← История

История · id 12406

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم

ابن الجوزي

Полный текст (6 790 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

يتعبك الحزن فإنك لَمْ تكوني جاهلة بأني من الَّذِينَ يموتون. يا أمتاه إني كتبت كتابي هَذَا وأنا أرجو أَن تعتبري بِهِ ويحسن موقعه منك، فلا تخلفي ظني ولا تحزني روحي، يا أمتاه إني قَدْ علمت يقينا أَن الَّذِي أذهب إِلَيْهِ خير من مكاني الّذي أنا فيه، وأطهر من الهموم والأحزان والأسقام والنصب والأمراض فاغتبطي لي بمذهبي، واستعدي لاتباعي، يا أمتاه إِن ذكري قَدِ انقطع من الدنيا وَمَا كنت أذكر بِهِ من الْمَلِك والرأي، فاجعلي لي من بعدي ذكرا أذكر بِهِ فِي حلمك وصبرك والرضا [بِمَا يَقُول الحكماء، يا أمتاه إِن النَّاس سينظرون إِلَى هَذَا منك وَهُمْ راض وكاره ومستمع وقائل، فأحسني إلي وإلى نفسك فِي ذَلِكَ، يا أمتاه السَّلام فِي هَذَا الدار قليل زائل فليكن عليك] [١] وَعَلَيْنَا فِي دار الأزل السَّلام الدائم. فتفكري بفهم وديعة نفسك أَن تكوني شبه النِّسَاء فِي الجزع كَمَا كنت لا أرضى شبه الرجال فِي الاستكانة والضعف، وَلَمْ يكن ذَلِكَ يرضيك فِي. ثُمَّ مَات ﵀. وَفِي رواية أَنَّهُ كَانَ فِي كتابه إِلَيْهَا: [يا أماه] [٢] اصنعي طعاما واجمعي من قدرت عَلَيْهِ من نساء أَهْل المملكة، ولا يأكل طعامك من أصيب بمصيبة. فصنعت طعاما وجمعت النَّاس وَقَالَتْ: لا يأكل من أصيب بمصيبة قط، فلم يأكل أحد، فعلمت مَا أراد [٣] . فلما حمل تابوته إِلَيْهَا تلفتت بعظماء أَهْل المملكة، فلما رأته قَالَتْ: يا ذا الَّذِي بلغ السماء حلمه وجاز أقطار الأَرْض ملكه، ودانت الملوك عنوة لَهُ، مَالِك/ اليوم نائما لا تستيقظ، وساكتا لا تتكلم، من بلغك عني بأنك وعظتني فاتعظت، وعزيتني فتعزيت، فعليك السَّلاَم حيا وميتا. ثُمَّ أمرت بدفنه [٤] . واختلف فِي قدر عمره، فذكر عَنْ أَهْل الكتاب أَنَّهُ عاش ثلاثة آلاف سنة. وذكر أبو بكر بن أبي خيثمة أنه عاش ألفا وستمائة سنة.

стр. 282

فأما من يَقُول عاش نحوا من أربعين سَنَة فإنما اشتبه عَلَيْهِ بالإسكندر اليوناني، وَذَلِكَ يَأْتِي ذكره بَعْد يُونُس ﵇. ومن الحوادث وفاة الخليل صلوات اللَّه عَلَيْهِ وسلامه [١] لما أراد اللَّه قبض إِبْرَاهِيم أمر ملك الْمَوْت أَن يتلطف لَهُ. فروى السدي عَنْ أشياخه، قَالَ: كَانَ إِبْرَاهِيم يطعم النَّاس ويضيفهم، فبينا هُوَ يطعم النَّاس إِذَا هُوَ بشيخ كبير يمشي فِي الحر، فبعث إِلَيْهِ بحصان فركبه حَتَّى إِذَا أتاه أطعمه، فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أَن يدخلها فاه فيدخلها فِي عينه وأذنه ثُمَّ يدخلها فاه، فَإِذَا دخلت جوفه خرجت من دبره، وَكَانَ إِبْرَاهِيم قَدْ سأل ربه أَن لا يقبض روحه حَتَّى يَكُون هُوَ الَّذِي يسأله الْمَوْت. فَقَالَ إِبْرَاهِيم للشيخ: مَا بالك يا شيخ تصنع هَذَا؟ قَالَ: يا إِبْرَاهِيم الكبر، قَالَ: ابْن كم أَنْتَ؟ قَالَ: فزاد عَلَى عُمَر إِبْرَاهِيم سنتين، فَقَالَ إِبْرَاهِيم: إِنَّمَا بيني وبينك سنتان، فإذا بلغت ذَلِكَ صرت مثلك، قَالَ: نعم، قَالَ إِبْرَاهِيم: اللَّهمّ أقبضني إليك، فقام الشيخ فقبض نَفْسه [٢] . واختلفوا فِي قدر عُمَر إِبْرَاهِيم، فَقَالَ قوم: مائتا سَنَة. وَقَالَ آخرون: مائة وخمس وسبعون. ودفن عِنْدَ قبر سارة فِي مزرعة حبرون.

стр. 283

بَاب ذكر إِسْمَاعِيل صلوات اللَّه عَلَيْهِ وسلامه [١] إِسْمَاعِيل أكبر بنيه، ولد لَهُ وَهُوَ ابْن تسعين سَنَة وولد إِسْحَاق بعده بثلاثين سَنَة، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَن سارة وهبت هاجر لإبراهيم، وأنه ولد لَهُ منها إِسْمَاعِيل، وأن الخليل هاجر به وبأمه إِلَى مَكَّة وأنه زوج إِسْمَاعِيل امرأة من جرهم، ثُمَّ أُخْرَى. قَالَ ابْن إِسْحَاق: [٢] ولد لإسماعيل اثنا عشر ولدا، مِنْهُم: [٣] نابت، وقيدر، ويقال قيذار الّذي نشر الله منه العرب، ويقال: بَل العرب من نابت ومن قيدر. وقيل: سميت العرب العاربة لأن إسماعيل نشأ بعربة وَهِيَ من تهامة. وقيل: بَل لأن أول من نطق بلسان العرب يعرب بْن قحطان، وَهُوَ أَبُو اليمن فَهُمُ العرب العاربة. واتخذ اللَّه إِسْمَاعِيل نبيا بَعْد إِبْرَاهِيم، وبعث إِلَى العماليق وجرهم وقبائل اليمن فنهاهم عَنْ عُبَادَة الأوثان، فآمنت لَهُ طائفة مِنْهُم وكفر الأكثرون. أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الباقي البزار، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ حَيُّوَيْهِ، أخبرنا أحمد بن معروف، حدثنا الحارث بن أبي أسامة، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عُمَر، قَالَ: حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسلم، عن أبيه، قال: لما بلغ إِسْمَاعِيل عشرين سَنَة توفيت هاجر وَهِيَ بنت تسعين سَنَة فدفنها إِسْمَاعِيل فِي الحجر.

стр. 284

أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْد اللَّهِ الْحُسَيْن بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الْوَهَّاب الدباس، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَر بْن الْمُسْلِمَةِ، أَخْبَرَنَا أَبُو طاهر مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَنِ المخلص، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْد اللَّهِ أَحْمَد بْن إِسْمَاعِيل بْن دَاوُد الطوسي، حَدَّثَنَا الزُّبَيْر بْن بكار، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيل بْن أَبِي أويس، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيع بْن قريع الغطفاني، عَنْ عقبة بْن بشير، قَالَ: سألت محمد بن علي بن الحسين، قلت: يا أبا جَعْفَر من أول من تكلم بالعربية؟ قَالَ: إِسْمَاعِيل وَهُوَ يومئذ ابْن ثَلاث عشرة سَنَة، قُلْتُ: فَمَا كَانَ كَلام النَّاس قبل ذَلِكَ؟ قَالَ: العبرانية. وَفِي رواية عَنْ أَبِي جَعْفَر، قَالَ: ألهم اللَّه إِسْمَاعِيل العربية فنطق بها. قَالَ علماء السير: لما حضرت إِسْمَاعِيل الوفاة أوصى إِلَى أخيه إِسْحَاق، وزوج ابنته من العيص بْن إِسْحَاق، وعاش إِسْمَاعِيل مائة وسبعا وثلاثين سَنَة، ودفن فِي الحجر عِنْدَ قبر أمه هاجر. قَالَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز: شكا إِسْمَاعِيل إِلَى ربه حر مَكَّة فأوحى اللَّه إِلَيْهِ: أني أفتح لَكَ بابا من الْجَنَّة فِي الحجر يجري عليك منه الروح إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. وَفِي ذَلِكَ الموضع توفي. قَالَ خَالِد المخزومي: فيرون أَن ذَلِكَ الموضع مَا بَيْنَ الميزاب إِلَى بَاب الحجر الغربي فِيهِ قبره. وَقَالَ صفوان بْن عَبْد اللَّهِ الجمحي: حفر ابْن الزُّبَيْر الحجر فوجد فِيهِ سفطا من حجارة أخضر، فسأل قريشا عَنْهُ فلم يجد عِنْدَ أحد مِنْهُم فِيهِ علما، فأرسل إِلَى أَبِي فسأله فَقَالَ: هَذَا قبر إِسْمَاعِيل ﵇. وَفِي رواية: أَنَّهُ وجد حجارة خضراء منطبقا بها، فقيل له: هذا قبر إسماعيل. وقيل: بَل قبره مقابل الحجر الأسود. وَقَالَ ابْن الزُّبَيْر: هَذَا المحدودب يشير إِلَى مَا يلي الركن الشامي من الْمَسْجِد الحرام، فقبور عذارى بنات إِسْمَاعِيل. قَالَ: وَذَلِكَ الموضع سوي مَعَ الْمَسْجِد ولا يثبت أَن يعود محدودبا كَمَا كَانَ. قَالَ علماء السير: لما توفي إِسْمَاعِيل دبر أمر الحرم بعده ابنه نابت بن إسماعيل،

стр. 285

وَقِيلَ: اسمه نبت، وأمه الجرهمية، ثُمَّ مَات نبت وَلَمْ يكن ولد إِسْمَاعِيل فغلبت جرهم عَلَى ولاية الْبَيْت. أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْبَاقِي، أَخْبَرَنَا الْجَوْهَرِيُّ، أخبرنا ابن حيويه، أخبرنا أحمد بن معروف، أخبرنا الحارث بن أبي أسامة، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْن عُمَر، حَدَّثَنَا موسى بْن إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَبْد اللَّهِ بْن أَبِي الجهم، عَنْ أَبِي بَكْر بْن سُلَيْمَان بْن أبي خيثمة، عن أبي الجهم بْن حذيفة بْن غانم، قَالَ: توفي إِسْمَاعِيل بَعْد إِسْحَاق فدفن داخل الحجر مِمَّا يلي الكعبة مَعَ أمه هاجر. وولي نابت بْن إِسْمَاعِيل الْبَيْت بَعْد أَبِيهِ مَعَ أخواله جرهم [١] . قَالَ ابْن سَعْد: وَأَخْبَرَنَا خَالِد بْن خداش، حَدَّثَنَا عَبْد اللَّهِ بْن وهب المعبري، قال: حدثني حرملة بن عمران، عَنْ إِسْحَاق بْن عَبْد اللَّهِ بْن أَبِي فروة، أَنَّهُ قَالَ: مَا يعلم موضع قبر نبي من الأنبياء إلا ثلاثة: قبر إِسْمَاعِيل، فَإِنَّهُ تَحْتَ الميزاب بَيْنَ الركن والبيت، وقبر هود فإنه في خصف تَحْتَ جبال اليمن عَلَيْهِ شجرة نداء وموضعه أشد الأَرْض [حرا] [٢] ، وقبر رَسُول اللَّه ﷺ [٣] .

стр. 286

بَاب ذكر إِسْحَاق ﵊ [١] زعم الضَّحَّاك بْن مزاحم أَن إِسْحَاق أول مرسل بَعْد إِبْرَاهِيم، قَالَ: وَلَمْ يمت إِبْرَاهِيم حَتَّى بعث إِسْحَاق إِلَى أرض الشام، وبعث يعقوب بْن إِسْحَاق إِلَى كنعان، وبعث إِسْمَاعِيل إِلَى جرهم، وبعث لوط إِلَى سدوم. قَالَ: وَكَانَ هَؤُلاءِ كلهم أحياء عَلَى عهد إِبْرَاهِيم [وَكَانَ إِبْرَاهِيم] [٢] قَدْ زوج ابنه إِسْحَاق أروقة بنت بتاويل بْن ناحور بْن آزر [٣] ، فولدت لإسحاق العيص ويعقوب وَهُوَ ابْن ستين سَنَة. فأما العيص فَإِنَّهُ تزوج بنت عمه إِسْمَاعِيل، وولدت لَهُ الروم، وكل بَنِي الأصفر من ولده. وإنما سمي ولد ولده الأصفر لأنه كَانَ فِيهِ أدمة. وكثر أولاده حَتَّى غلبوا الكنعانيين بالشام، وصاروا إِلَى البحر والسواحل وناحية الإسكندرية، وصار الملوك من ولده، وَهُمُ اليونانية، وسيأتي ذكر يعقوب إِن شاء اللَّه تَعَالَى. وَقَدْ ذكر السدي وغيره: أَن عيصا ويعقوب اعترضا فِي بطن أمهما وكانا توأما، فَقَالَ العيص: أنا أخرج قبلك، فخرج فسمي عيصا، وسمي يعقوب لأنه تبعه [٤] .

