وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة بْن عَبْد اللَّهِ بْن مَسْعُود: وَهُوَ ابْن أَخِي شُعَيْب.
ذكر مَا جرى لَهُ بَعْد انفصاله عَنْ مدين شُعَيْب
قَالَ السدي [١] : فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ ٢٨: ٢٩ ضل الطريق فرأى نارا- وَكَانَ شتاء- ف قال لِأَهْلِهِ امْكُثُوا ٢٨: ٢٩ [٢] .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن أَبِي مَنْصُور الْحَافِظ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَّاجُ، أَخْبَرَنَا الحسن بن عَلِي التميمي/ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن عَبْد الكريم بْن معقل بْن منبه، حَدَّثَنَا عَبْد الصمد بْن معقل، قَالَ: سمعت وهب بْن منبه قَالَ [٣] :
لما رأى موسى النار انطلق يسير حَتَّى وقف منها قريبا، فَإِذَا هُوَ بنار عظيمة تفور من فروع شجرة خضراء شديدة الخضرة، لا تزداد النار فيما يرى إلا عظما وتضرما، ولا تزداد الشجرة عَلَى شدة الحريق إلا خضرة وحسنا.
فوقف ينظر لا يدري عَلَى مَا يضع أمرها، إلا أَنَّهُ قَدْ ظن أَنَّهَا شجرة تحترق أوقد إِلَيْهَا موقد نالها فاحترقت، وَإِنَّهُ إِنَّمَا تمنع النار شدة خضرتها وكثرة مائها وكثافة ورقها وعظم جزعها. فوضع أمرها عَلَى هَذَا، فوقف يطمع أَن يسقط منها شَيْء فيقتبسه.
فلما طال عَلَيْهِ ذَلِكَ أهوى إِلَيْهَا بضغث فِي يده وَهُوَ يريد أَن يقتبس من لهبها. فلما فعل ذلك موسى مالت نحوه كأنما تريده، فأستأخر عَنْهَا وهاب، ثُمَّ عاد فطاف بها فلم تزل تطمعه ويطمع فِيهَا. وَلَمْ تكن بأوشك من خمودها، فاشتد عِنْدَ ذَلِكَ عجبه وفكر فِي أمرها، وَقَالَ: هِيَ نار ممتنعة لا يقتبس منها ولكنها تضرم فِي جوف شجرة ولا تحرقها، ثُمَّ خمودها عَلَى قدر عظمها فِي أوشك من طرفة عين، فلما رأى ذَلِكَ موسى، قَالَ: إِن لهذه النار لشأنا. ثُمَّ وضع أمرها عَلَى أَنَّهَا مأمورة أَوْ مصنوعة لا
стр. 317
يدري من أمرها ولا بِمَا أمرت ولا من صنعها ولا لَمْ صنعت، فوقف متحيرا لا يدري أيرجع أم يقيم.
فبينا هُوَ عَلَى ذَلِكَ إذ رمى بطرفه نَحْو فرعها فَإِذَا هُوَ أشد مَا كَانَ خضرة، وإذا الخضرة ساطعة فِي السماء، ثُمَّ لَمْ تزل الخضرة تنور وتصفر وتبياض حَتَّى صارت نورا ساطعا عمودا مَا بَيْنَ السماء وَالأَرْض عَلَيْهِ مثل شعاع الشمس تكل دُونَه الأبصار، كلما نظر إِلَيْهِ كاد يخطف بصره.
فعند ذَلِكَ اشتد خوفه وحزنه، فرد يده عَلَى عينيه ولصق بالأرض وسمع الحنين والوجس إلا أَنَّهُ يسمع حينئذ شَيْئًا لَمْ يسمع السامعون مثله. عظما الحنين.
فلما بلغ موسى الكرب واشتد عَلَيْهِ الهول وكاد أَن يخالط فِي عقله من شدة الخوف لما يسمع ويرى نودي من الشجرة، فقيل: يا موسى، فأجاب سريعا وَمَا يدري من دعا، وَمَا كَانَ سرعة إجابته إلا استئناسا بالإنس، فَقَالَ: لبيك مرارا، أسمع صوتك وأحس رحبك ولا أرى مكانك، فأين أَنْتَ؟ قَالَ: أنا فوقك ومعك وأمامك وأقرب إليك منك.
فلما سمع هَذَا موسى علم أَنَّهُ لا ينبغي ذَلِكَ إلا لربه تعالى، وأيقن به، فقال:
كذلك أنت يا إلهي، أكلامك أسمع أم لرسولك؟ قَالَ: أنا الَّذِي أكلمك فادن مني، فجمع موسى يديه فِي العصا ثُمَّ تحامل حَتَّى استقل قائما فرعدت فرائصه حَتَّى اختلفت واضطربت رجلاه وانقطع لسانه وانكسر قلبه وَلَمْ يبق منه عظم يحمل آخر، فَهُوَ بمنزلة الميت إلا أَن روح الحياة تجري فِيهِ، ثُمَّ زحف عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ مرعوب حَتَّى وقف قريبا من الشجرة الَّتِي نودي منها، فَقَالَ لَهُ الرب ﵎: وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسى قال هِيَ عَصايَ ٢٠: ١٧- ١٨ قَالَ: وَمَا تصنع بها ولا أحد أعلم بذلك منه، قال موسى: أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى ٢٠: ١٨. وكان لموسى ﵇ في العصي مآرب. وكانت لَهَا شعبتان ومحجن تَحْتَ الشعبتين.
قَالَ لَهُ الرب ﵎: أَلْقِها يَا مُوسى ٢٠: ١٩ [١] . فظن موسى أَنَّهُ يَقُول لَهُ ارفضها فألقاها عَلَى وجه [الأَرْض لا عَلَى وجه] [٢] الرفض، ثم حانت منه نظرة فإذا هي
стр. 318
بأعظم ثعبان نظر إِلَيْهِ الناظرون يدب ليمس كأنه يبتغي شَيْئًا يريد أخذه يمر بالصخرة مثل الخلفة من الإبل فيقبلها، ويطعن بالناب فِي أصل الشجرة العظيمة فيجتثها، عيناه توقدان نارا، وَقَدْ عاد المحجن عرفا فِيهِ شعر مثل النيازك، وعادت الشعبتان فَمَا مثل القليب الواسع، وفيه أضراس وأنياب لَهَا صريف.
فلما عاين ذَلِكَ موسى ﵇ ولى مدبرا، فَذَهَبَ حَتَّى أمعن [فِي البرية] [١] ، ورأى أَنَّهُ قَدْ أعجز الحية، ثُمَّ ذكر ربه فوقف استحياء منه.
ثُمَّ نودي: يا موسى، ارجع حيث كنت، فرجع وهو شديد الخوف، قال:
خُذْها ٢٠: ٢١ بيمينك وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى ٢٠: ٢١ [٢] وعلى موسى حينئذ مدرعة من صوف، فدخلها بخلال من عيدان، فلما أمره بأخذها ثنى طرف المدرعة عَلَى يده، فَقَالَ لَهُ ملك: أرأيت يا موسى لو أذن اللَّه لما تحاذر، أكانت المدرعة تغني عنك شَيْئًا؟ قَالَ: لا ولكني ضعيف، ومن ضعف خلقت، فكشف عن يده ثم وضعها في فِي الحية حَتَّى سمع حس [الأضراس] [٣] والأنياب، ثُمَّ قبض فَإِذَا هِيَ عصاه الَّتِي عهدها، فَإِذَا يده فِي الموضع الَّذِي كَانَ يضعها فِيهِ إِذَا توكأ بَيْنَ الشعبتين.
فَقَالَ لَهُ اللَّه : ادن، فلم يزل يدنيه حَتَّى أَسْنَدَ ظهره بجذع الشجرة فاستقر وذهبت عنه الرعدة، وجمع يديه فِي العصا وخضع برأسه وعنقه، ثُمَّ قَالَ: إني قَدْ أتيتك اليوم مقاما لا ينبغي لبشر بعدك أَن يقوم مقامك أدنيتك وقربتك حَتَّى سمعت كلامي، وكنت بأقرب الأمكنة مني، فانطلق برسالتي فإنك بعيني وسمعي، فَإِن معك يدي وبصري، وإني قَدْ ألبستك جبة من سلطاني تستكمل بها القوة فِي أمري، فأنت جند عظيم من جنودي بعثتك إِلَى خلق ضعيف من خلقي بطر نعمتي، وأمن مكري، وغرته الدنيا عني، حَتَّى جحد حقي وأنكر ربوبيتي، وَعَبْد [غيري] [٤] ، وزعم أَنَّهُ لا يعرفني، وإني أقسم بعزتي لولا العذر والحجة اللذان وضعت بيني وبين خلقي لبطشت بطشة جبار يغضب لغضبه السموات وَالأَرْض والجبال والبحار، فإن أمرت السماء حصبته،
стр. 319
وإن أمرت الأَرْض ابتلعته، وإن أمرت [الجبال] [١] دمرته، وإن أمرت البحار غرقته، ولكنه هان عَلِي وسقط من عيني، ووسعه حلمي، واستغنيت بِمَا عندي، وحق لي أني أنا الغني لا غني غيري.
فبلغه رسالاتي [٢] ، وادعه إِلَى عبادتي وتوحيدي، وإخلاص اسمي، وذكره بآياتي وحذره نقمتي وبأسي، وأخبره أني إِلَى العفو والمغفرة أسرع مني إِلَى الغضب والعقوبة، ولا يرعبك مَا أُلْبِسَهُ من لباس الدنيا، فَإِن ناصيته بيدي لَيْسَ يطرف ولا ينطق ولا يتنفس إلا بإذني.
قل لَهُ: أجب ربك فَإِنَّهُ واسع المغفرة، فَإِنَّهُ قَدْ أمهلك أربعمائة سَنَة وَفِي كلها أَنْتَ مبارز لمحاربته، تشبه وتمثل وتصد عباده عَنْ سبله، وَهُوَ يمطر عليك السماء، وينبت لَكَ الأَرْض، لَمْ تسقم وَلَمْ تهرم وَلَمْ تفتقر [٣] وَلَمْ تغلب. ولو شاء أَن يعجل ذَلِكَ لَكَ أَوْ يسلبكه فعل، ولكنه ذو أناة، وحلم عظيم.
