بَاب ذكر آدَم ﵇ [١]
رَوَى السدي عَنْ أشياخه، قَالَ: بعث اللَّه جبرئيل إِلَى الأَرْض ليأتيه بطين منها، قَالَتْ الأرض: إني أعوذ باللَّه منك أَن تنقص مني أَوْ تشينني، فرجع وَلَمْ يأخذ، وَقَالَ: رب إنها عاذت بك فأعذتها. فبعث ميكائيل فعاذت منه فأعاذها، فبعث ملك الْمَوْت فعاذت منه، فقال: وأنا أعوذ باللَّه أَن أرجع، وَلَمْ أنفذ أمره، فأخذ من وجه الأَرْض وخلط، فلم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء، فلذلك خرج بنو آدَم مختلفين. فصعد بِهِ، فبل التراب حتى عاد طينا، ثُمَّ ترك حَتَّى تغير وأنتن، وهو قوله: من حَمَإٍ مَسْنُونٍ ١٥: ٢٦ [٢] ، قَالَ: منتن [٣] .
وَقَدْ رَوَى سَعِيد بْن جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بعث رب العزة إِبْلِيس فأخذ من أديم الأَرْض، ومن عذبها ومن ملحها، فخلق آدَم، فمن ثُمَّ سمي آدَم، لأنه خلق من أديم الأَرْض، ومن ثم قال إبليس: أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً ١٧: ٦١ [٤] ، أي هذه الطينة أنا جئت بها [٥] .
وَقَدْ رواه ابْن جُبَيْر عَنْ ابْن مَسْعُود.
فَأَخْبَرَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو محمد الجوهري، أخبرنا أبو عمر بْن حيوية، أخبرنا أحمد بن معروف، أخبرنا الحارث بن أبي أسامة، أخبرنا
ومن الأحداث وجود أولاد آدَم ﵇
ولدت حواء لآدم أربعين ولدا من ذكر وأنثى فِي عشرين بطنا، قَالُوا: وكانت لا تلد إلا توأمين ذكرا وأنثى. وأول الأولاد: قابيل وتوأمته قليما، ويقال قيثما [١] ، وآخرهم عبد المغيث وتوأمته أمة المغيث.
وعد مِنْهُم ابْن إِسْحَاق: قين وتوأمته، وهابيل وليوذا، وآشوث بنت آدَم وتوأمها، وشيث، وتوأمته وحزورة وتوأمها، ثُمَّ إياد وتوأمته، ثُمَّ بالغ. ويقال: باتح وتوأمته، ثُمَّ أثاثي وتوأمته، ثُمَّ توبة وتوأمته، ثُمَّ بنان وتوأمته، ثُمَّ شبوبة وتوأمته، ثُمَّ حيان وتوأمته، ثُمَّ ضرابيس وتوأمته، هدز وتوأمته، ثُمَّ نجود وتوأمته، ثُمَّ سندل وتوأمته، ثُمَّ بارق وتوأمته.
وَكَانَ الرجل مِنْهُم ينكح أي أخواته شاء إلا الَّتِي ولدت مَعَهُ، فإنها لا تحل لَهُ [٢] .
وَقَدْ روي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَن أول ولد ولدته حواء سمته عَبْد الرَّحْمَنِ، ثُمَّ سمت الثَّانِي صالحا، ثُمَّ الثالث عبد الحارث [٣] .
قَالَ أَبُو جَعْفَر الطبري: ولد لآدم بَعْد قتل هابيل بخمس سنين شيث، وزعم أهل التوراة أنه لم يولد مَعَهُ توأم، وتفسير شيث عندهم «هبة الله» ، ومعناه أنه خلف هابيل [٤] .
стр. 197
وَقَالَ أَبُو صَالِح، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ولد شيث وأخته عزورا، وَهُوَ بالعربية شث، وبالسريانية شاث، وبالعبرانية شيث، وإليه أوصى آدَم، وَكَانَ آدَم [يَوْم] [١] ولد لَهُ شيث ابْن ثلاثين ومائة سَنَة [٢] .
وَقَدْ زعم أَكْثَر علماء الفرس أَن جيومرت هُوَ آدَم. وزعم بَعْضهم أَنَّهُ ابْن آدَم لصلبه [من حواء] [٣] .
وَقَالَ آخرون: هُوَ حام بْن يافث [٤] بْن نوح. وأكثر الْعُلَمَاء عَلَى أَن جيومرت هُوَ أَبُو الفرس من العجم، وإنما اختلفوا هل هُوَ آدَم أم غيره؟ [٥] وَقَالَ قوم: إنه ملك وتجبر وتزوج ثلاثين امرأة وكثر نسله وتسمى بآدم، وَمَا زال ملكه وملك أولاده منتظما بأرض المشرق إِلَى أَن قتل يزدجرد بْن شهريار أَيَّام عُثْمَان بْن عَفَّان.
