← История

История · id 12406

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم

ابن الجوزي

Полный текст (6 790 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ النَّخَعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، فَقَالَتْ لَهُ: يَا سَيِّدِي، وَهَبَتْ لِي بَعْضُ جَارَاتِي بَيْضَةً فَحَضَنْتُهَا تَحْتَ ثَدْيَيَّ حَتَّى خَرَجَتْ فَرُّوجَةٌ، فَغَذَوْتُهَا بِأَطْيَبِ الطَّعَامِ حَتَّى بَلَغَتْ وَقَدْ ذَبَحْتُهَا وَشَوَيْتُهَا وَكَفَّنْتُهَا بِرقَاقَتَيْنِ وَجَعَلْتُ للَّه عَلَيَّ أَنْ أَدْفِنَهَا فِي أَكْرَمِ بُقْعَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا أَعْلَمُ وَاللَّهِ بُقْعَةً أَكْرَمَ/ مِنْ بَطْنِكَ. فَكُلْهَا. فَقَالَ: يَا بَدِيحُ، خُذْهَا مِنْهَا وَامْضِ فَانْظُرْ إِلَى الدَّارِ الَّتِي هِيَ فِيهَا، فَإِنْ كَانَتْ لَهَا فَاشْتَرِ لَهَا مَا حَوْلَهَا مِنَ الدُّورِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهَا فَاشْتَرِهَا وَاشْتَرِ لَهَا مَا حَوْلَهَا. فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: قَدِ اشْتَرَيْتُ الدَّارَ لَهَا وَمَا حَوَالَيْهَا، فقال: احمل لها على ثلاثين بعير حِنْطَةً وَشَعِيرًا وَأَرْزًا وَزَبِيبًا وَتَمْرًا وَدَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ. قَالَتِ الْعَجُوزُ: لا تُسْرِفْ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ. قال النخعي: وأخبرني داود بن الهيثم، عن أبيه، عن جده، عن إسحاق: أن أعرابيا أتى عبد الله بن جعفر وهو محموم، فأنشأ يقول: كم لوعة للندى وكم قلق ... للجود والمكرمات من قلقك ألبسك الله منه عافية ... في يومك المعترى وفي أرقك أخرج من جسمك السقام كما ... أخرج دم الفعال من عنقك أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن محمد، قال: أخبرنا أحمد بن علي بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مَطَرٍ [١] الْحَنْبَلِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ابْنُ أَخِي مِيمِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْبَغَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: جَلَبَ رَجُلٌ سُكَّرًا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَكَسَدَ عَلَيْهِ، فَذكر ذَلِكَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، فَأَمَرَ قَهْرَمَانَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ وَيُنْهِبَهُ [٢] النَّاسَ. أخبرتنا شهدة بنت [أحمد] [٣] الكاتبة، قال: أخبرنا أبو محمد جعفر بن أحمد

стр. 2102

السراج، قال: حدثنا أبو علي محمد بن الحسن الجازري [١] إجازة إن لم يكن سماعا، قال: حدثنا المعافى بن زكريا، قال: حدثنا أبو النضر العقيلي، عن جماعة من مشايخ أهل المدينة، قالوا: كانت عند عبد الله بن جعفر جارية مغنية يقال لها: عمارة، وكان يجد بها وجدا شديدا، وكان لها منه مكان لم يكن لأحد من جواريه، فلما/ وفد عبد الله بن جعفر على معاوية وخرج بها معه، فزاره يزيد ذات يوم فأخرجها إليه، فلما نظر إليها وسمع غناءها وقعت في نفسه، فأخذه عليها ما لا يملكه، وجعل لا يمنعه [٢] من أن يبوح بما يجد بها إلا مكان أبيه مع يأسه من الظفر بها، فلم يزل يكاتم أمرها إلى أن مات معاوية، وأفضى الأمر إليه، فاستشار بعض من قدم عليه من أهل المدينة وعامة من يثق به في أمرها، وكيف الحيلة فيها، فقيل له: إن أمر عبد الله بن جعفر لا يرام، ومنزله من الخاصة ومن العامة ومنك ما قد علمت، وأنت لا تستحسن [٣] إكراهه، وهو لا يبيعها بشيء أبدا، وليس يغني في هذا إلا الحيلة. فقال: انظروا لي رجلا عراقيا له أدب وظرف ومعرفة، فطلبوه، فأتوه به. فلما دخل رأى بيانا وحلاوة وفهما، فقال يزيد: إني دعوتك لأمر إن ظفرت به فهو حظك عندي آخر الدهر، ويد أكافئك عليها إن شاء الله. ثم أخبره بأمره، فقال له: إن عبد الله [ابن جعفر] [٤] لا يرام ما قبله إلا بالخديعة، ولن يقدر أحد على ما سألت فأرجو أن أكونه، والقوة باللَّه، فأعني بالمال. قال: خذ ما أحببت، فأخذ من طرف الشام وثياب مضر، واشترى متاعا للتجارة من رقيق ودوآب وغير ذلك، ثم شخص إلى المدينة، فأناخ بعرصة عبد الله بن جعفر، واكترى منزلا إلى جانبه، ثم توسل إليه، وقال: رجل من أهل العراق قدمت بتجارة فأحببت أن أكون في عز جوارك وكنفك إلى أن أبيع ما جئت به، فبعث عبد الله بن جعفر إلى قهرمانه: أن أكرم الرجل ووسع عليه في منزله [٥] فأنزله.

стр. 2103

فلما اطمأن العراقي سلم عليه وعرفه نفسه، وهيأ له بغلة فارهة وثيابا من ثياب العراق وألطافا، فبعث بها إليه، وكتب معها: يا سيدي، إني رجل تاجر، ونعم الله علي سابغة، وقد بعثت إليك بشيء من طرف [١] وكذا من الثياب والعطر، وبعثت ببغلة خفيفة العنان وطية الظهر، وأنا أسألك بقرابتك من رسول الله ﵌/ إلا قبلت هديتي، ولا توحشني بردها، إني أدين للَّه تعالى بحبك وحب أهل بيتك، وإن أعظم أملي في سفرتي أن أستفيد الأنس بك، والتحرم بمواصلتك. فأمر عبد الله بقبض هديته وخرج إلى الصلاة، فلما رجع مر بالعراقي في منزله، فقام إليه وقبل يده، فرأى أدبا وظرفا وفصاحة، فأعجب به وسر بنزوله عليه، فجعل العراقي في كل يوم يبعث إلى عبد الله بطرف، فقال عبد الله: جزى الله ضيفنا هذا خيرا، قد ملأنا شكرا وما نقدر على مكافأته. فإنه لكذلك إلى أن دعاه عبد الله، ودعا بعمارة في جواريه، فلما طاب لهما المجلس وسمع غناء عمارة تعجب وجعل يزيد في عجبه، فلما رأى كذلك عبد الله سر به إلى أن قال: هل رأيت مثل عمارة؟ قال: لا والله يا سيدي ما رأيت مثلها، وما تصلح إلا لك، وما ظننت أن تكون في الدنيا مثل هذه الجارية، حسن وجه، وحسن عمل، قال: فكم تساوي عندك؟ قال: ما لها ثمن إلا الخلافة، فقال: تقول هذا لتزين لي رأيي فيها وتجلب سروري، قال له: يا سيدي، والله إني لأحب سرورك وما قلت لك إلا الجد، وبعد فإني تأجر أجمع الدرهم على الدرهم طلبا للربح، ولو أعطيتها بعشرة آلاف دينار لأخذتها، فقال عبد الله: عشرة آلاف؟ قال: نعم. ولم يكن في ذلك الزمان جارية تعرف بهذا الثمن. فقال له عبد الله: أنا أبيعكها بعشرة آلاف، قال: قد أخذتها، قال: هي لك، قال: قد وجب البيع. وانصرف العراقي، فلما أصبح عبد الله لم يشعر إلا بالمال قد وافى به، فقيل لعبد الله: قد بعث العراقي بعشرة آلاف دينار وقال: هذا ثمن عمارة، فردها وكتب إليه إنما كنت أمزح معك، وإنما أعلمك أن مثلي لا يبيع مثلها. فقال: جعلت فداك، إن الجد والهزل في البيع سواء، فقال له عبد الله: ويحك ما أعلم جارية تساوي ما بذلت، ولو

стр. 2104

كنت بايعها من أحد لآثرتك ولكني كنت مازحا وما أبيعها بملك الدنيا/ لحرمتها بي وموضعها من قلبي، فقال العراقي: إن كنت مازحا فإني كنت جادا، وما اطلعت على ما في نفسك، وقد ملكت الجارية وبعثت إليك بثمنها، وليست تحل لك، وما لي من أخذها بد، فمانعه أياما، فقال: ليست لي بينة ولكني استحلفك عند قبر رسول الله ﵌ ومنبره. فلما رأى عبد الله الجد، قال: بئس الضيف أنت، ما طرقنا طارق ولا نزل بنا نازل أعظم بلية منك، أتحلفني فيقول الناس: اضطهد عبد الله ضيفه وقهره فألجأه إلى أن استحلفه، أما والله ليعلمن الله أني سأبليه في هذا الأمر الصبر وحسن العزاء، ثم أمر قهرمانه بقبض المال منه وتجهيز الجارية. فجهزت بنحو من ثلاثة آلاف دينار، وقال: هذا لك ولك عوضا مما ألطفتنا، والله المستعان. فقبض العراقي الجارية وخرج بها، فلما برز من المدينة قال لها: يا عمارة، إني والله ما ملكتك قط ولا أنت لي، ولا مثلي يشتري جارية بعشرة آلاف دينار، وما كنت لأقدم على ابن عم رسول الله ﵌ وأسلبه أحب الناس إليه لنفسي، ولكني دسيس من يزيد بن معاوية، وأنت له، وفي طلبك بعث بي، فاستتري مني، فإن داخلني الشيطان في أمرك أو تاقت نفسي إليك فامتنعي. ثم مضى بها حتى ورد دمشق، فتلقاه الناس بجنازة يزيد وقد استخلف ابنه معاوية بن يزيد، فأقام أياما ثم تلطف للدخول إليه فشرح له القصة. ويروى أنه لم يكن أحد من بني أمية يعدل بمعاوية بن يزيد في زمانه نبلا ونسكا، فلما أخبره قال: هي لك وكل ما دفعه إليك من أمرها فهو لك، فارحل من يومك فلا أسمع بخبرك في شيء من بلاد الشام. فرحل العراقي ثم قال للجارية: إني قد قلت لك ما قلت حين خرجت بك من المدينة، فأخبرتك/ أنك ليزيد وقد صرت لي، وأنا أشهد الله أنك لعبد الله بن جعفر، وإني قد رددتك عليه فاستتري مني. ثم خرج بها حتى قدم المدينة، فنزل قريبا من عبد الله، فدخل عليه بعض خدمه فقال له: هذا العراقي ضيفك الذي صنع ما صنع، وقد نزل العرصة لا حياه الله. فقال عبد الله: مه، انزلوا الرجل وأكرموه، فلما استقر بعث

