٢٤٢٠- عَلي بْن مُحَمَّد، أَبُو الحسن المزين الصغير [١] :
أصله من بغداد، وصحب الجنيد، وسهل بْن عبد الله، وأقام بمكة مجاورا حتى توفي بها في هذه السنة.
أَخْبَرَنَا أَبُو بكر بْن حبيب العامري، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سعد بْن أبي صادق، قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَبُو عبد الله بْن باكويه، أَخْبَرَنَا أَبُو عبد الله بْن خفيف، قَالَ: سمعت أبا الحسن المزين بمكة، يقول: كنت في بادية تبوك فتقدمت إلى بئر لأستقي منها فزلقت رجلي فوقعت في جوف البئر فرأيت في جوف البئر زاوية واسعة فأصلحت موضعا وجلست عليه، وقلت: إن كَانَ مني شَيْء لا أفسد [الماء] [٢] على الناس، وطابت نفسي وسكن قلبي، فبينا أنا قاعد إذا بخشخشة، فتأملت [٣] فإذا أنا بأفعى تنزل عَلي، فراجعت نفسي، فإذا هي ساكنة [عَلي] [٤] ، فنزل فدار بي وأنا هادئ السر لا تضطرب على [نفسي] [٥] ثم لف ذنبه وأخرجني من البئر وحلل عني ذنبه، فلا أدري أرض ابتلعته أو سماء رفعته، ثم قمت ومشيت.
وثم آخر يقال له
٢٤٢١- أَبُو جعفر المزين الكبير [٦] :
كَانَ بمكة وبها مات، وَكَانَ من العباد.
أَخْبَرَنَا الْقَزَّازُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا علي بن أبي
стр. 4622
على، قَالَ: حَدَّثَنَا إبراهيم بْن أَحْمَد الطبري، قَالَ: حَدَّثَنَا جعفر الخلدي، قَالَ: ودعت في بعض حجاتي المزين الكبير، فقلت: زودني شيئا، فَقَالَ: إن ضاع منك شَيْء أو أردت أن يجمع الله بينك وبين إنسان، فقل: يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد أجمع بيني وبين [كذا وكذا، فإن الله يجمع بينك وبين] [١] ذلك الإنسان أو ذلك الشيء، قَالَ: فجئت إلى الكتاني فودعته، وقلت: زودني، فأعطاني فصا عليه نقش كأنه طلسم، فَقَالَ: إذا اغتممت فانظر إلى هذا فإنه يزول غمك، قَالَ: فانصرفت فما دعوت [الله] [٢] بتلك الدعوة إلا استجيب لي، ولا رأيت الفص وقد اغتممت إلا زال غمي، فأنا ذات يوم قد توجهت أعبر إلى الجانب الشرقي من بغداد إذ هاجت ريح عظيمة وأنا في السميرية والفص في جيبي، فأخرجته لأنظر إليه، فلا أدري كيف ذهب مني في الماء، أو في السفينة، فاغتممت غما عظيما، فدعوت بالدعوة وعبرت، فما زلت أدعو بها يومي وليلتي أياما، فلما كَانَ بعد ذلك أخرجت صندوقا فيه ثيابي لأغير منها شيئا، ففرغت الصندوق فإذا بالفص في أسفل الصندوق، فأخذته وحمدت الله على رجوعه.
٢٤٢٢- عمر بْن أبي عمر مُحَمَّد بن يوسف بن يعقوب بن إسماعيل بن حماد بْن زيد بْن درهم، أَبُو الحسين الأزدى [٣] :
ناب عن أبيه في القضاء وهو ابن عشرين سنة، ثم توفي أبوه وهو على القضاء [٤] ، وَكَانَ حافظا للقرآن والفقه على مذهب مالك والفرائض والحساب واللغة والنحو والشعر والحديث، وأقر على القضاء، ثم جعل قاضي القضاة إلى آخر عمره، وصنف مسندا، ورزق قوة الفهم، وجودة القريحة، وشرف الأخلاق.
قَالَ أَبُو الْقَاسِم بْن برهان النحوي: كَانَ عدد الشهود في زمان قاضي القضاة أبي
стр. 4623
الحسين بْن قاضى القضاة أبي عمر ألف وثمانمائة شاهد، ليس فيهم من شهد إلا بفضيلة محضة في دين، أو علم، أو مال، أو شرف.
أَخْبَرَنَا عبد الرحمن بْن مُحَمَّد، قال: أخبرنا أحمد بن على، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد الصَّمَدِ بْن مُحَمَّد بْن [١] مُحَمَّد بْن نصر قَالَ: قَالَ لنا إسماعيل [٢] بْن سعيد المعدل: كَانَ أَبُو عمر القاضي، يقول: ما زلت مروعا من مسأله تجيئني من السلطان حتى نشأ أَبُو الحسين ولدي.
أَخْبَرَنَا عبد الرحمن، قال: أخبرنا أحمد بن علي أخبرنا التنوخي، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عُبَيْد اللَّهِ النصيبي، أن جعفر بْن ورقاء حدثهم، قَالَ: عدت من الحج أنا وأخي [٣] فتأخر عن تهنئتي [٤] القاضي أَبُو عمر وابنه أَبُو الحسين، فكتبت إليهما:
أأستجفي أبا عمر وأشكو ... وأستجفي فتاه أبا الحسين
بأي قضية وبأي حكم ... الحّا في قطيعة واصلين
فما جاءا ولا بعثا بعذر ... ولا كانا لحقى موجبين
فإن نمسك ولا نعتب تمادى ... جفاؤهما لأخلص مخلصين
وإن نعتب فحق غير أنا ... نجل عن العتاب القاضيين
فوصلت الأبيات إلى أبي عمر، وهو على شغل، فأنفذها إلى أبي الحسين، وأمره بالجواب عنها، فكتب إلي:
تجن واظلم فلست منتقلا ... عن خالص الود أيها الظالم
ظننت بي جفوة عتبت لها ... فخلت أنى لحبلكم صارم
حكمت بالظن والشكوك ولا ... يحكم بالظن فالهوى حاكم
تركت حق الوداع مطّرحا ... وجئت تبغي زيارة القادم
стр. 4624
أمران لم يذهبا على فطن [١] ... وأنت بالحكم فيهما عالم
وكل هذا مقال ذي ثقة ... وقلبه من جفائه سالم
أَخْبَرَنَا عبد الرحمن/ [بن محمد] [٢] ، قال: أخبرنا أحمد بن علي [بن ثابت] [٣] ، قال: أَخْبَرَنَا أَبُو الطيب الطبري، قَالَ سمعت [٤] المعافى بْن زكريا، يقول:
كنت أحضر مجلس أبي الحسين بْن أبي عمر يوم النظر، فحضرت يوما أنا وجماعة من أهل العلم في الموضع الذي جرت العادة بجلوسنا فيه ننتظره حتى يخرج، قَالَ: فدخل أعرابي لعل له حاجة إليه، فجلس بقربنا، فجاء غراب فقعد على نخلة في الدار وصاح، ثم طار، فَقَالَ الأعرابي: هذا الغراب يقول: بأن صاحب هذه الدار يموت بعد سبعة أيام، قَالَ: فصحنا عليه وزبرناه فقام وأنصرف، واحتبس خروج أبي الحسين، وإذا قد خرج إلينا غلام، فقال: القاضي يستدعيكم، قَالَ: فقمنا ودخلنا إليه، وإذا به متغير اللون منكسر البال مغتم، فَقَالَ: اعلموا أني أحدثكم بِشَيْءٍ قد شغل قلبي، وهو أني رأيت البارحة في المنام شخصا وهو يقول:
منازل آل حماد بْن زيد ... على أهليك والنعم السلام
وقد ضاق لذلك صدري، قَالَ: فدعونا له وانصرفنا، فلما كَانَ اليوم السابع من ذلك اليوم دفن ﵀.
أخبرنا عبد الرحمن قال: أخبرنا أحمد بن عَلي، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيّ بْن المحسن، قَالَ: أَخْبَرَنَا طلحة بن محمد بن جعفر، قال: توفي قاضي القضاة- يعني أبا الحسين عمر بْن مُحَمَّد بْن يُوسُف- في يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة بقيت من شعبان سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، وصلى عليه ابنه أَبُو نصر، ودفن إلى جانب أبي عمر في دار إلى جانب داره.
قَالَ أَبُو بكر الصولي: كَانَ هذا القاضي عمر بْن مُحَمَّد قد بلغ من العلوم مبلغا
стр. 4625
عظيما، وقرأ على من كتب اللغة والأخبار ما يقارب عشرة آلاف ورقة، وتوفي ابن سبع وثلاثين سنة، ووجد عليه الراضي وجدا شديدا حتى كَانَ يبكي بحضرتنا، وَقَالَ: كنت أضيق بالشيء ذرعا، فيوسعه عَلي، وَكَانَ يقول لا بقيت بعده.