وَقَدْ ذكر أَبُو الْحَسَن بْن البراء: أَن جيومرت ملك ثلاثين سَنَة، ثُمَّ كان من سوى الملك هوشنك من أولاد أولاده ملك أربعين سَنَة، ثُمَّ ملك طهمورث من أولاد أولاد هوشنك، ودان بدين الصابئين ثلاثين سنة، ثم ملك أخوه جمشيد ستمائة وست عشرة سنة، ثم ملك هوارسب ألف سَنَة، ومن قبله كَانَ نمرود صاحب إِبْرَاهِيم، ثُمَّ ملك فريدُونَ مائتي سَنَة، وقسم الْمَلِك بَيْنَ أولاده فِي حياته، ثُمَّ ملك ابنه إيرج ست سنين، ثُمَّ انتقل الْمَلِك إلى منوشهر ثمانين سنة إلى أَن غلبه التركي اثنتي عشرة سَنَة، ثُمَّ غلبه منوشهر فملك ثمانيا وعشرين سَنَة.
وَقَدْ حكينا آنفا عَنْ أَبِي الْحُسَيْن بْن المنادي أَن جيومرث وطهمورث من أولاد الجان، والله أعلم.
стр. 198
وَقَدْ رَوَى ابْن إِسْحَاق، عَنْ بَعْض أَهْل الكتاب: أَن حواء حملت بقين بْن آدَم- وَهُوَ الَّذِي يقال لَهُ: قابيل- فِي الْجَنَّة وتوأمته فلم تجد وحما ولا وصبا وولدتهما وَلَمْ تر معهما دما لطهر الْجَنَّة، فلما نزلت إلى الأرض حملت بهابيل وتوأمته [١] .
وَفِي هَذَا بَعْد وليس مِمَّا يوثق بنقله.
ومن الأحداث احتيال إِبْلِيس عَلَى آدَم وحواء فِي تسمية عبد الحارث
أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن نَاصِرٍ، أَخْبَرَنَا الْمُبَارَك بْن عَبْد الْجَبَّارِ، قَالَ: أخبرنا أبو بكر المنكدري، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَن بْن الصَّلْتِ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الأَنْبَارِيُّ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الحسن بْنُ مُوسَى الأَشِيبُ، حَدَّثَنَا عَتَّابُ بْنُ الْخَزْرَجِيِّ، عَنْ خَصِيفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٌ وعكرمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ حَوَّاءَ لَمَّا حَمَلَتْ جَاءَهَا إِبْلِيسُ فَقَالَ: إِنِّي أَخْرَجْتُكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ لئن لم تُطِيعِينِي لأَجْعَلَنَّ لِوَلَدِكِ قَرْنَيْنِ يَشُقَّانِ بَطْنَكِ أَوْ لأَخْرَجْتُهُ مَيِّتًا، فَقَضَى اللَّهُ أَنْ خَرَجَ مَيِّتًا، فلما حَمَلَتْ بِالثَّانِي جَاءَهَا فَقَالَ لَهَا مِثْلَ مَقَالَتِهِ الأُولَى فَقَضَى اللَّهُ أَنَّ الْوَلَدَ خَرَجَ مَيِّتًا، فلما حَمَلَتِ الثَّالِثَ جَاءَهَا فَقَالَ لَهَا مِثْلَ مَقَالَتِهِ، فَقَالَتْ: وَمَا الَّذِي تُرِيدُ أَنْ نُطِيعَكَ فِيهِ، قال: سمياه عَبْد الْحَارِثِ، فَفَعَلَتْ فَقَالَ اللَّهُ:
جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما ٧: ١٩٠ [٢] .
قَالَ عُثْمَان: وحدثنا يعلى بْن عَبْد، حَدَّثَنَا عَبْد الْمَلِك، قَالَ: قيل لسعيد بْن جُبَيْر: يا أبا عَبْد اللَّه أشرك آدَم؟ قَالَ: معاذ اللَّه أَن تقول أشرك آدَم، إِن حواء لما حملت وأثقلت أتاها إبليس فَقَالَ لَهَا: أرأيت هَذَا الَّذِي فِي بطنك من أين يخرج؟ أمن/ فيك، أم من منخرك، أم من أذنيك؟ أرأيت إِن خرج سويا صحيحا لَمْ يضرك، أتطيعيني فِي اسمه؟ قالت: نعم فلما ولدت، قال: سمياه عَبْد الْحَارِث [٣] . فسمياه عَبْد الْحَارِث.
أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جعفر، حدثنا
стр. 199
عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، حدثنا عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا عُمَر بْن إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا قَتَادَة، عَنْ الْحَسَن، عَنْ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «لَمَّا حَمَلَتْ حَوَّاءُ وَطَافَ بِهَا إِبْلِيسُ فَكَانَ لا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ، فَقَالَ: سَمِّيهِ عَبْدَ الْحَارِثِ فَإِنَّهُ يَعِيشُ، فَسَمَّتْهُ عَبْدَ الْحَارِثِ فَعَاشَ» [١] .
