ودخل جوهر إلى مصر يوم الثلاثاء لثلاث [١] عشرة ليلة بقيت من [٢] شعبان سنة ثمان وخمسين، وخطب لبني عبيد في الجامعين [٣] بفسطاط مصر، وسائر أعمالها يوم الجمعة لعشر ليال بقين من شعبان هذه السنة، وكان الخاطب في هذا اليوم عبد السميع بن عمر العباسي [٤] .
стр. 4832
وفي ذي الحجة نقل الأمير [عز الدولة] [١] معز الدولة من داره إلى تربة بنيت له في مقابر قريش.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر .
٢٦٧٩- الحسن بن علان بن إبراهيم بن مروان، أبو علي الخطاب الفامي
[٢] .
ولد سنة أربع وثمانين [ومائتين] [٣] وحدث عن أبي خليفة، وجعفر الفريابي، حدث عنه أبو نعيم، وقال: هو ثقة. وقال ابن أبي الفوارس: كان كثير الحديث ثقة مستورًا توفي في ذي الحجة/ من هذه السنة.
٢٦٨٠- الحسن بن محمد بن يحيى بن جعفر، أبو محمد العلوي
[٤] .
حدث ببغداد فسمع منه ابن رزقويه [٥] ، وأبو علي ابن شاذان [٦] ، توفي في ذي وكتبت الشهود باليد، وسكن الشريف الناس بالأمان، ففتحت الدكاكين وقامت الأسواق، وسكنت الفتنة، وأحدث الناس التجهز للقاء القائد جوهر، فخرجوا إلى الجيزة فلقوه (كذا) فنادى مناديه لينزل الناس كلهم إلا الشريف والوزير، ونزل جوهر القائد موضع القاهرة واختط القصر، وكان موضعه بستانا عامرا أصلا (كذا) أن سير جوهر العال إلى الشام وأرسل القائد جوهر إلى المعز يهنئه بالفتح، ووصلت كتبه بإقامة الدعوة له بمصر والشام، ويدعوه إلى المسير إليه ففرح المعز فرحا شديدا.
وفي سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة بنى جوهر السور على القصور على عملها مدينة وسماها «المنصورة» ولما استقر سمّاها «القاهرة» ، والسور الّذي بناه، وسبب تسميتها القاهرة: أن جوهرا لما أراد بناء هذه المدينة للجند، فاختار طالعا بقول المنجمين وحفر الأساس ... قوائم بأجراس في حبال بين القوائم، وقالوا للعمال إذا تحركت الأجراس يرمون بأيديهم من الطين والحجارة، فوقف المنجمون ينتظرون تلك الساعة، فقعد غراب على قائمة من تلك القوائم، فتحركت الأجراس، فألقت الفعلة بأيديهم، فصاح المنجمون: القاهر في الطالع، وخانهم ما قصدوا، فوقع المريخ في الطالع وهو يسمى عند المنجمين «القاهر» . أهـ.
стр. 4833
الحجّة من [١] هذه السنة، [وروى أحاديث منكرة]
[٢] .
٢٦٨١- الحسن بن محمد بْن يحيى بْن الْحَسَن بْن جَعْفَر [٣] بن أحمد بن كيسان، أبو محمد الحربي
[٤] .
روى عن إسماعيل بن إسحاق القاضي، وغيره، روى عنه أبو علي بن شاذان، وأبو نعيم الأصبهاني، وقال: كان ثقة. توفي في شوال هذه السنة.
٢٦٨٢- حيدرة بن عمر [٥] ، أبو الحسن الزندوردي
[٦] .
أحد الفقهاء على مذهب داود بن علي الظاهري، توفي في جمادى الأولى من هذه السنة، ودفن في مقابر الخيزران.
٢٦٨٣- عبيد الله [٧] بن أحمد بن محمد، أبو الفتح النحوي يعرف بجخجخ
[٨] .
سمع البغوي، وابن دريد، روى عنه محمد بن أبي الفوارس، وكان ثقة، توفي في جمادى الآخرة من هذه السنة.
٢٦٨٤- كافور الخادم
[٩] استولى على مصر والشام بعد موت سيده، وكان سيده أبو بكر [محمد بن طغج] [١٠] الأخشيد، و [كان سيده الأخشيد] [١١] قد اشتراه بثمانية عشر دينارًا، وهو الذي قصده المتنبي ومدحه، وقد تأملت مدائح المتنبي له فرأيت فيها الكلام موجها يحتمل
стр. 4834
المدح ويحتمل الذم، ولعل المتنبي لعب بعقل ذلك [١] الخادم، فإن قوله:
قواصد كافور توارك غيره لا شك أن من يقصد شيئا فقد ترك غيره، ولا شك أن من [٢] قصد البحر استقل السواقيا، ولكن من لنا [أنه أراد] [٣] : أنك أنت البحر، وكذلك [٤] قوله:
عدوك مذموم بكل لسان يحتمل: أنه لا يعاديك إلا مثلك، ومثلك مذموم. قوله:
للَّه سر في علاك، يحتمل: أن القضاء جرى بولاية مثلك، لا أنك تستحق [٥] ، ويقوي هذا الظن أنه كان يخرج من عنده فيهجوه.
وقال أبو جعفر [٦] بن مسلم بن طاهر/ العلوي ما رأيت أكرم من كافور، كنت أسايره يوما وهو في موكب خفيف يريد التنزه، وبين يديه عدة جنائب بمراكب ذهب وفضة، وخلفه بغال الموكب فسقطت مقرعته من يده، ولم يرها ركابيته [٧] ، فنزلت عن دابتي وأخذتها من الأرض، ودفعتها إليه فقال: أيها الشريف، أعوذ باللَّه من بلوغ الغاية، ما ظننت أن الزمان يبلغني إلى أن تفعل بي أنت [٨] هذا، وكاد يبكي فقلت: أنا صنيعة الأستاذ ووليه، فلما بلغ باب داره ودَّعني، فلما سرت التفت [٩] ، فإذا [أنا] [١٠] بالجنائب والبغال كلها فقلت: ما هذا؟ قالوا: أمر الأستاذ أن يحمل [١١] هذا إليك، فأدخلته داري، وكانت قيمته تزيد على خمسة عشر ألف دينار، ولي كافور مصر والشام اثنتين وعشرين سنة، وخطب فيها للعلويين، وتوفي في هذه السنة.
стр. 4835
ثم دخلت سنة تسع وخمسين وثلاثمائة
فمن الحوادث فيها:
أنه في يوم عاشوراء فعلت الشيعة ما هي عادتهم من تعطيل الأسواق، وإقامة النوح واللطم.
وورد الخبر في المحرم بأن الروم وردوا مع نقفور، فأحاطوا بسور أنطاكية، وملكوا البلد، وأخرجوا المشايخ والعجائز والأطفال من البلد، وقالوا لهم: امضوا حيث شئتم [١] ، وأخذوا الشباب من النساء والغلمان والصبيان. فحملوهم على وجه السبي، وكانوا أكثر من عشرين ألف [رجل] [٢] وكان نقفور ملك الروم قد عَثَى [٣] وقهر بلادًا كثيرة من بلاد الإسلام، وعظمت هيبته، وكان قد تزوج امرأة الملك الذي قبله على كره منها، وكان لها ابنان من الملك، فعمل نقفور على أن/ يخصيهما ويهديهما إلى البيعة [٤] ليستريح منهما، ومن أن يكون لهما نسل للملك، فبلغ ذلك زوجته، فقلقت وأرسلت في أن يسيرا [٥] إليها في زي النساء، ومعهما جماعة تثق بهم في مثل زيهما، وأوهمت زوجها أن نسوة من أهلها زاروها في ليلة الميلاد، فجاءوا وهو نائم، فقتلوه وأجلس في الملك الأكبر من ولديها.
стр. 4836
وفي ربيع الأول: صرف القاضي [أبو بكر] [١] أحمد بن سيار [٢] عن القضاء في حريم دار السلطان، ورُدَّ إلى أبي محمد بن معروف.
وفي ربيع الآخر: ورد الخبر بأن الهجريين نادوا أن لا تخرج قافلة من البصرة إلى بلد هجر، ولا إلى الكوفة في البرية، ولا إلى مكة، فمن فعل ذلك فلا ذمام له.
ونقصت دجلة في هذه السنة نقصانًا مفرطًا، وغارت الآبار.
