عظيمة، وهرب سابور فيمن بقي من جنده، واحتوى لليانوس عَلَى مدينة سابور [١] ، وظفر ببيوت أمواله، وكتب سابور إِلَى من بالآفاق من جنوده يعلمهم بما لقي، ويأمرهم أن يقدموا عَلَيْهِ، فاجتمعت إليه الجيوش، فانصرف فحارب لليانوس، فاستنقذ [٢] منهم محلته وكان لليانوس يوما جالسا فأصابه سهم غرب [٣] فقتله، فتحير جنوده وسألوا يوسانوس أن يتملك عليهم فأبى وَقَالَ: أنا عَلَى ملة النصرانية، والرؤساء يخالفون في الملّة. فأخبرته الروم أنهم عَلَى ملته، وإنما كانوا يكتمون ذلك لمخافة لليانوس، فملكوه عليهم، وأظهروا النصرانية.
فلما علم سابور بهلاك لليانوس أرسل إِلَى قواد جنود الروم أن [٤] سرّحوا [٥] إلينا رئيسا منكم، فأتاه يوسانوس فِي ثمانين رجلا، فتلقاه وعانقه شكرا لما كان منه فِي أمره، وأرسل سابور إِلَى قواد جند الروم:
إنكم لو ملكتم غير يوسانوس لجرى هلاككم، وإنما تمليكه سبب نجاتكم.
وقوي أمر يوسانوس، ثم قَالَ: إن الروم قتلوا بشرا كثيرا من بلادنا، وخربوا عمرانها، فإما أن يدفعوا إلينا قيمة ما أفسدوا، وإما أن يعوضونا من ذلك نصيبين من بلاد فارس. وإنما غلب عليها الروم، فدفعوا إليه نصيبين، فبلغ أهلها فخرجوا عنها لعلمهم مخالفة سابور لدينهم، فنقل سابور اثني عشر ألف بيت من أهل إصطخر وأصبهان وغيرها إِلَى نصيبين، وانصرف يوسانوس إِلَى مملكة الروم، فبقي زمنا يسيرا ثم هلك.
وإن سابور ضري بقتل العرب، ونزع أكتاف رؤسائهم، وكان ذلك سبب تسميتهم إياه: ذا الأكتاف.
وذكر بعض العلماء بالأخبار [٦] أن سابور لما أثخن في العرب/ وأجلاهم عن
стр. 492
نواحي فارس والبحرين واليمامة ذهب إِلَى الشام والروم، وأعلم أصحابه أنه عزم [١] عَلَى دخول الروم ليبحث عَنْ أسرارهم، فدخل وبلغه أن قيصر أولم وجمع الناس، فانطلق سابور عَلَى هيئة [٢] السؤال، حَتَّى شهد ذلك الجمع لينظر إِلَى قيصر، ففطن له وأخذ، وأمر به قيصر فأدرج فِي جلد ثور، ثم سار بجنوده إِلَى أرض فارس، ومعه سابور عَلَى تلك الحالة، فأكثر من القتل وخراب القرى حتى انتهى إلى مدينة جنديسابور، وقد تحصن أهلها، فنصب المجانيق [٣] ، وهدم بعضها، فبينما هم كذلك ذات يوم إذ غفل الروم الموكلون بحراسة سابور، وكان بقربه قوم من سبي الأهواز، فأمرهم أن يلقوا عَلَى القد الذي كان عَلَيْهِ زيتا، ففعلوا فلان الجلد، فانسل منه، فلم يزل يدب حَتَّى دنا من باب المدينة، وأخبر حراسها باسمه، فلما دخلها ارتفعت أصوات أهلها بالحمد، فانتبه أصحاب قيصر بأصواتهم، وجمع سابور من كان فِي المدينة وعبأهم، [وخرج] [٤] إِلَى الروم سحرا، فقتلهم وخرج وأخذ قيصر أسيرا [٥] ، وغنم أمواله ونساءه، وأثقله بالحديد، وأخذه بعمارة ما أخرب، ثم قطع عقبه، وبعث به إِلَى الروم عَلَى حمار.
ثم أقام سابور حينا، ثم غزا الروم، فقتل وسبى، ثم استصلح العرب، وأسكن بعضهم للأهواز وكرمان وبقي فِي مملكته اثنتين وسبعين سنة.
فصل
[٦] وَفِي زمن سابور ظهر ماني الزنديق.
قَالَ يحيى بْن بشر بْن عمير النهاوندي: كان ماني أسقفا من أساقفة النصارى، كبيرا فيهم، محمود السيرة عندهم، وكان فِي أيام سابور ذي الأكتاف [ملك فارس] [٧]
стр. 493
فزنى، فسقطت مرتبته فِي النصرانية، وكان مطارنة زمانه يحسدونه، فلما ظهر منه ما ظهر وجدوا السبيل/ إِلَى ما أرادوا فيه فأسقطوا مرتبته، وكان عالما فيهم بالديانات المتقدمة، عارفا باختلاف الناس فيها، فلما رأى حاله وما آل إليه أمره أخذ فِي الرد عَلَى أصحابه وَقَالَ: إني لم أزن [١] ، ولكن أهل الدير حسدوني وأنكروا مخالفتي فِي أهل دينهم، إذ كانوا يقرون بالمسيح اللاهوتي ويأخذون شرائعهم عَنِ ابْنِ مريم رسول الشيطان [٢] . ثم وضع كتبا- إذ كانوا يقرون بالمسيح اللاهوتي [٣]- فابتدأ بالطعن عَلَى أصحاب الشرائع، ومال إِلَى شريعة المجوس القائلين بالهين [٤] الذين اعتقدوا أن إِبْرَاهِيم وموسى وعيسى كانوا رسل الظلماني، فبني ماني عَلَى أصلهم، وشيد مقالتهم، وَقَالُوا: إنا نرى الأشياء متضادة، والحيوان معادنا [٥] ، فلو كانت هَذِهِ الأشياء من فعال حكيم لم تتضاد، فلا بد أن يكون من اثنين متضادين ليس إلا النور والظلمة.
وشرع لأصحابه شرائع بواقعاته الباردة، وعمل لسابور كتابا سماه ب «الشابرمان» [٦] شرح فيه مذهبه، فهم سابور بالميل إليه فشق ذلك عَلَى المؤايدة، فقالوا لسابور: إنه يقول إنك شيطان، وإذا شئت فسله عَنْ يدك هَذِهِ من خلق؟ فسأله فَقَالَ: من خلق الشيطان، فشق ذلك عَلَى سابور فَقَالَ: أصلبوه. فصلب فقام عَلَى خشبته فَقَالَ مسبحا مهللا: أنت أيها المعبود النوراني، بلغت ما أمرتني به، وهاك عادتهم فِي، وأنت الحليم، وها أنا مار إليك، وما أذنبت صامتا [ولا] [٧] ناطقا، فتباركت أنت وعالموك النورانينون الأزليون، فكان هَذَا آخر قوله وظهر بعده تلميذ له يقال له: كشطا، فقوى مذهبه.
стр. 494
فصل
[١] وهلك [٢] في عهد سابور عامله على ضاحية [٣] مضر [و] ربيعة امرؤ القيس بْن عمرو بْن عدي بْن ربيعة بْن نصر، فاستعمل عَلَى عمله ابنه عمرو بْن امرئ القيس [٤] .
[فصل] [٥]
[فلما هلك سابور] [٦] أوصى بالملك [بعده] [٧] لأخيه أردشير بْن هرمز بْن نرسي بْن بهرام بْن هرمز بْن سابور بْن أردشير بْن بابك [٨] ، فلما استقر له الملك عطف عَلَى العظماء [٩] وذوي الرئاسة، فقتل منهم خلقا كثيرا، فخلعه الناس بعد أربع سنين من ملكه.
ثم ملك سابور بْن سابور ذي الأكتاف، فاستبشرت الرعية برجوع ملك أبيه إليه، واستعمل الرفق، وأمر به، وخضع له عمه أردشير المخلوع.
[وهلك فِي أيامه عمرو بْن امرئ القيس الذي ولي لسابور ضاحية مضر وربيعة، فولى سابور مكانه أوس بْن قلام، وهو من العماليق] [١٠] .
وأن العظماء وأهل البيوتات قطعوا أطناب فسطاط كان ضرب على سابور، فسقط الفسطاط عليه فقتله، وكان ملكه خمس سنين [١١] .
стр. 495
فصل
[١] ثم ملك بعده أخوه بهرام بْن سابور ذي الأكتاف، وكان يلقب بكرمان شاه، وذلك أن أباه سابور ولاه فِي حياته كرمان، فكتب إِلَى قواده كتابا يحثهم عَلَى الطاعة، وبنى بكرمان مدينة، وكان حسن السياسة [٢] ، وَفِي زمانه هلك أوس بْن قلام المتولي عَلَى العرب، وكانت ولاية أوس خمس سنين- ويقال اسمه: ياوس وهو الأصح- فاستخلف بعده امرؤ القيس بْن عمرو بْن امرئ القيس بْن عمرو بْن عدي.
وكان ملك بهرام هَذَا إحدى عشرة سنة، ثم ثار إليه بعض الفتاك فرماه بنشابة فقتله [٣]
. فصل
[٤] ثم قام بالملك بعده يزدجرد الملقب بالأثيم، فبعضهم يقول: هو ابن المقتول قبله، وبعضهم يَقُولُ: هو أخوه، وكان فظا غليظا مستطيلا على الناس، سيّئ الخلق، يعاقب بما لا يطاق، ويسفك الدماء، فلذلك سمي الأثيم [٥] ، لأن ملوك فارس كانوا يستعملون العدل، فأظهر هو الظلم، فجار الناس إِلَى اللَّه تعالى من ظلمه، وابتهلوا إليه يسألون تعجيل الانتقام منه. فبينا هو بجرجان إذ أقبل فرس عائر [٦] لم ير مثله فِي الخيل، فوقف عَلَى بابه، فتعجب الناس منه، وأخبر يزدجرد خبره، فأمر به أن يسرج ويلجم، ويدخل عَلَيْهِ، فحاول الناس إلجامه وإسراجه، فلم يمكنه، فأنهي إليه ذلك، فخرج فألجمه بيده وأسرجه، فلم يتحرك/ الفرس، حَتَّى إذا رفع ذنبه ليثفره [٧] رمحه عَلَى فؤاده رمحة [٨] فهلك منها، وملأ الفرس فروجه جريا فلم يدرك، فقالت الرعية: هَذَا من رأفة اللَّه تعالى بنا، وكان ملكه اثنتين وعشرين سنة، وخمسة أشهر، وستة عشر يوما.
