لما فرغ الحجاج من بناء واسط، قال للحسن البصري بعد فراغه منها: كيف ترى بناءنا هذا؟ قال الحسن: إن الله أخذ عهود العلماء ومواثيقهم أن لا يقولوا إلا الحق، أما أهل السماء أيها الأمير [فقد] مقتوك [١] ، وأما أهل الأرض [فقد] غروك [٢] ، أنفقت مال الله في غير طاعته، يا عدو/ نفسه. فنكس الحجاج رأسه حتى خرج الحسن، ثم قال:
يا أهل الشام، يدخل علي عُبَيْد أهل البصرة ويشتمني في مجلسي ثم لا يكون لذلك معير ولا نكير، ردوه، فخرجوا ليردوه، ودعا بالسيف ليقتله، فلما دخل الحسن دعا بدعوات لم يتمالك الحجاج أن قربه ورحب به وأجلسه على طنفسته، ثم دعا بالطيب فغلف لحيته وصرفه مكرما، فلما خرج من عنده تبعه الحاجب، وقال: يقول لك الأمير رأيتك تحرك شفتيك وقد كنت هممت بك، فماذا قلت في دعائك؟ فقال الحسن:
قلت: يا عدتي عند كربتي، ويا صاحبي عند شدتي، ويا ووليّ نعمتي، ويا إلهي وإله آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ويا كهيعص، بحق طه ويس والقرآن العظيم أرزقني معروف الحجاج ومودته، واصرف عني أذاه ومعرته، فقال الحاجب عندها: بخ بخ لهذا الدعاء. وأمر الحجاج بأن يكتب له هذا [الدعاء] [٣] .
قال أبو إسحاق البيهقي: قال الرياشي: لقد دعوت بهذه الدعوات في الشدائد مرارا ففرج الله عني [٤] .
وفي هذه السنة حج بالناس هشام [٥] بن إسماعيل المخزومي، وهو العامل على المدينة، وكان العمال على الأمصار العمال الذين كانوا في السنة التي قبلها [٦] .
стр. 2137
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٤٩٢- روح بن زنباع، أبو زرعة الجذامي الشامي [١] :
يقال: له صحبة. ولا يصح، وإنما يروي عن الصحابة، وكان من كتاب عبد الملك. وكان عبد الملك يقول: إن روحا الشامي الطاغية عراقي الخط، حجازي الفقه، فارسي الكتابة. وكان معاوية هم بروح بن زنباع فقال له: لا تشمتن بي عدوا أنت وقمته [٢] ، ولا تسوؤنّ بي صديقا أنت سررته، ولا تهدمن مني ركنا أنت بنيته، هلا آتي حلمك وإحسانك على جهلي وإساءتي. فأمسك عنه.
٤٩٣- زيد بن وهب الجهني، أبو سليمان: [٣]
[رحل إلى حضرة رسول الله ﷺ ، فقبض رسول الله ﷺ ] [٤] / وزيد [٥] في الطريق.
روى عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وكبار الصحابة.
٤٩٤- زاذان أبو عمرو، مولى كندة [٦] :
روى عن علي، وابن مسعود، وابن عمر، وجرير، وسلمان [٧] .
стр. 2138
وعن سالم بن أبي حفصة، أن زاذان كان يبيع الثياب، فإذا عرض الثوب ناول شر الطرفين.
٤٩٥- عبد الرحمن بن أبي ليلى، أبو عيسى الأنصاري: [١]
وفي اسم أبي ليلى أربعة أقوال: أحدهما يسار، والثاني بلال، والثالث بليل، والرابع داود بن أحيحة بن الحلاج بن الحريش بن جحجبا [بن كلفة] .
ولد عبد الرحمن لست سنين بقين من خلافة عمر بن الخطاب، وروى عن عمر، وعثمان، وعلي بن أبي طالب، أبي، وكعب بن عجرة، والمقداد، وزيد بن أرقم، وأنس بن مالك، وغيرهم.
روى عنه مجاهد، وثابت البناني، والأعمش، وغيرهم.
وكان ثقة، سكن الكوفة، وشهد حرب الخوارج بالنهروان مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ بإسناد لَهُ عن يزيد ابن أبي زياد، قال:
قال لي عبد الله بن الحارث: اجمع بيني وبين ابن أبي ليلى، فجمعت بينهما، فقال عبد الله بن الحارث: ما شعرت أن النساء ولدت مثل هذا.
قتل عبد الرحمن في الجماجم سنة ثلاث وثمانين. وقيل سنة إحدى وثمانين.
والأول أصح.
٤٩٦- عبد الرحمن بن حجيرة، أبو عبد الله الخولاني: [٢]
روى عن ابن عمر، وأبي هريرة، وغيرهما.
وكان عبد الرحمن قد اجتمع له القضاء بمصر، والقصص، وبيت المال. وكان
стр. 2139
يأخذ رزقه في القضاء مائتي دينار، وفي بيت المال مائتي دينار، وعطاؤه مائتا دينار، وجائزته مائتا دينار، فكان يأخذ في السنة ألف دينار، فلا يحول الحول وعنده ما يجب فيه الزكاة.
توفي في محرم هذه السنة.
٤٩٧- عبد الرحمن بن عبد الله بن الحارث، أبو المصبح، وهو أعشى همدان [١] :
شاعر فصيح، كوفي، من شعراء بني أمية، وكان/ زوج أخت الشعبي، والشعبي زوج أخته. وكان أحد القراء الفقهاء ثم ترك ذلك وقال الشعر، ورأى في المنام أنه دخل بيتا فيه حنطة وشعير، فقيل له: خذ أيهما شئت، فأخذ الشعير، فقال له الشعبي: إن صدقت رؤياك تركت القرآن وقلت الشعر، فكان كذلك.
وخرج مع الأشعث فأخذه الحجاج فقتله صبرا.
٤٩٨- شقيق بن سلمة، أبو وائل الأسدي [٢] :
أدرك رسول اللَّه ﷺ ولم يلقه. وسمع عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وعمارا، وخبابا، وأبا مسعود، وأبا موسى، وأسامة بن زيد، وحذيفة بن اليمان، وابن عمر، وأبا الدرداء، وابن عباس، وجرير بن عبد الله، والمغيرة بن شعبة.
روى عنه منصور بن المعتمر، وعمرو بن مرة، والأعمش وغيرهم.
وكان من سكان الكوفة، وورد المدائن مع علي بن أبي طالب حين قاتل الخوارج بالنهروان.
قال الأعمش: [٣] قال لي شقيق: يا سليمان، لو رأيتني ونحن هراب من خالد بن
стр. 2140
الوليد يوم بزاخة، فوقعت عن البعير فكادت تندق عنقي، فلو مت يومئذ كانت النار أولى بي، وكنت يومئذ ابن إحدى عشرة سنة.
وقيل له [١] : أيما أكبر أنت أو الربيع بن خيثم؟ فقال: أنا أكبر منه سنا، وهو كان أكبر مني عقلا. وقيل له: بأي شيء تشهد على الحجاج؟ فقال: أتأمروني أنا أحكم على الله.
وكان يسمع موعظة إبراهيم التيمي فينتفض انتفاض الطير. وكان لا يلتفت في صلاة.
وقال: درهم [من] [٢] تجارة أحب إلي من عشرة من عطائي.
وعن سعيد بن صالح، قال: كان أبو وائل يؤم جنائزنا وهو ابن خمسين ومائة سنة، وعن عاصم قال: كان أبو وائل ينشج [سرا] [٣] ، ولو جعلت له الدنيا على أن يفعل ذلك وأحد يراه لم يفعل.
وعن عاصم قال: كان لأبي وائل خص من قصب، وهو فيه وفرسه، فكان إذا غزا نقضه، وإذا قدم بناه.
٤٩٩-/ معاذة بنت عبد الله العدوية، تكنى أم الصهباء [٤] :
روت عن عائشة، وروى عنها الحسن، وأبو قلابة.
وكانت تحيي الليل، [وكانت] [٥] تقول: عجبت لعين تنام وقد عرفت طول الرقاد في ظلم القبور.
ولما قتل زوجها صلة بن أشيم وابنها في بعض الغزوات اجتمع النساء عندها، فقالت: مرحبا بكن إن كنتن جئتن لتهنئتي فمرحبا بكن، وإن كنتن جئتن لغير ذلك
стр. 2141
فارجعن. ولم تتوسد فراشا بعد ذلك، وكانت تقول: والله ما أحب البقاء إلا لأتقرب إلى ربي بالوسائل لعله يجمع بيني وبين أبي الصهباء وولده في الجنة.
فلما احتضرت بكت ثم ضحكت، فسئلت عن ذلك، فقالت: أما البكاء فإني ذكرت مفارقة الصيام والصلاة والذكر، وأما الضحك، فإني نظرت إلى أبي الصهباء وقد أقبل في صحن الدار وعليه حلتان خضراوان وهو في نفر ما رأيت لهم في الدنيا شبها فضحكت إليه. ولا أراني أدرك بعد ذلك فرضا. فماتت قبل دخول وقت الصلاة.