وفي ذي الحجة: انقض كوكب عظيم في أول الليل لَهُ شعاع [٣] أضاءت منه الدنيا حتى صار كأنه شعاع الشمس، وسمع بعد [٤] انقضاضه صوت كالرعد الشديد.
وحج بالناس أبو أحمد النقيب.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر .
٢٦٨٥- حبيب بن الحسن [٥] بن داود [بن محمد] [٦] بن عبد الله، أبو القاسم القزاز
[٧] .
سمع أبا مسلم الكجي، والحسن بن علويه في جماعة، روى عنه الدارقطني، وابن شاهين، وابن رزقويه [٨] ، وأبو محمد وقال: كان ثقة.
أخبرنا القزاز، أخبرنا الخطيب قال: حدثني الأزهري عن محمد بن العباس بن الفرات قال: كان حبيب القزاز مستورًا، دفن في الشونيزية، وذكر أن قومًا من الرافضة أخرجوه من قبره ليلًا وسلبوه كفنه، إلى أن أعاد له ابنه كفنًا، وأعاد دفنه.
وقال محمد بن أبي الفوارس: توفي في جمادى الآخرة من هذه السنة، وكان ثقة مستورا/ حسن المذهب.
стр. 4837
٢٦٨٦-[طَلْحَة بْن مُحَمَّد بْن إِسْحَاق، أَبُو مُحَمَّد الصَّيْرَفيّ
[١] .
سَمِعَ الْحَسَن بْن عَلِيّ بْن حبيب المقرئ، وقد روى عَنْهُ أبو نُعَيْم الأصبهاني، وكان صدوقًا، تُوُفّي في هذه السنة] .
٢٦٨٧- علي بن بندار بن الحسين، أبو الحسن
[٢] .
صحب بنيسابور أبا عثمان، وأبا حفص، وبسمرقند محمد بن الفضل، وببلخ محمد بن حامد، وبجوزجان أبا علي الجوزجاني، وبالري يوسف بن الحسين، وببغداد الجنيد، ورويما، وسمنون، وابن عطاء، والجريري، وبالشام أبا عبد الله بن الجلاء [٣] ، وبمصر الدقاق، والرُّوذباري، وروى الحديث، وكان يتكلم على مذهب الصوفية، وتوفي في هذه السنة.
٢٦٨٨- مُحَمَّد بن إبراهيم بن أحمد بن محمد الأستراباذي
[٤] .
كتب [الحديث] [٥] الكثير، وخرّج ودوّن الأبواب، والمشايخ، سمع جماعة، وتوفي في هذه السنة.
٢٦٨٩- مُحَمَّد بن أَحْمَد بن الحسن بن إسحاق بن إبراهيم بن عبد الله، أبو علي بن الصواف
[٦] ولد في شعبان سنة سبعين ومائتين، وسمع إسحاق بن الحسن الحربي، وبشر بن موسى، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وغيرهم، روى عنه الدارقطني، وغيره من المتقدمين ومن المتأخرين، وابن رزقويه [٧] وابن بشران، وابن أبي الفوارس، وأبو نعيم الأصبهاني.
стр. 4838
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي بن ثابت [١] قال: سمعت محمد بن أبي الفوارس يقول: سمعت أبا الحسن الدارقطني يقول: ما رأت عيناي مثل [أبي علي] [٢] بن الصواف، ورجل آخر بمصر لم يسمه أبو الفتح.
قال أبو الفتح: ومات لثلاث خلون من شعبان سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، وله يوم مات تسع وثمانون سنة، وكان ثقة مأمونًا من أهل التحرز، ما رأيت مثله في التحرز.
٢٦٩٠- محارب بن محمد ،
بن محارب أبو العلاء القاضي الفقيه [٣] الشافعي [٤] .
من ولد محارب بن دثار، حدَّث عن جعفر الفريابي وغيره، وكان ثقة/ عالمًا صدوقا.
وتوفي في جمادى الآخرة من هذه السنة.
стр. 4839
ثم دخلت سنة ستين وثلاثمائة
فمن الحوادث فيها:
أنه في يوم عاشوراء فعلت الشيعة ما جرت به عادتهم من النوح، واللطم، وتعطيل الأسواق.
وورد كتاب أبي أحمد الحسين بن موسى نقيب الطالبين من مكة، بتمام الحج في سنة تسع وخمسين، وأنه لم يرد أحمد من قبل المغرب، وأن الخطبة أقيمت للمطيع للَّه وللهجريين من بعده، وأنه علَّق القناديل التي حملها معه خارج البيت، وكان واحد منها ذهب وزنه [١] ستمائة مثقال، والباقي فضة، مدة خمسة أيام حتى رآها الناس، ثم أدخلت إلى البيت، وأنه نصب الأعلام الجدد التي حُملت معه، وعليها اسم الخليفة.
وفي أول صفر: لحق المطيع للَّه [٢] سكتة آل الأمر فيها إلى استرخاء جانبه الأيمن وثقل لسانه.
وفي جمادى الآخرة: ظهر جراد صغار، فنسفتها [٣] الريح، فصارت دجلة [٤] مفروشة به.
وفي شعبان: تقلد أبو محمد ابن معروف قضاء القضاة، وصرف أبو بكر ابن سيار
стр. 4840
عن الجانب الشرقي، وركب معه الوزير أبو الفضل الشيرازي، وكان هذا الوزير قد أطلق من حبسه، وخُلع عليه خلع [١] الوزارة، وقبل ابن معروف شهادة أبي سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي واستخلفه على الحكم من الجانب الشرقي، وقبل أيضًا شهادة أبي الحسن علي بن عيسى الرماني النحوي، ووثبت العامة بالمطهر بن سليمان في جامع المدينة، ونسبوه إلى القول بخلق القرآن.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر .
٢٦٩١- سليمان بن أحمد الطبراني اللخمي
[٢] ولخم قبيلة نزلت باليمن [٣] وبالشام [وطبرية] [٤] موضع بينه وبين بيت المقدس فرسخان، فيه ولد عيسى ﵇، يقال له: بيت لحم، بالحاء المهملة، كان سليمان من الحفاظ والأشداء في دين الله [تعالى] [٥] وله الحفظ القوي، والتصانيف الحسان، وتوفي بأصبهان في هذه السنة، ودفن بباب مدينة أصبهان إلى جانب قبر حممة الدوسي صاحب النَّبيّ ﷺ .
٢٦٩٢- عمر بن أحمد بن محمد [٦] بن حمة، أبو حفص الخلال
[٧] .
كان أحد الشهود المعدلين، وحدَّث عن جماعة وروى عنه ابن رزقويه [٨] وكان ثقة، وتوفي في ذي الحجة من هذه السنة.
٢٦٩٣- محمد [بن أحمد] [٩] بن إبراهيم، أبو عبد الله الأصبهاني
[١٠] .
стр. 4841
سكن بغداد، وحدث بها عن محمد بن علي بن مخلد، والحسن بن محمد الداركي، وغيرهما.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي بن ثابت قال: سألت أبا نعيم عن هذا الشيخ فقال: سمعت منه ببغداد وهو ثقة. قال أحمد: وحدثت عن أبي الحسن بن الفرات، قال توفي أبو عبد الله الأصبهاني في ذي القعدة سنة ستين وثلاثمائة، وكان ثقة جميل الأمر ذا هيئة [١] .
٢٦٩٤- محمد بن أحمد بن عثمان بن العنبر بن عثمان أَبُو عَبْد اللَّه [٢] بن عبد الجبار، أبو نصر المروزي
[٣] .
قدم بغداد، فحدث بها في سنة أربع وخمسين وثلاثمائة عن محمد بن خزيمة، وأبي العباس السراج وغيرهما، فروى عنه الدارقطنيّ، [وابن رزقويه، وكان ثقة]
[٤] .
٢٦٩٥- مُحَمَّد بن جعفر بن مُحَمَّد بن الهيثم بن عمران بن يزيد، أبو بكر البندار، أنباري الأصل
[٥] ولد في شوال سنة سبع وستين ومائتين، وقيل: ثمان وستين، وسمع من أحمد بن الخليل البرجلاني، ومحمد بن أبي العوام [٦] الرياحي، وجعفر بن محمد الصائغ، وأبي إسماعيل الترمذي، وهو آخر مَنْ حدث عنهم.