وجاهده بنفسك وأخيك، وأنتما محتسبان بجهاده، فإني لو شئت أَن آتيه بجنود لا قبل لَهُ بها لفعلت، ولكن ليعلم هَذَا العبد الضعيف الَّذِي قَدْ أعجبته نَفْسه وجموعه أَن الفئة القليلة- ولا قليل مني- تغلب الفئة الكثيرة بإذني.
ولا تعجبنكما زينته، ولا مَا يتمتع بِهِ، ولا تمدا إِلَى ذَلِكَ أعينكما، فإنها زهرة الحياة الدُّنْيَا، وزينة المترفين، وإني لو شئت أَن أزينكما من الدنيا بزينة يعلم فرعون حِينَ ينظر إِلَيْهَا أَن مقدرته تعجز عَنْ مثل مَا أوتيتما فعلت، ولكني أرغب بكما عَنْ ذَلِكَ وأزويه عنكما، وَكَذَلِكَ أفعل بأوليائي قديما فأخرت لَهُمْ فِي ذَلِكَ، فإني لأذودهم عَنْ نعيمها ورخائها كَمَا يذود الراعي الشفيق غنمه من مراتع الهلكة، وإني لأجنبهم سلوتها وعيشها كَمَا يجنب الراعي الشفيق عَنْ مبارك الغرة.
وَمَا ذاك لهوانهم عَلِي ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالما موفرا لَمْ تكلمه الدُّنْيَا وَلَمْ يطع الهوى.
واعلم أَنَّهُ لَمْ يتزين الْعِبَاد بزينة هِيَ أبلغ من الزهد فِي الدنيا، فإنها زينة المتقين، عَلَيْهِم
стр. 320
منها لباس يعرفون بِهِ من السكينة والخشوع، سِيماهُمْ في وُجُوهِهِمْ من أَثَرِ السُّجُودِ ٤٨: ٢٩ [١] .
أولئك أوليائي حقا حقا، فَإِذَا لقيتهم فاخفض لَهُمْ جناحك وذلل لَهُمْ قلبك ولسانك.
واعلم أَنَّهُ من أهان لي وليا إِذَا خافه فَقَدْ بارزني بالمحاربة وَمَا رآني، وعرض نَفْسه [للهلكة] [٢] ودعاني إِلَيْهَا، وأنا أسرع شَيْء إِلَى نصرة أوليائي، أفيظن الَّذِي يحاربني أَن يقوم لي؟ أَوْ يظن الَّذِي يعاديني أَن يعجزني؟ أم يظن الَّذِي بارزني أَن يسبقني أَوْ يفوتني؟ فكيف وأنا الثائر لَهُمْ فِي الدنيا والآخرة لا أكل نصرتهم إِلَى غيري.
قَالَ [٣] : فأقبل موسى ﷺ إِلَى فرعون فِي مدينته، قَدْ جعل حولها الأسد فِي غيضة قَدْ غرسها، فالأسد فِيهَا مَعَ ساستها، إِذَا آسدتها عَلَى أحد أكل. وللمدينة أربعة أبواب فِي الغيضة، فأقبل موسى ﵇ من الطريق الأعظم الَّذِي يراه منه فرعون، فلما رأته الأسد صاحت صياح الثعالب فأنكر ذَلِكَ الساسة وفرقوا من فرعون.
وأقبل موسى حَتَّى انتهى إِلَى الباب إِلَى قبة فرعون فقرعه بعصاه، وعليه جبة صوف وسراويل صوف، فلما رآه البواب عجب من جرأته فتركه وَلَمْ يأذن لَهُ، وَقَالَ: هل تدري من تضرب؟ إِنَّمَا تضرب بَاب سيدك، قَالَ: أَنْتَ وأنا وفرعون عبيد لربي فأنا آمره، فأخبر البواب الَّذِي يليه والبوابين حَتَّى بلغ ذَلِكَ أدناهم ودُونَهم سبعون حاجبا كُل حاجب مِنْهُم تَحْتَ يده من الجنود مَا شاء اللَّه كأعظم أمِير اليوم إمارة، حَتَّى خلص الْخَبَر إِلَى فرعون، فَقَالَ: أدخلوه عَلِي [فأدخلوه] [٤] ، فلما أتاه قَالَ لَهُ فرعون: أأعرفك، قَالَ: نعم، قَالَ: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً ٢٦: ١٨ [٥] . فرد موسى عَلَيْهِ الَّذِي ذكره اللَّه ، قَالَ فرعون: خذوه، فبادرهم موسى فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ ٢٦: ٣٢ [٦] فحملت عَلَى النَّاس فانهزموا منها فمات مِنْهُم خمسة وعشرون ألفا، قتل بَعْضهم بَعْضًا.
وقام فرعون منهزما حَتَّى دَخَلَ الْبَيْت، فَقَالَ لموسى: اجعل بيننا وبينك أجلا ننظر
إِسِرَائِيلَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: نَحْنُ نُخْبِرُكَ: إِنَّ يُوسُفَ ﵇ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَخَذَ مَوَاثِيقَ مِنَ اللَّهِ أَنْ لا نَخْرُجَ مِنْ مِصْرَ حَتَّى نُخْرِجَ عِظَامَهُ مَعَنَا، فَقَالَ مُوسَى: وَأَيُّكُمْ يَدْرِي أَيْنَ قَبْرُ يُوسُفَ؟ قَالُوا: مَا تَدْرِي إِلا عَجُوزٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَرْسِلْ إِلَيْهَا فَقَالَتْ: وَاللَّهِ لا أَقُولُ حَتَّى تُعْطِينِي حُكْمِي، قَالَ: وَمَا حُكْمُكِ؟ قَالَتْ: حُكْمِي أَنْ أَكُونَ مَعَكَ فِي الْجَنَّةِ، فَقِيلَ لَهُ: أَعْطِهَا، فَأَتَتْ مُسْتَنْقَعَ مَاءٍ، فَقَالَتْ: انْضُبُوا هَذَا الْمَاءُ، فَلَمَّا أَنْضَبُوهُ قَالَتْ:
احْفُرُوا هَا هُنَا فَاحْتَفَرُوا، فَبَدَتْ عِظَامُ يُوسُفَ، فَلَمَّا أَقَلَّوْهَا مِنَ الأَرْضِ بَانَ لَهُمُ الطَّرِيقُ مِثْلَ ضَوْءِ النَّهَارِ. قَالَ علماء السير: وَكَانَ لموسى حِينَ خرج من مصر ثمانون سَنَة، ويقال: إِن بَيْنَ مولد إبراهيم إِلَى خروج موسى ببني إسرائيل من مصر خمسمائة وخمس سنين، وأن من هبوط آدَم إِلَى خروج موسى ببني إسرائيل من مصر ثلاثة آلاف سنة وثمانمائة وأربعين سَنَة.
ودعا موسى حِينَ خرج، فَقَالَ: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ ١٠: ٨٨ [١] فجعلت دراهمهم ودنانيرهم حجارة، حَتَّى الحمص والعدس والجوز، فلما خرجوا ألقي عَلَى القبط الْمَوْت فأصبحوا يدفنونهم فشغلوا عَنْ طلب بَنِي إسرائيل.
وقيل: بَل علموا فِي الليل بخروجهم، فَقَالَ فرعون: لا نتبعهم حَتَّى يصيح الديك، فَمَا صاح ديك بلد بالليل.
وَكَانَ موسى عَلَى الساقة، وهارون يقدمهم، وتبعهم فرعون عَلَى مقدمته هامان فِي ألف ألف وستمائة ألف حصان.
فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قال أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ٢٦: ٦١ [٢] هَذَا البحر بَيْنَ أيدينا وَهَذَا فرعون خلفنا، قَالَ موسى: كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ ٢٦: ٦٢ [٣] .
قَالَ قَتَادَة: ذكر لنا أَن مؤمن آل فرعون كَانَ بَيْنَ يدي موسى، وَكَانَ يَقُول: أين أمرت يا نبي اللَّه [أَن تنزل] [٤] ؟ فَيَقُول: أمامك، فَيَقُول: وهل أمامي إلا البحر؟ فيقول:
стр. 328
مَا كذبت ولا كذبت. فأوحى اللَّه إِلَى موسى: اضرب بعصاك البحر، فأوحى إِلَى البحر:
إِذَا ضربك موسى فانفلق لَهُ، فبات البحر يضرب بعضه بَعْضًا فزعا من اللَّه وانتظارا لأمره، فضربه فانفلق اثنا عشر طريقا عَلَى عدد الأسباط، فسار موسى وأَصْحَابه على طريق يابس والماء قائم بَيْنَ كُل فريقين، فلما دَخَلَ بنو إسرائيل وَلَمْ يبق مِنْهُم أحد، أقبل فرعون عَلَى حصان لَهُ حَتَّى وقف عَلَى شفير البحر، فهاب الحصان أَن ينفذ فعرض لَهُ جبرئيل عَلَى فرس أنثى وديق فشمها الفرس فدخل فرعون فدخل قومه وجبرئيل أمامه وميكائيل عَلَى فرس خلف القوم يحثهم يَقُول: الحقوا بصاحبكم، فلما أراد أولهم أَن يصعدوا تكامل نزول آخرهم انطبق البحر عليهم، فنادى فرعون:
آمَنْتُ ١٠: ٩٠.
قَالَ ابْن عَبَّاس: جاء جبرئيل إِلَى النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ: يَا محمد، لو رأيتني وأنا أدس من حمأة البَحْر فِي فِي فرعون مخافة أَن تدركه الرحمة [١] .
قَالَ الْعُلَمَاء: فَقَالَ قوم: إِن فرعون لَمْ يغرق، فقذفه البحر حَتَّى رأوه فعرفوه، فذلك قوله تعالى: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ ١٠: ٩٢.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَوَّلِ، أَخْبَرَنَا الدَّاوُدِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَعْيُنَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ خُرَيْمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«كَانَ أَصْحَابُ مُوسَى الَّذِينَ جَاوَزُوا الْبَحْرَ اثْنَي عَشْرَ سَبْطًا، وَكَانَ فِي كُلِّ طَرِيقٍ اثْنَا عَشْرَ أَلْفًا كُلُّهُمْ وَلَدُ يَعْقُوبَ النَّبِيِّ ﷺ » [٢]
. ومن الحوادث [٣]
إِن بَنِي إسرائيل مروا عَلَى قوم يعكفون عَلَى أصنامهم، فَقَالُوا: يا موسى اجعل لنا إلها، فأجابهم بِمَا قص اللَّه فِي القرآن.