стр. 287

قَالَ المصنف: ومثل هَذَا قبيح أَن يذكر، لأن يعقوب اسم أعجمي لَيْسَ بمشتق من العقب، ولا عيصا من المعصية، وإثبات خصومة بَيْنَ حملين من أبعد الأشياء، قَدْ نزهت كتابنا عَنْ مثل هذه الأشياء الَّتِي تملأ مثلها التواريخ والمبتدءات. قَالَ علماء السير: عاش إِسْحَاق مائة وستين سَنَة، وتوفي بفلسطين، ودفن عِنْدَ قبر أَبِيهِ إِبْرَاهِيم/ وانتقل الْمَلِك إِلَى ولد إِسْحَاق، فملك مِنْهُم ملوك. وَكَانَ من زمن كيومرت إِلَى انتقال الْمَلِك إِلَى ولد إسحاق ألف سنة وتسعمائة واثنتان وعشرون سَنَة .

стр. 288

بَاب ذكر يعقوب ﵇ [١] قَدْ ذَكَرْنَا أَن يعقوب ولد فِي زمن إِبْرَاهِيم، ونبئ فِي زمانه أَيْضًا. قَالَ علماء السير: كَانَ إِسْحَاق يميل [إِلَى يعقوب] [٢] ويدعو لَهُ. ويقال: إنه [قَالَ] [٣] للعيص أطعمني لحم صيد أدع لَكَ، فسمع يعقوب فجاءه بلحم فدعا لَهُ فظنه العيص، فتوعد العيص يعقوب بالقتل فخرج هاربا إِلَى خاله لابان فزوجه ليا، فولدت لَهُ روبيل، وشمعون، ولاوي، ويشحب [٤] ، وزبالون، وقيل: زيلون. ثُمَّ توفيت فتزوج أختها راحيل فولدت لَهُ يُوسُف، وابن يامين، ومعناه: ابْن الوجع، لأنها ماتت فِي نفاسه. وذكر الطبري [٥] أَنَّهُ بنيامين، وَهُوَ بالعربية شداد، وولد لَهُ من غيرهما أربعة نفر، وَكَانَ بنو يَعْقُوب اثني عشر ولدا. وَكَانَ أحب الخلق إِلَيْهِ يُوسُف، وَهَؤُلاءِ الأسباط. وأهل الكتاب يقولون: كَانُوا أنبياء، ومختلف فِي ألفاظ أسمائهم، فأما روبيل [٦] فَهُوَ أكبر ولد يعقوب، ثُمَّ شمعون [٧] ويقال سمعان، ثم يهوذا وهو في الرئاسة أعلاهم،

стр. 289

وَكَانَ دَاوُد وعيسى جميعا من ولد يهوذا، ثُمَّ لاوي وَكَانَ موسى وهارون من ولده، ثُمَّ يساخر ثُمَّ زيلون ويقال: زيالون، ويقال: زيولون، وَقَدْ يقال بالراء والباء «ربولون» ، ثُمَّ جادر، ثُمَّ أشيز، ثُمَّ ودان ثُمَّ نفثالي، ويقال: نفثال، ويقال: نفثول، ثُمَّ بنيامين ويوسف، وكانت أم روبيل وسمعون ويهوذا ولاوي ويساخر وزيلون اسمها ليا بنت لايان خال يعقوب، ولهؤلاء أخت منها ومن يعقوب أبيهم يقال لَهَا دنيا، وكانت امرأة أيوب، وكانت أم جاذر وأشيرا اسمها بلها، وكانت أمها راحيل كانت أم يُوسُف وبنيامين اسمها راحيل، وَهِيَ أخت ليا بنت لايان. ومن الحوادث فِي زمان يعقوب [١] مَا جرى ليوسف ﵉ فَإِن أمه راحيل لما ولدته دفعه يعقوب إِلَى أخته تحضنه. قَالَ مجاهد [٢] : أول مَا دَخَلَ عَلَى يُوسُف من البلاء فيما بلغنا أَن عمته ابنة إِسْحَاق، وكانت أكبر ولد إِسْحَاق، وكانت إِلَيْهَا منطقة إِسْحَاق وكانوا يتوارثونها بالكبر وَكَانَ من أختانها مِمَّن وليها كَانَ لَهُ سلما [٣] لا ينازع فِيهِ يصنع فِيهِ مَا شاء، فلما حضنت يُوسُف أحبته حبا شديدا حَتَّى إِذَا ترعرع طلبه يعقوب، فَقَالَتْ: مَا أصبر عَنْهُ، فَقَالَ: وَكَذَلِكَ أنا. قَالَتْ: فدعه عندي أياما، فلما خرج من عندها يعقوب عمدت إِلَى منطقة إِسْحَاق، فشدتها عَلَى يُوسُف من تَحْتَ ثيابه، ثُمَّ قَالَتْ: قَدْ فقدت منطقة إِسْحَاق فانظروا من أخذها، فوجدت مَعَ يُوسُف، فَقَالَتْ: إنه يسلم لي أصنع بِهِ مَا شئت، فَقَالَ يعقوب: أَنْتَ وذاك، فأمسكته فلم يقدر عَلَيْهِ يعقوب حَتَّى ماتت، وبذلك عيره أخوته فِي قولهم: إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ من قَبْلُ ١٢: ٧٧ [٤] . قَالَ علماء السير [٥] : لما رأى أخوة يُوسُف شدة محبة يعقوب له، وعلموا المنام

стр. 290

الَّذِي رآه، وأن الشمس والقمر والنجوم سجدوا لَهُ دخلهم الحسد، فاحتالوا عَلَيْهِ بقولهم: أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ ١٢: ١٢ [١] فلما خرجوا بِهِ إِلَى البرية أظهروا لَهُ العداوة وجعل هَذَا يضربه فيستغيث بالآخر فيضربه، فجعل يصيح: يا أبتاه، يا يعقوب لو تعلم مَا يصنع بابنك، فألقوه فِي الجب، فجعلوا يدلونه فيتعلق بشفير البئر، فربطوا يديه ونزعوا قميصه، فَقَالَ: يا أخوتاه ردوا عَلِي قميصي أتوارى بِهِ فِي الجب، فَقَالُوا: ادع الشمس والقمر والكواكب [تؤنسك] [٢] . فألقوه فِي الماء، فآوى إِلَى الصخرة فِي الجب، ثُمَّ أرادوا أَن يرضخوه بصخرة [٣] ، فمنعهم يهوذا، وَقَالَ: قَدْ أعطيتموني موثقا أَن لا تقتلوه، وَكَانَ يهوذا يأتيه بالطعام، فأوحى اللَّه تَعَالَى لينبئنهم بأمرهم هَذَا، ثُمَّ جاءوا أباهم عشاء يبكون، فَقَالَ: أين يُوسُف؟ قَالُوا: أكله الذئب، وكانوا قَدْ ذبحوا جديا فلطخوا بدمه القميص، فجاءت سيارة بَعْد ثلاثة أَيَّام، فورد واردهم فتعلق بِهِ فصعد، فقال: يا بُشْرى هذا غُلامٌ ١٢: ١٩ [٤] . فَقَالَ إخوته: هَذَا غلام آبق منا. واشتروه مِنْهُم بعشرين درهما، ثُمَّ باعوه بمصر، فاشتراه قطفير [٥] ، وَكَانَ عَلَى خزائن مصر، وفرعون مصر يَوْمَئِذٍ الريان بْن الْوَلِيد من أولاد سام بْن نوح. ويقال: إِن هَذَا الْمَلِك لَمْ يمت حَتَّى آمن بيوسف، ثُمَّ مَات ويوسف حي، ثُمَّ ملك بعده قابوس بْن مُصْعَب، فدعاه يوسف إلى الإسلام فأبى. فلما اشتراه قطفير أتى بِهِ منزله، فَقَالَ لامرأته واسمها راعيل: أكرمي مثواه، وَكَانَ لا يأتي النساء، فراودته عن نفسه، وَقالَتْ: هَيْتَ لَكَ ١٢: ٢٣، أي: تهيأت لك، قال: مَعاذَ الله ١٢: ٢٣ [٦] . فأما قوله: وَهَمَّ بِها ١٢: ٢٤ [٧] ، فَإِنَّهُ حَدِيث الطبع وتمنيه نيل الشهوة لو كانت مباحة فَإِن الإِنْسَان إِذَا صام اشتهى شرب الماء، غَيْر أَن الصوم مانع، فرأى البرهان وهو علمه

стр. 291

بأن اللَّه تَعَالَى حرم الزنا ولا يلتفت إِلَى مَا يروى فِي التواريخ والتفاسير من أَنَّهُ رأى يَعْقُوب عاضا عَلَى يده فَإِن مرتبة يُوسُف كانت أعلى من هَذَا. وَقَدْ شرحنا هَذَا فِي التفسير. والشاهد الَّذِي [شهد] [١] كَانَ طفلا صغيرا تكلم هكذا. قَالَ علماء السير: فَلَمَّا رَأى ١٢: ٢٨ زوج المرأة قَمِيصُهُ قُدَّ من دُبُرٍ ١٢: ٢٧، قال لزوجته إِنَّهُ من كَيْدِكُنَّ ١٢: ٢٨، ثم قال ليوسف: أَعْرِضْ عَنْ هذا ١٢: ٢٩، أي لا تذكره لأحد وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ ١٢: ٢٩ [٢] . فشاع الحديث، وجعل النسوة يقلن: امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ ١٢: ٣٠ [٣] ، فلما سمعت بِذَلِكَ أعدت لهن طعاما وَمَا يتكئن عَلَيْهِ من الوسائد، وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً ١٢: ٣١ [٤] لقطع الأترج، ثُمَّ قَالَتْ ليوسف: اخرج، فخرج عليهن فقطعن أيديهن بالسكاكين، وهن يحسبن أنهن يقطعن الأترج، فَقَالَتْ لهن: فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ ١٢: ٣٢ فاستغاث يُوسُف بربه ، وَقَالَ: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ ١٢: ٣٣ [٥] قَالَتْ لزوجها: إِن هَذَا العبد العبراني قَدْ فضحني بَيْنَ النَّاس يعتذر إِلَى النَّاس، ولا يطيق أَن أعتذر، فإما أَن تأذن لي فأعتذر، وإما إِن تحبسه فحبسه، فأدخل مَعَهُ السجن فتيان من فتيان الْمَلِك، وَكَانَ أحدهما صاحب طعامه فبلغه أَنَّهُ يريد أَن يسمه فحبسه وحبس صاحب شرابه ظنا أَنَّهُ مالأه عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَ يُوسُف قَدْ قَالَ فِي السجن: إني أعبر الرؤيا، فسألاه عَنْ مناميهما المذكورين فِي الْقُرْآن، وَقَدْ قيل: إنهما لَمْ يريا شَيْئًا وإنما جربا عَلَيْهِ فدعاهما إِلَى التوحيد أولا بقوله أرباب متفرقون. ثُمَّ فسر مناميهما، فقالا: مَا رأينا شَيْئًا، فَقَالَ: قُضِيَ الْأَمْرُ ٢: ٢١٠ [٦] ثُمَّ قَالَ للذي ظن أَنَّهُ ناج منهما: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ١٢: ٤٢ [٧] . وأخبره أَنَّهُ محبوس ظلما. فأوحى إِلَيْهِ: يا