стр. 2105

إلى عبد الله: جعلت فداك إن رأيت أن تأذن لي أذنة خفيفة لأشافهك بشيء فعلت، فأذن له، فلما دخل عليه قبل يده وقربه عبد الله، ثم قص عليه القصة حتى إذا فرغ قال: والله وهبتها لك قبل أن أراها أو أضع يدي عليها فهي لك ومردودة عليك، وقد علم الله تعالى أني ما رأيت لها وجها إلا عندك، وبعث إليها فجاءت، وجاء بما جهزها به موفرا. فلما نظرت إلى عبد الله خرت مغشية عليها، وأهوى إليها عبد الله فضمها إليه، وخرج العراقي، وتصايح أهل الدار: عمارة عمارة. فجعل عبد الله يقول ودموعه تجري: أحلم هذا، أحق هذا، أصدق هذا، فقال العراقي: ردها عليك إيثارك الوفاء، وصبرك على الحق وانقيادك له. فقال عبد الله: الحمد للَّه، اللَّهمّ إنك تعلم أني قد تصبرت عنها وأثرت الوفاء، وأسلمت لأمرك فرددتها على يمنك، فلك الحمد. ثم قال: يا أخا العراق، ما على الأرض [١] أعظم منة منك، وسيجازيك الله تعالى. وأقام العراقي أياما وباع عبد الله غنما بثلاثة عشر ألف دينار، وقال لقهرمانه: احملها إليه، وقل له: أعذر عبد الله، واعلم أني لو وصلتك بكل ما أملك لرأيتك أهلا لأكثر منه، فرحل العراقي محمودا. أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، ومحمد بن ناصر، قالا: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار، قال: أخبرنا أبو محمد يحيى بن الحسن/ بن المقتدر القاضي، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيل بْن سَعِيد بْن سويد، قال: حدثنا أبو بكر بن الأنباري، قال: حدثنا محمد بن أحمد المقري، قال: حدثنا عبد الله بن عمر، قال: حدثنا عَلِيّ بْن مُحَمَّد بْن سليمان النوفلي، عَنْ أبيه، عن مشيخة له، قالوا: لما أمسك عبد الملك بن مروان يده عن عبد الله بن جعفر واحتاج وضاق إضاقة شديدة، فكان يصلي في مسجد رسول الله ﵌ عشاء الآخرة، ويقيم في المسجد إلى أن لا يبقى فيه أحد، فدنا منه ذات ليلة رجل، فشكى إليه الحاجة، فقال له: أنا في إضاقة غير أن لك عليّ وعدا إذا جاءني شيء من غلتي أن أعطيك، قال: أنا مرهق لا أجد سبيلا إلى الصبر، قال: أيقنعك أخذ ثوبي هذين- وكان عليه بردان يمانيان- قال: نعم، قال: فما لبث حتى انصرف، فلما انصرف دفع إليه البرد ثم استقبل القبلة، فقال: اللَّهمّ إنه

стр. 2106

لم يكن إلا ما أرى فاقبضني إليك. فحم ولم يخرج من منزله بعد هذا حتى خرجت جنازته. وتوفي عبد الله بالمدينة في هذه السنة، وكان الوالي على المدينة أبان بن عثمان في خلافة عبد الملك، وهو صلى عليه وكان عمره تسعين سنة. ٤٧٨- عبد الله بن أبي الهذيل، أبو المغيرة [١] : سمع من عمار، وخباب، وعبد الله بن عمرو، وأبي هريرة وجرير، وابن عباس، وابن أبزى. وأرسل الحديث عن أبي بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود. وكان شديد الخوف من الله تعالى، كأنه مذعور. أخبرنا محمد بن عبد الباقي، قال: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا أبو بكر بن حيان، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحسين، قال: حدثنا أبو سعيد الأشج، قال: حدثنا عبد الله بن خراش [٢] ، عن العوام بن حوشب، عن عبد الله بن الهذيل أنه قال: لقد شغلت النار من يعقل عن ذكر الجنة. ٤٧٩- عبيد الله بن أبي بكرة [٣] : ولي سجستان/ أيام زياد بن أبي سفيان، وغزا رتبيل في أيام الحجاج. وتوفي في هذه السنة. وكان جوادا، وذكر ابن قتيبة في المعارف [٤] : أن أول من قرأ بالألحان عبيد الله ابن أبي بكرة. أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، ومحمد بن ناصر، قالا: أخبرنا أبو الحسين بن

стр. 2107

عبد الجبار، قال: أخبرنا أبو محمد الجوهري، قال: أخبرنا أبو عمر بْن حيويه، قَالَ: أخبرنا أبو بكر بن الأنباري، قال: حَدَّثَني أبي، قال: حدثنا أحمد بن عبيد، قال: أخبرنا المدائني، قال: كان عبيد الله بن أبي بكرة يوما جالسا مع أصحابه، فأتي بوصيف ووصيفة أهديا إليه، فقال لبعض جلسائه: خذهما إليك. ثم فكر فقال: إيثار بعض الجلساء على بعض قبيح، فقال: يا غلمان، يضم إلى كل واحد من جلسائنا وصيف ووصيفة، فضم إليهم ثمانين بين وصيف ووصيفة. أنبأنا مُحَمَّد بْن عبد الباقي البزاز، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ، عن أبيه، أن شيخا من أهل الكوفة قال: أملقت حتى نقضت منزلي، فلما اشتد علي الأمر جاءتني الخادمة فقالت: والله ما لنا دقيق ولا معنا ثمنه. فقلت: أسرجي حماري، فأسرجته، فخرجت هاربا حتى انتهيت إلى البصرة، فلما شارفتها فإذا أنا بالموكب مقبل، فدخلت في جملتهم، فرجعت الخيل تريد البصرة، فصرت معهم حتى دخلتها، وانتهى صاحب الموكب إلى منزله، فنزل، ونزل الموكب، ونزلت معهم، ودخلنا فإذا الدهليز مفروش والناس جلوس مع الرجل، فدعا بغداء، فجاءوه بأحسن غداء، فتغديت مع الناس، ثم دعا بالغالية فضمخنا [١] ، ثم قال: يا غلمان، هاتوا سفطا، فجاء غلمانه بسفط أبيض مشدود، ففتح فإذا فيه أكياس مشدودة، في كل كيس ألف درهم، فبدأ يعطي فأمرها عليهم، ثم انتهى إلي [فأعطاني كيسا، ثم ثنى فأعطاني آخر، ثم ثلث] [٢] فأعطاني آخر، فأخذت الجماعة وبقي في السفط كيس واحد، فأخذه بيده وقال: هاك يا هذا الذي لا أعرفه، فأخذت/ أربعة أكياس، وخرجت، فقلت لإنسان: من هذا؟ فقال: عبيد الله بن أبي بكرة. وبلغنا أن رجلا انقطع إلى عبيد الله بن أبي بكرة، فألحقه بحشمه، وكفاه مئونته، فبطر النعمة، فسعى به إلى عبيد الله بن زياد، فبلغ ذلك ابن أبي بكرة، فأطرق مفكرا،

стр. 2108

فقيل له: فيم فكرت [١] ؟ فقال: أخاف أن أكون قصرت في الإحسان إليه فحملته على مساوىء أخلاقه. ٤٨٠- معاوية بن قرة بن إياس، يكنى أبا إياس [٢] : روى عن أنس، وابن عباس وغيرهما. أخبرنا محمد بن عبد الباقي، قال: أخبرنا حَمَدُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الأصفهاني، قال: حدثنا أبي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن عيسى، قال: حدثنا عيسى بن خالد، قال: حدثنا أبو اليمان، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن تمام بن نجيح، عن معاوية بن قرة، قال [٣] : أدركت سبعين رجلا من أصحاب رسول الله ﵌، لو خرجوا فيكم اليوم ما عرفوا شيئا مما أنتم عليه إلا الآذان. قَالَ أَبُو نعيم: وحدثنا عَبْد اللَّه بْن محمد بن جعفر، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن، قال: حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا المحاربي، عن عبيد الله بن ميمون، قال: سمعت معاوية بن قرة يقول [٤] : إن الله يرزق العبد رزق شهر في يوم واحد، فإن أصلحه أصلح الله على يديه، وعاش هو وعياله بقية شهرهم في خير، وإن هو أفسده أفسد الله تعالى عليه وعاش هو وعياله بقية شهر هم بشر. ٤٨١- همام بن الحارث النخعي [٥] : روى عن عمر، وابن مسعود، وأبي مسعود، وحذيفة، وأبي الدرداء، وعدي بن حاتم، وجرير، وعائشة.

стр. 2109

وكان الناس يتعلمون من هديه وسمته. وكان طويل السهر. أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا جعفر بن محمد، قال: أخبرنا الحسن بن علي التَّمِيمِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حدثني أبي، قال: حدثنا عبد الصمد، قال: حدثنا حرب بن شداد [١] ، قال: حدثنا حصين، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث: أنه كان يدعو: اللَّهمّ اشفني من النوم بالسهر، وارزقني سهرا في طاعتك، وكان لا ينام من الليل إلا هنيهة وهو قاعد.