стр. 329
ذكر طلبهم للتوبة [١]
لما ندموا سألوا قبول التوبة فقيل لَهُمْ: فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ٢: ٥٤ [٢] .
فروى عكرمة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لما أمروا بقتل أنفسهم، قَالُوا: يا نبي اللَّه كَيْفَ نقتل الأبناء [٣] والأخوة، فأنزل اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِم ظلمة لا يرى بَعْضهم بَعْضًا، فقتلوا وَقَالُوا: مَا آية توبتنا؟ قَالَ: أَن يقوم السلاح والسَّيْف فلا يقتل، فقتلوا حَتَّى خاضوا فِي الدماء، وصاح الصبيان: يا موسى العفو العفو، فبكى موسى فأنزل اللَّه تَعَالَى التوبة، وقام السلاح وانكشفت الظلمة عَنْ سبعين ألفا.
قيل: قَالَ قَتَادَة: فجعل اللَّه القتل للمقتول شهادة وللحي توبة. هَذَا يدل عَلَى أَن الكل ابتلوا.
وَقَالَ ابْن السائب: والمقاتل إِنَّمَا أمر من لَمْ يعبد أَن يقتل العابدين وأن لا يمتنع العابدُونَ من ذَلِكَ.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الدمشقي: إِنَّمَا الْخَطَّاب لعبدة العجل وحدهم أمروا أَن يقتل بَعْضهم بَعْضًا.
ومن الحوادث [ذهاب السبعين إِلَى الطور يعتذرون من عبَادَة العجل] [٤]
إِن موسى أخذ من أَصْحَابه جَمَاعَة ومضى إِلَى الطور يعتذرون من عُبَادَة العجل.
قَالَ ابْن إِسْحَاق [٥] : اختار سبعين، وَقَالَ: انطلقوا فتوبوا مِمَّا صنعتم وسلوه التوبة عَلَى من خلفتم من قومكم صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم، فخرج إلى طور سيناء
стр. 330
لميقات وقته لَهُ ربه، فلما وصلوا قَالَ لموسى: اطلب لنا أَن نسمع كَلام ربنا، فذكر قوم من علماء السير أنهم سمعوا كَلام اللَّه من اللَّه وليس هَذَا بصحيح، وأي خير يبقى لموسى، وإنما هلك الْقَوْم لأنهم قَالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى الله جَهْرَةً ٢: ٥٥ [١] فصعقوا وماتوا، فقام موسى يسأل ربه، وَيَقُول: رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ من قَبْلُ وَإِيَّايَ ٧: ١٥٥ [٢] ، فرد اللَّه إليهم أرواحهم، فسألوا التوبة لبني إسرائيل من عُبَادَة العجل، فقيل: لا إلا أَن تقتلوا أنفسكم.
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَن السبعين إِنَّمَا اعتذروا بَعْد توبة من تاب وقتلهم أنفسهم، وَهَذَا قَوْل السدي [٣] .
ومن الحوادث [قصة أريحا] [٤]
إِن اللَّه تَعَالَى أمر موسى وقومه إِلَى أريحا، وَهِيَ أرض بَيْت المقدس.
قَالَ السدي [٥] : ساروا حَتَّى إِذَا كَانُوا قريبا منها بعث موسى اثني عشر نقيبا من جميع أسباط بَنِي إسرائيل ليأتوه بخبر الجبارين، فلقيهم رجل من الجبارين يقال لَهُ: عاج، فأخذ الاثني عشر فجعلهم فِي حجزته [٦] ، وعلى رأسه حمل حطب، فانطلق بهم إِلَى امرأته، فَقَالَ: انظري إلى هؤلاء الَّذِينَ يزعمون أنهم يريدُونَ قتالنا، فطرحهم بَيْنَ يديها وَقَالَ:
لأطحنهم برجلي، قَالَتْ: بَل خل عَنْهُم حَتَّى يخبروا قومهم بِمَا رأوا، ففعل ذَلِكَ.
فلما خرج الْقَوْم قَالَ بَعْضهم لبعض: يا قوم، إنكم إِن أخبرتم بَنِي إسرائيل خبر الْقَوْم رجعوا عَنْ نبي اللَّه، ولكن اكتموا وأخبروا نبي اللَّه، فانطلق عشرة مِنْهُم فأخبروا أهاليهم وكتم رجلان، فَقَالَ النَّاس: إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا ٥: ٢٢
стр. 331
ومن الحوادث [حَدِيث الحجر] [١]
أنهم لما خرجوا من البحر احتاجوا فِي طريقهم إِلَى الماء فاستسقى موسى فأمر أَن يضرب/ بعصاه الحجر، وَكَانَ حجرا خفيفا بقدر رأس الإِنْسَان قاله ابْن عَبَّاس.
وعنه أَنَّهُ كَانَ كذراعين فِي ذراع.
وَقَالَ مجاهد: كَانَ ذَلِكَ فِي تيههم.
ومن الحوادث [إنزال التوراة] [٢]
إنهم طلبوا من موسى أَن يأتيهم بكتاب من عِنْدَ اللَّه، فوعده اللَّه تَعَالَى ثلاثين ليلة وأتمها بعشر وأعطاه التوراة، وأنزل عَلَيْهِ عشر صحائف أَيْضًا.
وفرض اللَّه عَلَى موسى صلاتين كُل يَوْم والحج.
ومن الأحداث نتق الجبل
قَالَ قَتَادَة: تدلوا فِي أصل الجبل فوقع فوقهم، فَقَالَ: لتأخذن أمري أَوْ لأرمينكم بِهِ. وَكَانَ السبب أنهم رأوا تكاليف التوراة ثقيلة، فأبوا قبولها فنتق الجبل.
ومن الحوادث قصة العجل [٣]
وَذَلِكَ أَن جبرئيل جاء إِلَى موسى عَلَى فرس ليذهب بِهِ إِلَى مناجاة ربه، فرآه السامري فأنكره [٤] .
стр. 332
واسم السامري منجا، كَذَلِكَ ضبطه ابْن المنادي.
وَقَالَ: إِن لِهَذَا لشأنا، فأخذ من تربة حافر الفرس، فانطلق موسى واستخلف هَارُون وواعدهم ثلاثين ليلة وأتمها اللَّه تَعَالَى لَهُ بعشر، فوقع فِي تلك الزيادة زللهم بعبادة العجل.
وَكَانَ السبب فِي اتخاذه أَن هَارُون قَالَ لَهُمْ: يا بَنِي إسرائيل إِن الغنيمة لا تحل لكم وإن حلي القبط غنيمة، فاجمعوا واحفروا لَهُ فادفنوه فَإِن جاء موسى فأحلها فأخذتموها وإلا كَانَ شَيْئًا لَمْ تأكلوه. فجمعوه فِي حفرة، فجاء السامري تلك الصفة فألقاها، وَقَالَ: كن عجلا، فصار عجلا جسدا لَهُ خوار، وَكَانَ السامري من قوم يعبدُونَ البقر، وَكَانَ حب ذَلِكَ فِي قلبه، فَقَالَ لَهُمْ: هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ ٢٠: ٨٨ [١] .
يَقُول: ترك موسى إلهه وذهب يطلبه، فعكفوا عَلَيْهِ يعبدُونَه، فَقَالَ لَهُمْ هَارُون: إِنَّما فُتِنْتُمْ به ٢٠: ٩٠ [٢] .
وإن اللَّه أخبر موسى بالقصة بقوله: فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ ٢٠: ٨٥ [٣] .
ثُمَّ إِن موسى طلب الرؤية بقوله: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ ٧: ١٤٣ [٤] . فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ:
سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ ٧: ١٤٣ [٥] .
فأخذ الألواح ورجع إِلَى قومه غَضْبانَ أَسِفاً ٧: ١٥٠ [٦] لما صنعوا، فألقى الألواح وأخذ برأس أخيه فاعتذر كَمَا قص اللَّه، ثُمَّ التفت إِلَى السامري، فقال: فَما خَطْبُكَ يَا سامِرِيُّ ٢٠: ٩٥ [٧] . قَالَ: بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا به ٢٠: ٩٦.
فأخذ موسى العجل فذبحه، ثُمَّ برده بالمبرد وذراه فِي البحر وندم من عَبْد العجل.
стр. 333
مِنْهَا [١] قال رَجُلانِ ٥: ٢٣ وهما اللذان كتما، وهما يوشع بْن نون، وكالب بْن يوفنه: يا قوم ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ ٥: ٢٣ [٢] فَقَالُوا: إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً مَا دامُوا فِيها ٥: ٢٤ [٣] فغضب موسى [فدعا عَلَيْهِم] ، فَقَالَ: رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ٥: ٢٥ [٤] فَقَالَ اللَّه تَعَالَى: فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في الْأَرْضِ ٥: ٢٦ [٥] . فلما ضرب عَلَيْهِم التيه ندم موسى، فَقَالُوا: يا موسى كَيْفَ لنا ها هنا بالطعام، فأنزل اللَّه عَلَيْهِم المن والسلوى، وَكَانَ المن يسقط عَلَى الشجرة، والسلوى طائر، فَقَالُوا: أين الشراب؟ فضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، فشرب كُل سبط من عين، قالوا: فأين الظلّ؟ فظلل الله عليهم الغمام، قَالُوا: فأين اللباس؟ فكانت ثيابهم تطول معهم كَمَا تطول الصبيان ولا يتخرق لَهُمْ ثوب، فأجمعوا ذَلِكَ فَقَالُوا: لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ ٢: ٦١ [٦] . فلما خرجوا من التيه أكلوا البقول.
ومن الحوادث قتل موسى ﵇ عوج بْن عناق [٧]
حكى أَبُو جَعْفَر الطبري أَن عوجا عاش ألف سَنَة [٨] ، وَإِنَّهُ التقى بموسى، فضرب موسى كعب عوج فقتله.
وعناق اسم أَبِيهِ، وَقَالَ وهب بْن منبه: بَل اسم أمه، وكانت من بنات آدَم.
