منزلتي يحفظها منزلي ... وباجتي تكرم ديباجتي
وله أيضا
يا أيها السائل عن مذهبي ... ليقتدي فيه بمنهاجي
منهاجي العدل وقمع الهوى ... فهل لمنهاجي من هاجي
وله أيضا
إذا رأيت الوداع فاصبر ... ولا يهمنك البعاد
وانتظر العود عن قريب ... فإن قلب الوداع عادوا
وله أيضا
لقاء أكثر من تلقاه أوزار ... فلا تبال أصدوا عنك أو زاروا
لهم لديك إذا جاءوك أوطار ... فان قضوها تنحوا عنك أو طاروا
أخلاقهم فتجنبهن أوعار ... وقربهم مأثم للمرء أو عار
أوضار أخلاقهم يعدي معاشرهم ... فلا يزول فقد ما من رأوا ضاروا
وله أيضا
دعوني وأمري واختياري فإنني ... عليم بما أمري وأخلق من أمري
إذا مر بي يوم ولم اصطنع يدا ... ولم استفد علما فما ذاك من عمري
وله أيضا
كم مذنب قد ضاقني ... فقرنته صفحا وغفرا
كم حاسد صابرته ... فقتلته بالصبر صبرا
وله أيضا
إذا خدمت الملوك فالبس ... من التوقي أعز ملبس
وادخل عليهم وأنت أعمى ... واخرج إذا ما خرجت أخرس
/ وله أيضا
دعوني وسمتي في عفافي فإنني ... جعلت عفافي في حياتي ديدني
وأعظم من قطع اليدين على الفتى ... صنيعة بِرٍّ نالها من يدي دني
وله أيضا
يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته ... لتطلب الربح مما فيه خسران
أقبل على النفس واستكمل فضائلها ... فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان
стр. 4867
وله أيضا
يا ناظر العين قل هو ناظر عيني ... إليك يوما وهل تدنو خطى البين
الله يعلم أني بعد فرقتكم ... كطائر سلخوه من جناحين
ولو قدرت ركبت الريح نحوكم ... فإن بعدي عنكم قد حَنَى حَيْنِي
٢٧١٤- العباس بن الحسين، أبو الفضل الشيرازي
[١] .
وزر لعز الدولة بختيار بن معز الدولة أبي الحسين، وكان ظالمًا، فقبض عليه فقتل فِي حبسه [٢] في ربيع الأول [٣] من هذه السنة، وعمره تسع وخمسون سنة، ودفن بمشهد عليٍّ ﵇.
٢٧١٥- عيسى بن موسى بن أبي محمد. واسمه محمد بن المتوكل على الله، أبو الفضل الهاشمي
[٤] .
ولد سنة ثمانين ومائتين، وسمع محمد بن خلف [٥] بن المرزبان، وأبا بكر بن أبي داود، ولازمه نيفًا وعشرين سنة، روى عنه أبو علي بن شاذان، وكان ثقة، وتوفي في ربيع الآخر [٦] من هذه السنة.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد [٧] القزاز، أخبرنا أحمد بن ثابت [٨] [الخطيب] [٩] قال: قال لي علي بن أحمد بن عيسى المتوكلي [١٠] ، قال لي هلال بن محمد الحفار قال لي جدك عيسى بن موسى: مكثت ثلاثين سنة أشتهي أن أشارك العامة في أكل هريسة السوق فلا أقدر على ذلك، لأجل البكور إلى سماع الحديث.
стр. 4868
ثم دخلت سنة أربع وستين وثلاثمائة
فمن الحوادث فيها:
أنه ورد [الخبر] [١] في المحرم سنة أربع [٢] من المدينة أن أهل العراق، وخراسان، والكوفة، والبصرة بلغوا سميرا فرأوا هلال ذي الحجة على نقصان/ من ذي القعدة، وعرفوا أن لا ماء في الطريق من فيد إلى مكة، إلا صُبَابَةٌ لا يقوم بهم وبجمالهم، فعدلوا إلى بطن نخل يطلبون مدينة الرسول ﷺ ، فوصلوا إليها يوم الجمعة سادس ذي الحجة، فبركت الجمال ولم تنهض، فعرفوا في المسجد، وخرجوا فصلوا صلاة العيد في مصلى النَّبيّ ﷺ ، وكان أمير الحاج أبو منصور محمد بن عمر بن يحيى العلوي، وورد الناس الكوفة في أول المحرم، بعد أن لحقهم جهد شديد، وأقاموا بالكوفة لفساد الطريق، ثم خفروا أنفسهم وأموالهم حتى دخلوا بغداد في آخر الشهر.
وفي يوم الأربعاء لثلاث عشرة [ليلة] [٣] بقيت من المحرم: أوقع العيارون حريقًا بالخشابين من باب الشعير [٤] ، فاحترق أكثر هذا [٥] السوق، وما يليها من سوق الجزارين [٦] ، وأصحاب الحصر، وصف البواري، فهلك شيء كثير من هذه الأسواق
стр. 4869
من الأموال [١] وزاد أمر العيارين في هذه السنة، حتى ركبوا الدواب، وتلقبوا بالقواد، وغلبوا على الأمور، وأخذوا الخفائر عن الأسواق والدروب، وكان في جملة العيارين قائد يعرف: بأسود الزبد، لأنه كان يأوي قنطرة الزبد ويستعظم من حضر وهو عريان لا يتوارى، فلما كثر الفساد رأي هذا الأسود من هو أضعف منه قد أخذ السيف [٢] فطلب سيفًا، ونهب وأغار، اجتمع إليه جماعة، فأخذ [٣] الأموال، واشترى جارية بألف دينار، فلما حصلت عنده حاول منها حاجته فمنعته، فقال: ما تكرهين مني؟ قالت: أكرهك كما أنت فقال: ما تحبين؟ قالت: أن تبيعني. قال: أو أفعل خيرًا من ذلك، فحملها إلى القاضي وأعتقها، ووهب لها ألف دينار، فعجب الناس من سماحة أخلاقه [٤] إذ لم يجازها على كراهيتها له. ثم خرج إلى الشام فهلك بها.
[وقوع الخطبة لأبي تميم معد]
وفي المحرم: ورد الخبر بوقوع الخطبة لأبي تميم معد، الملقب بالمعز، بمكة والمدينة في موسم [سنة] [٥] ثلاث وستين وثلاثمائة، وقطعت خطبة الطائع من يوم الجمعة/ لعشر بقين من جمادى الأولي إلى أن أعيدت في يوم الجمعة لعشر بقين [٦] من رجب، فلم يخطب في هذه المدة لإمام، وذلك لأجل تشعث جرى بينه وبين عضد الدولة، وكان عضد الدولة قد قدم العراق، فأعجبه ملكها، فوضع الجند ليشغبوا على عز الدولة، فشغبوا فأغلق أبوابه، فأمر عضد الدولة الاستظهار عليه، وذلك يوم الجمعة لأربع ليال [٧] بقين من جمادى الآخرة، وكتب عن الطائع للَّه [٨] إلى الآفاق باستقرار الأمر لعضد الدولة، وخلع عضد الدولة على محمد بن بقية وزير عز الدولة، ثم اضطربت الأمور على عضد الدولة، ولم يبق في يده غير بغداد، فنفذ عضد الدولة إلى
стр. 4870
ركن الدولة يعلمه أنه قد خاطر بنفسه وجنده، وأنه [١] [قد] هذب مملكة العراق، واستقاد الطائع للَّه إلى داره، وأن عز الدولة بختيار [٢] عاص لا يقيم دولة، وأنه إن خرج من العراق لم يبعد اضطراب الممالك، [ويسأله المدد] [٣] فلما بلغه هذه الرسالة غضب فقال للرسول: قل له أنت [٤] خرجت في نصرة ابن أخي أو في الطمع في مملكته، فأفرج [٥] عضد الدولة عن بختيار، وخرج عضد الدولة عَنْ بختيار [٦] إلى فارس، وعاد [٧] جيش بختيار إليه.
وفي يوم الخميس لعشر خلون من ذي القعدة: تزوج الطائع للَّه شاه زنان [٨] بنت عز الدولة على صداق مائة ألف دينار، وخطب خطبة النكاح بحضرتهما [٩] أبو بكر محمد بن عبد الرحمن بن قريعة القاضي.
وفي رجب: زادت الأسعار، وعدمت الأقوات، وبيع الكر من الدقيق الحواري بمائة ونيف وسبعين دينارا، والعشرة الأمناء من السكر بنيف [١٠] وأربعين درهمًا، والتمر ثلاثة أرطال بدرهم، وضاقت العلوفة، فبيع الحمل من التبن بعشرة دراهم، وأخرج السلطان كراعه إلى السواد.
وفي هذه السنة: اضطرب أمر الحاج، لم يندب لهم أحد/ من جهة السلطان، وخرجت طائفة من الخراسانية على وجه التغرير [١١] والمخاطرة، فلحقهم شدة، وتأخر
стр. 4871
البغداديون والتجار، وأقام الحج أصحاب المغربي، وأقيمت الخطبة له.
وفي ليلة الاثنين لتسع بقين من ذي القعدة: طلع كوكب الذؤابة [١] من ناحية المشرق، وله شبه الذؤابة [٢] مستطيلا نحو رمحين في رأي العين، ولم يزل يطلع في كل ليلة إلى [ليلة] [٣] عشر بقين من ذي الحجة.
