← История

История · id 12406

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم

ابن الجوزي

Полный текст (6 790 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

السَّلاَمُ لَمَّا مَاتَ جَعَلَهُ بَنُو شِيثٍ فِي مَغَارَةٍ فِي الْجَبَلِ الَّذِي أُهْبِطَ عَلَيْهِ بِأَرْضِ الْهِنْدِ، وَيُقَالُ لِلْجَبَلِ نَوْدٌ. وَقَالَ هِشَامٌ: وَأَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: فَكَانَ بَنُو شِيثٍ يَأْتُونَ جَنْبَ آَدَمَ في الْمَغَارَةَ فَيُعَظِّمُونَهُ وَيَتَرَحَّمُونَ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بني قابيل: إن لبني شيث دوارا يدورون حَوْلَهُ وَيُعَظِّمُونَهُ وَلَيْسَ لَكُمْ شَيْءٌ فَنَحَتَ لَهُمْ صَنَمًا فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ عَمِلَهَا [١] . وأَخْبَرَنِي أَبِي، قال: كان ودّ، وسواء، وبغوث، ويعوق، ونمر، قوما صالحين، فماتوا فِي شهر فجزع عليهم أهاليهم وأقاربهم، فَقَالَ رجل من بَنِي قابيل: يا قوم هل لكم أَن أعمل لكم خمسة أصنام عَلَى صورهم، غَيْر أني لا أقدر أَن أجعل فِيهَا أرواحا، قَالُوا: نعم، فنحت لَهُمْ خمسة أصنام عَلَى صورهم ونصبها لَهُمْ، وَكَانَ الرجل يَأْتِي أخاه وعمه وابن عمه ليعظمه ويسعى حوله حتى ذهب ذَلِكَ القرن الأَوَّل، وعملت عَلَى عهد يرد بْن مهلائيل، ثُمَّ جاء قرن آخر فعظموهم أشد من تعظيم القرن الأَوَّل، ثُمَّ جاء من بعدهم القرن الثالث، فَقَالُوا: مَا عظم أولونا هَؤُلاءِ إلا وَهُمْ يرجون شفاعتهم عِنْدَ اللَّه، فعبدوهم وعظم أمرهم واشتد كفرهم، فبعث اللَّه إليهم إدريس، فدعاهم، وَلَمْ يزل أمرهم يشتد حَتَّى بعث نوحا وجاء الطوفان، فأهبط الماء هذه الأصنام من أرض إِلَى أرض حَتَّى قذفها إِلَى أرض جدة [٢] . والصحيح أَن هذه الأصنام الخمسة عملت بَعْد نوح عَلَى مَا سنذكره، فيجوز أن يكونوا عملوها أتباعا لفعل قدمائهم.

стр. 212

بَاب ذكر إدريس ﵇ [١] واسمه خنوخ بْن يرد بْن مهلائيل بْن قينان بْن أنوش بْن شيث بْن آدَم. قَالَ الزُّبَيْر بْن بكار: وَهُوَ إدريس بْن اليارد بْن مهلائيل بْن قينان بْن الطاهر بْن هبه، وَهُوَ شيث بْن آدَم، وإنما قيل لَهُ إدريس لأنه أول من درس الوحي المكتوب. وَقَدْ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّارُ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيَّوَيْهِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَعْرُوفٍ الْخَشَّابُ، أخبرنا الحارث بن أبي أسامة، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ نَبِيٍّ بَعْدَ آدَمَ إِدْرِيسُ ﵇، وَهُوَ حَنُوخُ بْنُ يَرْذَ، وَكَانَ يَصْعَدُ لَهُ فِي الْيَوْمِ من العمل ما لا يَصْعَدُ لِبَنِي آدَمَ فِي السَّنَةِ، فَحَسَدَهُ إِبْلِيسُ وَعَصَاهُ قَوْمُهُ، فَرَفَعَهُ اللَّهُ مَكَانًا عَلِيًّا وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ [٢] . قُلْت: كَذَا فِي هذه الرواية «حنوخ» بالحاء المهملة ثم بالخاء المعجمة، و «يرذ» بالذال المعجمة. ورويت الكلمة الأولى بخاءين معجمتين، و «يرد» بدال مهملة. وزعم ابْن إِسْحَاق أَن إدريس أول نبي أعطي النبوة. وَقَدْ رَوَى أَبُو ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «أَرْبَعٌ مِنَ الرُّسُلِ سِرْيَانِيِّونَ: آَدَمُ، وشيث، وأخنوخ وهو إدريس، ونوح» .

стр. 213

وَقَالَ علماء السير: نبأ اللَّه تَعَالَى إدريس فِي حياة آدَم، وَقَدْ مضى من عُمَر آدم ستمائة واثنتان وعشرون سَنَة، وأنزل عَلَيْهِ ثلاثون صحيفة فدعا قومه ووعظهم وأمرهم بطاعة الله ومخالفة الشيطان، وأن لا يلامسوا أولاد قابيل، فخالفوا، فجاهدهم وسبى مِنْهُم واسترق. وَهُوَ أول نبي خط بالقلم وقطع الثياب وخاطها، ورفع إدريس وهو ابن ثلاثمائة وخمس وستين سَنَة، وأبوه حي، فعاش أبوه بَعْد ارتفاعه مائة وخمسا وثلاثين سَنَة. قَالَ زَيْد بْن أسلم [١] : كَانَ يصعد لإدريس من العمل مثل مَا يصعد لجميع بَنِي آدَم، فجاءه ملك فاستأذن اللَّه فِي جلسة، فأذن لَهُ فهبط إِلَيْهِ فِي صورة آدمي، وَكَانَ يسجد، فلما عرفه، قَالَ: إني أسألك حاجة، قَالَ: مَا هِيَ؟ قَالَ: تذيقني الْمَوْت فلعلي أعلم مَا شدته فأكون لَهُ أشد استعدادا، فأوحى اللَّه إِلَيْهِ أَن اقبض روحه ساعة ثُمَّ أرسله، ففعل، ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ رأيت؟ قَالَ: أشد ما بلغني عَنْهُ، وإني أحب أَن تريني النار، قَالَ: فحمله وأراه إياها، قَالَ: إني أحب أَن تريني الْجَنَّة، فأراه إياها، فلما دخلها وطاف فِيهَا، قَالَ لَهُ ملك الْمَوْت: اخرج، فَقَالَ: والله لا أخرج حَتَّى يَكُون اللَّه تَعَالَى يخرجني، فبعث اللَّه ملكا يحكم بينهما، فَقَالَ: مَا تقول يا ملك الْمَوْت، فقص عَلَيْهِ مَا جرى، فَقَالَ: مَا تقول يا إدريس، قَالَ: إِن اللَّه تَعَالَى قَالَ: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ٣: ١٨٥ [٢] وَقَدْ ذقته، وَقَالَ: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها ١٩: ٧١ [٣] وَقَدْ وردتها. وَقَالَ لأهل الْجَنَّة وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ ١٥: ٤٨ [٤] . فو الله لا أخرج حَتَّى يَكُون اللَّه يخرجني، فسمع هاتفا من فوقه يَقُول: بإذني دَخَلَ وبأمري فعل، فخل سبيله. فَإِن قيل: أين هذه الآيات لإدريس؟ فالجواب: إِن اللَّه أعلم بوجوب الورود، وامتناع الخروج من الْجَنَّة وغير ذَلِكَ فقاله [٥] .

стр. 214

ذكر الأحداث الَّتِي كانت فِي زمن إدريس ﵇ منها أَنَّهُ ملك الدنيا كلها فِي عهد إدريس بيوراسب، ويقال: بوراسب، وَهُوَ الضحاك بن الأهبوب [١] ، وَهُوَ صديق إِبْلِيس، قبل إدريس ظهره، وظهرت فِي منكبه حيتان، وَكَانَ دينه دين البراهمة، فبقي ملكا للأقاليم جميعا ألف سَنَة إلا نصف يَوْم. ذكر الأحداث بَعْد إدريس استخلف إدريس ولده متوشلخ عَلَى أمر اللَّه، وأوصاه قبل أَن يرفع، وَكَانَ أول من ركب البحر، وملك بطريق الطاعة للَّه سبحانه [٢] . ثُمَّ ولد لمتوشلخ لمك فِي حياة آدَم، ثُمَّ ولد للمك نوح ﵇ [٣] . وقيل: كَانَ لمتوشلخ ولد يقال لَهُ: صابئ، وَبِهِ سمي الصابئون [٤] . رَوَى عكرمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى: وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى ٣٣: ٣٣ [٥] ، قال: كان فيما بَيْنَ نوح وإدريس، وكانت ألف سَنَة، وإن بطنين من ولد آدَم، كَانَ أحدهما يسكن السهل، والآخر يسكن الجبال، وَكَانَ رجال الجبال صباحا وَفِي النِّسَاء دمامة، وَكَانَ نساء السهل صباحا وَفِي الرجال دمامة، وأتى إِبْلِيس رجلا من أَهْل السهل فِي صورة غلام، فآجر نَفْسه منه، وَكَانَ إِبْلِيسُ يخدمه، فأخذ إِبْلِيس مثل هَذَا الَّذِي يزمر فِيهِ الرعاء، فجاء فيه بصوت لم يسمع الناس مثله، [فبلغ ذَلِكَ من حولهم] [٦] ، فانتابوهم يَسْمَعُونَ إِلَيْهِ، [واتخذوا عيدا يجتمعون إِلَيْهِ فِي السنة] [٧] ، فتتبرج النِّسَاء للرجال [٨] . [قَالَ: وينزل الرجال لهن. وإن رجلا من أَهْل الجبل هجم عَلَيْهِم وَهُمْ فِي عيدهم ذَلِكَ، فرأى النِّسَاء وصباحتهن، فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك] [٩] ، ثم تحولوا

стр. 215

[إليهن] [١] ، فنزلوا معهن، فظهرت الفاحشة [فيهن] [٢] ، فَهُوَ قَوْله تَعَالَى: وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى ٣٣: ٣٣ [٣] . وَقَدْ كانت أحداث كثيرة وقرون بَيْنَ آدَم ونوح لا يعلم أكثرها. وَرَوَى أَبُو أمامة أن رجلا سأل رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كَمْ كَانَ بَيْنَ آدَم ونوح؟ قَالَ: «عشرة قرون» . قَالَ الشيخ الإمام أَبُو الفرج: وَقَدِ اختلف فِي ترتيب هذه القرون والأحداث الكائنة فِيهَا. فمن ذَلِكَ: أَن قوما قَالُوا: ملك طهمرث، ويقال: طهمورب، بالباء، كَذَلِكَ ضبط أبو الحسين ابن المنادى. ويقال: طهومرت، وَهُوَ من ولد أوشنج [٤] ، وبينهما عدة آباء، فسلك طريق جده، وملك الأقاليم كلها، وبنى الموضع الَّذِي جدده بَعْد ذَلِكَ شابور ملك فارس، ونزله، ونفى الأشرار، وَهُوَ أول من كتب بالفارسية، واتخذ الْخَيْل والبغال والحمير، والكلاب لحفظ المواشي، واستمرت أحواله عَلَى الصلاح. ثُمَّ ملك أخوه جم الشيذ [٥] ، وتفسيره سد الشعاع، سمي بِذَلِكَ لأنه كَانَ جميلا وضيئا، فملك الأقاليم، وسلك السيرة الجميلة/ وزاد فِي الْمَلِك بأن ابتدع عمل السيوف والسلاح ودل عَلَى صنعة الإبريسم والقز وغيره ومما يغزل. وأمر بنسج الثياب وصبغها، و [نحت] [٦] السروج والأكف، [وتذليل الدواب بها] [٧] . وصنف النَّاس أربع طبقات: طبقة مقاتلة، وطبقة كتابا، وطبقة صنّاعا وحراثين، وطبقة خدما [٨] .