стр. 2110

ثم دخلت سنة إحدى وثمانين فمن الحوادث فيها فتح قاليقلا [١] وقال المدائني: أغزى عبد الملك ابنه عبيد الله سنة إحدى وثمانين، ففتح قاليقلا. وفي هذه السنة قتل بحير بن ورقاء الصريمي وكان السبب أن بحيرا هو الذي تولى قتل بكير بن وشاح بأمر أمية بن عبد الله، فتعاقد سبعة عشر من بني عوف بن كعب على الطلب بدم بكير، فذهب بعضهم فقتله. وفيها خالف عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الحجاج ومن معه من جند العراق [٢] : وأقبلوا إليه لحربه، هذا قول أبي المخارق الراسبي. وقال الواقدي: إنما كان ذلك في سنة اثنتين وثمانين. وسبب خروجه مع ما كان في نفس كل واحد منهما على الآخر، وكان الحجاج يقول: ما رأيته إلا أردت ضرب عنقه، وكان عبد الرحمن يقول: إن طال بي وبه بقاء حاولت إزالته عن سلطانه، فلما بعثه الحجاج إلى حرب رتبيل فأصاب قطعة من مملكته، وكتب إلى الحجاج: إنا قد قنعنا بما أصبنا ثم في كل سنة نصيب شيئا من ملكه.

стр. 2111

فكتب إليه الحجاج: إنك كتبت إلي كتاب أمرئ يحب الهدنة، ويستريح إلى الموادعة، لعمرك يا ابن أم عبد الرحمن، إنك حين تكف عن ذلك العدو تظنني سخي النفس عمن أصيب من المسلمين، وقد رأيت أنه لم يحملك على ما رأيت إلا ضعفك، فامض لما أمرت به من الإيغال في أرضهم، وقتل مقاتليهم، ثم أردفه كتابا آخر: أما بعد، فمر من قبلك من المسلمين أن يحرثوا ويقيموا، فإنها/ دارهم حتى يفتحها الله عليهم. ثم أردفه كتابا آخر: أما بعد، فامض لما أمرت به وإلا فخل ما وليت لأخيك إسحاق. فدعا الناس وقال: إن الذي رأيت وافقني فيه أهل التجارب ورضوه رأيا، وكتبت بذلك إلى الحجاج فجاءني منه كتاب يعجزني ويأمرني بتعجيل الإيغال في البلاد التي هلك فيها إخوانكم بالأمس، وإنما أنا رجل منكم أمضي إذا مضيتم، وآبى إذا أبيتم، فثار إليه الناس، وقالوا: لا بل نأبى على عدو الله ولا نطيعه. فقام عامر بن واثلة الكناني، فقال: إن الحجاج لا يبالي بكم فإن ظفرتم أكل البلاد، وإن ظفر عدوكم كنتم الأعداء البغضاء فاخلعوه وبايعوا للأمير عبد الرحمن، وإني أشهدكم أني أول خالع. وقام عبد المؤمن بن شبث بن ربعي، فقال: إن أطعتم الحجاج جعل هذه البلاد بلادكم، فبايعوا أميركم وانصرفوا إلى عدو الله الحجاج فانفوه عن بلادكم. فوثب الناس إلى عبد الرحمن فبايعوه، فقال: تبايعونني على خلع الحجاج والنصرة لي وجهاده معي حتى ينفيه الله من أرض العراق، فبايعه الناس، ولم يذكر خلع عبد الملك، وأمر عبد الرحمن الأمراء، وبعث إلى رتبيل فصالحه على أنه إن ظهر فلا خراج عليه أبدا، وإن هزم وأراده ألجأه عنده. وبعث الحجاج إليه الخيل، وجعل ابن الأشعث على مقدمته عطية بن عمرو العنبري، فجعل لا يلقى للحجاج خيلا إلا هزمها، ثم أقبل عبد الرحمن حتى مر بكرمان، فبعث عليها خرشة بن عمرو التميمي، فلما دخل الناس فارس اجتمع بعضهم إلى بعض، فقالوا: إنا إذا خلعنا الحجاج عامل عبد الملك فقد خلعنا عبد الملك، فاجتمعوا إلى عبد الرحمن وبايعوه، فكان يقول لهم: تبايعونني/ على كتاب الله وسنة نبيه محمد ﵌، وخلع أئمة الضلالة، وجهاد المحلين، فإذا قالوا: نعم بايع.

стр. 2112

فلما بلغ الحجاج أنه قد خلعه كتب إلى عبد الملك يخبره ويسأله تعجيل بعثه الجنود له، وجاء حتى نزل البصرة، وكان قد بلغ المهلب شقاق عبد الرحمن، فكتب إليه: أما بعد، فإنك قد وضعت رجلك يا بن أم محمد في غرز طويل، فاللَّه الله، انظر لنفسك لا تهلكها، ودماء المسلمين لا تسفكها، والجماعة فلا تفرقها، والبيعة فلا تنكثها. ولما وصل كتاب الحجاج إلى عبد الملك هاله، فنزل عن سريره، وبعث إلى خالد بن يزيد بن معاوية فأقرأه الكتاب ثم خرج إلى الناس، فقال: إن أهل العراق طال عليهم عمري، اللَّهمّ سلط عليهم سيوف أهل الشام. وأقام الحجاج بالبصرة، وتجهز للقاء ابن محمد، وفرسان أهل الشام يسقطون إلى الحجاج من قبل عبد الملك، وكتب الحجاج ورسله تسقط إلى عبد الملك، وسار الحجاج بأهل الشام حتّى نزلت تستر، فالتقت المقدمات فهزم أصحاب الحجاج، فقال: أيها الناس، ارتحلوا إلى البصرة إلى معسكر وطعام ومادة، فإن هذا المكان لا يحمل الجند. فمضى ودخل البصرة، ودخل عبد الرحمن بن محمد في آخر ذي الحجة، وقال: أما الحجاج فليس بشيء، ولكنا نريد غزو عبد الملك، فبايعه الناس على حرب الحجاج، وخلع عبد الملك جميع أهل البصرة من قرائها وكهولها، وبايعه عقبة بن عبد الغافر فخندق الحجاج عليه، وخندق عبد الرحمن [على البصرة] [١] . وفي هذه السنة حج بالناس سليمان بن عبد الملك، وكان العامل على المدينة أبان بن عثمان، وعلى العراق والمشرق الحجاج، وعلى حرب خراسان المهلب، وعلى خراجها المغيرة بن المهلب من قبل الحجاج، وعلى قضاء الكوفة أبو بردة، وعلى قضاء البصرة ابن أذينة.

стр. 2113

وفي هذه السنة [١] . ولد ابن أبي ذئب. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٤٨٢-/ سويد بن غفلة بن عوسجة بن عامر، أبو أمية [٢] : رحل إلى رسول الله ﵌ فوجده قد قبض، فصحب أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليا، وشهد معه صفين. وسمع من ابن مسعود، ولم يسمع من عثمان شيئا. أخبرنا عبد الخالق بن أحمد، قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَتْحِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن عبد الله ابن أخي ميمي، قال: أخبرنا الحسين بْن صفوان، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بكر القرشي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن صالح، قال: حدثنا عبد الله بن حماد الجهني، عن محمد بن أبان الجهني، عن عمران بن مسلم، قال [٣] : كان سويد بن غفلة إذا قيل له أعط فلانا، وولّ فلانا، قال: حسبي كسرتي وملحي. أخبرنا محمد بن أبي القاسم، قَالَ: حَدَّثَنَا حمد بْن أَحْمَد، قَالَ: أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا محمد بن أبي سهل، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا إسحاق بن منصور، قال: حدثنا عبد السلام، عن يزيد بن عبد الرحمن، عن المنهال بن خيثمة، عن سويد بن غفلة [٤] ، قال:

стр. 2114

إذا أراد الله أن ينسي [١] أهل النار جعل لكل واحد منهم تابوتا من نار على قدره ثم أقفل عليه بأقفال من نار، فلا يضرب فيهم عرق إلا وفيه مسمار من نار، ثم يجعل ذلك التابوت في تابوت آخر من نار، ثم يقفل عليه بأقفال من نار ثم يضرم بينهما نار، ثم يجعل ذلك في تابوت آخر من نار، ثم يقفل بأقفال من نار ثم يضرم بينهما، فلا يرى أحدا منهم في النار غيره. كان سويد من المعمرين الأقوياء، تزوج وهو ابن ست عشرة سنة ومائة سنة. وكان يمشي إلى الجمعة، ويؤم قومه في رمضان. وتوفي في هذه السنة، وقيل: في السنة التي بعدها، وهو ابن ثمان وعشرين [٢] ومائة سنة. ٤٨٣- محمد بن علي بن أبي طالب، وهو ابن الحنفية [٣] : واسمها خولة بنت جعفر بن قيس. وقيل: كانت أمه من سبي اليمامة، فصارت إلى علي. وقالت أسماء بنت أبي بكر: رأيتها سندية [٤] سوداء، وكانت أمة لبني حنيفة. ويكنى محمد أبا القاسم. أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: / أَخْبَرَنَا ابْنُ حيوية، قال: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَعْرُوفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَهِمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن سعد، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْرَقُ، قَالا: حَدَّثَنَا قَطْرُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ مُنْذِرٍ الثَّوْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ ابْنَ الحنفية يقول [٥] :