ومن الأحداث
إِن اللَّه لما أعطى آدَم ملك الأَرْض نبأه وجعله رسولا إِلَى ولده، وأنزل عَلَيْهِ إحدى وعشرين صحيفة كتبها بخطه وعلمه جبريل إياها [٢] .
ذكره أَبُو جَعْفَر الطبري، قَالَ: وقيل: إِن مِمَّا أنزل عَلَيْهِ حروف المعجم فِي إحدى وعشرين ورقة، وتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير [٣] .
وَقَدْ رَوَى أَبُو أُمَامَةَ أَنَّ رَجُلا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّه، أَنَبِيًّا كَانَ آَدَمُ؟ قَالَ:
«نَعَمْ مُكَلَّمًا» [٤] .
وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنه قَالَ: «أَوَّلُ الْمُرْسَلِينِ آَدَمُ» . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ بْن حَيَّوَيْهِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بن معروف، حدثنا الحارث بن أبي أسامة، حدثنا محمد بن سعد، حدثنا عمرو بْنُ الْهَيْثَمِ، وَهَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالا: حَدَّثَنَا المسعودي، عن ابن عُمَرَ الشَّامِّي، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ الْحَشَّاشِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَيُّ الأَنْبِيَاءِ أَوَّلٌ؟ قَالَ: «آَدَمُ» ، قلت: أنبيّا كان؟ قال: «نعم نبيا مُكَلَّمًا» [٥] .
ومن ذَلِكَ وعظ بنيه [٦]
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُور عَبْد الرَّحْمَنِ بْن مُحَمَّد الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أبو بكر أحمد بن علي بن
стр. 200
ثابت الْخَطِيبِ، أَخْبَرَنَا الْحَسَن بْن عَلِي الْجَوْهَرِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْد الْعَزِيز بْن جَعْفَر الْخَرْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن إِسْمَاعِيل، حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ الرُّمَّانِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا أَهْبَطَ اللَّهُ آدَمَ إِلَى الأَرْضِ كثرت ذريته فاجتمع إليه ذات يَوْمٌ وَلَدُهُ، وَوَلَدُ وَلَدِهِ، وَوَلَدُ وَلَدِ وَلَدِهِ، فَجَعَلُوا يَتَحَدَّثُونَ حَوْلَهُ وَآَدَمُ سَاكِتٌ لا يَتَكَلَّمُ، فقالوا: يا أبانا ما لنا نَحْنُ نَتَكَلَّمُ وَأَنْتَ سَاكِتٌ لا تَتَكَلَّمُ؟ قَالَ: يا بني ان الله لما أَهْبَطَنِي إِلَى الأَرْضِ مِنْ جِوَارِهِ عَهِدَ إِلَيَّ فَقَالَ: يَا آدَمُ أَقِلِّ الْكَلامَ حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى جِوَارِي [١]
. ومن الأحداث مَا روي أَنَّهُ ضرب الدنانير
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ الصَّوَّافِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْنُ خَلَفٍ وكيع، حدثنا المشرف بن سعد أبو زيد الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْهَاشِمِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبًا يَقُولُ: أَوَّلُ مَنْ ضرب الدنانير والدراهم آدم ﷺ ، وَقَالَ: لا تَصْلُحُ الْمَعِيشَةُ إِلا بِهَا.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن نَاصِرٍ الْحَافِظ، أَخْبَرَنَا جَعْفَر بْن أَحْمَد السرج، أَخْبَرَنَا عَبْد الْعَزِيز بْن الْحَسَن بن إِسْمَاعِيل الضراب، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مَرْوَان، حَدَّثَنَا عبد المنعم، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وهب بن منبه، قَالَ: لما ضربت [الدراهم] [٢] والدنانير حملهما إِبْلِيس فقبلهما، وَقَالَ: سلاحي وقرة عيني وثمرة قلبي، بكما أغري وبكما أطغي، وبكما أكفر ابن آدم، وبكما تستوجب [٣] النار ابن آدم.
ومن الأحداث قتل قابيل أخاه هابيل [٤]
اختلفوا في السبب الذي قتله لأجله:
فروى السدي عَنْ أشياخه، قَالَ: كَانَ لا يولد لآدم مولود إلا ومعه جارية، وكان
стр. 201
يزوج غلام هَذَا البطن جارية هَذَا البطن الآخر، وجارية هَذَا البطن غلام هَذَا البطن الآخر. حتى ولد لَهُ قابيل وهابيل، وَكَانَ قابيل صاحب زرع، وهابيل صاحب ضرع، وَكَانَ قابيل الأكبر، وكانت لَهُ أخت أَحْسَن من أخت هابيل، وطلب هابيل أَن ينكح أخت قابيل، فأبى عَلَيْهِ، وَقَالَ: هِيَ أَحْسَن من أختك [١] ، وأنا أحق أَن أتزوجها، فأمره آدَم أَن يزوجه إياها [٢] ، فأبى.