وقيل: إحدى وعشرين سنة، وخمسة أشهر، وثمانية عشر يوما.
стр. 496
[فصل] [١]
وَفِي زمان يزدجرد هَذَا هلك امرؤ القيس بْن عمرو بْن امرئ القيس، واستخلف مكانه ابنه النعمان بْن امرئ القيس بْن عمرو بْن عدي، وهو صاحب الخورنق.
وكان سبب بناء الخورنق [٢] : أن يزدجرد الأثيم كان لا يبقى له ولد [فولد له بهرام] [٣] فسأل عن منزل صحيح من الأدواء والأسقام. فدلّ على ظهر [٤] الحيرة. فدفع ابنه بهرام جور إِلَى النعمان هَذَا، وأمره ببناء الخورنق مسكنا له، وأنزله إياه، فبعث إِلَى الروم فأتي منها برجل مشهور بعمل الحصون والقصور للملوك يقال له: سنمار، فكان يبني مدة يغيب [٥]- يقصد بذَلِكَ أن يطمأن إلينا، فبناه فِي سنتين، فلما فرغ من بنائه صعد النعمان عَلَيْهِ ومعه وزيره وسنمار فرأى البر والبحر، وصيد الظبيان والظباء والحمير، ورأى صيد الحيتان والطير، وسمع غناء الملاحين وأصوات الحدأة، فعجب بذلك إعجابا شديدا، وكان البحر حينئذ يضرب إِلَى النجف، فَقَالَ له سنمار متقربا إليه بالحذق وحسن الصنعة: إني لأعرف من هذا البناء موضع حجر لو زال لزال جميع البنيان. فَقَالَ: لا جرم لا رغبة، ولا يعلم مكان ذلك الحجر أحد. ثم أمر به فرمي من أعلى البنيان فتقطع [٦] .
وقيل: إنهم لما تعجبوا من حسنه وإتقان عمله قَالَ سنمار-[وكان قد جاءوا به من الروم لبنائه] [٧] : لو علمت أنكم توفونني أجرتي وتصنعون لي ما أنا أهله بنيته بناء يدور مع الشمس حيثما دارت، فَقَالَ [٨] : وإنك لتقدر عَلَى أن تبني ما هو أفضل منه ثم لم تبنه! ثم أمر بِهِ فطرح من رأس الخورنق [فمات] [٩] فكانت العرب تضرب بذلك مثلا [١٠] فتقول: [وكان] جزاء سنمار» .
قَالَ سليط بن سعد/ [١١] :
стр. 497
جزى بنوه أبا الغيلان عَنْ كبر ... وحسن فعل كما يجزى سنمار
وَقَالَ آخر:
جزاني جزاه اللَّه شر جزائه ... جزاء سنمار وما كان ذا ذنب
[١] وكان النعمان هَذَا قد غزا الشام مرارا، وسبى وغنم، وكان أشد الملوك نكاية فِي عدوه، وكان ملك فارس قد جعل معه كتيبتين يقال لإحداهما: دوسر وهي لتنوخ، والأخرى: الشهباء وهي لفارس [٢] فكان يغزو بهما بلاد الشام، ومن [٣] لم يدن له من العرب.
وإنه جلس يوما فِي مجلسه من الخورنق، فأشرف منه عَلَى النجف وما يليه من البساتين والنخيل والأنهار مما يلي المغرب، وعلى الفرات مما يلي المشرق [٤] فِي يوم من أيام الربيع، فأعجب بما رأى من الخضرة والأنهار فَقَالَ لوزيره: هل رأيت مثل هَذَا المنظر قط! فَقَالَ: لا، لو كان يدوم!؟. قَالَ: فما الذي يدوم؟ قَالَ: ما عند اللَّه فِي الآخرة. قَالَ: فبم ينال ذَلِكَ؟ قَالَ: بترك الدنيا وعبادة اللَّه. فترك ملكه من ليلته، ولبس المسوح، وخرج مستخفيا هاربا لا يعلم به أحد، وأصبح الناس لا يعلمون بحاله.
وَفِي ذلك يقول عدي بْن زيد [٥] :
وتبين رب الخورنق إذ ... أصبح يوما وللهدى تفكير
سره حاله وكثرة ما يلقاه ... والبحر معرض والسدير
فارعوى قلبه فَقَالَ وما ... غبطة حي إِلَى الممات يصير
[٦] وكان ملك النعمان إِلَى أن تركه وساح فِي الأرض تسعا وعشرين سنة وأربعة
стр. 498
أشهر، من ذلك في زمن يزدجرد خمس عشرة سنة، وَفِي زمن بهرام جور بْن يزدجرد أربع عشرة سنة [١] .
فصل
قَالَ مؤلف الكتاب [٢] : وبهرام جور هَذَا ملك [٣] بعد أبيه يزدجرد، ويقال له:
بهرام جور بْن يزدجرد الخشن [٤] / بْن بهرام كرمان شاه بْن سابور ذي الأكتاف.
ولما ولد بهرام هَذَا أمر أبوه المنجمين أن ينظروا فِي النجوم ليعلموا ما يؤول إليه أمره، فنظروا، فأمروا أن تجعل تربيته وحضانته إِلَى العرب، [فدعا بالمنذر بْن النعمان، فاستحضنه بهرام وشرفه وملكه عَلَى العرب] [٥] ، وأمر له بصلة وكسوة، وأمره أن يسير بهرام إِلَى بلاد العرب، فسار به المنذر إِلَى محلته، واختار لإرضاعه [٦] ثلاث نسوة ذوات أجسام ضخام، وأذهان ذكية، وآداب رضية، من بنات الأشراف، منهن امرأتان من بنات العجم [٧] ، وأمر لهن بما يصلحهن، فتداولن إرضاعه [٨] ثلاث سنين، وفطم فِي السنة الرابعة، حَتَّى إذا أتت عَلَيْهِ خمس سنين قَالَ للمنذر: أحضرني مؤدبين ذوي علم ليعلموني الكتابة والرمي والفقه. فَقَالَ له المنذر: إنك بعد صغير السن، ولم يأن لك.
فَقَالَ: أنا لعمري صغير، ولكن عقلي عقل محتنك، وأولى ما كلف به الملوك صالح العلم، فعجل علي بما سألتك من المؤدبين.
فوجه المنذر ساعة سمع هَذَا إِلَى باب الملك من أتاه برهط من فقهاء الفرس، ومعلّمي الرّمي والكتابة، وجمع له حكماء ومحدثين من العرب، فألزمهم بهرام، ووقّت
стр. 499
لكل منهم وقتا يأتيه فيه، فتفرغ لهم [١] بهرام، فبلغ اثنتي عشرة سنة، وقد استفاد كل ما أفيد وحفظه وفاق [معلميه] [٢] حَتَّى اعترفوا له بفضله عليهم، فأثاب بهرام المنذر ومعلميه [٣] ، وأمرهم بالانصراف عنه، وأمر معلمي الرمي والفروسية بالإقامة عنده، ليأخذ عنهم ما ينبغي له إحكامه، وأمر بهرام النعمان أن يحضروا خيولهم فأحضروها وأخّروها فسبق فرس [٤] أشقر للمنذر تلك الخيل [٥] جميعا، فقرّبه المنذر إِلَى بهرام، وَقَالَ: يبارك اللَّه لك فيه. فأمر بقبضة، وركبه يوما إِلَى الصيد، فبصر بنعانة [٦] ، فرمى وقصد نحوها، فإذا بأسد [قد شد] [٧] على عير كان فيها، فتناول ظهره، فرماه بهرام رمية نفذت من بطنه وبطن العير [٨] وسرته حَتَّى أفضت إِلَى الأرض/، فأمر بهرام فصور ما جرى له مع الأسد والعير فِي بعض مجالسه.
ثم رحل إِلَى أبيه، وكان أبوه لا يحفل بولد، فاتخذ بهرام للخدمة، فلقي [بهرام] [٩] من ذلك عناء.
ثم إن يزدجرد وفد عَلَيْهِ أخ لقيصر، يقال له: ثياذوس، فِي طلب الصلح والهدنة، فسأله بهرام أن يسأل يزدجرد أباه أن يأذن له فِي الانصراف إِلَى المنذر، فأذن له [١٠] ، فانصرف إِلَى بلاد العرب، وأقبل عَلَى النعم واللذة [١١] والتلذذ، فهلك يزدجرد وبهرام غائب، فتعاقد ناس من العظماء وأرباب البيوتات ألا [١٢] يملكوا أحدا من ذرية يزدجرد لسوء سيرته، وقالوا: إن يزدجرد لم يخلف ولدا يحتمل الملك غير بهرام، ولم يل بهرام ولاية قط يبلى [١٣] بها خبره، ويعرف بها [حاله] [١٤] ، ولم يتأدب بأدب العجم، وإنما أدبه
стр. 500
أدب العرب، وخلقه كخلقهم لنشأته بينهم، واجتمعت كلمتهم وكلمة العامة عَلَى صرف الملك عَنْ بهرام إِلَى رجل من عترة أردشير بْن بابك يقال له: كسرى، فلم يعتموا حَتَّى ملكوه [١] ، فانتهى إِلَى بهرام هلاك أبيه يزدجرد وتمليكهم كسرى وهو ببادية العرب فدعا بالمنذر والنعمان ابنه وناس من علية [٢] العرب، وَقَالَ لهم: لا أحسبكم تجحدون خصيصي والدي، [كان] [٣] أتاكم معشر العرب بإحسانه وإنعامه مع فظاظته [٤] وشدته عَلَى الفرس، وأخبرهم بالذي أتاه من نعي أبيه، وتمليك الفرس من ملكوا.