أخبرنا القزاز، أخبرنا الخطيب قال/: سألت البرقاني عن ابن الهيثم فقلت: هل تكلم فيه أحد؟ فقال لا، وكان سماعه صحيحًا بخط أبيه.
وقال محمد بن أبي الفوارس: توفي يوم عاشوراء فجأة، وكان عنده إسناد انتقى
стр. 4842
عليه عمر البصري، وكان قريب الأمر فيه بعض الشيء، وكانت له أصول بخط أبيه جياد.
٢٦٩٦- محمد بن الحسين بن عبد الله، أبو بكر الآجري
[١] .
سمع أبا مسلم الكجي، وأبا شعيب الحراني، وجعفر الفريابي، وخلقا كثيرًا، وكان ثقة صدوقا دينًا، وله تصانيف كثيرة، وحدث ببغداد قبل سنة ثلاثين وثلاثمائة، ثم انتقل إلى مكة فسكنها إلى أن [٢] مات بها في هذه السنة.
أخبرنا محمد بن أبي طاهر البزاز، عن أبيه قال: حكى لنا أبو سهل محمود بن عمر العُكْبري قَالَ: لما وصل أبو بكر الآجري إلى مكة استحسنها واستطابها، فهجس [٣] في نفسه أن قال: اللَّهمّ أحيني في هذه [البلدة] [٤] ولو سنة، فسمع هاتفًا يقول: يا أبا بكر، لم سنة؟ بل ثلاثين سنة فلما كان في سنة الثلاثين [سمع هاتفا يقول] [٥] : يا أبا بكر قد وفينا بالوعد، فمات تلك السنة.
٢٦٩٧- محمد بن جعفر بن محمد بن مظفر، أبو عمرو الزاهد
[٦] .
سمع الكثير ورحل إلى البلاد، وكان له ضبط وإتقان وورع، فسمع [٧] بنيسابور إبراهيم بن أبي طالب، ونظراءه، وبالري محمد بن أيوب البجلي، وأقرانه، وببغداد جعفر الفريابي وأمثاله، وبالكوفة عبد الله بن محمد بن سوار وطبقته، وبالبصرة أبا خليفة القاضي، وبالأهواز عبدان بن أحمد، وبالحجاز أحمد بن يزيد وأقرانه، [٨] وروى عنه حفاظ نيسابور [٩] وكان صابرا على الفقر، وكان يتجمل بثياب للجمعات [١٠] ، ثم ينصرف
стр. 4843
فيلبس فروًا في الشتاء، ويقعد في مسجده، فيعمل ما فيه [١] مصالح الفقراء، ويضرب اللبن لقبورهم، ويأكل رغيفا بجزرة أو بصلة، ويحيي الليل.
توفي في جمادى الآخرة من هذه السنة وهو ابن خمس وتسعين سنة.
٢٦٩٨- محمد/ بن داود، ابو بكر الصوفي، ويعرف بالزقي
[٢] .
أصله من الدينور، وأقام ببغداد مدة، ثم انتقل إلى دمشق فسكنها، وتوفي بها في جمادى الأولى من هذه السنة، وقرأ على ابن مجاهد، وسمع الحديث من محمد بن [٣] جعفر الخرائطي، وصحب أبا عبد الله بن الجلاء، والدقاق، وعمَّر فوق المائة سنة.
٢٦٩٩- محمد بن صالح بن علي بن يحيى، أبو الحارث الهاشمي، يعرف بابن أم شيبان، وهو أخو [٤] القاضي أبي الحسن محمد بن صالح، وكان الأصغر
[٥] .
سمع يحيى بن صاعد وغيره، ودرس فقه مالك، وحدث بخراسان، ودخل بخارا [فقلّد قضاء نسا] [٦] وتوفي ببغداد، وقيل: ببخارى في هذه السنة.
٢٧٠٠- محمد بن الفرخان [٧] بن روزبه، أبو الطيب الدوري
[٨] .
قدم بغداد، وحدَّث بها عن أبيه أحاديث منكرة، وروى عن الجنيد، وابن مسروق، وكان فيه ظرف ولباقة، غير أنهم يتهمونه بوضع الحديث.
стр. 4844
ثم دخلت سنة إحدى وستين وثلاثمائة
فمن الحوادث فيها:
أنه عمل ببغداد ما قد صار الرسم به جاريا في كل يوم عاشوراء من غلق الأسواق، وتعطيل البيع والشراء، وتعليق المسوح.
وانقض في ليلة الأربعاء تاسع صفر كوكب عظيم له دوي كدوي الرعد.
وفي جمادى الآخر: مات أبو القاسم سعيد بن أبي سعيد الجنابي بهجر [١] ، وقام من بعده بالأمر [٢] أخوه أبو يعقوب يوسف، ولم يبق من أولاد أبي سعيد الجنابي غيره، وعقد القرامطة الأمر بعد أبي يعقوب لستة نفر من أولادهم شركة بينهم.
وفي هذه السنة: وردت كتب الحاج بأن بني هلال اعترضهم، فقتلوا خلقا كثيرًا، فتعطل [٣] الحج، ولم يسلم إلا من مضى مع الشريف/ أبي أحمد الموسوي على طريق المدينة وتم حجهم [٤] .
стр. 4845
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٢٧٠١- عثمان بن عمر [١] بن خفيف، أبو عمرو [٢] المقرئ، المعروف بالدراج
[٣] .
حدث عن أبي بكر بن أبي داود، روى عنه ابن رزقويه [٤] ، وكان من أهل القرآن والفقه والديانة والستر، جميل المذهب.
стр. 4846
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن علي قال: قال لي البرقاني: كان عثمان بدلا من الأبدال، قال: وذكر [لي] [١] أنه قال يوما في مرضه الذي توفي [٢] فيه لرجل كان يخدمه: امض فصل، ثم ارجع سريعًا، فإنك تجدني قد مت، وكانت صلاة الجمعة قد حضرت، فمضى الرجل إلى الجامع وصلى الجمعة [٣] ، ورجع إليه بسرعة [٤] ، فوجده قد مات، تُوُفّي الدّراج [٥] فِي رمضان هَذِهِ السَّنَة.
٢٧٠٢- علي بن إسحاق بن خلف، أبو الحسن القطان، الشاعر المعروف بالزاهي [٦] ، مليح الشعر .
أخبرنا أبو منصور [٧] القزاز، أخبرنا الخطيب قال: أنشدنا التنوخي قال: أنشدني محمد بن عبيد الله بن أحمد الكاتب قال: أنشدني علي بن إسحاق بن خلف لنفسه [٨] :
قم نهنئ عاشقين ... أصبحا مصطلحين
جمعا بعد فراق ... فجعا منه ببين
ثم عادا في سرور ... من صدود آمنين
فهما روح ولكن ... ركبا في بدنين
٢٧٠٣- محمد [بن الحسن] [٩] بن سعيد بن الخشاب [١٠] ، أبو العباس الصوفي
[١١] .
سمع الحديث الكثير، وله حكايات عن أبي جعفر الفرغاني، وأبي بكر الشبلي،
стр. 4847
روي عنه السلمي، والحاكم أبو عبد الله، وكان قد نزل نيسابور، ثم خرج إلى مكة، فتوفي بها في هذه السنة.
٢٧٠٤- محمد بن حميد بن سهيل
[١] [بن إسماعيل] [٢] بن شداد، أبو بكر المخرمي [٣] .
سمع أبا خليفة الفضل بن الحباب، وجعفر الفريابي، وابن جرير في آخرين، روى عنه الدارقطني، وابن رزقويه [٤] ، وأبو نعيم، قال أبو بكر البرقاني: هو ضعيف، وقال محمد بن أبي الفوارس: كان فيه تساهل شديد وشدة [٥] .
توفي [٦] في ربيع الأول من هذه السنة.