وفي يوم الأربعاء: سلخ ذي القعدة صرف أبو الحسن [٤] محمد بن صالح ابن أم شيبان، عن قضاء القضاة، وقلَّده أبو محمد بن معروف، وكتب عهده.
وفي يوم الأربعاء: لتسع [٥] بقين من ذي الحجة خلع على الشريف أبي أحمد الحسين بن موسى الموسوي من دار عز الدولة، وقلد نقابة الطالبيين.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر .
٢٧١٦- إسحاق بن محمد بْن إِسْحَاق، أَبُو يَعْقُوب النَّعَاليّ
[٦] .
سَمِعَ أَبَا خليفة، وجعفر الفريابي، وغيرهما. وروى عَنْهُ البرقاني وَقَالَ: هُوَ صدوق، وتُوُفيّ يَوْم النحر من هَذِهِ السَّنَة.
٢٧١٧- سبكتكين
[٧] حاجب معز الدولة، خلع عليه الطائع وطوقه وسوره، ولقَّبه نصر الدولة، فسقط سبكتكين عن الفرس [٨] ، فانكسر ضلعه، فاستدعى ابن الصلت المجبر، فرد ضلعه ولازمه إلى أن برأ [٩] فأغناه وأعطاه يوم أدخله الحمام ألف دينار وفرسا ومركبا وخلعه،
стр. 4872
وكان يقدر على الركوب والقيام في الصلاة والسجود، ولا يقدر على الركوع، وكان يقول لطبيبه: إذا تذكرت عافيتي على يدك فرحت بك، ولم اقدر على مكافأتك، وإذا ذكرت حصول رجليك على ظهري اشتد غيظي منك.
توفي يوم [١] الثلاثاء لسبع بقين من المحرم، وكانت مدة إمارته شهرين وثلاثة عشر يومًا، وحمل تابوته إلى بغداد، فدفن في تربة ابنته بالمخرم، وخلف ألف ألف دينار مطيعية، وعشرة آلاف ألف درهم، وصندوقين فيهما جوهر، وستين صندوقا/ منها خمسة وأربعون فيها آنية ذهب وفضة، وخمسة عشر فيها بلور ومحكم ومائة وثلاثين مركبًا ذهبًا، منها خمسون وزن كل واحد ألف مثقال، وستمائة مركب فضة، وأربعة آلاف ثوب ديباجًا، وعشرة آلاف ثوب دبيقيا وعتابيا، وغير ذلك، وثلاثمائة عدل معكومة [٢] فيها فرش، وثلاثة آلاف رأس دابة وبغلا، وألف رأس من الجمال، وثلاثمائة غلام [دارية] [٣] وأربعة [٤] وأربعين خادما غير ما ترك عند أبي بكر البزاز صاحبه، وكان لسبكتكين هذا دار المملكة اليوم.
أَخْبَرَنَا [٥] عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي بن ثابت قال: حدثني هلال بن المحسن قال: كانت دار المملكة التي بأعلى المخرم محاذية الفرضة لسبكتكين غلام معز الدولة، فنقض عضد الدولة أكثرها، ولم يستبق إلا البيت الستيني الذي هو في وسط أروقة من روائها أروقة من أطرافها أروقة [٦] قباب معقودة، وتنفتح أبوابه الغربية إلى دجلة، وأبوابه الشرقية إلى صحن، من خلفه بستان ونخل وشجر، وكان عضد الدولة جعل الدار التي هذا البيت فيها دار العامة، والبيت برسم جلوس الوزراء، وما يتصل به من الأروقة، والقباب مواضع للدواوين [٧] والصحن مناما لديلم
стр. 4873
النوبة، في ليالي الصيف، قال هلال: وهذه الدار وما تحتوي عليه من البيت المذكور والأروقة [١] خراب، ولقد شاهدت مجلس الوزراء في ذلك ومحفل مَنْ يقصدهم ويحضرهم، وقد جعله جلال الدولة اصطبلا أقام فيه دوابه وسواسه، وأما ما بناه عضد الدولة وولده بعده من هذه الدار فهو متماسك على تشعثه.
قال ابن ثابت: ولما ورد طغرل بك الغزي بغداد، واستولي عليها، عمَّر هذه الدار، وجدد كثيرا مما/ [كان] [٢] وهي منها سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، فمكثت كذلك إلى سنة خمسين وأربع مائة ثم احترقت، وسلمت [٣] أكثر آلاتها، ثم عمرت بعد، وأعيد كما [٤] كان وهي منها.
أخبرنا عبد الرحمن، أخبرنا أحمد بن علي قَالَ: حدثني [القاضي] [٥] أبو القاسم علي بْن المحسن قال: سمعت أبي يقول: ماشيت [٦] الملك عضد الدولة في دار المملكة بالمخرم التي كانت دار سبكتكين حاجب معز الدولة من قبل، وهو يتأمل ما عمل وهدم منها، وقد كان أراد أن يزيد في الميدان السبكتكيني أذرعا ليجعله بستانًا، ويرد بدل التراب رملًا، ويطرح التراب تحت الروشن على دجلة، وقد ابتاع دورًا كثيرة كبارًا وصغارًا، ونقضها ورمى حيطانها بالفيلة [٧] تخفيفا للمئونة، وأضاف عرصاتها إلى الميدان، وكانت مثل الميدان دفعتين وبنى على الجميع مسناة، فقال لي في هذا اليوم، وقد شاهد ما شاهد: تدري أيها القاضي كم أنفق على ما قلع [٨] من التراب إلى هذه الغاية، وبناء هذه المسناة السخيفة، مع ثمن ما ابتيع من الدور واستضيف؟ قلت: أظنه شيئا كثيرًا. فقال لي: هو إلى وقتنا هذا سبعمائة [٩] ألف درهم صحاحا، ويحتاج إلى
стр. 4874
مثلها دفعة أو دفعتين حتى يتكامل قلع التراب، ويحصل موضعه الرمل، موازيا لوجه البستان، فلما فرغ من ذلك وصار البستان أرضا بيضاء لا شيء فيها من غرس ولا نبات، قال: قد أنفق على هذا حتى صار كذا أكثر من ألفي ألف درهم، ثم فكر في أن يجعل شرب البستان من دواليب ينصبها على دجلة، وعلم أن الدواليب لا تكفي، فأخرج المهندسين إلى الأنهار التي في ظاهر الجانب الشرقي من مدينة السلام، ليستخرجوا منها نهرًا يسيح ماؤه إلى داره، فلم يجدوا ما أرادوه إلا في نهر الخالص، فعلى الأرض بين البلد وبينه تعلية، أمكن معها/ أن يجري الماء على قدر من غير أن يحدث به ضرر، وعمل تلين عظيمين يساويان سطح ماء الخالص، ويرتفعان عن أرض الصحراء أذرعًا، وشق في وسطهما نهرًا [١] جعل له خورين من جانبيه، وداس الجميع بالفيلة دوسا كثيرًا حتى قوي واشتد وصلب وتلبد، فلما بلغ إلى منازل البلد وأراد سوق النهر إلى داره عمد إلى دور السلسلة، فدك أرضها دكًا قويًا، ورفع أبواب الدور، وأوثقها، وبنى جوانب النهر طول البلد بالآجر والكلس والنورة، حتى وصل الماء إلى الدار، وسقى البستان.
قال أبي: وبلغت النفقة على عمل البستان وسوق الماء إليه على ما سمعته من حواشي عضد الدولة: خمسة آلاف ألف درهم، ولعله قد أنفق على أبنية الدار ما أظن مثل ذلك، وكان عضد الدولة [٢] عازمًا على أن يهدم الدور التي بين داره وبين الزاهر، ويصل الدار بالزاهر، فمات قبل ذلك.
٢٧١٨- عبد السلام بن مُحَمَّد بن أبي موسى، أبو القاسم المخرمي الصوفي
[٣] .
سافر الكثير، ولقي الشيوخ، وحدّث عن أبي بكر بن أبي داود، وأبي عروبة الحراني، روى عنه أبو نعيم الأصبهاني، وكان ثقة حسن الأخلاق متزهدًا [٤] أقام بمكة سنين، وتوفي بها في هذه السنة [٥] .
стр. 4875
٢٧١٩- الفضل المطيع للَّه، أمير المؤمنين [ابن المقتدر]
[١] .
قد ذكرنا أنه خلع نفسه لأجل مرض لازمه، وولي ابنه الطائع، واشهد على نفسه القضاة والعدول، وكانت خلافته تسعا وعشرين سنة وأربعة أشهر واحد وعشرين يومًا، وخرج الطائع إلى واسط وحمل معه أباه المطيع، فمات في العسكر بدير العاقول في محرم هذه السنة، فكان عمره ثلاثًا وستين سنة، وحمل إلى بغداد، فدفن بتربة جدته/ أم المقتدر.
٢٧٢٠- محمد بن إبراهيم بن محمد، أبو بكر الشاهد المعروف بالربيعي
[٢] .
حدث عن ابن جرير الطبري، وغيره، روى عنه أبو القاسم عبيد الله بن عمر البقال وغيره، وقال ابن أبي الفوارس: توفي في سنة أربع وستين وثلاثمائة، وفيه نظر.
٢٧٢١- محمد بن بدر، أبو بكر
[٣] .
كان والده [٤] يعرف ببدر الحمامي غلام ابن طولون، ويسمى بدر الكبير.