стр. 292

يُوسُف اتخذت من دُونَي وكيلا! لأطيلن حبسك، فبكى وَقَالَ: يا رب أنسى قلبي كثرة البلوى فَقُلْتُ كلمه، فويل لإخوتي! فلبث فِي السجن سبع سنين، ثُمَّ رأى الْمَلِك مناما، وَهُوَ قَوْله: إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ ١٢: ٤٣ [١] فقصها على أصحابه، فقالوا: أَضْغاثُ أَحْلامٍ ١٢: ٤٤ فَقَالَ الَّذِي نجا من الفتيين [٢] ، وَهُوَ الساقي وَادَّكَرَ ١٢: ٤٥ أي: ذكر حاجة يُوسُف أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ ١٢: ٤٥ [٣] فأرسلوه، فأتى يُوسُف فأخبره وَقَالَ: تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ ١٢: ٤٧ [٤] . ومعناه: ازرعوا. فعاد إِلَى الْمَلِك، فأخبره. فَقَالَ الملك: ائْتُونِي به ١٢: ٥٠ [٥] فأبى يُوسُف أَن يخرج حِينَ رابه مِمَّا قرب/ به، فقال: ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ١٢: ٥٠ [٦] فجمع الْمَلِك النسوة، وَقَالَ: مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ١٢: ٥١ [٧] . ولكن امرأة الْعَزِيز أخبرتنا أَنَّهَا راودته فَقَالَتِ امرأة العزيز: أَنَا راوَدْتُهُ ١٢: ٥١ [٨] ، فَقَالَ يُوسُف: ذَلِكَ الفعل الَّذِي فعلت من ترديدي رَسُول الْمَلِك ليعلم قطفير سيدي أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ١٢: ٥٢. فلما تبين للملك عذر يُوسُف ورأى أمانته، قال: ائْتُونِي به أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا ١٢: ٥٤ أتي بِهِ فكلمه قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ ١٢: ٥٤ فقال: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ ١٢: ٥٥ أي على حفظ الطعام إِنِّي حَفِيظٌ ١٢: ٥٥ لما استودعتني عَلِيمٌ ١٢: ٥٥ [٩] بسني المجاعة، فولاه عمل قطفير [١٠] ، وعزل قطفير، فهلك قطفير فِي تلك الأيام، وزوج الْمَلِك يُوسُف امرأة قطفير [١١] ، فلما دخلت عَلَيْهِ قَالَ: أليس هذا خيرا مما كنت تريدين،

стр. 293

فَقَالَتْ: أيها الصادق لا تلمني فإني كنت امرأة حسناء فِي ملك ودنيا، وَكَانَ صاحبي لا يَأْتِي النِّسَاء، وكنت فيما أعطاك ربك من الْحَسَن فغلبتني نفسي، فيزعمون أَنَّهُ وجدها عذراء فأصابها فولدت لَهُ أفراييم [١] وميشا [٢] ، فولد لأفراييم نون، وولد لنون يوشع فتى موسى، وولد لميشا موسى، وَهُوَ نبي قبل موسى بْن عمران. وَقَدْ روي فِي حقها غَيْر هَذَا عَلَى مَا سيأتي. فلما ولي يُوسُف أمر النَّاس بالزرع فزرعوا، فأمر بترك الزرع فِي سنبله، ودخلت السنون المجدبة، وقحط النَّاس وأجدبت بلاد فلسطين، وباع يُوسُف الطعام بالدنانير والدراهم والحلي والجلل، ثُمَّ باعهم فِي السنة الأخرى بالعبيد والإماء، ثُمَّ باعهم بَعْد ذَلِكَ بالْخَيْل والدواب، ثُمَّ بالمواشي والبقر والطير، ثُمَّ بالقرى والضياع والمنازل، ثُمَّ باعهم بأنفسهم، فلم يبق بمصر رجل ولا امرأة ولا صَغِير ولا كبير إلا صار فِي ملك يُوسُف. أَخْبَرَنَا أَبُو المعمر الأَنْصَارِي، أَخْبَرَنَا صاعد بْن سيار، أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن أَبِي سهل الغورجي، أَخْبَرَنَا إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيمَ الْحَافِظ إجازة، أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن حمزة، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن المنذر، قَالَ: حَدَّثَنِي مطروح بْن شاكر، حَدَّثَنَا عَلِي بْن معبد العبدي، حَدَّثَنَا عُمَر بْن عَبْد اللَّهِ القُرَشِيّ، قَالَ: [٣] جاء سيل [بمصر] [٤] فحسر عَنْ بَيْت من ذهب فِي أصل جبل عَلَيْهِ مصراعان وفيه امرأة عَلَيْهَا سبعة عقود وسبعة أسورة وإلى جانبها صخرة مكتوب فِيهَا: أنا شادة بنت فُلان الْمَلِك، أصابتنا مجاعة عَلَى عهد يُوسُف، فبذلت صاعا من درهم بصاع من طعام، فلم أقدر عَلَيْهِ، ثُمَّ بذلت صاعا من دنانير بصاع من طعام فلم أقدر عَلَيْهِ، ثُمَّ بذلت صاعا من لؤلؤ بصاع من طعام فلم أقدر عَلَيْهِ، فعمدت إِلَى اللؤلؤ فسحقته ثُمَّ شربته فزادني جوعا، فمت جوعا، فأيما امرأة طلبت الدُّنْيَا بَعْد فأماتها الله موتي فإنّي إنما مت جوعا.

стр. 294

وَقَدْ روي أَن زليخا صارت فِي ملك يُوسُف لأنها اشترت منه بجميع ملكها، ثُمَّ بنفسها فأخرجها يُوسُف من مدينته فابتنت لنفسها مسكنا عَلَى قارعة طريق يُوسُف، فغيرتها السنون ونسيها يُوسُف واشتغل بملكه ﵇، وكبرت وعميت وانحنى صلبها. وَكَانَ يُوسُف يركب فِي كل شهر ركبة في ثمانمائة ألف، وَفِي ألف لواء وألفي سَيْف يدور فِي عمله وينتصب لأهل مملكته، وينصف للمظلوم من الظَّالِم. وكانت زليخا تلبس جبة صوف وتشد حقويها بحبل من ليف وتقف عَلَى قارعة الطريق فَإِذَا حاذاها يُوسُف نادته فلا يسمع نداءها، ففعلت ذَلِكَ مرارا، فركب يوما فنادته: أيها الْعَزِيز سبحان من جعل العبيد بالطاعة ملوكا. وجعل الملوك بالمعصية عبيدا، فسمعها فبكى والتفت إِلَى فتاه، فَقَالَ: انطلق بهذا العجوز معك إِلَى دار الْمَلِك، واقض لَهَا كُل حاجة، فَقَالَ لَهَا الغلام: مَا حاجتك يا عجوز؟ فَقَالَتْ لَهُ: إِن حاجتي محرمة أن يقضيها غَيْر يُوسُف، فأقبل يُوسُف من موكبه فدعا بها، وَقَالَ: من أَنْتَ يا عجوز؟ قَالَتْ: أنا معتقتك ومذللتك، أنا زليخا، فبكى وَقَالَ: مَا فعل حسبك وجمالك، قَالَتْ: ذهب بِهِ الَّذِي ذهب بذلتك ومسكنتك وأعطاك هَذَا الْمَلِك، فَقَالَ: يا زليخا إِن لَكَ عندي قضاء ثلاث حوائج فسلي، فو حقّ شيبة إِبْرَاهِيم لأقضينها، فَقَالَتْ: حاجتي الأولى أَن تدعو اللَّه أَن يرد عَلِي بصري وشبابي، فدعا اللَّه لَهَا فرد بصرها وشبابها، فلما نظر إِلَى حسنها وجمالها لَمْ يتمالك أَن ضحك، ثُمّ قَالَتْ: ادع اللَّه أَن يرد عَلِي حسني كَمَا كَانَ، فدعا اللَّه فرد حسنها وجمالها وزادها كرامة ليوسف، فصارت كأنها بنت ثماني عشرة سَنَة، وَكَانَ لَهَا يَوْمَئِذٍ مائة وعشرون سَنَة، فَقَالَتْ: حاجتي الثالثة ... قَالَ مَا هِيَ؟ قَالَتْ: ليست حاجتي إليك، قَالَ: فَمَا حاجتك؟ قَالَتْ: أَن تتزوج بي، فأوحى اللَّه إِلَيْهِ أَن تزوج بها وزينها بكل زينة، ثُمَّ دَخَلَ بها فأصابها بكرا، وأولدها اثني عشر ولدا. ذكر هذه القصة أَبُو الْحُسَيْن بْن المنادي من حَدِيث وهب بْن منبه، وغيره. قَالَ الْعُلَمَاء: وبلغ الجدب أرض كنعان وهلكت ماشية يعقوب ودوابه وجاع هو وأولاده، فقال لهم: انطلقوا فاشتروا لنا من عزيز مصر طعاما. وكان يوسف قد أقعد صاحب جوازه عَلَى الطريق، وأمره أَن لا يترك أحدا من أَهْل الشام يدخل مصر إلا سأله عَنْ حاله وقصته، فلما قدم ولد يعقوب سألهم من أين هم؟ فقالوا: نحن كنعانيون من بني يعقوب النَّبِي ﵇، وكتب إِلَى يُوسُف بِذَلِكَ، وأنهم يريدُونَ اشتراء طعام، فورد

стр. 295

الكتاب عَلَى يُوسُف فبكى بكاء شديدا، ثُمَّ قَالَ: عز عَلِي يا نبي اللَّه بِمَا قاسيت من فقراء الشَّام وجوعها وأنا ملك مصر، ثُمَّ أدخلهم عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ١٢: ٥٨ [١] فجعته العبرة ثُمَّ قَالَ: من أين أنتم؟ قَالُوا: من وادي كنعان، قَالَ: ومن أنتم؟ قَالُوا: بنو يعقوب النَّبِي ابْن إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيمَ الخليل، فَقَالَ: حياكم اللَّه يا ولد يعقوب، ألكم حاجة؟ قَالُوا: نعم أصابتنا خصاصة، فوجهنا يعقوب إليك نمتار منك طعاما، فأمر بصرارهم فأخذت، ثُمَّ دعا فتاه من حيث لا يشعرون، فأمره أَن يجعل كُل صرة فِي حمل من الأحمال الَّتِي يكيل فِيهَا الطعام لَهُمْ، وَكَانَ هُوَ يتولى الكيل بنفسه ويخيط الحمل بنفسه، فلما أرادوا الرحيل، قَالَ: كَيْفَ رأيتم سيرتي وحسن ضيفي؟ قَالُوا: جزاك اللَّه خيرا، فَقَالَ: إِن لي إليكم حاجة، قَالُوا: وَمَا حاجتك؟ قَالَ: تخبروني كم ولد يعقوب؟ قَالُوا: اثنا عشر، قَالَ: فَمَا أرى إلا عشرة، قَالُوا: أما أحدهما وَكَانَ يقال لَهُ يُوسُف وَكَانَ أجملنا فأكله الذئب، قَالَ: فالآخر، قَالُوا: موكل بخدمة يَعْقُوب يتسلى بِهِ، قَالَ: فآتوني بأخيكم هَذَا، فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي، وَلا تَقْرَبُونِ ١٢: ٦٠ [٢] . فرجعوا إِلَى يعقوب فقصوا عَلَيْهِ قصتهم، فبكى يعقوب، وَقَالَ: هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ من قَبْلُ ١٢: ٦٤ [٣] ثُمَّ فتحوا متاعهم فوجدوا الصرار، فَقَالُوا: يَا أَبانا مَا نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا ١٢: ٦٥ [٤] . ثُمَّ مَا زالوا بيعقوب حَتَّى بعث معهما ابْن يامين، ثُمَّ أَنَّهُ كره أَن تصيبهم العين، فَقَالَ: لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا من أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ ١٢: ٦٧ [٥] . فلما وصلوا إِلَيْهِ فرأى يُوسُف ابْن يامين خنقته العبرة، فلما جلسوا نصب لَهُمْ موائد ستة، وأمر كُل واحد مِنْهُم أَن يأخذ بيد أخيه من أمه وأبيه فيجلسان عَلَى مائدة، وأخذ كُل واحد بيد أخيه، فبقيت مائدة خالية وابن يامين قائم وحده، فَقَالَ يُوسُف: يا غلام مَا لَكَ لا تقعد مَعَ إخوتك؟ قَالَ: لَيْسَ لي قرين، ولقد كَانَ لي أخ فأكله الذئب، فَقَالَ: أتحب يا غلام

стр. 296

أَن أجلس أنا معك؟ قَالَ: نعم، فجلس مَعَهُ فجعل ابْن يامين يبكي، قَالَ: مَا لَكَ؟ قَالَ: أري فِي وجهك علامات طال مَا كنت أراها فِي وجه أَخِي يُوسُف. فلما كَانَ لَهُمْ أمر فتاه أَن يجعل الصواع فِي رحل ابْن يامين/ فلما خرجوا نادى مناد: أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ ١٢: ٧٠ [١] . فجرى لَهُمْ مَا قص فِي الْقُرْآن إِلَى أَن ظهر الصواع فِي رحل ابْن يامين، فأقبلوا يلطمون وجه ابْن يامين، وَهُوَ يَقُول: وحق شيبة إِبْرَاهِيم مَا سرقت ولا علمت كَمَا لَمْ تعلموا أنتم بصراركم قبل ذَلِكَ، فلما رجعوا إِلَى أبيهم، تخلف روبيل، وَقَالَ: فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي ١٢: ٨٠ [٢] . فلما أخبروا يعقوب، قَالَ: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً ١٢: ٨٣ [٣] ، ثُمَّ أعرض عَنْهُم، وَقال يَا أَسَفى عَلى يُوسُفَ ١٢: ٨٤ [٤] ، فَقَالُوا لَهُ: لا تزال تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً ١٢: ٨٥ [٥] . فقال: إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى الله ١٢: ٨٦ لا إليكم وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ١٢: ٨٦ [٦] من صدق رؤيا يُوسُف. وقيل: إِن يعقوب سأل ملك الْمَوْت: هل قبضت روح يُوسُف؟ قَالَ: لا، فَقَالَ لأَصْحَابه: اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ ١٢: ٨٧ [٧] . فرجعوا إِلَى مصر، فدخلوا عَلَى يُوسُف فَقَالُوا: مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ ١٢: ٨٨ [٨] وكانت سمنا وصوفا، فسألوا التجاوز عَنْهُم، وَقَالُوا له: وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا ١٢: ٨٨ [٩] أي: بفضل مَا بَيْنَ الرديء والجيد، وقيل: ترد أخانا. فبكى وَقَالَ: هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ ١٢: ٨٩