стр. 4848
ثم دخلت سنة اثنتين وستين وثلاثمائة فمن الحوادث فيها:
[دخول جموع الروم إلى بلاد الإسلام]
دخول جموع الروم إلى بلاد الإسلام، فإنهم دخلوا نصيبين واستباحوا، وقتلوا كثيرا من رجالها، وسبوا من نسائها وصبيانها، وأقاموا بها نيفًا وعشرين يومًا، وغلبوا على ديار ربيعة بأسرها، وورد إلى بغداد خلق كثير من أهل تلك البلاد، فاستقروا [١] في الجوامع، وكسروا المنابر، ومنعوا الخطبة، وحاولوا الهجوم على دار المطيع للَّه، واقتلعوا بعض شبابيكها، حتى غلقت أبوابها، ورماهم الغلمان بالنشاب من رواشنها وحيطانها، وخاطبوه بما نسبوه فيه إلى العجز عن ما أوجبه الله على الأئمة، وأفحشوا القول، ووافق ذلك شخوص [٢] عز الدولة من واسط للزيارة، فخرج إليه أهل الستر والصيانة من أهل بغداد، منهم: أبو بكر الرازي الفقيه، وأبو الحسن علي بن عيسى النحوي، وأبو القاسم الداركي، وابن الدقاق الفقيهان، وشكوا إليه ما طرق المسلمين من هذه الحادثة، فوعدهم بالغزو، واستنفر الناس [٣] ، فخرج من العوام عدد الرمل/ ثم أنفذ [٤] جيشًا، فهزم الروم، وقتل منهم خلق كثير، وأسر أميرهم، وجماعة من بطارقته، وأنفذت رءوس القتلى إلى بغداد، وكتب معهم كتاب إلى المطيع يبشر بالفتح.
стр. 4849
وفي شهر رمضان: قتل رجل من صاحب المعونة في الكرخ، فبعث أبو الفضل الشيرازي، وكان قد أقامه معز الدولة مقام الوزير، في [١] طرح النار من النخاسين إلى السماكين، فاحترقت أموال عظيمة، وجماعة من الرجال والنساء والصبيان في الدور والحمامات، فأحصى ما احترق فكان سبعة عشر ألف وثلاثمائة دكان، وثلاثمائة وعشرين دارًا، أجرة ذلك في الشهر ثلاثة وأربعون ألف دينار، ودخل في الجملة ثلاثة وثلاثون مسجدًا.
فقال رجل لأبي الفضل: أيها الوزير، أريتنا قدرتك، ونحن نأمل من الله [٢] تعالى أن يرينا قدرته فيك. فلم يجبه، وكثر الدعاء عليه، ووزر [٣] بعد معز الدولة لابنه عز الدولة، بختيار [٤] فقبض عليه، وسلَّمه للشريف أبي الحسن محمد بن عمر العلوي، فأنفذه إلى الكوفة، فسقى ذراريح [٥] ، فتقرحت مثانته، فمات في ذي الحجة من هذه السنة.
وفي يوم الجمعة الثامن من شهر رمضان: دخل أبو تميم معد بن إسماعيل، الملقب بالمعز لدين الله مصر [٦] ، ومعه توابيت آبائه، وكان قد مهد له أبو الحسن جوهر الأمور، وأقام له الدعوة، وبنى له القاهرة، فنزلها وكان جوهر قد دخل إلى مصر سنة ثمان وخمسين، ووطأ الأمر للمعز، وأقام له الخطبة.
وخلع المطيع في هذه السنة على أبي طاهر بن بقية وزير عز الدولة بختيار، ولقبه الناصح، وكان واسع النفس، وكانت وظيفته كل يوم من الملح [٧] ألف رطل، وراتبه من الشمع في كل شهر ألف منٍّ [٨] وكان عز الدولة/ قد استوزر أبا الفضل العباس بن
стр. 4850
الحسين الشيرازي صهر المهلبي في سنة سبع وخمسين، فبقي في وزارته سنتين وشهرين وثلاثة أيام، وعزله بأبي الفرج محمد بن العباس بن فسانجس، فوزر [١] له ثلاثة عشر شهرًا، وعشرة أيام، ثم أعاد أبا الفضل إلى الوزارة فعادى [٢] الناس، وأحرق الكرخ، فكثر [٣] الدعاء عليه، فقبض عليه [٤] بختيار. قيل: وكان أبو الحسن محمد بن محمد بن بقية يخدم في مطبخ معز الدولة، وينوب عنه أخوه أبو طاهر بن بقية، ثم خدم عز الدولة في مطبخه، وارتفع أمره إلى أن احتاج إليه الوزير أبو الفضل في حفظ غيبه عند عز الدولة، ثم ضعف أمر الوزير أبي الفضل، ثم هلك فقلد عز الدولة وزارته أبا طاهر ابن بقية فقال الناس: من الغضارة إلى الوزارة، وكان كريما يغطي كَرَمُهُ عُيُوبَهُ، ووزر له أربع سنين وأحد عشر يوما، وسمله [٥] عضد الدولة، وقتله وصلبه، وهو ابن نيف وخمسين سنة.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٢٧٠٥- إبراهيم بن محمد بن سختويه [٦] بن عبد الله أبو إسحاق المزكي النيسابورىّ
[٧] .
سمع بنيسابور [٨] محمد بن إسحاق بن خزيمة، ومحمد بن إسحاق السراج وغيرهما، وسمع من عبد الرحمن بن أبي حاتم وغيره، وببغداد من أبي حامد الحضرمي وطبقته، وبالحجاز من أبي عبيد الله الجيزي [٩] ونظرائه، وبسرخس من محمد بن عبد الرحمن الدغولي وأقرانه، وكان ثقة ثبتًا، مكثرا [مواصلا] [١٠] للحج، انتخب عليه
стр. 4851
ببغداد أبو الحسن الدارقطني، وكتب الناس بانتخابه علما كثيرًا، وروى كتبًا كبارًا.
وقد أخبرنا أبو القاسم بن الحصين [١] عن أبي طالب بن غيلان [عنه] [٢] . أخبرنا عبد الرحمن [بن محمد] [٣] القزاز، أخبرنا أحمد بن على بن ثابت/ حدثنا الحسين بن أحمد بن عثمان [٤] بن شيطا قال: سمعت إبراهيم المزكي يقول: أنفقت على الحديث بدرًا من الدنانير، وقدمت بغداد في سنة ست عشرة لأسمع من ابن صاعد، ومعي خمسون ألف درهم بضاعة، فرجعت إلى نيسابور ومعي أقل من ثلثها، انفقت ما ذهب منها على أصحاب الحديث.
أخبرنا أبو منصور [٥] القزاز، أخبرنا أحمد بن على بن ثابت قال: أخبرني محمد بن علي المقرئ، عن محمد بن عبد الله الحافظ قال: كان إبراهيم بن محمد المزكي من العباد المجتهدين الحجاجين المنفقين [٦] على العلماء، والمستورين، عقد له الإملاء بنيسابور سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، وهو أسود الرأس واللحية، وزكى في تلك السنة، وكنا نعد في مجلسه أربعة عشر محدثا منهم أبو العباس الأصم، وتوفي بسوسنقين [٧] ليلة الأربعاء غرة شعبان سنة اثنتين وستين وثلاثمائة [٨] ، وحمل تابوته فصلينا عليه، ودفن في داره وهو يوم مات ابن سبع وستين سنة، وسوسنقين [٩] منزل بين همذان وساوة.
٢٧٠٦- الحسين بن عمر بن أبي عمر القاضي، أبو محمد بن أبي الحسين
[١٠] .
стр. 4852
ولاه الراضي قضاء مدينة المنصور، وهو حدث السن، ثم ولي المتقي، فأقره على ذلك إلى جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، ثم صرفه فقدم أصبهان، وحدَّث عن البغوي، وابن صاعد، وولي قضاء يزد، وتوفي بها.
٢٧٠٧- سعيد بن القاسم بن العلاء بن خالد، أبو عمر البرذعي
[١] .
قدم بغداد، وحدث بها عن جماعة، فروى عنه الدارقطني، وكان أحد [٢] الحُفَّاظ، كتب عن يحيى بن محمد بن منده، وطبقته، وتوفي في هذه السنة.
٢٧٠٨- السري بن أحمد بن السري، أبو الحسن الكندي الرفاء الموصلي الشاعر
[٣] .
له معان حسان، وهو مجود، وله مدائح في سيف الدولة وغيره/ من أمراء بني حمدان، وكان بينه وبين الخالديين أبي بكر وأبي عثمان، محمد وسعيد أهاجٍ كثيرة، فبالغا في أذاه، وقطعا رسمه [٤] من سيف الدولة وغيره، فانحدر إلى بغداد، ومدح الوزير أبا محمد المهلبي، فانحدر الخالديان وراءه، ودخلا على المهلبي، وثلبا وحصلا [٥] في جملة منادميه وجعلا [هجيراهما] [٦] ثلبه، فآل به الأمر إلى عدم القوت، وركبه الدين، ومات ببغداد.