стр. 216

وعمل أربعة خواتم: خاتما للحرث والشرط، وكتب عَلَيْهِ الأناة، وخاتما للخراج وجباية الأَمْوَال، وكتب عَلَيْهِ العمارة. وخاتما للبريد، وكتب عَلَيْهِ الرخاء. وخاتما للمظالم، وكتب عَلَيْهِ العدل، فبقيت هذه الرسوم فِي ملوك الفرس إِلَى أَن جاء الإِسْلام. وألزم من غلبه من أَهْل الفساد بالأعمال الصعبة من قطع الصخور من الجبال، وعمل الرخام والجص والبناء والكلس والحمامات. وأخرج من البحار والجبال والمعادن والفلوات كُل مَا ينتفع به الناس من الذهب والفضة وَمَا يذاب من الجواهر وأنواع الطيب والأدوية، وأحدث النوروز فجعله عيدا. ثُمَّ إنه بطر وجمع الخلق فأخبرهم أَنَّهُ مالكهم والدافع عَنْهُم بقوته الهرم والسقم والموت، وجحد إحسان اللَّه إِلَيْهِ، وادعى الربوبية. فأحس بِذَلِكَ الْمَلِك بيوراسب الَّذِي يسمى الضَّحَّاك، وَهُوَ من ولد جيومرث، ويزعم قوم أَن جم الشيذ زوج أخته بَعْض أشراف أَهْل بَيْت، فولدت لَهُ الحكم [١] فانتدب إِلَى جم بنفسه، فهرب منه، ثُمَّ ظفر بِهِ الضَّحَّاك فامتلخ أمعاءه ونشره بمنشار. وَقَدْ روينا عَنْ وهب بْن منبه قصة تشبه أَن تكون قصة جم لولا أَن فيها ذكر نصر، وبين جم ونصر بون بعيد [٢] ، إلا أَن يَكُون الضَّحَّاك سمي بذلك الزمان نصر. فأخبرنا عبد الخالق بْن أَحْمَد بْن يُوسُف، أَخْبَرَنَا عَلِي بْن مُحَمَّد بْن إِسْحَاق اليزدي، أخبرنا عبد الرحمن بن أَحْمَد الرازي، أَخْبَرَنَا جَعْفَر بْن عَبْد اللَّهِ الروياني، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر مُحَمَّد بْن هَارُون، حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن يُوسُف، حَدَّثَنَا خلف، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل، حَدَّثَنَا عبد الصمد بْن معقل، قَالَ: سَمِعْتُ وهبا يَقُول: إِن رجلا ملك وَهُوَ شاب، فقال: إني لأجد للملك لذة، ولا أدري أكذلك يجد النَّاس الْمَلِك أم أَنَا أجده من بينهم؟ فقيل: بَل الْمَلِك كَذَلِكَ، فَقَالَ: مَا الَّذِي يقيمه لي؟

стр. 217

فَقِيلَ لَهُ: يقيمه أَن تطيع الله ولا تعصيه، فدعا ناسا من خيار من [كَانَ] [١] فِي ملكه، فَقَالَ لَهُمْ: كونوا بحضرتي وَفِي مجلسي، فما رأيتم أَنَّهُ طاعة اللَّه فمروني أَن أعمل بِهِ، وَمَا رأيتم أَنَّهُ معصية اللَّه فازجروني عَنْهُ أنزجر [٢] ، ففعل ذَلِكَ هُوَ وَهُمْ، فاستقام ملكه أربعمائة سَنَة مطيعا للَّه. ثُمَّ إِن إِبْلِيس انتبه لِذَلِكَ، فَقَالَ: تركت رجلا [٣] يعَبْد اللَّهِ ملكا أربعمائة [سَنَة] [٤] ، فجاء فدخل عَلَيْهِ وتمثل لَهُ برجل، ففزع منه الْمَلِك فَقَالَ: من أَنْتَ؟ فَقَالَ إِبْلِيس: لا ترع [٥] ، ولكن أَخْبَرَنِي من أَنْتَ؟ فَقَالَ الْمَلِك: أنا رجل من بَنِي آدَم، فَقَالَ لَهُ إِبْلِيس: لو كنت من بَنِي آدَم لَقَدْ مت كَمَا يموت بنو آدَم، ألم تركم قَدْ مَات من النَّاس وذهب [من] [٦] القرون، ولكنك إله، فادع النَّاس إِلَى عبادتك. فدخل ذَلِكَ فِي قلبه، ثُمَّ صعد المنبر، فخطب النَّاس، فَقَالَ: يا أيها النَّاس إني [قَدْ كنت] [٧] أخفيت عليكم أمرا بان لي إظهاره لكم، أتعلمون أني ملكتكم أربعمائة سنة، فلو كنت من بَنِي آدَم لَقَدْ مت كَمَا مَاتُوا، ولكني إله فاعبدُونَي فأرعش مكانه، فأوحى اللَّه تَعَالَى إِلَى بَعْض من كَانَ مَعَهُ، فَقَالَ: أخبره أني [قَدِ] [٨] استقمت [لَهُ] [٩] مَا استقام لي، فارعوى [١٠] من طاعتي إِلَى معصيتي فلم يستقم لي، فبعزتي حلفت لأسلطن عَلَيْهِ نصر فليضربن عنقه، وليأخذن مَا فِي خزانته، وكان في ذَلِكَ الزمان لا يسخط اللَّه عَلَى أحد إلا سلط عليه نصر فضرب عنقه وأوقر من خزانته سبعين سفينة [ذهبا] [١١] .

стр. 218

بَاب ذكر نوح ﵇ [١] وَهُوَ نوح بْن لمك بْن متوشلخ بْن إدريس. وَقَالَ الزُّبَيْر بْن بكار: نوح بْن ملكان بْن مثوب بْن إدريس، وَكَانَ بَيْنَ آدَم ونوح ألف سَنَة، وولد نوح ﵇ بَعْد وفاة آدم بثمانمائة وست وعشرين سَنَة، فلما بلغ قَالَ لَهُ أبوه: قد علمت أَنَّهُ لَمْ يبق فِي هَذَا الموضع غيرنا فلا تستوحش ولا تتبع الأمة الخاطئة، فَمَا زال عَلَى حاله حَتَّى بعثه اللَّه تَعَالَى بَعْد أَن تكامل لَهُ خمسون سَنَة، وقيل: ثلاثمائة وخمسون، وقيل: كان ابن أربعمائة وثمانين سَنَة، فبعث وليس فِي الزمان من يأمر بالمعروف، وكانوا يعبدُونَ الأوثان، فدعاهم وكانوا يضربونه حَتَّى يغشى عَلَيْهِ [١] . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّارُ، أَخْبَرَنَا الْجَوْهَرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيْوَيَةَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن معروف أخبرنا الحارث بن أبي أسامة، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبُ الْكَلْبِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ لِلَمَكٍ يَوْمُ وَلَدَ نُوحًا اثْنَتَانِ وَثَمَانُونَ سَنَةً وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ يَنْهَى عَنْ مُنْكَرٍ، فَبَعَثَ اللَّهُ نُوحًا إليهم وهو ابن أربعمائة وثمانين سنة، ودعاهم مائة وعشرون سنة، وركب السفينة وهو ابن ستمائة سنة، ثم مكث بعد ذلك ثلاثمائة وَخَمْسِينُ سَنَةً [٢] . أَخْبَرَنَا أَبُو المعمر الأَنْصَارِي، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْن عَبْد الْوَهَّاب بْن منده، أَخْبَرَنَا أَبُو طاهر بْن عَبْد الرَّحِيم، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّد بْن حبان، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد بن معدان، حدثنا أبو عمير، حدثنا أبو ضمرة، عن سعيد بن حسن، قال: كان قوم نوح

стр. 219

يزرعون فِي الشهر مرتين، وكانت المرأة تلد أول النهار فيتبعها ولدها فِي آخره. قَالَ علماء السير: فرض اللَّه عَلَى نوح الصلاة والحلال والحرام، وأمره اللَّه بصنعه السفينة، فغرس شجرة فعظمت ثُمَّ قطعها، وجعل يعمل سفينة فيمرون عَلَيْهِ فيسخرون منه. قَالَ سلمان الفارسي: أنبت الساج أربعين سَنَة، وعملها في أربعمائة سَنَة [١] . قَالَ قَتَادَة: ذكر لنا أَن طولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسون، وارتفاعها فِي السماء ثلاثون [٢] . وقيل: طولها ألف ذراع، وكانت ثَلاث طبقات، فطبقة فِيهَا الدواب والوحش، وطبقة فِيهَا الإنس، وطبقة فِيهَا الطير، فلما كثرت أرواث الدواب أوحى اللَّه تَعَالَى إِلَى نوح أَن اغمز ذنب الفيل فغمزه فوقع منه خنزير وخنزيرة، فأقبلا عَلَى الروث، فلما وقع الفأر بخرز السفينة يقرضه أوحى اللَّه إِلَى نوح أَن اضرب بَيْنَ عيني الأسد فخرج من منخره سنور وسنورة، فأقبلا عَلَى الفأر [٣] . وَرَوَى يُوسُف بْن مهران، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أول مَا حمل فِي الفلك من الدواب الذرة، وآخر مَا حمل الحمار [٤] . قَالَ ابْن عَبَّاس: كَانُوا ثمانين رجلا مِنْهُم سام، وحام، ويافث. وكنائنه، نساء بنيه هؤلاء، وثلاثة وسبعون من ولد شيث [٥] . وَقَالَ قَتَادَة: كَانُوا ثمانية: نوح وامرأته، وبنوه الثلاثة ونساؤهم [٦] . وَقَالَ الأَعْمَش: كَانُوا سبعة، وَلَمْ يذكر امرأة نوح [٧] .

стр. 220

وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: كَانُوا عشرة [١] . قَالَ ابْن جريج: حدثت أَن حاما أصاب امرأته فِي السفينة فدعا عَلَيْهِ نوح فتغير نطفته فجاء بالسودان [٢] . وَقَالَ الْحَسَن: كَانَ التنور الَّذِي فار منه الماء حجارة [٣] . واختلفوا أين فار التنور؟ فروى عكرمة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ فار بالهند [٤] . وَقَالَ الشَّعْبِي ومجاهد بالكوفة [٥] . أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ عَلِيٍّ الطَّنَاجِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاهِينَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُوخٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: لَمَّا رَكِبَ نُوحٌ السَّفِينَةَ جَاءَ إِبْلِيسُ فَتَعَلَّقَ بِالسَّفِينَةِ وَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: إِبْلِيسُ، قَالَ: مَا جَاءَ بِكَ؟ قَالَ: جِئْتُ لِتَسْأَلَ لِي رَبَّكَ، هَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنَّ تَوْبَتَهُ أَنْ يَأْتِيَ قَبْرَ آَدَمَ فَيَسْجُدُ لَهُ، فَقَالَ: أَنَا لَمْ أَسْجُدْ لَهُ حَيًّا وَأَسْجُدُ لَهُ مَيِّتًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ من الْكافِرِينَ ٢: ٣٤ [٦] . قَالَ علماء السير: فلما استقر نوح بمن مَعَهُ فتحت أبواب السماء بماء منهمر، فغطى السفينة وَكَانَ بَيْنَ أَن أرسل اللَّه الماء [٧] ، وبين أَن احتمل السفينة أربعون يوما [٨] ، ثُمَّ ارتفع الماء فَوْقَ الجبال فهلك كُل مَا عَلَى وجه الأَرْض من ذي روح وشجر، فلم يبق سوى نوح ومن معه.