كان أميرًا على بلاد فارس كلها، وتوفي بتلك النواحي، فقام ابنه محمد في الناحية مقامه وكتب السلطان إليه بالولاية مكان أبيه وكتب إلى من معه من القواد بالسمع والطاعة له، فكان أميرا على بلاد فارس مدة، ثم قدم بغداد، وحدث بها عن بكر بن سهل الدمياطي، وحماد بن مدرك [٥] ، وغيرهما. روى عنه الدارقطني، وأبو نعيم [الأصبهاني] [٦] وغيرهما وقال أبو نعيم: ثقة صحيح السماع.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي قال: حدثت عن أبي
стр. 4876
الحسن بن الفرات قال: توفي محمد بن بدر الحمامي فِي رجب [١] سنة أربع وستين وثلاثمائة، وكان ثقة إن شاء الله فيما علمته [٢] ولم يكن من أهل هذا الشأن يعني الحديث ولا يحسنه، وكان له مذهب في الرفض. قال أحمد: وببغداد كانت وفاته.
٢٧٢٢- محمد بن ثابت، بن أحمد أبو بكر الواسطي .
قدم بغداد وحدث بها عن عباس الدوري وغيره روى عنه ابن شاهين والكتاني، وكان ثقة.
стр. 4877
ثم دخلت سنة خمس وستين وثلاثمائة
فمن الحوادث فيها:
أن ركن الدولة أبا علي كتب إلى ولده عضد الدولة أبي شجاع يعرفه أنه قد كبرت سنه، وقرب منه ما يتوقعه أمر الله تعالى، وأنه يؤثر مشاهدته، واجتمعوا فقسم ركن الدولة الممالك بين أولاده، فجعل لعضد الدولة فارس وكرمان، وأرجان/ ولمؤيد الدولة الري وأصبهان ولفخر الدولة همذان والدينور وجعل ولده أبا العباس في كنف عضد الدولة وأوصاه به.
وفي يوم الثلاثاء سادس عشر رجب: جلس قاضي القضاة أبو محمد بن معروف في دار عز الدولة ونظر في الأحكام لأن عز الدولة اقترح ذلك عليه ليشاهد مجلس حكمه.
وفي ذي القعدة: خلع على أبي عبد الله أحمد بن محمد بن عبيد الله العلوي لإمارة الحاج من دار عز الدولة وحج بالناس علوي من جهة العزيز صاحب مصر وأقيمت الدعوة له بمكة والمدينة على رسم المعز أبيه، بعد أن حوصر أهل مكة فمنعوا الميرة، وقاسوا شدة شديدة.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر .
٢٧٢٣- أحمد بن جعفر بن مسلم [١] بن راشد، أبو بكر الختّليّ
[٢] .
стр. 4878
ولد سنة ثمان وسبعين ومائتين، سمع أبا مسلم الكجي، وعبد الله [١] بن أحمد بن حنبل وخلقا كثيرًا، وكتب من التفاسير والقراءات [٢] شيئا كثيرًا، وكان صالحًا دينًا مكثرًا ثقة ثبتًا، كتب عنه الدارقطني، وروى عنه ابن رزقويه، والبرقاني، وأبو نعيم [الأصبهاني] . [٣] أخبرنا القزاز، أخبرنا الخطيب حدثنا أبو القاسم الحسين [٤] بن أحمد بن عثمان بن شيطا قال: حضرنا عند أبي بكر بن مسلم لنسلم عليه فقال له بعض الحاضرين: أبقاك الله، فقال: ما أحب البقاء لأني منذ سنة لم أحضر الجمعة، وهذه الصيفة كلها لم أنم بالليل على/ السطح [٥] ، ومنذ [٦] شهر لم آكل الخبز إنما أسف الفتيت، فلست أحب الحياة وهذه حالي قال: فانصرفنا من عنده فلم يلبث إلا يسيرًا حتى مات. توفي في ربيع الأول [٧] من هذه السنة، ودفن في [باب] [٨] مقبرة الخيزران إلى جانب ابن المنادي.
٢٧٢٤- الحسين بن محمد بن أحمد أبو علي الماسرجسي الحافظ
[٩] .
رحل وسمع وكتب الكثير وفي بيته وسلفه بضع عشر محدثا، وصنف المسند الكبير في ألف وثلاثمائة جزء مهذبا بعلله، وجمع حديث الزهري جمعا لم يسبق إليه، وصنف المغازي، والقبائل، وأكثر المشايخ والأبواب، وخرَّج على كتاب البخاري ومسلم، وكان ثبتًا، وتوفي يوم الثلاثاء تاسع رجب من هذه السنة.
٢٧٢٥- عَبْد اللَّه بْن عَدِيّ بْن عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن أَبُو أَحْمَد الجرجاني الحافظ
[١٠] .
стр. 4879
وُلِدَ يَوْم السبت غرة ذي القعدة سنة سبْعٍ وستِّين، وهي السَّنَة الَّتِي مات فِيهَا أَبُو حاتم الرّازيّ، وكان أَبُو أَحْمَد عالما بالحديث، غاية فِيهِ، وله كتاب «الكامل فِي الجرح والتعديل» . قال حمزة السهمي: سألت الدارقطنيّ أن يصنف فِي ضعفاء المحدثين، فَقَالَ: أليس لي عندك كتاب ابن عَدِيّ؟ قلتُ: بلى. قَالَ: فِيهِ كفاية، لا يزاد عَلَيْهِ.
تُوُفّي ابن عَدِيّ غرة جُمَادَى الآخِرَة من هَذِهِ السَّنَة.
٢٧٢٦- معد بن [١] إسماعيل بن عبيد الله، أبو تميم صاحب [٢] مصر .
وهو أول من ظهر منهم بالمغرب، ويلقب [٣] المعز لدين الله، وتقلد الأمر في يوم الجمعة تاسع عشرين شوال سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، فأقام ناظرًا ثلاثًا وعشرين سنة، وخمسة أشهر، وستة وعشرين يومًا، منها بمصر ثلاث سنين، وكان جوهر قد دخل مصر سنة ثمان وخمسين فوطد الأمور [٤] بمصر لمعد وبنى له القاهرة وأقام له الخطبة فدخل إلى مصر سنة اثنتين وستين، وكان بطاشا، أحضر يوما أبا بكر النابلسي الزاهد، وكان ينزل الأكواخ [٥] من أرض دمشق، فقال له: بلغنا أنك قلت: إذا كان مع الرجل المسلم عشرة أسهم وجب أن يرمي في الروم سهمًا واحدًا، وفينا تسعة. فقال: ما قلت/ [هكذا فظن أنه رجع عن قوله، فقال: كيف قلت؟] [٦] قال: قلت إذا كان معه عشرة وجب أن يرميكم بتسعة ويرمي العاشر فيكم أيضا، فإنكم غيرتم الملة، وقتلتم الصالحين ادعيتم [٧] نور الألهية، فأمر حينئذ أن يشهر، فشهر في اليوم الأول، وضرب بالسياط في اليوم الثاني، وأخرج في اليوم الثالث فسلخ، سلخه رجل يهودي، وكان يقرأ القرآن ولا يتأوه. قال اليهودي: أيداخلني له رحمة فطعنت بالسكين في فؤاده حتى مات عاجلًا.
حكى صاحب النابلسي قال: مضيت مستخفيا أول يوم فتراءيت له وهو يشهر،
стр. 4880
فقلت: ما هذا؟ فقال: امتحان، فلما كان اليوم الثاني رأيته يضرب فقلت: ما هذا؟
فقال: كفارات. فلما أخرج في اليوم الثالث يسلخ، قلت: ما هذا؟ قال: أرجو أن تكون درجات.
وكان كافور الأخشيدي قد بعث إلى هذا النابلسي بمال فرده وقال للرسول: قل له قال الله (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) ١: ٥ والاستعانة به تكفي. فرد كافور الرسول إليه وقال له: اقرأ (لَهُ ما في السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى) ٢٠: ٦ [١] فأين ذكر كافور ها هنا، وهل المال إلا له فقال أبو بكر: كافور صوفي لا نحن، فقبله.
وكان المعز مغرى بالنجوم، فحكم له، فاستشار منجميه، فأشير عليه أن يعمل سردابًا تحت الأرض ويتوارى فيه إلى أن يجوز الوقت، فعمل على ذلك، وأحضر قواده، وقال: قد جعلت ولدي نزارًا خليفتي مدة غيبتي، ووصى إلى ولده، وجعل جوهر يدبره، ونزل إلى السرداب، فأقام فيه سنة، وكانت المغاربة إذا رأت غمامًا ساريًا ترجل الفارس منهم إلى الأرض، وأومأ بالسلام تقديرا/ أن المعز فيه، ثم خرج بعد ذلك وجلس للناس، وأقام مديدة، ثم توفي في هذه السنة [وأقام بَعْدَه ابنه ويلقب بالعزيز] [٢] .
стр. 4881
ثم دخلت سنة ست وستين وثلاثمائة
فمن الحوادث فيها:
أنه توفي أبو علي بن بويه في المحرم، فوجد عضد الدولة طريقًا إلى ما كان يخفيه من قصد العراق.
وفي ليلة الثلاثاء، لست بقين من جمادى الأولي: نقلت بنت عز الدولة زوجة الطائع إليه.