فَقَالَ المنذر: لا يهولنك ذلك حَتَّى ألطف الحيلة فيه. وإن المنذر جهز عشرة آلاف رجل من فرسان العرب، ووجههم مع ابنه إِلَى مدينتين للملك، وأمره أن يعسكر قريبا منهما، ويدمن إرسال طلائعه [٥] إليهما، فإن تحرك أحد لقتاله قاتله وأغار عَلَى ما والاهما، وأسر وسبى، ونهى عَنْ سفك دم.
فسار النعمان حَتَّى نزل قريبا من المدينتين، ووجه طلائعه إليهما، واستعظم قتال الفرس، وإن من بالباب [٦] من العظماء وأهل البيوتات أرسلوا جواني صاحب رسائل يزدجرد إِلَى المنذر، وكتبوا إليه يعلمونه أمر النعمان، فلما ورد جواني عَلَى المنذر وقرأ الكتاب الَّذِي كتب إليه، قَالَ له: الق الملك بهرام، ووجه معه من يوصله إليه. فدخل جواني على بهرام فراعه ما رأى من وسامته وبهائه، وأغفل السجود دهشا، فعرف بهرام أنه إنما ترك السجود لما راعه من روائه، فكلمه بهرام، ووعده من نفسه أحسن الوعد، ورده إِلَى المنذر، وأرسل إليه أن يجيب فِي الذي كتب، فَقَالَ المنذر لجواني: قد تدبرت الكتاب الذي أتيتني بِهِ، وإنما وجه النعمان إِلَى ناحيتكم الملك بهرام حيث ملكه اللَّه بعد أبيه، وخوله إياكم.
فلما سمع جواني مقالة المنذر، وتذكر ما عاين من رواء بهرام وهيبته عند نفسه، وأنّ جميع من شاور فِي صرف الملك عَنْ بهرام مخصوم محجوج، قَالَ للمنذر: إني لست محيرا جوابا، ولكن سر إن رأيت إِلَى محلة الملوك فيجتمع إليك من بها من
стр. 501
العظماء وأهل البيوتات، وتشاوروا فِي ذلك. وأت فيه ما يجمل، فإنهم لن يخالفوك فِي شَيْء مِمَّا تشير به.
فرد المنذر جواني إِلَى من أرسله إليه، واستعد وسار بعد فصول جواني من عنده بيوم ببهرام فِي ثلاثين ألف رجل من فرسان العرب وذوي البأس والنجدة منهم إِلَى مدينتي الملك، حَتَّى إذا وردهما، أمر فجمع الناس، وجلس بهرام عَلَى منبر من ذهب مكلل بجوهر، وجلس المنذر عَنْ يمينه، وتكلم عظماء الفرس وأهل البيوتات، وفرشوا للمنذر بكلامهم فظاظة يزدجرد أبي بهرام كانت، وسوء سيرته، وأنه أخرب بسوء رأيه الأرض، وأكثر القتل ظلما، حَتَّى قتل الناس فِي البلاد التي كان يملكها، وأمورا غير ذلك فظيعة. وذكروا أنهم تعاقدوا وتواثقوا عَلَى صرف الملك عَنْ ولد يزدجرد لذلك، وسألوا المنذر ألا يجبرهم فِي أمر الملك عَلَى ما يكرهونه.
فوعى المنذر ما بثوا من ذلك، وَقَالَ لبهرام: أنت أولى بإجابة القوم مني. فَقَالَ بهرام [١] : وأنا كنت/ أكره فعله، وأرجو أن أملك مكانه فأصلح ما أفسد، فإن أتت لملكي سنة ولم أف لكم تبرأت من الملك طائعا، وقد أشهدت اللَّه بذلك علي وملائكته موبذان موبذ، وأنا مع هذا قد رضيت بتمليككم من يتناول التاج والزينة من بين أسدين ضاريين فهو الملك.
فأجابوا إِلَى ذلك وَقَالُوا: يترك التاج والزينة بين أسدين، وتنازع أنت وكسرى، فأيكما يتناولهما من بينهما سلمنا له الملك.
فرضي بهرام بمقالتهم، فأتى بالتاج والزينة موبذان موبذ، الموكل كان يعقد التّاج على رأس كلّ ملك فوضعهما فِي ناحية، وجاءوا بأسدين ضاريين مشبلين [٢] ، فوقف أحدهما عَلَى جانب الموضع الذي وضع فيه التاج والزينة، والآخر بحذائه، فأرخى وثاقهما، ثم قَالَ [بهرام لكسرى [٣] : دونك التاج والزينة. فقال] [٤] كسرى: أنت أولى
стр. 502
بتناولهما مني، لأنك تطلب الملك بوراثة، وأنا فيه مغتصب. فلم يكره بهرام قوله بثقته وبطشه، وتوجه نحو التاج والزينة، فَقَالَ موبذان موبذ: هَذَا عَنْ غير رأي أحد، ونحن برآء إِلَى اللَّه من إتلافك نفسك. فَقَالَ: أنتم من ذلك برآء. ومشى نحوهما فبدر إليه أحدهما، فوثب وثبة فعلا ظهره، وعصر جنبيه بفخذيه عصرا أثخنه، وجعل يضرب رأسه بشَيْء فِي يده، ثم شد الأسد الآخر عَلَيْهِ فقبض عَلَى أذنيه، وعركهما بكلتا يديه، ولم يزل يضرب رأسه برأس الأسد الذي كان راكبه حَتَّى دمغهما وتناول التاج والزينة، فأذعن الكل له، وَقَالُوا: رضينا بِهِ ملكا. وكان ابن عشرين سنة.
ثم جلس للناس بعد ذلك سبعة أيام متوالية [١] يعدهم بالخير، ويأمرهم بتقوى اللَّه وبطاعته.
ثم صار يؤثر اللهو، فكثرت ملامة رعيته له، وطمع من حوله من الملوك فِي استباحة بلاده [٢] ، وكان أول من سبق بالمكاثرة [٣] له: خاقان ملك الترك، فإنه غزاه فِي مائتين [٤] وخمسين ألف [٥] من الترك، فلما بلغ الفرس إقبال خاقان هالهم ذلك، فدخل عَلَى بهرام جماعة من الرؤساء فقالوا: / إن فيما قد أزف ما يشغل عَنِ اللهو، فلم يقبل عليهم ولم يترك اللهو.
وإنه تجهز فسار [٦] إِلَى أذربيجان لينسك [٧] فِي بيت نارها، ويتوجّه منها إلى أرمينية ويطلب الصيد فِي آجامها [٨] ويلهو فِي سبعة [٩] رهط من العظماء وأهل البيوتات وثلاثمائة رجل من رابطته [١٠] من [١١] ذوي بأس ونجدة، واستخلف أخا له يسمى:
نرسي عَلَى ما كان يدبر من أمر [١٢] ملكه، فلم يشك الناس حين بلغهم مسير بهرام فيمن
стр. 503
سار، واستخلافه أخاه أن ذلك هرب من عدوه، واستلام لملكه [١] ، وتآمروا فِي إنفاذ وفد إِلَى خاقان والإقرار له بالخراج، مخافة أن يستبيح [٢] بلادهم، ويصطلم مُقَاتِلتهم [٣] ، فبلغ ذلك خاقان، فآمن ناحيتهم، فأتى بهرام عين كان وجهه ليأتيه بخبر خاقان، فأخبره بأمر خاقان وعزمه، فسار إليه بهرام فِي العدة الذين كانوا معه، فبيته [٤] ، وقتل خاقان بيده، وأفشى القتل فِي جنده، وانهزم [٥] من كان سلم منهم [٦] متوجها إِلَى بلاده، وخلفوا عسكرهم وذراريهم [٧] ، فأمعن بهرام فِي طلبهم يقتلهم ويحوي ما غنم منهم ويسبي ذراريهم [٨] ، وانصرف وجنده [٩] سالمين. وظفر [١٠] بهرام بتاج خاقان وإكليله، وغلب عَلَى بلاده من بلاد [١١] الترك، واستعمل عَلَى ما غلب عَلَيْهِ مرزبانا حباه [١٢] بسرير من فضة، وأتاه أناس [١٣] من أهل البلاد المتاخمة لما غلب عَلَيْهِ من بلاد الترك خاضعين له بالطاعة، وسألوه أن يعلمهم حد ما بينه وبينهم فلا يتعدوه، فحد لهم حدّا، فبنى [١٤] لهم منارة، ووجه قائدا من قواده إِلَى [١٥] ما وراء النهر منهم، فقاتلهم حَتَّى أقروا لبهرام بالعبودية وأداء الجزية.
وأن بهرام انصرف إِلَى أذربيجان، راجعا إِلَى محلته، وأمر بما كان فِي إكليل خاقان من ياقوت أحمر وسائر الجواهر فعلق عَلَى بيت نار أذربيجان، ثم سار وورد مدينة طيسبون [١٦] ، / فنزل دار المملكة بها، ثم كتب إِلَى جنده وعماله بقتله خاقان، وما كان من أمره. ثم ولى أخاه نرسي خراسان، وأمره أن ينزل بلخ [١٧] .
وذكر أن بهرام [١٨] . لما انصرف من غزوه الترك، خطب أهل [١٩] مملكته أياما
стр. 504
متوالية، فحثهم عَلَى لزوم الطاعة، وأعلمهم [أن] [١] بنيته التوسعة عليهم، وإيصال الخير إليهم، وأنهم إن زالوا عَنِ الاستقامة نالهم من غلظته أكثر مما كان نالهم من أبيه، وأن أباه كان افتتح أمرهم باللين والمعدلة [٢] ، فجحدوا ذلك [أو من جحده منهم] [٣] فأصاره [٤] ذلك إِلَى الغلظة، ثم رفع عَنِ الناس الخراج ثلاث سنين شكرا لما لقي من النصر عَلَى الأعداء، وقسم فِي الفقراء والمساكين مالا عظيما، وَفِي أهل [٥] البيوتات وأصحاب [٦] الأحساب عشرين ألف [ألف] [٧] درهم.