قَالَ: وولد عوج فِي زمن آدَم، وَكَانَ جبارا لا يوصف عظما، وعمره ثلاثة آلاف سنة
стр. 334
وستمائة سَنَة حَتَّى أدرك موسى، وَكَانَ الماء فِي زمان الغرق إِلَى حجزته، وَكَانَ يتناول الحوت من البحر فيرفعه بيده فِي الهواء فيفور فِي حر الشمس ثُمَّ يأكله.
وَكَانَ سبب هلاكه أَنَّهُ قطع حجرا من جبل فجاء بِهِ عَلَى رأسه ليقلبه عَلَى عسكر موسى، فبعث اللَّه طائرا فنقر الحجر فنزل فِي عنقه، فجاء موسى فضربه بالعصا فِي كعبه فقتله
. ومن الحوادث مَا جرى لبلعام من دعائه عَلَى موسى [١]
رَوَى مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ سالم بْن أَبِي النضر، أَنَّهُ حدث: أَن موسى لما نزل فِي أرض كنعان من أرض الشام، وَكَانَ بلعام بقرية من قرى البلقاء، فأتى قوم بلعم إِلَى بلعم، فَقَالُوا لَهُ: هَذَا موسى بْن عمران فِي بَنِي إسرائيل/ قَدْ جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ويحلها بَنِي إسرائيل ويسكنها، وإنا قومك وليس لنا منزل وأنت رجل مجاب الدعوة فادع اللَّه عَلَيْهِم. فَقَالَ: ويلكم، نبي اللَّه مَعَهُ الْمَلائِكَة والمؤمنون فكيف أدعو عَلَيْهِم وأنا أعلم من اللَّه [مَا أعلم] [٢] .
قَالُوا: مَا لنا من منزل، فلم يزالوا بِهِ يرققونه ويتضرعون إِلَيْهِ حَتَّى فتنوه فافتتن فركب حماره متوجها إِلَى الجبل الَّذِي يطلعه عَلَى عسكر بَنِي إسرائيل، فَمَا سار عَلَيْهَا غَيْر قليل حَتَّى ربضت بِهِ، فنزل عَنْهَا فضربها حَتَّى أذلقها وأذن اللَّه لَهَا فكلمته، فَقَالَتْ:
ويحك يا بلعم! أَيْنَ تذهب؟! ألا ترى الْمَلائِكَة أمامي تردني [عَنْ] [٣] وجهي هَذَا، أتذهب إِلَى نبي اللَّه والمؤمنين تدعو عَلَيْهِم! فلم ينزع عَنْهَا يضربها، فخلى اللَّه سبيلها حين فعل بها ذلك.
стр. 335
فانطلقت حَتَّى إِذَا أشرفت بِهِ عَلَى عسكر موسى وبنى إسرائيل جعل لا يدعو لقومه بخير إلا صرف لسانه إِلَى بَنِي إسرائيل.
قَالَ: فَقَالَ قومه: أتدري يا بلعم مَا تصنع إِنَّمَا تدعو لَهُمْ وتدعو عَلَيْنَا، قَالَ: فهذا مَا لا أملك، هَذَا شَيْء قَدْ غلب اللَّه عَلَيْهِ، فاندلع لسانه فوقع عَلَى صدره، فقال لهم: قد ذهبت الآن مني الدنيا والآخرة، فلم يبق إلا المكر والحيلة، فسأحتال لكم. جملوا النِّسَاء وأعطوهن السلع، ثُمَّ أرسلوهن إِلَى العسكر يبعنها فِيهِ وأمروهن أَن لا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها، فَإِنَّهُ إِن زنى رجل واحد مِنْهُم كفيتموهم.
ففعلوا فوقع رجل مِنْهُم عَلَى امرأة، فأرسل اللَّه الطاعون عَلَى بَنِي إسرائيل حينئذ، فهلك منهم سبعون ألفا فِي ساعة، وَكَانَ فنحاص بْن العيزار بْن هَارُون صاحب أمر موسى، وَكَانَ قَدْ أعطي بسطة فِي الخلق وقوة فِي البطش، فأخبر خبر الرجل والمرأة، فأخذ حربته ثم دخل عليهما القبة وهما مضطجعان، فانتظمهما بحربته ثُمَّ خرج بهما رافعهما إِلَى السماء والحربة قَدْ أخذها بذراعه، واعتمد بمرفقه عَلَى خاصرته، وَهُوَ يَقُول: اللَّهمّ هكذا نفعل بمن يعصيك.
وَقَدْ قيل: إِن بلعام لما دعى عَلَى قوم موسى تاهوا، وإن موسى دعا عَلَيْهِ ثُمَّ حارب أَهْل بلده بَعْد خروجه من التيه، فأسره وقتله، وحارب الكنعانيين، وقتل عوج، وحارب موسى اليونانيين والمديانيين والأمم الكافرة.
وَقَدْ حكى أَحْمَد بْن جَعْفَر المنادي: أَن موسى بَعْد هلاك فرعون وطئ الشام، فأهلك مَا بها من الكُفَّار، وبعث بعثا إِلَى الحجاز وأمرهم أَن لا يستبقوا مِنْهُم أحدا، فقدموها فرزقهم اللَّه الظفر فقتلوا العمالقة، وكانوا بيثرب حَتَّى انتهوا إِلَى ملكهم الَّذِي كَانَ يقال لَهُ: الأرقم قيما فقتلوه، وأصابوا ابنا لَهُ شابا لَمْ ير أَحْسَن منه، فضنوا بِهِ عَنِ القتل [١] ، وأجمع رأيهم على أَن يسحبوه حَتَّى يقدموا بِهِ عَلَى موسى فيرى فِيهِ رأيه.
فأقبلوا قادمين بِهِ، وقبض موسى قبل قدومهم فتلقاهم النَّاس فأخبروهم الْخَبَر، فقالت بنو إسرائيل: خالفتم نبيكم حين استبقيتم هَذَا، لا تدخلوا عَلَيْنَا، فحالوا بينهم وبين الشام، فرجعوا إلى الحجاز، فكان ذلك أول سكنى يَهُود الحجاز، فنزلوا المدينة واتخذوا فِيهَا
стр. 336
المزارع، فمنهم بنو قريظة وبنو النضير الكاهنان، نسبة إِلَى جدهم الكاهن بْن هَارُون بْن عمران.
ذكر الخضر ﵇ [١]
الخضر قَدْ كَانَ قبل موسى، قَالَ الطبري [٢] : كَانَ فِي أَيَّام أفريدُونَ الْمَلِك بْن أثفيان. قَالَ: وقيل: إنه كَانَ عَلَى مقدمة ذي الْقَرْنَيْنِ الأكبر، الَّذِي كَانَ أَيَّام إِبْرَاهِيم.
وذي الْقَرْنَيْنِ عِنْدَ قوم هُوَ أفريدُونَ، وزعم بَعْضهم أَنَّهُ من ولد من كَانَ آمن بالخليل ﵇، وهاجر مَعَهُ من أرض بابل.
وَقَالَ عَبْد اللَّهِ بْن شوذب: الخضر من ولد فارس [٣] .
وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: هُوَ من سبط هَارُون بْن عمران.
وقول من قَالَ: إنه كَانَ فِي زمان أفريدُونَ أَكْثَر من ألف سَنَة، والخضر قديم إلا أَنَّهُ لما كَانَ ذكره لَمْ ينبغ إلا في زمان موسى ذكرناه هاهنا.
فصل [فِي اسم الخضر] [٤]
فأما اسم الخضر، فَقَالَ كعب الأحبار: هُوَ الخضر بْن عاميل. وقال ابن إسحاق:
اسمه أرمياء بن خلقيا.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَر الطبري: إِن هَذَا لَيْسَ بصحيح لأن أرمياء كَانَ فِي أَيَّام نصر، وبين عهد موسى ونصر [زمن] [٥] طويل.
стр. 337
وقيل: هُوَ الخضر بْن ملكان بْن فالغ بْن عابر بْن شالح بْن أرفخشد بْن سام بْن نوح.
وَقَالَ بَعْض أَهْل الكتاب: هُوَ خضرون بْن عاميل بْن أليفرن بْن العيص بن إسحاق، وإنه ابن خالة ذي الْقَرْنَيْنِ ووزيره.
قَالَ الطبري: إِن الخضر هُوَ الولد الرابع من أولاد آدَم.
فصل [لَمْ سمي الخضر] [١]
وَقَدِ اختلف الْعُلَمَاء لَمْ سمي الخضر عَلَى قولين: أحدهما: أَنَّهُ جلس عَلَى فروة بيضاء فاخضرت، والفروة الأَرْض اليابسة.
أَخْبَرَنَا ابْنُ حُصَيْنٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آَدَمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ:
«إِنَّمَا سُمِّيَ الْخَضْرُ خَضْرًا لأَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ فَإِذَا هِيَ تَهْتَزُّ تَحْتَهُ خَضْرَاءُ» [٢] .
وَالثَّانِي: إنه كَانَ إِذَا جلس اخضر مَا حوله. قاله عكرمة.
وَقَالَ مجاهد: كَانَ إِذَا صلى اخضر مَا حوله.
واختلفوا هل كَانَ نبيا أم لا على قولين ذكرهما ابن الأنباري.
فصل [فِي اخْتِلاف الْعُلَمَاء فِي حياة الخضر وموته] [١]
وَقَدْ زعم قوم أَن الخضر حي إِلَى الآن، واحتجوا بأحاديث لا تثبت وحكايات عَنْ أقوام سليمي الصدور، وَيَقُول أحدهم: لقيت الخضر.
فأما الأحاديث:
فمنها مَا يروى عَنْ أَهْل الكتاب: أَن الخضر كَانَ مَعَ ذي الْقَرْنَيْنِ، وأنه سبق إِلَى العين الَّتِي قصدها ذو الْقَرْنَيْنِ لما وصف لَهُ أَن من شرب منها خلد فِي الدنيا، فشرب منها فأعطي الخلد لِذَلِكَ.
