الذي بها ... غلام إذا هز القناة سقاها
سقاها فرواها بشرب سجاله ... دماء رجال حيث قال حساها
إذا سمع الحجاج رز كتيبة ... أعد لها قبل النزول قراها
أعد لها مسمومة [٢] فارسية ... بأيدي رجال يحلبون صراها
[فما ولد الأبكار والعون مثله ... هجره لا أرض تحف ثراها]
قال: فلما قالت هذا البيت، قال الحجاج: قاتلها الله، ما أصاب صفتي شاعر منذ دخلت العراق غيرها. ثم التفت إلى عنبسة بن سعيد فقال: إني والله لأعد للأمر عسى أن يكون أبدا، ثم التفت إليها فقال: حسبك، فقالت: إني قد قلت أكثر من هذا، قال: حسبك هذا، ويحك حسبك. ثم قال: اذهب يا غلام إلى فلان فقل له اقطع لسانها، قال: فأمر بإحضار الحجام، فالتفتت إليه فقالت: ثكلتك أمك، أما سمعت ما قال: إنما أمر بقطع لساني بالصلة، فبعث إليه يستثبته، فاستشاط الحجاج غضبا وهم بقطع لسانه، وقال: ارددها. / فلما دخلت عليه قالت: كاد وأمانة الله يقطع مقولي، ثمّ أنشأت [تقول] [٣] :
حجاج أنت الذي ما فوقه أحد ... إلا الخليفة والمستغفر الصمد
حجاج أنت شهاب الحرب إن لقحت ... وأنت للناس نور في الدجى [٤] يقد
ثم أقبل الحجاج على جلسائه، فقال: أتدرون من هذه؟ قالوا: لا والله أيها الأمير، إلا أنا لم نر امرأة قط أفصح لسانا ولا أحسن محاورة، ولا أملح وجها، ولا أرصن شعرا منها. فقال: هذه ليلى الأخيلية التي مات توبة الخفاجي من حبها. ثم التفت
стр. 2062
إليها، فقال: أنشدينا يا ليلى بعض ما قال فيك توبة، فقالت: نعم أيها الأمير هو الذي يقول:
وهل تبكين ليلى إذا مت قبلها ... وقام على قبري النساء النوائح
كما لو أصاب الموت ليلى بكيتها ... وجاد لها دمع من العين سافح
وأغبط من ليلى بما لا أناله ... ألا كل ما قرت به العين صالح
ولو أن ليلى الأخيلية سلمت ... على ودوني تربة وصفائح
لسلمت تسليم البشاشة أو زقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح
فقال لها الحجاج: زيدينا يا ليلى من شعره، فقالت: هو الذي يقول:
حمامة بطن الواديين ترنمي ... سقاك من الغر الغوادي مطيرها
أبيني لنا لا زال ريشك ناعما ... ولا زلت في خضراء غض نضيرها [١]
وأشرف بالغور اليفاع لعلني ... أرى نار ليلى أو يراني بصيرها
وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت ... فقد رابني منها الغداة سفورها
يقول رجال لا يضيرك نأيها ... بلى كل ما شفت النفوس يضيرها
كل بلى قد يضير العين أن يكثر البكاء ... ويمنع منها نومها وسرورها
ولقد علمت ليلى بأني فاجر ... لنفسي تقاها أو عليها فجورها
فقال/ لها الحجاج: ما الذي رابه من سفورك، قالت: أيها الأمير، كان يلم بنا كثيرا، فأرسل إلي يوما أني آتيك، وفطن الحي فأرصدوا له، فلما أتاني سفرت له، فعلم أن ذلك لشر، فلم نزد على التسليم والرجوع، فقال: للَّه درك، فهل رأيت منه شيئا تكرهينه؟ قالت: لا والله الذي أسأله أن يصلحك غير أنه قال لي مرة قولا ظننت أنه قد خضع لبعض الأمر فأنشأت أقول:
وذي حاجة قلنا له لا تبح بها ... فليس إليها ما حييت سبيل
لنا صاحب لا ينبغي أن نخونه ... وأنت لأخرى فارغ وخليل
стр. 2063
ولا والذي أسأله أن يصلحك ما رأيت منه شيئا حتى فرق الموت بيني وبينه. قال:
ثم قالت: ثم لم يلبث أن خرج في غزاة له وأوصى إلى ابن عم له: إذا أتيت الحاضر من بني عبادة فناد بأعلى صوتك:
عفا الله عنها هل أبيتن ليلة ... من الدهر لا يسري إلي خيالها
فخرجت وأنا أقول:
وعنه عفى ربي وأحسن حاله ... فعز علينا حاجة لا ينالها
قال: ثم قالت: ثم لم يلبث أن مات، فأتانا نعيه. قال: فأنشدينا بعض ما أتاك فيه، فأنشدت تقول:
أتتك العذارى من خفاجة نسوة ... بماء شئون العبرة المتحادر
كأن فتى الفتيان توبة لم ينخ ... قلائص ينفجن الحصى بالكراكر
فأنشدته، فلما فرغت من القصيدة قال محصن الفقعسي، وكان من جلساء الحجاج: من هذا الذي تقول هذه فيه، والله إني لأظنها كاذبة، فنظرت إليه ثم قالت:
أيها الأمير إن هذا القائل لو رأى توبة لسره ألا يكون في داره عذراء إلا وهي حامل منه.