وقد كان بهرام حين أفضى له الملك أمر أن يرفع عَنْ أهل الخراج البقايا التي بقيت عليهم من الخراج، فأعلم أن ذلك سبعون ألف ألف درهم، فأمر بتركها وترك ثلث خراج [٨] السنة التي ولي فيها [٩] .
ودخل بهرام أرض الهند [متنكرا] [١٠] فمكث فيها حينا، فبلغه أن فِي ناحية من أرضهم فيلا قد قطع السبل [١١] ، وقتل [١٢] ناسا كثيرا، فسأل عَنْ مكانه فدل عَلَيْهِ. ليقتله، فانتهى [١٣] ذلك إِلَى ملكهم، فدعا به، وأرسل معه رسولا يخبره بخبره، فلما انتهى بهرام والرسول إِلَى الأجمة التي فيها الفيل، رقي الرسول إِلَى شجرة لينظر إِلَى صنيع بهرام بالفيل [١٤] ، [فصاح بهرام بالفيل] [١٥] فخرج مزبدا، فرماه رمية وقعت بين عينيه، ووقذه
стр. 505
بالنشاب، ثم وثب عَلَيْهِ فأخذ بمشفره، فاجتذبه جذبة حَتَّى جثا [١] الفيل، ثم احتز [٢] رأسه وذهب بِهِ. فأخبر الرسول الملك [٣] بما جرى، فحباه مالا عظيما، وسأل عَنْ أمره فَقَالَ بهرام: أنا رجل من عظماء الفرس، سخط علي ملك فارس فهربت منه إِلَى جوارك [٤] .
ثم إن عدوا لذلك الملك خرج عَلَيْهِ، فعزم الملك عَلَى الخضوع [له] [٥] ، فنهاه بهرام، وخرج فقاتله، فانصرف محبورا [٦] ، فأنكحه الملك ابنته، ونحله الديبل ومكران وما يليها من أرض السند، وأشهد له شهودا بذلك [٧] ، فأمر بتلك البلاد/ فضمت إِلَى أرض [٨] العجم، فانصرف بهرام مسرورا [٩] .
ومضى بهرام إِلَى بلاد السودان من ناحية اليمن، فأوقع [١٠] بهم، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وسبى منهم خلقا، ثم انصرف إِلَى مملكته [١١] .
فصل
[١٢] وكان لبهرام ولد قد رسمه للأمر بعده، فرآه ناقص الهمة، فوكل من يؤدبه.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن ناصر قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو القاسم التنوخي قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عبد الرحيم المازني قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو علي الحسين بْن القاسم الكوكبي قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْن مُحَمَّد أَبُو ناظرة السدوسي قال: حدّثني
стр. 506
قبيصة بْن مُحَمَّد المهلبي قَالَ: أخبرني اليمان بْن عمرو- مولى ذي الرئاستين- قَالَ [١] :
كان ذو الرئاستين يبعثني ويبعث [٢] أحداثا من أحداثه [٣] إِلَى شيخ بخراسان له أدب وحسن معرفة بالأمور، ويقول لنا: تعلموا منه الحكمة، فإنه حكيم، فكنا نأتيه، فإذا انصرفنا من عنده سألنا ذو الرئاستين، فاعترض [٤] ما حفظناه فنخبره به [٥] ، فصرنا ذات يوم إِلَى الشيخ فَقَالَ لنا: أنتم أدباء، وقد سمعتم الحكمة، ولكم جدات ونعم، فهل فيكم [٦] عاشق؟ فقلنا: لا. فَقَالَ: اعشقوا فإن العشق مطلق اللسان العي، ويفتح حيلة البليد والمختل [٧] ، ويبعث عَلَى التنظف وتحسين الثياب، وتطييب المطعم، ويدعو إِلَى الحركة والذكاء وشرف الهمة، وإياكم والحرام.
فانصرفنا من عنده إِلَى ذي الرئاستين، فسألنا عما أفدنا يومنا ذلك [٨] ، فهبنا أن نخبره، فعزم علينا، فقلنا له إنه أمرنا بكذا وكذا، وَقَالَ لنا كذا وكذا. قَالَ: صدق والله، تعلمون من أين أخذ هَذَا؟ قلنا: لا. قَالَ ذو الرئاستين: إن بهرام جور كان له ابن، وكان قد رسمه للأمر بعده، فنشأ الفتى ناقص الهمة، ساقط المروءة، خامل النفس، سيئ الأدب، فغمه ذلك، فوكل [٩] به المؤدبين والحكماء ومن يلازمه ويعلمه، وكان يسألهم عنه فيحكون [١٠] ما يغمه من سوء فهمه وقلة أدبه، إِلَى أن سأل بعض مؤدبيه يوما فَقَالَ له المؤدب: قد/ كنا نخاف سوء أدبه فحدث من أمره ما صرنا إِلَى اليأس من صلاحه.
стр. 507
قَالَ: وما ذاك الذي قد حدث؟ قَالَ: رأى ابنة فلان المرزبان فعشقها حَتَّى غلبت عَلَيْهِ، وهو لا يهذي إلا بها، ولا يتشاغل إلا بذكرها فَقَالَ بهرام: الآن رجوت فلانة، ثم دعا بأبي الجارية فَقَالَ: إني مسر إليك سرا فلا يعدونك، فضمن له سره [١] فأعلمه أن ابنه قد عشق ابنته، وأنه يريد أن ينكحها إياه، وأمره أن يأمرها بإطماعه فِي نفسها ومراسلته من غير أن يراها وتقع عيناه عليها، فإذا استحكم طمعه فيها تجنت عَلَيْهِ وهجرته، فإن استعتبها أعلمته أنها لا تصلح إلا لملك، ومن همته همة الملوك [٢] ، وأنه يمنعها من مواصلته أنه لا يصلح للملك، ثم ليعلمه خبرها وخبره. ولا يطلعها عَلَى ما أسر إليه.
فقبل أبوها ذلك منه.
ثم قَالَ للمؤدب الموكل بتأديبه: خوفه بي، وشجعه عَلَى مراسلة المرأة. ففعل ذلك، وفعلت المرأة ما أمرها به أبوها، فلما انتهت إِلَى التجني عَلَيْهِ، وعلم الفتى السبب الذي كرهته لأجله [٣] ، أخذ فِي الأدب، وطلب الحكمة والعلم والفروسية والرماية، وضرب الصوالجة حَتَّى مهر فِي ذلك، ثم رفع [٤] إِلَى أبيه أنه يحتاج من الدواب والآلات والمطاعم [٥] والملابس والندماء إلى فوق ما يقدر.
فسر الملك بذلك [وأمر له به] [٦] فدعا مؤدبه فَقَالَ: إن الموضع الّذي وضع به ابني نفسه من حب هَذِهِ المرأة لا يزرى به، فتقدم إليه أن يرفع إلي أمرها، ويسألني أن أزوجه إياها. ففعل، فرفع الفتى ذلك إِلَى أبيه، فدعا بأبيها فزوجها إياه، وأمر بتعجيلها، وَقَالَ: إذا اجتمعت أنت [٧] وهي فلا تحدث شيئا حَتَّى أصير إليك. فلما اجتمعا صار إليه فَقَالَ: يا بني، لا يضعن منها عندك مراسلتها إياك، وليست فِي حبالك، فإني أنا أمرتها بذلك، وهي أعظم الناس منة عليك بما دعتك إليه من طلب الحكمة والتخلّق بأخلاق
стр. 508
الملوك حَتَّى [١] بلغت الحد الذي تصلح معه للملك من بعدي، فزدها من التشريف والإكرام بقدر ما يستحق منك. ففعل الفتى ذلك، / وعاش مسرورا بالجارية، وعاش أبوه مسرورا به، وأحسن ثواب أبيها، فرفع [٢] مرتبته وشرفه بصيانته سره وطاعته إياه، وأحسن جائزة المؤدب بامتثاله ما أمره به، وعقد لابنه عَلَى الملك بعده.
قَالَ اليمان مولى ذي الرئاستين: ثم قَالَ لنا ذو الرئاستين: سلوا الشيخ الآن لم حملكم على العشق. فسألنا فحَدَّثَنَا بحديث بهرام جور وابنه
. فصل
[٣] قَالَ مؤلف الكتاب [٤] : ثم إن بهرام فِي آخر ملكه ركب للصيد، فشد عَلَى عير وأمعن [٥] فِي طلبه، فارتطم [٦] فِي جب، فغرق، فبلغ والدته فسارت إِلَى ذلك الجب بأموال عظيمة [٧] ، وأقامت قريبة منه، [وأمرت بإنفاق تلك الأموال عَلَى من يخرجه منه] [٨] فنقلوا من الجب طينا كثيرا وحمأة حَتَّى جمعوا من ذلك آكاما عظاما، ولم يقدروا عَلَى جثة بهرام [٩] .
واختلفوا فِي ملكه، فَقَالَ قوم: [كان ملكه] [١٠] ثماني عشرة سنة، وعشرة أشهر وعشرين يوما. وَقَالَ آخرون: [كان ملكه] ثلاثا وعشرين سنة، وعشرة أشهر، وعشرين يوما [١١] .
стр. 509
فصل
ثم قَالَ بالملك بعده ابنه يزدجرد بْن بهرام جور فلما عقد التاج عَلَى رأسه دخل عَلَيْهِ العظماء والأشراف، فدعوا له وهنئوه بالملك، فرد عليهم ردا حسنا، وذكر [١] أباه ومناقبه، وأنه سار فيهم بأحسن السيرة، فلم يزل رءوفا برعيته، محسنا إليهم، قامعا لعدوه [٢] .