٢٧٠٩- عبد الملك بن الحسن بن يوسف، أبو عمرو المعدل، ويعرف بابن السقطي
[٧] .
سمع أبا مسلم الكجي، ويوسف القاضي، وجعفر الفريابي، والبغوي، روى عنه أبو نعيم الحافظ، وأبو علي بن شاذان، وكان ثقة، ولم يزل مقبول الشهادة عند القضاة،
стр. 4853
وكتب الناس عنه بانتخاب الدارقطني، وتوفي في ربيع الآخر [١] من هذه السنة، وقد [٢] بلغ خمسا وثمانين سنة.
٢٧١٠- محمد بن أبي الحسن بن كوثر بن علي، أبو بحر البربهاري
[٣] .
حدث عن محمد بن الفرج الأزرق، ومحمد بن غالب التمتام، وإبراهيم الحربي، والباغندي، والكديمي، وغيرهم. روى عنه ابن رزقويه [٤] والبرقاني، وأبو نعيم، وانتخب عليه الدارقطني، وقال: اقتصروا على [٥] حديث أبي بحر على ما انتخبته، فقد كان له أصل صحيح، وسماع [صحيح] [٦] ، وأصل رديء، فحدث بذا وبذاك [٧] فأفسده.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْن علي بْن ثابت، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر البرقاني قال: سمعت من أبي بحر، وحضرت عنده يوما فقال [٨] ابن السرخسي:
سأريكم أن الشيخ كذاب، وقال لأبي بحر: أيها الشيخ، فلان بن فلان كان ينزل في الموضع الفلاني هل سمعت منه؟ قال أبو بحر: نعم، قد سمعت منه. قال أبو بكر:
وكان ابن السرخسي قد اختلق ما سأله عنه [٩] .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ [بْنُ مُحَمَّدٍ] [١٠] أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ [١١] قَالَ: قرأت
стр. 4854
على البرقاني، وحدثنا [١] عن أبي بحر فقال: خرَّج عنه أبو الفتح بن/ أبي الفوارس [في الصحيح. قلت له! كذلك فعل أبو نعيم الحافظ. فقال أبو بكر: ما يساوي أبو بحر عندي كعبًا. ثم سمعته ذكره مرة أخرى فقال: كان كذابا. وقال ابن أبي الفوارس] [٢] : كان مخلطا وقال أبو الحسن بن الفرات: ظهر منه في آخر عمره أشياء منكرة، منها: أنه حدَّث عن يحيى بن أبي طالب، وعبدوس المدائني، فغفله قوم من أصحاب الحديث، فقروا ذلك عليه [٣] ، وكانت له أصول جيدة، فخلط [٤] ذلك بغيره، وغلبت الغفلة عليه.
وتوفي في هذه السنة.
стр. 4855
ثم دخلت سنة ثلاث وستين وثلاثمائة
فمن الحوادث فيها:
[تقليد أبى الحسن محمد بن صالح ابن أم شيبان قضاء القضاة]
أنه تقلد أبو الحسن محمد بن صالح ابن أم شيبان الهاشمي قضاء القضاة، صارفًا لأبي محمد بن معروف، وكان أبو محمد قد طولب ببيع دار أبي منصور الشرابي على أبي بكر الأصبهاني الحاجب، فامتنع فقيل له: إن الوكيل الذي نصبه [١] المطيع يبيع ذلك، وليس يراد [٢] منك إلا سماع الشهود والإسجال بها، فامتنع وأغلق بابه، وسأل الإعفاء عن [٣] القضاء فخوطب أبو الحسن بن أم شيبان فامتنع، فألزم فأجاب، وشرط لنفسه [٤] شروطا منها: أنه لا يرتزق عن الحكم، ولا يخلع عليه، ولا يأمر [٥] ما لا يوجبه حكم، ولا يشفع إليه في إنفاق حق وفعل ما لا يقتضيه شرع، وقرر لكاتبه في كل شهر ثلاثمائة درهم، ولحاجبه مائة وخمسون درهمًا [٦] ، وللفارض [٧] على بابه مائة درهم، ولخازن دار الحكم والأعوان ستمائة درهم، وركب إلى دار المطيع حتى سلم إليه عهده، وركب من غد إلى المسجد الجامع، فقرئ فيه عهده وتولي إنشاءه أبو منصور أحمد بن عبد الله الشيرازي، وهو يومئذ صاحب ديوان الرسائل [و] نسخته [٨] :
стр. 4856
بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهده [١] عبد الله الفضل الإمام المطيع للَّه أمير/ المؤمنين إلى محمد بن صالح الهاشمي حين دعاه [٢] إلى ما يتولاه من القضاء [٣] من أَهْل [٤] مدينة المنصور، والمدينة الشرقية من الجانب الغربي، والجانب الشرقي [٥] ومدينة السلام، والكوفة، وشقي الفرات، وواسط، وكوخى، وطريقي الفرات ودجلة، وطرق [٦] خراسان، وقرميسين، وحلوان، وديار مضر و [ديار] [٧] ربيعة، وديار بكر، والموصل، والحرمين، واليمن، ودمشق، وحمص، وجند قنسرين، والعواصم، ومصر، والإسكندرية، وجندي فلسطين، والأردن، وأعمال ذلك كلها، وما يجري [مع] [٨] ذلك من الإشراف على ما يختاره لنقابة العباسيين بالكوفة، وشقي الفرات، وأعمال ذلك، وما قلده إياه من قضاء القضاة وتصح [٩] أحوال الحكام واستشراف ما يجري عليه أمر [١٠] الأحكام من سائر النواحي، والأمصار، والبلاد، والأقطار التي تشتمل عليها المملكة، وتنتهي إليها الدعوة، وإقرار من يحمد هديه، وطريقته واستبدال من يذم سمته وسجيته، نظرا منه للكافة، واحتياطًا للخاصة والعامة، وحنوا على الملة والذمة عن علم أنه المقدم في بيته، وشرفه، المبرز في عفافه وظلفه، المزكَّى في دينه وأمانته، الموصوف في ورعه ونزاهته، المشار إليه بالعلم والحِجَى، المجمع عليه في الحكم [١١] والنهى، البعيد من
стр. 4857
الأدناس، اللابس من النقاء [١] أجمل لباس النقي، الجيب المحبور بصفاء الغيب، العالم بمصالح الدنيا، العارف بما يفيد سلامة العقبي، أمره بتقوى الله، فإنها الْجُنَّة الواقية، وأن يجعل كتاب الله في كل ما يعمل فيه رويته، ويرتب عليه حكمه وقضيته/ إمامه الذي يفزع إليه، وعماده الذي يعتمد عليه، وأن يتخذ سنة مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مطلوبا يقصده [٢] ، ومثالا يتبعه، وأن يراعي الإجماع، وأن يقتدي بالأئمة الراشدين، وأن يعمل اجتهاده فيما لا يوجد فيه كتاب ولا سنة ولا إجماع، وأن يحضر مجلس قضائه من يستظهر بعلمه ورأيه، وأن يسوي بين الخصمين إذا تقدما إليه في لحظه ولفظه، ويوفي كلا منهما نصيبه من إنصافه وعدله، حتى يأمن الضعيف من حيفه، وييأس القوي من ميله، وأمره أن يشرف على أعوانه وأصحابه ومن يعتمد عليه من أمنائه وأسبابه إشرافًا يمنع من التخطي إلى السيرة المحظورة [٣] ، ويدفع [٤] عن الإشفاف [٥] إلى المكاسب المحظورة [٦] ، فذكر من هذا الجنس كلاما طويلا.
وفي هذه السنة: تقلد أبو محمد عبد الواحد الفضل بن عبد الملك الهاشمي [٧] نقابة العباسيين وصرف القاضي أبو تمام الزينبي منها [٨] .