قال الحجاج: هذا وأبيك الجواب، وقد كنت عن هذا غنيا، ثم قال لها: سلي يا ليلى تعطي، قالت: أعط فمثلك أعطى فأحسن. قال: لك عشرون، قالت: زد فمثلك زاد/ فأجمل. قال: لك أربعون. قالت: زد فمثلك زاد فأفضل، قال: لك ستون، قالت: زد فمثلك زاد فأكمل، قال: لك ثمانون، قالت: زد فمثلك زاد فتمم، قال: لك مائة واعلمي [يا ليلى] [١] : أنها غنم، قالت: معاذ الله أيها الأمير أنت أجود جودا، وأمجد مجدا، وأورى زندا من أن تجعلها غنما، قال: فما هي ويحك يا ليلى؟ قالت:
مائة ناقة برعاتها. فأمر لها بها. ثم قال: ألك حاجة بعدها؟ قالت: تدفع إلي النابغة الجعدي في قرن، قال: قد فعلت، وقد كانت تهجوه ويهجوها، فبلغ النابغة ذلك، فخرج هاربا، عائذا بعبد الملك، فاتبعته إلى الشام، فهرب إلى قتيبة بن مسلم بخراسان، فاتبعته على البريد بكتاب الحجاج إلى قتيبة، فماتت بقومس.
стр. 2064
ويقال: بحلوان، وفي رواية: بساوه، فقبرها هناك.
أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ، قال: حدثنا القاضي أبو الفرج، ابن الطراز، قال: حدثنا أبو علي الجيلي [١] ، قال: حدثنا عمر بن محمد بن الحكم النسائي، قال: حدثني إبراهيم بن زيد النيسابوري:
أن ليلى الأخيلية بعد موت توبة تزوجت، ثم إن زوجها بعد ذلك مر بقبر توبة وليلى معه، فقال لها: يا ليلى أتعرفين لمن هذا القبر؟ فقالت: لا، فقال: هذا قبر توبة فسلمي عليه، فقالت: امض لشأنك، فما تريد من توبة وقد بليت عظامه، قال: أريد تكذيبه، أليس هو القائل في بعض أشعاره:
ولو أن ليلى الأخيلية سلمت ... علي ودوني تربة وصفائح
لسلمت تسليم البشاشة أو زقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح
فو الله لا برحت أو تسلمي عليه، فقالت: السلام عليك يا توبة ورحمة الله، بارك الله لك فيما صرت إليه. فإذا طائر قد خرج من القبر حتى ضرب صدرها، فشهقت شهقة فماتت فدفنت إلى جانب قبره، فنبتت على قبره شجرة وعلى قبرها شجرة فطالتا فالتفتا.