وكان له ابنان، يقال لأحدهما: هرمز، وكان ملكا عَلَى سجستان، والآخر يقال له: فيروز، فغلب هرمز عَلَى الملك من بعد هلاك أبيه يزدجرد، فهرب فيروز منه ولحق ببلاد الهياطلة [٣] ، وأخبر ملكها بقصته وقصة أخيه هرمز، وأنه أولى الناس منه، وسأله أن يمده بجيش يقاتل لهم [٤] هرمز، فأبى، إِلَى أن أخبر أن هرمز ظلوم جائر، فَقَالَ: إن الجور لا يرضاه الله. فأمدّ فيروز بجيش [٥] ، فأقبل بهم، وقاتل هرمز أخاه، فقتله وشتت جمعه وغلب عَلَى الملك [٦] .
وكان ملك يزدجرد ثماني عشرة سنة وأربعة أشهر [٧] . وقيل: / سبع عشرة سنة [٨]
. فصل
[٩] ثم ملك فيروز بْن يزدجرد بْن بهرام جور بعد أن قتل أخاه.
وقيل: بل حبسه لما ظفر به [١٠] ، وأظهر العدل، وقسم الأموال فِي زمان قحط نزل
стр. 510
بهم، ثم قاتل الهياطلة الذين كانوا أعانوه عَلَى قتال أخيه فقتلوه فِي المعركة [١] .
وقيل: سقط فِي خندق فهلك، وكان ملكه ستا وعشرين سنة، وقيل: إحدى وعشرين [سنة] [٢]
. فصل
ثم ملك بعده ابنه بلاش بْن فيروز، وكان قباذ قد نازعه الملك، فغلب بلاش وهرب قباذ إِلَى ملك الترك، فلم يزل بلاش [٣] حسن السيرة فبلغ من مراعاته للرعية أنه كان [٤] لا يبلغه أن بيتا خرب وجلا أهله [عنه] [٥] إلا عاقب صاحب القرية التي فيها [٦] ذلك البيت عَلَى تركه إنعاشهم حَتَّى اضطروا إِلَى ذلك الجلاء. وبنى بالسواد مدينة اسمها [اليوم] [٧] : ساباط، وهي قريبة من المدائن. وكان ملكه أربع سنين [٨]
. فصل
ثم ملك بعده أخوه قباذ بْن فيروز، وكان قباذ لما هرب إِلَى ملك الترك من أخيه بلاش ومعه جماعة يسيرة فيهم زرمهر [فتاقت نفسه إِلَى الجماع، فشكا ذلك إِلَى زرمهر] [٩] وسأله أن يلتمس له امرأة ذات حسب [١٠] فمضى إلى امرأة [صاحب منزله،
стр. 511
وكان] [١] رجلا من الأساورة، وكانت له بنت فائقة [فِي] [٢] الجمال، فتنصح لها فِي ابنتها، [٣] وأشار عليها [٤] أن تبعث بها إِلَى قباذ، فأعلمت زوجها، فلم يزل زرمهر يرغب المرأة وزوجها، ويشير عليهما، حَتَّى قفلا، وصارت البنت إِلَى قباذ، واسمها:
نيوندخت، فغشيها قباذ فِي تلك الليلة، فحملت بأنوشروان، فأمر لها بجائزة، وأحبها حبا شديدا [٥] .
ثم إن ملك الترك وجه معه جيشا، فانصرف وسأل عَنِ الجارية فقيل: وضعت غلاما، فأمر بحملها إليه، فأتت بأنوشروان تقوده إليه، فأخبرته أنه ابنه، فإذا هو قد نزع إليه فِي صورته [٦] .
وورد الخبر عَلَيْهِ [٧] بهلاك/ بلاش، فتيمن بالمولود، وأمر بحمله، وحمل أمه، فلما صارا إِلَى المدائن، واستوثق له أمره بني مدينة الرجان [٨] ، ومدينة حلوان، ومدائن كثيرة [٩] .
ولما مضى من ملكه عشر سنين أرادوا إزالته عَنْ ملكه لاتباعه لرجل يقال له:
مزدك بن ماردا [١٠] .
стр. 512
فصل
[١] وكان مزدك [٢] رجلا يدعو الناس إِلَى ملة زراذشت الذي ذكره تقدم [٣] ، ودعواه نبوة المجوس، وكان مزدك يلبس الصوف ويتزهد، ويكثر الصلاة تقربا إِلَى العوام، وكان هو وأصحابه يزعمون أنه من كان عنده فضل من الأموال والأمتعة والنساء فليس هو بأولى به من غيره [٤] ، وحث الناس عَلَى التأسي به فِي أموالهم وأهلهم [٥] ، وزعم أنه من البر [٦] الذي يرضاه الله ويثيب عَلَيْهِ، فاغتنم السفلة ذلك وتابعوا مزدكا وأصحابه، فتم للعاهر قضاء نهمته بالوصول [٧] إِلَى الكرائم، فابتلي الناس بهم، وقوي أمرهم، حَتَّى كانوا يدخلون عَلَى الرجل داره فيغلبون عَلَى أمواله وأهله، وحملوا قباذ عَلَى تزيين ذلك، وَقَالُوا له [٨] : إنك قد أثمت فيما مضى، وليس يطهرك من هَذَا [٩] إلا إباحة نسائك، وأرادوه [على] [١٠] أن يدفع نفسه إليهم فيذبحوه ويجعلوه قربانا للنار، وكان قباذ من خيار ملوكهم حَتَّى حمله مزدك [١١] عَلَى ما حمله، فانتشرت الأطراف، وفسدت الثغور [١٢] .
وكانت أم أنوشروان يوما بين يدي قباذ، فدخل عَلَيْهِ مزدك، فلما رآها قَالَ لقباذ:
ادفعها إليَّ لأقضي حاجتي منها. فقال: دونكها. فوثب أنوشروان، فجعل يسأله ويضرع إليه أن يهب له أمه إِلَى أن قبل رجله، فتركها، فبقي ذلك في نفس
стр. 513
أنوشروان [١] ، فلما رأى زرمهر ذلك [٢] خرج بمن يتابعه [٣] من الأشراف، فقتل من المزدكية ناسا كثيرا، ثُمَّ حرشت المزدكية قباذا عَلَى زرمهر فقتله، وغزا قباذ الروم، وبنى آمد، وملك قباذ ابنه كسرى، وكتب إليه [٤] بذلك كتابا وختمه، وهلك بعد أن ملك ثلاثا وأربعين سنة [٥]
. فصل
[٦] ثم ملك ابنه كسرى أنوشروان بْن قباذ بْن فيروز بْن يزدجرد بْن بهرام جور [٧] .
وولد أنوشروان باسعراس، وهي من كور نيسابور [٨] .
فاستقبل الملك بجد وسياسة وحزم، ونظر فِي سيرة أردشير، فأخذ نفسه بذلك، وبحث في سياسات الأمم فاختار ما رضيه، وفرق رئاسة البلاد بين جماعة، وقوى المُقَاتِلة بالأسلحة والكراع، وارتجع بلادا كانت فِي [مملكة الفرس بلغه أن طائفة من العرب أغارت عَلَى بعض حدود] [٩] السواد من ملكه، فأمر بحفر النهر المسمى بالحاجز، وإعادة المناظر والمسالح، على ما ذكرنا فِي أخبار ذي الأكتاف، وعرف الناس منه رأيا وحزما [١٠] وعلما وعقلا وبأسا مع رأفة ورحمة [١١] .
فلما عقد التاج عَلَى رأسه دخل عَلَيْهِ العظماء والأشراف، فدعوا له، فقام خطيبا،
стр. 514
فبدأ بذكر نعمة اللَّه عَلَى خلقه [عند خلقه] [١] إياهم، وتوكله [٢] بتدبير أمورهم، وتقدير أقواتهم ومعايشهم، ثم أعلم الناس بما ابتلوا به من ضياع أمورهم، وإمحاء دينهم، وفساد حالهم فِي أولادهم ومعايشهم، وأعلمهم أنه ناظر فيما يصلح ذلك ويحسمه.
[ثم أمر] [٣] برءوس المزدكية فضربت أعناقهم، وإبطال ملة زرادشت التي كان ابتدعها فِي المجوسية فِي زمان بشتاسب، وقد سبق ذكر ذلك كله [٤] ، وكان ممن دعا الناس [٥] إليها مزدك [٦] .
ولما ولي أنوشروان دخل عَلَيْهِ مزدك [٧] والمنذر بْن ماء السماء فقال أنوشروان:
قد كنت أتمنى أن أملك فأستعمل هَذَا الرجل الشريف، وأتمنى أن أقتل هَؤُلاءِ الزنادقة، فَقَالَ مزدك: أو تستطيع أن تقتل الناس جميعا؟ فقال: وإنك هاهنا يا ابن الزانية، والله ما ذهب نتن ريح جوربك من أنفي منذ [٨] قبلت رجلك إِلَى يومي هَذَا. وأمر بقتله وصلبه [٩] .
وقتل من الزنادقة ما بين جازر إِلَى النهروان وإلى المدائن فِي ضحوة واحدة مائة ألف زنديق وصلبهم [١٠] ، وقسمت أموالهم فِي أهل الحاجة. وقتل جماعة ممن دخل عَلَى الناس فِي أموالهم، ورد الأموال إِلَى أهلها، وأمر بكل مولود اختلف فيه/ عنده أن يلحق بمن هو [١١] منهم، إذا لم يعرف أبوه، وأن يعطى نصيبا من مال الرجل الّذي
стр. 515
يسند [١] إليه إذا قبله الرجل، وبكل [٢] امرأة غلبت عَلَى نفسها أن يؤخذ الغالب لها حَتَّى يغرم لَهَا مهرها، ثم تخير المرأة بين الإقامة عنده، وبين التزويج بغيره [٣] ، إلا أن يكون لها زوج أول فترد إليه، وأمر بكل من كان أضر برجل فِي ماله أو ركب مظلمة [٤] أن يؤخذ منه الحق، ثم يعاقب، وأمر بعيال ذوي الأحساب الذين مات قيمهم [٥] فكتبوا له، فأنكح بناتهم الأكفاء، وجعل جهازهم من بيت المال، وأنكح نساءهم [٦] من بيوتات الأشراف وأغناهم [٧] ، وخير نساء والده أن يقمن مع نسائه فيواسين، أو يبتغي [٨] لهن أكفاءهن من البعولة، وأمر بكري [٩] الأنهار وحفر القني، وإسلاف [١٠] أصحاب العمارات وتقويتهم، وبإعادة كل جسر قطع، أو قنطرة كسرت، أو قرية خربت أن يرد ذلك إِلَى أحسن ما كان عَلَيْهِ من الصلاح، وتفقد الأساورة فقواهم بالدواب والعدة، ووكل ببيوت النيران، وبنى فِي الطرق القصور والحصون، وتخير الحكام والعمال، وتقدم إِلَى من ولي منهم أبلغ تقدم، وبعث رجلا من الحكماء إِلَى الهند فاستنسخ له [١١] كتاب «كليلة ودمنة» طلبا لما فيه من الحكمة، فلما استوثق له الملك ودانت [١٢] لَهُ البلاد سار نحو أنطاكية بعد سنتين [١٣] من ملكه، وكان فيها عظماء جنود قيصر، فافتتحها، ثُمَّ أمر أن تصور له مدينة أنطاكية عَلَى ذرعها وعدد منازلها وطرقها، وجميع ما فيها وأن يبتنى [١٤] له على صورتها مدينة إلى
стр. 516
جنب المدائن، فبنيت المدينة المعروفة برومية عَلَى صورة أنطاكية، ثم حمل أهل أنطاكية حتى أسكنهم إياها.