стр. 297

بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ ١٢: ٨٩ [١] فقالوا: إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي ١٢: ٩٠ [٢] فقالوا: لَقَدْ آثَرَكَ الله عَلَيْنا ١٢: ٩١ [٣] فَقَالَ: مَا فعل أَبِي؟ قَالُوا: عمي من الحزن، فَقَالَ: اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا [فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ] ١٢: ٩٣ [٤] . فلما فصلوا بالقميص قَالَ يعقوب: إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ١٢: ٩٤ [٥] فكان بينهما مسيرة ثمانية أَيَّام. قَالَ الْعُلَمَاء: واستأذنت الريح ربها أن تأتي ربيح القميص يعقوب قبل البشر، فأذن لَهَا. فلما وصل وَهُوَ يهوذا، وَكَانَ قَدْ قَالَ: أنا ذهبت بالقميص ملطخا بالدم فأخبرته أَنَّهُ أكله الذئب وأنا أذهب اليوم بالقميص فأخبره أَنَّهُ حي فأفرحه كَمَا أحزنته، فألقاه عَلَى وجه يَعْقُوب فارتد بصيرا، فَقَالَ أولاده: يَا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ١٢: ٩٧ [٦] . قال سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ ١٢: ٩٨ [٧] . فأخر ذَلِكَ إِلَى ليلة الجمعة وقت السحر. ثُمَّ دَخَلَ يعقوب وأولاده وأهله إِلَى مصر، فلما بلغوا خرج يُوسُف يتلقاه فِي ألوف كثيرة، فنظر يعقوب إِلَى الْخَيْل، فَقَالَ لابنه يهوذا وَهُوَ يتوكأ عَلَيْهِ: هَذَا فرعون [مصر] [٨] ، فقال: لا هذا ابنك يُوسُف. فلما التقيا قَالَ يعقوب: السَّلام عليك يا مذهب الأحزان، فلما دخلوا مصر رفع أبويه عَلَى العرش، وَهُوَ السرير. والمراد بأبويه: أبوه وأمه، وقيل: بَل خالته وكانت أمه قَدْ ماتت. وخروا لَهُ- الوالدان والأخوة- سجدا. وكانت تحية الناس قديما.

стр. 298

فقال يوسف: يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ ١٢: ١٠٠ [١] الَّتِي رأيتها، وَكَانَ بَيْنَ الرؤيا وتأويلها أربعون سَنَة. قاله سلمان وَقَالَ الْحَسَن: ثمانون. قَالَ الْحَسَن: ألقي يُوسُف فِي الجب وَهُوَ ابْن سبع عشرة سَنَة، وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ وبين لقاء يعقوب ثمانين سَنَة، وعاش بَعْد ذَلِكَ ثلاثا وعشرين سَنَة، ومات وَهُوَ ابْن عشرين ومائة سَنَة. وَقَدْ زعم بَعْض أَهْل الكتاب أَن يُوسُف دَخَلَ مصر وَلَهُ سبع عشرة سَنَة، وأقام فِي منزل الْعَزِيز ثَلاث عشر سَنَة، فلما تمت لَهُ ثلاثون سَنَة استوزره فرعون ملك مصر واسمه الريان بْن الْوَلِيد، وأن هَذَا الْمَلِك آمن بِهِ ثُمَّ مَات. وَقَالَ بَعْض علماء السير: أقام يعقوب عِنْدَ يُوسُف [بمصر] [٢] أربعا وعشرين سَنَة، وقيل: سبع عشرة، ومات وَهُوَ ابْن مائة وسبع وأربعين سَنَة، وعاش يُوسُف بَعْد يعقوب ثلاثا وعشرين سَنَة، وأوصى إِلَى يُوسُف أَن يدفنه عِنْدَ أَبِيهِ إِسْحَاق، فحمله إِلَى هناك، وأوصى يُوسُف إِلَى أخيه يهوذا [أَن يدفن إِلَى جنب آبائه] [٣] . ومات.

стр. 299

بَاب ذكر أيوب ﵊ [١] وَهُوَ أيوب بْن أموص بْن رازح بْن عيص بْن إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيمَ. نسبه ابْن إِسْحَاق. وَقَالَ هِشَام بْن مُحَمَّد، عَنْ أَبِيهِ: أيوب بْن رازح بْن أموص بْن العيرز بْن العيص [٢] . قَالَ وهب بْن منبه: كَانَ أيوب فِي زمن يعقوب ﵇، وكانت تحته بنت يعقوب، وَكَانَ أبُوهُ مِمَّن آمن لإبراهيم يَوْم إحراقه. وأم أيوب بنت لوط النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِما فلوط جد أيوب لأمه. وبعضهم يجعل أيوب بَعْد سُلَيْمَان، وبعضهم يَقُول: هُوَ بَعْد يُونُس. والذي يقتضيه الصواب تقديمه عَلَى مَا قَدِ اخترنا. ونبينا أيوب فِي زمن يعقوب، وَكَانَ ينزل بالبثنية [٣] من أرض الشام، وَكَانَ غنيا كثير الضيافة والصدقة، وَكَانَ إبليس يومئذ لا يحجب من السماوات فسمع تجاوب الْمَلائِكَة بالصلاة عَلَى أيوب، فأدركه الحسد، فَقَالَ: يا رب لو صدمت أيوب بالبلاء لكفرك، فَقَالَ: اذهب فَقَدْ سلطتك عَلَى ماله، ثُمَّ سلطه عَلَى أولاده، ثُمَّ عَلَى جسده،

стр. 300

وصبرت مَعَهُ زوجته [رحمة] [١] بنت إفراييم بْن يُوسُف بْن يعقوب. قَالَ مجاهد: أول من أصابه الجدري أيوب. وَقَالَ وهب: كَانَ يخرج عَلَيْهِ مثل ثدايا النِّسَاء ثُمَّ يتفقأ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَّاجُ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُذْهِبِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: عَرَجَ الشَّيْطَانُ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ سَلِّطْنِي عَلَى أَيُّوبَ، قَالَ: سَلَّطْتُكَ عَلَى مَالِهِ وَوَلَدِهِ وَلَمْ أُسَلِّطْكَ عَلَى جَسَدِهِ، قَالَ: فَنَزَلَ فَجَمَعَ جُنُودَهُ، فَقَالَ: إِنِّي سُلِّطْتُ عَلَى أَيُّوبَ فَأَرُونِي سُلْطَانَكُمْ، قَالَ: فَصَارُوا نِيرَانًا ثُمَّ صاروا ماء. قال: وبيناهم بِالْمَغْرِبِ إِذَا هُمْ بِالْمَشْرِقِ، فَأَرْسَلَ طَائِفَةً إِلَى زَرْعِهِ وَطَائِفَةً إِلَى إِبِلِهِ وَطَائِفَةً إِلَى غَنَمِهِ، وَقَالُوا: اعْلَمُوا أَنَّهُ لا يَعْتَصِمُ مِنْكُمْ إِلا بِمَعْرِفَةٍ، فَأْتُوهُ بِالْمَصَائِبِ بَعْضِهَا عَلَى إِثْرِ بَعْضٍ. قَالَ: فَجَاءَ صَاحِبُ الزَّرْعِ، فَقَالَ: يَا أَيُّوبُ أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ أَرْسَلَ عَلَى زَرْعِكَ نَارًا فَأَحْرَقَهُ. وَجَاءَ رَاعِي الإِبِلِ، فَقَالَ: يَا أيوب ألم تر إلى ربك أرسل إلى إِبِلِكَ عَدُوًّا فَذَهَبَ بِهَا. وَجَاءَ صَاحِبُ الْبَقَرِ، فقال: يا أيوب ألم تر إلى ربك أَرْسَلَ إِلَى بَقَرِكَ عَدُوًّا فَذَهَبَ بِهَا. ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُ الْغَنَمِ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ. فَقَالَ: وَجَاءَ لِبَنِيهِ فَجَمَعَهُمْ فِي بَيْتِ أَكْبَرِهِمْ، فَبَيْنَا هُمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ فَجَمَعَ أَرْكَانَ الْبَيْتِ فَهَدَمَ عَلَيْهِمُ الْبَيْتَ. قَالَ: فَجَاءَ إِلَى أَيُّوبَ فِي هَيْئَةِ الْغُلامِ وَفِي أُذُنَيْهِ قُرْطَانِ، فَقَالَ: يَا أَيُّوبُ أَلَمْ تَرَ إِلَى بَنِيكَ اجْتَمَعُوا فِي بَيْتِ أَكْبَرِهِمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَتْ رِيحٌ فَأَخَذَتْ بِأَرْكَانِ الْبَيْتِ فَأَلْقَتْهُ عَلَيْهِمْ، فَلَوْ رَأَيْتَهُمْ حِينَ اخْتَلَطَتْ دِمَاؤُهُمْ وَلُحُومُهُمْ وَطَعَامُهُمْ وَشَرَابُهُمْ، فَقَالَ لَهُ أَيُّوبُ: أَيْنَ كُنْتَ أَنْتَ؟ قَالَ: كُنْتُ مَعَهُمْ، قَالَ: فَكَيْفَ أَفْلَتَّ، قَالَ: أَفْلَتُّ، قَالَ: أَنْتَ الشَّيْطَانُ، قَالَ: أَنَا الآن مثلي يوم خرجت

стр. 301

مِنْ بَطْنِ أُمِّي، فَقَامَ فَحَلَقَ رَأْسَهُ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَأَرَنَّ الشَّيْطَانُ رَنَّةً سَمِعَهَا أَهْلُ السَّمَوَاتِ وَأَهْلُ الأَرْضِ، ثُمَّ عَرَجَ فَقَالَ: أَيْ رَبُّ قَدِ اعْتَصَمَ وَإِنِّي لا أَسْتَطِيعُهُ إِلا بِتَسْلِيطِكَ فَسَلِّطْنِي عَلَيْهِ، قَالَ: قَدْ سَلَّطْتُكَ عَلَى جَسَدِهِ وَلَمْ أُسَلِّطْكَ عَلَى قَلْبِهِ. قَالَ: فَنَفَخَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ نَفْخَةً فَصَرَخَ مِنْ قَرْنِهِ إِلَى قَدَمِهِ حَتَّى بَدَا حِجَابُ بَطْنِهِ، وَأُلْقِيَ عَلَيْهِ الرُّقَادُ. قَالَ: فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ ذَاتَ يَوْمٍ: يَا أَيُّوبُ قَدْ وَاللَّهِ نَزَلَ بِي مِنَ الْجُهْدِ وَالْفَاقَةِ، فَابْعَثْ قَرْنًا مِنْ قُرُونِي بِرَغِيفٍ فَأُطْعِمَكَ، فَادْعُ رَبَّكَ فَلْيَشْفِيَكَ، قَالَ: وَيْحَكِ كُنَّا فِي النَّعْمَاءِ سَبْعِينَ عَامًا، فَاصْبِرِي حَتَّى نَكُونَ فِي الضَّرَّاءِ سَبْعِينَ عَامًا. قَالَ: فَكَانَ فِي ذَلِكَ الْبَلاءِ سَبْعِينَ، قَالَ: فَقَعَدَ الشَّيْطَانُ فِي الطَّرِيقِ، فَأَخَذَ تَابُوتًا يَتَطَيَّبُ فَأَتَتْهُ امْرَأَةُ أَيُّوبَ، فَقَالَتْ: يا عبد الله إن ها هنا إِنْسَانًا مُبْتَلًى فَهَلْ لَكَ أَنْ تُدَاوِيَهُ؟ قَالَ: إِنْ شَاءَ فَعَلْتُ عَلَى أَنْ يَقُولَ لِي كَلِمَةً وَاحِدَةً إِذَا بَرَأَ، يَقُولُ: أَنْتَ شَفَيْتَنِي، قال: فأتته فقالت: يا أيوب إن ها هنا رَجُلا يَزْعُمُ أَنَّهُ يُدَاوِيكَ عَلَى أَنْ تَقُولَ لَهُ كَلِمَةً وَاحِدَةً: أَنْتَ شَفَيْتَنِي، قَالَ: وَيْلَكِ ذَلِكَ الشَّيْطَانُ، للَّه عَلَيَّ إِنْ شَفَانِي اللَّهُ أَنْ أَجْلِدَكِ مِائَةَ جَلْدَةٍ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إذ جاءه/ جبرئيل فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَقَالَ: قُمْ، فَقَامَ، فَقَالَ: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ فَرَكَضَ فَنَبَعَتْ عَيْنٌ، فَقَالَ: اشْرَبْ فَشَرِبَ. قَالَ: ثُمَّ أَلْبَسَهُ حُلَّةً مِنَ الْجَنَّةِ وَجَاءَتِ امْرَأَتُهُ فَقَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَيْنَ الْمُبْتَلَى الَّذِي كَانَ هَاهُنَا لَعَلَّ الذِّئَابَ ذَهَبَتْ بِهِ أَوِ الْكِلابُ، قَالَ: فَقَالَ: وَيْحَكِ لأَنَا أَيُّوبُ قَدْ رَدَّ اللَّهُ إِلَيَّ نَفْسِي، قَالَ: فَقَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ لا تَسْخَرْ بِي، قَالَ: وَيْحَكِ أَنَا أَيُّوبُ، فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ مَالَهُ وَوَلَدَهُ بِأَعْيَانِهِمْ وِمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ، وَأَمْطَرَ عَلَيْهِمْ جَرَادًا مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ: فَجَعَلَ يَأْخُذُ الْجَرَادَ بِيَدِهِ ثُمَّ يَجْعَلُهُ فِي ثَوْبِهِ ... [١] فَيَأْخُذُ فَيَجْعَلُ فِيهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: يَا أَيُّوبُ أَمَا شَبِعْتَ، قَالَ أَيُّوبُ: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْبَعُ مِنْ فَضْلِكَ وَرَحْمَتِكَ. قَالَ: فَأَخَذَ ضِغْثًا بِيَدِهِ فَجَلَدَهَا بِهِ. قَالَ وَكَانَ الضِّغْثُ مِائَةَ [شِمْرَاخٍ] [٢] ، فَجَلَدَهَا به جلدة واحدة.