стр. 2115

كَانَتْ هَذِهِ [١] رُخْصَةً لِعَلِيِّ [بْنِ أَبِي طَالِبٍ] [٢] ﵁، فَإِنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﵌: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ وُلِدَ لِي وَلَدٌ بَعْدَكَ أُسَمِّيهِ بِاسْمِكَ، وَأُكَنِّيهِ بِكُنْيَتِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قال مؤلف الكتاب ﵀ [٣] : وقد كان جماعة يسمون محمدا ويكنون بأبي القاسم، منهم: محمد بن أبي بكر، محمد بن طلحة بن عبيد الله، ومحمد بن سعد ابن أبي وقاص، ومحمد عبد الرحمن بن عوف، ومحمد بن جعفر بن أبي طالب، ومحمد بن حاطب بن أبي بلتعة، ومحمد بن الأشعث بن قيس. وأخبرنا محمد بن ناصر، وعلي بن عمر بإسنادهما عَنْ أبي بكر بْن أبي الدنيا، قَالَ: حدثنا الحسين بن عبد الرحمن، قال: حدثني أبو عثمان المؤدب، قال: قال محمد ابن الحنفية: من كرمت عليه نفسه لم يكن للدنيا عنده قدر. قال أبو بكر بن عبيد: وحدثنا محمد بن عبد المجيد، أنه سمع ابن عيينة يقول: قال محمد ابن الحنفية: إن الله جعل الجنة ثمنا لأنفسكم، فلا تبيعوها بغيرها. أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن سلمان، قال: أخبرنا حمد بْنُ أحمد الحداد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نعيم أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بن محمد بن سنان، قال: حدثنا محمد بن إسحاق السراج، قال: حدثنا عمر بن محمد بن الحسن، قال: حدثنا أبي، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بن زيد بن جدعان، عن علي بن الحسين، قال [٤] : كتب ملك الروم إلى عبد الملك بن مروان يتهدده ويتواعده ويحلف أنه ليحملن

стр. 2116

إليه مائة ألف في البر ومائة ألف في البحر أو يؤدي إليه الجزية فسقط في درعه، فكتب إلى الحجاج: أن اكتب لمحمد ابن الحنفية فتهدده وتواعده ثم أعلمني ما يرد إليك من جوابه. فكتب الحجاج إلى ابن الحنفية بكتاب شديد ويتواعده بالقتل. قال: فكتب إليه ابن الحنفية: إن للَّه ثلاثمائة وستين لحظة [١] في كل يوم إلى خلقه، وأنا أرجو أن/ ينظر الله، ، إلي نظرة يمنعني بها منك. قال: فبعث الحجاج بكتابه إلى عبد الملك، فكتب عبد الملك إلى ملك الروم نسخته، فقال ملك الروم: ما خرج هذا منك ولا أنت كتبت به، وما خرج إلا من بيت نبوة.

стр. 2117

ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين فمن الحوادث فيها ما جرى بين الحجاج وابن الأشعث من الحرب [١] فمن ذلك أن ابن الأشعث كان قد دخل البصرة في آخر ذي الحجة، واقتتلوا في محرم هذه السنة، وتزاحفوا ذات يوم فاشتد قتالهم فهزمهم أهل العراق حتى بلغت هزيمتهم إلى الحجاج، فلما رأى الحجاج ذلك جثا على ركبتيه وقال: للَّه در مصعب ما كان أكرمه، فعلم أنه لا يريد أن يفر، ثم هزم أهل العراق فخر ساجدا، وأقبل عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث نحو الكوفة وتبعه من كان معه من أهل الكوفة، وتبعه أهل القوة من أهل البصرة، فوثب أهل البصرة حينئذ إلى عبد الرحمن بن عياش بْن ربيعة بْن الحارث بْن عَبْد المطلب فبايعوه، فقاتل بهم الحجاج أشد قتال خمس ليال، ثم انصرف فلحق بابن الأشعث. وفي هذه السنة كانت وقعة دير الجماجم بين الحجاج وابن الأشعث وذلك في شعبان وبعضهم يقول: إنما كانت في سنة ثلاث وثمانين. وتلخيص القصة: ان ابن الأشعث لما جاء إلى الكوفة خرجوا لتلقيه، فلما دخل مال إليه أهل الكوفة كلهم، وسبقت همدان إليه، فحفوا به عند دار عمرو بن حريث، وبايعه الناس وتقوضت إليه المسالح والثغور، فأقبل الحجاج من البصرة فسار في البر حتى مر بين القادسية والعذيب، وبعث

стр. 2118

إليه ابن الأشعث عبد الرحمن بن العباس في خيل عظيمة من خيل البصريين [١] ، فمنعوه نزول القادسية، ثم سايره حتى نزل دير قرة. ونزل عبد الرحمن بن العباس دير الجماجم، وجاء ابن الأشعث فنزل دير الجماجم، وكان الحجاج يقول: ما كان عبد الرحمن/ يزجر الطير حين رآني نزلت دير قرة، ونزل دير الجماجم، فاجتمع أهل الكوفة وأهل البصرة، وأهل الثغور والمسالح بدير الجماجم والقراء من المصرين، كلهم اجتمعوا على حرب الحجاج، وكانوا مبغضين له وهم إذ ذاك مائة ألف مقاتل [ممن] [٢] يأخذ [٣] العطاء، ومعهم مثلهم من مواليهم. وجاءت للحجاج أمداد من قبل عبد الملك، واشتد القتال، فقيل لعبد الملك: إن كان إنما يرضي أهل العراق أن ينزع عنهم الحجاج فانزعه تحقن [به] [٤] الدماء، فإن نزعه أيسر من حربهم. فأمر ابنه عبد الله وأخاه محمد بن مروان أن يعرضا على أهل العراق نزع الحجاج عنهم، وأن يجري عليهم أعطياتهم كما تجري على أهل الشام، فإن هم قبلوا ذلك نزع عنهم الحجاج. وكان محمد بن مروان أمير العراق فإن هم لم يقبلوا ذلك فالحجاج أمير جماعة أهل الشام، وولي القتال، ومحمد وعبد الله في طاعته، فلم يأت الحجاج أمر قط كان أشد عليه ولا أغيظ له من ذلك مخافة أن يقبلوا فيعزل عنهم. فكتب إلى عبد الملك: يا أمير المؤمنين، والله لئن أعطيت أهل العراق نزعي فإنّهم لا يلبثون إلا قليلا حتى يخالفوك ويسيروا إليك، ولا يزيدهم ذلك إلا جرأة عليك، ألم تر وتسمع بوثوب أهل العراق مع الأشتر على عثمان بن عفان، فلما سألهم: ما تريدون، قالوا: نزع سعيد بن العاص، فلما نزعه لم تقم لهم قائمة حتى ساروا إليه فقتلوه، إن الحديد بالحديد يقرع [٥] ، خار الله لك فيما ارتأيت. فأبى عبد الملك إلا عرض هذه الخصال على أهل العراق إرادة العافية من

стр. 2119

الحرب، فلما اجتمعا مع الحجاج خرج عبد الله، فقال: يا أهل العراق، أنا عبد الله ابن أمير المؤمنين، وهو يعطيكم كذا وكذا، فذكر الخصال التي تقدم ذكرها، وقال محمد: أنا رسول أمير المؤمنين إليكم، وهو يعرض عليكم كذا وكذا، قالوا: نرجع العشية، فرجعوا واجتمعوا عند ابن الأشعث فلم يبق قائد ولا رأس قوم ولا فارس إلا أتاه، فحمد الله تعالى ثم قال: / أما بعد، فاقبلوا ما عرضوا عليكم وأنتم أعزاء أقوياء، والقوم لكم هائبون. فوثب الناس من كل جانب فقالوا: إن الله قد أهلكهم، فأصبحوا في الضنك والمجاعة والقلة والذلة، ونحن ذوو العدد الكثير، والمادة القريبة، لا والله لا نقبل. وأعادوا خلعه ثانية، فرجع محمد بن مروان وعبد الله إلى الحجاج، فقالا: شأنك بعسكرك وجندك فاعمل برأيك، فإنا قد أمرنا أن نسمع ونطيع. وخلياه والحرب. فبرزوا للقتال، فجعل الحجاج على ميمنته عبد الرحمن بن سليم الكناني [١] ، وعلى ميسرته عمارة بن تميم، وعلى خيله سفيان بن الأبرد، وعلى رجالته عبد الله بن حبيب [٢] . وجعل ابن الأشعث على ميمنته الحجاج بن حارثة الخثعمي، وعلى ميسرته الأبرد بن قرة التميمي، وعلى خيله عبد الرحمن بن عباس الهاشمي، وعلى رجالته محمد بن سعد بن أبي وقاص، وعلى القراء جبلة بن زحر بن قيس الجعفي، وكان فيهم عامر الشعبي، وسعيد بن جبير، وأبو البختري الطائي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى. ثم إنهم أخذوا يتزاحفون كل يوم ويقتتلون، وأهل العراق تأتيهم موادهم من الكوفة وسوادها. فهم فيما هم فيه فيما شاءوا [من خصبهم، وإخوانهم من] أهل البصرة [٣] وأهل الشام في ضيق شديد، قد قل عندهم الطعام وفقدوا اللحم وكأنهم في

стр. 2120

حصار وهم على ذلك يقتتلون أشد قتال، فخرجوا ذات يوم وقد عبى الحجاج جيشه، ثم زحف في صفوفه، وخرج ابن الأشعث في سبعة صفوف بعضها في أثر بعض. أخبرنا ابن ناصر، قَالَ: أخبرنا أبو عبد الله الحُمَيْدِي، قال: أخبرنا محمد بن سلامة القضاعي، قال: أخبرنا أبو مسلم محمد بن أحمد الكاتب، قال: أخبرنا ابن دريد، قال: حدثنا أبو عثمان، قال: حدثني عبد الله، قال: حدثنا أبو التياح، قال: شهدت الحسن وسعيد بن أبي الحسن أيام ابن الأشعث، فأما ابن الأشعث فكان يأمر بالكف وينهى عن القتال، وأما/ سعيد فكان يحرض ويأمر بالقتال، ويقول: والله ما خلعنا أمير المؤمنين ولا نريد خلعه، ولكننا نقمنا عليه الحجاج، وكان الحسن يقول: أيها الناس، تعلموا والله ما سلط الحجاج عليكم إلا عقوبة من الله، فلا تعارضوا عقوبة الله بالحمية والسيوف، ولكن عارضوها بالتضرع والاستغفار. وفي هذه السنة توفي المغيرة بن المهلب بخراسان، وكان المهلب يومئذ وراء النهر لحرب من هناك، فولى أخاه يزيد بن المهلب مكان ولده. وفيها: صالح المهلب من وراء النهر على شيء يؤدونه وفصل عنهم. وفيها: توفي المهلب فولى الحجاج يزيد بن المهلب خراسان. وفيها: عزل عبد الملك أبان بن عثمان عن المدينة لثلاث عشرة خلت من جمادى الآخرة، وولاها هشام بن إسماعيل المخزومي، فلما وليها عزل نوفل بن مساحق العامري. وقال الواقدي: كان هذا في سنة ثلاث وثمانين، فكانت ولاية أبان المدينة سبع سنين وثلاث عشرة ليلة. وفيها: حج بالناس أبان بن عثمان، وكان على العراق والمشرق الحجاج، وعلى خراسان يزيد بن المهلب من قبل الحجاج.