فلما دخلوا باب المدينة مضى أهل كل بيت منهم إِلَى ما يشبه [١] منازلهم التي كانوا [فيها] [٢] بأنطاكية، كأنهم لم يخرجوا عنها.
ثم/ قصد مدينة هرقل فافتتحها، ثم الإسكندرية وما دونها، وخلف طائفة من جنوده بأرض الروم، بعد أن أذعن له قيصر، وحمل إليه الفدية [٣] ، ثم انصرف من الروم فأخذ نحو الخزر، فأدرك منهم ما كانوا وتروه فِي رعيته، ثم انصرف نحو عدن [٤] فقتل عظماء تلك البلاد، ثم انصرف إِلَى المدائن، وملك المنذر بْن النعمان عَلَى العرب وأكرمه، ثم سار إِلَى الهياطلة [٥] مطالبا لهم [بوتر] [٦] جده فيروز فِي القديم، وبنى الإيوان الموجود اليوم [٧] .
فصل [٨] فِي سبب بناء الإيوان
قال [٨] : وبينا كسرى أنوشروان [٩] جالسا فِي إيوانه [١٠] القديم البناء إذ [١١] وقعت عيناه [١٢] عَلَى وردة، فَقَالَ لغلام [١٣] كان عَلَى رأسه: هات تلك الوردة. فمضى الغلام فلم
стр. 517
يرها فعاد، فَقَالَ: لم أرها. فَقَالَ: ويحك، هي تلك. وأشار إليها فأبصرها الغلام فِي حضرته، فلما انتهى إليها [١] لم يرها. فقام أنوشروان بنفسه، ومشى إِلَى البستان، فحين مد يده ليقطعها [٢] وقع الإيوان، فنظر إِلَى شَيْء من لطف اللَّه فعجب وسر [٣] سرورا شديدا، وتصدق بمال جزيل [٤] ، ثم أعاد بناء الإيوان أفضل من بنائه الأول، وهذا هو الإيوان الموجود اليوم.
فلما فرغ منه رفع رأسه يوما [٥] فرأى حمامة وحشية فوق المشرف، وإذا حية عظيمة قد دنت إلى [٦] الحمامة لتثب عليها وتبتلعها، فرمى الحية بقوس البندق، فسقطت إِلَى الأرض وطارت الحمامة سليمة، فسر بإحسانه إِلَى الحمام [٧] ، ثم جاءت الحمامة بعد خمسة أيام فقعدت على تلك الشرفة، فلما رآها أنوشروان أخذت ترمي حبا لا يدرون ما هو، فأخذه فزرعه في بستان داره فنبت نباتا طيب [٨] الريح، فَقَالَ: نعم ما كافأتنا الحمامة به حين نجيناها من الهلاك فبحق قيل: لن يضيع المعروف، وأنا أسأل [اللَّه] الذي ألهم هَذَا الطائر من شكرنا [ما ألهمه] [٩] أن يلهم رعيتنا فِي ذبنا عنهم، وإخراجنا إياهم من الهلكة فِي دينهم ودنياهم إِلَى الهدى لشكرنا، / وأن يلهمنا نحن الصبر عَلَى الإحسان [١٠] إليهم.
ولم يزل مظفرا منصورا يهابه الأمم [١١] ، يحضر بابه من وفدهم عدد كبير [١٢] من
стр. 518
الترك والصين والخزر، وكان مكرما للعلماء، وملك ثمانيا وأربعين سنة. وقيل: سبعا وأربعين سنة [١] ، وثمانية أشهر وعشرة أيام.
ذكر طرف من أخباره
[٢] إنه كان مكتوبا عَلَى سرير كسرى: الدين لا يتم إلا بالملك، والملك لا يتم إلا بالرجال، والرجال لا يتمون إلا بالمال، والمال لا يجيء إلا بعمارة الأرض، والعمارة لا تتم إلا بالعدل.
وكان عَلَى جانبه مكتوب: عدل السلطان أنفع [للرعية] [٣] من خصيب الزمان.
ورفع إِلَى كسرى أن عامل الخراج بالأهواز قد جنى فضل ثمانية آلاف درهم عَلَى ما يجب من الخراج، فوقع برد المال وَقَالَ: إن الملك إذا عمر [٤] بيوت أمواله بما يأخذ من الرعية كَانَ كمن عمر [٥] سطح داره بما يقلعه من قواعد بنائه [٦] .
ومات لكسرى ولد فلم يجزع عَلَيْهِ، فقيل له فِي ذلك فَقَالَ: من أعظم الجهل شغل القلب [٧] بما لا مرد له.
وكان يقول: الغم مدهشة للعقل، مدهشة للطبع، مقطعة للحيلة، فإذا ورد [٨] عَلَى العاقل ما يحتاج فيه إِلَى الحيلة قمع الحزن، وفرغ العقل للحيلة.
وَقَالَ: القليل مع قلة الهم أهنأ من الكثير مع عدم الدعة.
وَقَالَ: لما فرغت من [إصلاح] [٩] الأمور الخاصة والعامة إِلَى قبول ما لا خير فيه
стр. 519
إلَّا بالأكثر [١] ، لكنني آثرت طاعة اللَّه. ونظرنا فِي سير الروم والهند، فاصطفينا محمودها، ومن أعظم الضرر [٢] عَلَى الملوك الأنفة مع العلم.
أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك قال: أخبرنا جعفر بْن أَحْمَد السراج قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد العزيز بن الحسين الضراب قَالَ: حَدَّثَنَا أبي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مروان قَالَ:
أَخْبَرَنَا إسماعيل بْن يونس قَالَ: أَخْبَرَنَا الرقاشي عَنِ الأصمعي قَالَ [٣] :
كان لكسرى جامان من ذهب يأكل/ فيهما [٤] ، فسرق رجل من أصحابه جاما وكسرى ينظر إليه، فلما رفعت الموائد افتقد الطباخ الجام ورجع يطلبه، فَقَالَ له كسرى:
لا تعن، قد أخذه من لا يرده، ورآه من لا يفشي عَلَيْهِ. فدخل الرجل إليه بعد ذلك وقد حلي سيفه ومنطقته ذهبا فَقَالَ له كسرى بالفارسية: يا فلان بعني السيف والمنطقة [من ذاك] [٥] قَالَ: نعم. ولم يفطن بذلك أحد غيرهما وسكت.
وَرَوَى إِبْرَاهِيم بْن عبد الصمد قَالَ: لما عمل كسرى القاطول أضر ذلك بأهل الأسافل، فانقطع عنهم الماء حَتَّى افتقروا وذهبت أموالهم، فخرج أهل ذلك البلد إِلَى كسرى يتظلمون، فوافوه [٦] وقد خرج، فتعرضوا له وَقَالُوا: جئنا متظلمين. فَقَالَ:
ممن؟ قالوا: منك. فثنى رجله ونزل عَنْ دابته وجلس عَلَى الأرض، فأتاه بعض من معه بشَيْء يقعد عَلَيْهِ فأبى، وَقَالَ: لا أجلس إلا عَلَى الأرض إذا أتاني [٧] قوم يتظلمون مني، ثم قَالَ: ما مظلمتكم؟ قالوا: [أحدثت] [٨] القاطول فقطع عنا شربنا، وذهبت معايشنا. قَالَ: فإني آمر بسده. قالوا: لا يحسمك هَذَا، ولكن مر من يعمل لنا مجرى ماء من فوق القاطول، ففعل فعمرت [٩] بلادهم.
стр. 520
وكان كسرى يقول: قد خفت أن [١] يحجب عني المظلوم. فعلق عَلَى أقرب البيوت من مجلسه سترا وعلق عَلَيْهِ الأجراس، ونادى مناديه: من ظلم فليحرك هَذَا الستر.
ومن الحوادث فِي زمانه:
أنه رفع إليه [٢] صاحب الخبر بنياسبور أنه [قد] [٣] ظهر رجل لا يغادر صورته شيء من [٤] صورة الملك، وأن اسمه أنوشروان، وأنه حائك، وأنه ولد فِي ساعة كذا وكذا من يوم كذا وكذا من سنة كذا وكذا [٥] ، فنظر أنوشروان فوجد مولده لا يغادر شيئا من مولده، فوجه رجلين من أهل الدين والأمانة إِلَى نيسابور ليكتبا إليه بخبر الرجل، فلم يلبث أن جاءه كتاب الأمينين [٦] بصدق ما كتب صاحب الخبر، وزادا: أنا سألنا [٧] عَنْ مذهب هذا الإنسان، فأخبرونا/ ثقات جيرانه ومعامليه أنه من الصحة [٨] فِي المعاملة وصدق اللهجة [والستر] [٩] السداد بحيث لا يعرفون من يقاربه في أهل صناعته.