стр. 2142
ثم دخلت سنة أربع وثمانين
فمن الحوادث فيها قتل الحجاج أيوب بن القرية [١]
وكان ممن كان مع ابن الأشعث، وكان يدخل بعد ذلك على حوشب بن يزيد- وحوشب عامل الحجاج- فيقول حوشب: أنظروا إلى هذا الواقف معي وغدا أو بعد غد يأتي كتاب من الأمير لا أستطيع إلا إنفاذه. فبينا هو ذات يوم واقف أتاه كتاب من الحجاج: أما بعد، فإنك قد صرت كهفا لمنافقي أهل العراق، فإذا نظرت في كتابي هذا فابعث إلي بابن القرية مشدودة يده إلى عنقه مع ثقة من قبلك.
فلما قرأ الكتاب رمى به إليه، [فقرأه] [٢] وقال: سمعا وطاعة، فبعث به موثقا، فدخل عليه، فقال: أصلح الله الأمير، أقلني عثرتي، فإنه ليس جواد إلا وله كبوة، فأمر به فقتل.
وفي هذه السنة غزا عبد الله بن عبد الملك بن مروان/ الروم ففتح المصيصة.
وفيها: [٣] فتح يزيد بن المهلب قلعة كان يراصدها، وكتب إلى الحجاج: إنا لقينا العدو فمنحنا الله أكتافهم، وقتلنا طائفة وأسرنا طائفة، ولحقت طائفة برءوس الجبال
стр. 2143
وعراعر الأودية، وأهضام الغيطان. فقال الحجاج: من يكتب ليزيد؟ فقيل: يحيى بن يعمر، فكتب إلى يزيد ليحمله على البريد، فلما دخل عليه رأى أفصح الناس، فقال:
أين ولدت؟ قال: بالأهواز، فقال: من أين لك هذه الفصاحة؟ قال: حفظت كلام أبي وكان فصيحا. قال: فأخبرني هل يلحن عنبسة بن سعيد؟ قال: نعم كثيرا، قال: ففلان؟
قال: نعم، قال: فأخبرني عنّي أألحن [١] : قال: نعم تلحن لحنا خفيفا، تزيد حرفا وتنقص حرفا، وتجعل أن في موضع إن، قال: أجلتك ثلاثا، فإن أجدك بعد ثلاث بأرض العراق قتلتك. فرجع إلى خراسان.
وفيها: [٢] حج بالناس هشام بن إسماعيل المخزومي، وكان عمال الأمصار عمالها في السنة التي قبلها.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٥٠٠- بديح، مولى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب [٣] :
[وكان يقال بديح المليح، فكانت فيه فكاهة ومزاح، وكان يغني، وروى الحديث عن عبد الله بن جعفر] [٤] .
قال العتبي: [٥] دخل عبد الله بن جعفر على عبد الملك بن مروان وهو يتأوه، فقال: مالك؟ قال: هاج بي عرق النسا [في ليلتي] [٦] هذه فبلغ مني، قال: فإن بديحا مولاي أرقى الخلق له، فوجه إليه عبد الملك، فجاء فقال: كيف رقيتك لعرق النسا؟ قال:
أرقى خلق الله، فمد رجله فتفل عليها ورقاها مرارا، فقال عبد الملك: الله أكبر وجدت [والله] خفا. يا غلام، ادع لي فلانة تجيء وتكتب الرقية، فإنا لا نأمن هيجها بالليل فلا ندعو بديحا. فلما جاءت الجارية قال بديح: يا أمير المؤمنين، امرأته طالق إن كتبتها
стр. 2144
حتّى تعجل حبائي، فأمر له بأربعة آلاف درهم، فلما صارت بين يديه، قال: وامرأته طالق إن كتبتها أو يصير المال في منزلي، فأمر فحمل إلى منزله، فلما أحرزه قال: امرأته طالق إن كنت/ قرأت على رجلك إلا أبيات نصيب:
ألا إن ليلى العامرية أصبحت ... على النأي مني غير ذنبي فتنقم [١]
قال: ويلك ما تقول؟ قال: امرأته طالق إن كان رقى إلا بما قال، قال: فاكتمها علي، قال: وكيف وقد سارت بها البرد إلى أخيك بمصر؟ فضحك عبد الملك حتى جعل يفحص برجليه.
توفي بديح في هذه السنة.
стр. 2145
ثم دخلت سنة خمس وثمانين
فمن الحوادث فيها هلاك عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث [١]
وسبب ذلك أنه لما رجع إلى رتبيل قال له رجل [كان] [٢] معه يقال له علقمة بن عمرو: ما أريد أن أدخل معك، قال: لم؟ قال: لأني أتخوف عليك وعلى من معك، والله لكأني بكتاب من الحجاج قد جاء إلى رتبيل يرغبه ويرهبه فإذا هو قد بعث بك سلما أو قتلكم، ولكن ها هنا خمسمائة قد تبايعنا على أن ندخل مدينة فنتحصن فيها، ونقاتل حتى نعطى أمانا أو نموت كراما. فقال له عبد الرحمن: أما إنك لو دخلت معي لآسيتك وأكرمتك. فأبى عليه. فدخل عبد الرحمن إلى رتبيل، وخرج هؤلاء الخمسمائة [٣] فبعثوا عليهم مودودا النضري [٤] ، وأقاموا حتى قدم عليهم عمارة بن تميم، فقاتلوه وامتنعوا منه حتى آمنهم، فخرجوا إليه فوفى لهم.
وتتابعت كتب الحجاج إلى رتبيل في عبد الرحمن: أن ابعث به إليّ، وإلا فو الله الّذي لا إله إلا هو لأوطئن أرضك ألف ألف مقاتل. وكان عند رتبيل رجل من بني تميم يقال له عُبَيْد بن أبي سبيع، [٥] فقال له: أنا آخذ لك من الحجاج عهدا ليكفّنّ الخراج
стр. 2146
عن أرضك سبع سنين على أن تدفع إليه عبد الرحمن، فقال: إن فعلت ذلك فلك عندي ما سألت.
فكتب إلى الحجاج [١] يخبره [أن رتبيل لا يعصيه، وأنه لن يدع رتبيل حتى يبعث إليه بعبد الرحمن، فأعطاه الحجاج على ذلك مالا وأخذ من رتبيل عليه مالا] [٢] ، وبعث رتبيل برأس/ عبد الرحمن إلى الحجاج، وترك له الذي كان يأخذه منه سبع سنين.
وفي رواية [٣] : أن عبد الرحمن أصابه سل، فلما مات وأرادوا دفنه حز رتبيل رأسه وبعث به إلى الحجاج.
وفي رواية: [٤] أن الحجاج كتب إلى رتبيل: إني قد بعثت إليك عمارة بن تميم في ثلاثين ألفا من أهل الشام يطلبون ابن الأشعث. فأبى رتبيل أن يسلمه إليهم، وكان مع ابن الأشعث عبيد بن أبي سبيع قد خص به، وتقرب من رتبيل وخص به، فقال القاسم بن محمد بن الأشعث لأخيه عبد الرحمن: إني لا آمن غدر هذا [٥] ، فاقتله، فهم به، وبلغه ذلك، فخاف فوشى به إلى رتبيل، وخوفه الحجاج، وخرج سرا إلى عمارة، فاستعجل في ابن الأشعث، [فجعل له] [٦] ألف ألف، فكتب بذلك عمارة إلى الحجاج، فكتب إليه الحجاج: أن أعط عبيدا ورتبيل ما سألاك، فاشترط رتبيل أشياء [٧] فأعطيها، وأرسل [رتبيل] إلى ابن الأشعث وثلاثين من أهل بيته وقد أعد لهم الجوامع والقيود، فقيدهم وأرسل بهم جميعا إلى عمارة، فلما قرب ابن الأشعث من عمارة ألقى نفسه من فوق قصر فمات. فاحتز رأسه، فأتى به الحجاج، فأرسل به إلى عبد الملك.
وذكر بعضهم [٨] : أن مهلك عبد الرحمن كان في سنة أربع وثمانين.
стр. 2147
وفي هذه السنة عزل الحجاج يزيد بن المهلب عن خراسان وولاها المفضل [١] بن المهلب أخا يزيد
وسبب ذلك [٢] أن بعض أهل الكتاب قال له: يلي الأمر بعدك رجل يقال له يزيد، فقال: ليس إلا ابن المهلب، فعزله وولى المفضل فبقي تسعة أشهر، وكان يزيد قد ولي سنة اثنتين، وعزل سنة خمس.
وفيها غزا المفضل باذغيس [٣]
ففتحها وأصاب منها مغنما، فقسمه بين الناس. ثم غزا مواضع أخر فظفر وغنم ولم يكن له بيت مال وإنما كان يقسم ما يغنم.
وفيها أراد عبد الملك خلع أخيه عبد العزيز [٤]
فنهاه عن ذلك قبيصة بن ذؤيب، وقال: لا تفعل فإنك تبعث بهذا على نفسك العار [٥] ، ولعل الموت يأتيه فتستريح منه. فكف/ عن ذلك ونفسه تنازعه، ودخل عليه روح بن زنباع، فقال: يا أمير المؤمنين، لو خلعته ما انتطح فيه عنزان، قال: ترى ذلك يا أبا زرعة؟ قال: إي والله، وأنا أول من يجيبك إلى ذلك، فقال: نصبح إن شاء الله.