стр. 221

ويزعم أَهْل الكتاب أَنَّهُ بقي عوج بْن عناق أَيْضًا [١] . رَوَى أَبُو صَالِح، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أرسل اللَّه المطر أربعين يوما وأربعين ليلة، فأقبلت الوحش والدواب كلها إِلَى نوح، وسخرت لَهُ، فحمل لَهُ منها من كل زوجين اثنين، وحمل جسد آدم، فجعله حاجزا بَيْنَ النِّسَاء والرجال، فركبوا [فِيهَا] [٢] لعشر ليال مضين من رجب، وخرجوا منها يَوْم عاشوراء، فسارت بهم السفينة وطافت بهم الأَرْض كلها فِي ستة أشهر لا تستقر، حَتَّى أتت الحرم فلم تدخله، ودارت بالحرم أسبوعا، ورفع الْبَيْت الَّذِي بناه آدَم، رفع من الغرق- وَهُوَ الْبَيْت المعمور والحجر الأسود- عَلَى أَبِي قبيس، ثُمَّ انتهت بهم/ إِلَى الجودي، وَهُوَ جبل فِي أرض المَوْصِل، فاستقرت عَلَيْهِ، وقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي ١١: ٤٤ [٣] . فصار ما نزل من السماء هذه البحور الَّتِي ترون فِي الأَرْض، فآخر مَا بقي من الطوفان فِي الأَرْض [ماء] [٤] بحسمى [٥] بقى فِي الأَرْض أربعين سَنَة بَعْد الطوفان ثُمَّ ذهب [٦] . قَالَ الْعُلَمَاء: أرسل اللَّه الطوفان [لمضي] [٧] ستمائة سَنَة من عُمَر نوح [٨] ، ولتتمة ألفي سَنَة ومائتي سَنَة وست وخمسين سَنَة من لدن هبوط آدَم، وَكَانَ ذَلِكَ لثلاث عشرة خلت من آب، وأقام نوح فِي السفينة إِلَى أَن غاض الماء، فلما خرج اتخذ بناحية بقردى [٩] من أرض الجزيرة موضعا، وابتنى هناك قرية سموها ثمانين [١٠] ، لأنه كان فيها

стр. 222

لكل إِنْسَان مَعَهُ بَيْت، فَهِيَ إِلَى اليوم تسمى سوق ثمانين [١] . أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ المبارك، أَخْبَرَنَا أبو الحسين بن عبد الجبار، أَخْبَرَنَا الحسين بن علي الطَّنَاجِيرِيُّ، [أَخْبَرَنَا] عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاهِينَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى، قَالَ: حدثني عبد اللَّهِ بْنُ أَبِي سَعْدٍ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْهَيْثَمِ بْنِ عَدِيٍّ، حَدَّثَنِي أَبُو يَعْقُوبَ بْنُ سَابِقٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنِ الْكَلْبِيِّ، عَنِ ابْن صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ مُجْتَمَعُ النَّاسِ حَيْثُ خَرَجُوا مِنَ السَّفِينَةِ بِبَابِلَ، فَنَزَلُوا سُوقَ ثَمَانِينَ بِالْجَزِيرَةِ، فَابْتَنَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَيْتًا، وَكَانُوا ثَمَانِينَ رَجُلا فَسُمِّيَ سُوقَ ثَمَانِينَ، ثُمَّ ضَاقَتْ بِهِمْ حَتَّى خَرَجُوا فَنَزَلُوا مَوْضِعَ بَابِلَ، وَكَانَ طولُ بَابِلَ اثْنَي عَشْرَ فَرْسَخًا فِي اثْنَي عَشْرَ فَرْسَخًا، وَكَانَ سُورُهَا عِنْدَ النِّيلِ وَبَابُهَا عِنْدَ دَاوَرْدَانَ، [٢] فَمَكَثُوا بِهَا حَتَّى كَثِرُوا [٣] ، وَمَلِكُهُمْ يَوْمَئِذٍ نَمْرُودُ بْنُ كَنْعَانَ [٤] بْنِ حَامِ بْنِ نُوحٍ، فَلَمَّا كَفَرُوا بَلْبَلَ اللَّهُ أَلْسِنَتَهُمْ فَفُرِّقُوا عَلَى اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا، وَفَهَّمَ اللَّهُ الْعَرَبِيَّةَ عَمْلِيقَ، وَأُمَيْمَ، وَطَسمَ بْنَ لُوطِ بْنِ سَامٍ، وَعَادَ وَعبيلَ ابْنَي عَوْصِ بْنِ إِرَمَ بْنِ سَامٍ، وَثَمُودَ، وَجديسَ بْنَ جَاثِمِ بن إرم بن سام، وقنطور بن عابر بْن شالخ بْن أرفخشد بْن سام. فَخَرَجَتْ عَادٌ وَعبيلُ، فَنَزَلَتْ عَادٌ الشِّحْرَ، وَنَزَلَتْ عَبِيلُ يَثْرِبَ، وَنَزَلَتْ عَمَالِيقُ صَنْعَاءَ وَمَا حَوْلَهَا، وَنَزَلَتْ أُمَيْمُ أَبَارَ وَمَضَى بَعْضُهُمْ مَعَ عَادٍ، وَمَضَتْ طسمُ وَجديسُ فَنَزَلُوا الْيَمَامَةَ، وَنَزَلَتْ ثَمُودُ الْحَجَرَ وَمَا وَالاهَا. فَهَلَكَتْ عَادٌ وَالْعَمَالِيقُ بِصَنْعَاءَ، وَتَحَوَّلَتِ الْعَمَالِيقُ فَنَزَلَتْ مَكَّةَ ثُمَّ مَضَى بَعْضُهُمْ إِلَى يَثْرِبَ، وَيَثْرِبَ اسْمُ رَجُلٍ مِنْهُمْ. قَالَ ابْنُ شَاهِينَ: وَحَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ علي، حدثنا القعنبي، حدثنا أبو مساكن بهذا الموضع، وأقاموا به، فسمى الموضع بهم، ثم أصابهم وباء، فمات الثمانون غير نوح وولده، فهو أبو البشر كلهم» .

стр. 223

ضَمْرَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ فِي زَمَانِ نُوحٍ يَنْتَسِبُ إِلَى خَمْسَةَ عَشْرَ أَبًا كُلُّهُمْ حَيٌّ. قَالَ الْعُلَمَاء: عاش نوح بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سَنَة عَلَى خلاف فِي عدد السنين [١] ، وكان جميع عُمَر نوح ألف سَنَة إلا خمسين عاما، ويقال أَكْثَر، وإنما ذَلِكَ مقدار لبثه فِي الإنذار والله أعلم. وَرَوَى أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: وَلَدَ نُوحُ سَامًا وَفِي وَلَدِهِ بَيَاضٌ وَأَدَمَةٌ، وَحَامًا وَفِي وَلَدِهِ سَوَادٌ وَبَيَاضٌ قَلِيلٌ، وَيَافِثَ وَفِيهِمُ [الشُّقْرَةُ] [٢] وَالْحُمْرَةُ، وَكَنْعَانَ وَهُوَ الَّذِي غَرِقَ، وَالْعَرَبَ تُسَمِّيهِ يَامًا [٣] . قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ ٣٧: ٧٧ [٤] ، قَالَ: لَمْ يبق إلا ذرية نوح [٥] . وَقَالَ قَتَادَة: النَّاس كلهم من ذرية نوح [٦] . ذكر خبر الْمَلِك المسمى بالضحاك [٧] وَهُوَ بيوراسب. لما قهر جما الْمَلِك ملك مكانه، وسار فِي الناس بجور شديد. وذكر بعض المؤرخين أَن نوحا بعث فِي زمان هَذَا الرجل إِلَيْهِ وإلى أَهْل مملكته مِمَّن تمرد وعصى، وأنهم هلكوا بمخالفته، فلذلك ذَكَرْنَا خبره هاهنا. كَانَ الضَّحَّاك عظيم المملكة. ويقال: أَن جما الْمَلِك زوج أخته من بعض أشراف أهل بيته، وملكه على اليمن، فولدت له الضحاك [٨] .

стр. 224

واليمن تدعيه وتزعم أَنَّهُ من أنفسها، وأنه الضَّحَّاك بْن علوان بْن عبيد بْن عويج، وأنه ملك على مصر أخاه سنان [١] بْن علوان، وَهُوَ أول الفراعنة، وأنه ملك مصر [حِينَ] [٢] قدمها الخليل. والفرس تنسب الضَّحَّاك غَيْر هَذَا النسب، فترفع نسبه إِلَى جيومرث، وقيل: كَانَ كثير الإقامة ببابل. وعامة المؤرخين ذكروا أَنَّهُ ملك الأقاليم السبعة كلها، وأنه كَانَ ساحرا فاجرا. قَالَ هِشَام بْن مُحَمَّد: ملك الضَّحَّاك بَعْد جم- فيما يزعمون- ألف سَنَة، وسار بالجور والقتل، وَكَانَ أَوَّل من سن الصلب والقطع، وأول من وضع العشور وضرب الدراهم، وأول من تغنى وغني لَهُ. ويقال أَنَّهُ خرج فِي منكبه سلعتان [٣] كانتا تضربان عَلَيْهِ حَتَّى يطليهما بدماغ إِنْسَان، وَكَانَ يقتل لِذَلِكَ فِي كُل يَوْم رجلين، ويطلي سلعتيه بدماغيهما، فَإِذَا فعل ذَلِكَ سكن مَا يجد [٤] . قَالَ الشيخ الإمام أَبُو الفرج: وَهَذَا الضَّحَّاك هُوَ الَّذِي غناه حبيب بْن أوس بقوله: بَل كَانَ كالضحاك فِي سطواته ... بالعالمين وأنت أفريدُونَ [٥] وأفريدُونَ من نسل جم الْمَلِك الَّذِي كَانَ [من] [٦] قبل الضَّحَّاك، ثم قدم إلى منزل الضحاك فاحتوى عليه وأوثق الضَّحَّاك، وسمي ذَلِكَ اليوم مهرجانا، وعلا أفريدُونَ سرير الْمَلِك. وَكَانَ عرض صدر الْمَلِك أفريدون أربعة أرماح [٧] .

стр. 225

والفرس تزعم أَن الْمَلِك لَمْ يكن إلا للبطن الَّذِي منه أوشهنج وجم وطهمورث، وأن الضَّحَّاك كَانَ غاصبا، غصب أَهْل الأَرْض بسحره [وخبثه] [١] . وَكَانَ عَلَى منكبيه ناتئتان، كُل واحدة كرأس الثعبان، فكان يسترهما ويزعم أنهما حيتان يقتضيانه الطعام، وكانتا تتحركان إِذَا جاع، وزعم أَنَّهُ نبي [٢] . وقيل: مَا زال النَّاس مَعَهُ فِي جهد حَتَّى وثب رجل اسمه كابي من أَهْل أصبهان كَانَ قَدْ قتل لَهُ ابنين، فجمع النَّاس لقتاله، فهرب الضَّحَّاك وولى مكانه أفريدُونَ فاحتوى عَلَى ملك الضَّحَّاك [٣] . وملك أفريدُونَ خمسمائة سنة، وكان عمر الضحاك ألف سنة، وملكه ستمائة سَنَة، وَقَدْ زعم بَعْض نسابي الفرس أَن أفريدُونَ هُوَ نوح الَّذِي قهر الضَّحَّاك وغلبه وسلبه ملكه. وَقَالَ قوم: أفريدُونَ هُوَ ذو الْقَرْنَيْنِ. وَقَالَ بَعْضهم: هُوَ سُلَيْمَان بْن دَاوُد، وقال الفرس: أفريدون من ولد جم الْمَلِك، وَهُوَ التاسع من ولده [٤] . وَكَانَ أفريدُونَ قَدْ أمر بالعدل ورد المظالم، وَهُوَ أول من نظر فِي النجوم والطب، وأول من ذلل الفيلة وامتطاها وقاتل بها الأعداء، واتخذ الأوز والحمام [٥] . وَكَانَ شديد القوة حسن الصورة، وعالج الدرياق، وَهُوَ أول من سمي بكي، وَكَانَ يقال لَهُ «كي أفريدُونَ» وَهِيَ كلمة معناها التنزيه، أي: هُوَ منزه متصل بالروحانية [٦] . وأنه ملك الأَرْض فقسمها بَيْنَ أولاد لَهُ ثلاثة، فوثب اثنان مِنْهُم عَلَى الثالث فقتلاه واقتسما الأرض فملكاها ثلاثمائة سَنَة. ثُمَّ بغى مِنْهُم طوج بْن أفريدُونَ، ثُمَّ نشأ لَهُ أفراسياب بْن ترك الَّذِي تنسب إليه الترك من ولد طوج.