стр. 2065
ثم دخلت سنة ست وسبعين
فمن الحوادث فيها خروج صالح بن مسرح [١]
وقد ذكرنا أنه كان يتنسك، وكان يقول لأصحابه: أوصيكم بتقوى الله ، والزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة، وكثرة ذكر الموت، وفراق الفاسقين، وحب المؤمنين، ألا إن من نعمة الله على المؤمنين أن بعث فيهم رسولا منهم- أو قال: من أنفسهم- فعلمهم الكتاب والحكمة، ثم ولي من بعده الصديق فاقتدى بهداه، واستخلف عمر فعمل بكتاب الله ، وأحيا سنة رسول الله ﷺ ، ولم يخف لومة لائم، وولي بعده عثمان، فاستأثر بالفيء، وجار في الحكم فبرئ الله منه ورسوله وصالح المؤمنين، وولي علي بن أبي طالب فلم ينشب أن حكم في أمر الله الرجال، وأدهن، فنحن منه ومن أشياعه براء، فتيسروا رحمكم الله لجهاد هذه الأحزاب المتحزبة، وأئمة الضلال الظلمة، وللخروج من دار الفناء إلى دار البقاء، واللحاق بإخواننا المؤمنين الذين باعوا الدنيا بالآخرة، ولا تجزعوا من القتل في الله سبحانه فإن القتل أيسر من الموت، والموت نازل بكم، ألا فبيعوا الله أنفسكم طائعين تدخلوا الجنة آمنين.
وقد ذكرنا أنه كتب إلى شبيب، فجاءه شبيب في أصحابه، وقال: أخرج بنا رحمك الله، فو الله ما تزداد السنة إلا دروسا، ولا المجرمون إلا طغيانا. فبث صالح رسله في أصحابه وواعدهم الخروج في هلال صفر سنة ست وسبعين، فاجتمعوا عنده تلك
стр. 2066
الليلة، فقام إليه شبيب فقال: يا أمير المؤمنين، كيف ترى في هؤلاء الظلمة؟ أنقتلهم قبل الدعاء، أم ندعوهم قبل القتال؟ وسأخبرك برأيي فيهم قبل أن تخبرني برأيك فيهم، [١] أما أنا فأرى أن تقتل كل من لا يرى رأينا قريبا كان أو بعيدا، فإنا نخرج على قوم طاغين قد تركوا أمر الله ، فقال: لا [بل] [٢] ندعوهم، فلعمري ما يجيبك إلا من يرى رأيك، والدعاء/ أقطع لحجتهم، قال: فما تقول في دمائهم وأموالهم؟ قال: إن قتلنا وغنمنا فلنا، وإن تجاوزنا وعفونا فموسع علينا.
فلما هموا بالخروج قال لهم صالح: اتقوا الله ولا تعجلوا إلى قتال أحد إلا أن يكونوا قوما يريدونكم وينصبون لكم، فإنكم إنما خرجتم غضبا للَّه ، حيث انتهكت محارمه، وسفكت الدماء بغير حلها، ولا تعيبوا على قوم أعمالهم ثم تعملوا بها، وهذه دواب لمحمد بن مروان في هذا الرّستاق، فابدءوا بها، فشدوا عليها، وتقووا بها على عدوكم.
فخرجوا وأخذوا تلك الدواب فحملوا رجالتهم عليها، وكانوا مائة وعشرة أنفس، وأقاموا بأرض دارا ثلاثة عشر ليلة، وتحصن منهم أهل دارا وأهل نصيبين وأهل سنجار، وبلغ مخرجهم محمد بن مروان وهو يومئذ أمير الجزيرة، فاستخف بأمرهم، وبعث إليهم عدي بن عدي في خمسمائة، فقال له: أتبعثني إلى رأس الخوارج منذ عشرين سنة وقد خرج معه رجال، الرجل منهم خير من مائة فارس في خمسمائة. فزاده خمسمائة، فسار في ألف من حران وكأنما يساق إلى الموت، وكان عدي رجلا يتنسك، فلما وصل بعث رجلا إلى صالح يقول له: إن عديا يسألك أن تخرج من هذا البلد إلى بلد آخر فإنه كاره للقائك، فقال للرسول: قل له هل أنت على رأينا، فجاءه الجواب: لا ولكن أكره قتالك، فحبس الرسول عنده وقال لأصحابه: اركبوا، وحملوا عليهم وهم على غفلة، فانهزموا وحووا ما في عسكرهم، وذهب فل عدي وأوائل أصحابه حتّى دخلوا على محمد بن مروان، فغضب، ثم دعا خالد ابن جزي السلمي فبعثه في ألف وخمسمائة ودعا الحارث بن جعونة العامري، فبعثه في ألف وخمسمائة، وقال: اخرجا إلى هذه
стр. 2067
الخارجة القليلة الخبيثة، وأغذا السير، فأيكما سبق فهو الأمير على صاحبه.