فبينا هو على ذلك وقد نام عبد الملك- ونفسه تنازعه- وروح بن زنباع دخل عليهما قبيصة بن ذؤيب طروقا، وكان عبد الملك قد تقدم إلى حجابه فقال: لا يحجب عني قبيصة أي ساعة جاء ليلا أو نهارا [٦] ، إن كنت خاليا أو عندي أحد، وإن كنت عند النساء أدخل المجلس وأعلمت بمكانه، فدخل وكانت الأخبار تأتي إليه قبل عبد الملك، فدخل عليه فسلم وقال: آجرك الله في أخيك عبد العزيز، قال: وهل
стр. 2148
توفي؟ قال: نعم، فاسترجع عبد الملك، ثم أقبل على روح، فقال: كفانا الله ما كنا نريد وما اجتمعنا عليه، فقال قبيصة: ما هو؟ فأخبره بما قد كان، فقال قبيصة: يا أمير المؤمنين، إن الرأي كله في الأناة، والعجلة فيها ما فيها.
وفي رواية [١] : أن عبد الملك لما أراد خلع عبد العزيز ويبايع لابنه الوليد، كتب إلى أخيه: إن رأيت أن تصير هذا الأمر لابن أخيك، فأبى، فكتب إليه: فاجعلها له من بعدك، فكتب إليه: إني أرى في ولدي ما ترى في ولدك، وإني وإياك قد بلغنا أشياء لم يبلغها [٢] أحد من أهل بيتك إلا كان بقاؤه قليلا، وإني لا أدري ولا تدري أينا يأتيه الموت أولا، فإن رأيت لا تغثث [٣] علي بقية عمري فافعل. فرق عبد الملك، وقال: لا أغثث عليه بقية عمره [وقال العمري: لا أعيب عليه بقية عمره] [٤] . فلما مات عبد العزيز بن مروان بايع لولديه.
وفي هذه السنة بايع] [٥] عبد الملك لولديه الوليد ثم سليمان بعده
وجعلهما وليي عهده، فكتب ببيعتهما إلى البلدان، وكتب إلى هشام بن إسماعيل المخزومي أن يدعو الناس إلى بيعة ابنيه الوليد وسليمان، فبايعوا غير سعيد بن المسيب فإنه أبى وقال: لا أبايع وعبد الملك حي فضربه هشام ستين سوطا، وطاف به في ثياب شعر وسرحه إلى ذباب-[ثنية] [٦] بظاهر المدينة [٧] كانوا يقتلون عندها ويصلبون- فظن أنهم يريدون قتله، فلما انتهوا به إلى ذلك الموضع ردوه، فقال: لو ظننت أنهم لا يقتلونني ما لبست سراويل مسوح. فبلغ عبد/ الملك، فقال: قبح الله هشاما، إنما كان
стр. 2149
ينبغي له أن يدعوه إلى البيعة فإن أبى كف عنه أو يضرب عنقه.
وقد ذكرنا أن ابن المسيب ضرب في بيعة ابن الزبير أيضا لأنه قال: لا أبايع حتى يجتمع الناس، فضربه جابر بن الأسود، وكان عامل ابن الزبير في أيامه على المدينة.
وفي هذه السنة [١] ولي قتيبة بن مسلم خراسان.
وفيها: حج بالناس هشام [٢] بن إسماعيل المخزومي، وكان العامل على المشرق والعراق الحجاج.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٥٠١- عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث:
وقد ذكرنا هلاكه في الحوادث.
٥٠٢- عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، يكنى أبا الأصبغ: [٣]
روى عن أبي هريرة، وعقبة بن عامر. وكان مروان قد فتح مصر وولاه عليها، وأقره على ذلك عبد الملك، وعقد مروان العهد لعبد الملك، وبعده عبد العزيز. ثم أراد عبد الملك خلعه ليبايع لابنيه الوليد، وسليمان. فتوفي عبد العزيز بمصر في جمادى الأولى من هذه السنة.
وقيل: بل في جمادى الآخرة [٤] من سنة ست وثمانين.
وكان يقول حين حضرته الوفاة: ليتني لم أكن شيئا مذكورا. فلما بلغ الخبر عبد الملك
стр. 2150
ليلا أصبح يدعو الناس، ويبايع للوليد بالخلافة، ثم لسليمان بعده [١] أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بن محمد بن عثمان البجلي، قَالَ: أخبرنا أبو علي الحسن بن محمد بن موسى بن إسحاق الأنصاري، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا، قال: حدثنا محمد بن يحيى ابن أبي حاتم، قال: حدثني محمد بن هانئ الطائي، قال: حدثنا محمد بن أبي سعيد، قال: قال عبد العزيز بن مروان:
ما نظر إلي رجل قط فتأملني فاشتد تأمله إياي إلا سألته عن حاجته، ثم أبيت من ورائها، فإذا تعار من وسنه مستطيلا ليله مستبطئا لصبحه مقارفا/ للقائي، ثم غدا إلي أن تجارته في نفسه وغدا التجار إلى تجارتهم إلا رجع من غدوة إلى أربح من تجر.
وعجبا لمؤمن موقن أن الله يرزقه ويوقن أن الله يخلف عليه، كيف يحبس مالا عن عظيم جزاء وحسن سماع.
أَخْبَرَنَا مَوْهُوبُ بْنُ أَحْمَدَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ، والمبارك بن علي، قالوا: أخبرنا علي بن العلاف، قال: أخبرنا أحمد بن علي الحمامي، قال: أخبرنا عبد الواحد بن عمر بن [أبي هاشم، قال: حدثنا موسى بن عبد الله، قال: حدثنا ابن أبي سعيد الوراق، قال: حدثنا أحمد بن عمر] بن إسماعيل بن عبد العزيز الزهري، قال: حدثني محمد بن الحارث المخزومي، قال:
دخل على عبد العزيز بن مروان رجل يشكو صهرا له، فقال: إن ختني فعل بي كذا وكذا، فقال له عبد العزيز: من ختنك؟ فقال له: ختنني الختان الذي يختن الناس، فقال عبد العزيز لكاتبه: ويحك، ما أجابني، فقال له: أيها الأمير، إنك لحنت وهو لا يعرف اللحن، كان ينبغي أن تقول له: ما ختنك، فقال عبد العزيز: أراني أتكلم بكلام لا يعرفه العرب، لا شاهدت الناس حتى أعرف اللحن. قال: فأقام في البيت جمعة لا يظهر ومعه من يعلمه العربية، قال: فصلى بالناس الجمعة وهو من أفصح الناس. قال:
وكان يعطي على العربية، ويحرم على اللحن حتى قدم عليه زوار من أهل المدينة وأهل مكة من قريش، فجعل يقول للرجل منهم ممن أنت؟ فيقول من بني فلان، فيقول
стр. 2151
للكاتب: أعطه مائتي دينار، حتى جاءه رجل من بني عبد الدار بن قصي فقال: ممن أنت؟ قال: من بنو عبد الدار [١] ، فقال له: خذها في جائزتك، وقال للكاتب: أعطه مائة دينار.
٥٠٣- واثلة بن الأسقع بن عبد العزيز [٢] بن عبد يا ليل بن ناشب، أبو قرصافة: [٣]
أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْجَوْهَرِيُّ، قال: أخبرنا ابن حيوية، قال: أخبرنا ابن معروف، قال: أخبرنا الحسين بن الفهم، قال: حدثنا محمد بن سعد، قَالَ: حدثنا محمد بْنُ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ وَاثِلَةُ لَمَّا نَزَلَ [نَاحِيَةَ] الْمَدِينَةِ وَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فصلى مَعَهُ الصُّبْحَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى وَانْصَرَفَ تَصَفَّحَ أَصْحَابَهُ، فَلَمَّا دَنَا مِنْ وَاثِلَةَ، قَالَ: مَنْ أَنْتَ؟
فَأَخْبَرَهُ، قَالَ: مَا جَاءَ بِكَ؟ قَالَ: جِئْتُ أُبَايِعُ، فَقَالَ رسول الله ﷺ : / علي مَا أَحْبَبْتَ وَكَرِهْتَ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فِيمَا أَطَقْتَ، قَالَ: نَعَمْ. فَأَسْلَمَ وَبَايَعَهُ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَجَهَّزُ يَوْمَئِذٍ إِلَى تَبُوكَ، فَخَرَجَ وَاثِلَةُ إِلَى أَهْلِهِ، فَلَقِيَ أَبَاهُ الأَسْقَعَ، فَلَمَّا رَأَى حَالَهُ قَالَ: قَدْ فَعَلْتَهَا، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ أَبُوهُ: وَاللَّهِ لا أُكَلِّمُكَ أَبَدًا، فَأَتَى عَمَّهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ فَعَلْتَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. فَلامَهُ أَيْسَرَ مِنْ لائمة أبيه وقال: لم يكن ينبغي لَكَ أَنْ تَسْبِقَنَا بِأَمْرٍ.