وبلغت زيادة دجلة في رمضان، وهو الخامس والعشرين من نيسان: أحد وعشرين ذراعا، وانفجر بالزاهر بثق وبباب التبن آخر.
وفي شوال: ورد أبو بكر محمد بن علي بن شاهويه صاحب القرامطة إلى الكوفة ومعه ألف رجل منهم، وأقام الدعوة بها وبسوراء والنيل [١] للطائع للَّه ولعضد الدولة، وكانت وقعة بين عضد الدولة وعز الدولة، فأسر فيها غلام تركي لعز الدولة لم يكن من قبل بأحظى غلمانه، ولا بأقربهم منه، فجن عليه جنونًا، وحزن عليه حزنا شديدًا، وتسلى عن كل شيء إلا عنه، وزال تماسكه، واطرح القرار، وامتنع من المطعم والمشرب، وانقطع إلى البكاء، واحتجب عن الناس، وكان إذا وصل إليه وزيره أو قواده قطعهم بالشكوى، لما حل به، وحرم على نفسه الجلوس في الفرش والمخاد، وكتب إلى عضد الدولة يسأله رد الغلام [إليه] [٢] وكتب إلى خواصه المطيفين به يسألهم
стр. 4882
معونته [١] على ما رغب إليه فيه، فصار ضحكة بين الناس، وعاتبه الخلق، فما ارعوى، وأنفذ الشريف أبا أحمد الحسين بن موسى رسولًا إليه في هذا الأمر، وبذل له [على يده] [٢] فدية الغلام جاريتين عوادتين لم يكن لهما نظير، وكان [٣] قد بذل له في إحداهما مائة ألف، فأبي أن يبيعها، وقال له: إن وقف عليك هذا الأمر في الفداء فزد ما ترى، ولا تفكر فيما بيني وبين عضد الدولة إلا في هذا الغلام، فقد رضيت أن آخذه وأمضي إلى أقصى الأرض. فلما أدى الرسالة أمر عضد الدولة برد الغلام.
في هذه السنة: حج بالناس [٤] أبو عبد الله أحمد بن أبي الحسين محمد بن عبيد الله [٥] العلويّ، وكذلك إلى سنة ثمانين وثلاثمائة.
وفي هذه السنة [٦] خطب للمغاربة في مدينة سيدنا [٧] رسول الله ﷺ ، وكان في حاج هذه السنة جميلة بنت ناصر الدولة أبي محمد بن حمدان، وكان معها أخواها إبراهيم [٨] ، وهبة الله، فضرب بحجها المثل، فإنها استصحبت أربعمائة جمل عليها محامل عدة، ولم يعلم في أيها كانت، ونثرت على الكعبة حين شاهدتها عشرة آلاف دينار من ضرب أبيها، وكست المجاورين بالحرمين، وأنفقت الأموال الجزيلة، وقتل أخوها في الطريق، فتصدقت بدمه.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٢٧٢٧- إسماعيل بن نجيد بن أحمد بن يوسف بن سالم، أبو عمر السلمي
[٩] .
стр. 4883
صحب أبا عثمان ولقي الجنيد، وسمع الحديث، ورواه وكان ثقة، وتوفي في هذه السنة.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن ناصر، أنبأنا أبو بكر بن خلف أخبرنا أحمد بن ثابت [١] أَخْبَرَنَا أبو عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي قَالَ: سمعت جدي إسماعيل بن نجيد يقول: من تهذبك رؤيته فاعلم أنه غير مهذب.
أنبأنا زاهر بْن طاهر، أَخْبَرَنَا أحمد بْن الحسين البيهقي، حدثنا أبو عبد الله الحاكم، قَالَ: سمعت أبا سعيد بْن أبي بكر بْن أبي عثمان يقول: كان جدي طلب شيئًا لبعض الثغور، وتأخر ذلك عنه، وضاق به ذرعًا وبكى على رءوس الناس، فجاءه أبو عمرو/ بن نجيد بعد العتمة، ومعه كيس فيه ألفا درهم، فقال: تجعل هذا في الوجه الذي تأخر، ففرح أبو عثمان بذلك ودعا له فلما جلس أبو عثمان قال: أيها الناس، قد رجوت لأبي عمرو مما فعل، فإنه ناب عن الجماعة في ذلك الأمر، وحمل كذا وكذا فجزاه الله عني خيرًا، فقام أبو عمرو على رءوس الناس فقال: إنما جعلت ذلك من مال أمي، وهي غير راضية، فينبغي أن يرد عليَّ لأرده [٢] إليها، فأمر أبو عثمان بذلك الكيس، فأخرج ورده إليه على رءوس الناس، وتفرق الخلق، فلما جن عليه الليل جاء إلى أبي عثمان في مثل ذلك الوقت، وقال: يمكن أن يجعل هذا في ذلك الوجه من حيث لا يعلم به غيرنا، فبكى أبو عثمان، وكان بعد ذلك يقول: أنا أخشى من همر أبي عمرو.
٢٧٢٨- الحسن [٣] بن بويه أبو علي ركن الدولة .
[قال المؤلف] [٤] : قد ذكرنا أنه قسم الممالك [٥] بين أولاده الثلاثة، توفي عن قولنج عرض له في ليلة السبت ثامن عشرين محرم هذه السنة، وكانت إمارته أربعا
стр. 4884
وأربعين سنة، وشهر وتسعة أيام، ومدة عمره ثمانًا وسبعين سنة.
٢٧٢٩- الحسين بن أبي النجم بدر بن هلال المؤدب
[١] .
روى عن أبي مزاحم الخاقاني. روى عنه أبو العلاء الواسطي، وكان مؤدب [٢] الطائع للَّه، خرج معه إلى الأهواز، فتوفي في هذه السنة، وكان ثقة، جميل الأمر.
٢٧٣٠- محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن أفلح بن رافع بن إبراهيم بن أفلح بن عبد الرحمن بن عبيد بن رفاعة بن رافع أبو الحسن الأنصاري الزرقي
[٣] .
وكان رفاعة بْن رافع [٤] أحد النقباء عقبّيًا شهد أحدًا [٥] مَعَ رَسُول اللَّه ﷺ وكان/ محمد بن إسحاق نقيب الأنصار ببغداد، وحدث عن البغوي وغيره. قال محمد ابن أبي الفوارس: كان ثقة.
وعن أبي الحسن بن الفرات قال: كان محمد بن إسحاق الزرقي ثقة، جميل الأمر، حافظًا لأمور الأنصار ومناقبهم ومشاهدهم، وقد كتبت عنه شيئًا يسيرًا، وذكر لي أن كتبه تلفت، وتوفي في جمادى الآخرة سنة ست وستين وثلاثمائة، ودفن في مقابر الأنصار عند أبيه.
٢٧٣١- محمد بن جعفر بن مُحَمَّد بن عَبْد اللَّهِ بن كنانة، أبو بكر، المؤدب
[٦] .
حدّث عن أبي مسلم الكجي، وأبي العباس الكديمي.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ الْقَزَّازِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو بكر الخطيب قَالَ: أخبرني أَحْمَد بن علي بن المحتسب، أخبرنا محمد بن أبي الفوارس قال: محمد بن المؤدب لم يكن عندي بذاك، كان فيه تساهل.
стр. 4885
قال الخطيب: وحدثت عن أبي الحسن بن الفرات قال: توفي أبو بكر بن المؤدب في جمادى الأولى سنة ست وستين وثلاثمائة، وكان قريب الأمر.
٢٧٣٢- محمد بن الحسن بن أحمد بن إسماعيل أبو الحسن [١] السراج
[٢] .
سمع يوسف بن يعقوب القاضي، وأبا شعيب الحراني، وأبا جعفر الحضرمي، وغيرهم، وكان شديد الاجتهاد في العبادة وكان يشبه بأبي يونس البغوي [٣] صلى حتى أقعد، ثم بكى حتى عَمِيَ، وتوفي يوم عاشوراء من هذه السنة [٤] .
стр. 4886
ثم دخلت سنة سبع وستين وثلاثمائة
فمن الحوادث فيها:
[وفاة القرمطي صاحب هجر]
أنه ورد الخبر في صفر إلى الكوفة بوفاة. أبي يعقوب يوسف بن الحسن الجنابي [القرمطي] [١] صاحب هجر، فأغلقت أسواق الكوفة ثلاثة أيام.
وفي ربيع الأول: زلزلت بغداد.