فقربا قربانا، وَكَانَ آدَم قَدْ ذهب إِلَى مَكَّة، فَقَالَ آدَم للسماء: احفظي ولدي بالأمانة، فأبت، وقال للأرض، فأبت، وَقَالَ للجبال فأبت، فَقَالَ لقابيل، فَقَالَ: نعم، ترجع فتجد أهلك كَمَا يسرك.
فلما انطلق [آدم] [٣) ق] ربا قربانا، قرب هابيل جذعة سمينة، وقرب قابيل حزمة سنبل، فنزلت فأكلت قربان [هابيل] [٤] وتركت قربان قابيل، فغضب وَقَالَ: لأقتلنك حَتَّى لا تنكح أختي فطلبه ليقتله، فذهب إلى رءوس الجبال، فأتاه يوما وَهُوَ نائم فِي الجبل، فرفع صخرة فشدخ بها رأسه فمات وتركه بالعراء، [لا يدري] [٥] كَيْفَ يدفن، إِلَى أَن بعث اللَّه غرابين فاقتتلا، فقتل أحدهما الآخر ثُمَّ حفر لَهُ ثُمَّ حثا عَلَيْهِ، فقال حينئذ: أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ ٥: ٣١ [٦] .
أخبرنا محمد بن عبد الباقي البزار، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيْوَيَةَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَعْرُوفٍ، أَخْبَرَنَا الحارث بن أبي أسامة، حدثنا محمد بن سعد، حدثنا موسى بن إِسْمَاعِيلَ التَّبُوذَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قال: كان لآدم أربعة أولاد توأم ذكر وَأُنْثَى مِنْ بَطْنٍ [وَذكر وَأُنْثَى مِنْ بطن] [٧] ، فكانت أخت صاحب الحرث
стр. 202
وَضِيئَةً، وَكَانَتْ أُخْتُ صَاحِبِ الْغَنَمِ قَبِيحَةً، فَقَالَ صَاحِبُ الْحَرْثِ: أَنَا أَحَقُّ بِهَا، وَقَالَ صَاحِبُ الغنم: ويحك أتريد أن تستأثر بوضاءتها عليّ، تعالى حَتَّى نُقَرِّبَ قُرْبَانًا، فَإِنْ تُقُبِّلَ قُرْبَانُكَ كُنْتَ أحق بها، وَإِنْ تُقُبِّلَ قُرْبَانِي كُنْتُ أَحَقَّ بِهَا. قَالَ: فَقَرَّبَا قُرْبَانَيْهِمَا، فَجَاءَ صَاحِبُ الْغَنَمِ بِكَبْشٍ أَعَنَّ أَقْرَنَ أَبْيَضَ، وَجَاءَ صَاحِبُ الْحَرْثِ بَصُبُرَةٍ مِنْ طَعَامِهِ، فَقُبِلَ الْكَبْشُ فَجَعَلَهُ اللَّهُ فِي الْجَنَّةِ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا، وَهُوَ الْكَبْشُ الَّذِي ذَبَحَهُ إِبْرَاهِيمُ، فَقَالَ صَاحِبُ الْحَرْثِ: لأَقْتُلَنَّكَ، فَقَتَلَهُ، فَوَلَدُ آَدَمَ كلهم من ذلك الْكَافِرِ [١] .
قَالَ موسى: وحدثنا حماد، عَنْ عَلِي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ آدَم يزوج ذكر هَذَا البطن بأنثى هَذَا البطن، وأنثى هَذَا البطن بذكر هَذَا البطن.
وَقَدْ ذكر ابْن إِسْحَاق عَنْ بَعْض أَهْل الكتاب: أَن قابيل كان يفتخر على هابيل ويقول: أنا وأختي من ولادة الْجَنَّة، فامتنع من تزويجه فقتله بَعْد هَذَا [٢] .
وَرَوَى العوفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أنهما قربا قربانا تطوعا لأجل المرأة فلم يتقبل قربان قابيل، فغضب وقتل أخاه، وَقَالَ: لا ينظر النَّاس إلي وإليك وأنت خير مني.
وَقَدْ روينا عَنِ الْحَسَن أَن ابني آدَم هذين من بَنِي إسرائيل وَلَمْ يكونا من صلب آدم، وان أول من مَات آدَم.
وَفِي هَذَا بَعْد، فإنا قَدْ ذَكَرْنَا أَن حواء لَمْ يكن لَهَا ولد، فسمت ولدها عبد الحارث، ويقال ان أول من مَات آدَم.
أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بن محمد، أخبرنا الحسن بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بن أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلا كَانَ عَلَى ابْنِ آَدَمَ الأَوَّلَ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا» ، لأَنَّهُ كَانَ أول من سن القتل [٣] .