стр. 302

وبالإسناد حَدَّثَنَا عَبْد اللَّهِ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَزِيد، أَخْبَرَنَا جَرِير بْن حازم، قَالَ: سمعت عَبْد اللَّه بْن عَبْد بْن عمير يَقُول: كَانَ لأيوب أخوان فأتياه ذَات يَوْم فوجدا لَهُ ريحا، فقالا: لو كَانَ اللَّه علم من أيوب خيرا مَا بلغ بِهِ كُل هَذَا، قَالَ: فَمَا سمع شَيْئًا كَانَ أشد عَلَيْهِ من ذَلِكَ، فَقَالَ: اللَّهمّ إِن كنت تعلم أني لَمْ أبت ليلة شبعانا وأنا أعلم مكان جائع فصدقني. قَالَ: فصدق وهما يسمعان، ثُمَّ قَالَ: اللَّهمّ إِن كنت تعلم أني لَمْ ألبس قميصا قط وأنا أعلم مكان عار فصدقني. قَالَ: فصدق وهما يسمعان، ثُمَّ قَالَ: ثُمَّ خر ساجدا ثُمَّ قَالَ: اللَّهمّ لا أرفع رأسي حَتَّى تكشف مَا بي، فكشف اللَّه مَا بِهِ. وَقَالَ يَزِيد مرة أُخْرَى: لو كَانَ لأيوب عِنْدَ اللَّه خير مَا بلغ بِهِ كُل هَذَا. وَقَالَ وهب بْن منبه: كانت زوجته تختلف إِلَيْهِ بِمَا يصلحه، وَكَانَ قَدِ اتبعه ثلاثة نفر عَلَى دينه، فلما رأوا مَا نزل بِهِ من البلاء بعدوا عَنْهُ. قَالَ الْحَسَن: مكث أيوب مطروحا عَلَى كناسة سبع سنين وأشهرا مَا يسأل اللَّه أَن يكشف مَا بِهِ وَمَا عَلَى وجه الأَرْض أكرم عَلَى اللَّه من أيوب. وَرَوَى ابْن جريج عَنْ عَطَاء، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَن أيوب ﵇ مكث فِي البلاء سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أَيَّام وسبع ساعات لَمْ يتضعضع وَلَمْ يسأل العافية، وَكَانَ يَقُول: يا رب إِن كَانَ هَذَا لَكَ رضى فشدد، وإن كَانَ من سخط فاغفر. قرأت عَلَى ابْن ناصر، عَنْ سُلَيْمَان بْن إِبْرَاهِيمَ [الأصبهاني] [١] ، قال: أخبرنا عثمان بن أحمد الرقي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عُمَر بْن حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن الخليل القومسي، حَدَّثَنَا هَارُون بْن معروف، حَدَّثَنَا ضمرة بْن ربيعة، عَنْ بشير بْن طَلْحَة، عَنْ خَالِد بْن الدريك قَالَ: لما ابتلي أيوب قَالَ لنفسه: قَدْ نعمت سبعين سَنَة فاصبري عَلَى البلاء سبعين سَنَة. قال علماء السير: كان عمر أيوب ثلاثا وسبعين سَنَة. وَقَالَ قوم: ثلاثا وتسعين سَنَة. وقيل: بل عاش مائة وستا وأربعين، وأوصى عِنْدَ موته إِلَى ابنه حومل.

стр. 303

بَاب ذكر شُعَيْب ﵇ [١] وَهُوَ شُعَيْب بْن عيفا بْن نويب بْن مدين بْن إِبْرَاهِيمَ. هكذا يَقُول الأكثرون. وقرأته بخط أَبِي الحسين بْن المنادي عَلَى خلاف هَذَا النسب وَهَذَا الاسم، قال: هو شعيب ابن نوبب- بباءين مَعَ سكون الواو- بْن رعيل بْن عيفا بْن مدين بْن إِبْرَاهِيمَ. وبعضهم يَقُول: لَيْسَ من ولد إِبْرَاهِيم، إِنَّمَا هُوَ من ولد بَعْض من آمن بِهِ، ولكنه ابْن بنت لوط. أرسل إِلَى أمتين: أَهْل مدين، وأَصْحَاب الأيكة. وكانت مدين دار شُعَيْب والأيكة خلف مدين. وَكَانَ اسمه القديم يبرون [٢] ، هذا نقلته من خط ابن المنادي. وَقَالَ قوم: يثرون بياء وبعدها ثاء. وَقَالَ الشرقي بْن القطامي- وَكَانَ عالما بالأنساب-: هُوَ يثرون بالعبرانية، وشعيب بالعربية. قَالَ الْعُلَمَاء: بعثه اللَّه تَعَالَى إِلَى مدين، وَهُوَ ابْن عشرين سَنَة، وكانوا أَهْل بخس فِي المكاييل والموازين، فدعاهم إِلَى التوحيد ونهاهم عَنِ التطفيف، فكان يقال لَهُ: خطيب الأنبياء، لحسن مراجعته لقومه، فلما طال تماديهم بعث اللَّه عَلَيْهِم حرا شديدا

стр. 304

فأخذ بأنفاسهم، فدخلوا أجواف البيوت، فدخل عَلَيْهِم فخرجوا إِلَى البرية، فبعث اللَّه عَلَيْهِم سحابة فأظلتهم من الشمس، فوجدوا بردا ولذة، فنادى بعضهم بعضا حتى إذا اجتمعوا تحتها أرسل اللَّه عَلَيْهِم نارا فأحرقتهم، فذلك عذاب يَوْم الظلة. قَالَ أَبُو الْحُسَيْن بْن المنادي [١] : وَكَانَ أَبُو جاد، وهواز، وحطي، وكلمون، وسعفص، وقريشات بني الأمحض بْن جندل بْن يعصب بْن مدين بْن إِبْرَاهِيمَ ملوكا. وَكَانَ أَبُو جاد ملك مَكَّة وَمَا والاها من تهامة، وَكَانَ هواز وحطي ملكي وج، وَهُوَ الطائف. وكان سعفص وقريشات ملكي مدين، ثم خلفهم كلمون، وكان عذاب يوم الظلة في ملكه، فقالت حالفة بنت كلمون- وفي رواية: أخت كلمون- ترثيه [٢] : كلمون هد ركني ... هلكه وسط المحلة سيد القوم أتاه ... الحتف نارا وسط ظله كويت نارا فأضحت ... دارهم كالمضمحلة ثم إن شعيبا مكث في أصحاب الأيكة باقي عمره يدعوهم إلى الله سبحانه ويأمرهم بطاعته وتوحيده والإيمان بكتابه ورسله، فما زادهم دعاؤه إلا طغيانا، ثم سلط عليهم الحر. فجائز أَن تكون الأمتان اتفقتا فِي التعذيب. وَقَدْ قَالَ قَتَادَة: أما أَهْل مدين فأخذتهم الصيحة، وَأَمَّا أَصْحَاب الأيكة، فسلط عليهم الحرّ سبعة أَيَّام، ثُمَّ بعث اللَّه عَلَيْهِم نارا فأكلتهم، فذلك عذاب يَوْم الظلة. فأما قَوْله تَعَالَى: وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً ١١: ٩١ [٣] . فَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر: كَانَ أعمى [٤] . وَهَذَا إن ثبت فَقَدْ كَانَ فِي آخر عمره. قَالَ أَبُو روق: لَمْ يبعث اللَّه نبيا أعمى ولا بِهِ زمانة. قَالَ أَبُو الْحُسَيْن بْن المنادي: وَهَذَا القول أليط بالقلوب من قول سعيد بن جبير.

стр. 305

قَالَ أَبُو المنذر: ثُمَّ إِن شعيبا زوج موسى ابنته، ثُمَّ خرج إِلَى مَكَّة فتوفي بها، وأوصى إِلَى موسى، وَكَانَ عمره كُلهُ مائة وأربعين سَنَة، ودفن فِي الْمَسْجِد الحرام حيال الحجر الأسود. ومن الحوادث الَّتِي كانت فِي زمن شُعَيْب ملك منوشهر [١] ورأيته بخط أَبِي الْحُسَيْن بْن المنادي «ميوشهر» قَدْ ضبط بالياء، وهو من ولد إيرج ابن أفريدُونَ، ولما كبر صار إِلَى جده أفريدُونَ فتوجه. وبعث موسى ﵇ وَقَدْ مضى من ملك منوشهر ستون سَنَة، فعاش فِي الْمَلِك ستين [سَنَة] [٢] أُخْرَى، ثُمَّ وثب بِهِ عدو [٣] فنفاه عن بلده اثني عشر سَنَة، ثُمَّ أديل منه منوشهر فنفاه وعاد إِلَى ملكه، فملكه بَعْد ذَلِكَ ثمانيا وعشرين سَنَة. وَكَانَ منوشهر يوصف بالعدل والإحسان، وَهُوَ أول من خندق الخنادق وجمع آلة الحرب وزاد في مهنة المقاتلة الرمي، وأول من وضع الدهقنة فجعل لكل قرية دهقانا، وجعل أهلها لَهُ خولا وعبيدا. وسار إِلَى بلاد الترك مطالبا بدم جده إيرج، فقتل طوخ بْن أفريدُونَ فانصرف. واصطلح هُوَ وقريشات عَلَى أَن يجعلا حد مَا بَيْنَ مملكتيهما منتهى رمية سهم رجل من أَصْحَاب منوشهر، فحيث مَا وقع سهمه من موضع رميته تلك مِمَّا يلي الترك فهو الحدّ بينهما. فرمى ذلك فبلغت رميته نهر بلخ، فصار حد مَا بَيْنَ الترك وولد طوخ وولد إيرج. واشتق منوشهر من الصراة ودجلة ونهر بلخ أنهارا عظاما، وقيل: إنه هُوَ الَّذِي كرى الفرات الأكبر، وأمر النَّاس بحراثة الأَرْض وعمارتها. قَالُوا: ولما مضى من ملك منوشهر خمس وثلاثون سَنَة تناولت الترك من أطراف