стр. 226

ويقال: الضَّحَّاك هُوَ نمرود الخليل وأن الخليل ولد فِي زمانه، وأنه صاحبه الَّذِي أراد إحراقه. والله أعلم. ذكر أولاد نوح ﵇ [١] أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، أَن نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «سَامٌ أَبُو التُّرْكِ، وَحَامٌ أَبُو الْحُبْشِ، وَيَافِثُ أَبُو الرُّومِ» [٢] . وَقَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب: ولد نوح ثلاثة أولاد: سام، وحام، ويافث. فولد سام العرب وفارس والروم، وولد حام السودان والبربر والقبط، وولد يافث الترك والصقالبة، ويأجوج ومأجوج [٣] . وَقَالَ وهب بْن منبه: سام أَبُو العرب وفارس والروم، وحام أبو السود، ويافث أبو الترك وأبو يأجوج ومأجوج وَهُمْ بنو عم الترك [٤] . ويزعم أَهْل التوراة أَن نوحا نام فانكشفت عورته ورآها حام فلم يغطها، ورآها سام ويافث وألقيا عَلَيْهَا ثوبا، فلما انتبه علم بالحال، فدعا عَلَى أولاد حام أَن يكونوا عبيدا لإخوته [٥] . وَرَوَى أَبُو صَالِح عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لما ضاقت بولد نوح سوق ثمانين تحولوا

стр. 227

إِلَى بابل، فبنوها وَهِيَ بَيْنَ الفرات والصراة، وكانت اثني عشر فرسخا فِي اثني عشر فرسخا، وكثروا بها حَتَّى صاروا مائة ألف [١] . ذكر أولاد سام [٢] من أولاد سام: فارس وطسم/ وعمليق وَهُوَ أَبُو العماليق كلهم وإرم وأرفخشد، وأولاد أرفخشد الأنبياء والرسل وخيار النَّاس، والعرب كلها والفراعنة. ومن أولاد إرم: عابر وعوص، ومن ولد عابر ثمود وجديس، وكانوا عربا، وولد عوص عاد [٣] . وكانت طسم والعماليق وهاشم يتكلمون بالعربية، وفارس يتكلمون باللسان الفارسي وكانت العرب تقول لهذه الأمم العرب العاربة، لأنه لسانهم الَّذِي جبلوا عَلَيْهِ، وتقول لبني إِسْمَاعِيل العرب المتعربة، لأنهم كَانُوا يتكلمون بلسان هذه الأمم حَتَّى سكنوا بَيْنَ أظهرهم [٤] . وولد لعابر فالغ، ومعناه بالعربية قاسم، وإنما سمي بِذَلِكَ لأنه قسم الأَرْض بَيْنَ بَنِي نوح. وولد لعابر أَيْضًا أرغوا، وولد لأرغو ساروغ، وولد لساروغ ناخور، وولد لناخور تارخ أَبُو إِبْرَاهِيم الخليل [٥] . وولد لعابر أَيْضًا قحطان، وقحطان أول من ملك اليمن وأول من سلم عَلَيْهِ «أبيت اللعن» . وولد لقحطان يعرب، وولد ليعرب شجب سبأ، وسبأ هُوَ الَّذِي ينسب القبيلة الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ سبأ إِلَيْهِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُذْهِبِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو عبد الرحمن، حدثنا ابن لهيعة، عن

стр. 228

عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مسرةَ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَنَّ رَجُلا سَأَلَ رَسُولَ اللَّه ﷺ عَنْ سَبَأٍ مَا هُوَ؟ أَرْجُلٌ أَمُ امْرِأَةٌ أَمْ أَرْضٌ؟ قَالَ: «بَلْ هُوَ رَجُلٌ وُلِدَ لَهُ عَشْرَةٌ فَسَكَنَ الْيَمَنُ مِنْهُمْ سِتَّةً، وَبِالشَّامِ مِنْهُمْ أَرَبَعَةٌ، فَأَمَّا الْيَمَانِيِّونَ فمذحج وكندة والأزد والأشعرون وَأَنْمَارُ وَحِمْيَرُ. وَأَمَّا الشَّامِيَّةُ فَلَخْمٌ وَجُذَامٌ وَعَامِلَةُ وَغَسَّانُ» [١] . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّارُ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيْوَيَةَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَعْرُوفٍ، أَخْبَرَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الحكم النخعي، أَخْبَرَنَا أَبُو سَبْرَةَ النَّخْعِيِّ، عَنْ فَرْوَةَ بْنِ مسيك المرادي، قال: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلا أُقَاتِلُ مَنْ أَدْبَرَ مِنْ قَوْمِي بِمَنْ أَقْبَلَ مِنْهُم، قَالَ: «بَلَى» ، قَالَ: ثُمَّ بَدا لِي فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لا بَلْ أَهْلُ سَبَأٍ هُمْ أَعَزُّ وَأَشَدُّ قُوَّةً، فَأَذَنْ لِي فِي قِتَالِ سَبَأٍ، فَلَمَّا خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ أَنْزَلَ اللَّهُ في سبإ ما أنزل، فأرسل رسول الله إِلَى مَنْزِلِي فَوَجَدَنِي قَدْ سِرْتُ، فَرَدَّنِي، فَلَمَّا أَتَيْتُهُ وَجَدْتُهُ قَاعِدًا وَحَوْلَهُ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ: «ادْعُ الْقَوْمَ فَمَنْ أَجَابَكَ مِنْهُمْ فَاقْبَلْ وَمَنْ أَبَى وَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِ حَتَّى تُحَدِّثَ إِلِيَّ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قَوْمٍ: يَا رَسُولَ اللَّه، وَمَا سَبَأُ أَرْضٌ أَوِ امْرَأَةٌ؟ قَالَ: «لَيْسَتْ بِأَرْضٍ وَلا امْرَأَةٍ، وَلَكِنَّهُ رَجُلٌ وَلَدَ عَشْرَةً مِنَ الْعَرَبِ، فَأَمَّا سِتَّةٌ فَتَيَامَنُوا، أَمَّا أَرْبَعَةٌ فَتَشَامُوا. فَأَمَّا الَّذِينَ تَشَامُوا: فَلَخْمٌ، وَجُذَامٌ، وَغَسَّانُ، وَعَامِلَةُ. وَأَمَّا الَّذِينَ تَيَامَنُوا: فَالأَزْدُ، وَكِنْدَةُ، وَحِمْيَرُ، وَالأَشْعَرُونَ، وَأَنْهَارُ، وَمُذْحَجٍ» فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا أَنْمَارُ؟ قَالَ: «هُمُ الَّذِينَ مِنْهُم خَثْعَمٌ وَبَجِيلَةُ، وَالْفرسُ، وَالنَّبْطُ مِنْ أَوْلادِ سَامٍ أَيْضًا» [٢] . ذكر أولاد يافث [٣] من أولاده يونان، وولد ليونان نبطي ومن أولاده الروم. ومن أولاد يافث ملوك العجم كُلّهَا من الترك والخزر والفرس.

стр. 229

ذكر أولاد حام [١] مِنْهُم كوش، وولد لكوش نمرود المتجبر، وَهُوَ أول ملك ملك بَعْد الطوفان بثلاثمائة عام. وَعَلَى عهده قسمت الأَرْض وتفرق النَّاس والألسن. ونمرود الأخير من أولاد نمرود، هَذَا هُوَ الَّذِي ولد فِي زمن إِبْرَاهِيم الخليل. ومن أولاد حام تيرش، ومن أولاده الترك والخزر. وَمِنْهُم موعج، ومن أولاده يأجوج ومأجوج. وَمِنْهُم نوار [٢] ومن أولاده الصقالبة والنوبة والحبشة وأهل السواحل والهند والسند. ذكر الأحداث الَّتِي كانت بَيْنَ نوح وإبراهيم ﵉ فمن الأحداث: اقتسام أولاد نوح الأَرْض [٣] : وَقَدْ ذَكَرْنَا أَن يالغ بْن عامر قسم الأَرْض، فنزل بنو سام سرة الأَرْض [٤] ، وَهُوَ مَا بَيْنَ ساتيدما [٥] إلى البحر، وَمَا بَيْنَ اليمن إِلَى الشام، وجعل الله سبحانه فيهم النبوة والكتاب والجمال والأدمة والبياض، ونزل بنو حام مجرى الجنوب والدبور، وجعل اللَّه فيهم أدمة وبياضا قليلا ورفع عَنْهُم الطاعون. ونزل بنو يافث مجرى الشمال والصبا، وفيهم الحمرة والشقرة، وأخلى اللَّه أرضهم فاشتد بردها، وأخلى سماءهم، فليس يجري فوقهم شَيْء من النجوم السبعة الجارية، لأنهم صاروا تَحْتَ «بنات نعش» والجدي والفرقدين، وابتلوا بالطاعون. ثم لحقت عاد بالشّحر، فعليه هلكوا بواد يقال له «مغيث» .

стр. 230

ولحقت عبل، وَهُوَ عبل بْن عوص بْن آدَم صنعاء قبل أَن تسمى صنعاء، ثُمَّ انحدر بَعْضهم إِلَى يثرب فأخرجوا منها عبل فنزلوا موضع الجحفة، فأقبل سيل فاحتجفهم، فَذَهَبَ بهم فسميت الحجفة. ولحقت ثمود بالحجر، ولحقت طسم وجديس باليمامة، ولحقت بنو يقطن بْن عامر باليمن فسميت اليمن حيث تيامنوا إِلَيْهَا. ولحق قوم من بَنِي كنعان بالشام فسميت الشام حيث تشاموا، وكانت الشام يقال لَهَا أرض كنعان [١] . وكانت العماليق فِي بلدان شتى، وَكَانَ مِنْهُم بالمشرق إِلَى عمان، وبالبحرين طائفة، وكان بالشام ومصر ومكة والمدينة والحجاز ونجد مِنْهُم طائفة. والطائفة الَّتِي كانت مِنْهُم بالشام يقال لَهُمْ «الكنعانيون» وكانوا أَصْحَاب أوثان يعبدُونَها، وَهُمُ الجبابرة المعروفون. والطائفة الَّتِي كانت [٢] بمصر يقال لَهُمْ «الفراعنة» ، وَمِنْهُم فرعون يُوسُف، وَكَانَ اسمه الريان بْن الْوَلِيد، وفرعون موسى وَكَانَ اسمه وائل بْن مُصْعَب. وَكَانَ بمكة أَيْضًا طائفة مِنْهُم، وَكَانَ سيدهم بَكْر بْن مُعَاوِيَة، وَهُوَ الَّذِي نزل عَلَيْهِ وفد عاد حِينَ ذهبوا يستسقون لعاد، وَكَانَ مُعَاوِيَة هَذَا نازلا بظاهر مَكَّة خارجا من الحرم، وَكَانَ يتخذ مِنْهُم ناس يقال لَهُمْ: «بديل وراجل» . فكان بالمدينة مِنْهُم بنو حف وسعد بْن هزان وبنو مطر وبنو الأرزن، وَكَانَ ملك الحجاز مِنْهُم الْمَلِك الَّذِي يدعى الأرقم، وَكَانَ منزله تيماء، وكانت منازلهم المدينة إِلَى تيماء وإلى فدك. ومن الأحداث الَّتِي كانت بَعْد نوح عُبَادَة الأصنام: رَوَى الْبُخَارِي فِي أفراده من حَدِيث ابْن عَبَّاس، قَالَ: ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر أسماء قوم صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشَّيْطَان إِلَى قومهم أَن انصبوا في مجالسهم أنصابا وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد حَتَّى هلك أولئك، ونسخ العلم فعبدت، وصارت تلك الأوثان فِي العرب بَعْد. أما ود فكان لكلب بدومة الجندل، وَأَمَّا سواع فكان لهذيل، وَأَمَّا يغوث فكان لمراد بَنِي غطيف بالجرف، وَأَمَّا

стр. 231

يعوق فكان لهمدان، وَأَمَّا نسر فكان لحمير لآل ذي الكلاع [١] . ومن الأحداث بَيْنَ نوح وإبراهيم طغيان جَنِين من أولاد إرم: وهما: عاد بْن عوص بْن إرم بْن سام بْن نوح، وَهِيَ عاد الأولى، وثمود بْن جاثر ابن إرم، وَهُمْ كَانُوا العرب العاربة [٢] . ذكر قصة قوم عاد وكفرانهم [٣] لما تجبروا وعتوا وعبدوا الأوثان أرسل اللَّه تَعَالَى إليهم هود بْن عَبْد اللَّهِ بْن رباح بْن الخلود بْن عاد بْن عوص بْن إرم [بْن سام بْن نوح] [٤] . ومن النسابين من يَقُول: الخلود بضم الخاء واللام، كَذَلِكَ رأيته بخط المنادي، قال: ويقال بالجيم المكسورة، واللام المفتوحة. ومنهم من يَقُول هود هُوَ: عابر بْن شالخ بْن أرفخشد بْن سام بْن نوح. فدعاهم إِلَى التوحيد/ وترك الظلم، فكذبوه وَقَالُوا: من أشد منا قوة! فلم يؤمن مِنْهُم بهود إلا القليل، فبالغ فِي وعظهم فزادوا فِي طغيانهم إِلَى أَن قَالُوا: سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ من الْواعِظِينَ ٢٦: ١٣٦ [٥] . فحبس اللَّه عَنْهُم المطر ثَلاث سنين حَتَّى جهدوا فبعثوا إِلَى مَكَّة وفدا حتى يستسقي لهم مِنْهُم: قيل، ولقيم وجلهم، ومرثد بْن سَعْد، وَكَانَ يكتم إيمانه، ولقمان بْن عاد [٦] ، فنزلوا عَلَى بَكْر بْن مُعَاوِيَة فجعل يسقيهم الخمر وتغنيهم الجرادتان [٧] شهرا، ثُمَّ بعثوا آخر، فدعا فقال: اللَّهمّ إني لم أجئك لأسير