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قال: صلى جبريل على آدم، كبر عليه أَرْبَعًا وَصَلَّى جِبْرِيلُ بِالْمَلَائِكَةِ يَوْمَئِذٍ، وَدُفِنَ فِي مسجد الخيف واحد مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ وَلُحِدَ لَهُ وَكُتِمَ قَبْرُهُ.
وَقَالَ عروة بْن الزُّبَيْر: أتاه جبريل بثياب من الْجَنَّة وحنوط من حنوطها، فكفنه وحنطه وحملته الْمَلائِكَة حَتَّى وضعته بباب الكعبة وصلى عليه جبريل ثم حملته الملائكة حتى دفنته فِي مَسْجِد الخيف.
وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: قبر عِنْدَ منى أول قرية كانت فِي الأَرْض، قَالَ: وبلغني أَنَّهُ مَات بمكة، وَقَالَ قوم: قبر فِي غار أَبِي قبيس [١] .
وَرَوَى أَبُو صَالِح، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَات آدَم عَلَى نود [٢] ، الجبل الَّذِي أهبط عَلَيْهِ، فَقَالَ شيث لجبريل: صل عَلَى آدَم، فَقَالَ: تقدم أَنْتَ وكبر عَلَيْهِ ثلاثين تكبيرة.
ولما ركب نوح حمل معه آدم فلما خرج من السفينة دفن آدَم ببيت المقدس، وَلَمْ يمت آدَم حَتَّى بلغ ولده وولد ولده أربعين ألفا، ورأى فيهم الزنا وشرب الخمر والفساد [٣] .
وقد ذكرنا أنه توفي يوم الجمعة.
стр. 208
بَاب ذكر خلافة شيث أباه آدَم ﵇ [١]
قَدْ ذكر أَن شيث بْن آدَم كَانَ وصي أَبِيهِ.
وروينا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «أنزل عَلَى شيث خمسون صحيفة وأنه كَانَ نبيا وإلى شيث أنساب بَنِي آدَم كلهم اليوم، وَذَلِكَ أَن نسل سائر بَنِي آدَم غَيْر نسل شيث انقرضوا. ولم يزل شيث مقيما بمكة يحج ويعتمر، وجمع مَا أنزل عَلَيْهِ من الصحف إِلَى صحف أَبِيهِ آدَم فعمل بها.
ذكر الأحداث الَّتِي جرت فِي ولاية شيث
من ذَلِكَ موت أمه حواء، فإنهم ذكروا أَنَّهَا عاشت بَعْد آدَم سَنَة ثُمَّ ماتت فدفنت مع آدم، وأنهما لَمْ يزالا هنالك حَتَّى استخرجهما نوح وجعلهما فِي تابوت ثُمَّ حملهما مَعَهُ فِي السفينة، فلما ذهب الطوفان ردهما إِلَى أماكنهما.
ومن ذَلِكَ أَن شيث بْن آدَم بنى الكعبة بالحجارة والطين. وَقَدْ زعم قوم أَنَّهُ لَمْ تزل القبة التي جعلت لآدم فِي مكان الْبَيْت إِلَى أَيَّام الطوفان
. ومن الأحداث الَّتِي كَانَ ابتداؤها فِي زمن آدَم وامتدت بعده
أَن قابيل لما قتل أخاه هرب إِلَى اليمن، فأتاه إِبْلِيس، فَقَالَ: إِنَّمَا قبل قربان أخيك لأنه كَانَ يخدم النار ويعبدها فانصب أَنْتَ نارا تكون لَكَ ولعقبك. فبنى بَيْت نار فَهُوَ أول من نصب النار وعبدها [٢] .
стр. 209
وجاء من أولاده جبابرة وفراعنة، ثُمَّ انقرض ولده، وَكَذَلِكَ أولاد آدَم انقطع نسلهم إلا مَا كَانَ من شيث.
وقيل: إِن بَعْض أولاد قابيل [١] اتخذ آلات اللهو من المزامير والطبول والعيدان والطنابير والمعازف، فانهمك ولد قابيل فِي اللهو، فَذَهَبَ إليهم قوم من أولاد شيث، ثُمَّ نزل آخرون، وفشت الفواحش وشرب الخمر [٢] .
فأما مَا يتعلق بشيث
فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ ولد لَهُ أنوش فِي زمن أَبِيهِ آدَم، وأوصى شيث إِلَى أنوش بَعْد موت أَبِيهِ بسياسة الْمَلِك وتدبير الرعايا عَلَى منهاج أَبِيهِ من غَيْر تغير ولا تبديل، وَهُوَ أول من غرس النخل وزرع الحب ونطق بالحكمة وعاش تسعمائة وخمس سنين.
وولد لأنوش قينان فِي زمن آدَم أَيْضًا، وأوصى أنوش إِلَى قينان [٣] .
وولد لقينان مهلائيل [٤] فِي زمن آدَم أَيْضًا فوصى قينان إِلَيْهِ، وَكَانَ مهلائيل عَلَى منهاج أَبِيهِ.