فانتهيا إلى صالح وقد نزل آمد، فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل من الخوارج أكثر من سبعين، ومن المؤمنين/ نحو من ثلاثين، فلما جن الليل ذهب الخوارج فقطعوا الجزيرة ودخلوا أرض الموصل، فبلغ ذلك الحجاج، فسرح إليهم الحارث بن عميرة الهمداني في ثلاثة آلاف رجل، فلقيهم ومع صالح تسعون رجلا، فشد عليهم فقتل صالح ولاذ الباقون بحصن هناك، فقال الحارث لأصحابه احرقوا الباب، فإذا صار جمرا فدعوهم فإنهم لا يقدرون على الخروج، فإذا أصبحنا قتلناهم ففعلوا، فقال شبيب فدعوهم فإنهم لا يقدرون على الخروج، فإذا أصبحنا قتلناهم ففعلوا، فقال شبيب لأصحابه: لئن صبحكم هؤلاء إنه لهلاككم، فأتوا باللبود فبلوها بالماء، ثم ألقوها على الجمر، ثم خرجوا على القوم فضربوهم بالسيوف، فضارب الحارث حتى صرع، واحتمله أصحابه وانهزموا، وخلوا العسكر وما فيه، ومضوا حتى نزلوا المدائن [١] ، فكان ذلك أول جيش هزمه شبيب.
وفي هذه السنة دخل شبيب الكوفة [٢]
وذلك أنه لما قتل صالح، كان قتله يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقين من جمادى الآخرة- فقال شبيب لأصحابه: بايعوني أو بايعوا من شئتم، فبايعوه، فخرج فقتل من قدر عليه، وبعث الحجاج جندا في طلبه فهزمهم، فبعث إليهم سورة بن الأبجر، فذهب شبيب إلى المدائن فأصاب منها وقتل من ظهر له، ثم خرج فأتى النهروان، فتوضأ هو وأصحابه وصلوا، وأتوا مصارع إخوانهم الذين قتلهم علي بن أبي طالب، فاستغفروا لإخوانهم وتبرءوا من على وأصحابه، وبكوا فأطالوا البكاء، ثم خرجوا فقطعوا جسر النهروان ونزلوا في جانبه الشرقي، ثم التقوا فهزموا سورة، فمضى فله إلى الحجاج، فقال: قبح الله سورة، ثم دعا عثمان بن سعيد، فقال: تيسر للخروج إلى هذه المارقة، فإذا لقيتهم فلا تعجل عجلة الخرق النزق [٣] ، ولا تحجم إحجام الواني الفرق: فقال:
стр. 2068
لا تبعث معي أحدا من أهل هذا الفل، قال: لك ذاك، ثم أخرج معه أربعة آلاف، فجعل كلما مضى/ إلى مكان رحل شبيب إلى مكان أراده أن يتعجل إليه في فل من أصحابه، فما زالوا يتراوغون ويذهبون من مكان إلى مكان، ويقتتلون إذا التقوا وينهزمون. فطال ذلك على الحجاج، فولى سعيد بن المجالد على ذلك الجيش، وقال له: اطلبهم طلب السبع، ولا تفعل فعل عثمان.
فلقوهم فانهزم أصحاب سعيد، وثبت هو، فضربه شبيب فقتله، ورجع الناس إلى أميرهم الأول عثمان، فبعث الحجاج سويد بن عبد الرحمن في ألفي فارس، وقال:
اخرج إلى شبيب فالقه، فخرج فلقيه فحمل عليه شبيب حملة منكرة، ثم أخذ نحو الحيرة، فتبعه سويد، وخرج الحجاج نحو الكوفة، فبادره شبيب إليها، فنزل الحجاج الكوفة صلاة العصر، ونزل شبيب السبخة صلاة المغرب، ثم دخل الكوفة، وجاء حتى ضرب باب القصر بعموده، ثم خرج من الكوفة، فنادى الحجاج وهو فوق القصر: يا خيل الله اركبي.