وفي ربيع الآخر: عبر عز الدولة إلى الجانب الغربي على جسر عقده، ودخل [٢] إلى قطربُّل، وتفرق عنه ديلمته [٣] ، ودخل أوائل أصحاب عضد الدولة، ثم نزل عضد الدولة بالخيم في الشفيعي، وخرج الطائع متلقيا له، وضربت القباب/ المزينة، ودخل البلد، ثم خرج عضد الدولة ومعه الطائع، ليقاتل عز الدولة بختيار، فلما أراد الخروج دخل عليه أبو علي الفارسي فقال له: ما رأيك في صحبتنا؟ فقال: أنا من رجال الدعاء لا اللقاء فخار الله للملك في عزيمته وأنجح قصده في نهضته، وجعل العافية زاده والظفر تجاهه، والملائكة أنصاره، ثم إنه أنشأ يَقُولُ [٤] :
ودعته حيث لا تودعه ... نفس ولكنها تسير معه
ثم تولي وفي الفؤاد له ... ضيق محل وفي الدموع سعه
стр. 4887
فقال: لَهُ [١] عضد الدولة: بارك الله فيك، فأني أثق بطاعتك، وأتيقن صفاء طويتك، وقد أنشدنا بعض أشياخنا بفارس:
قالوا له إذ سار جانبه [٢] ... فبدلوه البعد بالقرب
والله ما شطت نوى ظاعن ... سار من العين إلى القلب
فدعا له أبو علي، وقال: ائذن [٣] مولانا في نقل هذين البيتين، فأذن له فاستملاهما منه، فلما خرج للقتال التقوا فأخذ عز الدولة أسيرًا، وقتل، ثم ركب بعد ذلك عضد الدولة إلى دار الطائع للَّه في يوم الأحد لتسع خلون من جمادى الأولي، ومعه أصناف الجند، والأشراف والقضاة والشهود والأماثل، والوجوه، فخلع عليه الخلع السلطانية، وتوجه بتاج مرصع بالجوهر، وطوقه وسوره وقلده/ سيفًا وعقد له لوائين بيده أحدهما مفضفض على رسم الأمراء، والآخر مذهب على رسم ولاة العهود، ولم يعقد هذا اللواء الثاني لغيره قبله، ممن يجري مجراه، ولقبه: تاج الملة، مضافا إلى عضد الدولة، وكتب له عهدًا، وقرئ العهد بحضرته، ولم تجر العادة بذلك، وإنما كانت العهود تدفع إلى الولاة بحضرة الخلفاء، فإذا أخذه الرجل منهم قال له: هذا عهدي إليك، فاعمل [به] [٤] وحمله على فرس بمركب ذهب، وقاد بين يديه آخر بمركب مثله، فخرج وجلس في الطيار إلى داره، وجلس من الغد بالخلع والتاج على السرير للهناء، وتقدم بإخراج عشرين ألف درهم في الصدقات، ففرقت على سائر الملل، وبعث إليه الطائع هدايا كثيرة طريفة، فبعث هو خمسمائة جمل، وحمل خمسين ألف ألف دينار، وألف ألف درهم، وخمسمائة ثوب أنواعًا وثلاثين صينية فضة فيها العنبر والمسك والنوافح.
وفي شهر رمضان: وردت المدود العظيمة بسامراء [٥] فقلعت سكر السهلية، وتناهت زيادة دجلة حتى انتهت إلى إحدى وعشرين ذراعا، وانفجر بالزاهر من الجانب
стр. 4888
الشرقي بثق غرق الدور والشوارع، وانفجر بثق من الخندق غرق مقابر باب التبن، وقطيعة أم جعفر، وخرج سكان الدور الشارعة على دجلة منها، وغار الماء من آبارها وبلاليعها، وأنقم [١] الناس نفوسهم خوفًا من غرق البلد كله، ثم نقص الماء/.
وفي يوم الأحد سابع ذي القعدة كانت بسيراف زلزلة هدمت المنازل، وأتت على ما فيها من الأموال، وهلك بها أكثر من مائتي إنسان.
وفي هذه السنة. جرت لأبي الحسين بن سمعون قصة عجيبة مع عضد الدولة.
أخبرنا بها أبو الحسن [٢] علي بن المعافى الفقيه قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّازُ قال: أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بْن سلامة القضاعي أجازة قال:
حدثنا أبو الحسن علي بن نصر بن الصباح قال: حدثنا أبو الثناء شكر العضدي قال:
دخل عضد الدولة إلى بغداد، وقد هلك أهلها قتلًا وحرقًا وجوعًا للفتن التي اتصلت فيها بين الشيعة والسنة، فقال: آفة هؤلاء القصاص يغرون بعضهم ببعض ويحرضونهم على سفك دمائهم، وأخذ أموالهم، فنادى في البلد لا يقص أحد في جامع ولا طريق، ولا يتوسل متوسل بأحد من أصحاب رسول الله ﷺ ومن أحب التوسل قرأ القرآن، فمن خالف فقد أباح دمه. فرفع إليه في الخبر أن أبا الحسين بن سمعون الواعظ جلس على كرسيه يوم الجمعة في جامع المنصور، وتكلم على الناس، فأمرني أن أنفذ إليه من يحصله عندي، ففعلت فدخل على رجل له هيبة، وعلى وجهه نور، فلم أملك أن قمت إليه، وأجلسته إلى جانبي، فلم ينكر ذلك وجلس غير مكترث، وأشفقت والله أن يجري عليه مكروه على يدي، فقلت: أيها الشيخ، إن هذا الملك جلد عظيم، وما كنت أوثر مخالفة أمره، وتجاوز رسمه، والآن فأنا موصلك إليه، فكما تقع عينك عليه، فقبل التراب وتلطف في/ الجواب، إذا سألك واستعن الله عليه [٣] فعساه يخلصك منه.
فقال: الخلق والأمر للَّه ، فمضيت به إلى حجرة في آخر الدار قد جلس فيها الملك منفردًا خيفة أن يجري من أبي الحسين بادرة بكلام فيه غلظ، فتسير به
стр. 4889
الركبان [١] ، فلما دنوت من الحجرة وقفته وقلت له: إياك أن تبرح من مكانك حتى أعود إليك [٢] ، وإذا سلمت فليكن بخشوع وخضوع.
ودخلت لأستأذن له، فالتفت فإذا هو واقف إلى جانبي [٣] ، قد حول وجهه نحو دار بختيار، واستفتح وقرأ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) ١١: ١٠٢ [٤] . ثم حول وجهه نحو الملك، وقال «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ من بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) ١٠: ١٤ [٥] وأخذ في وعظه فأتى بالعجب فدمعت عين الملك، وما رأيت ذلك منه قط، وترك كمه على وجهه، وتراجع أبو الحسين، فخرج ومضى إلى حجرتي فقال الملك: امض إلى بيت المال، وخذ ثلاثة آلاف درهم، وإلى خزانة الكسوة وخذ منها عشرة أثواب، وادفع الجميع إليه، فإن امتنع فقل له: فرقها في فقراء [٦] أصحابك، فإن قبلها فجئني برأسه، فاشتد جزعي وخشيت أن يكون هلاكه على يدي، ففعلت وجئته بما أمر، وقلت له:
مولانا يقرئك السلام، وقال لك: استعن بهذه الدراهم في نفقتك، والبس هذه الثياب، فقال لي: إن هذه الثياب التي عليَّ مما قطعه لي أبي منذ أربعين سنة، ألبسها يوم [خروجي إلى الناس، وأطويها عند انصرافي عنهم] [٧] وفيها [متعة] [٨] وبقية ما بقيت، ونفقتي من أجرة دار خلفها أبي، فما أصنع بهذا؟ قلت: هو يأمرك بأن تصرفه في فقراء [٩] . أصحابك. فقال: ما في أصحابي فقير، وأصحابه إلى هذا أفقر من أصحابي، فليفرقه عليهم. فعدت فأخبرته، فقال: الحمد للَّه الذي سلمه منا، وسلمنا منه.
стр. 4890
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٢٧٣٣- إبراهيم/ بن محمد بن أحمد بن محمويه، أبو القاسم النّصرآباذي أباذي [١] النيسابورىّ
[٢] :
منسوب إلى نصرآباذ بنيسابور، وهي محلة من محالها، وكذلك أبو نصر [٣] النّصرآباذي أباذي [٤] الفقيه وجماعة.
وثم آخر يقال له أبو عمرو محمد بن عبد الله النّصرآباذي أباذي منسوب إلى نصرآباذ [من] [٥] الري، كبير القدر يروي الحديث، فأما أبو القاسم، فإنه سمع الحديث الكثير من جماعة منهم: مكحول البيروتي، وكان ثقة عالمًا بالحديث، روى عنه أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو عبد الله الحاكم، وأبو العلاء الواسطي، وصحب الشبلي، وجاور بمكة، وتوفي بها في هذه السنة.
٢٧٣٤- بختيار أبو منصور الملك عز الدولة بن معز الدولة أبي الحسين [أحمد] [٦] بن بويه
[٧] .
ملك بعد موت أبيه، وكان أحسن الناس وأشدهم جسمًا وقلبًا، وكان يصرع الثور الجلد بيديه من غير أعوان ولا حبال، يقبض على قوائمه ويطرحه إلى الأرض حتى يذبح، وكان من قوة القلب على جانب [٨] عظيم يبارز الأسود في متصيداته، وخلع المطيع عليه وطوقه وسوره، وكتب عهده، فطمع ابن عمه عضد الدولة في مملكة بغداد، فخاصمه فقتل بختيار، وكان سنه يومئذ ستا وثلاثين سنة، وكانت مدة إمارته إحدى عشرة سنة وشهورا.
стр. 4891
٢٧٣٥- عبيد الله [١] بن عبد الله بن محمد بن أبي سمرة، أبو محمد [٢] البندار، بغوي الأصل
[٣] .
سمع الباغندي، روى عنه البرقاني وقال: ثقة أمين، له معرفة وحفظ، وتوفي في ربيع الآخر من هذه السنة.
٢٧٣٦- عثمان بن الحسن بن علي بن محمد، أبو يعلى الوراق، ويعرف بالطوسي
[٤] .
سمع البغوي، وابن أبي داود، روى عنه البرقاني، وقال: كان ذا معرفة وفضل له تخريجات وجموع، وهو ثقة، توفي في ربيع الآخر من هذه السنة.