стр. 306

رعيته فقام خطيبا فوبخ رعيته- ويقال: هِيَ أول خطبة سمعت من خطيب- وَقَالَ [١] : إِنَّمَا النَّاس ناس مَا دفعوا العدو عَنْهُم، وَقَدْ نالت الترك من أطرفكم، وليس ذَلِكَ إلا من ترككم جهاد عدوكم، وقلة المبالاة، وإن اللَّه أعطانا هَذَا الْمَلِك ليبلونا أنشكر فيزيدنا أم نكفر فيعاقبنا، فَإِذَا كَانَ غدا فاحضروا. وأرسل إِلَى أشراف الأساورة فدعاهم وأدخل الرؤساء، ودعى موبذ موبذان، فأقعد عَلَى كرسي مِمَّا يلي سريره، ثُمَّ قام عَلَى سريره، فقام أشراف أَهْل مملكته، فَقَالَ: اجلسوا فإني إِنَّمَا قمت لأسمعكم كلامي، فجلسوا، فَقَالَ: أيها النَّاس، إِنَّمَا الخلق للخالق، والشكر للمنعم، والتسليم للقادر، ولا بد مِمَّا هُوَ كائن، وَإِنَّهُ لا أضعف من مخلوق طالبا كَانَ أَوْ مطلوبا، ولا أقوى من خالق، ولا أقدر مِمَّن طلبته فِي يده، ولا أعجز مِمَّن هُوَ فِي يد طالبه، وإن التفكر نور، والغفلة ظلمة، والجهالة ضلالة، وَقَدْ ورد الأَوَّل ولا بد للآخر من اللحوق بالأول، وَقَدْ مضت قبلنا أصول نحن فروعها، فَمَا بقاء فرع بَعْد ذهاب أصله! وإن اللَّه أعطانا هَذَا الْمَلِك فله الحمد، ونسأله إلهام الرشد والصدق واليقين، وإن للملك عَلَى أَهْل مملكته [حقا، ولأهل مملكته عَلَيْهِ حقا، فحق الْمَلِك على أهل المملكة] [٢] أن يطيعوه ويناصحوه ويقاتلوا عدوه، وحقهم عَلَى الْمَلِك أَن يعطيهم أرزاقهم في أوقاتها، إذ لا معتمد لهم على غيرها و [أنها تجارتهم، وحق الرعية عَلَى الْمَلِك] [٣] أَن ينظر لَهُمْ، ويرفق بهم، ولا يحملهم مَا لا يطيقون، وإن أصابتهم مصيبة تنقص من ثمارهم من آفة من السماء أَوِ الأَرْض أَن يسقط عَنْهُم خراج مَا نقص، وإن اجتاحتهم مصيبة أَن يعوضهم مَا يقويهم عَلَى عمارتها، ثم يأخذ مِنْهُم بَعْد ذَلِكَ عَلَى قدر مَا لا يجحف بهم، والجند للملك بمنزلة جناحي الطائر، فَمَتَى قص من الجناح ريشه كَانَ ذَلِكَ نقصانا منه، فَكَذَلِكَ الْمَلِك إِنَّمَا هُوَ بجناحه وريشه. ألا وإن الْمَلِك ينبغي أَن يَكُون فِيهِ ثَلاث خصال: أولها أَن يَكُون صدوقا لا يكذب، وأن يَكُون سخيا لا يبخل، وأن يملك نَفْسه عِنْدَ الغضب، فَإِنَّهُ مسلط ويده

стр. 307

مبسوطة، والخراج يأتيه، فينبغي ألا يستأثر عَنْ جنده ورعيته بِمَا هُمْ أهله، وأن يكثر العفو، فَإِنَّهُ لا ملك أبقى من ملك فِيهِ العفو، ولا أهلك من ملك فِيهِ العقوبة، ولأن يخطئ في العفو فيعفو، خير من أَن يخطئ فِي العقوبة. فينبغي للملك أَن يتثبت فِي الأمر الَّذِي فِيهِ قتل النفس [وبواها] [١] ، وإذا رفع إِلَيْهِ من عامل من عماله مَا يستوجب بِهِ العقوبة فلا ينبغي لَهُ أَن يحابيه، وليجمع بينه وبين المتظلم، فإن صح عليه للمظلوم حق خرج إليه منه، وإن عجز عنه آدمي أدى عنه الملك [ورده إلى موضعه] [٢] ، وأخذه بإصلاح ما أفسد، فهذا لكم علينا. ألا من سفك دما بغير حق أو قطع يدا بغير حق، فإني لا أعفو عَنْ ذَلِكَ إلا أَن يعفو عَنْهُ صاحبه، فخذوا هَذَا عني. وإن الترك قَدْ طمعت فيكم فاكفوها بِمَا تكفون أنفسكم بِهِ، وَقَدْ أمرت لكم بالسلاح والعدة وَأَنَا شريككم فِي الرأي، وإنما لي من هَذَا الْمَلِك اسمه مَعَ الطاعة منكم. ألا وإن الْمَلِك ملك إِذَا أطيع، فَإِذَا خولف فذلك مملوك لَيْسَ بملك. فمهما بلغنا من الخلاف فإنا لا نقبله من المبلغ لَهُ حَتَّى نتيقنه منه، فَإِذَا صحت معرفة ذَلِكَ أنزلناه منزل المخالف. ألا وإن أكمل الأداة عِنْدَ المصيبات الأخذ بالصبر والراحة إِلَى اليقين، فمن قتل فِي مجاهدة العدو رجوت لَهُ الفوز برضوان اللَّه. وأفضل الأمور التسليم لأمر اللَّه والراحة إِلَى اليقين والرضا بقضائه، أين المهرب مِمَّا هُوَ كائن! وإنما يتقلب فِي كف الطالب، وإنما أَهْل هذه الدنيا سفر لا يحلون عقد الرحال إلا فِي غيرها، وإنما بلغتهم فِيهَا بالعواري، فَمَا أَحْسَن الشكر للمنعم والتسليم لمن الْقَضَاء لَهُ! ومن أحق بالتسليم لمن فوقه مِمَّن لا يجد مهربا إلا إِلَيْهِ، ولا معوّلا إلا عليه!

стр. 308

فثقوا أَن النصر من اللَّه تَعَالَى، وكونوا عَلَى ثقة من درك الطلبة إِذَا صحت نياتكم، واعلموا أَن هَذَا الْمَلِك لا يقوم إلا بالاستقامة وحسن الطاعة، وقمع العدو وسد الثغور والعدل للرعية وإنصاف المظلوم، فشفاؤكم عندكم، والدواء الَّذِي لا داء فِيهِ الاستقامة، والأمر بالخير والنهي عَنِ الشر، ولا قوة إلا باللَّه. انظروا للرعية فإنها مطعمكم ومشربكم، ومتى عدلتم فِيهَا رغبوا فِي العمارة، فزاد ذَلِكَ في خراجكم، وتبين فِي زيادة أرزاقكم، وإذا خفتم عَلَى الرعية زهدوا فِي العمارة، وعطلوا أَكْثَر الأَرْض فنقص ذَلِكَ من خراجكم، وتبين فِي نقص أرزاقكم، فتعاهدوا الرعية بالإنصاف. هَذَا قولي وأمري يا موبذ موبذان، الزم هَذَا القول وجد [١] فِي هَذَا الَّذِي سمعت فِي يومك، أسمعتم أيها النَّاس! فَقَالُوا: نعم، قَدْ قُلْت فأحسنت، ونحن فاعلون إِن شاء اللَّه. ثُمَّ أمر بالطعام فوضع فأكلوا وشربوا، ثُمَّ خرجوا وَهُمْ لَهُ شاكرون. وَكَانَ ملكه مائة وعشرين سَنَة، فلما هلك قريشات، وتغلب عَلَى مملكة فارس، وصار إِلَى أرض بابل، وأقام بأذربيجان، وأكثر الفساد فبقي اثنتي عشرة سَنَة إِلَى أَن ظهر زو. وَكَانَ من الملوك فِي هَذَا الزمان الرائش بْن قيس بْن صيفي بْن سبأ بْن يشجب بْن يعرب بْن قحطان، كَانَ من ملوك اليمن بَعْد يعرب بْن قحطان وإخوته. وَكَانَ [ملكه باليمن أَيَّام] ملك [منوشهر، وإنما سمي] [٢] الرائش- واسمه الْحَارِث- لغنيمة غنمها من قوم غزاهم فأدخلها اليمن، فسمي لِذَلِكَ الرائش. وأنه غزا الهند فقتل بها وسبى وغنم الأَمْوَال ورجع إِلَى اليمن، ثم سار منها على

стр. 309

جبل طيِّئ، ثُمَّ عَلَى الأنبار، ثُمَّ عَلَى الموصل، وأنه وجه منها خيله وعليها رجل من أَصْحَابه، يُقَال لَهُ: شمر بْن العطاف، فدخل عَلَى الترك أرض أذربيجان وَهِيَ فِي أيديهم يَوْمَئِذٍ، فقتل المقاتلة وسبى الذرية، وزبر مَا كَانَ من مسيره فِي حجرين، فهما معروفان ببلاد آذربيجان. وملك بَعْد الرائش ابنه أبرهة، ويقال لَهُ: ذو منار. وإنما قيل ذَلِكَ لأنه غزا بلاد المغرب فأوغل فِيهَا فخاف عَلَى جيشه الضلال عِنْدَ قفوله، فبنى المنار ليهتدوا بِهِ. وَهُوَ أحد الملوك الَّذِينَ توغلوا فِي الأَرْض، وَكَانَ لَهُ ولد يقال لَهُ: «العبد» فبعثه إِلَى ناحية من أقاصي بلاد المغرب، فغنم وأصاب مالا، وقدم عَلَيْهِ بسبي لَهُمْ خلق منكرة. فذعر النَّاس مِنْهُم، فسموه ذا الأذعار. ويقال: إِن ملوك اليمن كَانُوا عمالا لملوك الفرس بها ومن قبلهم كانت ولايتهم بها .

стр. 310

بَاب ذكر موسى ﵇ [١] كَانَ بَيْنَ موسى وإبراهيم ألف سَنَة، وبين إِبْرَاهِيم ونوح ألف سَنَة، وبين نوح وآدم ألف سَنَة. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حيويه، أخبرنا أحمد بن معروف، أخبرنا الحارث بن أبي أسامة، حدثنا محمد بن سعد، أَخْبَرَنَا قُبَيْصَة بْن عقبة، أَخْبَرَنَا سُفْيَان بْن سَعْد، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عكرمة، قَالَ: كَانَ بَيْنَ آدَم ونوح عشرة قرون كلهم عَلَى الإِسْلام. قَالَ ابْن سَعْد: وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عمر، عن غير واحد من أهل العلم، قَالُوا: كَانَ بَيْنَ آدَم ونوح عشرة قرون، القرن مائة سَنَة، وبين نوح وإبراهيم عشرة قرون، والقرن مائة سَنَة، وبين إِبْرَاهِيم وموسى عشرة قرون، والقرن مائة سَنَة. وَهُوَ موسى بْن عمران بْن قاهث بْن لاوي بْن يعقوب كَذَلِكَ قَالَ هِشَام بْن مُحَمَّد، عَنْ أَبِيهِ. وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: موسى بْن عمران بْن يصهر بْن قاهث بْن لاوي. ورأيته بخط أَبِي الْحُسَيْن بْن المنادي: «ناهب» بالنون والباء. واسم أم موسى يوخابذ [٢] .

стр. 311

وَكَانَ الكهان قَدْ قَالُوا لفرعون- واسمه الْوَلِيد بن مصعب بن معاوية بن أبي نمير بن الهلواش بن ليث بن هاران بن عمرو بن عملاق. وكان فرعون يوسف لا يؤذي بَنِي إسرائيل بَل يحسن إليهم، فلما مَات ولي بعده فرعون من فراعنتهم فلم يؤذي بَنِي إسرائيل، ثُمَّ ملك فرعون موسى، وَهُوَ الرابع من الفراعنة، وَكَانَ أخبثهم، وعاش ثلاثمائة سَنَة، واستعبد بَنِي إسرائيل وعذبهم، [وصنفهم فِي أعماله] [١] ، فصنف يبنون لَهُ، وقوم يحرثون لَهُ، ومن لا عمل لَهُ فَعَلَيْهِ الجزية. أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن ناصر الحافظ، أَخْبَرَنَا المبارك بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ الْبَرْمَكِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ سَلَمَ/ إجازة، أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عبد الخالق، حدثنا أبو بَكْر المروزي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْد اللَّهِ المروزي، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد، حَدَّثَنَا مَعْمَر بْن بِشْر، قَالَ: سمعت عَبْد اللَّهِ بْن الْمُبَارَك، يَقُول: كَانَ فرعون عطارا، وَكَانَ من أَهْل أصبهان فأفلس وركبه دين فخرج يلتمس ما يقضي دينه فلم تزل ترفعه أرض وتضعه أُخْرَى حَتَّى دَخَلَ مصر، ورأى عِنْدَ بَاب المدينة وقر بطيخ بدرهم، وَفِي المدينة بطيخة بدرهم. قَالَ فرعون: قَدْ صرت إِلَى موضع أقضي ديني وأستغني فأشتري وقرا بدرهم. ومضى ليدخله المدينة فتناول كُل إِنْسَان بطيخة حَتَّى بقي مَعَهُ واحدة وباعها بدرهم، فضجر، فَقَالُوا لَهُ: هكذا سنتنا، فَقَالَ: أما ها هنا أحد [٢] يعدل [٣] أَوْ نصير؟ فَقَالُوا: لا ها هنا ملك، قَدْ خلا بلذاته، وسلط وزيره عَلَى النَّاس لَيْسَ ينظر فِي شَيْء، فبسط لبدا عَلَى المقابر، فجعل يأخذ من كُل جنازة أربعة دراهم، فصبر بِذَلِكَ مَا شاء اللَّه [٤] حَتَّى ماتت بنت الْمَلِك، فمروا بها عَلَيْهِ، فَقَالَ: هاتوا أربعة دراهم، فَقَالُوا: هذه بنت الْمَلِك، فَقَالَ: هاتوا ثمانية، فما زال وزالوا يتنازعون حَتَّى أضعف عَلَيْهِم مرات، فلما رجعوا قَالُوا للملك: عمل بنا عامل الموتى كَذَا وكذا، قال: ومن عامل الموتى، فوصفوا له.