стр. 2121

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٤٨٤- أوس بن خالد، أبو الجوزاء الربعي: [١] صحب ابن عباس اثنتي عشرة سنة، وسأله عن جميع آيات القرآن. وروى عن عائشة، وخرج مع ابن الأشعث فقتل أيام الجماجم. أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا الحسن بن علي التَّمِيمِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، قال: حدثنا نوح بن قيس، قال: حدثنا سليمان الربعي، قال: كان أبو الجوزاء يواصل في الصوم بين سبعة أيام، ثم يقبض على ذراع الشاب فيكاد يحطمها. ٤٨٥- أسماء/ بن خارجة، أبو مالك الفزاري الكوفي [٢] : روى عنه ابنه مالك. روى الأصمعي، عن ابن عمرو بن العلاء، قال: دخل أسماء بن خارجة على عبد الملك بن مروان، فقال له: بلغني عنك خصال شريفة فأخبرني بهن، فقال: يا أمير المؤمنين، إن استماعهن من غيري أحسن من استماعهن مني. فقال: أقسم عليك إلا أخبرتني بهن، قال: يا أمير المؤمنين، ما سألني أحد قط حاجة إلا قضيتها كائنة ما كانت، ولا أكل رجل من طعامي ولا شرب من شرابي إلا رأيت له الفضل علي، ولا أقبل علي بحديثه إلا أقبلت عليه بسمعي وبصري حتى يكون هو المولي عني، [ولا مددت

стр. 2122

رجلي أمام جليسي فيرى أن ذلك استطالة مني عليه] [١] . قال: حسبك يا أسماء يحق لك أن تسود وتشرف وهذه خصالك. وبلغنا أن أسماء بن خارجة رجع يوما إلى باب داره فرأى فتى على الباب، فقال: يا فتى، ما يجلسك هاهنا؟ فقال: خير. فألح عليه، فقال: جئت سائلا إلى هذه الدار فخرجت إلي منها جارية [ترفد] [٢] فاختطفت قلبي، فجلست لكي تخرج ثانية فأنظر إليها. قال: أو تعرفها؟ قال: نعم. فدعا بالجواري، فجعل يعرضهن عليه حتى مرت به، قال: هي هذه. قال: مكانك. فخرج إليه بعد قليل فجعل يعتذر إليه ويقول: إنها لم تكن لي، كانت لبعض بناتي وقد اشتريتها لك بثلاثة آلاف درهم، خذها بارك الله لك فيها. ٤٨٦- خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان: [٣] كان من رجالات قريش والمعدودين من كبرائهم سخاء وفصاحة وعقلا. وكان قد شغل نفسه بعمل الكيمياء، فضاع زمانه. وكان مروان بن الحكم قد تزوج أمه أم خالد لأجل أن الناس كانوا ينظرون إلى خالد لمكان أبيه، وكان مروان يطمعه في بعض الأمر ثم بدا له فعقد لابنيه عبد الملك وعبد العزيز، وأخذ يضع من خالد حتى شتمه يوما وذكر أمه بالقبح- على ما ذكرنا في أخبار مروان بن الحكم- فكان ذلك سبب قتل مروان. أَخْبَرَنَا المبارك بْن عَلي الصيرفي، قَالَ: أَخْبَرَنَا علي بن محمد العلاف، قال: حدثنا عبد الملك بن بشران، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم الكندي، قال: حدثنا/ محمد بن جعفر الخرائطي، قال: حدثنا المبرد، قال: حدثنا هشام، عَنْ أبي عبيدة معمر بْن المثني، قَالَ:

стр. 2123

حج عبد الملك بن مروان وحج معه خالد بن يزيد بن معاوية، وكان من رجالات قريش المعدودين وعلمائهم. وكان عظيم القدر عند عبد الملك. فبينا هو يطوف بالبيت إذ بصر برملة بنت الزبير بن العوام فعشقها عشقا شديدا، ووقعت بقلبه وقوعا متمكنا. فلما أراد عبد الملك القفول هم خالد بالتخلف عنه، فوقع بقلب عبد الملك تهمه، فبعث إليه يسأله عن أمره، فقال: يا أمير المؤمنين، رملة بنت الزبير رأيتها تطوف بالبيت قد أذهبت عقلي، والله ما أبديت لك ما بي حتى عيل صبري، فلقد عرضت النوم على عيني فلم تقبله، والسلو على قلبي فامتنع منه، فأطال عبد الملك التعجب من ذلك وقال: ما كنت أقول إن الهوى يستأسر مثلك، فقال: وإني لأشد تعجبا من تعجبك مني، ولقد كنت أقول إن الهوى لا يتمكن إلا من صنفين من الناس: الشعراء، والأعراب. فأما الشعراء فإنّهم ألزموا قلوبهم الفكر في النساء والغزل، فمال طمعهم إلى النساء، فضعفت قلوبهم عن دفع الهوى فاستسلموا له منقادين [١] . وأما الأعراب، فإن أحدهم يخلو بامرأته فلا يكون الغالب عليه غير حبه لها، ولا يشغله شيء عنه، فضعفوا عن دفع الهوى، فتمكن منهم. وجملة أمري ما رأيت نظرة حالت بيني وبين الحرم، وحسنت عندي ركوب الإثم مثل نظرتي هذه. فتبسم عبد الملك وقال: أو كل هذا قد بلغ بك، فقال: والله ما عرفتني هذه البلية قبل وقتي هذا، فوجه عبد الملك إلى آل الزبير يخطب رملة على خالد، فذكروا لها ذلك فقالت: لا والله، أو يطلق نساءه، فطلق امرأتين كانتا عنده، إحداهما من قريش والأخرى من الأزد [٢] ، وظعن بها إلى الشام. وفيها يقول: / أليس يزيد الشوق في كل ليلة ... وفي كل يوم من حبيبتنا قربا خليلي ما من ساعة تذكر انها ... من الدهر إلا فرجت عني الكربا أحب بني العوام طرا لحبها ... ومن أجلها أحببت أخوالها كلبا تجول خلاخيل النساء ولا أرى ... لرملة خلخالا يجول ولا قلبا قال مؤلف الكتاب رحمة الله: وقد زاد بعض أعدائه في هذه الأبيات: فإن تسلمي نسلم وإن تتنصري ... يخط رجال بين أعينهم صلبا

стр. 2124

فلما سمع البيت قال من قاله: لعنة الله [عليه] وعلى من يجيبه [١] . أخبرنا الحسين بن محمد بن عبد الوهاب، قال: أخبرنا أبو جعفر ابن المسلمة، قَالَ: أَخْبَرَنَا المخلص، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ [بْنِ دَاوُدَ] [٢] ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزبير بن بكار، قال: دخلت رملة بنت الزبير على عبد الملك بن مروان، وكانت عند خالد بن يزيد بن معاوية، فقال لها: يا رملة، غرني عروة منك، فقالت: لم يغررك ولكن نصحك، إنك قتلت مصعبا أخي، فلم يأمني عليك. وكان عبد الملك أراد أن يتزوجها، فقال له عروة: لا أرى ذلك لك. وكان الحجاج قد بعث إلى خالد: ما كنت أراك تخطب إلى آل الزبير حتى تشاورني، فكيف خطبت إلى قوم ليسوا بأكفائك، وهم الذين نازعوا أباك [٣] على الخلافة ورموه بكل قبيحة. فقال لرسوله: ارجع فقل له: ما كنت أرى أن الأمور بلغت بك إلى أن أؤامرك في خطبة النساء، وأما قولك: نازعوا أباك وشهدوا عليه بالقبيح، فإنها قريش تتقارع، فإذا أقر الله الحق مقره تعاطفوا وتراحموا. وأما قولك: ليسوا لك بأكفاء. فقبحك الله يا حجاج ما أقل علمك بأنساب قريش، أيكون العوام كفؤا لعبد المطلب بن هاشم حتى يتزوج صفية ويتزوج رسول الله ﵌ خديجة، ولا تراهم أكفاء لأبي سفيان. ولما قدم الحجاج على عبد الملك مر بخالد فقال له رجل: من هذا؟ فقال خالد كالمستهزئ به: هذا عمرو/ بن العاص فرجع الحجاج إليه فقال: ما أنا بعمرو بن العاص ولكني ابن الغطاريف من ثقيف، والعقائل من قريش، ولقد ضربت بسيفي هذا أكثر من مائة ألف كلهم يشهد أن أباك وأنت وجدك من أهل النار، ثم لم آخذ لذلك عندك شكرا.