стр. 232

فأفاديه، ولا لمريض فأشفيه، فاسق عادا مَا كنت مسقيه. فرفعت لَهُ سحابة فنودي منها: اختر، فجعل يَقُول: اذهبي إِلَى بَنِي فُلان، واذهبي إِلَى بَنِي فُلان. فمرت سحابة سوداء، فقال: اذهبي إِلَى بَنِي فُلان، واذهبي إِلَى بَنِي فُلان. فمرت سحابة سوداء، فَقَالَ: اذهبي إِلَى عاد، فنودي منها: خذها رمادا، رمددا لا تدع من عاد أحدا. قَالَ: وكتمهم والقوم عِنْدَ بَكْر بْن مُعَاوِيَة يشربون. وَفِي رواية [١] : أَن بَكْر بْن مُعَاوِيَة لما رأى طول مقامهم عنده، قَالَ: هلك أخوالي وأصهاري، وَهَؤُلاَءِ ضيفي، وَمَا أدري مَا أصنع، واستحى أَن يأمرهم بالخروج [٢] ، فشكى ذَلِكَ إِلَى قينتيه الجرادتين، فقالتا لَهُ: قل شعرا نغنيهم بِهِ. قَالَ: [٣] : ألا يا قيل، ويحك قم فهينم ... لعل اللَّه يصبحنا [٤] غماما فيسقي أرض عاد، إِن عادا ... قَدْ أمسوا لا يبينون الكلاما من العطش الشديد، فليس نرجو ... بِهِ الشيخ الكبير ولا الغلاما وَقَدْ كانت نساؤهم بخير ... فَقَدْ أمست نساؤهم عياما وإن الوحش تأتيهم جهارا ... ولا تخشى لعادي سهاما وأنتم ها هنا فيما اشتهيتم ... نهاركم وليلكم التماما فقبح وفدكم من وفد قوم ... ولا لقوا التحية والسلاما! فلما سمعوا هَذَا قَالُوا: ويلكم ادخلوا الحرم فاستسقوا لقومكم، فَقَالَ مرثد: إنكم والله لا تسقون بدعائكم، ولكن إِن أطعتم نبيكم سقيتم. فَقَالَ جلهم: احبسوا هَذَا عنا ولا يقدمن معنا مكة، فَإِنَّهُ قَدِ اتبع دين هود. ثُمَّ خرجوا يستسقون، فنشأت سحابة وقيل لَهُ: اختر، فاختار سحابة سوداء، فساقها اللَّه تَعَالَى إِلَى عاد حَتَّى خرج عَلَيْهِم من واد لَهُمْ يقال له «مغيث» فلما رأوها

стр. 233

استبشروا بها، فقالوا: هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا ٤٦: ٢٤ [١] . فكان أول من رأى مَا فِيهَا امرأة مِنْهُم فصاحت وصعقت، فقيل لَهَا: مَا رأيت؟ قَالَتْ: ريحا فِيهَا كشهب النار، أمامها رجال يقودُونَها، فسخرها اللَّه عَلَيْهِم سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً ٦٩: ٧ [٢] . فاعتزل هود ومن مَعَهُ من الْمُؤْمِنيِنَ فِي حظيرة مَا يصيبه منها إلا مَا تلين الجلود، وتلتذ عَلَيْهِ النفوس، فكانت تقلع الشجر وتهدم البيوت، فمن لَمْ يكن فِي بيته هبت الريح حَتَّى تقطعه بالجبال، وكانت ترفع الظعينة مَا بَيْنَ السماء وَالأَرْض وترميهم بالحجارة. فوصل الخبر إِلَى الوفد، وكانوا قَدْ قيل لَهُمْ: قَدْ أعطيتم مناكم لدعائكم فاختاروا. فَقَالَ مرثد: يا رب، أعطني برا وصدقا، فأعطي ذَلِكَ. وقيل لقيل: مَا تريد؟ فَقَالَ: أَن يصيبني مَا أصاب قومي [٣] . وَقَالَ لقمان بْن عاد: أعطني عُمَر سبعة أنسر، فعمر عُمَر سبعة أنسر، يأخذ الفرخ حِينَ يخرج من البيضة، فيأخذ الذكر لقوته حَتَّى إِذَا مَات أخذ غيره، فلما لَمْ يبق غَيْر واحد، قَالَ لَهُ ابْن أخيه: يا عم مَا بقي من عمرك إلا عُمَر هَذَا النسر، فَقَالَ لقمان: هَذَا لبد- ولبد بلسانهم الدَّهْر- فلما انقضى عُمَر النسر طارت النسور، وَلَمْ ينهض فمات لقمان. ذكر قصة عجيبة للقمان بْن عاد [٤] أخبرتنا شهدة بنت أَحْمَد، قَالَتْ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّد بْن السراج، أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو عَبْد الله بن مُحَمَّد بْن سلامة القضاعي، أَخْبَرَنَا أَبُو مُسْلِم الكاتب، أَخْبَرَنَا ابْن دريد، حَدَّثَنَا العكلي، عَنْ ابن أَبِي خَالِد، عَنِ الهيثم، عَنْ مجاهد، عَنْ الشَّعْبِي، قَالَ: كَانَ لقمان بْن عاد عاديا الَّذِي عُمر عُمر سبعة أنسر مبتلى بالنساء، فكان يتزوج المرأة فتخونه حَتَّى تزوج جارية صغيرة لَمْ تعرف الرجال، ثُمَّ نقر لَهَا بيتا فِي صفح جبل، وجعل لَهُ درجة بسلاسل ينزل بها ويصعد، فَإِذَا خرج رفعت السلاسل، حتى

стр. 234

عرض لَهَا فتى من العماليق فوقعت فِي نَفْسه، فأتى بَنِي أَبِيهِ فَقَالَ: والله لأجتنين عليكم حربا لا تقومون بها، قَالُوا: وَمَا ذاك؟ قَالَ: امرأة لقمان بْن عاد، هِيَ أحب الناس إليّ. قالوا: فكيف نحتال لَهَا، قَالَ: اجمعوا سيوفكم ثُمَّ اجعلوني فيها وشدوها حزمة عظيمة، ثم ائتوا لقمان فقولوا: إنا أردنا أَن نسافر ونحن نستودع سيوفنا حتى نرجع، وسمّوا له يوما، ففعلوا وأقبلوا بالسيوف فدفعوها إِلَى لقمان، فوضعها فِي بيته وخرج لقمان وتحرك الرجل فحلت الجارية عَنْهُ، وَكَانَ يأتيها فَإِذَا أحست بلقمان جعلته بَيْنَ السيوف وحتى انقضت الأيام، ثُمَّ جاءوا إِلَى لقمان فاسترجعوا سيوفهم فرفع لقمان رأسه بعد ذلك، فإذا بنخامة يبوس فِي سقف الْبَيْت، فَقَالَ لامرأته: من نخم هذه؟ قَالَتْ: أنا، قَالَ: فتنخمي، ففعلت فلم تصنع شَيْئًا، فَقَالَ: يا ويلتاه السيوف دهتني، ثُمَّ رمى بها من ذروة الجبل، فتقطعت قطعا وانحدر مغضبا، فَإِذَا ابنة لَهُ يقال لَهَا «صحر» ، فَقَالَتْ لَهُ: يا أبتاه مَا شأنك؟ قَالَ: فأنت أَيْضًا من النِّسَاء، فضرب رأسها بصخرة فقتلها، فَقَالَتِ العرب: «مَا أذنبت إلا ذنب صحر» . فصار مثلا. قَالَ الْعُلَمَاء بالسير: كَانَ عُمَر هود مائة وخمسين سَنَة. وَقَدْ ذَكَرْنَا قصة عاد فِي تفسير الْقُرْآن العزيز [١] مستوفاة فاختصرناها هاهنا. ذكر قصة ثمود [٢] وكانوا قَدْ عتوا وكفروا باللَّه وأفسدوا فِي الأَرْض، وكانوا قَدْ مدت أعمارهم، وكانوا يسكنون الحجر إِلَى وادي القرى من الحجاز والشام، فكان أحدهم يبني المساكن من المدر فتنهدم والرجل مِنْهُم حي، فلما رأوا ذَلِكَ اتخذوا من الجبال بيوتا فنحتوها وجابوها وجوفوها. فبعث اللَّه تَعَالَى إليهم بَعْد هلاك قوم عاد صَالِح بْن عبيد بْن جاذر بْن جَابِر بن ثمود، ويقال: ابن جاثر بالثاء، فدعاهم إِلَى التوحيد فلم يزدهم دعاؤه إلا طغيانا،

стр. 235

فَقَالُوا: ائتنا بآية فَقَالَ اخرجوا إِلَى هضبة من الأرض، فخرجوا فإذ هِيَ تمخض تمخض الحامل، ثُمَّ انفرجت فخرجت من وسطها ناقة فَقَالَ. هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ (لَكُمْ آيَةً) فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ ٧: ٧٣ [١] . وكانت تشرب ماءهم يوما ويشربون يوما، ويحتلبونها فِي يَوْم شربها عوض مَا شربت. وَكَان صالح لا يبيت عندهم بَل فِي مَسْجِد لَهُ، فهموا بقتله فكمنوا لَهُ تَحْتَ صخرة يرصدُونَه فرضختهم الصخرة فأصبح النَّاس يقولون قتلهم صَالِح، فاجتمعوا عَلَى عقر الناقة، فذهبوا إِلَيْهَا وَهِيَ عَلَى حوضها قائمة، فضرب أحدهم- واسمه قدار بْن سالم- عرقوبها فوقعت تركض، فجاء الْخَبَر إِلَى صَالِح، فأقبل فأخذوا يعتذرون إِلَيْهِ ويقولون: إِنَّمَا عقرها فُلان. فَقَالَ: انظروا هل تدركون فصيلها فَإِن أدركتموه فعسى يرفع عنكم العذاب، فخرجوا وقد صعد إلى رأس الجبل، فلم يقدروا عَلَيْهِ فرغا ثلاثا، فَقَالَ صَالِح: لكل رغوة أجل يَوْم تمتعوا في داركم ثلاثة أَيَّام. ألا إِن آية العذاب أَن اليوم الأَوَّل تصبح وجوهكم مصفرة، [واليوم الثَّانِي محمرة واليوم] [٢] الثالث مسودة، فأصبحوا كأنما طليت وجوههم بالخلوق، صغيرهم وكبيرهم، ذكرهم وأنثاهم. فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم: ألا قَدْ مضى يَوْم من الأجل وحضركم العذاب. فلما أصبحوا إِذَا وجوههم محمرة كأنما خضبت بالدماء، فضجوا وبكوا وعرفوا آية العذاب/ فَلَمَّا أمسوا صاحوا: ألا قَدْ مضى يومان، فلما أصبحوا اليوم الثالث إِذَا وجوههم مسودة كأنما طليت بالقار، فتحنطوا بالصبر وتكفنوا بالأنطاع، ثُمَّ ألقوا نفوسهم بالأرض لا يدرون من أين يأتيهم العذاب، فلما أصبحوا فِي اليوم الرابع أتتهم صيحة من السماء فِيهَا صوت كُل صاعقة، فتقطعت قلوبهم فِي صدورهم وهلكوا. وَكَانَ مِنْهُم رجل بالحرم يقال لَهُ «أَبُو رغال» ، منعه الحرم من العذاب. وذكر أَن صالحا أقام فِي قومه عشرين سَنَة، وتوفي بمكة وَهُوَ ابْن ثمان وخمسين سنة. وقيل: بل عاش مائتي سَنَة وسبعين، ثُمَّ بعث اللَّه تَعَالَى بعده إِبْرَاهِيم الخليل. أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ الأَنْصَارِي [٣] ، أَخْبَرَنَا الْمُبَارَك بْن عَبْد الجبار، أخبرنا