وَمِنْهَا مَا أَخْبَرَنَا بِهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي عُمَرَ الدَّبَّاسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ أَيُّوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُزَكِّي، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُرَيْمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ رَزِينٍ، عَنِ ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، قَالَ: لا أَعْلَمُهُ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ:
«يَلْتَقِي الْخَضِرُ وَإِلْيَاسُ فِي كُلِّ عَامٍ فِي الْمَوْسِمِ، فَيَحْلِقُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى رَأْسِ صَاحِبِهِ وَيَتَفَرَّقَانِ عَنْ هَؤُلاءِ الْكَلِمَاتِ: «بِسْمِ اللَّهِ، مَا شَاءَ اللَّهُ لا يَسُوقُ الْخَيْرَ إِلا اللَّهُ، بِسْمِ اللَّهِ مَا شَاءَ اللَّهُ لا يَصْرِفُ السُّوءَ إِلا اللَّهُ، مَا شَاءَ اللَّهُ مَا كَانَ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ، مَا شَاءَ اللَّهُ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا باللَّه» [٢] .
ومنها مَا روي عَنِ الْحَسَن البصري، أَنَّهُ، قَالَ: وكل إلياس بالفيافي، ووكل
стр. 341
الخضر بالبحور، وَقَدْ أعطيا الخلد فِي الدنيا إلى الصيحة الأولى وأنهما يجتمعان في كل موسم فِي كُل عام.
ومنها مَا أَخْبَرَنَا بِهِ إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيمَ الختلي، قَالَ: حَدَّثَنِي عُثْمَان بْن سَعِيد الأنطاكي قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِي بْن الهيثم المصيصي، عَنْ عَبْد الحميد بْن بحر، عَنْ سلام الطويل، عَنْ دَاوُد بْن يَحْيَى مولى عون الطفاوي، عَنْ رجل كَانَ مرابطا فِي بَيْت المقدس وبعسقلان، قَالَ:
بينا أنا أسير فِي وادي الأردن إذا أنا برجل فِي ناحية الوادي قائم يصلي، فَإِذَا سحابة تظله من الشمس فوقع فِي قلبي إنه إلياس النبي ﷺ ، فأتيته فسلمت عَلَيْهِ فانفتل من صلاته فرد عَلِي السَّلام، فَقُلْتُ: من أَنْتَ رحمك اللَّه؟ فلم يرد عَلِي شَيْئًا، فأعدت القول مرتين، فَقَالَ: أَنَا إلياس النَّبِي، فأخذتني رعدة شديدة خشيت عَلَى عقلي أَن يذهب، فَقُلْتُ لَهُ: إِن رأيت رحمك اللَّه أَن تدعو لي أَن يذهب عني مَا أجد حَتَّى أفهم حَدِيثك، فدعا لي بثمان دعوات، فَقَالَ: يا بر يا رحيم، يا حي يا قيوم، يا حنان يا منان،...... [١] ، فَذَهَبَ عني مَا كنت أجد، فَقُلْتُ: إِلَى من بعثت؟ قَالَ: إِلَى أَهْل بعلبك، قُلْت: فهل يوحى إليك اليوم، فَقَالَ: منذ بعث مُحَمَّد ﷺ خاتم النبيين فلا.
قُلْتُ: فكم من الأنبياء فِي الحياة؟ قَالَ: أربعة أنا والخضر فِي الأَرْض، وإدريس وعيسى فِي السماء، قُلْت: فهل تلتقي أَنْتَ والخضر؟ قَالَ: نعم فِي كُل عام بعرفات، قُلْت: فَمَا حَدِيثكما؟ قَالَ: يأخذ من شعري وآخذ من شعره، قُلْت: فكم الأبدال؟ قَالَ: هُمْ ستون رجلا، خمسون مَا بَيْنَ عريش مِصْر إِلَى شاطئ الفرات، ورجلان بالمصيصة، ورجلان بأنطاكية، وسبعة فِي سائر الأَمْصَار تسقون بهم الغيث، وبهم ينصرون عَلَى عدوهم، وبهم يقيم اللَّه أمر الدنيا حَتَّى إِذَا أراد أَن يهلك الدنيا أماتهم جميعا.
وَقَدْ روي أَنَّهُ كَانَ فِي زمن نبينا ﷺ ، ورووا من حَدِيث عَلِي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إثبات حياة الخضر.
ومن حَدِيث أنس، أن رسول الله ﷺ بعثه إِلَى الخضر، وَقَالَ: ادع لرسول اللَّه. وإن أبا بَكْر، وَعُمَر، وعثمان، وعليا، وابن عُمَر أثبتوا وجوده، وَإِنَّهُ رآه عُمَر بن عبد العزيز، ورواه مسلمة، ورباح بْن عُبَيْدَة كلاهما عَنْ عُمَر بْن عَبْد العزيز.
стр. 342
قَالُوا: ورآه إِبْرَاهِيم التيمي، وإبراهيم بْن أدهم، وَأَحْمَد بْن حَنْبَل.
وكل هذه الأحاديث لا تثبت والحَدِيث الَّذِي ذكرناه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فيه الحسن بن زيد، قال العقيلي: هُوَ مجهول.
وَفِي الْحَدِيث الثَّانِي السَّلام بْن الطويل، قَالَ يَحْيَى: لَيْسَ بشيء. وَقَالَ الْبُخَارِي، والرازيّ، والنسائي، والدار الدّارقطنيّ: هُوَ متروك الْحَدِيث.
وَقَالَ ابْن حيان: يروي الموضوعات كأنه المعتمد لَهَا.
قَالَ: وعبد الحميد بْن بحر لا يحل الاحتجاج بِهِ بحال، وَدَاوُد مجهول، والرجل المرابط لا يدري من هُوَ.
وَقَدْ رَوَى مسلمة بْن مصقلة، أَنَّهُ رأى إلياس وجرى لَهُ مَعَهُ نَحْو مَا سبق.
وربما ظهر الشَّيْطَان لشخص فكلمه، وربما قَالَ بَعْض المتهمين لبعض أنا الخضر، وأعجب الأشياء أَن يصدق القائل أنا الخضر وليس لنا فِيهِ علامة نعرفه بها، وَقَدْ جمعت كتابا سميته عجالة المنتظر بشرح حال الخضر، وذكرت فِيهِ هذه الأحاديث والحكايات ونظائرها وبينت خطأها فلم أر الإطالة بِذَلِكَ هاهنا.
قَالَ أَبُو الْحُسَيْن بْن المنادي ونقلته من خطه. [١] ، عَنْ تعمير الخضر وهل هُوَ باق فِي الدنيا أم لا، فَإِذَا أَكْثَر المغفلين مغرورون بأنه باق من أجل مَا قَدْ روي، وساق بَعْض مَا قَدْ ذَكَرْنَا، ثُمَّ قَالَ: أما حَدِيث أَنَس فواه بالوضاع، وَأَمَّا خبر ابْن عَبَّاس فضعيف بالحسن بْن رزين، وَأَمَّا قَوْل الحُسَيْن فمأخوذ عَنْ غَيْر أَهْل ملتنا مربوط بقول بَعْضهم أَن الخضر شرب من العين التي قصدها ذي الْقَرْنَيْنِ موصول بِمَا قيل إنه الرجل الَّذِي يقتله الدجال والمسند من ذلك إلى أهل الذمة فساقط لعدم ثقتهم.
وخبر مسلمة فكلا شَيْء، وخبر رياح كالرياح، ثُمَّ مد اللَّه عَلَى السري وضمرة عفى اللَّه عَنْهُمَا.
وأين كَانَ الخضر عَنْ تبشير أَبِي بَكْر وعمر ﵄ بالخلافة.
وَهَذِهِ الأخبار واهية الصدور والأعجاز لا تخلو فِي حالها من أحد أمرين: إما
стр. 343
أَن تكون أدخلت من حَدِيث بَعْض الرواة المتأخرين استغفالا. وإما أَن يَكُون الْقَوْم عرفوا/ حالها فرووها عَلَى وجه التعجب، فنسبت إليهم عَلَى سبيل التحقيق.
قَالَ: والتخليد لا يَكُون لبشر لقول اللَّه لنبيه مُحَمَّد ﷺ : وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ ٢١: ٣٤ [١] .
وأهل الْحَدِيث يتفقون عَلَى أَن حَدِيث أَنَس منكر الإسناد، سقيم المتن، بَيْنَ فِيهِ أثر الصنعة، وأن الخضر لَمْ يراسل نبينا وَلَمْ يلقه وَلَمْ يكن مِمَّن عرض عَلَيْهِ ليلة الإسراء، وَلَمْ يدركه ذكر فِي عهده بالبقاء، ولو أَنَّهُ كَانَ فِي عدد الأحياء حينئذ لما وسعه التخلف عَنْ لقاء رَسُول اللَّه ﷺ والهجرة إِلَيْهِ.
قَالَ: وَمَا أعجب إغراء أَهْل الضعف بذكر الخضر وإلياس، والمعنى مِنْهُم بِذَلِكَ المنتسبون إِلَى رؤية الأبدال ومشاهدة الآيات.
قَالَ: وَقَدْ أَخْبَرَنِي بَعْض أَصْحَابنا أَن إِبْرَاهِيم الحربي بْن إِسْحَاق سئل عَنْ تعمير الخضر فأنكر ذَلِكَ، وَقَالَ: هُوَ متقادم الْمَوْت.
قَالَ وروجع غيره فِي تعميره، وأن طائفة من أَهْل زماننا يرونه ويروون عنه، فقال: من أحال على غائب حي أو مفقود ميت لَمْ ينتصف منه، وَمَا ألقى ذكر هَذَا بَيْنَ النَّاس إلا الشَّيْطَان.
قَالَ: فَإِن قيل: هَذَا هامة بْن الهيم وزريب بْن برثملا معمران، قيل: ومن صحح لهما وجادة حتى يَكُون لهما تعمير، ولو أنهما معروفان لكان سبيلهما في التخليد سبيل سائر البشر، بل هذان حَدِيثان دسا إِلَى مغفلين فرووهما بلا تفقد ولا تمييز.
فَإِن قيل: هَذَا هاروت وماروت وإبليس باقون إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.
قيل: لَيْسَ هَؤُلاءِ بشرا، ولو كَانُوا بشرا لما نص الْقُرْآن عَلَى تخليدهم ولما أنكر ذَلِكَ مؤمن. وتخليد إِبْلِيس ثابت بقوله: فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ١٥: ٣٧- ٣٨ [٢] .