٢٤٢٣- عثمان بْن عبدويه، أَبُو عمرو البزاز [١] الكشى:
سمع إبراهيم الحربي، روى عنه أَبُو بكر [بْن أبي موسى القاضي، وَكَانَ ثقة.
توفي في رمضان هذه السنة] [٢] .
٢٤٢٤- مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن أيوب بْن الصلت، أَبُو الحسن المقرئ المعروف بابن شنبوذ [٣] :
حدث عن أبي مسلم الكجي [٤] ، وبشر بْن موسى، وخلق كثير من أهل الشام ومصر، وَكَانَ قد تخير لنفسه حروفا من شواذ القراءات، وقرأ بها فصنف أَبُو بكر الأنباري وغيره كتبا في الرد عليه.
أَخْبَرَنَا الْقَزَّازُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الخطيب، قَالَ: أخبرني إبراهيم بْن مخلد فيما أذن لي أن أرويه عنه، قَالَ: أَخْبَرَنَا إسماعيل بْن عَلي الخطبي، قَالَ: أشتهر ببغداد أمر رجل يعرف بابن شنبوذ يقرئ الناس ويقرأ في المحراب بحروف نخالف المصاحف مما يروي عن ابن مسعود وأبي وغيرهما مما كَانَ يقرأ به قبل جمع المصحف الذي جمعه عثمان، ويتبع الشواذ [فيقرأ بها] [٥] ويجادل حتى عظم أمره وفحش، وأنكره الناس فوجه السلطان فقبض عليه في يوم السبت [لست خلون] [٦] من ربيع الآخر سنة ثلاث
стр. 4626
وعشرين وثلاثمائة، وحمل إلى دار الوزير مُحَمَّد بْن عَلي ابن مقلة، وأحضر القضاة والفقهاء والقراء [١] ، وناظره- يعنى الوزير- بحضرتهم، فأقام على ما ذكر عنه ونصره، واستنزله الوزير عن ذلك فأبى أن ينزل عنه أو يرجع عما يقرأ به من هذه الشواذ المنكرة التي تزيد على المصحف وتخالفه، فأنكر ذلك جميع من حضر المجلس [٢] ، وأشاروا بعقوبته ومعاملته بما يضطره إلى الرجوع، فأمر بتجريده وإقامته بين الهنبازين وضربه بالدرة على قفاه، فضرب نحو العشر درر ضربا شديدا، فلم يصبر واستغاث وأذعن بالرجوع والتوبة، فخلى عنه وأعيدت عليه ثيابه واستتيب، فكتب عليه كتاب بتوبته، وأخذ عليه خطه بالتوبة.
توفي ابن شنبوذ يوم الاثنين لثلاث ليال خلون من صفر هذه السنة.
٢٤٢٥- مُحَمَّد بْن الحسن بْن مُحَمَّد بْن حاتم بْن يزيد، [أَبُو الحسن] [٣] المعروف والده بعبيد العجل:
حدث عن زكريا بْن يحيى المروزي [٤] ، وموسى بْن هارون الطوسي. روى عنه الدارقطني.
أَخْبَرَنَا الْقَزَّازُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر الخطيب، قَالَ: بلغني عن أبي الفتح عُبَيْد اللَّهِ بْن أَحْمَد النحويّ، أنه ذكره فقال: كان سيّئ الحال في الحديث.
توفي يوم الثلاثاء لأربع عشرة بقين من رجب هذه السنة.
٢٤٢٦- مُحَمَّد بْن عَلي بْن الحسين بْن عبد الله، أَبُو على المعروف بابن [٥] مقلة:
ولد في شوال ببغداد في سنة اثنتين وسبعين ومائتين، فأول تصرف تصرفه مع
стр. 4627
أبي عبد الله مُحَمَّد بْن داود بْن الجراح وسنه يومئذ ست عشرة سنة، وذلك في سنة ثمان وثمانين، فأقام معه ثمانية أشهر، ثم انتقل إلى أبي الحسن ابن الفرات قبل تقلده الوزارة، وأجرى له مثل ذلك، وَكَانَ يسترفق في أيامه بقضاء الحوائج، ثم زاده في الجراية وولى ابن الفرات الوزارة، ثم عزل وأعيد، فقلد غير ابن مقلة المكاتبات، فسعى به ابن مقلة حتى صرف ثم عاد إلى الوزارة فقبض على ابن مقلة وصادره على مائة ألف دينار، ثم آل الأمر إلى أن وزر لثلاثة خلفاء.
وزر ابن مقلة للمقتدر في سنة ست عشرة وثلاثمائة، وقبض عليه في آخر سنة سبع عشرة، ووزر للقاهر سنة عشرين واستتر عنه خوفا منه سنة إحدى وعشرين فلم يظهر حتى بويع للراضي باللَّه، وَقَالَ: كنت مستترا في دار أبي الفضل بْن مارى النصراني بدرب القراطيس، فسعى بي إلى القاهر وعرف موضعي فبينا أنا جالس [١] وقد مضى نصف الليل أخبرتنا زوجة ابن مارى أن الشارع قد امتلأ بالمشاعل والخيل، فطار عقلي ودخلت بيتا فيه تبن فدخلوه ونبشوه بأيديهم [٢] ، فلم أشك إني مأخوذ فعاهدت الله تعالى أنه إن نجاني أن انزع عن ذنوب كثيرة [٣] ، وإن تقلدت الوزارة أمنت المستترين وأطلقت ضياع المنكوبين ووقفت وقوفا على الطالبيين، فما استتممت نذري حتى خرج الطلب وكفاني الله أمرهم.
وَكَانَ ابن مقلة قد نفى أبا العباس أَحْمَد بْن عُبَيْد اللَّهِ الخصيبي، وسليمان بن الحسن، وكلاهما وزراء للمقتدر، وتقدم بإنفاذهما في البحر فخب بهما البحر ويئسا من الحياة، فَقَالَ الخصيبي: اللَّهمّ إنى أستغفرك من كل ذنب وخطيئة، وأتوب إليك من معاودة معاصيك إلا من مكروه أبي على ابن مقلة [٤] فإنني إن قدرت عليه جازيته عن ليلتي هذه وما حل بي منه فيها، وتناهيت في الإساءة إليه، فَقَالَ سليمان: ويحك في هذا الموضع وأنت معاين للهلاك تقول هذا؟ فَقَالَ: لا أخادع [ربي] [٥] وأعيد من عمان،
стр. 4628
فلما عزل ابن مقلة في خلافة الراضي ضمنه الخصيبي بألفي ألف دينار، وحلت به المكاره من قبله، وَكَانَ ابن مقلة [١] لما شرع في بناء داره بالزاهر جمع المنجمين حتى اختاروا له وقتا لبنائه، ووضع أساسه بين المغرب والعشاء، فكتب إليه بعضهم:
قل لابن مقلة مهلا لا تكن عجلا ... واصبر فإنك في أضغاث أحلام
تبنى بأنقاض دور الناس مجتهدا ... دارا ستنقض أيضا بعد أيام
ما زلت تختار سعد المشترى لها ... فلم توق به من نحس بهرام
إن القرآن وبطليموس ما اجتمعا ... في حال نقض ولا في حال إبرام
وَكَانَ له بستان عدة أجربه شجر بلا نخل عمل له شبكة إبريسم، وَكَانَ يفرخ فيه الطيور التي لا تفرخ إلا في الشجر، كالقماري، والدباسي، والهزار، والببغ [٢] ، والبلابل، والطواويس، والقبج، وَكَانَ فيه من الغزلان والبقر البدوية، والنعام، والإبل وحمير الوحش [٣] ، [وبشر] [٤] بأن طائرا [بحريا وقع على طائر بري فازدوجا وباضا وأفقصا، فأعطى من بشره بذلك مائة دينار ببشارته] [٥] وَكَانَ بين جحظة [الشاعر] [٦] وبين ابن مقلة صداقة قبل الوزارة، فلما استوزر استأذن عليه جحظة فلم يؤذن له فَقَالَ:
قل للوزير أدام الله دولته ... أذكر منادمتي والخبز خشكار
إذ ليس بالباب برذون لنوبتكم ... ولا حمار ولا في الشط طيار
وَكَانَ ابن مقلة [يوما] [٧] على المائدة، فلما غسل يده رأى على ثوبه نقطة صفراء من الحلوى، فأخذ القلم وسودها وَقَالَ: تلك عيب [٨] ، وهذا اثر صناعة [٩] ، وأنشد:
стр. 4629
إنما الزعفران عطر العذارى ... ومداد الدواة عطر الرجال
وجرى على ابن مقلة في اعتقاله المكاره، وأخذ خطه بألف ألف دينار، وأطلق بعد ذلك/ فكتب إلى الراضي أنه إن أعاده [١] إلى الوزارة استخرج له ثلاثة آلاف ألف دينار، وقد ذكرنا إنه ضمن بعض الأمراء بمال فاستفتى الفقهاء في حقه، فَقَالَ بعضهم:
هذا قد سعى في الأرض بالفساد فتقطع يده، فقطعت وَكَانَ ينوح على يده [٢] ، ويقول:
يد خدمت بها الخلفاء ثلاث دفعات، وكتبت بها القرآن دفعتين تقطع كما تقطع أيدي اللصوص، ثم قَالَ: إن المحنة قد نشبت بي وهي تؤديني إلى التلف، وأنشد:
إذ ما مات بعضك فابك بعضا ... فإن البعض من بعض قريب
ومن شعر [ابن مقلة] [٣] حين قطعت يده، قوله:
ما سئمت الحياة لكن توثقت ... بأيمانهم فبانت يميني
بعت ديني لهم بدنياي حتى ... حرموني دنياهم بعد ديني
فلقد حطت ما استطعت بجهدي ... حفظ أرواحهم فما حفظوني
ليس بعد اليمين لذة عيش ... يا حياتي بانت يميني فبيني
وقال أيضا: [٤]
إذا أتى الموت لميقاته ... فعد عن قول الأطباء
وإن مضى من أنت صب به ... فالصبر من فعل الألباء
ما مر شَيْء من بنى آدم ... أمر من فقد الأحباء
ثم قطع لسانه بعد ذلك، وطال حبسه، فلحقه ذرب، وَكَانَ يستسقي الماء بيده اليسرى وفمه إلى أن مات في شوال سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، ودفن في دار السلطان،
стр. 4630
ثم سأل أهله تسليمه إليهم فنبش وسلم إليهم. فدفنه ابنه أَبُو الحسين في داره، ثم نبشته زوجته المعروفة بالدينارية ودفنته في دارها.