فَسَمِعَتْ أُخْتَ وَاثِلَةَ كَلامَهُ، فَخَرَجَتْ إِلَيْهِ فَسَلَّمَتْ عَلَيْهِ بِتَحِيَّةِ الإِسْلامِ، فَقَالَ وَاثِلَةُ: أَنَّى لَكِ هَذَا يَا أُخَيَّةُ؟ قَالَتْ: سَمِعْتُ كَلامَكَ وَكَلامَ عَمِّكَ وَأَسْلَمْتُ، فَقَالَ: جَهِزِّي أَخَاكَ جَهَازَ غَازٍ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى جَنَاحِ سَفَرٍ. فَجَهَّزْتُهُ فَلَحِقَ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ تَحَمَّلَ إِلَى تَبُوكَ، وَبَقِيَ غَبَرَاتٌ مِنَ النَّاسِ، وَهُمْ عَلَى الشُّخُوصِ، فَجَعَلَ يُنَادِي بِسُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعٍ:
مَنْ يَحْمِلُنِي وَلَهُ سَهْمِي؟ قَالَ: فَدَعَانِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ، فَقَالَ: أَنَا أَحْمِلُكَ، عَقَبَةً بِاللَّيْلِ وَعَقَبَةً بِالنَّهَارِ، وَيَدُكَ أُسْوَةٌ بِيَدِي، وَسَهْمُكَ لِي. قَالَ وَاثِلَةُ: فَقُلْتُ: نَعَمْ وَجَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا، لَقَدْ كَانَ يَحْمِلُنِي وَيَزِيدُنِي، وَآكُلُ مَعَهُ وَيَرْفَعُ لِي حَتَّى إِذَا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَالِدَ بْنُ الْوَلِيدِ إِلَى أُكَيْدَرِ بْنِ عَبْد الْمَلِكِ بِدَوْمَةِ الْجَنْدَلِ خَرَجَ كَعْبٌ فِي جَيْشِ خَالِدٍ، وَخَرَجْتُ مَعَهُ فَأَصَبْنَا فَيْئًا كَثِيرًا، فَقَسَّمَهُ خَالِدٌ بَيْنَنَا، فَأَصَابَنِي سِتُّ قَلائِصَ، فَأَقْبَلْتُ أَسُوقُهَا حَتَّى جِئْتُ
ثم دخلت سنة ست وثمانين
فمن الحوادث فيها وقوع الطاعون، ويقال طاعون الفتيات، ماتت فيه الجواري، وكان بالشام والبصرة وواسط، والحجاج يومئذ بواسط.
وقيل: إنه كان في سنة سبع وثمانين.
وفيها: مرض عبد الملك. ومات، وبويع لولده الوليد بن عبد الملك بن مروان.
стр. 2154
باب ذكر خلافة الوليد بن عبد الملك بن مروان [١]
ويكنى أبا العباس، أمه ولادة العبسية، وكان أسمر طوالا، حسن الوجه، وكان له تسعة عشر ابنا: عبد العزيز، ومحمد أمهما أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان، وأبو عبيدة أمه فزارية، والعباس، وإبراهيم وليا الخلافة، وتمام، وخالد، وعبد الرحمن، ومبشر، ومسرور، وصدقة، ومنصور، ومروان، وعنبسة، وعمر [٢] وهو فحل بني مروان وكان يركب ومعه ستون من صلبه ذكورا، وروح، وبشر [٣] ، ويزيد وهو الناقص ولي الخلافة، ويحيى، لأمهات شتى.
وقد ذكرنا [٤] أن عبد الملك بايع للوليد قبل موته، وكان أهل الشام يرون للوليد فضلا ويقولون: بنى مسجد دمشق ومسجد المدينة، وأعطى المجذمين، وقال: لا تسألوا الناس، وأعطى كل مقعد خادما، وكل ضرير قائدا، وكان الوليد يمر بالبقال فيقف عليه فيأخذ حزمة البقل بيده، فيقول: بكم هذه؟ فيقول: بفلس، فيقول: زد فيها. وما مات الحجاج حتى ثقل على الوليد، وكان الوليد صاحب بناء واتخاذ مصانع، وكان الناس يلتقون في زمانه فيسأل بعضهم بعضا عن البناء والمصانع، فولي سليمان، وكان صاحب نكاح وطعام، وكان/ الناس يلتقون فيسأل الرجل الرجل عن التزويج
стр. 2155
والجواري، فلما ولي عمر بن عبد العزيز كانوا يلتقون فيقول الرجل للرجل: ما وردك الليلة؟ وكم تحفظ من القرآن؟ ومتى ختمت ومتى تختم؟
وكثرت الفتوح في أيام الوليد، وكان مسلمة بن عبد الملك يتغلغل في بلاد الروم، وقتيبة بن مسلم في بلاد العجم والترك، وفتح كاشغر، وافتتح محمد بن القاسم بلاد الهند، وفتح محمد بن نصير أرض الأندلس ووجد بها مائدة سليمان بن داود ﵉ المرصعة بالجواهر.
وكان في الوليد نوع ذكاء وفطنة، وسمع صوت ناقوس فأمر بهدم البيعة [١] ، فكتب إليه ملك الروم: إن هذه البيعة أقرها من كان قبلك، فإن كانوا أصابوا فقد أخطأت، وإن تكن أصبت فقد أخطأوا، فقال الوليد: من يجيبه؟ فأحجم الناس، فأمر الوليد أن يكتب إليه فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً ٢١: ٧٩ [٢] .
وكان الوليد لحانة وكان عبد الملك يقول: أضر بالوليد حبنا له فلم نعربه في البادية- وقال لرجل: ما شأنك؟ فقال له: شيخ يانعي، فقال له عمر بن عبد العزيز: إن أمير المؤمنين يقول لك: ما شأنك؟ قال: ختني ظلمني، فقال له الوليد: من ختنك، فنكس الأعرابي رأسه وقال: ما سؤال أمير المؤمنين عن هذا؟ فقال له عمر: إنما أراد أمير المؤمنين من ختنك؟ فقال: هذا، وأشار إلى رجل معه.
وكان الوليد أول من كتب من الخلفاء في الطوامير، وعظم الكتب، وحلل الخط، وقال: لتظهر كتبي على كتب غيري.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن ناصر، قَالَ: أَخْبَرَنَا محفوظ بن أحمد الفقيه، قال: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن الجازري، قَالَ: أَخْبَرَنَا المعافى بن زكريا، قال: حدثنا الحسن بن أحمد بن محمد الكلبي، قال: حدثنا محمد بن زكريا الغلابي، قال: حدثنا عبد الله بن الضحاك، ومهدي بن سابق [٣] ، قالا: حدثنا الهيثم بن عدي، عن صالح بن كيسان [٤] ، قال:
стр. 2156
كان عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب صديقا للوليد يأتيه ويؤانسه، فجلسا يوما يلعبان بالشطرنج إذ أتاه الإذن، فقال: أصلح الله الأمير/ رجل من أخوالك من أشراف ثقيف قدم غازيا وأحب السلام عليك، فقال: دعه، فقال عبد الله:
وما عليك ائذن له، فقال: نحن على لعبنا وقد انحجبت، قال: فادع بمنديل وضعه عليها ويسلم الرجل ونعود، ففعل ثم قال: ائذن له، فدخل وله هيئة، بين عينيه أثر السجود، وهو معتم قد رجل لحيته، فسلم وقال: أصلح الله الأمير، قدمت غازيا فكرهت أن أجوزك حتى أقضي حقك، قال: حياك الله وبارك عليك. ثم سكت عنه، فلما أنس أقبل عليه الوليد فقال: يا خال هل جمعت القرآن؟ قال: لا كانت تشغلنا عنه شواغل، قال:
هل حفظت من سنة رسول الله ﷺ ومغازيه أو أحاديثه شيئا؟ قال: كانت تشغلنا عن ذلك أموالنا [١] ، قال: فأحاديث العرب وأيامها وأشعارها؟ قال: لا، قال: فأحاديث أهل الحجاز ومضاحكها؟ قال: لا، قال: فأحاديث العجم وآدابها؟ قال: ذلك شيء ما كنت أطلبه. فرفع الوليد المنديل، وقال: شاهك، قال عبد الله بن معاوية: سبحان الله، قال: لا والله ما معنا في البيت أحد. فلما رأى ذلك الرجل منهما خرج وأقبلوا على لعبهم.
ولما دفن [٢] عبد الملك دخل الوليد المسجد فصعد المنبر، فخطب فقال: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ٢: ١٥٦، الله المستعان على مصيبتنا بموت أمير المؤمنين، والحمد للَّه على ما أنعم به علينا من الخلافة قوموا فبايعوا.
فكان أول من قام لبيعته عبد الله بن همام السكوني وهو يقول:
الله أعطاك التي لا فوقها ... وقد أراد المشركون [٣] عوقها
عنك ويأبى الله إلا سوقها ... إليك حتى قلدوك طوقها
ثم تتابع الناس على البيعة.
стр. 2157
وفي هذه السنة قدم قتيبة بن مسلم خراسان واليا عليها من قبل الحجاج [١]
قدم والمفضل يعرض الجند، وهو يريد أن يغزو/ فخطب قتيبة وحثهم على الجهاد، ثم عرض الجند وسار واستخلف بمرو على حربها إياس بن عبد الله بن عمرو، وعلى الخراج عثمان بن السعدي، فعبر النهر وتلقته الملوك بهدايا، وافتدوا منه بلادهم فرضي ورجع إلى مرو.
وقد زعم بعضهم أن قدوم قتيبة خراسان كان في سنة خمس وثمانين، وكان فيما سبى امرأة برمك، أبي خالد بن برمك.
وفيها غزا مسلمة بن عبد الملك أرض الروم
روى أبو بكر بن دريد، عن أبي حاتم، عن أبي معمر، عن رجل من أهل الكوفة، قال: كنا مع مسلمة بن عبد الملك ببلاد الروم، فسبى سبيا كثيرا وأقام ببعض المنازل، فعرض السبي على السيف، فقتل خلقا كثيرا حتى عرض عليه شيخ ضعيف، فأمر بقتله، فقال: ما حاجتك إلى قتل شيخ مثلي، إن تركتني جئتك بأسيرين من المسلمين شابين، قال: ومن لي بذلك؟ قال: إني إذا وعدت وفيت، قال: لست أثق بك، قال:
فدعني أطوف في العسكر [٢] لعلي أعرف من يكلفني إلى أن أمضي وأجيء بالأسيرين.