стр. 344
وتخليد الملكين بقوله: وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ ٢: ١٠٢ [١] . وَهَذَا لا يَكُون إلا عَلَى مستقبل الأيام.
قَالَ: وجاء فِي التفسير إنهما مصلوبان منكسان فِي بئر ببابل لأنهما اختارا عذاب الدُّنْيَا عَلَى عذاب الآخرة فأعطيا مَا سألا.
فأما بقاء الدجال الأعور فليس ذَلِكَ بالطويل لأنه ولد بِالْمَدِينَةِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ يحيا إِلَى نزول المسيح عيسى فيقتله.
قَالَ: فَقَدْ صح لما بينا أَن الخضر عَبْد من عباد اللَّه نصب لموسى لأمر أراده اللَّه، وَقَدْ مضى لسبيله فليعرف ذَلِكَ، وإن سمع من جاهل خلاف ذَلِكَ فلا يمارين لأن المراء فِي ذَلِكَ نقص، زادنا اللَّه وإياكم فهما.
هَذَا آخر كَلام أَبِي الْحُسَيْن المنادي، ومن خطه نقلته.
وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْر النقاش: أَن مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل الْبُخَارِي سئل عَنِ الخضر وإلياس هل هما فِي الأحياء؟ فَقَالَ: كَيْفَ يَكُون ذَلِكَ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لا يبقى عَلَى رأس مائة سَنَة مِمَّن هُوَ اليوم عَلَى ظهر الأَرْض أحد» .
[فصل فِي ذكر قارون وسلبه كُل مكنون ومخزون] [٢]
قَالَ ابْن جريج: كَانَ قارون ابْن عم موسى أَخِي أَبِيهِ، فَهُوَ قارون بْن يصهر بْن قاهث، وموسى بْن عمران بْن قاهث [٣] .
стр. 345
وَكَذَلِكَ قَالَ إِبْرَاهِيم النخعي: كَانَ ابْن عمه [١] .
وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: قارون عم موسى [٢] .
قَالَ قَتَادَة: كَانَ يسمى المنور من حسن صورته، ولكنه نافق كَمَا نافق السامري فأهلكه البغي [٣] .
وَرَوَى الأَعْمَش، عَنْ خيثمة، قَالَ: كانت مفاتيح كنوز قارون من جلود، كُل مفتاح مثل الإصبع، كل مفتاح عَلَى خزانة عَلَى حدة، فَإِذَا ركب حملت المفاتيح عَلَى ستين بغلا [٤] .
واختلفوا فِي قَوْله تعالى: فَبَغى عَلَيْهِمْ ٢٨: ٧٦ [٥] :
فَقَالَ ابْن عَبَّاس: جعل لبغية جعلا عَلَى أَن تقذف موسى [بنفسها ففعلت فاستحلفها موسى] [٦] عَلَى مَا قَالَتْ، فأخبرته الحال.
وَقَالَ الضَّحَّاك: بغى بالكفر، وَقَالَ قَتَادَة بالكبر.
وَقَالَ عَطَاء [الخراساني] [٧] : زاد فِي طول ثيابه شبرا.
فوعظه قومه فكان جوابه إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي ٢٨: ٧٨ [٨] . قَالَ قَتَادَة [٩] : عَلَى خير عندي، وَقَالَ غيره [١٠] : لولا رَضِيَ اللَّه عني مَا أعطاني هَذَا، فَقَالَ تَعَالَى: أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً ٢٨: ٧٨ [١١] للأموال.
والمعنى: لو كَانَ اللَّه إِنَّمَا يعطي الأَمْوَال من يعطيه لرضاه عَنْهُ وفضله عنده لم يهلك أرباب الأموال الكثيرة.
стр. 346
فوعظه [قومه] [١] فلم تزده العظة إلا بغيا حَتَّى خرج عَلَى قومه فِي زينته، وَكَانَ راكب برذون أبيض مسرج بسرج الأرجوان، قَدْ لبس ثيابا معصفرة، وحمل معه ثلاثمائة جارية بمثل هيئته وزينته، وأربعة آلاف من أصحابه.
وقيل: حمل معه ثلاثمائة جارية بمثل هيئته، وتسعين ألفا [من أَصْحَابه] [٢] .
قَالَ مجاهد [٣] : فخرجوا عَلَى براذين بيض عَلَيْهَا سروج الأرجوان عَلَيْهِم المعصفر.
قَالَ ابْن عَبَّاس [٤] : لما نزلت الزكاة أتى قارون موسى فصالحه عَلَى كُل ألف دينار دينارا، وعن كُل ألف درهم درهما، وعن كُل ألف شاة شاة، وعن كُل ألف شَيْء شَيْئًا.
ثُمَّ أتى إلى منزله فحسبه فوجده كثيرا، فجمع بَنِي إسرائيل، وَقَالَ: إِن موسى [قَدْ أمركم] [٥] بكل شَيْء فأطعتموه [٦] ، وَهُوَ الآن يريد أَن يأخذ من أموالكم، فَقَالُوا: أَنْتَ كبيرنا فمرنا بِمَا شئت، فَقَالَ: آمركم أَن تجيئوا بفلانة البغي فتجعلوا لَهَا جعلا فتقذفه بنفسها.
ففعلوا ثُمَّ أتاه قارون، فَقَالَ: إِن قومك قَدِ اجتمعوا لتأمرهم وتنهاهم، فخرج فَقَالَ: يا بَنِي إِسْرَائِيل، من سرق قطعنا يده، ومن افترى جلدناه ثمانين، ومن زنا وليست لَهُ امرأة جلدناه مائة، فَإِن كانت لَهُ امرأة جلدناه حَتَّى يموت، فَقَالَ لَهُ قارون:
وإن كنت أَنْتَ؟ قَالَ: وإن كنت أَنَا، قَالَ: فَإِن بَنِي إِسْرَائِيل يزعمون إنك فجرت بفلانة، قَالَ: ادعوها، فلما جاءت قَالَ موسى: يا فلانة أنا فعلت مَا يَقُول هَؤُلاءِ؟ قَالَتْ: لا كذبوا ولكن جعلوا إلي جعلا عَلَى أني قَدْ أقذفك بنفسي، فسجد فأوحى اللَّه إِلَيْهِ: مر الأَرْض بِمَا شئت، قَالَ: يا أرض خذيهم فأخذتهم هكذا.
روي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: فأخذتهم، وَقَالَ غيره: أخذت قارون وأصحابه.
стр. 347
وَرَوَى عَلِي بْن زَيْد بْن جدعان، عَنْ عَبْد اللَّهِ بْن الْحَارِث، قَالَ: جاء موسى إِلَى قارون فدخل عَلَيْهِ، فَقَالَ: يا موسى ارحمني، فَقَالَ: يا أرض خذيهم، فاضطربت داره وساخت، [وخسف] [١] بقارون وأَصْحَابه.
قَالَ قَتَادَة [٢] : ذكر لنا أَنَّهُ يخسف بِهِ كُل يَوْم قدر قامة، [وأنه يتجلجل فِيهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة] [٣] .
[فصل فِي ذكر قتيل بَنِي إِسْرَائِيل] [٤]
رَوَى السدي عَنْ أشياخه، قَالَ: كَانَ رجل من بَنِي إسرائيل مكثرا من المال، وكانت لَهُ بنت، وَكَانَ لَهُ ابْن أخ محتاج فخاطب إِلَيْهِ ابْن أخيه ابنته، فأبى أَن يزوجه، فغضب الصبي، وقال: والله لأقتلن عمي ولآخذن ماله ولأنكحن ابنته ولآكلن ديته.
فأتاه الفتى فَقَالَ لَهُ: يا عم، قَدْ قدم تجار فِي بَعْض أسباط بَنِي إسرائيل، فانطلق معي فخذ لي من تجارة هَؤُلاءِ الْقَوْم لعلي أصيب فِيهَا فإنهم إِذَا رأوك معي أعطوني.
فخرج العم مَعَ الفتى ليلا، فلما بلغ ذَلِكَ السبط قتله الفتى ثُمَّ رجع إِلَى أهله، فلما أصبح جاء كأنه يطلب عمه لا يدري أين هُوَ، وإذا هُوَ بِذَلِكَ السبط مجتمعين عَلَيْهِ، فأخذهم، وَقَالَ: قتلتم عمي فأدوا إلي ديته، وجعل يبكي ويحثو التراب على رأسه، وينادي: وا عمّاه.
قَالَ أَبُو العالية [٥] : وأتى القاتل إِلَى موسى، فَقَالَ: إِن قريبي قتل ولا أجد من يبين لي من قتله غيرك. فنادى موسى فِي النَّاس: أنشدكم اللَّه، من كَانَ عنده من هَذَا القتيل علم إلا بينه لنا، فلم يكن عندهم علم، فأقبل القاتل عَلَى موسى/ وَقَالَ: أَنْتَ نبي اللَّه فأسأل اللَّه أن يبين لنا. فسأل ربه فأمره بذبح البقرة.
стр. 348
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْن حبيب، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِي بْن الْفَضْلِ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا محمد بن عَبْد الصمد، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّهِ بْن أَحْمَد بْن حمويه، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن حمويه، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيم بْن خريم، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الحميد بْن حميد، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيل بْن عَبْد الكريم، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْد الصمد بْن معقل، إنه سمع وهبا يَقُول [١] :
إِن فتى من بَنِي إسرائيل كَانَ برا بوالدته، وَكَانَ يقوم ثلث الليل يصلي ويجلس عِنْدَ رأس والدته ثلث الليل، فيذكرها التسبيح والتكبير والتهليل والتحميد، وَيَقُول: يا أماه إِن كنت ضعفت عَنْ قيام الليل فكبري اللَّه وسبحيه وهلليه، وَكَانَ ذَلِكَ عملهما الدهر كُلهُ، فَإِذَا أصبح أتى الجبل فاحتطب عَلَى ظهره، فيأتي بِهِ السوق فيبيعه بِمَا شاء اللَّه أَن يبيعه، فيتصدق بثلثه، ويبقي لعبادته ثلثا، ويعطي الثلث أمه، فكانت أمه تأكل النصف وتتصدق بالنصف، فكان ذَلِكَ عملهما الدهر.