٢٧٣٧- محمد [٥] بن أحمد بن عبد الله [بن نصر بن بجير] [٦] أبو طاهر الذهلي القاضي
[٧] .
ولد سنة تسع وتسعين ومائتين/، وسمع أبا شعيب الحراني، ويوسف بن يعقوب، وثعلبًا، وغيرهم، وولي القضاء بواسط، ثم بمدينة المنصور وبالشرقية، وكان على مذهب مالك، حدَّث ببغداد، وسمع منه الدارقطني، وكان ثقة.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي [بن ثابت] [٨] الحافظ أنبأنا إبراهيم بن مخلد، أنبأنا إسماعيل بن علي الخطبي قال: صرف الحسين بن عمر بن محمد القاضي عن قضاء مدينة المنصور، وولي مكانه أبو طاهر، فشهد عند قاضي القضاة عمر بن محمد، وله خاصة به، ثم ولاه القضاء بواسط إلى أن توفي عمر وأقام على حاله مدة، ثم عزله بجكم عند دخوله الى [٩] واسط ونكبه وصار إلى بغداد، وأقام
стр. 4892
في منزله، ثم ولي قضاء المدينة وأعمالها، وكان حسن الستر، جميل الأمر.
وقال الصوري: كان أبو طاهر قاضيًا بمصر، وبها توفي سنة سبع وستين وثلاثمائة استعفى من القضاء قبل موته.
٢٧٣٨- محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن عيسى بن يقطين، أبو جعفر البزاز
[١] .
سمع أبا خليفة الفضل بن الحباب، وأبا يعلى الموصلي، والباغندي، والبغوي، وسافر وكتب بالجزيرة والشام وغيرهما من البلدان، فأكثر وكان صدوقا فهما، روى عنه أبو نعيم الأصبهاني وغيره، قال أبو الحسن بن الفرات: كان أبو جعفر ثقة وانتقى عليه من الحفاظ عمر البصري، وابن المظفر، والدارقطني، وتوفي يوم الأربعاء/ ودفن يوم الخميس رابع عشرين ربيع الآخر من هذه السنة.
٢٧٣٩- محمد بن عبد الرحمن، أبو بكر القاضي، المعروف بابن قريعة
[٢] .
روى عن أبي بكر ابن الأنباري، ولا يعرف له مسند من الحديث، وكان حسن الخاطر، يأتي الكلام مسجوعا مطبوعًا من غير تعمد، ولاه أبو السائب عتبة بن عبيد الله القاضي قضاء السندية وغيرها من أعمال الفرات، ومشى يومًا مع ابن معروف القاضي فدخلا دربا فتأخر، ثم قال لابن معروف: إن تقدمت فحاجب، وإن تأخرت فواجب، وزحمه يومًا حمار عليه راكب فقال:
يا خالق الليل والنهار ... صبرًا على الذل والصغار
كم من جواد بلا حمار ... وكم من [٣] حمار على حمار
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي بن ثابت قال: حدثني منصور بن ربيعة الزهري قال: سمعت أبا طاهر العطار قاضي الدينور يقول: سمعت أبا سعيد السمرقندي يقول: كان ببغداد قائد يلقب بالكينا كنيته أبو إسحاق، وكان يخاطب ابن قريعة بالقاضي، فندر منه يومًا في المخاطبة أن قال لابن قريعة: يا أبا بكر. فقال له
стр. 4893
ابن قريعة: لبيك يا أبا إسحاق! فقال القائد: يا هذا إنما بكركتك إذا قضيتنا فإذا بكركتنا فسحقناك [١] فقال القائد: ويلاه، هذا أفضح من الأول.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ [بْنُ مُحَمَّدٍ] أَخْبَرَنَا [أَحْمَدُ بن علي قَالَ: حدثني مُحَمَّد بن أبي الحسن قال: أنشدني أبو العباس] [٢] أحمد بن علي النحوي قال سمعت ابن قريعة ينشد:
لي حيلة فيمن ينم ... وليس في الكذاب حيله
من كان يخلق ما يقول ... فحيلتي فيه قليلة/
توفي ابن قريعة [ليلة السبت] [٣] لعشر بقين من جمادى الآخرة من هَذِهِ السنة، عن خمس وستين سنة.
стр. 4894
ثم دخلت سنة ثمان وستين وثلاثمائة
فمن الحوادث فيها:
[تقدم الطائع بأن تقام الخطبة لعضد الدولة]
أن الطائع تقدم في شعبان بأن تقام الخطبة لعضد الدولة على منابر الحضرة تالية للخطبة له، فوقع الابتداء بذلك في يوم الجمعة لتسع بقين منه، وبأن تضرب على بابه ببغداد الدبادب في أوقات الصلوات الثلاث: الغداة، والمغرب، والعشاء وهذان الأمران [١] لم يكونا من قبل ولا أطلقا لولاة العهود، ولا خطب [٢] بحضرة السلطان إلا له، ولا ضربت الدبادب إلا على بابه، وقد كان معز الدولة أحب أن تضرب له الدبادب بمدينة السلام، وسأل المطيع للَّه ذاك، فلم يأذن له، ودخل عضد الدولة داره بمدينة السلام عائدًا من الموصل، وتلقاه الطائع بقطربل.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر .
٢٧٤٠- أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك بن شبيب بن عبد الله، أبو بكر القطيعي
[٣] .
ولد في محرم سنة أربع وسبعين ومائتين، وأبوه يكنى: أبا الفضل، وحمدان لقب، وإنما اسمه أحمد، وكان يسكن قطيعة الدقيق فنسب إليها، سمع أبو بكر من
стр. 4895
إبراهيم بن إسحاق، وإسحاق بن الحسن الحربيين، وبشر بن موسى، والكديمي، والكجي، وعبد الله بن أحمد، وغيرهم، وكان كثير الحديث ثقة، روى عن عبد الله بن أحمد «المسند» و «الزهد» و «التاريخ» ، و «المسائل» وغير ذلك.
أخبرنا القزاز، أخبرنا الخطيب، أخبرنا أبو طالب محمد بن الحسين [١] بن بكير/ قال: سمعت أبا بكر بن مالك القطيعي يقول: كانت والدتي بنت أخي [أبي] [٢] عبد الله بن الجصاص، وكان عبد الله بن أحمد يجيئنا فيقرأ علينا ما نريد، وكان يقعدني [٣] في حجره حتى يقال له: يؤلمك؟ فيقول: إني أحبه.
قال المصنف ﵀: لما غرقت القطيعة بالماء الأسود غرق بعض كتبه فاستحدث عوضها، فتكلم فيه بعضهم، وقال: كتب من كتاب ليس فيه سماعه، ومثل هذا لا يطعن به عليه، لأنه لا يجوز أن تكون تلك الكتب قد قرئت عليه، وعورض بها [٤] أصله.
وقد روى عنه الأئمة كالدارقطني، وابن شاهين، والبرقاني، وأبي نعيم، والحاكم، ولم يمتنع أحد من الرواية عنه، ولا ترك الاحتجاج به.
أخبرنا القزاز، أخبرنا الخطيب قال: لما اجتمعت بأبي عبد الله الحاكم ذكرت ابن مالك ولينته، فأنكر علي وقال: ذلك [٥] شيخي، وحَسَّنَ حاله.
وقد حكى عن أبي الحسن بن الفرات أنه قال: تغير ابن مالك في آخر عمره، فكان لا يعرف شيئا مما قرئ عليه، وتوفي في هذه السنة، ودفن فِي مقابر باب حرب قريبًا من قبر الإمام أحمد [بن حنبل]
[٦] .
стр. 4896
٢٧٤١- تميم بن المعز
[١] قد ذكرنا أن المعز أول من ظهر من المغرب [٢] [على ديار مصر] [٣] وكان له أولاد منهم تميم [هذا] [٤] وكان في تميم فضل، ووفاء، [٥] وكرم، وفصاحة، وله شعر حسن.
أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي، قال: حدثني أبو محمد علي بن أبي عمر اليزيدي قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الواحد الزبيري قال: حدثني أبو علي الحسن بن الأشكري المصري قال: كنت من جلاس [٦] الأمير تميم بن المعز، وممن غلب عليه جدًا، فبعث [بي] [٧] إلى بغداد فاشتريت له جارية رائعة من أفضل ما وجد في الحسن والغناء، فلما وصلت إليه أقام دعوة لجلسائه وأنا فيهم، ثم وضعت الستارة وأمرها بالغناء فغنت/:
وبدا له من بعد ما اندمل الهوى ... برق تألق موهنا لمعانه
يبدو كحاشية الرداء ودونه ... صعب الذرى متمنع أركانه
وفي غير هذه الرواية زيادة:
فبدا لينظر كيف لاح فلم يطق ... نظرًا إليه وصده سجانه
فالنار ما اشتملت عليه ضلوعه ... والماء ما سمحت به أجفانه
قال: أحسنتِ، وطرب تميم، وكل من حضر، ثم غنت.