ومن العجائب أنه تقلد الوزارة ثلاث دفعات، وسافر في عمره [١] ثلاث مرات واحدة إلى الموصل، واثنتين [في النفي] [٢] إلى شيراز، ودفن بعد موته ثلاث مرات في ثلاث مواضع.
٢٤٢٧- مُحَمَّد بْن الْقَاسِم بْن مُحَمَّد بْن بشار بْن بيان [٣] بْن سماعة بْن فروة بن قطن ابن دعامة، أبو بكر [ابن] [٤] الأنباري:
ولد يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب سنة إحدى وسبعين ومائتين وسمع إسماعيل بْن إسحاق القاضي، والكديمي، وثعلبا، وغيرهم. وَكَانَ صدوقا فاضلا دينا من أهل السنة، وَكَانَ من أعلم الناس بالنحو والأدب، وأكثرهم حفظا له، وصنف كتبا كثيرة في علوم القرآن، وغريب الحديث، وغير ذلك وذكر عنه أنه كان يحفظ ثلاثمائة ألف بيت من الشواهد في القرآن، وكتب عنه وأبوه حي.
أنبأنا مُحَمَّد بْن عبد الباقي، أنبأنا عَلي [٥] بْن أبي على البصري. عن أبيه، قَالَ:
أخبرني غير واحد ممن شاهد أبا بكر ابن الأنباري [أنه كَانَ] [٦] يملي من حفظه لا من
стр. 4631
كتاب، وأن عادته في كل ما كتب عنه من العلم كانت [هكذا] [١] ما أملى قط من دفتر.
أَخْبَرَنَا عبد الرحمن بْن مُحَمَّد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن عَلي الحافظ، قال:
سمعت حمزة بن محمد بن طاهر الدقاق، يقول: حدثني أبي، عن جدى [أن] [٢] أبا بكر ابن الأنباري مرض فدخل عليه أصحابه يعودونه فرأوا من انزعاج أبيه وقلقه [عليه] [٣] أمرا عظيما فطيبوا نفسه ورجوه العافية، فَقَالَ لهم: كيف لا أقلق وأنزعج [لعلة] [٤] من يحفظ جميع ما ترون، وأشار لهم إلى حيرى مملوء كتبا [٥] .
قَالَ حمزة: وَكَانَ مع حفظه زاهدا متواضعا، حكى أَبُو الحسن الدارقطني أنه حضره في مجلس إملاء يوم جمعة فصحف اسما أورده في إسناد حديث أما كَانَ حيان، فَقَالَ: حبان أو كَانَ حبان فَقَالَ حيان: قَالَ أَبُو الحسن: فأعظمت أن يحمل عن مثله في فضله وجلالته وهم وهبته أن أقفه على ذلك، فلما انقضى الإملاء تقدمت إلى المستملي وذكرت له وهمه وعرفته صواب القول فيه وانصرفت، ثم حضرت الجمعة الثانية مجلسه، فَقَالَ أَبُو بكر للمستملي: عرف الحاضرين إنا صحفنا الاسم الفلاني لما أملينا حديث كذا في الجمعة الماضية، ونبهنا ذلك الشاب [٦] على الصواب، وعرف ذلك الشاب إنا رجعنا إلى الأصل فوجدناه كما قَالَ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي بْنِ ثَابِتٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو العلاء الواسطي، قَالَ: قَالَ مُحَمَّد بْن جعفر التميمي: ما رأينا أحفظ من أبي بكر الأنباري، ولا أغزر بحرا منه.
وحدثني عنه أَبُو الحسن العروضي، قَالَ: اجتمعت أنا وهو عند الراضي على الطعام، وَكَانَ قد عرف الطباخ ما يأكل أَبُو بكر، فكان يشوي له قلية يابسة، قال: فأكلنا
стр. 4632
نحن من أطائب الطعام وألوانه، وهو يعالج تلك القلية، ثم فرغنا وأتينا بحلوى، فلم يأكل منها [شيئا] [١] ، وقام وقمنا إلى الخيش فنام بين الخيشين ونمنا نحن في خيش ينافس فيه، ولم يشرب ماء إلى العصر، فلما كَانَ مع العصر [٢] قَالَ لغلام: الوظيفة، فجاءه بماء من الحب وترك الماء المزمل بالثلج، فغاظني أمره [٣] فصحت صيحة، فأمر أمير المؤمنين بإحضاري، وَقَالَ: ما قصتك؟ [٤] فأخبرته، وقلت: هذا يا أمير المؤمنين يحتاج أن يحال بينه وبين تدبير نفسه لأنه يقتلها ولا يحسن عشرتها، قَالَ: فضحك، وَقَالَ:
له في هذا لذة وقد صار له ألفا فلا يضره. ثم قلت: يا أبا بكر لم تفعل هذا بنفسك؟
فَقَالَ: أبقي على حفظي، قلت: إن الناس قد أكثروا في حفظك، فكم تحفظ؟ قَالَ:
أحفظ ثلاثة عشر صندوقا.
قَالَ مُحَمَّد بْن جعفر: وهذا ما لا يحفظه أحد قبله ولا بعده، وحدثت أنه كَانَ يحفظ عشرين ومائة تفسير من تفاسير القرآن بأسانيدها.
وَقَالَ [لنا] [٥] أَبُو الحسن العروضي: كَانَ يتردد ابن الأنباري [٦] إلى أولاد الراضي، فسألته جارية عن تفسير رؤيا فَقَالَ: أنا حاقن، ثم مضى فلما كَانَ من غد عاد وقد صار معبرا للرؤيا وذلك أنه مضى من يومه، فدرس كتاب الكرماني وجاء. قَالَ:
وَكَانَ يأخذ الرطب فيشمه [٧] ويقول: أما إنك طيب ولكن أطيب منك حفظ ما وهب [٨] الله لي من العلم.
قَالَ مُحَمَّد بْن جعفر: وَكَانَ يملي من حفظه وقد أملى غريب الحديث، قيل:
إنه خمسة وأربعون ألف ورقة [وكتاب شرح الكافي وهو نحو ألف ورقة] [٩] ، وكتاب
стр. 4633
الهاءات نحو ألف ورقة، وكتاب الأضداد وما رأيت أكبر منه [١] ، والجاهليات سبعمائة ورقة [٢] ، والمذكر والمؤنث ما عمل أحد أتم منه، وكتاب «المشكل» بلغ فيه إلى نصفه وما أتمه [٣] .