فوكل به من أمره بالطواف معه في عسكره والاحتفاظ به، فما زال الشيخ يتصفح الوجوه حتى مر بفتى من بني كلاب قائما يحس فرسا له، فقال: يا فتى اضمني للأمير، وقص عليه قصته.
قال: فجاء الفتى معه إلى مسلمة فضمنه، فأطلقه مسلمة، فلما مضى قال:
أتعرفه؟ قال: لا والله، قال: فلم ضمنته؟ قال: رأيته يتصفح الوجوه فاختارني من بينهم فكرهت أن أخلف ظنه. [٣]
стр. 2158
فلما كان من الغد عاد الشيخ ومعه أسيران من المسلمين شابان، فدفعهما إلى مسلمة وقال: أسأل الأمير أن يأذن لهذا الفتى أن يصير معي إلى حصني لأكافئه على فعله بي، قال مسلمة للفتى: إن شئت فامض معه، فمضى فلما صار إلى حصنه، قال: يا فتى، تعلم أنك ابني؟ قال: وكيف أكون ابنك وأنا رجل من العرب مسلم وأنت رجل نصراني/ من الروم [١] ؟ قال: أخبرني عن أمك ما هي؟ قال: رومية، قال: فإني أصفها لك، فباللَّه إن صدقت إلا صدقتني، قال: أفعل. وأقبل الرومي يصف أن الفتى لا يحترم منها شيئا، قال: هي كذلك، فكيف عرفت إني ابنها؟ قال: بالشبه، وتعارف الأرواح، وصدق الفراسة، ووجود شبهي فيك. ثم أخرج إليه امرأة، فلما رآها الفتى لم يشك أنها أمه لشدة شبهها بها، وخرجت معها عجوز كأنها هي، فأقبلا يقبلان رأس الفتى، فقال له الشيخ: هذه جدتك وهذه خالتك. ثم اطلع من حصنه فدعا بشباب في الصحراء فأقبلوا فكلمهم بالرومية، فجعلوا يقبلون رأس الفتى ويديه ورجليه، فقال: هؤلاء أخوالك وبنو خالاتك، وبنو عم والدتك. ثم أخرج إليه حليا كثيرة، وثيابا فاخرة، وقال: هذه لوالدتك عندنا منذ سبيت، فخذه معك وادفعه إليها فإنها ستعرفه، ثم أعطاه لنفسه مالا كثيرا وثيابا جليلة، وحمله على عدة دواب وبغال وألحقه بعسكر مسلمة وانصرف.
وأقبل الفتى قافلا حتى دخل منزله، وأقبل يخرج الشيء بعد الشيء مما عرفه الشيخ أنه لأمه، فتراه فتبكي، فيقول لها: قد وهبته لك، فلما كثر هذا عليها، قالت: يا بني، أسألك باللَّه، أي بلدة دخلت حتى صارت إليك هذه الثياب؟ وهل قتلتم أهل الحصن الذي كان فيه هذا؟ فقال لها الفتى صفة الحصن كذا، وصفة البلد كذا، ورأيت فيه قوما من حالهم كذا، فوصف لها أمها وأختها، وهي تبكي وتقلق، فقال: ما يبكيك؟
فقالت: الشيخ والله أبيك، والعجوز أمي، وتلك أختي، فقص عليها الخبر وأخرج بقية ما كان أنفذه معه أبوه إليها فدفعه إليها.
وفي هذه السنة حج بالناس هشام بن إسماعيل، [وكان الأمير على العراق والمشرق كله الحجاج،
стр. 2159
وعلى الصلاة بالكوفة المغيرة بن عبد الله، وعلى البصرة أيوب بن الحكم، وعلى خراسان قتيبة بن مسلم] [١] .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٥٠٤- عبد/ الملك بن مروان [٢] :
مرض فجعل في مرضه يذم الدنيا ويقول: إن طويلك لقصير، وإن كثيرك لقليل، وأنا منك لفي غرور.
ونظر إلى غسال يلوي ثوبا بيده، فقال: لوددت أني كنت غسالا آكل من كسب يدي ولم آل شيئا من هذا الأمر، فبلغ ذلك أبا حازم، فقال: الحمد للَّه الذي جعلهم إذا احتضروا يتمنون ما نحن فيه، وإذا احتضرنا لم نتمن ما هم فيه.
ودخل عليه الوليد فتمثل عبد الملك يقول:
كم عائد رجلا وليس يعوده ... إلا ليعلم [٣] هل يراه يموت
وتمثل أيضا يقول:
ومستخبر [٤] عنا يريد بنا الردى ... ومستخبرات [٥] والعيون سواجم
فجلس الوليد يبكي، فقال: ما هذا؟ أتحن حنين الحمامة والأمة إذا مت فشمر واتزر، والبس جلد النمر، وضع سيفك على عاتقك، فمن أبدى ذات نفسه فاضرب عنقه، ومن سكت مات بدائه.
стр. 2160
وفي رواية أن الأطباء منعوه أن يشرب الماء ريا، فكان يشرب قليلا قليلا، فاشتد عطشه فشرب ريا فمات.
أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، وابن ناصر، قالا: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار الصيرفي، قَالَ: أَخْبَرَنَا القاضي أبو عبد الله الْحُسَيْن بن محمد النصيبي، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيل بْن سَعِيد بْن سويد، قال: حدثنا أبو بكر ابن الأنباري، قَالَ:
حَدَّثَني أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْد، قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد المدائني، قال:
لما اشتد مرض عبد الملك بن مروان، أيقن بفراق الدنيا والإفضاء إلى الآخرة، دعى أبا علاقة مولاه فقال له: يا أبا علاقة، والله لوددت أني كنت منذ يوم ولدت إلى يومي هذا حمالا. ولم يكن لي من البنات إلا واحدة، يقال لها فاطمة، وكان قد أعطاها/ قرطي مارية والدرة اليتيمة- فقال: اللَّهمّ إني لم أخلف شيئا أهم إلي منها فاحفظها. فتزوجها عمر بن عبد العزيز. وكان عند عبد الملك بنوه: الوليد، وسليمان، ومسلمة، وهشام ويزيد، فقال لآذنه: اخرج فانظر من الباب ثم أعلمني، فخرج فنظر ثم أتاه، فقال: بالباب خالد بن يزيد بن معاوية، وخالد بن عبد الله بن أسيد بن أبي العاص، فقال: ائتني بسيفي، فأتاه به، فقال: جرده، فجرده، ثم قال: ضعه تحت ثني فراشي، ففعل ثم قال: ائذن لهما، فلما دخلا قال: أتعرفاني؟ قالا: سبحان الله يا أمير المؤمنين، أنت أمير المؤمنين وسيد الناس وولي أمرهم، قال: لا إلا باسمي واسم أبي، قالا: أنت عبد الملك بن مروان، قال: فمن هذا، وأشار إلى الوليد، وكان خلفه قد تساند إليه، قالا: هذا سيد الناس بعدك، وولي أمرهم، قال: لا إلا باسمه واسم أبيه، قالا: هذا الوليد بن عبد الملك، قال: أتدريان لماذا أذنت لكما؟ قالا: لترينا أثر نعمة الله عندك وما قد صرت إليه من التماثل والآفاقة، قال: لا ولكنه قد نزل بي من الأمر ما قد تريان، فهل في أنفسكما من بيعة الوليد شيء؟ قالا: لا ما نرى أن أحدا هو أحق بها منه بعدك، قال: أولى لكما، أما والله لو غير ذلك قلتما لضربت الّذي فيه عيناكما- ثم رفع فراشه فإذا بالسيف مجرد قد هيأه لهما، فخرجا عند ذلك.