وولد لمهلائيل يرد [٥] ، فأوصى إِلَيْهِ، وقيل إِن يرد ولد فِي زمان آدَم أَيْضًا.
وولد ليرد خنوخ [٦] ، وهو إدريس النبي ﷺ .
стр. 210
وَهَذِهِ الأسماء لا يكاد الرواة يتوافقون عَلَيْهَا، فإني رأيت أبا الْحَسَن بْن المنادي، قَدْ ضبط بخطه لمك [١] بتسكين الميم، وحنوح بالحاء غَيْر معجمة.
وَقَدْ ذكر قوم [٢] أَن أوشهنج هُوَ ابْن آدَم لصلبه، وأنه أول ملك/ ملك الأرض، وقوم يزعمون أنه من ولد نوح، فَقَالَ قوم: أوشهنج، وَهُوَ مهلائيل بْن قينان، وأن أوشهنج كَانَ فِي زمان آدم رجلا وأنه خلف جده خيومرث، وملك الأقاليم السبعة، وَكَانَ فاضلا محمودا وَهُوَ أول من استنبط الحديد فِي ملكه، فاتخذ منه الأدوات للصناعات، واستخرج المعادن، ورتب الممالك، وحضّ الناس عَلَى الزراعة، واتخذ الملابس من جلود السباع، وأمر بذبح البهائم والأكل من لحومها، ووضع الحدود فِي الأَحْكَام، وَكَانَ ملكه أربعين سَنَة، وأنه بنى مدينة الريّ، وأنها أول مدينة بنيت بَعْد مدينة جيومرث الَّتِي كَانَ يسكنها بدنباوند من طبرستان، وبنى مدينة بابل والسوس. بَعْد فِي البلاد، وجلس عَلَى السرير، وأنه نزل الهند وعقد عَلَى رأسه تاجا ونفى أَهْل الفساد والذعار من البلدان إِلَى البراري وجزائر البحار، وألجأهم إلى رءوس الجبال، وقرب أَهْل الصلاح وانتهى ملكه إِلَى طهمورث، وَهُوَ من ولده إلا أَن بينهما عدة آباء [٣] .
فصل
فأما يرد أَبُو إدريس، فإنه عاش تسعمائة سَنَة.
وَرَوَى أَبُو صَالِح، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: فِي زمان يرد عبدت الأصنام [٤] .
أَنْبَأَنَا عَبْد الْوَهَّاب بْنُ الْمُبَارَكِ الْحَافِظِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الحسن بن عبد الجبار، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن الْمَسْلَمَةِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ الْمَرْزَبَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا أبو علي الحسن بن عليل الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الصَّبَّاحِ بْنِ الْفُرَاتِ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: أَوَّلُ مَا عَبَدَتِ الأصنام ان آدم عليه
стр. 211
السَّلاَمُ لَمَّا مَاتَ جَعَلَهُ بَنُو شِيثٍ فِي مَغَارَةٍ فِي الْجَبَلِ الَّذِي أُهْبِطَ عَلَيْهِ بِأَرْضِ الْهِنْدِ، وَيُقَالُ لِلْجَبَلِ نَوْدٌ.
وَقَالَ هِشَامٌ: وَأَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: فَكَانَ بَنُو شِيثٍ يَأْتُونَ جَنْبَ آَدَمَ في الْمَغَارَةَ فَيُعَظِّمُونَهُ وَيَتَرَحَّمُونَ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بني قابيل: إن لبني شيث دوارا يدورون حَوْلَهُ وَيُعَظِّمُونَهُ وَلَيْسَ لَكُمْ شَيْءٌ فَنَحَتَ لَهُمْ صَنَمًا فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ عَمِلَهَا [١] .
وأَخْبَرَنِي أَبِي، قال: كان ودّ، وسواء، وبغوث، ويعوق، ونمر، قوما صالحين، فماتوا فِي شهر فجزع عليهم أهاليهم وأقاربهم، فَقَالَ رجل من بَنِي قابيل: يا قوم هل لكم أَن أعمل لكم خمسة أصنام عَلَى صورهم، غَيْر أني لا أقدر أَن أجعل فِيهَا أرواحا، قَالُوا: نعم، فنحت لَهُمْ خمسة أصنام عَلَى صورهم ونصبها لَهُمْ، وَكَانَ الرجل يَأْتِي أخاه وعمه وابن عمه ليعظمه ويسعى حوله حتى ذهب ذَلِكَ القرن الأَوَّل، وعملت عَلَى عهد يرد بْن مهلائيل، ثُمَّ جاء قرن آخر فعظموهم أشد من تعظيم القرن الأَوَّل، ثُمَّ جاء من بعدهم القرن الثالث، فَقَالُوا: مَا عظم أولونا هَؤُلاءِ إلا وَهُمْ يرجون شفاعتهم عِنْدَ اللَّه، فعبدوهم وعظم أمرهم واشتد كفرهم، فبعث اللَّه إليهم إدريس، فدعاهم، وَلَمْ يزل أمرهم يشتد حَتَّى بعث نوحا وجاء الطوفان، فأهبط الماء هذه الأصنام من أرض إِلَى أرض حَتَّى قذفها إِلَى أرض جدة [٢] .