فتعجب أنوشروان فكتب إِلَى العامل أن يدفع [١٠] إِلَى هَذَا الرجل عشرة آلاف درهم، وأن يجري له [ذلك] [١١] فِي كل سنة، وأن يخير إن أحب [١٢] أن لا يحوك، ويجري عَلَيْهِ زيادة من المال ما يكون وراء كفايته. فأحضره عامل نيسابور وأقبضه المال، ورفع
стр. 521
مجلسه وقال: إن الملك أنوشروان يخيرك أن تدع هَذِهِ الصناعة ويزيدك ما يرضيك، فما الّذي تراه، فجرى الملك خيرا، فَقَالَ: ما أحب أن يكون مكافأتي [١] للملك عَلَى إغنائه إياي نقض شَيْء من سنته، متكلا عَلَى مال الملك [٢] ، ولولا أن برك [٣] اسمي فِي مضاهاة اسم الملك قد ظهر علي لاستبدلت به، تنزيها لجلالة اسم الملك أن يكون مثلي سميه. فكتب بخبره إلى أنوشروان، فأمر الملك أن يجعل أنوشروان الحائك عريف الحاكة ورئيسهم، فأفاد مالا جليلا، ولم يدع صناعته. ومات فِي السنة التي مات فيها أنوشروان الملك [٤] .
ومن الحوادث: أن كسرى [أنوشروان] [٥] خرج يتصيد.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن ناصر قَالَ: أَخْبَرَنَا محفوظ بْن أحمد قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن الحسين الخالدي قَالَ: حَدَّثَنَا المعافى بْن زكريّا قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ كامل قَالَ:
حدثني مُحَمَّد بْن مُوسَى بْن حَمَّادُ القيسي قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن أبي السري قَالَ:
أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ، عَنْ أبيه قَالَ: [٦] .
خرج كسرى فِي بعض [٧] أيامه للصيد ومعه أصحابه [٨] ، فعن له صيد فتبعه حَتَّى انقطع عَنْ أصحابه وأظلته [٩] سحابة فأمطرت مطرا [شديدا] [١٠] حال بينه وبين أصحابه، فمضى لا يدري أين يقصد، فرفع له كوخ فقصده، فإذا عجوز [١١] بباب الكوخ جالسة
стр. 522
فَقَالَ لها: أنزل. قالت: انزل [١] . فنزل فدخل الكوخ، وأدخل فرسه، فأقبل الليل، فإذا ابنة العجوز قد جاءت معها بقرة قد رعتها/ بالنهار، فأدخلتها الكوخ، وكسرى ينظر إليها [٢] ، فقامت العجوز إِلَى البقرة [ومعها] [٣] إناء فاحتلبت [البقرة لبنا] [٤] صالحا وكسرى ينظر فَقَالَ فِي نفسه: ينبغي أن تجعل عَلَى كل بقرة إتاوة- يعني خراجا- فهذا حلاب كبير [٥] . وأقام مكانه حتى مضى أكثر الليل فقالت العجوز: يا فلانة، قومي إِلَى فلانة- تريد البقرة- فاحتلبيها [٦] . فقامت إِلَى البقرة فوجدتها حائل لا لبن فيها، فنادت:
يا أماه، قد والله أضمر لنا الملك شرا. فقالت: وما ذاك؟ قالت: هَذِهِ فلانة حائل تبيس بقطرة. فقالت لها: امكثي فإن عليك ليلا. فقال كسرى في نفسه: من أين علمت ما أضمرت فِي نفسي، أما إني لا أفعل ذلك. قَالَ: فمكثت، ثم نادتها: يا بنية، قومي إِلَى فلانة فاحتلبيها [٧] . فقامت إليها فوجدتها حافل. فقالت: يا أماه، قد والله ذهب ما كان فِي نفس الملك من الشر، هَذِهِ فلانة حافل. فاحتلبتها، وأقبل الصبح وتتبع الرجال أثر كسرى حَتَّى أتوه بركب [٨] ، فأمر بحمل العجوز وابنتها إليه، فأحسن إليهما، وَقَالَ: كيف علمت أن الملك قد أضمر شرا، وأن الشر الذي أضمره قد [٩] رجع فيه؟ قالت [العجوز] [١٠] : إنا بهذا المكان منذ كذا وكذا، ما عمل فينا بعدل إلا أخصب بلدنا، واتسع عيشنا، وما أمر فينا بجور [١١] إلا ضاق عيشنا، وانقطعت موادنا [١٢] والنفع عنا.
стр. 523
ومن الحوادث: [١] أن كسرى أمر جنوده أن لا يتعرضوا لزرع [٢] أحد، فمر فارس منهم بمبطخة، فأخذ بطيخة، فتعلق بِهِ صاحب البطيخة وَقَالَ [٣] : بيني وبينك الملك. فبذل له ألف درهم فلم يقبل [٤] ، فبذل له إلى عشرة آلاف درهم فلم يقبل. فحمله إلى الملك فقص عليه القصة، فقال للفارس: ما حملك على ما فعلت [٥] . قَالَ: دنو الأجل. قَالَ: فكم بذلت فيها؟ قَالَ: عشرة آلاف درهم وما أملك غيرها. فَقَالَ كسرى للأكار: ويحك، ما الذي زهدك فِي عشرة آلاف درهم، ورغبك فِي دم هَذَا البائس؟ قَالَ: ما رغبت فِي دمه، ولكني كنت فقيرا ولم/ أر إلا الخير [٦] فِي أيام الملك، فأردت أن أزيد فِي شرف أفعاله حَتَّى يقال إن فِي أيامه بلغت بطيخة عشرة آلاف درهم [٧] .
فاستحسن ذلك منه، وَقَالَ للفارس: أعطه ما بذلت. وأعطاه مثل ذلك.
ومن الحوادث في زمان أنوشروان:
ولادة عَبْد اللَّه بْن عَبْد المطلب، أبي نبينا ﷺ ، فإنه ولد فِي السنة الخامسة عشرة من ملكه [٨] ، وولد نبينا ﷺ في سنة أربعين من ملك أنوشروان، وهو عام الفيل [٩] .
ومن الحوادث فِي زمن أنوشروان:
стр. 524
أن ملك اليمن لم يزل متصلا لا يطمح [١] فيه طامح حَتَّى ظهرت الحبشة عَلَى بلادهم في زمن أنوشروان.
قَالَ هشام بْن مُحَمَّد: وكان سبب ظهورهم أن ذا نواس الحميري ملك اليمن فِي ذلك الزمان كَانَ يهوديا، فتقدم عَلَيْهِ [٢] يهودي [من أهل نجران] [٣] يقال له: دوس [٤] من أهل نجران [٥] فأخبره أن أهل نَجْران قتلوا له بنتين [٦] ظلما، فاستنصره عليهم- وأهل نجران نصارى- فحمى ذو نواس اليهودية، فغزا أهل نجران فأكثر فيهم القتل، فخرج رجل من أهل نجران حَتَّى قدم [٧] عَلَى ملك الحبشة فأعلمه بما نكبوا [٨] به، وأتاه بالإنجيل قد أحرق النار بعضه [٩] ، فَقَالَ له: الرجال عندي كثير وليس عندي سفن، وأنا كاتب إِلَى قيصر فِي البعثة إلي بسفن أحمل فيه الرجال: فكتب إِلَى قيصر فِي ذلك، وبعث إليه بالإنجيل المحرق [١٠] ، فبعث له قيصر [١١] بسفن كثيرة، فبعث معه صاحب الحبشة سبعين ألفا من الحبشة وأمر عليهم رجلا من الحبشة يقال له: أرياط [١٢] ، وعهد إليه: إن أنت ظهرت عليهم فاقتل ثلث رجالهم، وأخرب ثلث بلادهم، واسب ثلث نسائهم وأبنائهم، فخرج أرياط ومعه جنوده وَفِي جنوده أبرهة الأشرم، فركب البحر [١٣] ، وسمع بهم ذو نواس، فجمع إليه حمير ومن أطاعه ومن قبائل اليمن فتناوشوا، ثم انهزم ذو
стр. 525
نواس، ودخل أرياط بجموعه [١] ، فلما رأى ذو نواس ما نزل [٢] / به وبقومه وجه فرسه فِي البحر، ثم ضربه فخاض [٣] فيه فِي ضحضاح حَتَّى أفضى به إِلَى غمره فأقحمه، فكان آخر العهد به [٤] .
ووطئ أرياط [٥] اليمن بالحبشة [٦] فقتل ثلث رجالها، وأخرب ثلث بلادها، وبعث إِلَى النجاشي بثلث سباياها، فأقام أبرهة ملكا عَلَى صنعاء [٧] ومخاليفها، ولم يبعث إِلَى النجاشي بشَيْء [٨] ، فقيل للنجاشي: إنه قد [٩] خلع طاعتك، وإنه رأى أن قد استغنى بنفسه. فوجه إليه جيشا عَلَيْهِ [١٠] أرياط، فلما حل بساحته بعث إليه أبرهة: إنه يجمعني وإياك الدين والبلد، والواجب علي وعليك [أن] [١١] تنظر لأهل بلادنا [١٢] وديننا، فإن شئت فبارزني [١٣] ، فأينا ظفر بصاحبه كان الملك له، ولم يقتل الحبشة فيما بيننا، فرضي أرياط، فأجمع أبرهة عَلَى المكر به، فاتعدا موضعا يلتقيان فيه [فأكمن أبرهة عَبْدا له يقال له: أرنجدة في وهدة قريب من الموضع الّذي يلتقيان فيه] [١٤] ، فلما التقيا سبق أرياط فزرق أبرهة بحربته، فزالت الحربة عَنْ رأسه وشرمت أنفه، فسمي: أبرهة الأشرم، ونهض الكمين من الحفرة فزرق أرياط فأنفذه وقتله، فَقَالَ لإرنجدة: احتكم.
стр. 526
فقال: لا تدخل امرأة باليمن عَلَى زوجها حَتَّى يبدأ بي. قَالَ: لك ذلك. فغبر [١] بذلك زمانا، ثم إن أهل اليمن عدوا عَلَيْهِ فقتلوه. فَقَالَ أبرهة: قد آن لكم أن تكونوا أحرارا [٢] .