ثم أقبل على بنيه فقال: يا بني أوصيكم بتقوى الله فإنها أزين حلة، وأحصن كهف، وأخرز جنة. وأن يعطف الكبير منكم على الصغير، وأن يعرف الصغير منكم حق
стр. 2161
الكبير. وإياكم والفرقة والاختلاف، فإن بها هلك الأولون، وذل به ذو العز، أنظروا مسلمة وأصدروا عن رأيه، فإنه مجنكم الذي به تستجنون، ونابكم الذي عنه تفترون، وكونوا بني آدم برره، ولا تدنوا العقارب منكم، وكونوا في الحرب أحرارا، وللمعروف منارا، فإن الحرب لن تدني منية قبل وقتها، وإن المعروف يبقى آخره وذكره، واحلولوا/ في مرارة ولينوا في شدة، وضعوا الصنائع عند ذوي الأحساب والأخطار فإنهم أصون لأحسابهم، وأشكر لما يؤتى إليهم، وإياكم أن تخالفوا وصيتي، وكونوا كما قال ابن عبد الأعلى الشيبانيّ:
إني أؤمل يا بني حرب الذرى ... أن تخلدوا وجدودكم لم تخلد
فاتقوا الضغائن والتخاذل عنكم ... عند المغيب وفي الحضور الشهد
بصلاح ذات البين طول بقائكم ... إن مد في عمري، وإن لم يمدد
وتكون أيديكم معا في عونكم ... ليس اليدان لذي التعاون كاليد
إن القداح إذا اجتمعن فرامها ... بالكسر ذو حنق وبطش أيد
عزت فلم تكسر إن هي بددت ... فالكسر والتوهين للمتبدد
ثم أقبل على الوليد فقال: يا وليد، اتق الله فيما أخلفك فيه، واحفظ وصيتي، وخذ بأمري، وانظر أخي معاوية، فإنه ابن أمي، وقد ابتلي في عقله بما قد علمت، ولولا ذلك لآثرته بالخلافة عليك، فصل رحمه واعرف حقه، واحفظني فيه. وانظر أخي محمد بن مروان فأقرره على عمله بالجزيرة ولا تعزله عنه، وانظر أخاك عبد الله بن عبد الملك، ولا تؤاخذه بشيء كان في نفسك عليه، واقرره على عمله بمصر. وانظر ابن عمنا هذا علي بن عبد الله بن عباس فإنه قد انقطع إلينا بمودته وهواه ونصيحته، وله نسب وحق، فصل رحمه، واعرف حقه، وأحسن صحبته وجواره. وانظر الحجاج بن يوسف فأكرمه فإنه هو الذي وطئ لكم المنابر، وهو سيفك يا وليد، ويدك على من ناوأك، فلا تسمعن فيه قول أحد، واجعله الشعار دون الدثار، وإن كان في نفسك عليه إحنة [١] فلا تؤاخذه بها، فإن الإحنة ليست من الخلافة في شيء، وأنت إليه أحوج منه إليك، وإلا ألفينك إذا أنا مت تعصر عينيك، وتحن/ كما تحن الأمة، شمر وائتزر
стр. 2162
وألبس جلد النمر، وضعني في حفرتي، وخلني وشأني، وعليك بشأنك، وخذ سيفي هذا، فإنه السيف الّذي قتلت به عمرو بن سعيد، وادع الناس إلى البيعة، فمن قال بسيفه هكذا فقل بسيفك هكذا، ثم تمثل بقول عيسى بن زيد حيث يقول:
فهل من خالد إما هلكنا ... وهل بالموت يا للناس [١] عار
فلم يزل يردد هذا البيت حتى طفئ، فقام هشام بعد موته وكان أصغر الأربعة من ولده يقول:
فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما
فلطمه الوليد وقال: اسكت يا ابن الأشجعية فإنك أحول أكشف تنطق بلسان شيطانك، ألا قلت كما قال أخو بني أسد بن حجر حيث يقول:
إذا مقرم منا ذرا حد نابه ... تخمط [٢] فينا ناب آخر مقرم
قال: فقال مسلمة: فيم الصياح إنكم إن صلحتم صلح الناس بكم، وإن فسدتم فالناس إلى الفساد أسرع، ثم قال: أوه، وأنشد:
لقد أفسد الموت الحياة وقد أتى ... على يومه علق إلي حبيب
فإن تكن الأيام أحسن مرة ... إلي لقد عادت لهن ذنوب
أتى دون حلو العيش حتى أمره ... كروب على آثارهن كروب
فقال سليمان: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ٢: ١٥٦، مات والله أمير المؤمنين، فأصبح بمنزلة هو فيها والذليل سواء. وسمع الناس الداعية، فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى أخرجت الجنازة، وخرج الوليد في أثرها وهو محرم، فنظر إلى سعيد بن عمرو بن سعيد يحمل السرير، فقال: أشماتة يا ابن اللخناء، ثم قصده بالقضيب، فحاصره فحذفه. فلما دفن عبد الملك صعد الوليد الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمّ قَالَ: يا لها من مصيبة/ ما أعظمها وأفجعها وأخصها وأعمها وفاة أمير المؤمنين، ويا لها نعمة ما أجلها وأوجب
стр. 2163
الشكر للَّه عليها خلافة سربلنيها، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون على الرزية [١] ، والحمد للَّه على العطية.
ثم قام رجل من ثقيف والناس لا يدرون أيبتدئونه بالتعزية أم بالتهنئة، فقال: أصبحت يا أمير رزيت خير الآباء، وسميت بخير الأسماء، وأعطيت خير الأشياء، فعزم الله لك الصبر، وأعطاك في ذلك نوافل الأجر، وأعانك في حسن ثوابه على الشكر، قال: ممن أنت؟ قال: من ثقيف، قال: في كم أنت من العطاء؟ قال: في مائة، فزاده وجعله في أشرف العطاء، فكان أول من قضى له الوليد حاجة ذلك الثقفي، ثم تسايل الناس عليه بالتعزية والتهنئة.
وقد روينا أن عبد الملك كان يقول: أخاف الموت في شهر رمضان لأنني ولدت فيه، وفطمت فيه، وأعذرت فيه، واحتملت فيه، وختمت القرآن فيه، وأتتني الخلافة فيه، فكان موته في نصف شوّال من هذه السنة حين ظن أنه آمن من الموت، وصلى عليه الوليد، ودفن بالجابية وهو ابن إحدى وستين سنة.
وقيل: أربع وستين، وقيل: سبع وخمسين، وقيل: ثمان وخمسين.
واستقامت له الخلافة منذ أجمع عليه بعد قتل ابن الزبير إلى وقت وفاته ثلاث عشرة سنة وخمسة أشهر، وعلى حساب بيعته بعد موت أبيه إحدى وعشرين سنة وستة عشر يوما. وقيل اثنتين وعشرين سنة ونصفا.
стр. 2164
ثم دخلت سنة سبع وثمانين
فمن الحوادث فيها أن الوليد بن عبد الملك عزل هشام بن إسماعيل عن المدينة [١]
فورد عزله عنها في ليلة الأحد لسبع ليال خلون من شهر ربيع الأول، وكانت إمارته عليها أربع سنين غير شهر أو نحوه.
وفيها ولي عمر بن عبد العزيز/ المدينة .
فقدم واليا في ربيع الأول وهو ابن خمس وعشرين سنة، فقدم على ثلاثين بعيرا، فنزل دار مروان، فلما صلى الظهر دعا عشرة من فقهاء المدينة: عروة بن الزبير، وعبيد الله بن عتبة، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وأبو بكر بن سليمان بن أبي خيثمة [٢] ، وسليمان بن يسار، والقاسم بْن مُحَمَّد، وسالم بْن عَبْد اللَّه بن عمر، وعبد الله بن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عامر بن ربيعة [٣] ، وخارجة بن زيد، فدخلوا، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنما دعوتكم لأمر تؤجرون عليه، وتكونون فيه أعوانا على الحق، ما أريد أن أقطع أمرا إلا برأيكم أو برأي من حضر منكم، فإن رأيتم أحدا استعدى [٤] أو بلغكم عن عامل لي ظلامة، فأحرج على من بلغه ذلك إلا بلغني، فجزوه خيرا وانصرفوا.
стр. 2165
وفيها [١] : كتب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز أن يقف هشام بن إسماعيل للناس، وكان سيئ الرأي فيه، فقال سعيد بن المسيب لولده ومواليه: إن هذا الرجل وقف للناس فلا يتعرض له أحد ولا يؤذه بكلمة، فإنا سنترك ذلك للَّه وللرحم، فأما كلامه فلا أكلمه، أبدا، فوقف عند دار مروان، وكان قد لقي منه علي بن الحسين أذى كثيرا، فتقدم إلى خاصته ألا يعرض له أحد [بكلمة] ، فمر عليه علي فناداه هشام: الله أعلم حيث يجعل رسالاته.
وفيها: غزا مسلمة أرض الروم في عدد كثير، فقتل منهم خلقا كثيرا، وفتح الله على يديه حصونا.
وقيل: إن الذي غزا الروم في هذه السنة هشام بن عبد الملك، وساق الذراري والنساء.
وفيها غزا قتيبة بن مسلم بيكند
وعبر النهر فاستنصروا عليه الصغد، وأخذوا بالطرق، فلم ينفذ له رسول، ولم يصل إليه رسول شهرين، وأبطأ خبره على الحجاج، فأمر/ الناس بالدعاء في المساجد، ونهض قتيبة يقاتل العدو فهزموا عدوهم، وركبهم المسلمون قتلا وأسرا، وأراد هدم مدينتهم، فصالحوه واستعمل عليهم رجلا ثم سار عنهم مرحلة أو مرحلتين، فنقضوا وقتلوا العامل [فبلغه الخبر] [٢] فرجع وقاتلهم شهرا، فطلبوا الصلح، فأبى وظفر بهم عنوة فقتل مقاتلتهم وأصاب في المدينة من الأموال وأواني الذهب والفضة ما لا يحصى، ورجع قتيبة إلى مرو، وقوي المسلمون واشتروا السلاح.
وفي هذه السنة حج بالناس عمر بن عبد العزيز وهو أمير على المدينة، وكان على قضاء المدينة أبو بكر بن عمرو، وكان العراق والمشرق كله للحجاج، وكان خليفته على البصرة الجراح بن عبد الله، وعلى قضائها عبد الله بن أذينة، وعامله على الحرب بالكوفة
стр. 2166
زياد بن جرير بن عبد الله، وعلى قضائها أبو بكر بن أبي موسى الأشعري، وعلى خراسان قتيبة.