والصحيح أَن هذه الأصنام الخمسة عملت بَعْد نوح عَلَى مَا سنذكره، فيجوز أن يكونوا عملوها أتباعا لفعل قدمائهم.
стр. 212
بَاب ذكر إدريس ﵇ [١]
واسمه خنوخ بْن يرد بْن مهلائيل بْن قينان بْن أنوش بْن شيث بْن آدَم.
قَالَ الزُّبَيْر بْن بكار: وَهُوَ إدريس بْن اليارد بْن مهلائيل بْن قينان بْن الطاهر بْن هبه، وَهُوَ شيث بْن آدَم، وإنما قيل لَهُ إدريس لأنه أول من درس الوحي المكتوب.
وَقَدْ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّارُ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيَّوَيْهِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَعْرُوفٍ الْخَشَّابُ، أخبرنا الحارث بن أبي أسامة، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ نَبِيٍّ بَعْدَ آدَمَ إِدْرِيسُ ﵇، وَهُوَ حَنُوخُ بْنُ يَرْذَ، وَكَانَ يَصْعَدُ لَهُ فِي الْيَوْمِ من العمل ما لا يَصْعَدُ لِبَنِي آدَمَ فِي السَّنَةِ، فَحَسَدَهُ إِبْلِيسُ وَعَصَاهُ قَوْمُهُ، فَرَفَعَهُ اللَّهُ مَكَانًا عَلِيًّا وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ [٢] .
قُلْت: كَذَا فِي هذه الرواية «حنوخ» بالحاء المهملة ثم بالخاء المعجمة، و «يرذ» بالذال المعجمة. ورويت الكلمة الأولى بخاءين معجمتين، و «يرد» بدال مهملة.
وزعم ابْن إِسْحَاق أَن إدريس أول نبي أعطي النبوة.
وَقَدْ رَوَى أَبُو ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «أَرْبَعٌ مِنَ الرُّسُلِ سِرْيَانِيِّونَ: آَدَمُ، وشيث، وأخنوخ وهو إدريس، ونوح» .
стр. 213
وَقَالَ علماء السير: نبأ اللَّه تَعَالَى إدريس فِي حياة آدَم، وَقَدْ مضى من عُمَر آدم ستمائة واثنتان وعشرون سَنَة، وأنزل عَلَيْهِ ثلاثون صحيفة فدعا قومه ووعظهم وأمرهم بطاعة الله ومخالفة الشيطان، وأن لا يلامسوا أولاد قابيل، فخالفوا، فجاهدهم وسبى مِنْهُم واسترق.
وَهُوَ أول نبي خط بالقلم وقطع الثياب وخاطها، ورفع إدريس وهو ابن ثلاثمائة وخمس وستين سَنَة، وأبوه حي، فعاش أبوه بَعْد ارتفاعه مائة وخمسا وثلاثين سَنَة.
قَالَ زَيْد بْن أسلم [١] : كَانَ يصعد لإدريس من العمل مثل مَا يصعد لجميع بَنِي آدَم، فجاءه ملك فاستأذن اللَّه فِي جلسة، فأذن لَهُ فهبط إِلَيْهِ فِي صورة آدمي، وَكَانَ يسجد، فلما عرفه، قَالَ: إني أسألك حاجة، قَالَ: مَا هِيَ؟ قَالَ: تذيقني الْمَوْت فلعلي أعلم مَا شدته فأكون لَهُ أشد استعدادا، فأوحى اللَّه إِلَيْهِ أَن اقبض روحه ساعة ثُمَّ أرسله، ففعل، ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ رأيت؟ قَالَ: أشد ما بلغني عَنْهُ، وإني أحب أَن تريني النار، قَالَ:
فحمله وأراه إياها، قَالَ: إني أحب أَن تريني الْجَنَّة، فأراه إياها، فلما دخلها وطاف فِيهَا، قَالَ لَهُ ملك الْمَوْت: اخرج، فَقَالَ: والله لا أخرج حَتَّى يَكُون اللَّه تَعَالَى يخرجني، فبعث اللَّه ملكا يحكم بينهما، فَقَالَ: مَا تقول يا ملك الْمَوْت، فقص عَلَيْهِ مَا جرى، فَقَالَ: مَا تقول يا إدريس، قَالَ: إِن اللَّه تَعَالَى قَالَ: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ٣: ١٨٥ [٢] وَقَدْ ذقته، وَقَالَ: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها ١٩: ٧١ [٣] وَقَدْ وردتها. وَقَالَ لأهل الْجَنَّة وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ ١٥: ٤٨ [٤] . فو الله لا أخرج حَتَّى يَكُون اللَّه يخرجني، فسمع هاتفا من فوقه يَقُول:
بإذني دَخَلَ وبأمري فعل، فخل سبيله.