стр. 236

مُحَمَّد بْن عَلِي بْن الفتح، أَخْبَرَنَا عَلِي بْن الْحُسَيْن بْن سُكَيْنَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَبِي الْقَاسِمِ بْن مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا عَلِي بْن أَحْمَد بْن أَبِي قيس حَدَّثَنَا عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد القرشي حَدَّثَنَا عَلِي بْن الْجَعْد، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَة، عَنِ الأَعْمَشُ، عَنْ سالم بْن أَبِي الجعد، قَالَ: كَانَ رجل فِي قوم صالح قد أذاهم، فقالوا: يا بني اللَّه ادع اللَّه عَلَيْهِ، فَقَالَ: اذهبوا فَقَدْ كفيتموه. وَكَانَ يخرج كُل يَوْم فيحتطب، فخرج يومئذ ومعه رغيفان فأكل أحدهما وتصدق بالآخرة فاحتطب ثُمَّ جاء بحطبه سالما، فجاءوا إِلَى صَالِح فَقَالُوا: لَقَدْ جاء بحطبه سالما لَمْ يصبه شَيْء. فدعاه صَالِح فَقَالَ: أي شَيْء صنعت اليوم؟ قَالَ: خرجت ومعي قرصتان فتصدقت بإحداهما وأكلت الأخرى، فَقَالَ لَهُ صَالِح: حل حطبك، فحله فَإِذَا فِيهِ أسود مثل الجذع عاض عَلَى جزل من الحطب، فَقَالَ لَهُ صَالِح: فهذا دفع عنك. يعني بصدقتك عَنِ الرغيف. وَكَانَ بَيْنَ نوح وإبراهيم دانيال الأكبر [١] فأما دانيال الأصغر فكان فِي زمان نصر. أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدَّلُ، أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أحمد ابن البراء، قال: أخبرنا الفضل بن غانم، قال: حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ، عَنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عباس، قال: أَوْحَى اللَّه إِلَى دَانِيَالِ الأَكْبَرَ أَنْ يُجْرِي لِعِبَادِي نَهْرَيْنِ وَاجْعَلْ مَفِيضَهُمَا الْبَحْرَ، فقد أَمَرْتُ الأَرْضَ أَنْ تُعْطِيَكَ، قَالَ: فَأَخَذَ قَنَاةً أَوْ قَصَبَةً فَجَعَلَ يَخُدُّ فِي الأَرْضِ وَيُتْبِعُهُ الْمَاءَ، وَإِذَا مَرَّ بِأَرْضِ شَيْخٍ كَبِيرٍ أَوْ يَتِيمٍ نَاشَدَهُ اللَّهَ فَيَحِيدُ عَنْ أَرْضِهِ، فَعَوَاقِيلُ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ ذَكَرْنَا مثل هَذَا الْحَدِيث فِي أول الكتاب [٢] . أَنْبَأَنَا مُحَمَّد بن ناصر الحافظ، قَالَ: أنبأنا جَعْفَر بْن أَحْمَد السراج، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّهِ بْن عُمَر بْن شاهين، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن زَكَرِيَّا، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن زَيْد، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْد بْن الحباب، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْن سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي عمران الحوفي، قَالَ: كَانَ أنف دانيال ذراعا.

стр. 237

بَاب ذكر إِبْرَاهِيم الخليل ﵇ [١] هُوَ: إِبْرَاهِيم بْن تارخ بْن ناحور بْن ساروغ بْن أرغو بْن فالغ بْن عابر بْن شالخ بن قينان بن أرفخشد بْن سام بْن نوح. قَالَ الزُّبَيْر بْن بكار: ويقولون إِبْرَاهِيم بْن آزر بْن الناحور بْن الشارغ بْن الْقَاسِمِ، الَّذِي قسم الأَرْض بَيْنَ أهلها، ابْن يعبر بْن السالح بْن سنحاريب. واسم أمه نونا [٢] بنت كرنبا بْن كوثا من بَنِي أرفخشد بْن سام. وكرنبا هُوَ الَّذِي كرى نهر كوثا. وَكَانَ بَيْنَ الطوفان وإبراهيم ألف سَنَة وتسع وتسعون سَنَة. وَقِيلَ: ألف ومائتا سَنَة وثلاث وستون، وَذَلِكَ بَعْد خلق آدَم بثلاثة آلاف سَنَة وثلاثمائة وثلاثين سَنَة. وَقَدْ رَوَى أَبُو أُمَامَةُ أَنَّ رجلا سأل رسول الله ﷺ ، فَقَالَ: كَمْ بَيْنَ نُوحٍ وِإْبَرَاهِيمَ؟ فَقَالَ: عَشْرَةُ قُرُونٍ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْبَاقِي، أَخْبَرَنَا الْجَوْهَرِيُّ، أخبرنا ابن حيويه، أخبرنا أحمد بن معروف، أخبرنا الحارث بن أبي أسامة، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عبد الله الأسدي، حدثنا سُفْيَان بْن سَعْد، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عكرمة، قال: كان إبراهيم الخليل يكنى أبا الأضياف [٣] .

стр. 238

واختلفوا فِي المكان الَّذِي ولد فِيهِ، فَقَالَ بَعْضهم: ولد فِي بابل من أرض السواد، وَقَالَ بَعْضهم: بالسواد بناحية كوثى، وَقَالَ بَعْضهم: ولد [بالسوس] [١] من أرض الأهواز. وقيل: كَانَ بناحية كسكر ثُمَّ نقله أبوه إِلَى ناحية كوثى، وَهِيَ المكان الَّذِي كَانَ بِهِ نمرود. وقيل: كَانَ مولده بحرّان، ولكن أباه نقله إِلَى أرض بابل [٢] . وعامة العلماء على أَن الخليل ولد فِي عهد نمرود بْن كنعان بْن سنحاريب بْن نمرود بْن كوش بْن حام. وَكَانَ نمرود هَذَا قَدْ ملك الشرق والغرب. وَبَعْض المؤرخين يَقُول: نمرود هَذَا هُوَ الضَّحَّاك، وَهُوَ الَّذِي أراد إحراق الخليل، وَقَدْ سبق ذكره. قَالَ السدي عَنْ أشياخه: أول ملك ملك الأَرْض شرقها وغربها نمرود بن كنعان. وكانت الملوك الذين ملكوا الأَرْض كلها [أربعة:] نمرود، وسليمان بْن داود، وذو القرنين، ونصر [٣] . قَالَ الْعُلَمَاء بالسير [٤] : لَمْ يكن بَيْنَ نوح وإبراهيم نبي إلا هود وصالح، فلما أراد الله تعالى إظهار إِبْرَاهِيم قَالَ المنجمون لنمرود: إنا نجد فِي علمنا أَن غلاما يولد فِي قريتك هذه يقال لَهُ إِبْرَاهِيم يفارق دينكم ويكسر أوثانكم فِي شَهْر كَذَا وكذا من سَنَة كَذَا وكذا، فَلَمَّا دخلت السنة المذكورة بعث نمرود إِلَى كُل امرأة حاملة بقريته فحبسها عنده وَلَمْ يعلم بحمل أم إِبْرَاهِيم، فجعل لا يولد غلام فِي ذَلِكَ الشهر إلا ذبحه. فلما وجدت أم إِبْرَاهِيم الطلق خرجت ليلا إِلَى مغارة ثُمَّ ولدت إِبْرَاهِيم فِيهَا وأصلحت من شأنه ثُمَّ سدت عَلَيْهِ المغارة ثُمَّ رجعت إِلَى بيتها وكانت تطالعه فِي المغارة لتنظر مَا فعل، فتجده يمص إبهامه- قَدْ جعل اللَّه رزقه فِي ذَلِكَ، وَكَانَ آزر قد سألها عن حملها، فقالت: ولدت غلاما فمات فسكت عَنْهَا. فكان إِبْرَاهِيم يشب فِي شَهْر شباب سَنَة. فلما تكلم قَالَ لأمه: أخرجيني أنظر، فنظر وَقَالَ: إِن الَّذِي رزقني وأطعمني ما لي

стр. 239

رب غيره، ثُمَّ رأى كوكبا ثُمَّ رأى الشمس فَقَالَ مَا قصه اللَّه تَعَالَى عَلَيْنَا. ثُمَّ ذهبت بِهِ أمه إِلَى أَبِيهِ فأخبرته مَا صنعت بِهِ فسر بسلامته. وَكَانَ آزر يصنع الأصنام وَيَقُول لإبراهيم: بعها، فَيَقُول إِبْرَاهِيم: من يشتري مَا يضره ولا ينفعه؟ فشاع بَيْنَ النَّاس استهزاؤه بالأصنام، ثُمَّ أراد أَن يادي إِبْرَاهِيم قومه بالمخالفة، فخرجوا إِلَى عيد لَهُمْ فقال: إِنِّي سَقِيمٌ ٣٧: ٨٩ [١] فلما ذهبوا، قال: لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ ٢١: ٥٧ [٢] . فسمعها بَعْضهم، ثُمَّ دَخَلَ إِبْرَاهِيم إِلَى بَيْت الآلهة وَقَدْ جعلوا بَيْنَ يديها طعاما، فَقَالَ: ألا تأكلون؟ فلما لَمْ يجبه أحد، قَالَ: مَا لكم لا تنطقون! فراغ عَلَيْهِم ضربا باليمين، ثُمَّ علق الفأس في عنق الصنم الأكبر ثُمَّ خرج. فلما رجع الْقَوْم قالوا: من فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا ٢١: ٥٩ ثم ذكروا فقالوا: سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ ٢١: ٦٠ [٣] أي: يسبهم، فجاءوا بِهِ إِلَى ملكهم نمرود، فقال: أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا ٢١: ٦٢ ... يَا إِبْراهِيمُ. قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا ٢١: ٦٢- ٦٣ [٤] غضب أَن تعبد مَعَهُ هذه الصغار وَهُوَ أكبر منها، فكسرهن، فَقَالُوا: مَا نراه إلا كَمَا قَالَ، فَقَالَ لَهُ نمرود: فَمَا إلهك الَّذِي تعبد؟ قَالَ: ربي الَّذِي يَحْيَى ويميت، قَالَ نمرود: أنا أحيي وأميت، آخذ رجلين قد استوجبا القتل في حكمي فأقتل أحدهما فأكون قد أمته، وأعفو عَنِ الآخر فأكون قَدْ أحييته، فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيم/: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ ٢: ٢٥٨ [٥] فبهت عِنْدَ ذَلِكَ نمرود وحبسه سبع سنين [٦] . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الأَصْبَهَانِيُّ، حَدَّثَنَا أبو أَحْمَدُ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سِيبَوَيْهِ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: جُوِّعَ لإِبْرَاهِيمَ ﵇ أَسَدَانِ ثُمَّ أُرْسِلا عَلَيْهِ، فَجَعَلا يَلَحَسَانِهِ وَيَسْجُدَانِ لَهُ. قَالَ عُلَمَاَءُ السَّيْرِ: ثُمَّ أَجْمَعَ نَمْرُودُ وقومه على تحريقه، فقالوا: أحرقوه.

стр. 240

ذكر قصة إلقائه فِي النار [١] قَالَ شُعَيْب بْن الجبائي: إِن الَّذِي قَالَ حرقوه خسف بِهِ الأَرْض فَهُوَ يتجلجل فِيهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. وألقي إِبْرَاهِيم فِي النار وَهُوَ ابْن ست عشرة سَنَة [٢] . قَالَ علماء السير: أمر نمرود بجمع الحطب فجمعوا، حَتَّى إِن كانت المرأة [لتنذر] [٣] فِي بَعْض مَا تطلب مِمَّا تحب إِن قَالَتْ كَذَا، لتحتطبن عَلَى نار إِبْرَاهِيم احتسابا فِي دينها، فلما أوقدوا النار أجمعوا عَلَى قذفه فِيهَا، قَالَتِ الخلائق: أي ربنا! إِبْرَاهِيم لَيْسَ فِي أرضك أحد يعبدك غيره يحرق بالنار فيك! فأذن لنا فِي نصرته. قَالَ: فَإِن استغاث بشيء منكم فأغيثوه، وإن لَمْ يدع غيري فأنا وليه، فلما ألقي فِي النار قَالَ: يَا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ ٢١: ٦٩ [٤] . وجاء جبرئيل وإبراهيم موثق، قَالَ: ألك حاجة؟ قَالَ: أما إليك فلا [٥] . قَالَ كعب: مَا أحرقت النار إلا وثاقه [٦] . قَالَ عَبْد اللَّهِ بْن عَمْرو: أول كلمة قالها إِبْرَاهِيم حِينَ طرح فِي النار: حسبي اللَّه ونعم الوكيل. قَالَ السدي عَنْ أشياخه [٧] : رفع إِبْرَاهِيم رأسه إِلَى السماء، وَقَالَ: اللَّهمّ أَنْتَ الْوَاحِد فِي السماء، وأنا الْوَاحِد فِي الأَرْض، لَيْسَ [فِي الأَرْض أحد] [٨] يعبدك غيري، حسبي اللَّه ونعم الوكيل، فقذفوه [فِي النار] [٩] ، فَقَالَ: يَا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ ٢١: ٦٩ [١٠] .