سَيُسْلِيكَ عما فات أول مفضل ... أوائله محمودة وأواخِرُهْ
ثنى الله عطفيه وألف شخصه ... على البِرِّ مُذْ شدت عليه مآزره
стр. 4897
فطرب الأمير تميم، ومن حضر طربا شديدًا، ثم غنت:
أستودع الله في بغداد لي قمرًا ... بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه
فاشتد طرب تميم، وأفرط جدًا ثم قال لها: تَمَنَّيْ ما شئت فلك مناك. فقالت:
أتمنى عافية الأمير وبقاءه، فقال: وو الله لا بد لك أن تتمني. فقالت: علي الوفاء أيها الأمير بما أتمنى؟ فقال: نعم. فقالت: أتمنى أن أغني هذه النوبة ببغداد. فاستنقع لون تميم، وتغير لونه، وتكدر المجلس، وقام وقمنا كلنا.
قال ابن الأشكري فلحقني بعض خدمه وقال لي: ارجع، فالأمير يدعوك.
فرجعت فوجدته جالسًا ينتظرني، فسلمت وجلست بين يديه، فقال: [ويحك] [١] أرأيت ما امتحنا به. قلت: نعم أيها [٢] الأمير. قال: لا بد من الوفاء لها وما أثق في هذا بغيرك، فتأهب لتحملها إلى بغداد، فإذا غنت هناك/ فاصرفها فقلت: سمعًا وطاعة، قال: ثم قمت وتأهبت، وأمرها [٣] بالتأهب، وأصحبها جارية له سوداء تعاد لها وتخدمها، وأمر بناقة ومحمل فأدخلت فيه، وحملها معي، ثم سرت إلى مكة مع القافلة، فقضينا حجنا [٤] ثم دخلنا في قافلة العراق، وسرنا فلما وردنا القادسية أتتني السوداء عنها فقالت: تقول لك سيدتي أين نحن، فقلت لها: نحن نزول بالقادسية. فانصرفت إليها فأخبرتها، فلم أنشب أن سمعت صوتها قد تدافع [٥] بالغناء:
لما وردنا القادسية ... حيث مجتمع الرفاق
وشممت من أرض الحجاز ... نسيم أرواح العراق
أيقنت لي ولمن أحب ... بجمع شمل واتفاق
وضحكت من فرح اللقاء ... كما بكيت من الفراق
فتصايح الناس من أقطار القافلة: أعيذي باللَّه، أعيذي باللَّه. قال: فما سمع لها كلمة.
стр. 4898
قال: ثم نزلنا بالياسرية، وبينها وبين بغداد قرب في بساتين متصلة، ينزلها الناس فيبيتون ليلتهم، ثم يبكرون لدخول بغداد فلما كان قريب [١] الصباح إذا بالسوداء قد أتتني [٢] مذعورة فقلت: مالك؟ فقالت: إن سيدتي ليست حاضرة، فقلت: وأين هي؟
قالت: والله ما أدري. قال: فلم أحس لها أثرًا بعد، ودخلت بغداد وقضيت حوائجي منها، وانصرفت إليه، فأخبرته الخبر، فعظم ذلك عليه، واغتم له، ثم ما زال بعد ذلك ذاكرا لها واجمًا عليها.
٢٧٤٢- الحسن بن عبد الله بن المرزبان، أبو سعيد السيرافي النحوي القاضي
[٣] .
سكن بغداد، وولي القضاء بها، وحدث بها عن جماعة [٤] عن عبد الله بن محمد [٥] بن زياد، وأبي بكر بن دريد/ وغيرهما، وكان أبوه مجوسيا واسمه بهزاد [٦] ، فسماه أبو سعيد عبد الله.
أخبرنا القزاز، أخبرنا الخطيب قال: سمعت رئيس الرؤساء أبا القاسم علي بن الحسن يذكر أن أبا سعيد السيرافي النحوي [٧] كان يدرس القرآن، والقراءات وعلوم القرآن، والنحو، واللغة، والفقه، والفرائض، والكلام، والشعر، والعروض، والقوافي، والحساب، وذكر علومًا سوى هذه، وكان من أعلم الناس بنحو البصريين، وينتحل مذهب أهل العراق في الفقه، وقرأ على أبي بكر بن مجاهد القرآن، وعلى ابن دريد اللغة ودرسا جميعًا عليه النحو، وقرأ على أبي بكر بن السراج، وعلى أبي بكر المبرمان [٨] النحو، وقرأ أحدهما عليه القرآن، ودرس الآخر عليه الحساب، وكان زاهدًا لا يأكل إلا من كسب يده- فذكر جدي أبو الفرج عنه أنه كان لا يخرج إلى مجلس
стр. 4899
الحكم العزيز [١] ولا إلى مجلس التدريس في كل يوم إلا بعد أن ينسخ عشر ورقات يأخذ أجرتها عشرة دراهم تكون قدر مؤنته ثم يخرج.
وقال ابن أبي الفوارس: كان يذكر عنه الاعتزال، ولم نره يظهر من ذلك شيئًا، وكان نزهًا عفيفًا، توفي في رجب هذه السنة، عن أربع وثمانين سنة ودفن في مقبرة الخيزران.
٢٧٤٣- عبد الله بن إبراهيم بن يوسف، أبو القاسم الزنجاني ويعرف بالأبندوني
[٢] .
وهي قرية من قرى جرجان أحد الرحالين في طلب العلم والحديث إلى البلاد، وكان رفيق أبي أحمد بن عدي الحافظ، وسكن بغداد، وحدث عن أبي يعلى الموصلي، والحسن بن سفيان، وابن خزيمة، وغيرهم، روى عنه البرقاني وغيره/ وكان ثقة ثبتا مصنفًا.
أخبرنا القزاز، أخبرنا الخطيب قال: سمعت البرقاني ذكر الأبندوني قال: كان محدثا قد أكل ملحه، وكان زاهدا ولم يكن يحدث غير واحد منفرد، فقيل له في ذلك، فقال: أصحاب الحديث فيهم سوء أدب، فإذا اجتمعوا للسماع تحدثوا، وأنا لا أصبر على ذلك. قال البرقاني: ودفع إليَّ يومًا قدحًا فيه كسر يابسة، وأمرني أن أحمله إلى الباقلاوي ليطرح عليه ماء الباقلاء، ففعلت ذلك، فلما ألقي الباقلاوي الماء في القدح من الباقلاء ثنتان، أو ثلاث، فَقَالَ: فبادر الباقلاوي إلى رفعها فقلت له: ويحك، ما مقدار هذا حتى ترفعه من القدح، فقال: هذا الشيخ يعطيني في كل شهر دانقًا حتى أبل له الكسر اليابسة، فكيف أدفع إليه الباقلاء مع الماء، وجعل البرقاني يصف أشياء من تقلله وزهده، وقال: كان سيدا في المحدثين، توفي الآبندوني [٣] في جمادى الأولى، من هذه السنة.
٢٧٤٤- عبد الله بن ورقاء أبو أحمد الشيبانيّ
[٤] .
стр. 4900
أخبرنا القزاز، أخبرنا الخطيب قال: كان أبو أحمد الشيباني من أهل البيوتات وأسرته كانوا من أهل الثغور.
أنشدنا القاضي أبو علي قال: أنشدنا الأمير أبو أحمد ابن ورقاء قال: أنشدنا ثعلب قال: أنشدني ابن الأعرابي لأعرابي في صفة النساء:
هي الضلع العوجاء لست تقيمها ... ألا إن تقويم الضلوع انكسارها
أيجمعن ضعفا واقتدارًا على الفتى ... أليس عجيبا ضعفها واقتدارها
توفي أبو أحمد فِي آخِرِ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وقد بلغ تسعين سنة.
٢٧٤٥-/ عبد الله بن الحسن بن سليمان، أبو القاسم المقرئ، المعروف بابن النحاس
[١] .
ولد سنة تسعين ومائتين، وسمع أحمد بن الحسن الصوفي، والبغوي، وابن أبي داود. روى عنه أبو بكر بن مجاهد، وأبو الحسن الحمامي، والبرقاني، وكان ثقة من أهل القرآن، والفضل، والخير، والعفاف [٢] والستر، والعقل، الحسن، والمذهب الجميل. توفي في ذي القعدة من هذه السنة.
٢٧٤٦- عيسى بن حامد بن بشر [٣] بن عيسى، أبو الحسن القاضي، ويعرف: بابن بنت القنبيطي
[٤] .
سمع جعفر الفريابي، وابن جرير الطبري، وكان أحد أصحابه، وكان ثقة جميل الأمر، وتوفي في ذي الحجة من هذه السنة.
٢٧٤٧- محمد بن أحمد ابن إبراهيم، أبو الحسن الشافعي
[٥] .
سمع محمد بن عثمان بن أبي شيبة، توفي في يوم الخميس في جمادى الأولى من هذه السنة.
стр. 4901
٢٧٤٨- محمد بن إسحاق بن محمد بن إبراهيم، أبو الحسين السختياني
[١] .
سمع أبا العباس الثقفي وأقرانه [٢] وكان من العباد المجتهدين، وكان يحج ويغزو، ولا يعلم بذلك أهل بلده، فإذا سئل عن غيبته لم يحدث بذلك، وتوفي في رجب هذه السنة وهو ابن ست وستين سنة.
٢٧٤٩- محمد بن عيسى [بن محمد] [٣] بن عبد الرحمن، أبو أحمد الجلودي
[٤] .
روى عن إبراهيم بن محمد بن سفيان عن مسلم «صحيحه» وكان من الزّهاد، كان يورق ويأكل من كسب يده، وتوفي في ذي الحجة من هذه السنة وهو ابن ثمانين سنة.
٢٧٥٠- محمد بن محمد ابن يوسف، أبو بكر اللحياني المقرئ
[٥] .