وفيها: ظهر ما كان المطيع يستره من مرضه، وتعذر الحركة عليه، وثقل لسانه لأجل فالج ناله قديما فدعاه سبكتكين حاجب معز الدولة إلى خلع نفسه، وتسليم الأمر إلى ولده [٩] الطائع، ففعل ذلك، وعقد له الأمر في يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة ثلاث وستين، فكانت خلافة المطيع إلى أن خلع نفسه، وسلّم
стр. 4858
الخلافة [١] إلى ولده تسعا وعشرين سنة وأربعة وعشرين يوما فكتب:
هذا ما أشهد على متضمنه أمير المؤمنين الفضل المطيع للَّه حين نظر لدينه ورعيته، وشغل بالعلة الدائمة عن ما كان يراعيه من الأمور الدينية اللازمة، وانقطع إفصاحه عن بعض ما يجب للَّه في ذلك فرأي اعتزال ما كان إليه من هذا الأمر، وتسليمه إلى ناهض به، / قائم بحقه ممن [٢] يرى له الرأي، عقده له وأشهد بذلك طوعًا في يوم الأربعاء الثالث عشر من ذي القعدة سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، فكتب فيه القاضي محمد بن صالح:
شهد عندي بذلك أحمد بن حامد بن محمد بْن عُمَر [٣] ، وعمر بن محمد بن أحمد، وطلحة بن محمد بن جعفر، وكتب محمد بن صالح.
وقد أنبأنا جماعة من أشياخنا عن أبي منصور بن عبد العزيز قال: كان المطيع بعد أن خلع يسمى: الشيخ الفاضل.
стр. 4859
باب ذكر خلافة الطائع للَّه
اسمه عبد الكريم بن المطيع للَّه، ويكنى: أبا بكر، وأمه أم ولد، اسمها: عتب، أدركت خلافته، وقد ذكرنا أن المطيع خلع نفسه غير مستكره، وولي الطائع في اليوم الذي خلع فيه المطيع [١] نفسه، وكان سنه يوم وُلَّيَ ثمان وأربعين سنة، وقيل: خمسين، ولم يل الأمر أكبر سنا منه، ولا من له أب حي سوى أبي بكر الصديق، والطائع، وكلاهما يكنى: أبا بكر، وكان أَبُو بكر [٢] الطائع أبيض، أشقر حسن الجسم، شديد القوة، وفي رواية: أنه كان في دار الخلافة أيل عظيم، فكان يقتل بقرنه الدواب والبغال، ولا يتمكن أحد من مقاومته فاجتاز الطائع للَّه فرآه وقد شق راويه [٣] فقال للخدم:
امسكوه، فسعوا خلفه حتى ألجئوه إلى مضيق، وبادر الطائع فأمسك قرنيه بيديه، فلم يقدر أن يخلصهما وهرب [٤] ، واستدعى بنجار فقال: ركب المنشار [٥] عليهما [٦] ، ففعل، فلما بقيا على يسير قطعهما بيده وهرب الإيل على وجهه، وسقطت فرجية الطائع، عن كتفيه، فتطأطأ بعض الخدم ليرفع الفرجية، فنظر إليه بمؤخر عينه منكرًا لفعله، فتركها ومضى الطائع، / وبقيت الفرجية إلى آخر النهار لا يجسر أحد على تحريكها من موضعها، فلما أراد النجار الانصراف حضر خادم وقال: خذ هذه [٧] الفرجية، فأخذها وكانت من الوشي القديم، فباعها بمائة وسبعين دينارًا.
ولما ولي الطائع وعليه البردة، ومعه الجيش، وبين يديه سبكتكين في يوم الثلاثاء تاسع عشر ذي القعدة، ومن غد هذا اليوم خلع على سبكتكين الخلع السلطانية، وعقد له لواء الإمارة، ولقبه نصر الدولة، وحضر عيد الأضحى فركب الطائع
стр. 4860
إلى المصلى بالجانب [١] الشرقي، وعليه السواد قباء، وعمامة، وخطب خطبة بليغة [٢] بعد أن صلى بالناس كانت «اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لا إِلَهَ إِلا الله والله اكبر متقربا إليه، ومعتمدا عليه، ومتوسلا بأكرم الخلائق [٣] لديه الذي صيرني إمامًا منصوصًا عليه، ووهب لي أحسن الطاعة في ما فوَّضه إليَّ من الخلافة على الأمة، الله أكبر الله أكبر مقرًا [٤] بجميل آلائه فيما أسنده إلى من حفظ الأمم وأموالها، وذراريها، وقمع بي الأعداء في حضرها وبواديها، وجعلني خير مستخلف على الأَرْض ومن فيها، الله اكبر الله اكبر تقربا بنحر البدن التي جعلها من شعائره، وذكرها في محكم كتابه، واتباعًا لسنة نبيه وخليله ﷺ في فدية أبينا إسماعيل إذ قد أمره بذبحه [٥] ، فاستسلم لاهراق دمه وسفحه غير جزع فيما نابه [٦] ، ولا نكل عن ما أمر به، فتقربوا إلى الله في هذا اليوم العظيم بالذبائح، فإنها من تقوى القلوب، الله أكبر الله أكبر وصلى الله على محمد خيرته من خليقته، وعلى أهل بيته وعترته، وعلى آبائي الخلفاء النجباء، وأيدني بالتوفيق فيما أتولى، وسددني من الخلافة فيما أعطى وأنا/ أخوفكم معشر المسلمين غرور الدنيا فلا تركنوا إلى ما يبيد ويفنى، ويزول ويبلى، وأني أخاف عليكم يوم الوقوف بين يدي الله تعالى غدًا، وصحفكم تقرأ عليكم، فمن أوتي كتابه بيمنه فلا يخاف ظلمًا ولا هضمًا، أعاذنا الله وإياكم من الردى، واستعملنا وإياكم بأعمال أهل التقوى، واستغفر الله لي ولكم ولجميع [٧] المسلمين» .
ثم أن عز الدولة أدخل يده في إقطاع سبكتكين، فجمع سبكتكين الأتراك الذين ببغداد، ودعاهم [٨] إلى طاعته فأجابوه، وراسل أبا إسحاق بن معز الدولة يعلمه بالحال [٩] ، ويطمعه أن يعقد له الأمر، فاستشار والدته، فمنعته من ذلك، فصار إليها من ببغداد من الديلم، وصوبوا لها محاربة سبكتكين، فحاربوه فقهرهم [١٠] واستولي على ما كان ببغداد لعز الدولة، وثارت العامة تنصر سبكتكين، وبعث سبكتكين إلى عز الدولة
стр. 4861
يقول له: أن الأمر قد خرج عن يدك، فأخرج لي عن واسط [١] وبغداد ليكونا لي وتكون البصرة والأهواز لك، ولا تفتح [٢] بيننا باب حرب، وكتب عز الدولة إلى عضد الدولة يساعده و [٣] يستنجده، فماطله بذلك، ثم أن الناس صاروا حزبين، فأهل التشيع ينادون بشعار عز الدولة والديلم، وأهل السنة ينادون بشعار سبكتكين والأتراك، واتصلت الحروب، وسُفكت الدماء، وكبست المنازل، وأحرق الكرخ حريقًا ثانيًا.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٢٧١١- الحارث [٤] بن أبي العلاء، سعيد بن حمدان، أبو فراس العدوي الشاعر
[٥] .
كان فيه شجاعة وكرم، وله شعر في نهاية الحسن وقلده/ سيف الدولة منبج [٦] وحران، وأعمالها، فخرج يقاتل [٧] الروم فتكى وقتل وأسر في الأسر سنتين ثم فداه سيف الدولة، وقيل أنه قتل بعد ذلك، [وما بلغ أربعين سنة] [٨] ورثاه سيف الدولة.
أخبرنا ابن ناصر، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ [بْنِ] [٩] الْبُسْرِيِّ، عَنْ أبي عبد الله بْن بطة قال: أنشدني الحسن [١٠] بن سعيد [١١] المقدسي قال: أنشدني محمد بن شجاع الجيلي قال: أنشدني أبو فراس بن حمدان لنفسه:
المرء نصب مصائب لا تنقضي ... حتى يوارى جسمه في رمسه
فمؤجل [١٢] يلقى الردى في غيره [١٣] ... ومعجل يلقى الردى في نفسه
قال: وكان عند أبي فراس أعرابي فقال لَهُ [١٤] : أجز هذا بمثله، فقال:
من يتمن العمر فليدرع [١٥] ... صبرا على فقد أحبائه
ومن يعاجل ير في نفسه [١٦] ... ما يتمناه لأعدائه
стр. 4862
أخذ هذا من قول الحكيم: من طال عمره فقد أحبابه، ومن قصرت حياته كانت مصيبته في نفسه.