стр. 2125

٤٨٧- سفيان بن وهب الخولاني، أبو أيمن: [١] وفد على رسول الله ﵌، وشهد مع عمرو فتح مصر، وولي الإمرة لعبد العزيز بن مروان على بعث الطليعة إلى إفريقية سنة ثمان وسبعين. روى عنه أبو غسانة، وأبو البختري، والبرني، وبكر بن سوادة. وتوفي في هذه السنة. ٤٨٨- طلق بن حبيب العنزي: [٢] روى عن ابن عباس، وجابر [٣] ، وكان متعبدا. أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، قال: أخبرنا أبو الحسن بن عبد الجبار، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَتْحِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْن أخي ميمي، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن صفوان، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بكر القرشي، قَالَ: حَدَّثَنِي محمد بن الحسين، قال: حدثني عبد الصمد النعماني، قال: حدثنا يوسف بن عطية، عن الحجاج بن يزيد، قال: كان طلق بن حبيب يقول: إني لأحب أن أقوم للَّه حتى أشتكي ظهري، فيقوم فيبتدئ بالقرآن حتى يبلغ الحجر ثم يركع. ٤٨٩- عمر بن عبيد الله بن معمر، أبو حفص التميمي [٤] ، أمير البصرة: [٥] كان جوادا صديقا لزياد الأعجم [٦] قبل أن يلي، فقال له عمر: يا أبا أمية [٧] ، لو قد

стр. 2126

وليت لتركتك لا تحتاج إلى أحد أبدا. فلما ولي عمر فارس قصده زياد، فلما لقيه أنشأ يقول: ألا ابلغ أبا حفص رسالة ناصح ... أتت من زياد مستبينا كلامها فإنك مثل الشمس لا ستر دونها ... فكيف أبا حفص علي ظلامها فقال له عمر: لا يكون عليك ظلامها أبدا، فقال: لقد كنت أدعو الله في السر أن أرى ... أمور معد في يديك نظامها فقال: قد رأيت ذلك، فقال: فلما أتاني ما أردت تباشرت ... بناتي وقلن العام لا شك عامها قال: فهو عامها [١] إن شاء الله تعالى قال: فأنى وأرض [٢] أنت فيها ابن معمر ... كمكة لم يطرق لأرض حمامها قال: فهي كذلك يا زياد، فقال: إذا اخترت أرضا للمقام رضيتها ... لنفسي ولم يثقل علي مقامها وكنت أمني النفس منك ابن معمر ... أماني أرجو أن تتم تمامها [٣] قال: قد أتمها الله لك، قال: فلا أك كالمجرى إلى رأس غاية ... ترجى سماء لم تصبه غمامها فقال: لست كذلك، فسل حاجتك، فقال نجيبة وخادمها، وفرس راتع وسائسه، وبدرة وحاملها، وجارية وخادمها، وتخت ثياب ووصيفة تحمله [٤] ، فقال: قد أمرنا بجميع ما سألت، وهو لك علينا في كل سنة. فخرج من عند عمر حتى قدم على عبد الله بن الخشرج وهو بسابور، فأنزله وألطفه، فقال في ذلك: إن السماحة والمروءة والندا ... في قبة ضربت على ابن الخشرج

стр. 2127

لما أتيتك راجيا لنوالكم ... ألفيت باب نوالكم لم يرتج فأمر له بأربعة آلاف درهم. أخبرتنا شهدة بنت أحمد الكاتبة، قالت: أَخْبَرَنَا جعفر بن أحمد، قال: أخبرنا علي ابن أبي علي المعدل، قال: حدثني أبي، قال: روى أبو روق الهمداني، عن الرياشي: أن بعض أهل البصرة اشترى صبية فأحسن تأديبها وتعليمها، وأحبها كل المحبة، وأنفق عليها حتى أملق، وحتى مسه الضر الشديد، فقالت الجارية: إني لأرى لك يا مولاي مما أرى بك [١] من سوء الحال، فلو بعتني اتسعت بثمني فلعل الله أن يصنع لك وأقع/ أنا بحيث يحسن حالي فيكون ذلك أصلح لكل واحد منا. قال: فحملها إلى السوق، فعرضت على عمر بن عبد الله بن معمر [٢] التيمي، وهو أمير البصرة يومئذ، فأعجبته فاشتراها بمائة ألف درهم، فلما قبض مولاها الثمن وأراد الانصراف استعبر كل واحد منهما إلى صاحبه شاكيا، فأنشأت الجارية تقول: هنيئا لك المال الذي قد حويته [٣] ... ولم يبق في كفي غير تذكري [٤] أقول لنفسي وهي في غشي كربة [٥] ... أقلي فقد بان الحبيب أو أكثري إذا لم يكن للأمر عندك حيلة ... ولم تجدي شيئا سوى الصبر فاصبري [٦] فاشتد بكاء المولى ثم أجابها يقول: فلولا قعود الدهر بي عنك لم يكن ... يفرقنا شيء سوى الموت فاعذري [٧] أروح بهم في الفؤاد مبرح ... أناجي به قلبا شديد التفكر

стр. 2128

عليك سلام لا زيارة بيننا ... ولا وصل إلا أن يشاء ابن معمر فقال له ابن معمر: قد شئت، خذها ولك المال، فانصرفا راشدين، فو الله لا كنت سببا لفرقة محبين. وروى ابن عائشة، عن أبيه، قال: لما خرج ابن الأشعث أرسل عبد الملك إلى عمر بن عبد الله [١] بن معمر ليقدم عليه، فمات في الطريق بالطاعون. فقام عبد الملك على قبره وقال: أما والله لقد علمت قريش أنها فقدت اليوم نابا من أنيابها. ورثاه الفرزدق الشاعر فقال: كانت يداه لنا سيفا نصول به ... على العدو وغيثا ينبت الشجرا أما قريش أبا حفص قد رزيت ... بالشأم إذا فارقتك الناس والظفرا ٤٩٠- المهلب بن أبي صفرة- وكان اسم أبي صفرة ظالما- ويكنى المهلب/ أبا سعيد: [٢] وقد أدرك عمر لكنه لم يرو عنه، وروى عن سمرة وغيره، وولي خراسان، وكان جوادا. أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عبد الجبار، قال: أخبرنا محمد بن عبد الواحد بن محمد بن جعفر، قال: أخبرنا أبو عمرو بن حيوية، قال: حدثنا ابن دريد، قال: أخبرنا المعلي، عن حاتم، قال: أخبرني حفص بن عمر، قال: نزل المهلب في دار محمد بن مخنف، فلما شخص قال: دعوا لهم المتاع، فترك لهم بسطا وغيرها بثلاثمائة ألف درهم. أخبرنا المبارك بن علي الصيرفي، قال: حدثنا شجاع بْن فارس، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَتْحِ، قال: أخبرنا ابْن أخي ميمي، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن صفوان، قال: أخبرنا أبو بكر القرشي، قال: حدثني هارون بن أبي يحيى السلمي، قال: حدثني مسامر بن جميل:

стр. 2129

أن المهلب مر بقوم فأعظموه وسودوه، فقال رجل: ألهذا الأعور تسودون، والله لو خرج إلى السوق ما جاء إلا بألفي درهم. فقال لبعض من معه: أتعرف الرجل؟ قال: نعم، فلما انتهى إلى منزله أرسل إليه ألفي درهم، وقال: أما أنك لو زدتنا في القيمة لزدناك في العطية. قال القرشي: وحدثني محمد بن أبي رجاء، قال: أغلظ رجل للمهلب بن أبي صفرة، فسكت، فقيل له: أربا عليك، قال: لم أعرف مساوئه فكرهت أن أبهته بما ليس فيه. قال علماء السير: انصرف المهلب من وراء النهر يريد مرو، فمرض، فجمع من حضر من ولده، ودعا بسهام فحزمت، فقال: أترونكم كاسريها مجتمعة؟ قالوا: لا، قال: أفترونكم كاسريها متفرقة؟ قالوا: نعم، قال: فهكذا الجماعة، فأوصيكهم بتقوى الله ، وصلة الرحم، وأنهاكم عن القطيعة، واعرفوا لمن يغشاكم حقه، وكفى بغدو الرجل ورواحه إليكم تذكرة له، وآثروا الجود على البخل، وعليكم في الحرب بالأناة والمكيدة فإنها أنفع من الشجاعة، وعليكم بقراءة القرآن وتعلم السنن وآداب الصالحين، وإياكم وكثرة الكلام. ومات في ذي/ الحجة من هذه السنة بمروالروذ، واستخلف على خراسان ولده يزيد فأقره الحجاج. ومن العجائب: أنه كان للمهلب ثلاثة أولاد: يزيد، وزياد، ومدرك، ولدوا في سنة واحدة، وقتلوا في سنة واحدة، وأسنانهم واحدة، عاش كل واحد منهم ثمانية وأربعين سنة. ٤٩١- المغيرة بن المهلب: [١] كان خليفة أبيه على عمله كله، فتوفي في رجب من هذه السنة.

стр. 2130

ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين فمن الحوادث فيها هزيمة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بدير الجماجم [١] وذلك أن عبد الرحمن نزل دير الجماجم، وهو دير بظاهر الكوفة على طرف البر الذي يسلك منه إلى البصرة، وإنما سمي بدير الجماجم لأنه كان بين أياد والقين حروب فقتل من أياد والقين خلق كثير ودفنوا، فكان الناس يحفرون فتظهر لهم جماجم فسمي دير الجماجم، وذلك اليوم بيوم الجماجم. ونزل الحجاج دير قرة- وهو مما يلي الكوفة بإزاء دير الجماجم- فقال الحجاج: [ما اسم هذا الموضع الذي نزل فيه ابن الأشعث؟ قيل له: دير الجماجم] [٢] ، فقال: الحجاج: يقال هو بدير الجماجم فتكثر جماجم أصحابه عنده، ونحن بدير قرة ملكنا البلاد، واستقررنا فيها. واتصلت الحرب بينهما مائة يوم كان فيها إحدى وثمانون وقعة، وكان يحمل بعضهم على بعض، فحمل أهل الشام مرة بعد مرة، فنادى عبد الرحمن بن أبي ليلى: يا معشر القراء، إن الفرار ليس بأحد من الناس بأقبح منه بكم، إني سمعت عليا ﵇ يقول يوم لقينا أهل الشام: أيها المؤمنون، إنه من رأى عدوانا يعمل به ومنكرا يدعى إليه فأنكره بقلبه فقد سلم وبريء، ومن أنكره بلسانه فقد أجر وهو أفضل من صاحبه، ومن أنكره بالسيف لتكون كلمة الله العليا وكلمة الظالمين السفلى فذلك الذي أصاب سبيل