قَالَ: وحدثت عنه أنه مضى يوما إلى النخاسين وجارية تعرض حسنة كاملة الوصف، قال: فرقعت في قلبي ثم مضيت إلى دار أمير المؤمنين الراضي، فَقَالَ لي:
أين كنت إلى الساعة؟ فعرفته، فأمر بعض أسبابه، فمضى فاشتراها وحملها إلى منزلي، فجئت فوجدتها، فعلمت الأمر كيف جرى، فقلت لها: كوني فوق إلى أن أستبرئك، وكنت أطلب مسألة قد اختلطت عَلي، فاشتغل قلبي فقلت للخادم: خذها وأمض بها إلى النخاس فليس قدرها أن تشغل قلبي عن علمي، فأخذها الغلام،. فقالت: دعني أكلمه بحرفين، فقالت له: أنت رجل لك محل وعقل، وإذا أخرجتني ولم يتبين لي ذنبي لم آمن أن يظن الناس بي ظنا قبيحا [٤] ، فعرفنيه قبل أن تخرجني. فقلت لها: مالك عندي عيب غير أنك شغلتني عن علمي، فقالت: هذا سهل عندي.
وَقَالَ: فبلغ الراضي أمره، فَقَالَ: لا ينبغي أن يكون العلم في قلب أحد أحلى [٥] منه في قلب هذا الرجل.
ولما وقع في علة الموت أكل كل شَيْء كَانَ يشتهي، وَقَالَ: هي علة الموت.
أَخْبَرَنَا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أحمد بْنُ عَلِيِّ [بْنِ ثَابِتٍ] [٦] [حَدَّثَنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن عبد الله النحوي، قَالَ: حدثني أبي، قَالَ: سمعت] [٧] أبا بكر ابن الأنباري، يقول: دخلت المارستان بباب محول، فسمعت صوت رجل في
стр. 4634
بعض البيوت يقرأ: أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ الله الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ٢٩: ١٩ [١] فَقَالَ: أنا لا أقف إلا على قوله: كَيْفَ يُبْدِئُ الله الْخَلْقَ ٢٩: ١٩ فأقف على ما عرفه القوم وأقروا به لأنهم لم يكونوا يقرون بإعادة الخلق وأبتدئ بقوله: ثُمَّ يُعِيدُهُ ٢٩: ١٩ ليكون خبرا. وأما من قرأ على قراءة عَلي بْن أبي طالب وادكر بعد أمه، فهو وجه حسن الأمه النسيان، وأما أَبُو بكر بْن مجاهد فهو إمام في القراءة: وأما قراءة الأحمق [يعني] [٢] ابن شنبوذ؟ إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم ٥: ١١٨؟ [٣] فخطأ، لأن الله تعالى [قد] [٤] قطع لهم/ بالعذاب في قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ٤: ٤٨ [٥] ، قال: فقلت لصاحب المارستان: من هذا الرجل؟ فَقَالَ: هذا إبراهيم الموسوس محبوس، فقلت: ويحك هذا أبي بْن كعب أفتح الباب [عنه، ففتح الباب فإذا أنا] [٦] برجل منغمس في النجاسة والأدهم في قدميه [٧] ، فقلت: السلام عليك، فَقَالَ: كلمة مقولة، فقلت: ما منعك من رد السلام عَلي؟ فَقَالَ: السلام أمان، وإني أريد أن امتحنك، ألست تذكر اجتماعنا عند أبي العباس- يعني ثعلبا- في يوم كذا وفى يوم كذا، وعرفني ما ذكرته وعرفته، وإذا به رجل من أفاضل [٨] أهل العلم، فَقَالَ: هذا الذي تراني منغمسا فيه ما هو، قال: فقلت:
الخراء يا هذا، فَقَالَ: وما جمعه؟ فقلت: خروء، فَقَالَ: [لي] [٩] صدقت وأنشد.
كَأنَ خروء الطير فوق رءوسهم
ثم قَالَ لي: والله لو لم تجبني بالصواب لأطعمتك منه، فقلت: الحمد للَّه الذي نجاني منك، وتركته وانصرفت.
стр. 4635
أنبأنا مُحَمَّد بْن ناصر، أنبأنا عبد المحسن بْن مُحَمَّد بْن عَلي، أَخْبَرَنَا أَبُو الحسن أَحْمَد بْن مُحَمَّد، أَخْبَرَنَا القاضي [١] أَبُو الْحَسَن عَلِيّ بْن عَبْد الله الدينَوَريّ قَالَ: قَالَ أَبُو بكر عبد الله بْن عَلي بْن عيسى: لما مرض أبو بكر ابن الأنباري مرضه الذي توفي فيه انقطع عن الخروج إلى المسجد أياما، فدخلوا عليه واعتذروا من تأخرهم عنه، فَقَالَ له واحد من الجماعة: تقدم في أخذ الماء من غد فإني أجيئك بسنان بْن ثَابِت المتطبب، وَكَانَ يجتمع في حلقته وجوه الحضرة من أولاد الوزراء والكتاب والأمراء والأشراف، فلما كَانَ من الغد حضر سنان بْن ثَابِت مع ذلك الرجل، فدخل إليه، فلما توسط المنزل، قَالَ: أروني الماء ما دمت في الضوء، فنظر إليه ثم دخل إلى العليل [٢] فسأله عن حاله، قَالَ له: رأيت الماء وهو يدل على إتعابك جسمك وتكلفك أمرا عظيما لا يطيقه الناس، قال: قد كنت أفعل ذلك ولم يعلم من أي نوع، فوصف له سنان ما يستعمله ثم خرج فتبعه قوم، فَقَالَ: هو تالف وما فيه حيلة فارفقوا به، ثم مضى فلما بعد قلت لابن الأنباري: يا أستاذ، ما الذي كنت تفعله حتى أستدل المتطبب عليه من حالك؟ فَقَالَ:
كنت أدرس في كل جمعة عشرة آلاف [٣] ورقة.
توفي أَبُو بكر بْن الأنباري ليلة النحر من هذه السنة.
٢٤٢٨- أم عيسى بنت إبراهيم الحربي [٤] :
كانت عالمة فاضلة [تفتي] [٥] في الفقه.
وتوفيت في رجب هذه السنة، ودفنت إلى جانب أبيها.
стр. 4636
ثم دخلت سنة تسع وعشرين وثلاثمائة
فمن الحوادث فيها:
أن الفرات زادت أحد عشر ذراعا وانبثق بثق من نواحي الأنبار، فاجتاح القرى وغرقها وغرق الناس والبهائم والوحش والسباع [١] وصب الماء في الصراة إلى بغداد وغرق شارع [٢] [الجانب الغربي وغرق شارع] [٣] باب الأنبار، فلم يبق منه منزل إلا وسقط، وتساقطت الأبنية على الصراة، وسقطت قنطرة الصراة الجديدة، وانقطع بعض العتيقة، وزادت دجلة ثمانية عشر ذراعا في أيار وحزيران.
ومرض الراضي، فقام في يومين أربعة عشر رطلا من الدم، كذلك قَالَ الصولي ولما اشتدت علته أرسل إلى بجكم وهو بواسط يعرفه شدة علته، ويسأله أن يعقد ولاية العهد لابنه الأصغر، وهو أبو الفضل وتوفي الراضي، وتولى الخلافة المتقي للَّه أخوه.
стр. 4637
[المجلد الرابع عشر]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[تتمة سنة تسع وعشرين وثلاثمائة]
[باب ذكر خلافة المتقي باللَّه]
[١] واسمه إبراهيم بن المقتدر [٢] [و] [٣] يكنى أبا إسحاق، وأمه أم ولد تسمى خلوب، أدركت خلافته. وولد في شعبان سنة سبع وتسعين ومائتين، وكان قد اجتمع الأشراف والقضاة في دار بجكم وشاوروه فيمن يولون، فاتفقوا عليه [٤] ، فحمل من داره- وكانت بأعلى الحريم الظاهري- إلى دار الخلافة، فصعد إلى رواق التاج فصلى ركعتين على الأرض وجلس على السرير، وبايعه الناس وكان استخلافه يوم الأربعاء لعشر بقين من ربيع الأول من هذه السنة.
ولم يغدر بأحد قط، ولا تغير على جاريته التي كانت له قبل الخلافة، ولا تسرى عليها، وكان حسن الوجه، مقبول الخلق [٥] ، قصير الأنف، أبيض مشربا بحمرة، في شعره شقرة وجعودة، كث اللحية، أشهل العينين، أبي النفس [٦] ، لم يشرب النبيذ قط.