فلما طال ذَلِكَ عليهما، قَالَتْ: يا بَنِي اعلم إني ورثت من أبيك بقرة وختمت عنقها وتركتها فِي البقر عَلَى اسم اللَّه إله إِبْرَاهِيم وإسحاق ويعقوب وسأبين لَكَ مَا لونها وهيئتها فادعها باسم إله إِبْرَاهِيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، وإن علامتها أَنَّهَا ليست بهرمة ولا فتية غَيْر أَنَّهَا بينهما، وَهِيَ صفراء فاقع لونها تسر الناظرين، إِذَا نظرت إِلَى جلدها خيل إليك إِن شعاع الشمس يخرج من جلدها، وليست بالذلول لونها واحد، فإذا رأيتها فخذ عنقها فأزلها تتبعك بإذن إله إسرائيل.
فانطلق الفتى وحفظ وصية والدته، وسار فِي البرية يومين أَوْ ثلاثة، ثُمَّ صاح بها، وَقَالَ: بإله إِبْرَاهِيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب إلا مَا أتيتيني، فأقبلت البقرة إِلَيْهِ وتركت الرعي وقامت بَيْنَ يدي الفتى. فأخذ بعنقها، فتكلمت البقرة وَقَالَتْ: يا أيها الفتى البر بوالدته اركبني، فَقَالَ الفتى: لَمْ تأمرني والدتي أَن أركب عليك ولكنها أمرتني أن أسوقك، فأحب أَن أتبع قولها، قَالَتْ: وإله إسرائيل لو ركبتني مَا كنت لتقدر عَلِي، فانطلق أيها الفتى البر بوالدته، فإنك لو أمرت هَذَا الجبل أَن ينقلع من أصله لاقتلع لبرك بوالدتك وطاعتك إلهك.
стр. 349
فانطلق فطار طائر من بَيْنَ يديه فاختلس البقرة، فدعاها بإله إِبْرَاهِيم فأقبلت وَقَالَتْ: إِن الطائر إِبْلِيس اختلسني فلما ناديتني جاء ملك من الملائكة فانتزعني منه فردني إليك لبرك بوالدتك وطاعتك إلهك.
فدخل الفتى إِلَى أمه فأخبرها بالخبر، فَقَالَتْ: يا بَنِي إني أراك تحتطب عَلَى ظهرك فاذهب بِهَذِهِ البقرة فبعها وخذ ثمنها وتقوبه فَقَالَ: بكم أبيعها؟ قَالَتْ: بثلاثة دنانير عَلَى رضى مني.
فانطلق إِلَى السوق فبعث اللَّه ملكا من الْمَلائِكَة فَقَالَ للفتى: بكم تبيعها؟ قال:
بثلاثة دنانير عَلَى رضى من والدتي، قَالَ: لَكَ ستة دنانير ولا تستأمر والدتك، قَالَ: لو أعطيتني زنتها لَمْ أبيعها حَتَّى أستأمرها. فخرج الفتى فأخبر والدته الخبر فقالت: بعها بستة دنانير عَلَى رضى مني. فانطلق فأتاه الْمَلِك وَقَالَ: مَا فعلت؟ فَقَالَ: أبيعها بستة دنانير عَلَى رضى من والدتي، فَقَالَ: فخذ اثني عشر دينارا ولا تستأمرها، قَالَ: لا.
فانطلق إِلَى أمه، فَقَالَتْ: يا بَنِي إِن الَّذِي يأتيك ملك من الْمَلائِكَة فِي صورة آدمي، فَإِذَا أتاك فقل لَهُ: إِن والدتي تقرأ عليك السَّلام وتقول: بكم تأمرني أَن أبيع هذه البقرة؟ فَقَالَ لَهُ الْمَلِك: أيها الفتى يشتري بقرتك هذه موسى بْن عمران لقتيل يقتل فِي بَنِي إسرائيل، فاشتروها منه عَلَى أَن يملئوا له جلدها دنانير، فعمدوا إلى جلدها فملئوه دنانير ثم دفعوه إلى الفتى. فعمد الفتى فتصدق بالثلثين عَلَى الفقراء من بَنِي إسرائيل، وتقوى بالثلث
. [فصل فِي ذكر أَن بَنِي إِسْرَائِيل آذوا موسى فنسبوه إِلَى الآدر] [١]
إِن قوما من بَنِي إِسْرَائِيل عابوا موسى لكونه يغتسل مؤتزرا، فقالوا إنه آدر. والآدر:
العظيم الخصيتين.
حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَوَّلِ بْنُ عِيسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا الدَّاوُدِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ أَعْيَنَ
стр. 350
السَّرَخْسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَرَبْرِيُّ، حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ:
«كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَكَانَ مُوسَى يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إِلا أَنَّهُ آَدَرُ. فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ، فَجَمَعَ مُوسَى فِي أَثَرِهِ يَقُولُ: ثَوْبِي يَا حَجَرُ، ثَوْبِي يَا حَجَرُ، حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيل إِلَى مُوسَى ﵇، وَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ، وَأَخَذَ ثوبه فطفق بالحجر ضربا» . قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَندب بِالْحَجَرِ سِتَّةَ أَوْ سَبْعَةَ ضَرْبًا بِالْحَجَرِ.
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ [١] .
فَإِن قيل: كَيْفَ خرج موسى عريانا حَتَّى رآه النَّاس؟
فيحتمل وجهين، أحدهما: أَنَّهُ خرج وليس هناك أحد فرأوه.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ مئزر، والإزرة تبين تَحْتَ الثوب المبتل بالماء
. [ذكر الملوك] فِي زمان موسى ﵇] [٢]
إِن أول ملك من ملوك اليمن ملك كَانَ لَهُمْ فِي زمان موسى من حمير يقال لَهُ:
شمير بْن الأهلوك [٣] . وَهُوَ الَّذِي بنى مدينة ظفار باليمن، وأخرج من كَانَ بها من العماليق، وإن هَذَا الملك الحميري كَانَ من عمال ملوك الفرس يَوْمَئِذٍ على اليمن ونواحيها.
стр. 351
ومن الحوادث فِي زمانه [احتراق ابني هَارُون] [١]
قَالَ وهب بْن منبه: كَانَ يسرج فِي بَيْت المقدس ألف قنديل وَكَانَ يخرج زيتا من طور سيناء مثل عنق البعير حَتَّى يصب فِي القنديل، ولا يمس بالأيدي، وكانت تنحدر نار من السماء بيضاء فيسرج بها، وَكَانَ يلي السراج ابنا هَارُون. فأوحى اللَّه تَعَالَى إليهما:
أَن لا تسرجا بنار الدُّنْيَا، فأبطأت النار عَنْهُمَا عشية، فعمدا إِلَى نار من نار الدنيا فأسرجا بها، فانحدرت النار فأحرقتهما.
فخرج الصريخ إِلَى موسى فخرج إِلَى الموضع الَّذِي كَانَ يناجي فِيهِ ربه، فقال:
أي رب ابنا هارون أخي، قَدْ علمت منزلتهما مني فانحدرت النار فأحرقتهما، وناداه: يا موسى هكذا أفعل بأوليائي إِذَا عصوني، فكيف أفعل بأعدائي
. [ومن الحوادث] [٢] موت هَارُون فِي زمان موسى ﵉ [٣]
رَوَى السدي عَنْ أشياخه [٤] : إِن اللَّه تَعَالَى أوحى إِلَى موسى: إني متوف هَارُون، فأتى بِهِ جبل كذا وكذا، فانطلق موسى وهارون نَحْو الجبل، فَإِذَا [هما] [٥] فِيهِ بشجرة لَمْ ير شجر مثلها، وإذا هما ببيت مبني، وإذا هما فِيهِ بسرير عَلَيْهِ فرش، وإذا فِيهِ ريح طيبة، فلما نظر هَارُون إِلَى ذَلِكَ الجبل والبيت وَمَا فِيهِ أعجبه، فَقَالَ: يا موسى إني لأحب أَن أنام عَلَى هَذَا السرير، فَقَالَ لَهُ موسى: فنم عَلَيْهِ، قَالَ إني أخاف أَن يَأْتِي رب هَذَا الْبَيْت فيغضب عَلِي، فَقَالَ لَهُ موسى: لا ترهب، أنا أكفيك رب هَذَا الْبَيْت فنم، فَقَالَ: يا موسى نم معي.
فناما فأخذ هَارُون الْمَوْت، فلما قبض رفع ذَلِكَ الْبَيْت وذهبت تلك الشجرة ورفع
стр. 352
السرير بِهِ إِلَى السماء، فلما رجع موسى إِلَى بَنِي إسرائيل وليس مَعَهُ هَارُون، قَالُوا: إِن موسى قتل هَارُون وحسده عَلَى حب بَنِي إسرائيل لَهُ، وَكَانَ هَارُون أكف عَنْهُم وألين لهم من موسى، وكان في بَعْض الغلظ/ عَلَيْهِم.
فلما بلغه ذَلِكَ قَالَ لَهُمْ: ويحكم، أترونني أقتل أَخِي، فلما أكثروا عَلَيْهِ قام فصلى ركعتين ثُمَّ دعا اللَّه فنزل بالسرير حَتَّى نظروا إِلَيْهِ من السماء وَالأَرْض فصدقوه.
وَقَالَ عَمْرو بْن ميمون: مَات موسى وهارون فِي التيه، مَات هَارُون قبل موسى، وكانا أخرجا فِي التيه إِلَى بَعْض الكهوف، فمات فدفنه موسى وانصرف إِلَى بَنِي إسرائيل، فَقَالُوا: مَا فعل هَارُون؟ قَالَ: مَات، قَالُوا: لكنك قتلته لحبنا إياه. فشكى موسى مَا لقي من بَنِي إِسْرَائِيل، فأوحى اللَّه إِلَيْهِ: أَن انطلق بهم إِلَى موضع قبره، فإني باعثه حَتَّى يخبرهم أَنَّهُ مَات موتا.
فانطلق بهم إِلَى قبر هَارُون، فنادى: يا هَارُون، فخرج من قبره ينفض رأسه، فَقَالَ: أنا قتلتك؟ قَالَ: لا والله ولكني مت، قَالَ: فعد إِلَى مضجعك.