فَإِن قيل: أين هذه الآيات لإدريس؟
فالجواب: إِن اللَّه أعلم بوجوب الورود، وامتناع الخروج من الْجَنَّة وغير ذَلِكَ فقاله [٥] .
стр. 214
ذكر الأحداث الَّتِي كانت فِي زمن إدريس ﵇
منها أَنَّهُ ملك الدنيا كلها فِي عهد إدريس بيوراسب، ويقال: بوراسب، وَهُوَ الضحاك بن الأهبوب [١] ، وَهُوَ صديق إِبْلِيس، قبل إدريس ظهره، وظهرت فِي منكبه حيتان، وَكَانَ دينه دين البراهمة، فبقي ملكا للأقاليم جميعا ألف سَنَة إلا نصف يَوْم.
ذكر الأحداث بَعْد إدريس
استخلف إدريس ولده متوشلخ عَلَى أمر اللَّه، وأوصاه قبل أَن يرفع، وَكَانَ أول من ركب البحر، وملك بطريق الطاعة للَّه سبحانه [٢] .
ثُمَّ ولد لمتوشلخ لمك فِي حياة آدَم، ثُمَّ ولد للمك نوح ﵇ [٣] .
وقيل: كَانَ لمتوشلخ ولد يقال لَهُ: صابئ، وَبِهِ سمي الصابئون [٤] .
رَوَى عكرمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى: وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى ٣٣: ٣٣ [٥] ، قال: كان فيما بَيْنَ نوح وإدريس، وكانت ألف سَنَة، وإن بطنين من ولد آدَم، كَانَ أحدهما يسكن السهل، والآخر يسكن الجبال، وَكَانَ رجال الجبال صباحا وَفِي النِّسَاء دمامة، وَكَانَ نساء السهل صباحا وَفِي الرجال دمامة، وأتى إِبْلِيس رجلا من أَهْل السهل فِي صورة غلام، فآجر نَفْسه منه، وَكَانَ إِبْلِيسُ يخدمه، فأخذ إِبْلِيس مثل هَذَا الَّذِي يزمر فِيهِ الرعاء، فجاء فيه بصوت لم يسمع الناس مثله، [فبلغ ذَلِكَ من حولهم] [٦] ، فانتابوهم يَسْمَعُونَ إِلَيْهِ، [واتخذوا عيدا يجتمعون إِلَيْهِ فِي السنة] [٧] ، فتتبرج النِّسَاء للرجال [٨] .
[قَالَ: وينزل الرجال لهن. وإن رجلا من أَهْل الجبل هجم عَلَيْهِم وَهُمْ فِي عيدهم ذَلِكَ، فرأى النِّسَاء وصباحتهن، فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك] [٩] ، ثم تحولوا
стр. 215
[إليهن] [١] ، فنزلوا معهن، فظهرت الفاحشة [فيهن] [٢] ، فَهُوَ قَوْله تَعَالَى: وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى ٣٣: ٣٣ [٣] .
وَقَدْ كانت أحداث كثيرة وقرون بَيْنَ آدَم ونوح لا يعلم أكثرها.
وَرَوَى أَبُو أمامة أن رجلا سأل رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كَمْ كَانَ بَيْنَ آدَم ونوح؟ قَالَ: «عشرة قرون» . قَالَ الشيخ الإمام أَبُو الفرج: وَقَدِ اختلف فِي ترتيب هذه القرون والأحداث الكائنة فِيهَا.
فمن ذَلِكَ: أَن قوما قَالُوا: ملك طهمرث، ويقال: طهمورب، بالباء، كَذَلِكَ ضبط أبو الحسين ابن المنادى. ويقال: طهومرت، وَهُوَ من ولد أوشنج [٤] ، وبينهما عدة آباء، فسلك طريق جده، وملك الأقاليم كلها، وبنى الموضع الَّذِي جدده بَعْد ذَلِكَ شابور ملك فارس، ونزله، ونفى الأشرار، وَهُوَ أول من كتب بالفارسية، واتخذ الْخَيْل والبغال والحمير، والكلاب لحفظ المواشي، واستمرت أحواله عَلَى الصلاح.
ثُمَّ ملك أخوه جم الشيذ [٥] ، وتفسيره سد الشعاع، سمي بِذَلِكَ لأنه كَانَ جميلا وضيئا، فملك الأقاليم، وسلك السيرة الجميلة/ وزاد فِي الْمَلِك بأن ابتدع عمل السيوف والسلاح ودل عَلَى صنعة الإبريسم والقز وغيره ومما يغزل. وأمر بنسج الثياب وصبغها، و [نحت] [٦] السروج والأكف، [وتذليل الدواب بها] [٧] .
وصنف النَّاس أربع طبقات: طبقة مقاتلة، وطبقة كتابا، وطبقة صنّاعا وحراثين، وطبقة خدما [٨] .