стр. 241

قَالَ ابْن عَبَّاس: لو لَمْ يتبع بردها سلاما لمات إِبْرَاهِيم من بردها وَلَمْ تبق نار يَوْمَئِذٍ فِي الأَرْض إلا طفئت، ظنت أَنَّهَا هِيَ الَّتِي تعنى. فلما طفئت النار نظروا إِلَى إِبْرَاهِيم فَإِذَا هُوَ ورجل آخر مَعَهُ، فَإِذَا رأس إِبْرَاهِيم فِي حجره يمسح عَنْ وجهه العرق وذكروا أَن ذَلِكَ الرجل هُوَ ملك الظل، فأخرجوا إِبْرَاهِيم وأدخلوه عَلَى الْمَلِك [١] . وَقَالَ ابْن إِسْحَاق [٢] : بعث اللَّه ملك الظل فقعد مَعَ إِبْرَاهِيم يؤنسه، فمكث نمرود أياما لا يشك أَن النار قَدْ أكلت إِبْرَاهِيم [ثُمَّ ركب فنظر فَإِذَا إِبْرَاهِيم] [٣] وإلى جنبه رجل جالس، فناداه نمرود: يا إِبْرَاهِيم، كبير إلهك الَّذِي بلغت قدرته أَن حال بَيْنَ مَا أرى وبينك، هل تستطيع أَن تخرج منها؟ فقام إِبْرَاهِيم يمشي حَتَّى خرج، فَقَالَ لَهُ: يا إِبْرَاهِيم، من الرجل الَّذِي رأيت معك؟ قال: ملك الظل، أرسله ربي ليؤنسني. فَقَالَ: إني مقرب إِلَى إلهك قربانا لما رأيت من قدرته، فَقَالَ: إنه لا يقبل منك مَا كنت عَلَى دينك، فَقَالَ: لا أستطيع ترك ملكي، ولكن سوف أذبحها لَهُ، فذبح أربعة آلاف بقرة [٤] ، وكف عَنْ إِبْرَاهِيم. واستجاب لإبراهيم رجال من قومه لما رأوا من تلك الآية عَلَى خوف من نمرود، فأمن لَهُ لوط- وَكَانَ ابْن أخيه- وَهُوَ لوط بْن هاران بْن تارخ، وهاران أَخُو إِبْرَاهِيم، وَهُوَ الَّذِي بنى مدينة حران وإليه تنسب. وآمنت بِهِ سارة وَهِيَ ابنة عمه فتزوجها [٥] . قَالَ السدي عَنْ أشياخه [٦] : لما انطلق إِبْرَاهِيم ولوط إِلَى الشام لقي إِبْرَاهِيم سارة وَهِيَ بنت ملك حران وَقَدْ طعنت عَلَى قومها فِي دينهم، فتزوجها عَلَى أن لا يغيرها.

стр. 242

ومن الأحداث فِي زمن الخليل ﵇ [١] أَنَّهُ دعا أباه آزر إِلَى الإيمان، فَقَالَ: يا أبت لَمْ تعبد مَا لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شَيْئًا، فأبى أبوه أَن يطيعه، فأعرض عَنْهُ إِبْرَاهِيم، وَقَدْ كَانَ إِبْرَاهِيم يجاهده. وَقَالَ أَبُو الْحَسَن بْن البراء: كان لإبراهيم ثلاثمائة يقاتلون بالعصي. وَلَمْ يحارب من الأنبياء إلا هُوَ، وموسى، وَدَاوُد، ومحمد ﵈ [٢] . ومن الأحداث هجرة الخليل ﵇ [٣] وَذَلِكَ أَن إِبْرَاهِيم ومن مَعَهُ من أَصْحَابه الْمُؤْمِنيِنَ أجمعوا عَلَى فراق قومهم، فخرج إِبْرَاهِيم مهاجرا إِلَى ربه ، وخرج مَعَهُ لوط مهاجرا، وسارة زوجته. وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ تزوجها فِي طريق هجرته بحران، وخرج بها من حران حَتَّى قدم مصر وبها فرعون من الفراعنة الأَوَّل. وكانت سارة أَحْسَن النَّاس، فلما وصف لفرعون حسنها بعث يطلبها [٤] . أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بن الحصين، أخبرنا الحسن بن عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : «دَخَلَ إِبْرَاهِيم قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ مِنَ الْمُلُوكِ- أَوْ جبار مِنَ الْجَبَابِرَةِ، فَقِيلَ: دَخَلَ إِبْرَاهِيمُ اللَّيْلَةُ بِامْرَأَةٍ مِنْ أَحْسَنَ النَّاسِ. قَالَ: فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ: مَنْ هَذِهِ مَعَكَ؟ قَالَ: أُخْتِي، قَالَ: أَرْسِلْ بِهَا، قَالَ: فَأَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ، وَقَالَ: لا تُكَذِّبِي قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ أَخْبَرْتُ أَنَّكِ أُخْتِي، أَنْ لَيْسَ عَلَى الأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرَكِ، قَالَ: فلما دخلت إليه قام إليها. قال: فَأَقَبْلَتْ تُصَلِّي وَتَقُولُ: اللَّهمّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أني آمنت بك وبرسولك، وأحصنت فرجي إلا عَلَى زَوْجِي فَلا تُسَلِّطُ عَلِيَّ الْكَافِرَ. قَالَ: فغطّ حتى ركض برجله [٥] .

стр. 243

قَالَ أَبُو الزناد: قَالَ أَبُو سلمة، عَنْ أبي هريرة: أنها قَالَتْ: اللَّهمّ إِن يمت قيل هِيَ قتلته. قال: فأرسل ثُمَّ قام إِلَيْهَا فقامت تصلي وتقول: اللَّهمّ إن كنت تعلم أني آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط عَلِي هَذَا الكافر. قَالَ: فغط حَتَّى ركض برجله. قال أبو الزناد: قال أبو سلمة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَة: قَالَتْ: اللَّهمّ إِن يمت قيل هِيَ قتلته، فأرسل. قَالَ: فَقَالَ فِي الثالثة أَوِ الرابعة: مَا أرسلتم إلا شيطانا، أرجعوها إِلَى إِبْرَاهِيم وأعطوها هاجر. قَالَ: فرجعت إِلَى إِبْرَاهِيم فَقَالَتْ لإبراهيم: أشعرت أَن اللَّه رد كيد الكافر وأحذم وليدة. قَالَ ابْن إِسْحَاق: وكانت هاجر جارية ذَات هيئة فوهبتها سارة لإبراهيم، وَقَالَتْ: إني أراها [امرأة] [١] وضيئة فخذها لعل اللَّه أَن يرزقك منها ولدا، وكانت سارة قَدْ منعت الولد، فوقع عَلَيْهَا فولدت لَهُ إِسْمَاعِيل. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا فتحتم مصر فاستوصوا بأهلها فَإِن لَهُمْ ذمة ورحما» . قَالَ الزهري: الرحم أَن أم إِسْمَاعِيل كانت مِنْهُم. ثُمَّ إِن إِبْرَاهِيم خرج من مصر إِلَى الشام فنزل السبع من أرض فلسطين، ونزل لوط بالمؤتفكة، وهي من السبع عَلَى مسيرة يَوْم وليلة أَوْ أقرب. فبعثه اللَّه نبيا. وأقام إِبْرَاهِيم بِذَلِكَ المقام فاحتفر بِهِ بئرا فكانت غنمه تردها، واتخذ بِهِ مسجدا، ثُمَّ إِن أهلها آذوه فخرج حَتَّى نزل بناحية فلسطين فنضب ماء تلك البئر الَّتِي احتفرها، فندم أَهْل ذَلِكَ المكان عَلَى مَا صنعوا وَقَالُوا: أخرجنا من بَيْنَ أظهرنا رجلا صالحا ولحقوه فسألوه أَن يرجع، قَالَ: مَا أنا براجع إِلَى بلد أخرجت منه، قَالُوا: فَإِن الماء الَّذِي كنت تشرب منه ونحن معك قَدْ نضب، فأعطاهم سبع أعنز من غنمه، وَقَالَ: أوردوها الماء تظهر ولا تغرفن منها حائض. [فخرجوا بالأعنز فلما وقفت عَلَى البئر] [٢] ظهر إِلَيْهَا الماء. وَكَانَ اللَّه تَعَالَى قَدْ أوسع عَلَى إِبْرَاهِيم وبسط لَهُ فِي الرزق والخدم، وَكَانَ يضيف

стр. 244

كُل من نزل بِهِ، وَهُوَ أول من أضاف الضيف وأول من ثرد الثريد وأول من رأى الشيب. وَرَوَى عيسى بْن يُونُس، عَنْ....، عَنْ سَعْد بْن إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أول من خطب عَلَى المنابر إِبْرَاهِيم ﵇. [١] ومن الحوادث أَن سارة لما وهبت هاجر لإبراهيم ليتسرى بها ولدت إِسْمَاعِيل وَهُوَ أكبر ولد إِبْرَاهِيم فغارت سارة فأخرجتها وحلفت لتقطعن منها بضعة فخفضتها [٢] ، ثُمَّ قَالَتْ: لا تساكنّي فِي بلد. فأوحى اللَّه تَعَالَى إِلَى إِبْرَاهِيم أَن يَأْتِي مَكَّة، فَذَهَبَ بها وبابنها إِلَى مَكَّة [٣] . وزعم السدي عَنْ أشياخه: أَن سارة حملت بَعْد هاجر وأنهما ولدتا وكبر الولدان فاقتتلا. وَلَيْسَ هَذَا بصحيح، لأن إِسْمَاعِيل إِنَّمَا خرج وَهُوَ مرضع [٤] . ومن الحوادث خروج إِبْرَاهِيم إِلَى مَكَّة بإسماعيل وهاجر [٥] وَرَوَى ابْن إِسْحَاق عَنْ أشياخه: أَن إِبْرَاهِيم [خرج] [٦] ومعه جبرئيل، فكان لا يمر بقرية إلا قال: بهذه أمرت يا جبرئيل؟ فَيَقُول جبرئيل: امضه، حَتَّى قدم بِهِ مَكَّة وَهِيَ ذَات عضاء وسلم وسمر، وبها أناس يقال لَهُمْ العماليق خارج مَكَّة وحولها، والبيت يومئذ ربوة حمراء، فقال لجبرئيل: أهاهنا [أمرت] [٧] أَن أضعهما؟ قَالَ: نعم، فعمد بهما إلى موضع الحجر فأنزلهما فيه، وأمر هاجر أَن تتخذ فِيهِ عريشا، ثُمَّ انصرف إلى الشام فتركهما [٨] .

стр. 245

أخبرنا عبد الأول، أخبرنا ابن طلحة الدراوردي، أخبرنا ابن أعين السرخسي، حدثنا أبو عبد الله الفربري، حدثنا البخاري، حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ، وَكَثِيرُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ. ابن أبي وداعة- يزيد أحدهما على الآخر- عن سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَوَّلُ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ الْمَنْطِقَ مِنْ قِبَلِ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ، اتَّخَذَتْ مَنْطِقًا لِتُعْفِيَ أَثَرَهَا عَلَى سَارَةَ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُرْضِعُهُ حَتَّى وَضَعَهَا عِنْدَ الْبَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى الْمَسْجِدِ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ، فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ، ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ، فَقَالَتْ: يَا إِبْرَاهِيمُ أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ أَنِيسٌ ولا شيء، فقالت له ذلك مرارا وَجَعَلَ لا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ: اللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: إِذًا لا يُضَيِّعُنَا. ثُمَّ رَجَعَتْ فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنْيَةِ حَتَّى لا يَرَوْهُ، اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْتَ، دَعَا بِهَؤُلاءِ الدَّعَوَاتِ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ١٤: ٣٧ حتى بلغ يَشْكُرُونَ ١٤: ٣٧ [١] . وَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ [تُرْضِعُ ابْنَهَا] [٢] وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي ماء السقاء عطشت وَعَطِشَ ابْنُهَا، وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى- أَوْ قَالَ: يَتَلَبَّطُ- فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَوَجَدَتِ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الأَرْضِ يَلِيهَا، فَقَامَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الْوَادِيَ تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أَحَدًا، فَلَمْ تَرْ أَحَدًا، فَهَبَطَتْ مِنَ الصَّفَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْوَادِيَ رَفَعَتْ طَرْفَ درعها ثم سعت سعي الإنسان الْمَجْهُودِ حَتَّى جَاوَزَتِ الْوَادِيَ، ثُمَّ أَتَتِ الْمَرْوَةَ وَقَامَتْ عَلَيْهَا وَنَظَرَتْ هَلْ تَرَى أَحَدًا [فَلَمْ تر أحدا] [٣] ، ففعلت ذلك سبع مرات.