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ بِإِسْنَادٍ لَهُ عَنْ الأصمعي، قال: كان أعرابيان متواخيين بالبادية غير أن أحدهما استوطن الريف والآخر اختلف إلى باب الحجاج بن يوسف فاستعمل على أصفهان، فسمع أخوه الذي بالبادية فضرب إليه فأقام ببابه حينا لا يصل إليه، ثم أذن له بالدخول وأخذه الحاجب فمشى به وهو يقول: سلام على الأمير، فلم يلتفت إلى قوله، وأنشأ يقول:
فلست مسلما ما دمت حيا ... على زيد بتسليم الأمير
فقال زيد: لا أبالي، فقال الأعرابي:
أتذكر إذ لحافك جلد شاة ... وإذ نعلاك من جلد البعير
فقال: نعم. فقال الأعرابي:
فسبحان الذي أعطاك ملكا ... وعلمك الجلوس على السرير
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٥٠٥- قبيصة بن ذؤيب بن حلحلة الخزاعي الكعبي كناه البخاري أبا سعيد، وكناه ابن سعد أبا إسحاق [١] :
ولد فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وسمع من أبي الدرداء، وزيد بن ثابت، وأبي هريرة. وكان [أعلم] [٢] الناس بقضاء زيد بن ثابت.
روى عنه الزهري، وكان ثقة سكن الشام وبها توفي.
стр. 2167
٥٠٦- مطرف بن عبد الله بن الشخير، أبو عبد الله [١] :
روى عن عثمان، وعلي، وأبي، وأبي ذر. وكان ثقة ذا فضل وورع وعقل وافر.
وكان أكبر من الحسن البصري بعشرين سنة.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد بإسناد له، عن مهدي بن ميمون، قال: حدثنا غيلان، قال [٢] : كان مطرف يلبس البرانس، ويلبس المطارف، ويركب الخيل ويغشى السلطان، غير أنك [٣] كنت إذا أفضيت إليه أفضيت إلى قرة عين.
حدثنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا جعفر بن أحمد، قال: حدثنا الحسن بن علي، قال: حدثنا جعفر بن أحمد بن حمدان، قَالَ: حَدَّثَنَا [عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ:
حدثني أبي، قال: حدثنا هاشم بن القاسم، قال: حدثنا سليمان بن المغيرة، قال [٤] :
كان مطرف بن عبد الله إذا دخل بيته سبحت معه آنية بيته.
قال أحمد بن حنبل: وحدثنا بهز بن أسد، قال: حدثنا جعفر بن سليمان، قال:
حدثنا] [٥] ثابت، قال:
مات عبد الله بن مطرف، فخرج مطرف على قومه في ثياب حسنة وقد أدهن فغضبوا وقالوا: يموت عبد الله ثم تخرج في ثياب مثل هذه ومدهنا؟ قال: أفأستكين لها وقد وعدني ربي [﵎] [٦] ثلاث خصال كل خصلة منها أحب إلي من الدنيا وما فيها [٧] ، قال الله تعالى: الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ من رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ٢: ١٥٦- ١٥٧ [٨] أفأستكين بعد هذا قال:
فهانت.
стр. 2168
وقال مطرف: ما شيء أعطى به في الآخرة قدر كوز من ماء لا وددت أنه أخذ مني في الدنيا.
[وروي] [١] عن ثابت البناني ورجل آخر قد سماه: أنهما دخلا على مطرف بن عبد الله بن الشخير وهو مغمى عليه، قال: فسطعت منه ثلاثة أنوار: نور من رأسه، ونور من وسطه، ونور من رجليه. قال: فهالنا ذلك، فأفاق فقلنا: كيف تجدك يا أبا عبد الله، قال: صالح قلنا: لقد رأينا شيئا هالنا، قال: وما/ هو؟ قلنا: أنوار سطعت منك، قال:
وقد رأيتم ذلك؟ [قلنا: نعم، قال] [٢] تلك ألم تنزيل السجدة وهي تسع وعشرون آية، سطع أولها من رأسي، وأوسطها من وسطي، وآخرها من قدمي، وقد صعدت لتشفع لي، وهذه تبارك تحرسني.
٥٠٧- نوفل بن مساحق بن عبد الله بن مخرمة، أبو سعد القرشي [٣] :
يروي عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل.
أخبرنا الحسين بن محمد بن عبد الوهاب، قال: أخبرنا أبو جعفر بن المسلمة، قال: أخبرنا الْمُخَلِّصُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنُ داود، قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثني مصعب بن عبد الله، قال:
كان نوفل بن مساحق من أشراف قريش، وكانت له ناجية من الوليد بن عبد الملك، وكان الوليد يعجبه الحمام ويتخذه له ويطير له، فأدخل نوفل عليه وهو عند الحمام، فقال له الوليد: إني خصصتك بهذا المدخل لأنسي بك، فقال: يا أمير المؤمنين، والله إنك ما خصصتني ولكن خسستني، إنما هذه عورة، وليس مثلي يدخل على مثل هذا. فسيره [إلى] المدينة وغضب عليه. وكان يلي المساعي، فأخذه بعض الأمراء في الحساب. فقال: أين الغنم؟ قال: أكلناها بالخبز، قال: فأين الإبل؟ قال:
حملنا عليها الرحال. وكان لا يرفع للأمراء من المساعي شيئا يقسمها ويطعمها، وكان ابنه من بعده سعد بن نوفل يسعى على الصدقات.
стр. 2169
ثم دخلت سنة ثمان وثمانين
فمن الحوادث فيها أن مسلمة بن عبد الملك والعباس بن الوليد فتحا حصنا من حصون الروم يدعى طوانة [١]
في جمادى الآخرة، وهزموا العدو هزيمة بلغوا فيها إلى كنيستهم، ثم رجعوا فانهزم الناس حتى ظنوا أنهم لا يجتبرونها أبدا [٢] ، وبقي العباس معه نفير، منهم ابن محيريز الجمحي، فقال العباس لابن محيريز: أين أهل القرآن الذين يريدون الجنة؟
فقال ابن محيريز: نادهم يأتوك، فنادى العباس: يا أهل القرآن، فأقبلوا جميعا، فهزم الله العدو حتى دخلوا طوانة، وشتوا بها.
وفيها أمر الوليد عبد الملك بهدم مسجد رسول الله ﷺ وهدم بيوت أزواج رسول الله ﷺ وإدخالها في المسجد [٣] .
فقدم الرسول إلى عمر بن عبد العزيز في ربيع الأول. وقيل: في صفر- سنة ثمان وثمانين بكتاب الوليد يأمره بإدخال حجر أزواج رسول الله ﷺ في مسجد رسول الله ﷺ ، وأن يشتري ما في مؤخره ونواحيه حتى يكون مائتي ذراع في مائتي ذراع، ويقول له: قدم القبلة إن قدرت، وأنت تقدر لمكان أخوالك، فإنهم لا يخالفونك، فمن أبى منهم فمر أهل المصر [٤] فليقوموه قيمة عدل، ثم اهدم عليهم وادفع لهم الأثمان، فإن لك في ذلك سلف صدق، عمر وعثمان.
стр. 2170
فأقرأهم كتاب الوليد وهم عنده، فأجاب القوم إلى الثمن، فأعطاهم إياه، وبدأ بهدم بيوت أزواج رسول الله ﷺ ، فلم يمكث إلا يسيرا حتى قدم الفعلة، بعث بهم الوليد.
وبعث الوليد إلى صاحب الروم يعلمه أنه أمر بهدم مسجد رسول الله ﷺ ، وأن يعينه فيه، [فبعث إليه] [١] بمائة ألف مثقال من ذهب، وبمائة عامل، وبأربعين حملا من الفسيفساء، فبعث به إلى عمر، وتجرد عمر لذلك، واستعمل صالح بن كيسان على ذلك.
أَنْبَأَنَا أبو بكر بن أبي طاهر، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا [أَبُو] عمر [٢] بْن حيويه، قَالَ: أخبرنا أحمد بْنُ مَعْرُوفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَهِمِ، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْن يَزِيدَ الْهُذَلِيُّ، قَالَ: رَأَيْتُ مَنَازِلَ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ هَدَمَهَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ فِي خِلافَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَزَادَهَا فِي الْمَسْجِدِ، وَكَانَتِ بُيُوتًا/ بِاللَّبِنِ، وَلَهَا حُجَرٌ مِنْ جَرِيدٍ مَطْرُودٍ بِالطِّينِ، عَدَدْتُ تِسْعَةَ أَبْيَاتٍ بِحُجَرِهَا وَهِيَ مَا بَيْنَ بَيْتِ عَائِشَةَ إِلَى الْبَابِ الَّذِي يَلِي بَابَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى مَنْزِلِ أَسْمَاءَ بِنْتِ حَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَرَأَيْتُ بَيْتَ أُمِّ سَلَمَةَ وَحُجْرَتُهَا مِنْ لَبِنٍ، فَسَأَلْتُ ابْنَ ابْنِهَا، فَقَالَ: لَمَّا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَوْمَةَ الْجَنْدَلِ بَنَتْ أُمُّ سَلَمَةَ حُجْرَتَهَا بِلَبِنٍ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَظَرَ إِلَى اللَّبِنِ فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَوَّلَ نِسَائِهِ، فَقَالَ: مَا هَذَا الْبِنَاءُ؟ قَالَتْ: أَرَدْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ أَكُفَّ أَبْصَارَ النَّاسِ، فَقَالَ: «يَا أُمَّ سَلَمَةَ إِنَّ شَرَّ مَا ذَهَبَ فِيهِ مَالُ الْمُسْلِمِ الْبُنْيَانُ» . قال محمد بن عمر: حدثني معاذ بن محمد الأنصاري، قال: سمعت عطاء الخراساني في مجلس فيه عمران بن أبي أنس، يقول وهو فيما بين القبر والمنبر:
أدركت حجر أزواج رسول الله ﷺ من جرائد النخل، على أبوابها المسوح من
стр. 2171
شعر أسود، فحضرت كتاب الوليد [بن عبد الملك] [١] يقرأ، يأمر بإدخال حجر أزواج النبي ﷺ [٢] في مسجد رسول الله ﷺ ، فما رأيت يوما باكيا أكثر بكاء من ذلك اليوم.