قَالَ الْحَسَن: مَات هَارُون وَهُوَ ابْن مائة وثماني عشرة سَنَة، قبل موسى بثلاث سنين.
وَفِي التوراة: أَن هَارُون مَات وَهُوَ ابْن عشرين ومائة سَنَة وكانت وفاته فِي التيه
. [ومن الأحداث] [١] وفاة موسى ﵇ [٢]
قَالَ السدي عَنْ أشياخه: بينما موسى يمشي ويوشع فتاه إذ أقبلت ريح سوداء، فلما نظر [إليها] [٣] يوشع ظن أَنَّهَا الساعة فالتزم موسى وَقَالَ: يا قوم الساعة وأنا ملتزم موسى نبي اللَّه، فاستل موسى من تَحْتَ القميص وترك القميص فِي يدي يوشع، فلما جاء يوشع بالقميص أخذته بنو إِسْرَائِيل، وَقَالُوا: قتلت نبي اللَّه، قَالَ: لا والله مَا قتلته ولكنه استل مني، فلم يصدقوه وأرادوا قتله.
стр. 353
قَالَ: فَإِذَا لَمْ تصدقوني فأخروني ثلاثة أَيَّام. فدعا اللَّه فأتى كُل رجل مِمَّن كَانَ يحرسه فِي المنام، فأخبر أَن يوشع لَمْ يقتل موسى، وأنا قَدْ رفعناه إلينا، فتركوه ولم يبق ممن أبى أن يدخل قرية الجبارين مَعَ موسى أحد إلا مَات وَلَمْ يشهد الفتح.
وزعم ابْن إِسْحَاق: أَن موسى كَانَ قَدْ كره الْمَوْت وأعظمه، فأراد اللَّه أَن يحبب إِلَيْهِ الْمَوْت ويكره إِلَيْهِ الحياة، فنبي يوشع وَكَانَ يغدو عَلَيْهِ ويروح فَيَقُول لَهُ موسى: يا نبي اللَّه مَا أحدث اللَّه إليك؟ فَيَقُول لَهُ يوشع: يا نبي اللَّه ألم أصحبك كَذَا وكذا سَنَة، فهل كنت أسألك عن شَيْء مِمَّا أحدث اللَّه إليك حَتَّى تكون أَنْتَ الَّذِي تبتدئ بِهِ وتذكره؟ فلا يذكر لَهُ شَيْئًا.
فلما رأى ذَلِكَ موسى كره الحياة وأحب الْمَوْت.
وَكَذَلِكَ قَالَ مُحَمَّد بْن كعب القرظي: كَانَ تحويل النبوة إِلَى يوشع بْن نون قبل موت موسى، وَكَانَ يختلف يوشع إِلَى موسى غدوة وعشية، فَيَقُول لَهُ موسى: يا نبي اللَّه هل أحدث اللَّه إليك اليوم شَيْئًا؟ فَيَقُول لَهُ يوشع: يا صفي اللَّه صحبتك من كَذَا وكذا سَنَة، فهل سألتك عَنْ شَيْء يحدثه اللَّه إليك حَتَّى تكون أَنْتَ الَّذِي تبتدئه لي؟ فلما رأى موسى الْجَمَاعَة عِنْدَ يوشع أحب الْمَوْت.
قَالَ أَبُو الْحُسَيْن بْن المنادي: هذه العبارة توهم بَعْض الأغبياء أَن موسى غاظه مَا رأى، فأحب الْمَوْت، إذ ضاق ذرعا بالذي أبصر من منزلة يوشع حِينَ علت. وليس كَذَلِكَ، إِنَّمَا أحب موسى الْمَوْت لما رأى لَهُ خلفا فِي أمته كافيا يقوم مقامه فيهم، فاستطاب حينئذ الْمَوْت لما وصفنا لا غَيْر.
وَأَمَّا استجابة يوشع وامتناع يوشع من إفشائه مَا يَكُون من اللَّه إِلَيْهِ فلم يك من بَاب التعزز من يوشع ولا من حبه الاقتصار من موسى إِلَيْهِ، بَل هُوَ من استخبار موسى يوشع هل بلغ حد الأمناء الَّذِينَ يكتمون مَا يجب كتمه عَنْ أقرب النَّاس إليهم وأعزهم عَلَيْهِم، فلما ألفى يوشع بالغا هذه المرتبة لَمْ يشك فِي نهوضه بالوحي واستمكانه من الحال الَّتِي أَهْل لَهَا فهذا الَّذِي أصار موسى إِلَى السؤال [١] .
ويدل عَلَى هَذَا مَا روي عَنِ الْحَسَن أَنَّهُ، قَالَ: لما ودع موسى أهله وولده أرسل
стр. 354
إِلَى يوشع فاستخلفه عَلَى النَّاس، قَالَ: وَكَانَ موسى إِنَّمَا يستظل فِي عريش ويأكل ويشرب فِي نقير من حجر تواضعا للَّه حِينَ أكرمه بكلامه.
قَالَ وهب: ذكر لي أَنَّهُ كَانَ من أمر وفاته أَنَّهُ أخرج يوما من عريشه ذَلِكَ لبعض حاجته، فمر برهط من الْمَلائِكَة يحفرون قبرا، فعرفهم فأقبل إليهم حَتَّى وقف عَلَيْهِم فَإِذَا هُمْ يحفرون قبرا لَمْ ير شَيْئًا أَحْسَن منه وَلَمْ ير مثل مَا فِيهِ من الخضرة والنضرة والبهجة، فَقَالَ لَهُمْ: يا مَلائِكَة اللَّه لَمْ تحفرون هَذَا القبر؟ قَالُوا: نحفره والله لعبد كريم على الله، قال: إن هذا العبد من اللَّه لبمنزلة، مَا رأيت كاليوم مضجعا، قَالَتِ الْمَلائِكَة:
يا صفي اللَّه أتحب أَن يَكُون لَكَ؟ قَالَ: وددت، قَالُوا: فانزل فاضطجع فِيهِ وتوجه إِلَى ربك ثُمَّ تنفس، فنزل فاضطجع فيه وتوجه إِلَى ربه ثُمَّ تنفس فقبض اللَّه روحه ثُمَّ سوت عَلَيْهِ الْمَلائِكَة.
قَالَ مؤلف الكتاب: وَفِي هَذَا بَعْد، فَإِن الْحَدِيث الصحيح يدل عَلَى غَيْر هَذَا.
أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، قال: أخبرنا ابن المذهب، قال: أخبرنا أحمد بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن همام مُنَبِّهٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ لَهُ: أَجِبْ رَبَّكَ، قَالَ: فَلَطَمَ مُوسَى عَيْنَ مَلَكِ الْمَوْتِ ففقأها، فرجع الملك إِلَى اللَّهِ وَقَالَ: إِنَّكَ أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَكَ لا يُرِيدُ الْمَوْتَ وَقَدْ فقأ عيني، قال: فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ عَيْنَهُ وَقَالَ ارْجِعْ إِلَى عَبْدِي فَقُلْ لَهُ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدَ الْحَيَاةِ فَضَعْ يَدَكَ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ فَمَا تَوَارَيَتْ بِيَدِكَ مِنْ شَعْرَةٍ فَإِنَّكَ تَعِيشُ بِهَا سَنَةً.
[فَعَادَ إِلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ] [١] فَقَالَ: ثُمَّ مَهْ، قَالَ: ثُمَّ تَمُوتُ، قَالَ: فَالآنَ مِنْ قَرِيبٍ. قَالَ: يَا رَبِّ أَدْنِنِي مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةَ حجر» . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَاللَّهِ لَوْ أَنِّي عِنْدَهُ لأَرَيَتْكُمُ [قَبْرَهُ] [٢] إِلَى جنب الطريق عند الكثيب الأحمر» [٣] .
стр. 355
قَالَ أَبُو عمران الجوني: لما مثل موسى ﵇ جعل يبكي وَيَقُول: لست أجزع للموت ولكني أجزع أَن ييبس لساني عَنْ ذكر اللَّه عِنْدَ الْمَوْت.
قَالَ: وَكَانَ لموسى ثَلاث بنات فدعاهن فَقَالَ: يا بناتي، إِن بَنِي إِسْرَائِيل سيعرضون عليكن الدُّنْيَا بعدي فلا تقبلن منها شَيْئًا تلقطن هَذَا السنبل فافركنه ثُمَّ كلنه، وستبلغن بِهِ إِلَى الْجَنَّة.
قَالَ علماء السير: توفي موسى بَعْد هَارُون بثلاث سنين، وأوصى إِلَى يوشع، وتوفي بباب لد.
قَالَ أَبُو جَعْفَر الطبري [١] : كَانَ جميع مدة عُمَر موسى ﵇ مائة وعشرين سَنَة، عشرون منها فِي ملك أفريدُونَ، ومائة منها فِي ملك منوشهر، وَكَانَ ابتداء أمره منذ بعثه اللَّه نبيا إِلَى أَن قبضه اللَّه فِي ملك منوشهر.
واختلفوا: هل مَات بأرض الشام أم لا عَلَى قولين: أحدهما أَنَّهُ توفي بأرض التيه، وَقَدْ روينا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: مَاتُوا كلهم فِي التيه وموسى وهارون، وَلَمْ يدخل بَيْت المقدس إلا يوشع، وكالب بْن يوفنا، والحَدِيث الَّذِي قدمناه يدل عَلَى هَذَا.
والقول الآخر: لما مضت الأربعون خرج موسى ببني إِسْرَائِيل من التيه، وَقَالَ لَهُمْ: ادخلوا القرية فكلوا منها حيث شئتم. قاله الرَّبِيع بْن أَنَس، وعَبْد الرَّحْمَنِ بْن زَيْد.
وَقَالَ ابْن جَرِير: وَهَذَا هُوَ الصحيح، وإن موسى هُوَ الَّذِي فتح قرية الجبارين مَعَ الصالحين من بني إسرائيل لأن أَهْل السير أجمعوا أَن موسى هُوَ قاتل عوج، وَكَانَ عوج ملكهم، وَكَانَ بلعام فيمن سباه/ سباه موسى وقتله.
قَالَ أَبُو الْحُسَيْن بْن المنادي: وَقَدْ قيل: إِن الْيَهُود لا تدري أين قبر موسى وهارون، ولو علموا لاتخذوهما إليهن من دون الله.