وكان يتعبد ويصوم جدا [٧] ، وكان يقول: المصحف نديمي، ولا أريد جليسا
стр. 4638
غيره، فغضب الجلساء من هذا، حتى قال أبو بكر الصولي- وأودع هذا الكلام في كتابه المسمى بالأوراق، فقال [١] : ما سمع بخليفة [٢] قط قال: [أنا] [٣] لا أريد جليسا، أنا أجالس المصحف، سواه، أفتراه [ظن] [٤] أن مجالسة المصحف خص بها دون آبائه وأعمامه الخلفاء، وأن هذا الرأي غمض عنهم [٥] وفطن له.
قال المصنف: فأعجبوا لهذا المنكر [٦] للصواب، وهو [٧] يعلم أنه كان هو والجلساء لا يكادون يشرعون فيما [٨] ينفع، وأقله المدح، فليته إذ قال هذا لم يثبته في تصنيف.
وفي يوم الجمعة [٩] لاثنتي عشرة ليلة/ خلت من جمادى الأولي: فرغ من مسجد براثا [١٠] وجمع فيه الجمعة.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ الْقَزَّازِ، قَالَ [١١] : أخبرنا أحمد [بن على] [١٢] بن ثابت قال: كان في الموضع المعروف ببراثا مسجد يجتمع فيه قوم ممن ينسب إلى التشيع، يقصدونه لا [١٣] للصلاة والجلوس، فرفع إلى المقتدر باللَّه أن الرافضة يجتمعون في ذلك المسجد [١٤] لسب الصحابة، والخروج عن الطاعة، فأمر بكبسه يوم الجمعة
стр. 4639
وقت الصلاة فكبس، وأخذ من وجد فيه فعوقبوا وحبسوا حبسا طويلا، وهدم المسجد حتى سوي بالأرض، وعفي رسمه، ووصل بالمقبرة التي تليه، ومكث خرابا إلى سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، فأمر الأمير بجكم بإعادته وإحكامه وتوسعة بنائه [١] ، فبني بالآجر والجص، وسقف بالساج المنقوش، ووسع فيه ببعض ما يليه مما ابتيع له من الأملاك التي للناس [٢] ، وكتب في صدره اسم الراضي باللَّه، وكان الناس ينتابونه للصلاة فيه والتبرك، ثم أمر المتقي باللَّه [بعد] [٣] بنصب منبر فيه، وكان [٤] في مدينة المنصور معطلا مخبوءا في خزانة المسجد، عليه اسم هارون الرشيد، فنصب في قبلة المسجد، وتقدم إلى أحمد بن الفضل بن عبد الملك الهاشمي، وكان الإمام في مسجد الرصافة [٥] بالخروج إليه، والصلاة بالناس فيه الجمعة، فخرج وخرج الناس من جانبي مدينة السلام، حتى حضروا هذا المسجد [٦] ، وكثر الجمع، وحضر صاحب الشرطة، فأقيمت صلاة الجمعة فيه يَوْم الجمعة لثنتي [٧] عشرة ليلة خلت من جمادى الأولي سنة تسع وعشرين [وثلاثمائة] [٨] ، وتوالت صلاة الجمع [٩] فيه، ثم تعطلت الصلاة فيه بعد الخمسين وأربعمائة.
وفي يوم الخميس [١٠] لسبع خلون من جمادى الآخرة: سقطت [١١] رأس القبة الخضراء بالمدينة.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت أنبأنا [١٢]
стр. 4640
إبراهيم بن مخلد أخبرنا [١] إسماعيل بن علي الخطبي قال: سقطت [٢] رأس القبة/ الخضراء التي في قصر أبي جعفر المنصور لتسع [٣] خلون من جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين، وكان تلك الليلة مطر عظيم، ورعد هائل، وبرق شديد، وكانت هذه القبة تاج بغداد، وعلم البلد، ومأثرة من مآثر بني العباس عظيمة، بنيت أول ملكهم، وكان بين بنائها وسقوطها مائة وسبع وثمانون سنة.
أَخْبَرَنَا القزاز، قَالَ: أَخْبَرَنَا أحمد بْن علي بن ثابت [الخطيب قَالَ:] [٤] أَخْبَرَنَا علي بن أبي علي البصري قال: حدثني أبي قال: قال لي أبو الحسين بن عياش [٥] :
اجتمعت في أيام المتقي باللَّه إسحاقات كثيرة، فانسحقت خلافة بني العباس في أيامه، وانهدمت قبة المنصور الخضراء التي كان بها فخرهم فقلت له: ما كانت الإسحاقات؟
قال: كان يكنى أبا إسحاق، وكان وزيره القراريطي، يكنى: أبا إسحاق، وكان قاضيه ابن إسحاق الخرقي [٦] ، وكان محتسبه أبو إسحاق بن بطحاء، وكان صاحب شرطته أبو إسحاق بن أحمد، وكانت داره القديمة في دار إسحاق بن إبراهيم المصعبي وكانت الدار نفسها دار إسحاق بن كنداج [٧] .
واشتد الغلاء في جمادى الأولي وزاد [٨] ، وبلغ الكر الدقيق مائة وثلاثين دينارا، وأكل الناس النخالة والحشيش، وكثر الموت حتى دفن جماعة في قبر واحد بلا صلاة، ولا غسل، ورخص العقار والقماش حتى بيع ما ثمنه دنانير بعددها دراهم.
وفي هذه السنة خَرَجَ التشرينان [٩] والكانونان وشباط بلا مطر [إلا مطرة واحدة
стр. 4641
خفيفة لَمْ يسل منها ميزاب] [١] وقطع الأكراد [٢] على قافلة خرجت إلى خراسان فأخذوا [٣] منها ما مبلغه ثلاثة آلاف دينار [وكان أكثر المال لبجكم] [٤] وزادت الفرات زيادة لم يعهد مثلها، وغرقت العباسية، ودخل الماء شوارع بغداد فسقطت القنطرة العتيقة والجديدة.
وفي شوال: اجتمعت العامة في جامع دار السلطان، وتظلمت من الديلم ونزولهم في دورهم بغير أجرة، وتعديهم عليهم في معاملاتهم، فلم يقع إنكار لذلك فمنعت العامة الإمام من الصلاة، وكسرت المنبرين/ وشعثت [٥] المسجد، ومنعهم الديلم من ذلك فقتلوا [٦] من الديلم جماعة.
وفي هذا الشهر: تقلد أبو إسحاق محمد بن أحمد الإسكافي وزارة المتقي، وخلع عليه.
ووقع الموت [٧] في المواشي والعلل في الناس، وكثرت الحمى ووجع المفاصل، ودام [الغلاء] [٨] حتى تكشف المتجملون [٩] ، وهلك الفقراء، واحتاج الناس إلى الاستسقاء فرئي منام عجيب.
أخبرنا محمد بن عبد الباقي البزاز، أنبأنا [١٠] علي بن عبد المحسن [١١] ، عن أبيه
стр. 4642
قال: حدثني أبو الحسن أحمد بن يوسف الأزرق، حدثنا [١] أبو محمد الصلحي الكاتب قال: نادى منادي المتقي [باللَّه] [٢] في زمن خلافته في الأسواق أن أمير المؤمنين يقول لكم معشر رعيته أن امرأة صالحة رأت النَّبيّ ﷺ في منامها فشكت احتباس القطر [٣] ، فقال لها: قولي للناس يخرجون في يوم الثلاثاء الأدنى ويستسقون، ويدعون الله، فإنه يسقيهم [٤] في يومهم، وأن أمير المؤمنين يأمركم معاشر المسلمين بالخروج في يوم الثلاثاء كما أمر [٥] رسول الله ﷺ ، وأن تدعوا وتستسقوا بإصلاح من نياتكم، وإقلاع من ذنوبكم. قال: فأخبرني الجم الغفير أنهم [٦] لما سمعوا [٧] النداء ضجت الأسواق بالبكاء والدعاء، فشق ذلك عليَّ، وقلت: في منام [٨] امرأة لا يدري [٩] كيف تأويله، وهل يصح أم لا، ينادي به خليفة في أسواق مدينة [١٠] السلام [١١] ، فإن لم يسقوا كيف يكون حالنا مع الكفار، فليته أمر الناس [١٢] بالخروج ولم يذكر هذا، وما زلت قلقا حتى أتى يوم الثلاثاء، فقيل لي أن الناس قد خرجوا إلى المصلى مع أبي الحسن أحمد بن الفضل [١٣] بن عبد الملك إمام الجوامع، وخرج أكثر [١٤] أصحاب السلطان والفقهاء والأشراف، فلما كان قبل الظهر ارتفعت سحابة، ثم طبقت الآفاق، ثم أسبلت عزاليها بمطر جود، فرجع الناس حفاة من الوحل/.