فبلغ النجاشي قتل أرياط، فآلى ألا ينتهي حَتَّى يريق دم أبرهة ويطأ بلاده، وبلغ أبرهة آليته، فكتب إليه [٣] : أيها الملك، إنما كان أرياط عَبْدك، وأنا عَبْدك، قد هم علي [٤] يريد توهين ملكك، وقتل جندك، فسألته أن يكف عَنْ قتالي، إِلَى أن أوجه إليك رسولا، فإن أمرته [٥] بالكف عني وإلا سلمت إليه جميع ما أنا فيه، فأبى إلا أن يحاربني [٦] ، فحاربته، فظهرت عَلَيْهِ، وإنما سلطاني لك، وقد بلغني أنك حلفت [٧] ألا تنتهي حَتَّى تريق دمي، وتطأ بلادي، وقد بعثت إليك بقارورة من دمي وجراب من تراب بلادي، وَفِي ذلك خروجك من يمينك [٨] ، فاستتم أيها الملك عندي يدك، فإنما أنا عَبْدك/، وعزي عزك، فرضي عنه النجاشي، وأقره عَلَى عمله [٩]
. فصل
قَالَ علماء السير [١٠] لما رضي النجاشي عَنْ أبرهة بنى أبرهة كنيسة لم ير مثلها فِي زمانها [١١] ، بناها بالرخام الأبيض والأحمر والأصفر والأسود، وحلاها بالذهب والفضة، وحفها بالجوهر، وجعل فيها ياقوتة حمراء عظيمة، وأوقد فيها المندل، ولطخ
стр. 527
جوانبها بالمسك، وسماها: القليس [١] . وكتب إِلَى النجاشي: إني قد بنيت لك أيها الملك [٢] كنيسة لم يبن مثلها لملك كان قبلك، ولست بمنته حَتَّى أصرف إليها حاج العرب.
فلما تحدثت العرب بكتاب أبرهة إِلَى النجاشي غضب رجل من بني فقيم [٣] ، فخرج حَتَّى أتاها فأحدث فيها ثم [خرج] [٤] فلحق بأرضه، فأخبر بذلك أبرهة فَقَالَ: من صنع هَذَا؟ فقيل: صنعه رجل من أهل هَذَا البيت الذي تحج إليه العرب بمكة، لما سمع من قولك إني أريد أن أصرف إليه حاج العرب، فغضب، فجاء فقعد [٥] فيها- أي أنها ليست لذلك بأهل- فغضب أبرهة، وحلف ليسيرن إِلَى البيت فيهدمه، وعند أبرهة رجال من العرب، منهم: مُحَمَّد بْن خزاعي الذكواني وأخوه قيس، فأمر مُحَمَّدا عَلَى مضر، وأمره أن يسير فِي الناس يدعوهم إِلَى حج القليس، وهي الكنيسة التي بناها [٦] .
فسار مُحَمَّد حَتَّى إذا نزل ببعض أرض بني كنانة- وقد بلغ أهل تهامة أمره وما جاء له- بعثوا رجلا من هذيل يقال له: عروة بْن حياض، فرماه بسهم [٧] فقتله، وهرب أخوه قيس فلحق بأبرهة فأخبره، فزاد ذلك أبرهة غيظا [٨] ، وحلف ليغزون بني كنانة، وليهدمن البيت [٩] .
فخرج سائرا بالحبشة ومعه الفيل، فسمعت العرب بذلك فأعظموه، ورأوا جهاده حقا عليهم، فخرج رجل من أشراف [أهل] [١٠] اليمن وملوكهم يقال له: ذو نفر إلى حرب
стр. 528
أبرهة وجهاده عَنْ بيت اللَّه تعالى، فقابله فهزم ذو نفر وأصحابه، وأخذ أسيرا فَقَالَ:
أيها الملك، لا تقتلني، فإنه عسى أن يكون كوني معك خيرا لك. فتركه فِي وثاق، فلما وصل إِلَى أرض خثعم عرض له/ نفيل بْن حبيب الخثعمي ومن تبعه من قبائل العرب، فقاتله، فهزمه أبرهة وأخذه أسيرا، فَقَالَ له: لا تقتلني، فإني دليلك بأرض العرب.
فتركه فِي الحديد، حَتَّى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بْن معتب فِي رجال من ثقيف، فَقَالَ: أيها الملك، إنما نحن عبيدك، ونحن نبعث من يدلك. فبعثوا معه أبا رغال، فمضى به حَتَّى أنزله المغمس، فمات أَبُو رغال هناك، فرجمت العرب قبره، فهو [القبر] [١] الذي يرجم الناس بالمغمس.
ولما نزل [٢] أبرهة بالمغمس بعث رجلا من الحبشة يقال له: الأسود بْن مقصود عَلَى خيل له، حَتَّى انتهى إِلَى مكة، فساق إليه أموال أهل مكة، أصاب [٣] فيها مائتي بعير لعَبْد المطلب- وهو يومئذ كبير قريش وسيدها- فهمت قريش، وكنانة، وهذيل، ومن كان بالحرم من سائر الناس بقتاله، ثم عرفوا أنه [٤] لا طاقة لهم به، فتركوا ذلك.
وبعث أبرهة حناطة الحميري إِلَى مكة فَقَالَ: سل عَنْ [٥] سيد هَذَا البلد وشريفهم، فقل له [٦] : إن الملك يقول لكم إني لم آت لحربكم، إنما جئت لهدم هَذَا البيت، فإن لم تعرضوا دونه بحرب [٧] فلا حاجة لي بدمائكم، وإن لم يرد حربي فاتني [به] [٨] .
فلما دخل حناطة مكة سأل عَنْ سيد قريش وشريفها، فقيل: عَبْد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، فجاءه فأخبره بما قَالَ أبرهة، فَقَالَ عَبْد المطلب: [والله ما نريد حربه، وما لنا بذلك من طاقة] [٩] ، هَذَا بيت اللَّه الحرام وبيت خليله إبراهيم، فإن يمنعه
стр. 529
فهو بيته وحرمه، وإن يخل بينه وبينه، فو الله ما عندنا من دفع عنه.
قَالَ: فانطلق إِلَى الملك، فإنه قد أمرني أن آتيه بك فانطلق معه عَبْد المطلب ومعه بعض بنيه حَتَّى أتى العسكر فسأل عَنْ ذي نفر [١] ، وكان له صديقا، حَتَّى دل عَلَيْهِ [٢] ، فجاءه وهو فِي محبسه فَقَالَ له: يا ذا نفر، هل عندك غناء فيما نزل بنا؟ فَقَالَ له ذو نفر: ما غناء رجل أسير بيدي [٣] ملك ينتظر أن يقتله غدوا أو عشيا! ما عندي غناء فيما نزل بك إلا أن أنيسا سائس [٤] الفيل لي صديق [٥] ، فسأرسل [٦] إليه فأوصيه بك، وأعظم عَلَيْهِ حقك، وأسأله أن يستأذن لك عَلَى/ الملك فتكلمه بما تريد، ويشفع لك عنده بخير إن قدر عَلَيْهِ. قَالَ: حسبي.
ثم بعث إِلَى أنيس، فجاء به فَقَالَ: يا أنيس، إن عَبْد المطلب سيد قريش يطعم الناس بالسهل، والوحوش فِي رءوس الجبال، وقد أصاب له الملك مائتي بعير، فاستأذن له [٧] عَلَيْهِ وانفعه بما استطعت. قَالَ: أفعل.
فكلم أنيس أبرهة فَقَالَ: يا أيها الملك، هَذَا سيد قريش ببابك يستأذن عليك فأذن له، وأحسن إليه. [فأذن له أبرهة] [٨] وكان عَبْد المطلب عظيما، وسيما، جسيما، فلما رآه أبرهة أجله وأكرمه، ونزل عَنْ سريره، فجلس عَلَى بساطه وأجلسه معه، ثم قَالَ لترجمانه: قل: ما حاجتك؟ فَقَالَ لَهُ ذلك الترجمان، فَقَالَ عَبْد المطلب: حاجتي إِلَى الملك أن يرد علي مائتي بعير أصابها لي. فلما قَالَ له ذلك قَالَ أبرهة لترجمانه: قل له [٩]
стр. 530
كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم زهدت فيك حين كلمتني، أتكلمني [١] فِي مائتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه، لا تكلمني فيه! فَقَالَ له عبد المطلب: إني أنا رب الإبل، وإن للبيت ربا سيمنعه. قَالَ: ما كان [٢] ليمتنع مني.
قَالَ: أنت وذاك، أردد إلي إبلي.
وكان عَبْد المطلب قد ذهب معه حين مضى إِلَى أبرهة [عمرو بْن نفاثة بْن عدي- وهو سيد كنانة- وخويلد بْن واثلة الهذلي- وهو] [٣] سيد هذيل- فعرضوا عَلَى أبرهة ثلث أموال تهامة عَلَى أن يرجع عنهم، ولا يهدم البيت، فأبى عليهم [٤] .
فلما رد أبرهة إبل عَبْد المطلب انصرف إِلَى قريش فأخبرهم بالخبر، وأمرهم بالخروج من مكة، والتحرز فِي شعف الجبال والشعاب تخوفا عليهم من معرة الجيش، ثم قام عَبْد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون اللَّه ويستنصرونه عَلَى أبرهة وجنده، فَقَالَ عَبْد المطلب وهو آخذ بباب الكعبة [٥] :
يا رب لا أرجو لهم سواكا ... يا رب فامنع منهم حماكا
إن عدو البيت من عاداكا ... امنعهم أن يخربوا قراكا
[٦] وَقَالَ أيضا:
لا هم إن العَبْد [٧] يمنع ... رحله فامنع رحالك
لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم عدوا محالك
قَالَ مؤلف الكتاب: ويروى غدوا بالغين، يعني غدا، وهي لغة، فإن أراد الشاعر أن مع القوم أخوة غدوا [٨] .