نزل نيسابور، وادعى دعاوى في القراءات.
أنبأنا زاهر بن طاهر، أَنْبَأَنَا أَبُو عُثْمَانَ الصَّابُونِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ قالا: أخبرنا الحاكم أَبُو عَبْد اللَّه قَالَ: سمعت أبا بكر بن الإمام/ يقول: قلت لأبي بكر اللحياني:
على من قرأت بالعراق: فقال: على أبي بكر بن مجاهد، فقلت: قرأت عليه قبل أن يخضب، أو بعد أن خضب؟ قال: قرأت عليه، وقد خضب، قال: قلت: فقرأت عليه قبل أن يأخذ العصا بيده، أو بعد أن أخذ العصا بيده [٦] قال: كان لا يخرج إلا والعصا بيده، قال: فقلت يا هذا، فو الله الّذي لا اله إلا هو ما خضب أبو بكر بن مجاهد ولا أخذ العصا بيده قط [٧] .
стр. 4902
ثم دخلت سنة تسع وستين وثلاثمائة
فمن الحوادث فيها:
[قبض على الشريف أبي أحمد الحسين بن موسى الموسوي]
أنه قبض على الشريف أبي أحمد الحسين بن موسى الموسوي في صفر، وقلد [أبو الحسن] [١] علي بن أحمد بن إسحاق العلوي نقابة الطالبيين ببغداد وواسط، وأبو الفتح أحمد بن عمر بن يحيى نقابتهم بالكوفة، وأبو الحسن أحمد بن القاسم المحمدي [٢] نقابتهم بالبصرة والأهواز، وكان قد استذنب أبو أحمد بما ليس بذنب، فأرى خطًا مزورًا على خطه بإفشاء الأسرار وقيل له: إن عز الدولة أعطاك عقدًا في فداء غلامه فكتمتناه فقال: أما الخط فليس بخطي، وأما العقد فإنه قال: إن لم يقبل ما دفعت فادفع هذا فلم يجز لي أن أخونه.
وفي يوم الاثنين لأربع بقين من صفر: قبض [عضد الدولة] [٣] على أبي محمد ابن معروف قاضي القضاة [٤] ، وأنفذه إلى القلعة بفارس، وقلد أبو سعد بشر بن الحسين ما كان إليه من قضاء القضاة، واحتج على ابن معروف بالتقصير في حق عضد الدولة، وبأنه ينفسح فيما لا ينبغي للقضاة مثله، فأجاب عن ذلك فلم يلتفت إليه.
وفي شعبان: ورد رسول للعزيز [٥] صاحب مصر إلى/ عضد الدولة بكتاب وما
стр. 4903
زال يبعث إليه برسالة بعد رسالة، فأجابه بما مضمونه صدق الطوية، حسن النية.
وسأل عضد الدولة: الطائع في مورده الثاني إلى الحضرة أن يزيد في لقبه تاج الملة، ويجدد الخلع عليه، ويلبسه التاج والحلي المرصع بالجوهر، فأجابه إلى ذلك وجلس الطائع على سرير الخلافة في صدر صحن السلام، وحوله من خدمه الخواص نحو مائة بالمناطق والسيوف والزينة، وبين يديه مصحف عثمان، وعلى كتفيه البردة، وبيده القضيب، وهو متقلد سيف النَّبيّ ﷺ ، وضرب ستارة بعثها عضد الدولة، وسأل أن يكون حجابا للطائع حتى لا يقع عليه عين أحد من الجند قبله، ودخل الأتراك والديلم، ولم يكن مع أحد منهم حديد، ووقف الأشراف وأصحاب المراتب من الجانبين، فلما وصل عضد الدولة أوذن به الطائع فأذن له، فدخل، فأمر برفع الستارة، فقيل لعضد الدولة: قد وقع طرفه عليك، فقبَّل الأرض ولم يقبلها أحد ممن معه تسليما للرقبة [١] في تقبيل الأرض إليه فارتاع زياد من بين القواد لما شاهد، وقال بالفارسية: ما هذا أيها الملك، أهذا هو الله ؟ فالتفت إلى أبي القاسم عبد العزيز بن يوسف وقال له:
فهِّمه وقل له: هذا خليفة الله في الأرض، ثم استمر يمشي ويقبل الأرض تسع مرات، والتفت الطائع إلى خالص الخادم وقال له: استدنه. فصعد عضد الدولة وقبل الأرض، دفعتين [٢] فقال له الطائع: ادن إليَّ، ادن إليَّ، فدنا، وأكب، وقبل رجله، وثنى الطائع يمينه عليه/ وكان بين يديه سريره مما يلي الجانب الأيمن للكرسي، ولم يجلس فقال له ثانيا: اجلس. فأومأ، ولم يجلس، فقال له: أقسمت عليك لتجلسن، فقبل الكرسي، وجلس، فقال له الطائع: ما كان أشوقنا إليك، وأتوقنا إلى مفاوضتك. فقال: عذري معلوم. فقال: نيتك موثوق بها، وعقيدتك مسكون إليها. وأومأ برأسه، ثم قال له الطائع: قد رأيت أن أفوض إليك ما وكل الله تعالى إلي من أمور الرعية في شرق الأرض وغربها، وتدبيرها في جميع جهاتها [٣] سوى خاصتي وأسبابي، وما وراء بابي، فتول ذلك مستخيرًا باللَّه تعالى. فقال له عضد الدولة: يعينني الله على طاعة مولانا
стр. 4904
وخدمته، وأريد المطهر وعبد العزيز ووجوه القواد الذين دخلوا معي أن يسمعوا لفظ أمير المؤمنين. فأذنوا وقال الطائع: هاتوا الحسين بن موسى، ومحمد بن عمرو بن معروف، وابن أم شيبان، والزينبي، فقدموا فأعاد الطائع للَّه القول بالتفويض إليه، والتعويل عليه، ثم التفت إلى طريف الخادم فقال: يا طريف، يفاض [١] عليه الخلع، ويتوج. فنهض عضد الدولة إلى الرواق، فألبس الخلع، فخرج فأومأ ليقبل الأرض، فلم يطق، فقال له الطائع: [حسبك] حسبك [٢] . وأمره بالجلوس على الكرسي، ثم استدعى الطائع تقديم ألويته، فقدم لواءان، واستخار الطائع للَّه وصلى على رسوله ﷺ وعقدهما، ثم قال: يقرأ كتابه. فقرأ، فقال له الطائع: خار الله لنا ولك وللمسلمين، آمرك بما أمرك الله به. وأنهاك عما نهاك الله عنه وابرأ/ إلى الله مما سوى ذلك، انهض على اسم الله. واخذ الطائع سيفا كان بين المخدتين اللتين تليانه، فقلده إياه مضافا إلى السيف الذي قلده مع الخلعة، ولما أراد عضد الدولة أن ينصرف قال [للطائع] [٣] : أني أتطير أن أعود على عقبي فاسأل أن يؤمر بفتح هذا الباب لي. فأذن في ذلك، وشاهد [٤] في الحال نحو ثلاثمائة صانع قد أعدهم عضد الدولة حتى هيّئ للفرس مسقال [٥] ، وركب [وسار] [٦] الجيش مشاة إلى أن خرج من باب الخاصة، ثم ركب القواد والجيش، وسار في البلد. ثم بعث الطائع إليه بعد ثلاثة أيام هدية فيها غلالة قصب، وصينية ذهب، وخرداذي بلور، وفيه شراب ناقص كأنه قد شرب بعضه، وعلى فم الخرداذي خرقة حرير مشدودة مختومة، وكاس بلور من هذا الفن فوافى أبو نصر [الخازن] [٧] ومعه من الأموال نحو ما ذكرنا في دخوله الأول في السنة الماضية، ولما عاد عضد الدولة جلس للتهنئة، فقال أبو إسحاق الصابي: على البديهة:
стр. 4905
يا عضد الدولة الذي علقت ... يداه من فخره بأعرقه
لبست للملك تاج ملته ... فصل عرى غربة بمشرقه
أحرزت منك [١] الجديد في عمر ... أطاله الله غير مخلقه
يلوح منك الجبين بحاشية [٢] ... لحاظنا في ضياء رونقه
كأنه الشمس في إنارتها ... ويشبه البدر في تألقه
لما رأيت الرجال تنشده ... من كل فحل القريض مغلقه
/ الجأت نفسي [٣] إليك رؤيتها ... لتطلب المدح طول منطقه
قال له خاطري بطمع أن [٤] ... تساجل البحر في تدفقه
خفف وأوجز فقلت مختصرا ... للقول في جده وأصدقه
يفتخر النعل [٥] تحت أخمصه ... فكيف بالتاج فوق مفرقه
وفي شهر رمضان: بعث إلى ضبة بن محمد الأسدي، وكان من أكابر الذعار، وقد قتل النفوس، ونهب الأموال، وقد [٦] تحصن بعين التمر، نيفا وثلاثين سنة، والوصول إليها يصعب [٧] ، فلما طل عليه العسكر هرب وترك أهله وخاصته، فأسر أكثرهم وملك البلد.
وفي يوم الثلاثاء لتسع بقين من ذي القعدة [٨] : تزوج الطائع للَّه بنت عضد الدولة الكبرى، وعقد العقد [٩] بحضرة الطائع، بمحضر [١٠] من الأشراف، والقضاة،