стр. 4643
وفي هذه السنة: لم يمض الحاج إلى المدينة لأجل طالبيٍّ خرج في ذلك الصقع.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٢٤٢٩- أحمد بن إبراهيم
بن حماد بن إسحاق بن إسماعيل [١] بن حماد بن زيد، أبو عثمان [٢] :
ولي قضاء مصر وقدم إليها، ثم عزل فأقام بها إلى أن توفي في رمضان هذه السنة، حدث عن إسماعيل بن إسحاق القاضي، وخلق كثير، وكان ثقة كريما حييًا.
٢٤٣٠- أحمد بن إبراهيم بن تومرد [٣] الفقيه [٤] :
تفقه على أبي العباس بن سريج، خرج من الحمام فوقع عليه حائط فمات في هذه السنة.
٢٤٣١- إسحاق بن إبراهيم بن موسى [٥] ، أبو القاسم الغزال الفقيه [٦] :
ولد في سنة أربعين ومائتين، وحدث عن الحسن بن عرفة، ومحمد بن سعد العوفي [٧] ، روى عنه يوسف الوقاس وتوفي بمصر في هذه السنة.
٢٤٣٢- بجكم التركي
[٨] :
كان أمير الجيش، وكان يلقب أمير الأمراء قبل ملك بني بويه، وكان عاقلا [٩]
стр. 4644
يفهم بالعربية ولا يتكلم بها، ويقول: أخاف أن أخطئ، والخطأ من الرئيس قبيح وكان يقول [١] : إن كنت لا أحسن العلم والأدب فأحب أن لا يكون في الأرض أديب ولا عالم ولا رائس صناعة [٢] إلا في جنبتي، وتحت اصطناعي، وكان قد استوطن واسطا، وقرر مع الراضي باللَّه أن يحمل إلى خزانته [٣] [من مالها] [٤] في كل سنة [٥] ثماني مائة ألف دينار بعد أن يخرج الغلة [٦] في مئونة خمسة آلاف فارس يقيمون بها، وكان قَدْ [٧] أظهر العدل، وكان يقول: قد نبئت أن العدل اربح للسلطان في الدنيا والآخرة، وبنى دار ضيافة للضعفاء والمساكين بواسط، وابتدأ بعمل [٨] المارستان ببغداد وهو الذي جدده عضد الدولة، وكانت أمواله كبيرة [٩] فكان يدفنها في داره وفي الصحاري، وكان يأخذ رجالا في صناديق فيقفلها عليهم، ويأخذ صناديق فيها مال ويقود هو بهم إلى الصحراء، ثم يفتح عليهم فيعاونونه في دفن المال، ثم يعيدهم إلى الصناديق، فلا يدرون أي/ موضع حملهم، ويقول: إنما أفعل هذا لأني أخاف أن يحال بيني وبين [١٠] داري، فضاعت بموته الدفائن.
وبعث بجكم إلى سنان بن ثابت الطبيب بعد موت الراضي، وسأله أن ينحدر إليه إلى واسط، فانحدر إليه فأكرمه، وقال له: [إني] [١١] أريد أن أعتمد عليك في تدبير بدني، وفي أمر آخر هو أحب إلي [١٢] من أمر بدني [١٣] ، وهو أمر أخلاقي لثقتي بعقلك
стр. 4645
[ودينك] [١] فقد غمتني غلبة الغضب والغيظ، وإفراطهما في حتى أخرج إلى ما أندم عليه عند سكونهما من ضرب وقتل، وأنا أسألك أن تتفقد لي ما أعمله [٢] فإذا وقفت لي على عيب لم تحتشم أن تصدقني عنه، وتنبهني عليه، ثم ترشدني إلى علاجه. فقال له: السمع والطاعة، أنا أفعل ذلك، ولكن يسمع [٣] الأمير مني بالعاجل [جملة] [٤] علاج ما أنكره من نفسه إلى أن آتي بالتفصيل في أوقاته، اعلم أيها الأمير أنك قد أصبحت [وليس] [٥] فوق يدك يد [لأحد] [٦] من المخلوقين وأنك مالك [٧] [لكل] [٨] ما تريده [٩] قادر على أن تفعله أي وقت أردته، لا يتهيأ لأحد من المخلوقين منعك منه، ولا أن يحول بينك وبين ما تهواه، أي وقت أردت، واعلم أن الغيظ والغضب يحدث [في] [١٠] الإنسان سكرا أشد من سكر النبيذ بكثير، فكما أن الإنسان يفعل [١١] في وقت السكر من النبيذ ما لا يعقل به ولا يذكره إذا صحا، ويندم عليه إذا حدث به، ويستحيي منه، كذلك يحدث له في وقت [السكر من] [١٢] الغيظ بل أشد، فإذا ابتدأ بك الغضب، فضع في نفسك أن تؤخر العقوبة إلى غد، واثقا بأن ما تريد أن تعمله في الوقت لا يفوتك عمله، فإنك إذا بت ليلتك سكنت فورة [١٣] غضبك، وقد قيل: أصح ما يكون الإنسان رأيا إذا استدبر ليله/ واستقبل نهاره. فإذا صحوت من غضبك [١٤] فتأمل الأمر الذي أغضبك، وقدم أمر الله
стр. 4646
عز وجل أولا، والخوف منه، وترك التعرض لسخطه، واشف غيظك بما لا يؤثمك، فقد قيل: «ما شفى غيظه [١] من إثم» واذكر قدرة الله عليك، فانك تحتاج [٢] إلى رحمته وإلى أخذه بيدك في أوقات شدائدك، فكما تحب أن يغفر لك، كذلك غيرك يحب أن تعفو عنه [٣] ، واذكر أي ليلة [٤] بات المذنب قلقا لخوفه منك [٥] ، وما يتوقعه من عقوبتك، وأعرف مقدار ما يصل إليه من السرور بزوال الرعب عنه، ومقدار الثواب الذي يحصل لك بذلك، واذكر قوله تعالى: (أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) ٢٤: ٢٢ [٦] وإنما يشتد عليك ذلك مرتين أو ثلاثا، ثم تصير عادة لك [٧] وخلقا [فيسهل] [٨] . فابتدأ بجكم فعمل بما قال له [وعمل بواسط وقت المجاعة دار ضيافة، وببغداد مارستان ورفق بالرعية] [٩] إلا أن مدته لم تطل.
أخبرنا محمد بن عبد الباقي البزاز، عن أبي القاسم [١٠] التنوخي، عن أبيه قال:
حدثني عبد السلام بن الحارث قال: جاء رجل من الصوفية إلى بجكم فوعظه وتكلم بالفارسية والعربية حتى أبكاه بكاء شديدا، فلما ولي قال بجكم لبعض من حضره [١١] :
احمل معه ألف درهم. فحملت وأقبل بجكم على من بين يديه، فقال: ما أظنه يقبلها وهذا متخرق بالعباده [١٢] : أيش يعمل بالدراهم؟ فما كان بأسرع من أن جاء [١٣] الغلام
стр. 4647
فارغ اليد فقال لَهُ بجكم [١] : أعطيته إياها؟ قال: نعم. فقال بجكم: كلنا صيادون ولكن الشباك تختلف.
وخرج بجكم [يوما] [٢] يتصيد فلقي قوما من الأكراد مياسير [٣] فشره إلى أموالهم، فقصدهم في عدد يسير من غلمانه مستهينا [بأمرهم] [٤] ، فهربوا من بين يديه [٥] وتفرقوا فدار [٦] غلام منهم من خلفه، فطعنه/ بالرمح، وهو لا يعرفه فقتله [٧] لسبع بقين من رجب [٨] هذه السنة، وكانت إمارته سنتين وثمانية أشهر وتسعة أيام.
فركب المتقي إلى داره فنزلها ونقل ما كان فيها [٩] ، وحفر أساساتها [١٠] ، فحصل به من ماله ما يزيد على ألفي ألف [١١] عينا وورقا، وقيل للروزجارية: خذوا التراب أجرتكم [١٢] . فأبوا، فأعطوا ألفي درهم، وغسل التراب فخرج منه ستة وثلاثون ألف درهم، وقيل: ظهر له على ألف ألف وثلاثمائة ألف دينار عينا [وورقًا] [١٣] ، وبيع له من أصناف الأموال والرقيق والجواهر والكساء والمراكب والأواني والرقيق [١٤] والخف والحافر والسلاح أمر عظيم، سوى ما نهب وتلف، ثم ظهر على مال عظيم في [داره] [١٥]
стр. 4648
سوى المال الأول مدفون، فمن ذلك ستة عشر قمقما [ذهبا] [١] يحمل القمقم في الدهق لثقله [٢] .
٢٤٣٣- جعفر بن أحمد بن مُحَمَّد بن يحيى بن عبد الجبار [٣] ، أبو محمد القارئ المؤذن، مروزي الأصل
[٤] .