стр. 2131

الهدى ونور قلبه باليقين/ فقاتلوا هؤلاء المحلين المحدثين المبتدعين الذين قد جهلوا الحق ولا يعرفونه، وعملوا بالعدوان فليس ينكرونه. وقال أبو البختري [١] : أيها الناس قاتلوهم على دينكم ودنياكم، فو الله لئن ظهروا عليكم ليفسدن عليكم دينكم، وليغلبن على دنياكم. وقال الشعبي [٢] : يا أهل الإسلام قاتلوهم ولا يأخذكم حرج من قتالهم، فو الله ما أعلم قوما على بسيط الأرض أعمل بظلم ولا أجور منهم في الحكم. [وقال سعيد بن جبير: قاتلوهم ولا تأثموا من قتالهم بنية ويقين، قاتلوهم على جورهم في الحكم] [٣] وتجبرهم في الدين واستذلالهم الضعفاء، وإماتتهم الصلاة. فحمل أصحاب عبد الرحمن على القوم حتى أزالوهم عن صفهم، ثم عادوا فإذا جبلة بن زحر بن قيس الجعفي الذي كان على الرجالة صريع، فانكسر القراء، وحمل رأسه إلى الحجاج، فقال: يا أهل الشام، أبشروا هذا أول الفتح، وما زالوا يقتتلون ويتبارز الرجل والرجل مائة يوم. ثم إن أصحاب عبد الرحمن انهزموا في بعض الأيام، وأخذوا في كل وجه، وصعد عبد الرحمن المنبر، وأخذ ينادي الناس: [عباد الله إلي إلي عباد الله، إلي أنا ابن محمد] [٤] . وجاء إلى جماعة من أصحابه، فأقبل أهل الشام فحملوا عليهم وهو على المنبر، فقال له عبد الله بن يزيد الأزدي: انزل فإني أخاف عليك أن تؤسر، ولعلك إن انصرفت أن تجمع لهم جمعا يهلكهم الله به بعد اليوم. وحضر مع القوم سلمة بن كهيل، وعطاء السلمي، والمعرور بن سويد، وطلحة بن مصرف. ورأى طلحة رجلا يضحك فقال له: أما إنك تضحك ضحك من لم يحضر الجماجم، فقيل له: وشهدت الجماجم؟، فقال: نعم ورميت فيها بسهم وليت يدي قطعت ولم أرم فيها.

стр. 2132

ثم إنه نزل من على المنبر وانهزم أهل العراق لا يلوون على شيء، ومضى عبد الرحمن في أناس من أهل بيته إلى منزله، فخرجت إليه ابنته فالتزمها، وخرج أهله يبكون، فأوصاهم بوصية، / وقال: لا تبكوا، فكم عسيت أن أبقى معكم، وإن الذي يرزقكم حي، ثم ودعهم وخرج من الكوفة، فقال الحجاج: لا تتبعوهم، ومن رجع فهو آمن. وجاء الحجاج إلى الكوفة فدخلها، فجاء الناس إليه، فكان لا يبايعه أحد إلا قال: أتشهد أنك كفرت، فإذا قال نعم بايعه وإلا قتله، فجاء رجل من خثعم فقال له: أتشهد أنك كافر؟ فقال: بئس الرجل أنا إن كنت عبدت الله ثمانين سنة ثم أشهد على نفسي بالكفر، قال: إذا أقتلك، قال: وإن قتلتني فو الله ما بقي من عمري ظمء حمار [١] ، وإني لأنتظر الموت صباحا ومساء، فقال: اضربوا عنقه، فضربت عنقه. ودعا بكميل بن زياد فقتله، وأتي برجل فقال الحجاج: إني أرى رجلا ما أظنه يشهد على نفسه بالكفر، فقال: أخادعي أنت عن نفسي، أنا أكفر أهل الأرض، وأكفر من فرعون ذي الأوتاد، فضحك الحجاج وخلى سبيله. وأقام الحجاج بالكوفة شهرا. وفي هذه السنة كانت الوقعة بمسكن بين الحجاج وابن الأشعث بعد ما انهزم من دير الجماجم [٢] وكان السبب أن محمد بن سعد بن أبي وقاص خرج بعد وقعة الجماجم حتى نزل المدائن، واجتمع إليه ناس كثير، وخرج عبيد الله بن عبد الرحمن بن محمد حتى قدم البصرة وهو بها، فاجتمع الناس إلى عبد الرحمن، فأقبل عبيد الله إليه وقال: إنما أخذتها لك. وخرج الحجاج قبل المدائن [٣] ، فأقام بها خمسا حتى هيأ الرجال في المعابر، وخندق ابن الأشعث وأقبل نحو الحجاج والتقوا، فاقتتلوا فانهزم أهل العراق، وقتل أبو

стр. 2133

البختري الطائي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، ثم قاتلوا فكشفوا أهل الشام مرارا، ثم انهزم ابن الأشعث. وقيل: بل بعث الحجاج جندا فأتوا عسكر ابن الأشعث من ورائهم في الليل، فتحيزوا لأن نهر دجيل عن يسارهم ودجلة/ أمامهم، فكان من غرق أكثر ممن قتل، ودخل الحجاج إلى عسكرهم فانتهب ما فيه، وقتل أربعة آلاف. ومضى ابن الأشعث ومعه فل نحو سجستان، فأتبعهم الحجاج عمارة بن تميم اللخمي، فأدرك ابن الأشعث بالسوس، فقاتلهم ابن الأشعث ساعة، ومضى ابن الأشعث حتى مرّ بكرمان، وجاء إلى بلدة له فيها عامل فاستقبله العامل وأنزله، فلما عقل أصحاب عبد الرحمن وتفرقوا عنه أوثقه ذلك العامل وأراد أن يأمن بذلك عند الحجاج، فجاء رتبيل حتى أحاط بذلك البلد، وبعث إليه ذلك الرجل وقال: والله لئن آذيته أو ضررته لأقتلنك ومن معك، ثم أسبي ذراريكم، وأقسم أموالكم، فقال له: أعطنا أمانا ونحن ندفعه إليك سالما، فصالحهم على ذلك، فأخذه رتبيل فأكرمه. ثم إن الفلول أقبلوا في أثر ابن الأشعث حتى سقطوا بسجستان، فكانوا نحوا من ستين ألفا، وكتبوا إلى عبد الرحمن بعددهم، فخرج إليهم فساروا إلى هراة، فخرج من جملتهم عُبَيْد الله بن عبد الرحمن في ألفين، ففارقهم، فلما أصبح ابن الأشعث قام فيهم فقال: إني قد شهدتكم في هذه المواطن فما من موطن إلا أصبر فيه نفسي حتى لا يبقى منكم أحد، فلما رأيت أنكم لا تصبرون أتيت مأمنا فكنت فيه، فجاءتني كتبكم بأن أقبل إلينا، فقد اجتمعنا، وهذا عبيد الله قد صنع ما رأيتم، فحسبي منكم يومي هذا، فاصنعوا ما بدا لكم، فإنّي منصرف إلى صاحبي الذي أتيتكم من قبله، فمن أحب منكم أن يتبعني فليتبعني، ومن كره ذلك فليذهب حيث أحب. فمضى إلى رتبيل، ومضت معه طائفة، وبقي معظم العسكر، فوثبوا إلى عبد الرحمن بن العباس [١] فبايعوه، وذهبوا إلى خراسان حتى انتهوا إلى هراة، وسار إليهم يزيد بن المهلب فقاتلهم وأسر منهم، فبعث الأسرى إلى الحجاج فقتل منهم وعفى عن بعضهم. وجيء بفيروز فعذبه بأن شد القصب الفارسي المشقق عليه، ثم جر

стр. 2134

عليه، ثم نضح عليه الخل/ والملح، فلما أحس بالموت قال: لي ودائع عند الناس لا تؤدى إليكم أبدا، فأخرجوني ليعلموا أني حي فيردوا المال، فقال الحجاج: أخرجوه، فأخرج إلى باب المدينة، فقال: من كان لي عنده شيء فهو في حل منه، ثم قتل. وذكر الحجاج [١] الشعبي فقال: أين هو؟ فقال يزيد بن أبي مسلم: بلغني أنه لحق بقتيبة بن مسلم بالري، وكان الحجاج قد نادى: من لحق بقتيبة فهو آمن، فلحق به الشعبي، فقال ليزيد: ابعث إليه فليؤت به، فكتب إلى قتيبة: أن ابعث الشعبي. قال الشعبي وكان صديقا لابن [أبي] [٢] مسلم: فلما قدمت على الحجاج لقيته، فقلت: أشر عليّ، فقال: ما أدري غير أن أعتذر ما استطعت. فلما دخلت سلمت عليه بالإمرة، ثم قلت: أيها الأمير، إن الناس قد أمروني أن أعتذر إليك بغير ما يعلمه الله أنه الحق، وأيم الله لا أقول في هذا المقام إلا حقا، وقد والله حرضنا عليك وجهدنا كل الجهد، فما كنا فيما كنا أتقياء بررة، فإن سطوت فبذنوبنا، وإن عفوت فبحلمك، والحجة لك. فقال: أنت والله أحب إلي قولا ممن يدخل وسيفه يقطر من دمائنا، ثم يقول: ما فعلت. قد أمنت عندنا يا شعبي. أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك وابن ناصر، قالا: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار، قال: أخبرنا القاضي إسماعيل بن سعيد بن سويد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر بْن الأنباري، قَالَ: حدثنا أبو الحسن بن البراء، قال: حدثنا العباس بن عبد الله، قال: حدثني سليمان بن أحمد، عن عيسى بن موسى، عن الشعبي، قال: انطلق بي إلى الحجاج وأنا في حلق الحديد، فلما كنت بباب القصر استقبلني يزيد بن أبي مسلم، وكان صديقا لي، فقال لي: يا شعبي وآها لما بين دفتيك من العلم، وليس بيوم شفاعة، أقر للأمير بالشرك والنفاق على نفسك فبالحرى تنجو وما أراك بناج. ثم دخلت القصر فاستقبلني محمد بن الحجاج، فقال لي مثل مقالة يزيد، فلما دخلت على الحجاج قال لي: يا شعبي ألم أشرفك ولا يشرف مثلك؟ / ألم أوفدك ولا يوفد