стр. 312

فبعث إِلَى وزيره، فدعاه فَقَالَ: أَنْتَ استعملت هَذَا؟ قَالَ: لا، فدعاه، فَقَالَ: من استعملك، فقص عَلَيْهِ القصة، وأخبره بأمر البطيخ وأنهم قَالُوا لَهُ إنه لَيْسَ ها هنا أحد يعدل، فلما رأيت ذلك صنعت مَا ترى لينتهي إليك، فتغير وتنتبه لملكك [١] . قَالَ: فمذ كم أَنْتَ عَلَى حالك [٢] ، فَقَالَ: سنين كثيرة حَتَّى صرت إِلَى الأَمْوَال الكثيرة [٣] ، فأمر بوزيره فضربت عنقه، واستوزر فرعون فسار فيهم بسيرة حسنة وأذاقهم فِيهَا طعم العيش لما كَانُوا فِيهِ قبل. يقضي [بالحق ولو عَلَى نَفْسه. ثُمَّ] إِن الْمَلِك مَات، فَقَالُوا: من نستخلف؟ فاجتمع رأيهم فَقَالُوا: لا نستعمل غَيْر هَذَا الَّذِي أذاقنا طعم العيش، فملكوه عَلَى أنفسهم، فلم يزل عَلَيْهِم يموت قرن ويخلفهم آخرون، وتراخى به السن وطال ملكه حَتَّى ادعى مَا علمتم. قَالَ علماء السير: قَالَتِ الكهنة لفرعون: يولد مولود فِي بَنِي إسرائيل يَكُون هلاكك عَلَى يده، فأمر بذبح أبنائهم، ثُمَّ اشتكت القبط إِلَى فرعون وَقَالَتْ: إِن دمت عَلَى الذبح فلم يبق من بَنِي إسرائيل من يخدمنا، فصار يذبح سَنَة ويترك سَنَة. فولد هَارُون فِي السنة الَّتِي لا يذبح فِيهَا، وولد موسى بعده بسنة. وَقَالَ قوم: بينهما ثَلاث سنين. قال وهب: بلغني أَنَّهُ ذبح سبعين ألف وليد فلما حملت أم موسى بموسى لَمْ يتبين حملها وَلَمْ تعلم بولادتها إلا أخته مريم، فكتمته ثلاثة أشهر. فلما ولد موسى دَخَلَ الطلب إِلَيْهَا فرمته فِي التنور فسلم، ثُمَّ خافت عَلَيْهِ، فصنعت لَهُ تابوتا وألقته فِي البحر فحمله الماء إِلَى أَن ألقاه بَيْنَ يدي فرعون. فلما فتح التابوت فنظر إِلَيْهِ، قَالَ: عبراني من الأعداء، كَيْفَ أخطأه الذبح؟ فَقَالَتْ آسية: هَذَا أكبر من ابْن سَنَة، وإنما أمرت بذبح أولاد هذه السنة فدعه يَكُون قرة عين لي ولك.

стр. 313

وَكَانَ فرعون لا يولد لَهُ إلا البنات، فتركه وأحبه. ولما رمته أمه فِي اليم بكت وجزعت، فربط اللَّه عَلَى قلبها فسكنت وكانت تتوكف الأخبار، حتى سمعت أَن فرعون أخذ صبيا فِي تابوت فعرفت القصة، فَقَالَتْ لأخته- واسمها مريم، وَكَانَ لَهُ أختان: مريم وكلثوم: قصيه فانظري ماذا يفعلون بِهِ. فدخلت أخته عَلَى آسية مَعَ النِّسَاء، وَقَدْ عرضت عَلَيْهِ المرضعات، فلم يقبل ثديا، فقالت أخته: هل أدلكم عَلَى أَهْل بَيْت يكفلونه لكم؟ قَالُوا: نعم، من هُمْ؟ قَالَتْ: حنة امرأة عمران، فبعثوا إليها، فأخذ ثديها فشرب ونام. فلما انتهى رضاعه ردته إِلَى فرعون، فاتخذه يوما فِي حجره فمد بلحيته، فَقَالَ: عَلِي بالذابح، فَقَالَتْ آسية: إِنَّمَا هُوَ صبي لا يعقل. وأخرجت لَهُ ياقوتا وجمرا فوضع يده عَلَى جمرة فطرحها فِي فِيهِ فأحرقت لسانه، فذلك قَوْله: وَاحْلُلْ عُقْدَةً من لِسانِي ٢٠: ٢٧ [١] . وكبر موسى فكان يركب مراكب فرعون، ويلبس مثل مَا يلبس، وَكَانَ يدعى موسى بْن فرعون. وإن فرعون ركب يوما وليس عنده موسى، فلما جاء موسى ركب فِي أثره، فوجد فِي المدينة رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ ٢٨: ١٥ أي: من بَنِي إسرائيل وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ ٢٨: ١٥ [٢] يَعْنِي القبط. فاستغاثه الإسرائيلي عَلَى القبطي، فوكزه موسى فمات. فندم موسى عَلَى قتله، وأصبح خائفا أَن يؤخذ [بِهِ] [٣] . فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ) ٢٨: ١٨ [٤] . أي: يستغيثه عَلَى آخر. وَكَانَ القبط قَدْ أخبروا فرعون بالقتل، فَقَالَ: إِن عرفتم قاتله فأخبروني، فلم يعرفوه، فلما أراد موسى أَن ينصر الإسرائيلي فِي هَذَا اليوم الثَّانِي ظن الإسرائيلي أَنَّهُ يقصده بالأذى، فَقَالَ: أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ ٢٨: ١٩ [٥] .

стр. 314

فعلم النَّاس أَنَّهُ هُوَ القاتل، فطلبوه فخرج خائفا فهداه اللَّه إِلَى مدين. قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر: خرج إِلَى مدين وبينه وبينها مسيرة ثمان، وَلَمْ يكن لَهُ طعام إلا ورق الشَّجَر فخرج حافيا [١] . قَالَ السدي [٢] : وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ ٢٨: ٢٣ أي: تحبسان غنمهما، فسألهما: مَا خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ ٢٨: ٢٣ [٣] . فرحمهما موسى فأتى البئر فاقتلع صخرة عَلَى البئر، كَانَ يجتمع عَلَيْهَا نفر حَتَّى يرفعوها، فسقى لهما ورجعتا، وإنما كانتا تسقيان من فضول الحياض، ثُمَّ تولى موسى إِلَى ظل شجرة، فَقَالَ: رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ من خَيْرٍ فَقِيرٌ ٢٨: ٢٤ [٤] . قَالَ ابْن عَبَّاس: ورد ماء مدين وَإِنَّهُ ليتراءى خضرة البقل فِي بطنه [من الهزال] [٥] . قَالَ السدي [٦] : فلما رجعت الجاريتان إِلَى أبيهما سريعا سألهما، فأخبرتاه خبر موسى، فأرسل إلَيْهِ إحداهما فأتته تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ ٢٨: ٢٥ [٧] . فقام معها فمشت بَيْنَ يديه، [فضربتها الرياح فنظر إِلَى عجيزتها] [٨] ، فَقَالَ: امشي خلفي ودليني الطريق. أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّيْرَفِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَلَّافُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بن عمر بن بِشْرَانُ، أَخْبَرَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّهْقَانُ، حَدَّثَنَا عباس

стр. 315

الدُّوْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: إِنَّ مُوسَى ﵇ لَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ، فَلَمَّا فَرَغُوا أَعَادُوا الصَّخْرَةَ عَلَى الْبِئْرِ، فَلا يُطِيقُ رَفْعَهَا إِلا عَشَرَةُ رِجَالٍ، فَإِذَا هُوَ بِامْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ، قَالَ: مَا خَطْبُكُمَا؟ فَحَدَّثَتَاهُ، فَأَتَى الْحَجَرَ فَرَفَعَهُ، ثُمَّ لَمْ تُسْقَ إِلا ذَنُوبًا وَاحِدًا حَتَّى رُوِيَتِ الْغَنَمُ، وَرَجَعَتِ الْمَرْأَتَانِ إِلَى أَبِيهِمَا، فَحَدَّثَتَاهُ، وَتَوَلَّى مُوسَى الظِّلَّ، فَقَالَ: رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ من خَيْرٍ فَقِيرٌ ٢٨: ٢٤ [١] . فجاءته إحداهما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ ٢٨: ٢٥ وَاضِعَةً ثَوْبَهَا عَلَى ثَغْرِهَا، فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا ٢٨: ٢٥ [٢] فَقَالَ لَهَا: امْشِي خَلْفِي وَدُلِّينِي الطَّرِيقَ، فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يُصِيبَ الرِّيحُ ثِيَابَكِ فَيَصِفَ لِي جَسَدَكِ. فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى أَبِيهَا: وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ ٢٨: ٢٥ [٣] . قالَتْ إِحْداهُما يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ من اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ٢٨: ٢٦ [٤] : قَالَ: يَا بُنَيَّةُ، مَا عِلْمُكِ بِأَمَانَتِهِ وَقُوَّتِهِ؟ قالت: أما قوته فرفعه الحجر ولا يطبقه إِلا عَشَرَةٌ، وَأَمَّا أَمَانَتُهُ، فَقَالَ لِي: امْشِي خَلْفِي وَصِفِي الطَّرِيقَ فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يُصِيبَ الرِّيحُ ثَوْبَكِ فَيَصِفَ لِي جَسَدَكِ. قَالَ السدي: لما سمع شُعَيْب قولها قَالَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ ٢٨: ٢٧ [٥] . فزوج الَّتِي دعته، وقضى أيما الأجلين. فأما اسم المرأة الَّتِي تزوجها فَهُوَ صفورا، والأخرى ليا. وَقَدْ روي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَن الّذي استأجره صاحب مدين، واسمه يثربي [٦] .

стр. 316

وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة بْن عَبْد اللَّهِ بْن مَسْعُود: وَهُوَ ابْن أَخِي شُعَيْب. ذكر مَا جرى لَهُ بَعْد انفصاله عَنْ مدين شُعَيْب قَالَ السدي [١] : فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ ٢٨: ٢٩ ضل الطريق فرأى نارا- وَكَانَ شتاء- ف قال لِأَهْلِهِ امْكُثُوا ٢٨: ٢٩ [٢] . أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن أَبِي مَنْصُور الْحَافِظ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَّاجُ، أَخْبَرَنَا الحسن بن عَلِي التميمي/ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن عَبْد الكريم بْن معقل بْن منبه، حَدَّثَنَا عَبْد الصمد بْن معقل، قَالَ: سمعت وهب بْن منبه قَالَ [٣] : لما رأى موسى النار انطلق يسير حَتَّى وقف منها قريبا، فَإِذَا هُوَ بنار عظيمة تفور من فروع شجرة خضراء شديدة الخضرة، لا تزداد النار فيما يرى إلا عظما وتضرما، ولا تزداد الشجرة عَلَى شدة الحريق إلا خضرة وحسنا. فوقف ينظر لا يدري عَلَى مَا يضع أمرها، إلا أَنَّهُ قَدْ ظن أَنَّهَا شجرة تحترق أوقد إِلَيْهَا موقد نالها فاحترقت، وَإِنَّهُ إِنَّمَا تمنع النار شدة خضرتها وكثرة مائها وكثافة ورقها وعظم جزعها. فوضع أمرها عَلَى هَذَا، فوقف يطمع أَن يسقط منها شَيْء فيقتبسه. فلما طال عَلَيْهِ ذَلِكَ أهوى إِلَيْهَا بضغث فِي يده وَهُوَ يريد أَن يقتبس من لهبها. فلما فعل ذلك موسى مالت نحوه كأنما تريده، فأستأخر عَنْهَا وهاب، ثُمَّ عاد فطاف بها فلم تزل تطمعه ويطمع فِيهَا. وَلَمْ تكن بأوشك من خمودها، فاشتد عِنْدَ ذَلِكَ عجبه وفكر فِي أمرها، وَقَالَ: هِيَ نار ممتنعة لا يقتبس منها ولكنها تضرم فِي جوف شجرة ولا تحرقها، ثُمَّ خمودها عَلَى قدر عظمها فِي أوشك من طرفة عين، فلما رأى ذَلِكَ موسى، قَالَ: إِن لهذه النار لشأنا. ثُمَّ وضع أمرها عَلَى أَنَّهَا مأمورة أَوْ مصنوعة لا