سمع من جماعة، وروى عنه ابن المظفر، والدارقطني، وقال: هو ثقة.
توفي في ربيع هذه السنة [٥] .
٢٤٣٤- الحسن بن علي بن خلف، أبو محمد البربهاري
[٦] :
جمع العلم، والزهد، وصحب المروذي، وسهلا التستري، وتنزه عن ميراث أبيه لأمر كرهه، وكان سبعين ألف درهم [٧] ، وكان شديدا على أهل البدع، فما زالوا يثقلون قلب السلطان عليه، وكان ينزل بباب محول، وانتقل إلى الجانب الشرقي، واستتر عند أخت توزون [٨] / فبقي نحوا من شهر، ثم أخذه قيام الدم فمات، فقالت المرأة لخادمها:
انظر من يغسله، وغلقت الأبواب حتى لا يعلم أحد، وجاء الغاسل فغسله، ووقف يصلي عليه وحده، فاطلعت فإذا الدار ممتلئة رجالا بثياب بيض وخضر، فاستدعت الخادم وقالت: ما الذي فعلت؟ فقال: يا سيدتي رأيت ما رأيت؟ قالت: نعم. قال: هذه مفاتيح الباب [٩] وهو مغلق [١٠] . فقالت: ادفنوه في بيتي، وإذا مت فادفنوني عنده، فدفنوه في دارها، وماتت بعده فدفنت هناك، والمكان بقرب دار المملكة بالمخرم،
стр. 4649
وكان عمره ستا وتسعين سنة [قَالَ المصنف:] [١] قال شيخنا أبو الحسن ابن الزاغوني:
وكشف عن قبره بعد سنين وهو صحيح لم يرم [٢] وظهرت من قبره روائح الطيب حتى ملأت مدينة السلام.
٢٤٣٥- الحسن بن إدريس [٣] بن محمد بن شاذان، أبو القاسم القافلائي
[٤] :
حدث عن جماعة، فروى عنه ابن حيويه والدارقطني. توفي في هذه السنة.
٢٤٣٦- الحسن بن محمد بن أحمد بن أبي الشوك، أبو محمد الزيات [٥] .
سمع هلال بن العلاء وغيره [٦] وروى عنه الدارقطني وابن شاهين وَكَانَ ثقة.
تُوُفِّيَ فِي هذه السنة.
٢٤٣٧- عَبْد اللَّهِ [٧] بن أحمد بن ثابت، أبو القاسم البزاز [٨] :
حدث عن حفص بن عمرو الربالي [٩] ، ويعقوب الدورقي، روى عنه الدارقطني [وابن شاهين وكان صالحا ثقة، توفي في رجب هذه السنة] [١٠] .
٢٤٣٨- عبد الله بن طاهر بن حاتم، أبو بكر الأبهري
[١١] :
صحب يوسف بن الحسين، وكان من أقران الشبلي، وأسند الحديث/.
أَخْبَرَنَا [١٢] مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا [١٣] أَبُو بكر بن خلف، قال: أخبرنا أبو عبد
стр. 4650
الرحمن السلمي قال: سمعت إِسْحَاق بن محمد بن عبد الله [١] يقول: سمعت أبا بكر بن طاهر يقول [وسئل] [٢] ما بال الإنسان يحتمل من معلمه ما لا يحتمله [٣] من أبويه؟ فقال: لأن أبويه سبب حياته الفانية، ومعلمه سبب حياته الباقية.
٢٤٣٩-[عبد الله بن محمد بن إسحاق [٤] بن يزيد، أبو القاسم، مروزي الأصل [٥] :
سمع سعدان بن نصر، روى عنه الدارقطني، وابن شاهين، وكان ثقة.
وتوفي في رمضان هذه السنة] .
٢٤٤٠- عبيد الله بن موسى [٦] بن إسحاق بن موسى، أبو الأسود الأنصاري الخطمي
[٧] :
حدث عن محمد بن سعد العوفي [٨] ، روى عنه ابن المظفر، والدارقطني، وكان ثقة، وتوفي في هذه السنة] .
٢٤٤١-[عَبْد الملك بن يحيى بن الحسين [٩] ، أبو الحسين العطار [١٠] الزعفراني ،
يعرف: بابن أبي زكار [١١] :
حدث عن علي بن داود القنطري، روى عنه الدارقطني، وكان ثقة.
وتوفي في محرم هذه السنة] .
стр. 4651
٢٤٤٢- محمد الراضي باللَّه [أمير المؤمنين] [١] بن المقتدر
[٢] :
توفي ليلة السبت لأربع عشرة ليلة بقيت من ربيع الآخر [٣] على خمس ساعات ماضية [٤] من الليل بعلة الاستسقاء، وكان من أعظم آفاته كثرة الجماع، وغسله القاضي يوسف بن عمر، وكانت خلافته ست سنين، وعشرة أشهر، وعشرة أيام، وعمره إحدى وثلاثين سنة وخمسة أشهر [٥] ، ودفن في تربته بالرصافة.
وكانت تربة عظيمة قد أنفقت عليها الأموال، والآن فقد عمل [٦] عندها سور المحلة [٧] فلم يبق منها إلا أثر [٨] قريب، ودفنت عنده أمه ظلوم.
٢٤٤٣- محمد بن أحمد [٩] بن أبي سهل، واسمه: يزيد بن خالد [١٠] ، أبو الحسين الحربي
[١١] :
حدث عن أبي العباس بن مسروق [١٢] ، روى عنه أبو عبد الله بن بطة.
وتوفي في شعبان هذه السنة.
٢٤٤٤- محمد بن أيوب بن المعافى بن العباس، أبو بكر العكبري
[١٣] :
حدث عن إسماعيل بن إسحاق القاضي، وإبراهيم الحربي، روى عنه ابن بطة
стр. 4652
وغيره، وكان ثقة صالحا زاهدا، وكان ابن بطة يقول: ما رأيت أفضل من أبي بكر بن أيوب، وتوفي في رمضان هذه السنة.
٢٤٤٥- مُحَمَّد بن حمدويه [١] بن سهل بن يزداد، أبو نصر المروزي
[٢] :
روى عنه الدارقطني، وكان ثقة، وتوفي في هذه السنة، وقيل: في سنة سبع وعشرين، والأول أصح.
٢٤٤٦- يوسف بْن يعقوب/ بْن إسحاق بْن البهلول، أَبُو بكر الأزرق التنوخي الكاتب
[٣] :
ولد بالأنبار سنة ثمان وثلاثين ومائتين، وسمع جده إسحاق، والزبير بن بكار، والحسن بن عرفة، وغيرهم. وكتب عنه كثيرا [٤] من اللغة والنحو والأخبار، وكان أزرق العين، متخشنا [٥] في دينه، كثير الصدقة، تصدق [٦] بنحو مائة ألف دينار، وكان أمارا بالمعروف، روى عنه ابن المظفر، والدارقطني، وابن شاهين، وآخر من روى [٧] عنه أبو الحسين بن المتيم [٨] ، وكان ثقة.
وتوفي في ذي الحجة من هذه السنة، ودفن في مقابر باب الكوفة، وله اثنتان وتسعون سنة.
стр. 4653
ثم دخلت سنة ثلاثين وثلاثمائة
فمن الحوادث فيها:
أنه ظهر في المحرم كوكب مذنب رأسه إلى الغرب وذنبه إلى الشرق [١] ، وكان عظيما جدا منتشر الذنب، وبقي ثلاثة عشر يوما إلى أن اضمحل.
وفي نصف ربيع الأول: بلغ الكر الحنطة مائتين وعشرة [٢] دنانير والكر الشعير مائة وعشرين دينارا، ثم بلغ الكر الحنطة ثلاثمائة وستة عشر [٣] دينارا، وأكل الضعفاء الميتة، ودام الغلاء، وكثر الموت، وشغل الناس بالمرض والفقر، وتقطعت السبل، وترك التدافن للموتى، واشتغل الناس عن الملاهي واللعب.
وفي يوم الجمعة لأربع خلون من شهر ربيع الآخر: قام رجل من العامة في جامع الرصافة [٤] والإمام يخطب، فلما دعا للمتقي للَّه قال له العامي: كذبت، ما هو بالمتقي، فأخذ وحمل إلى دار السلطان، وخرج المتقي، فلقي ناصر الدولة أبا محمد بن حمدان حين دخل بغداد [٥] ، وجاء/ مطر كأفواه القرب، وامتلات البلاليع وفاضت، ودخل دور الناس، وبلغت زيادة دجلة عشرين ذراعا [وثلثا] [٦] .