стр. 246

قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : «فَلِذَلِكَ سَعَى النَّاسُ بَيْنَهُمَا» . فلما أشرفت عَلَى المروة سمعت صوتا، فَقَالَتْ: صه- تريد نفسها- ثُمَّ تسمعت فسمعت أَيْضًا، فَقَالَتْ: قد أسمعت إِن كَانَ عندك غواث، فَإِذَا هِيَ بالملك عِنْدَ موضع زمزم فبحث بعقبه- أَوْ قال: بجناحه- حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا، وجعلت، تغرف من الماء فِي سقائهما وَهُوَ يفور بعد ما تغرف. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ الْمَاءِ لَكَانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا» . قَالَ: فشربت وأرضعت ولدها، فَقَالَ لها الملك: لا تخافوا الضيعة فإن هاهنا بيتا للَّه يبنيه هَذَا الغلام وأبوه، وإن اللَّه لا يضيع أهله، وَكَانَ الْبَيْت مرتفعا من الأَرْض كالرابية، وتأتيه السيول فيأخذ عَنْ يمينه وعن شماله، فكانت كَذَلِكَ حَتَّى مرت بهم رفقة من جرهم مقبلين من طريق كداء، فنزلوا فِي أسفل مَكَّة، فرأوا طائرا عائفا، فقالوا ان هذا الطائر ليدور عَلَى ماء لعهدنا بِهَذَا الوادي وَمَا فِيهِ ماء. فأرسلوا جريا أَوْ جريين فَإِذَا هُمْ بالماء، فَقَالَ: أتأذنين لنا أَن ننزل عندك؟ فَقَالَتْ: نعم، ولكن لا حق لكم فِي الماء. قَالُوا: نعم. قَالَ ابْن عَبَّاس: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فألفى ذَلِكَ أم إِسْمَاعِيل وَهِيَ تحب الإنس، فنزلوا وأرسلوا إِلَى أهاليهم [فجاءوا] [١] فنزلوا معهم حَتَّى إِذَا كَانَ بها أَهْل أبيات مِنْهُم، وشب الغلام وتعلم العربية مِنْهُم وأنسهم وأعجبهم حِينَ شب، فلما أدرك زوجوه امرأة مِنْهُم. وماتت أم إسماعيل فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إِسْمَاعِيل يطالع تركته فلم يجد إِسْمَاعِيل، فسأل امرأته عَنْهُ، فَقَالَتْ: خرج يبتغي لنا، ثُمَّ سألها عَنْ عيشهم وهيئتهم، فَقَالَتْ: نحن بشر، [نحن] [٢] فِي ضيق وشدة، فشكت إِلَيْهِ. فَقَالَ: إِذَا جاء زوجك فاقرئي ﵇ وقولي لَهُ يغير عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئا، فقال:

стр. 247

هَلْ جاءكم من أحد؟ قَالَتْ: نعم جاءنا شيخ [من صفته] [١] كَذَا وكذا فسألني عنك فأخبرته، فسألني كَيْفَ عيشنا فأخبرته أنا فِي جهد وشدة، قَالَ: فهل أوصاك بشيء؟ قَالَتْ: نعم أمرني أَن أقرأ عليك السَّلام وَيَقُول لَكَ: غَيْر عتبة بابك. قَالَ: ذَلِكَ أَبِي وقد أمرني أن أفارقك، فالحقي بأهلك، فطلقها، وتزوج مِنْهُم أُخْرَى. فلبث عَنْهُ إِبْرَاهِيم مَا شاء اللَّه، ثُمَّ أتاهم فلم يجده، فدخل على امرأته فسألها عَنْهُ، فَقَالَتْ خرج يبتغي لنا، قَالَ: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم؟ فقالت: نحن بخير وسعة وأثنت عَلَى اللَّه، فَقَالَ: مَا طعامكم؟ قَالَتْ: اللحم، قَالَ: فَمَا شرابكم؟ قَالَتْ: الماء، قَالَ: اللَّهمّ بارك لَهُمْ فِي اللحم والماء. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَلَمْ يكن لَهُمْ يَوْمَئِذٍ الحب، ولو كَانَ لدعا لَهُمْ فِيهِ بالبركة» . قَالَ: فهما لا يخلوا عليهما أحد بغير ملة إلا يوافقاه. قَالَ: فَإِذَا جاء زوجك فاقرئي ﵇ ومريه أَن يثبت عتبة بابه. فلما جاء إِسْمَاعِيل، قَالَ: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عَلَيْهِ فسألني كَيْفَ عيشنا فأخبرته أنا بخير، قَالَ: أفأوصاك بشيء؟ قَالَتْ: نعم، هُوَ يقرأ عليك السَّلام، ويأمرك أَن تثبت عتبة بابك، فَقَالَ: ذاك أبي، وأنت العتبة، أمرني أَن أمسكك. ثُمَّ جاء بَعْد ذَلِكَ وإسماعيل يبري نبلا تَحْتَ دوحة قريبا من زمزم، فلما رآه قام إِلَيْهِ وصنعا كَمَا يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد، ثُمَّ قَالَ: يا إِسْمَاعِيل إِن اللَّه قَدْ أمرني بأمر، قَالَ: فاصنع مَا أمرك [ربك] [٢] ، قَالَ: أوتعينني؟ قَالَ: وأعينك، قَالَ: فَإِن اللَّه أمرني أن أبني ها هنا بيتا، وأشار إِلَى أكمة مرتفعة عَلَى مَا حولها. قَالَ: فعند ذَلِكَ رفعا القواعد من الْبَيْت، فجعل إِسْمَاعِيل يَأْتِي بالحجارة وإبراهيم يبني حَتَّى إِذَا ارتفع البناء جاء بِهَذَا الحجر فوضعه، وقام عَلَيْهِ يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ٢: ١٢٧ [٣] . انفرد بإخراجه البخاري [٤] .

стр. 248

وَقَدْ رَوَى عَطَاء بْن السائب، عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذَا الْحَدِيث: أَن زوجة إِسْمَاعِيل الثَّانِيَة قَالَتْ لإبراهيم لما قدم: انزل رحمك اللَّه حَتَّى أغسل رأسك [فقد شعث] [١] ، فلم ينزل بِهِ فجاءته بالمقام فوضعته عَنْ شقه الأيمن فوضع قدمه عَلَيْهِ [فبقي أثر قدمه عَلَيْهِ] [٢] فغسلت شق رأسه الأيمن، ثُمَّ حولت المقام إِلَى شقه الأيسر [فغسلت شقه الأيسر] [٣] . فَقَالَ لها: إذا جاء زوجك فاقرئيه السَّلام وقولي لَهُ: قَدِ استقامت عتبة بابك. ومن الحوادث أمر اللَّه الخليل ببناء الْبَيْت [٤] قَدْ ذَكَرْنَا أَن إِبْرَاهِيم ﵇ قدم مَكَّة بهاجر وإسماعيل، فوضعهما هنالك، ثم قدم لزيارة ابنه/ ثَلاث مرات، فلقيه فِي الثالثة، وَقَالَ لَهُ: إِن اللَّه قَدْ أمرني أَن أبني بيتا هاهنا. وَقَدْ رَوَى خَالِد بْن عرعرة، عَنْ عَلِي ﵇، قَالَ: أوحى اللَّه تَعَالَى إِلَى إِبْرَاهِيم أَن ابْن لي بيتا فِي الأَرْض، فضاق إِبْرَاهِيم بِذَلِكَ ذرعا، فأرسل السكينة وهي ريح خجوج [٥] ولها رأسان، فانتهت بِهِ إِلَى مَكَّة فتطوقت [٦] عَلَى موضع الْبَيْت كتطوي الجحفة [٧] ، وأمر إِبْرَاهِيم أَن يبني حيث تستقر السكينة، فبنى إِبْرَاهِيم وبقي حجر، فانطلق الغلام يلتمس له حجرا فأتاه فوجده قَدْ ركب الحجر الأسود فِي مكانه،

стр. 249

فَقَالَ: يا أبت من أتاك بِهَذَا الحجر، قَالَ: أتاني بِهِ من لَمْ يتكل عَلَى بنائك، جاء بِهِ جبرئيل من السماء [١] . وَرَوَى حارثة بْن مضرب، عَنْ عَلِي ﵁ قَالَ: لما قدم إِبْرَاهِيم مَكَّة رأى على رأسه في موضع الْبَيْت مثل الغمامة فِيهِ مثل الرأس، فكلمه، فَقَالَ: يا إِبْرَاهِيم ابْن عَلِي ظلي ولا تزد ولا تنقص [٢] . حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْبَاقِي، أَخْبَرَنَا الْجَوْهَرِيُّ، أَخْبَرَنَا ابن حيويه، أخبرنا أحمد بن معروف، حدثنا الحارث بن أبي أسامة، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عمر، حَدَّثَنَا موسى بْن مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي الجهم، عَنْ أَبِي بَكْر سُلَيْمَان بْن أَبِي خيثمة، عَنْ أَبِي جهم بْن حذيفة بْن غانم، قَالَ: أوحى اللَّه إِلَى إِبْرَاهِيم أَن يبني الْبَيْت وَهُوَ يَوْمَئِذٍ ابْن مائة سَنَة، وإسماعيل يَوْمَئِذٍ ابْن ثلاثين سَنَة فبناه مَعَهُ [٣] . فَإِن قيل: هل بَنِي الْبَيْت قبل إِبْرَاهِيم؟ قلنا: ذَكَرْنَا فِي قصة آدَم أَن اللَّه أنزل ياقوتة فجعلها مكان البيت، وأمر آدم بالطواف حولها. وَفِي رواية: أَن آدَم بناه ثُمَّ بناه بعده بنوه إلا أَن الغرق عفى أثره وبقي مكانه أكمة إِلَى أَن بناه الخليل. فأما حدود الحرم: [٤] فأول من وضعها الخليل ﵇، وَكَانَ جبرئيل يأمر بِهِ، ثُمَّ لَمْ يتحرك حَتَّى كَانَ قصي [بْن كلاب] [٥] فجددها، فقلعتها قريش فِي زمن نبينا ﷺ فاشتد ذَلِكَ عَلَى رَسُول اللَّه ﷺ فجاءه جبريل، فَقَالَ: إنهم سيعيدُونَها، فرأى رجال مِنْهُم فِي المنام قائلا يَقُول: حرم أعزكم اللَّه بِهِ نزعتم أنصابه، الآن يتخطفكم العرب، فأعادوها، فَقَالَ جبريل للنبي ﷺ : يا مُحَمَّد أعادوها، فقال: فأصابوا؟ قال:

стр. 250

ما وضعوا منها نصبا إلا بيد الْمَلِك. ثُمَّ بعث رسول الله ﷺ في عام الفتح تميم بن راشد [١] فجددها، ثُمَّ جددها عُمَر بْن الْخَطَّاب، ثُمَّ جددها مُعَاوِيَة، ثُمَّ عَبْد الْمَلِك بْن مَرْوَان. [فَإِن] قَالَ قائل: مَا السبب فِي بَعْد بَعْض الحدود وقرب بَعْضهَا؟ [٢] ففيه ثلاثة أجوبة: أحدها: أَنَّهُ لما أهبط اللَّه عَلَى آدم بيتا من ياقوت أضاء ما بين المشرق والمغرب ففرت الجن والشيطان وأقبلوا ينظرون، فجاءت مَلائِكَة تردهم فوقفوا مكان حدود الحرم. رواه سَعِيد بْن جُبَيْر عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ فِي ذَلِكَ الْبَيْت قناديل فِيهَا نور فانتهى ضوء ذَلِكَ النور إِلَى مواضع الحرم. قاله وهب بْن منبه. والثالث: أَنَّهُ لما وضع الخليل الركن أضاء فالحرم إِلَى موضع انتهاء نوره. ومن الأحداث: أَنَّهُ لما فرغ إِبْرَاهِيم من بناء الْبَيْت أمره اللَّه أَن يؤذن فِي النَّاس بالحج [٣] قَالَ ابْن عَبَّاس: لما بَنِي الْبَيْت أوحى اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ: أَن أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ ٢٢: ٢٧ [٤] فَقَالَ: يا رب وَمَا يبلغ صوتي؟ قَالَ: أذن وعلي البلاغ. فقام عَلَى الحجر فنادى: أيها النَّاس إِن ربكم قَدِ اتخذ بيتا وأمركم أَن تحجوه، فسمعه من بَيْنَ السماء وَالأَرْض وأسمع من فِي أصلاب الرجال وأرحام النِّسَاء، فأجابه من سبق فِي علم اللَّه أَنَّهُ يحج إِلَى يَوْم الْقِيَامَة: لبيك اللَّهمّ لبيك، فاستجاب لَهُ مَا سمعه من حجر أَوْ شجر أَوْ أكمة [أَوْ تراب] [٥] أَوْ شَيْء: لبيك اللَّهمّ لبيك [٦] . وَقَالَ عَبْد بْن عُمَر [٧] : استقبل إِبْرَاهِيم اليمن فدعا إِلَى اللَّه وإلى حج بيته، فأجيب:
следующие страницы →