стр. 317

يدري من أمرها ولا بِمَا أمرت ولا من صنعها ولا لَمْ صنعت، فوقف متحيرا لا يدري أيرجع أم يقيم. فبينا هُوَ عَلَى ذَلِكَ إذ رمى بطرفه نَحْو فرعها فَإِذَا هُوَ أشد مَا كَانَ خضرة، وإذا الخضرة ساطعة فِي السماء، ثُمَّ لَمْ تزل الخضرة تنور وتصفر وتبياض حَتَّى صارت نورا ساطعا عمودا مَا بَيْنَ السماء وَالأَرْض عَلَيْهِ مثل شعاع الشمس تكل دُونَه الأبصار، كلما نظر إِلَيْهِ كاد يخطف بصره. فعند ذَلِكَ اشتد خوفه وحزنه، فرد يده عَلَى عينيه ولصق بالأرض وسمع الحنين والوجس إلا أَنَّهُ يسمع حينئذ شَيْئًا لَمْ يسمع السامعون مثله. عظما الحنين. فلما بلغ موسى الكرب واشتد عَلَيْهِ الهول وكاد أَن يخالط فِي عقله من شدة الخوف لما يسمع ويرى نودي من الشجرة، فقيل: يا موسى، فأجاب سريعا وَمَا يدري من دعا، وَمَا كَانَ سرعة إجابته إلا استئناسا بالإنس، فَقَالَ: لبيك مرارا، أسمع صوتك وأحس رحبك ولا أرى مكانك، فأين أَنْتَ؟ قَالَ: أنا فوقك ومعك وأمامك وأقرب إليك منك. فلما سمع هَذَا موسى علم أَنَّهُ لا ينبغي ذَلِكَ إلا لربه تعالى، وأيقن به، فقال: كذلك أنت يا إلهي، أكلامك أسمع أم لرسولك؟ قَالَ: أنا الَّذِي أكلمك فادن مني، فجمع موسى يديه فِي العصا ثُمَّ تحامل حَتَّى استقل قائما فرعدت فرائصه حَتَّى اختلفت واضطربت رجلاه وانقطع لسانه وانكسر قلبه وَلَمْ يبق منه عظم يحمل آخر، فَهُوَ بمنزلة الميت إلا أَن روح الحياة تجري فِيهِ، ثُمَّ زحف عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ مرعوب حَتَّى وقف قريبا من الشجرة الَّتِي نودي منها، فَقَالَ لَهُ الرب ﵎: وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسى قال هِيَ عَصايَ ٢٠: ١٧- ١٨ قَالَ: وَمَا تصنع بها ولا أحد أعلم بذلك منه، قال موسى: أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى ٢٠: ١٨. وكان لموسى ﵇ في العصي مآرب. وكانت لَهَا شعبتان ومحجن تَحْتَ الشعبتين. قَالَ لَهُ الرب ﵎: أَلْقِها يَا مُوسى ٢٠: ١٩ [١] . فظن موسى أَنَّهُ يَقُول لَهُ ارفضها فألقاها عَلَى وجه [الأَرْض لا عَلَى وجه] [٢] الرفض، ثم حانت منه نظرة فإذا هي

стр. 318

بأعظم ثعبان نظر إِلَيْهِ الناظرون يدب ليمس كأنه يبتغي شَيْئًا يريد أخذه يمر بالصخرة مثل الخلفة من الإبل فيقبلها، ويطعن بالناب فِي أصل الشجرة العظيمة فيجتثها، عيناه توقدان نارا، وَقَدْ عاد المحجن عرفا فِيهِ شعر مثل النيازك، وعادت الشعبتان فَمَا مثل القليب الواسع، وفيه أضراس وأنياب لَهَا صريف. فلما عاين ذَلِكَ موسى ﵇ ولى مدبرا، فَذَهَبَ حَتَّى أمعن [فِي البرية] [١] ، ورأى أَنَّهُ قَدْ أعجز الحية، ثُمَّ ذكر ربه فوقف استحياء منه. ثُمَّ نودي: يا موسى، ارجع حيث كنت، فرجع وهو شديد الخوف، قال: خُذْها ٢٠: ٢١ بيمينك وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى ٢٠: ٢١ [٢] وعلى موسى حينئذ مدرعة من صوف، فدخلها بخلال من عيدان، فلما أمره بأخذها ثنى طرف المدرعة عَلَى يده، فَقَالَ لَهُ ملك: أرأيت يا موسى لو أذن اللَّه لما تحاذر، أكانت المدرعة تغني عنك شَيْئًا؟ قَالَ: لا ولكني ضعيف، ومن ضعف خلقت، فكشف عن يده ثم وضعها في فِي الحية حَتَّى سمع حس [الأضراس] [٣] والأنياب، ثُمَّ قبض فَإِذَا هِيَ عصاه الَّتِي عهدها، فَإِذَا يده فِي الموضع الَّذِي كَانَ يضعها فِيهِ إِذَا توكأ بَيْنَ الشعبتين. فَقَالَ لَهُ اللَّه : ادن، فلم يزل يدنيه حَتَّى أَسْنَدَ ظهره بجذع الشجرة فاستقر وذهبت عنه الرعدة، وجمع يديه فِي العصا وخضع برأسه وعنقه، ثُمَّ قَالَ: إني قَدْ أتيتك اليوم مقاما لا ينبغي لبشر بعدك أَن يقوم مقامك أدنيتك وقربتك حَتَّى سمعت كلامي، وكنت بأقرب الأمكنة مني، فانطلق برسالتي فإنك بعيني وسمعي، فَإِن معك يدي وبصري، وإني قَدْ ألبستك جبة من سلطاني تستكمل بها القوة فِي أمري، فأنت جند عظيم من جنودي بعثتك إِلَى خلق ضعيف من خلقي بطر نعمتي، وأمن مكري، وغرته الدنيا عني، حَتَّى جحد حقي وأنكر ربوبيتي، وَعَبْد [غيري] [٤] ، وزعم أَنَّهُ لا يعرفني، وإني أقسم بعزتي لولا العذر والحجة اللذان وضعت بيني وبين خلقي لبطشت بطشة جبار يغضب لغضبه السموات وَالأَرْض والجبال والبحار، فإن أمرت السماء حصبته،

стр. 319

وإن أمرت الأَرْض ابتلعته، وإن أمرت [الجبال] [١] دمرته، وإن أمرت البحار غرقته، ولكنه هان عَلِي وسقط من عيني، ووسعه حلمي، واستغنيت بِمَا عندي، وحق لي أني أنا الغني لا غني غيري. فبلغه رسالاتي [٢] ، وادعه إِلَى عبادتي وتوحيدي، وإخلاص اسمي، وذكره بآياتي وحذره نقمتي وبأسي، وأخبره أني إِلَى العفو والمغفرة أسرع مني إِلَى الغضب والعقوبة، ولا يرعبك مَا أُلْبِسَهُ من لباس الدنيا، فَإِن ناصيته بيدي لَيْسَ يطرف ولا ينطق ولا يتنفس إلا بإذني. قل لَهُ: أجب ربك فَإِنَّهُ واسع المغفرة، فَإِنَّهُ قَدْ أمهلك أربعمائة سَنَة وَفِي كلها أَنْتَ مبارز لمحاربته، تشبه وتمثل وتصد عباده عَنْ سبله، وَهُوَ يمطر عليك السماء، وينبت لَكَ الأَرْض، لَمْ تسقم وَلَمْ تهرم وَلَمْ تفتقر [٣] وَلَمْ تغلب. ولو شاء أَن يعجل ذَلِكَ لَكَ أَوْ يسلبكه فعل، ولكنه ذو أناة، وحلم عظيم. وجاهده بنفسك وأخيك، وأنتما محتسبان بجهاده، فإني لو شئت أَن آتيه بجنود لا قبل لَهُ بها لفعلت، ولكن ليعلم هَذَا العبد الضعيف الَّذِي قَدْ أعجبته نَفْسه وجموعه أَن الفئة القليلة- ولا قليل مني- تغلب الفئة الكثيرة بإذني. ولا تعجبنكما زينته، ولا مَا يتمتع بِهِ، ولا تمدا إِلَى ذَلِكَ أعينكما، فإنها زهرة الحياة الدُّنْيَا، وزينة المترفين، وإني لو شئت أَن أزينكما من الدنيا بزينة يعلم فرعون حِينَ ينظر إِلَيْهَا أَن مقدرته تعجز عَنْ مثل مَا أوتيتما فعلت، ولكني أرغب بكما عَنْ ذَلِكَ وأزويه عنكما، وَكَذَلِكَ أفعل بأوليائي قديما فأخرت لَهُمْ فِي ذَلِكَ، فإني لأذودهم عَنْ نعيمها ورخائها كَمَا يذود الراعي الشفيق غنمه من مراتع الهلكة، وإني لأجنبهم سلوتها وعيشها كَمَا يجنب الراعي الشفيق عَنْ مبارك الغرة. وَمَا ذاك لهوانهم عَلِي ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالما موفرا لَمْ تكلمه الدُّنْيَا وَلَمْ يطع الهوى. واعلم أَنَّهُ لَمْ يتزين الْعِبَاد بزينة هِيَ أبلغ من الزهد فِي الدنيا، فإنها زينة المتقين، عَلَيْهِم

стр. 320

منها لباس يعرفون بِهِ من السكينة والخشوع، سِيماهُمْ في وُجُوهِهِمْ من أَثَرِ السُّجُودِ ٤٨: ٢٩ [١] . أولئك أوليائي حقا حقا، فَإِذَا لقيتهم فاخفض لَهُمْ جناحك وذلل لَهُمْ قلبك ولسانك. واعلم أَنَّهُ من أهان لي وليا إِذَا خافه فَقَدْ بارزني بالمحاربة وَمَا رآني، وعرض نَفْسه [للهلكة] [٢] ودعاني إِلَيْهَا، وأنا أسرع شَيْء إِلَى نصرة أوليائي، أفيظن الَّذِي يحاربني أَن يقوم لي؟ أَوْ يظن الَّذِي يعاديني أَن يعجزني؟ أم يظن الَّذِي بارزني أَن يسبقني أَوْ يفوتني؟ فكيف وأنا الثائر لَهُمْ فِي الدنيا والآخرة لا أكل نصرتهم إِلَى غيري. قَالَ [٣] : فأقبل موسى ﷺ إِلَى فرعون فِي مدينته، قَدْ جعل حولها الأسد فِي غيضة قَدْ غرسها، فالأسد فِيهَا مَعَ ساستها، إِذَا آسدتها عَلَى أحد أكل. وللمدينة أربعة أبواب فِي الغيضة، فأقبل موسى ﵇ من الطريق الأعظم الَّذِي يراه منه فرعون، فلما رأته الأسد صاحت صياح الثعالب فأنكر ذَلِكَ الساسة وفرقوا من فرعون. وأقبل موسى حَتَّى انتهى إِلَى الباب إِلَى قبة فرعون فقرعه بعصاه، وعليه جبة صوف وسراويل صوف، فلما رآه البواب عجب من جرأته فتركه وَلَمْ يأذن لَهُ، وَقَالَ: هل تدري من تضرب؟ إِنَّمَا تضرب بَاب سيدك، قَالَ: أَنْتَ وأنا وفرعون عبيد لربي فأنا آمره، فأخبر البواب الَّذِي يليه والبوابين حَتَّى بلغ ذَلِكَ أدناهم ودُونَهم سبعون حاجبا كُل حاجب مِنْهُم تَحْتَ يده من الجنود مَا شاء اللَّه كأعظم أمِير اليوم إمارة، حَتَّى خلص الْخَبَر إِلَى فرعون، فَقَالَ: أدخلوه عَلِي [فأدخلوه] [٤] ، فلما أتاه قَالَ لَهُ فرعون: أأعرفك، قَالَ: نعم، قَالَ: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً ٢٦: ١٨ [٥] . فرد موسى عَلَيْهِ الَّذِي ذكره اللَّه ، قَالَ فرعون: خذوه، فبادرهم موسى فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ ٢٦: ٣٢ [٦] فحملت عَلَى النَّاس فانهزموا منها فمات مِنْهُم خمسة وعشرون ألفا، قتل بَعْضهم بَعْضًا. وقام فرعون منهزما حَتَّى دَخَلَ الْبَيْت، فَقَالَ لموسى: اجعل بيننا وبينك أجلا ننظر
следующие страницы →