стр. 4654
ووقعت حرب بين الأتراك والقرامطة بناحية باب حرب، وقتل فيها جماعة، فانهزم القرامطة وخرجوا عن بغداد [١] ، وزاد البلاء على الناس ببغداد [٢] وكبست منازلهم ليلا ونهارا وافتقر أَهْل اليسار [٣] ، واستتر أكثر العمال لأجل ما طولبوا به مما ليس في السواد.
وخرج أصحاب السلطان إلى ما قرب من بغداد فأغاروا على ما استحصد من الزرع، حتى اضطر أصحاب الضياع [٤] إلى حمل ما حصدوه بسنبله [٥] ، ووقع بين توزون وكورتكين [٦] التركيين، فأصعد توزون إلى الموصل، وانفذ في طلبه فلم يلحق.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
[٧]
٢٤٤٧- إسحاق بن محمد، أبو يعقوب النهر جوري
[٨] :
صحب الجنيد وغيره، وجاور بالحرم سنين، وبه مات في هذه السنة.
أخبرنا ابن ناصر، قَالَ: أخبرنا أبو بكر بْن خلف، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي قال: سمعت أبا الحسن [٩] الفارسي يقول: سمعت أبا يعقوب النهرجوري يقول: مفاوز الدنيا تقطع بالأقدام، ومفاوز الآخرة تقطع بالقلوب.
стр. 4655
٢٤٤٨- الحسين بْن إِسْمَاعِيل بْن مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل بْن سعيد بن أبان [١] ، أبو عبد الله الضبي القاضي المحاملي
[٢] :
ولد في محرم سنة خمس وثلاثين ومائتين، وسمع الحديث وله عشر سنين، وشهد عند الحكام وله عشرون سنة، وسمع يوسف بن موسى القطان، ويعقوب الدورقي، والبخاري وروى له [٣] ، وخلقا كثيرا، وكان عنده سبعون رجلا من أصحاب ابن عيينة.
روى عنه دعلج، وابن المظفر، والدارقطني، وكان يحضر مجلسه عشرة آلاف وكان [صدوقا أديبا فقيها، مقدما في الفقه والحديث] [٤] ، ولي قضاء الكوفة ستين سنة، وأضيف إليه قضاء فارس وأعمالها [٥] ، / ثم استعفى فأعفي، وعقد في داره مجلسا للنظر في الفقه [٦] في سنة سبعين ومائتين، فلم تزل تتردد إليه الفقهاء إلى أن توفي في هذه السنة [٧] .
أخبرنا القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي الْخَطِيبُ [٨] ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد الْعَتِيقِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْد الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيُّ [٩] قَالَ:
حَدَّثَنَا [١٠] الْقَاضِي الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ عَبْدُونَ وَهُوَ يَكْتُبُ لِبَدْرٍ، وَعِنْدَهُ جَمْعٌ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ الدَّاوُدِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ المادرائي [١١] فذكر
الدارقطني، وكان ثقة فاضلا، توفي في شوال هذه السنة.
٢٤٥٠- علي بن محمد بن سهل، أبو الحسن الصائغ الدينَوَريّ
[١] :
[أَخْبَرَنَا أبو بكر العامري، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو سعد بْن أبي صادق قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْن باكويه قال: سمعت الحسين بن أحمد الدينَوَريّ] [٢] يقول: سمعت ممشاذ يقول:
خرجت ذات يوم إلى الصحراء، فبينا أنا مار إذا أنا بنسر قد فتح جناحيه، فتعجبت منه فاطلعت، فإذا بأبي الحسن الدينَوَريّ الصائغ قائم يصلي والنسر يظلله.
توفي الصائغ بمصر في هذه السنة.
٢٤٥١- عبد الغافر بن سلامة [٣] بن أحمد بن عبد الغافر بن سلامة بن هاشم الحضرمي، من أهل حمص
[٤] :
كان جوالا، فقدم بغداد فحدث بها عن جماعة، فروى عنه الدارقطني، وابن شاهين، وابن الصلت، الأهوازي وهو آخر من روى عنه من البغداديين، والقاضي أبو عمر الهاشمي البصري. وهو آخر من روى عنه [٥] في الدنيا كلها، وَكَانَ ثقة.
توفي بالبصرة في هذه السنة.
٢٤٥٢- محمد بن أحمد بن صالح بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن حنبل [٦] ، أَبُو جعفر الشيباني
[٧] :
حدث عن أبيه، وعن عمه زهير بن صالح، روى عنه الدارقطني وغيره.
وتوفي في هذه السنة.
стр. 4658
٢٤٥٣- محمد بن عبد الله بن محمد بن مسلم [١] ، أبو بكر، إمام مسجد الجامع [٢] العتيق بمصر
[٣] :
حدث عن إبراهيم بن مرزوق، وبكار بن قتيبة، وغيرهما، وكان نحويا يعلم أولاد الملوك النحو. توفي في ربيع الآخر من هذه السنة.
٢٤٥٤- نصر بن أحمد، أبو القاسم البصري، المعروف: بالخبز أرزي الشاعر
[٤] :
روى عنه المعافى بن زكريا وغيره.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي [بن ثابت قال] : أنا [٥] أبو منصور محمد بن محمد بن أحمد [بن] [٦] الحسين بن عبد العزيز العكبري، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ المالكي، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ الأكفاني قال:
خرجت مع عمي أبي عبد الله الأكفأني الشاعر، وأبي الحسين بن لنكك، وأبي عبد الله المفجع، وأبي الحسن السباك في بطالة عيد، وأنا يومئذ صبي [٧] أصحبهم، فمشوا حتى انتهوا إلى نصر بن أحمد الخبز أرزي وهو يخبز على طابقه، فجلست الجماعة عنده يهنئونه بالعيد ويتعرفون خبره، وهو يوقد السعف تحت الطابق [٨] فزاد في الوقود فدخنهم، فنهضت الجماعة عند تزايد الدخان، فقال نصر بن أحمد لأبي الحسين بن لنكك: متى أراك يا أبا الحسين؟ فقال له أبو الحسين: إذا اتسخت ثيابي. وكانت ثيابه يومئذ جددا على أنقى ما يكون من البياض، فمشينا [٩] فقال أبو الحسين بن لنكك: يا
стр. 4659
أصحابنا، أن نصرًا لا يخلي هذا المجلس الذي مضى لنا معه من شيء يقوله، ويجب أن نبدأه/ فجلس واستدعى دواة وكتب:
لنصر في فؤادي فرط حب ... أنيف به على كل الصحاب
أتيناه فبخرنا بخورا ... من السعف المدخن للثياب
فقمت مبادرا فظننت نصرا ... أراد بذاك طردي أو ذهابي
فقال متى أراك أبا حسين؟ ... فقلت له إذا اتسخت ثيابي
[١] وأنفذ الأبيات إلى نصر فأملى جوابها فقرأناها، فإذا هو قد أجاب:
منحت أبا الحسين صميم ودى ... فداعبني بالفاظ عذاب
أتى وثيابه كقتير شيب ... فعدن له كريعان الشباب
ظننت جلوسه عندي كعرس ... فجدت له بتمسيك الثياب
فقلت متى أراك أبا حسين ... فجاوبني إذا اتسخت ثيابي [٢]
فإن كان التقزز فيه فخر ... فلم يكنى [٣] الوصي أبا تراب؟
[قال مؤلف الكتاب: وكان فصيحا أديبا، وكان أميا لا يعرف الخط، وكان يصنع خبز الأرز، فنسب إليه. توفي في هذه السنة] [٤] .
стр. 4660
ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة
فمن الحوادث فيها:
أنه [١] أول المحرم، وهو النصف من أيلول [٢] قوي الحر حتى أخذ بالأنفاس، وخرج أيلول كله عن حر شديد، ودخل تشرين بمثل ذلك، وكان في اليوم الثامن منه حر لم يكن مثله [٣] في آب وتموز.
[ورود الروم إلى أرزن، وميافارقين]
في صفر: ورد الخبر بورود الروم إلى أرزن، وميافارقين، وأنهم سبوا واحرقوا.
وفي ربيع الآخر: عقد نكاح لأبي [منصور] [٤] إسحاق بن المتقي باللَّه على علوية بنت ناصر الدولة أبي محمد بن حمدان على مائة ألف دينار [٥] وخمسمائة درهم، وجرى العقد بحضرة الخليفة وولي العقد على الجارية أبو عبد الله محمد بن أبي موسى الهاشمي، / ولم يحضر ناصر الدولة [وضرب ناصر الدولة سكة فزاد فيها عند ذكر [٦] رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وضيق] [٧] ناصر الدولة على المتقي باللَّه في نفقاته [٨] ، وانتزع ضياعه وضياع والدته.