ومن قول الآخر: من أحب طول البقاء، فليتخذ [١] للمصائب قلبًا جَلِدًا.
أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، ومحمد بن ناصر قالا: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار قال: أنشدنا القاضي أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ قَالَ: أنشدنا أبو الفرج الببغاء قال: أنشدنا أبو فراس، وكتب بها إلى غلامين له وهو مأسور:
هل تحسان [٢] لي رفيقا رفيقا ... يحفظ الود أو صديقا صديقا
لا رعى الله يا حبيبي دهرا ... فرقتنا صروفه تفريقا
كنت مولاكما وما كنت إلا ... والدًا محسنا وعمًّا شفيقا
بت أبكيكما وإن عجيبًا ... أن يبيت الأسير يبكي الطليقا
فاذكراني وكيف لا تذكراني ... كل ما استخون الصديق الصديقا
ومن شعره المستحسن قوله [٣] :
ولي بك من فرط الصبابة آمر ... ودونك من حسن التصون زاجر/
عفافك عني [٤] إنما عفة التقي ... إذا عف عن لذاته وهو قادر
نفى الهم عني همة عدوية ... وجاش على صرف الحوادث صابر
وأسمر مما ينبت الخط ذابل ... وأبيض مما يصنع الهند باتر
لعمرك ما الأبصار تنفع أهلها ... إذا لم يكن للمبصرين بصائر
وكيف ينال المجد والجسم وادع ... وكيف يحار [٥] المجد والوفر وافر
وله
غنى النفس لمن يعقل ... خير من غني المال
стр. 4863
وفضل الناس في الأنفس ... ليس الفضل في الحال
وله
ما كنت مذ كنت إلا طوع خلاني [١] ... ليست مؤاخذة الإخوان من شاني
إذا خليلِيَ لَمْ تكثر إساءته ... فأين موقع إحساني وغفراني
يَجْنِي الليالي وأستحلي جنايته ... حتى أدل على عفوي وإحساني
يجنى على وأحنو دائما أبدًا ... لا شيء أحسن من حانٍ على جان
وله
مرام الهوى صعب وسهل الهوى وعر ... وأعسر ما حاولته الحب والصبر
أوعدتي بالوعد [٢] والموت دونه ... إذا مت عطشانا فلا نزل القطر
بدوت وأهلي حاضرون لأنني ... أرى [٣] أن دارًا لست من أهلها قفرُ [٤]
وما حاجتي في المال أبغي وفوره ... إذا لم يفر عرض [٥] فلا وفر الوفر
هو الموت فاختر ما علا لك ذكره ... فلم يمت الإنسان ما حسن [٦] الذكر
وقال أصيحابي الفرارُ أو الردى ... فقلت هما أمران أحلاهما مر
/ سيذكرني [٧] قومى إذا جدَّ جدُّها ... وفي اللَّيْلَة [٨] الظلماء يفتقد البدر
ولو سدَّ غيرى ما سددت اكتفوا به ... وما كان يغلو التبر لو نفق الصفرُ
ونحن أناس لا تَوَسُّطَ عندنا ... لنا الصَّدرُ دون العالمين أو القبر
تهون علينا في المعالى نفوسنا ... ومن خطب الحسناء لم يغلها مهر
وقال وقد سمع صوت حمامة وهو مأسور:
أقول وقد ناحت بقربي حمامة ... أيا جارتي ما فاق حالك حالي
стр. 4864
معاذ الهوى ما ذُقْتِ طارقة الهوى ... ولا خطرت منك الهموم ببالي
أيحمل محزونَ الفؤاد قوادم ... إلى غُصُنٍ نائي المسافة عالي
تعالَيْ تَرَيْ روحًا لديَّ ضعيفةً ... تَرَدَّدُ فِي جسم يعذب بالي
أيضحك مأسور وتبكي طليقة ... ويسكت محزون ويندب سالي
لقد كنتُ أَوْلَى مِنْكِ بالدمع مُقْلَةً ... ولكنَّ دمعي في الحوادث غالي
وله أيضا
إن في الأسر لصبا ... دمعه في الخد صب
هو بالروم مقيم ... وله بالشام قلب
وله أيضا
لقد ضل من تحوي هواه خريدة ... وقد ذل من تقضي عليه كعاب
ولكنني والحمد للَّه حازم ... أعز إذا ذُلَّت لهن رقاب
ولا تملك الحسناء قلبيَ كُلَّهُ ... وإن شَمِلَتْهَا رقة وشباب
وأجري فلا أعطي الهوى فضل مِقْوَدِي ... وأهفو ولا يخفى عليَّ صواب
بمن يثق الإنسان فيما ينوبه ... وهيهات [١] للحر الكريم صحاب
وقد صار هذا الناس إلا أقلَّهم ... ذئابا على أجسادهن ثياب
تغابيت عن قومي فظنوا غباوة ... بمفرق أغبانا حصى وتراب
/ ولو عرفوني حق معرفتي بهم [٢] ... إذًا علموا أني شهدت وغابوا
إلى الله أشكو بثنا في منازل ... تَحَكَّمَ في أجسادهن كلاب
فليتك تحلو والحياة مريرة ... وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر ... وبيني وبين العالمين خراب
٢٧١٢- عبد العزيز بن جعفر بن أحمد [٣] بن يزداد بن معروف، أبو بكر الفقيه الحنبلي، المعروف: بغلام الخلال
[٤] .
стр. 4865
ولد سنة اثنتين وثمانين ومائتين، وحدث عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة، وموسى بن هارون، وأبي خليفة الفضل بن الحباب، وجعفر الفريابي، ومحمد بن محمد الباغندي، والبغوي، وابن [١] أبي داود، وابن صاعد في آخرين، وله المصنفات الكثيرة على مذهب أحمد بن حنبل.
أنبأنا أحمد بن الحسين بن أحمد [الفقيه] [٢] عن القاضي أبي يعلى محمد بن الحسين قال: أبو بكر عبد العزيز له المصنفات الحسنة منها «المقنع» [٣] نحو مائة جزء، و «كتاب الشافعيّ» نحو مائتي جزء، و «زاد المسافر» ، وكتاب «الخلاف مع الشافعي» ، وكتاب «القولين» ، و «مختصر الحسبة» وله غير ذلك في التفسير، والأصول، قال القاضي: وبلغني أن عبد العزيز قال في علته: أنا عندكم إلى يوم الجمعة. فقيل له:
يعافيك الله فقال: سمعت أبا بكر الخلال يقول: سمعت أبا بكر المروذي يقول: عاش أحمد بن حنبل ثماني وسبعين سنة ومات يوم الجمعة، ودفن بعد الصلاة [وعاش أبو بكر المروذي ثمان وسبعين سنة، ومات يوم الجمعة ودفن بعد الصلاة] [٤] وأنا عندكم إلى يوم الجمعة ولي ثمان وسبعون سنة، فلما كان يوم الجمعة مات ودفن بعد الصلاة، وذلك لعشر بقين من شوال سنة ثلاث وستين وثلاثمائة. وقال غيره لسبع بقين من شوال ودفن عند دار الفيل بمقبرة باب الأزج.
٢٧١٣- علي بن محمد، أبو الفتح البستي
[٥] .