стр. 2135

مثلك؟ ألم أكتب إلى ابن أبي بردة قاضي الكوفة ألا يقطع أمرا دونك؟ قلت: كل ذلك قد كان أصلح الله الأمير، قال: فما الذي أخرجك؟ قلت: أحزن بنا المنزل، وضاق بنا المسلك، وأجدب [بنا] الجناب، واكتحلنا السهر، واستشعرنا الخوف، ووقعنا في حرب والله ما كنا فيها بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء، فقال: صدق، أطلقا عنه. فقال: وأمرني بلزوم بابه. وفي هذه السنة بنى الحجاج واسط القصب [١] وكان سبب ذلك أن الحجاج ضرب البعث على أهل الكوفة إلى خراسان، فعسكروا بحمام عمر [٢] . وكان فتى من أهل الكوفة حديث عهد بعرس، فانصرف إلى منزله ليلا، فإذا سكران من أهل الشام قد طرق الباب، فقالت المرأة: هذا كل ليلة يأتينا فنلقى منه المكروه، فلما دخل ضرب الفتى رأسه فأندره، فلما أصبحوا علم الناس بالقتيل، فذهبوا به إلى الحجاج، فسأل المرأة فصدقته، فقال: قتيل إلى النار، لا قود له. ثم نادى مناديه: لا ينزلن أحد على أحد، وبعث روادا يرتادون له منزلا حتى نزل أطراف كسكر. فبينا هو في موضع واسط إذا راهب قد أقبل على حماره، فلما كان في موضع واسط بالت الأتان، فنزل الراهب فاحتفر الأرض وحمل التراب فرمى به في دجلة [٣] ، فقال الحجاج: علي به، فجيء به، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: نجد في كتبنا أنه يبنى في هذا الموضع مسجد يعبد الله فيه ما دام في الأرض من يوحد [٤] ، فبنى المسجد في ذلك الموضع. أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو الحسين بن النقور، قال: أخبرنا الحسين بن هارون الضبي، قال: في كتاب والدي عن البيهقي، قال: أخبرني الرياشي، قال:

стр. 2136

لما فرغ الحجاج من بناء واسط، قال للحسن البصري بعد فراغه منها: كيف ترى بناءنا هذا؟ قال الحسن: إن الله أخذ عهود العلماء ومواثيقهم أن لا يقولوا إلا الحق، أما أهل السماء أيها الأمير [فقد] مقتوك [١] ، وأما أهل الأرض [فقد] غروك [٢] ، أنفقت مال الله في غير طاعته، يا عدو/ نفسه. فنكس الحجاج رأسه حتى خرج الحسن، ثم قال: يا أهل الشام، يدخل علي عُبَيْد أهل البصرة ويشتمني في مجلسي ثم لا يكون لذلك معير ولا نكير، ردوه، فخرجوا ليردوه، ودعا بالسيف ليقتله، فلما دخل الحسن دعا بدعوات لم يتمالك الحجاج أن قربه ورحب به وأجلسه على طنفسته، ثم دعا بالطيب فغلف لحيته وصرفه مكرما، فلما خرج من عنده تبعه الحاجب، وقال: يقول لك الأمير رأيتك تحرك شفتيك وقد كنت هممت بك، فماذا قلت في دعائك؟ فقال الحسن: قلت: يا عدتي عند كربتي، ويا صاحبي عند شدتي، ويا ووليّ نعمتي، ويا إلهي وإله آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ويا كهيعص، بحق طه ويس والقرآن العظيم أرزقني معروف الحجاج ومودته، واصرف عني أذاه ومعرته، فقال الحاجب عندها: بخ بخ لهذا الدعاء. وأمر الحجاج بأن يكتب له هذا [الدعاء] [٣] . قال أبو إسحاق البيهقي: قال الرياشي: لقد دعوت بهذه الدعوات في الشدائد مرارا ففرج الله عني [٤] . وفي هذه السنة حج بالناس هشام [٥] بن إسماعيل المخزومي، وهو العامل على المدينة، وكان العمال على الأمصار العمال الذين كانوا في السنة التي قبلها [٦] .

стр. 2137

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٤٩٢- روح بن زنباع، أبو زرعة الجذامي الشامي [١] : يقال: له صحبة. ولا يصح، وإنما يروي عن الصحابة، وكان من كتاب عبد الملك. وكان عبد الملك يقول: إن روحا الشامي الطاغية عراقي الخط، حجازي الفقه، فارسي الكتابة. وكان معاوية هم بروح بن زنباع فقال له: لا تشمتن بي عدوا أنت وقمته [٢] ، ولا تسوؤنّ بي صديقا أنت سررته، ولا تهدمن مني ركنا أنت بنيته، هلا آتي حلمك وإحسانك على جهلي وإساءتي. فأمسك عنه. ٤٩٣- زيد بن وهب الجهني، أبو سليمان: [٣] [رحل إلى حضرة رسول الله ﷺ ، فقبض رسول الله ﷺ ] [٤] / وزيد [٥] في الطريق. روى عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وكبار الصحابة. ٤٩٤- زاذان أبو عمرو، مولى كندة [٦] : روى عن علي، وابن مسعود، وابن عمر، وجرير، وسلمان [٧] .

стр. 2138

وعن سالم بن أبي حفصة، أن زاذان كان يبيع الثياب، فإذا عرض الثوب ناول شر الطرفين. ٤٩٥- عبد الرحمن بن أبي ليلى، أبو عيسى الأنصاري: [١] وفي اسم أبي ليلى أربعة أقوال: أحدهما يسار، والثاني بلال، والثالث بليل، والرابع داود بن أحيحة بن الحلاج بن الحريش بن جحجبا [بن كلفة] . ولد عبد الرحمن لست سنين بقين من خلافة عمر بن الخطاب، وروى عن عمر، وعثمان، وعلي بن أبي طالب، أبي، وكعب بن عجرة، والمقداد، وزيد بن أرقم، وأنس بن مالك، وغيرهم. روى عنه مجاهد، وثابت البناني، والأعمش، وغيرهم. وكان ثقة، سكن الكوفة، وشهد حرب الخوارج بالنهروان مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ بإسناد لَهُ عن يزيد ابن أبي زياد، قال: قال لي عبد الله بن الحارث: اجمع بيني وبين ابن أبي ليلى، فجمعت بينهما، فقال عبد الله بن الحارث: ما شعرت أن النساء ولدت مثل هذا. قتل عبد الرحمن في الجماجم سنة ثلاث وثمانين. وقيل سنة إحدى وثمانين. والأول أصح. ٤٩٦- عبد الرحمن بن حجيرة، أبو عبد الله الخولاني: [٢] روى عن ابن عمر، وأبي هريرة، وغيرهما. وكان عبد الرحمن قد اجتمع له القضاء بمصر، والقصص، وبيت المال. وكان

стр. 2139

يأخذ رزقه في القضاء مائتي دينار، وفي بيت المال مائتي دينار، وعطاؤه مائتا دينار، وجائزته مائتا دينار، فكان يأخذ في السنة ألف دينار، فلا يحول الحول وعنده ما يجب فيه الزكاة. توفي في محرم هذه السنة. ٤٩٧- عبد الرحمن بن عبد الله بن الحارث، أبو المصبح، وهو أعشى همدان [١] : شاعر فصيح، كوفي، من شعراء بني أمية، وكان/ زوج أخت الشعبي، والشعبي زوج أخته. وكان أحد القراء الفقهاء ثم ترك ذلك وقال الشعر، ورأى في المنام أنه دخل بيتا فيه حنطة وشعير، فقيل له: خذ أيهما شئت، فأخذ الشعير، فقال له الشعبي: إن صدقت رؤياك تركت القرآن وقلت الشعر، فكان كذلك. وخرج مع الأشعث فأخذه الحجاج فقتله صبرا. ٤٩٨- شقيق بن سلمة، أبو وائل الأسدي [٢] : أدرك رسول اللَّه ﷺ ولم يلقه. وسمع عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وعمارا، وخبابا، وأبا مسعود، وأبا موسى، وأسامة بن زيد، وحذيفة بن اليمان، وابن عمر، وأبا الدرداء، وابن عباس، وجرير بن عبد الله، والمغيرة بن شعبة. روى عنه منصور بن المعتمر، وعمرو بن مرة، والأعمش وغيرهم. وكان من سكان الكوفة، وورد المدائن مع علي بن أبي طالب حين قاتل الخوارج بالنهروان. قال الأعمش: [٣] قال لي شقيق: يا سليمان، لو رأيتني ونحن هراب من خالد بن

стр. 2140

الوليد يوم بزاخة، فوقعت عن البعير فكادت تندق عنقي، فلو مت يومئذ كانت النار أولى بي، وكنت يومئذ ابن إحدى عشرة سنة. وقيل له [١] : أيما أكبر أنت أو الربيع بن خيثم؟ فقال: أنا أكبر منه سنا، وهو كان أكبر مني عقلا. وقيل له: بأي شيء تشهد على الحجاج؟ فقال: أتأمروني أنا أحكم على الله. وكان يسمع موعظة إبراهيم التيمي فينتفض انتفاض الطير. وكان لا يلتفت في صلاة. وقال: درهم [من] [٢] تجارة أحب إلي من عشرة من عطائي. وعن سعيد بن صالح، قال: كان أبو وائل يؤم جنائزنا وهو ابن خمسين ومائة سنة، وعن عاصم قال: كان أبو وائل ينشج [سرا] [٣] ، ولو جعلت له الدنيا على أن يفعل ذلك وأحد يراه لم يفعل. وعن عاصم قال: كان لأبي وائل خص من قصب، وهو فيه وفرسه، فكان إذا غزا نقضه، وإذا قدم بناه. ٤٩٩-/ معاذة بنت عبد الله العدوية، تكنى أم الصهباء [٤] : روت عن عائشة، وروى عنها الحسن، وأبو قلابة. وكانت تحيي الليل، [وكانت] [٥] تقول: عجبت لعين تنام وقد عرفت طول الرقاد في ظلم القبور. ولما قتل زوجها صلة بن أشيم وابنها في بعض الغزوات اجتمع النساء عندها، فقالت: مرحبا بكن إن كنتن جئتن لتهنئتي فمرحبا بكن، وإن كنتن جئتن لغير ذلك
следующие страницы →