قال عطاء: فسمعت سعيد بن المسيب يقول يومئذ: والله لوددت أنهم تركوها على حالها فينشأ ناشئ من أهل المدينة، ويقدم القادم من الأفق فيرى ما اكتفى به رسول الله ﷺ في حياته فيكون ذلك مما يزهد الناس من التكاثر والتفاخر فيها.
قال معاذ: فلما فرغ عطاء الخراساني من حديثه، قال عمر بن أنس: كان بينها أربعة أبيات بلبن، لها حجر من جرائد، وكانت خمسة أبيات من جرائد مطينة لا حجر لها، على أبوابها المسوح من الشعر ذرعت الستر [منها] فوجدته ثلاثة أذرع في ذراع، فأما ما ذكرت من كثرة البكاء فلقد رأيت في مجلس فيه نفر من أبناء أصحاب رسول الله ﷺ / منهم أبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو أمامة بن سهل بن حنيف، وخارجة بن زيد بن ثابت، وانهم ليبكون حتى أخضل لحاهم الدمع.
وقال يومئذ أبو أمامة: ليتها تركت فلم تهدم حتى يقصر الناس عن البناء، ويرون ما رضي الله ﷺ ومفاتيح خزائن [٣] الدنيا بيده.
وفي هذه السنة كتب الوليد إلى عمر بحفر الآبار بالمدينة .
وبعمل الفوارة التي عند دار يزيد بن عبد الملك، فعملها وأجرى ماءها، فلما حج الوليد وقف فنظر إليها فأعجبته، وأمر أن يسقى أهل المسجد منها.
وفي هذه السنة بنى الوليد مسجد دمشق فانفق عليه مالا عظيما .
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله بن أحمد السمرقندي، قال: أخبرنا
стр. 2172
عبد العزيز بن أحمد الكناني، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن الحسين الدوري، [قال: حدثنا أبو عمر محمد بن موسى بن فضالة، قال: حدثنا أبو قصي سعيد بن محمد بن إسحاق العدوي، قال: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن [١]] ، قال: حدثنا الوليد بن مسلم. عن عمرو بن مهاجر، وكان على بيت مال الوليد بن عبد الملك، أنهم حسبوا ما انفق على الكرمة التي في قبلة مسجد دمشق فكانت سبعين ألف دينار.
قال أبو قصي: وحسبوا ما أنفق على مسجد دمشق، وكان أربعمائة صندوق، في كل صندوق ثمانية وعشرون ألف دينار.
قال أبو قصي: وأتاه حرسته فقالوا: يا أمير المؤمنين، ان أهل دمشق يتحدثون إن الوليد أنفق الأموال في غير حقها، فنادى: الصلاة جامعة، وخطب الناس فقال: إنه بلغني حرستي أنكم تقولون إن الوليد أنفق الأموال في غير حقها، ألا يا عمر بن مهاجر قم فأحضر ما قبلك من الأموال من بيت المال، قال: فأتيت البغال تحمل المال، وتصب في القبلة على الأنطاع حتى لم يبصر من في الشام من في القبلة، ولا من في القبلة من في الشام، وأتت الموازين- يعني القبابين فوزنت الأموال، وقال لصاحب الديوان:
أحضر من قبلك ممن يأخذ/ رزقنا، فوجدوا ثلاثمائة ألف ألف في جميع الأمصار، وحسبوا ما يصيبهم فوجد عنده رزق ثلاث سنين، ففرح الناس وكبروا وحمدوا الله ، وقال: إلى ما تذهب هذه الثلاث سنين قد أتانا الله بمثله ومثله، ألا وأني إنما رأيتكم يا أهل الشام تفخرون على الناس بأربع خصال فأحببت أن يكون مسجدكم الخامس، تفخرون على الناس بمائكم، وهوائكم، وفاكهتكم، وحماماتكم، فأحببت أن يكون مسجدكم الخامس، فاحمدوا الله تعالى فانصرفوا وهم شاكرين [داعين] [٢] .
وقد حكى محمد بن عبد الملك الهمداني، أن الجاحظ حكى عن بعض السلف أنه قال: ما يجوز أن يكون أحد أشد شوقا إلى الجنة من أهل دمشق لما يرون من حسن مسجدهم.
стр. 2173
قال: ودخله المأمون ومعه المعتصم ويحيى بن أكثم، فقال المأمون: أي شيء يعجبكم من هذا المسجد؟ فقال المعتصم: ذهبه فإنا نصنعه [١] فلا تمضى عشرون سنة حتى يتحول [٢] ، وهذا بحاله كأن الصانع قد فرغ منه الآن، فقال: ما أعجبني هذا، فقال يحيى بن أكثم: الذي أعجبك يا أمير المؤمنين تأليف رخامه [٣] فإن فيه عقودا ما يرى مثلها، قال: كلا، بل أعجبني أنه شيء على غير مثال شوهد.
قال: وأمر الوليد أن يسقف بالرصاص، فطلب من كل البلاد، وبقيت قطعة لم يوجد لها رصاص إلا عند امرأة، فأبت أن تبيعه إلا بوزنه ذهبا، فقال: اشتروه منها ولو بوزنه مرتين، ففعلوا ووزنوا مثله، فلما قبضته قالت: إني ظننت من صاحبكم أنه يظلم الناس في بنائه فلما رأيت إنصافه رددت الثمن. فلما بلغ ذلك الوليد أمر أن يكتب على صفائح المرأة للَّه، ولم يدخله فيما عمله، وفيما كتب عليه اسمه.
قال محمد بن عبد الملك: وقد قيل إنه أنفق عليه خراج الدنيا ثلاث مرات، وأنه بلغ ثمن البقل الذي أكله الصناع/ فيه ستة آلاف دينار، وكان فيه ستمائة سلسلة ذهب، فلم يقدر أحد أن يصلي فيه لعظم شعاعها فدخِّنت.
وعمل هذا الجامع في تسع سنين.
قال: وقال موسى بن حماد البربري: رأيت في مسجد دمشق كتابا بالذهب في الزجاج محفورا عليه سورة ألهاكم التكاثر إلى آخرها، ورأيت جوهرة حمراء ملصقة في قاف المقابر، فسألت عن ذلك، فقيل لي: كان للوليد ابنة ولها هذه الجوهرة، وكانت ابنة نفيسة فماتت، فأمرت أمها أن تدفن هذه الجوهرة معها في قبرها، فأمر الوليد بها فصيرت في قاف المقابر من ألهاكم التكاثر، ثم حلف لأمها أنه قد أودعها في المقابر فسكتت.
وفي هذه السنة حبس الوليد المجذمين أن يخرجوا على الناس، وأجرى عليهم أرزاقا.
стр. 2174
وفيها: غزا مسلمة الروم ففتح على يديه حصونا، وقتل من المستعربة نحو من ألف مع سبي الذرية وأخذ الأموال.
وفيها: حج بالناس عمر بن عبد العزيز، فأحرم من ذي الحليفة، وساق بدنا، فلما كان بالتنعيم لقيه نفر من قريش فأخبروه أن مكة قليلة الماء، وأنهم يخافون على الحاج العطش، فقال عمر: تعالوا ندعو الله تعالى فدعا ودعوا، فما وصلوا إلى البيت إلا مع المطر، فجاء سيل خاف منه أهل مكة، فكثر الخصب في تلك السنة. هذا في رواية الواقدي.
وزعم أبو معشر أن الذي حج بهم في هذه السنة عمر بن الوليد بن عبد الملك، وكان العمال على الأمصار من تقدم في السنة التي قبلها. [١] وما عرفنا من الأكابر أحدا توفي في هذه السنة.
стр. 2175
ثم دخلت سنة تسع وثمانين
فمن الحوادث فيها افتتاح المسلمين سورية [١]
وكان على الجيش مسلمة بن عبد الملك. وذكر/ الواقدي أن مسلمة والعباس دخلا جميعا في هذه السنة أرض الروم غازيين، ثم افترقا، فافتتح مسلمة حصن سورية، وافتتح أذرولية [٢] ، ووافق من الروم جمعا فهزمهم، وقصد مسلمة عمورية، وغزا الترك حتى بلغ الباب من ناحية أذربيجان، ففتح حصونا ومدائن وغزا العباس الصائفة من ناحية البدندون.
وفيها: غزا قتيبة بخارى، ففتح بعض بلدانها، ولقيه الصغد فظفر بهم [٣] .
وفي هذه السنة ابتدئ بالدعاء لبني العباس، وكان الدعاء لمحمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وسمي بالإمام، وكوتب وأطيع [٤] ، ثم لم يزل الأمر ينمى ويقوى ويتزايد إلى أن توفي في سنة أربع وعشرين ومائة.
وفيها: حج بالناس عمر بن عبد العزيز، وكان العمال في هذه السنة على الأمصار من كان في السنة التي قبلها.