كان شاعرًا مجيدا، يقصد التطابق والتجانس في شعره، وأبيات قصائده قليلة لأجل التجانس، وقد انتقيت من جميع/ ديوانه أبياتًا مستحسنة فرتبتها على حروف المعجم وهي:
دعني فلن أخلق ديباجتي ... ولست أبدي للورى حاجتي
стр. 4866
منزلتي يحفظها منزلي ... وباجتي تكرم ديباجتي
وله أيضا
يا أيها السائل عن مذهبي ... ليقتدي فيه بمنهاجي
منهاجي العدل وقمع الهوى ... فهل لمنهاجي من هاجي
وله أيضا
إذا رأيت الوداع فاصبر ... ولا يهمنك البعاد
وانتظر العود عن قريب ... فإن قلب الوداع عادوا
وله أيضا
لقاء أكثر من تلقاه أوزار ... فلا تبال أصدوا عنك أو زاروا
لهم لديك إذا جاءوك أوطار ... فان قضوها تنحوا عنك أو طاروا
أخلاقهم فتجنبهن أوعار ... وقربهم مأثم للمرء أو عار
أوضار أخلاقهم يعدي معاشرهم ... فلا يزول فقد ما من رأوا ضاروا
وله أيضا
دعوني وأمري واختياري فإنني ... عليم بما أمري وأخلق من أمري
إذا مر بي يوم ولم اصطنع يدا ... ولم استفد علما فما ذاك من عمري
وله أيضا
كم مذنب قد ضاقني ... فقرنته صفحا وغفرا
كم حاسد صابرته ... فقتلته بالصبر صبرا
وله أيضا
إذا خدمت الملوك فالبس ... من التوقي أعز ملبس
وادخل عليهم وأنت أعمى ... واخرج إذا ما خرجت أخرس
/ وله أيضا
دعوني وسمتي في عفافي فإنني ... جعلت عفافي في حياتي ديدني
وأعظم من قطع اليدين على الفتى ... صنيعة بِرٍّ نالها من يدي دني
وله أيضا
يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته ... لتطلب الربح مما فيه خسران
أقبل على النفس واستكمل فضائلها ... فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان
стр. 4867
وله أيضا
يا ناظر العين قل هو ناظر عيني ... إليك يوما وهل تدنو خطى البين
الله يعلم أني بعد فرقتكم ... كطائر سلخوه من جناحين
ولو قدرت ركبت الريح نحوكم ... فإن بعدي عنكم قد حَنَى حَيْنِي
٢٧١٤- العباس بن الحسين، أبو الفضل الشيرازي
[١] .
وزر لعز الدولة بختيار بن معز الدولة أبي الحسين، وكان ظالمًا، فقبض عليه فقتل فِي حبسه [٢] في ربيع الأول [٣] من هذه السنة، وعمره تسع وخمسون سنة، ودفن بمشهد عليٍّ ﵇.
٢٧١٥- عيسى بن موسى بن أبي محمد. واسمه محمد بن المتوكل على الله، أبو الفضل الهاشمي
[٤] .
ولد سنة ثمانين ومائتين، وسمع محمد بن خلف [٥] بن المرزبان، وأبا بكر بن أبي داود، ولازمه نيفًا وعشرين سنة، روى عنه أبو علي بن شاذان، وكان ثقة، وتوفي في ربيع الآخر [٦] من هذه السنة.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد [٧] القزاز، أخبرنا أحمد بن ثابت [٨] [الخطيب] [٩] قال: قال لي علي بن أحمد بن عيسى المتوكلي [١٠] ، قال لي هلال بن محمد الحفار قال لي جدك عيسى بن موسى: مكثت ثلاثين سنة أشتهي أن أشارك العامة في أكل هريسة السوق فلا أقدر على ذلك، لأجل البكور إلى سماع الحديث.
стр. 4868
ثم دخلت سنة أربع وستين وثلاثمائة
فمن الحوادث فيها:
أنه ورد [الخبر] [١] في المحرم سنة أربع [٢] من المدينة أن أهل العراق، وخراسان، والكوفة، والبصرة بلغوا سميرا فرأوا هلال ذي الحجة على نقصان/ من ذي القعدة، وعرفوا أن لا ماء في الطريق من فيد إلى مكة، إلا صُبَابَةٌ لا يقوم بهم وبجمالهم، فعدلوا إلى بطن نخل يطلبون مدينة الرسول ﷺ ، فوصلوا إليها يوم الجمعة سادس ذي الحجة، فبركت الجمال ولم تنهض، فعرفوا في المسجد، وخرجوا فصلوا صلاة العيد في مصلى النَّبيّ ﷺ ، وكان أمير الحاج أبو منصور محمد بن عمر بن يحيى العلوي، وورد الناس الكوفة في أول المحرم، بعد أن لحقهم جهد شديد، وأقاموا بالكوفة لفساد الطريق، ثم خفروا أنفسهم وأموالهم حتى دخلوا بغداد في آخر الشهر.
وفي يوم الأربعاء لثلاث عشرة [ليلة] [٣] بقيت من المحرم: أوقع العيارون حريقًا بالخشابين من باب الشعير [٤] ، فاحترق أكثر هذا [٥] السوق، وما يليها من سوق الجزارين [٦] ، وأصحاب الحصر، وصف البواري، فهلك شيء كثير من هذه الأسواق
стр. 4869
من الأموال [١] وزاد أمر العيارين في هذه السنة، حتى ركبوا الدواب، وتلقبوا بالقواد، وغلبوا على الأمور، وأخذوا الخفائر عن الأسواق والدروب، وكان في جملة العيارين قائد يعرف: بأسود الزبد، لأنه كان يأوي قنطرة الزبد ويستعظم من حضر وهو عريان لا يتوارى، فلما كثر الفساد رأي هذا الأسود من هو أضعف منه قد أخذ السيف [٢] فطلب سيفًا، ونهب وأغار، اجتمع إليه جماعة، فأخذ [٣] الأموال، واشترى جارية بألف دينار، فلما حصلت عنده حاول منها حاجته فمنعته، فقال: ما تكرهين مني؟ قالت: أكرهك كما أنت فقال: ما تحبين؟ قالت: أن تبيعني. قال: أو أفعل خيرًا من ذلك، فحملها إلى القاضي وأعتقها، ووهب لها ألف دينار، فعجب الناس من سماحة أخلاقه [٤] إذ لم يجازها على كراهيتها له. ثم خرج إلى الشام فهلك بها.
[وقوع الخطبة لأبي تميم معد]
وفي المحرم: ورد الخبر بوقوع الخطبة لأبي تميم معد، الملقب بالمعز، بمكة والمدينة في موسم [سنة] [٥] ثلاث وستين وثلاثمائة، وقطعت خطبة الطائع من يوم الجمعة/ لعشر بقين من جمادى الأولي إلى أن أعيدت في يوم الجمعة لعشر بقين [٦] من رجب، فلم يخطب في هذه المدة لإمام، وذلك لأجل تشعث جرى بينه وبين عضد الدولة، وكان عضد الدولة قد قدم العراق، فأعجبه ملكها، فوضع الجند ليشغبوا على عز الدولة، فشغبوا فأغلق أبوابه، فأمر عضد الدولة الاستظهار عليه، وذلك يوم الجمعة لأربع ليال [٧] بقين من جمادى الآخرة، وكتب عن الطائع للَّه [٨] إلى الآفاق باستقرار الأمر لعضد الدولة، وخلع عضد الدولة على محمد بن بقية وزير عز الدولة، ثم اضطربت الأمور على عضد الدولة، ولم يبق في يده غير بغداد، فنفذ عضد الدولة إلى
стр. 4870
ركن الدولة يعلمه أنه قد خاطر بنفسه وجنده، وأنه [١] [قد] هذب مملكة العراق، واستقاد الطائع للَّه إلى داره، وأن عز الدولة بختيار [٢] عاص لا يقيم دولة، وأنه إن خرج من العراق لم يبعد اضطراب الممالك، [ويسأله المدد] [٣] فلما بلغه هذه الرسالة غضب فقال للرسول: قل له أنت [٤] خرجت في نصرة ابن أخي أو في الطمع في مملكته، فأفرج [٥] عضد الدولة عن بختيار، وخرج عضد الدولة عَنْ بختيار [٦] إلى فارس، وعاد [٧] جيش بختيار إليه.
وفي يوم الخميس لعشر خلون من ذي القعدة: تزوج الطائع للَّه شاه زنان [٨] بنت عز الدولة على صداق مائة ألف دينار، وخطب خطبة النكاح بحضرتهما [٩] أبو بكر محمد بن عبد الرحمن بن قريعة القاضي.
وفي رجب: زادت الأسعار، وعدمت الأقوات، وبيع الكر من الدقيق الحواري بمائة ونيف وسبعين دينارا، والعشرة الأمناء من السكر بنيف [١٠] وأربعين درهمًا، والتمر ثلاثة أرطال بدرهم، وضاقت العلوفة، فبيع الحمل من التبن بعشرة دراهم، وأخرج السلطان كراعه إلى السواد.
وفي هذه السنة: اضطرب أمر الحاج، لم يندب لهم أحد/ من جهة السلطان، وخرجت طائفة من الخراسانية على وجه التغرير [١١] والمخاطرة، فلحقهم شدة، وتأخر