وبعث بسر [١] بن غالب في ألفين، وزائدة بن قدامة في ألفين، وأبا الضريس في ألف من الموالى. وخرج شبيب من الكوفة فأتى المردمة ثم مضى نحو القادسية، ووجه الحجاج زحر بن قيس في جريدة خيل نقاوة ألف وثمانمائة فارس، فالتقيا، فنزل زحر فقاتل حتى صرع وانهزم أصحابه.
وانعطف شبيب على الأمراء المبعوثين [إليه، فالتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا، وكانت الكرة لشبيب، فقال الناس: ارفعوا السيف وادعوا الناس] [٢] : إلى البيعة،. ثم إنه ارتحل، وكان الحجاج يقول: أعياني شبيب.
ثم دعا [٣] عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، فقال: انتخب ستة آلاف واخرج في طلب هذا العدو، فلما اجتمع العسكر كتب إليهم الحجاج: أما بعد، فإنكم قد اعتدتم عادة الأذلاء، وقد صفحت لكم مرة بعد مرة، وإني أقسم باللَّه قسما
стр. 2069
صادقا إن عدتم لذلك لأوقعن بكم إيقاعا يكون أشد عليكم من هذا العدو الذي تهربون منه في بطون الأودية والشعاب.
وبعث إلى عبد الرحمن عند طلوع الشمس، فقال: ارتحل/ الساعة، وناد في الناس: برئت الذمة من رجل من هذا البعث وجدناه متخلفا، فخرج حتى مر بالمدائن، فنزل بها يوما وليلة، واشترى أصحابه حوائجهم، ثم نادى بالرحيل، ودخل على عثمان بن قطن، فقال له عثمان: إنك تسير إلى فرسان العرب وأبناء الحرب، وأحلاس الخيل [١] ، والله لكأنهم خلقوا من ضلوعها [٢] ، الفارس منهم أشد من مائة، فلا تلقهم إلا في تعبية أو في خندق، فخرج في طلب شبيب، فارتفع شبيب إلى دقوقاء. وكتب الحجاج إلى عبد الرحمن:
أن اطلب شبيبا أين سلك حتى تدركه فتقتله أو تنفيه.
وكان شبيب يدنو من عبد الرحمن فيجده قد خندق [على نفسه] [٣] وحذر، فيمضي عنه، فإذا بلغه أنه قد سار انتهى إليه، فوجده قد صف الخيل، فلا يصيب له غرة، فإذا دنا منه عبد الرحمن ارتحل خمسة عشر فرسخا أو عشرين، فنزل منزلا غليظا خشنا.
ثم إن الحجاج عزل عبد الرحمن، وولى عثمان بن قطن، [وعلى أصحابه، فخرج شبيب في مائة وواحد وثمانين رجلا، فحمل عليهم فانهزموا، ودخل شبيب عسكرهم، وقتل] [٤] نحوا من ألفين من ذلك العسكر، وقيل لابن الأشعث: قد ذهب الناس [٥] ، وتفرقوا وقتل خيارهم، فرجع إلى الكوفة، فاختبأ من الحجاج حتى أخذ له الأمان بعد ذلك.
стр. 2070
في هذه السنة ولى عبد الملك أبان بن عثمان المدينة في رجب. وأقام أبان الحج للناس في هذه السنة، واستقضى أبان نوفل بن مساحق. وكان على خراسان أمية بن عبد الله بن خالد، وعلى قضاء الكوفة شريح، وكان قد استعفى من القضاء قديما، فولى مكانه أبو بردة، وعلى البصرة زرارة بن أوفى.
وفيها: ولد مروان بن محمد بن مروان.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٤٦٧- حبة بن جوين بن علي، أبو قدامة العرني، الكوفي [١] :
ورد المدائن في حياة حذيفة. وحدث عن ابن مسعود، وعن علي ﵁.
وشهد وقعة/ النهروان. وكان ثقة عند قوم، وضعفه الأكثرون [٢] .
[وتوفي في هذه السنة] [٣] .
٤٦٨- زهير بن قيس بن شداد البلوي [٤]
يقال: إن له صحبة، شهد الفتح بمصر، وقتله الروم ببرقة في هذه السنة.
وكان سبب قتله أن الصريخ أتى بنزول الروم على برقة، فأمره عبد العزيز بالنهوض إليهم، فنهض فقتل.