← История

История · id 12406

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم

ابن الجوزي

Полный текст (6 790 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وكان لا ينادم أحدا كبرا، بل ينادم الفرقدين، فإذا شرب قدحا صب لها قدحا. وكانت تجبى [١] إِلَيْهِ الأموال، وتفد عَلَيْهِ [٢] الوفود، فخرج إِلَى غزو طسم وجديس، فأصاب حسان بْن تبع قد أغار عَلَى طسم وجديس، فانكفأ جذيمة راجعا بمن معه [٣] . وكانت فيهم الزرقاء، واسمها: اليمامة، وبها سمي بلدها: اليمامة، وهي [٤] من بنات لقمان بْن عاد، وقيل: هي من جديس وطسم. فلما قصدهم جيش حسان بْن تبع بقي بينه وبينهم مسيرة ثلاثة أيام، فأبصرتهم وقد حمل كل رجل منهم شجرة يسير بها، فقالت: «تاللَّه [٥] ، لقد دب الشجر- أو حمير قد أخذت شيئا تجر» . فلم يصدقوها، فقالت: «أقسم باللَّه لقد رأى رجلا منهم ينهش كتفا أو يخصف نعلا» ، فلم يستعدوا. فصبحهم حسان فاجتاحهم، فأخذها فشق عينيها [٦] ، وإذا فيها عروق من الأثمد [٧] . قَالَ مؤلف الكتاب [٨] : وبنظر هَذِهِ المرأة يضرب المثل. / وكانت زرقاء اليمامة قد نظرت إِلَى سرب من حمام طائر [٩] ، [فإذا فيه] [١٠] ست وستون حمامة، وعندها حمامه واحدة، فقالت: ليت الحمام ليه ... إِلَى حمامتيه ونصفه قديه ثم الحمام مية

стр. 457

فَقَالَ النابغة يخاطب النعمان ويقول [١] : واحكم كحكم فتاة الحي إذا نظرت ... إِلَى حمام سراع وارد الثمد أراد [٢] : كن حكما. وكان جذيمة قد تنبأ وتكهن، واتخذ صنمين يقال: لهما: الضيزنان [٣]- ومكانهما بالحيرة معروف- وكان يستسقي بهما ويستنصرهما عَلَى العدو. وكانت إياد بعين أباغ، وأباغ رجل من العماليق نزل بتلك العين، فكان يغازيهم، فذكر لجذيمة غلام من لخم فِي أخواله من إياد، يقال له: عدي بْن نصر بْن ربيعة، له جمال وظرف، فغزاهم جذيمة، فبعث [٤] إياد قوما منهم فسقوا سدنة الصنمين [٥] الخمر، وسرقوهما، فأصبحا فِي إياد، فبعث [٦] إِلَى جذيمة: إن صنميك أصبحا فينا زهدا فيك ورغبة [٧] فينا، فإن أوثقت [٨] لنا ألا تغزونا رددناهما إليك. فَقَالَ: وعدي بْن نصر تدفعونه إلي [مع الصنمين] [٩] فدفعوه إليه مع الصنمين، فانصرف عنهم، وضم عديا إِلَى نفسه وولاه شرابه. فأبصرته رقاش بنت مالك، أخت جذيمة، فعشقته [١٠] وراسلته وَقَالَت: يا عدي، اخطبني إِلَى الملك فإن لك حسبا وموضعا. فَقَالَ: لا أجترئ عَلَى كلامه فِي ذلك، ولا أطمع أن يزوجنيك. قالت: فإذا جلس عَلَى شرابه وحضر ندماؤه فاسقه صرفا، واسق القوم مزاجا، فإذا أخذت الخمر منه [١١] فاخطبني إليه، فإنه لن يردك ولن يمتنع منك، فإذا زوّجك [١٢] فأشهد القوم.

стр. 458

ففعل [الفتى] [١] ما أمرته، فلما [٢] أخذت الخمر مأخذها، خطبها إليه فأملكه إياها، فأعرس [٣] بها من ليلته، وأصبح مضرجا بالخلوق. فَقَالَ له جذيمة: ما هَذِهِ/ الآثار يا عدي؟ قَالَ: آثار العرس، قَالَ: أي عرس؟ قَالَ: عرس رقاش! قَالَ: من زوجكها [٤] ؟ قَالَ: الملك. فضرب جذيمة بيده عَلَى جبهته وأكب عَلَى الأرض ندامة وتلهفا، وخرج عدي عَلَى وجهه هاربا فلم ير له أثر، ولم يسمع له بذكر، وأرسل إليها جذيمة فَقَالَ: حدثيني وأنت لا تكذبيني ... أبحر زنيت أم بهجين! أم بعَبْد فأنت أهل [٥] لعَبْد ... أم بدون فأنت أهل لدون فقالت: لا [٦] ، بل أنت زوجتني أمرأ عربيا، معروفا حسيبا، ولم تستأمرني فِي نفسي، ولم أكن مالكة لأمري. فكف عنها وعرف [٧] عذرها. ورجع عدي بْن نصر إِلَى [٨] أياد، فكان فيهم، فخرج ذات يوم مع فتية [٩] متصيّدين، فرمى به فتى منهم بين جبلين فمات. واشتملت [١٠] رقاش عَلَى حمل، فولدت غلاما سمته عمرو، حَتَّى إذا ترعرع عطرته وألبسته وحلته، وأزارته خاله جذيمة، فلما رآه أعجب به وأحبه. وكان مع ولده، فخرج جذيمة متبديا بأهله وولده فِي سنة ذات خصب، فضرب لهم أبنية في روضة ذات

стр. 459

زهرة وغدر [١] ، وخرج ولده وعمرو معهم يجتنون الكمأة [٢] ، فكانوا إذا أصابوا كمأة جيدة أكلوها، وإذا أصابها عمرو خبأها فِي حجزته [٣] ، فانصرفوا إِلَى جذيمة يتعادون وعمرو يقول [٤] : هَذَا جناي وخياره فيه ... إذ كل جان يده إِلَى فيه فضمه إليه جذيمة والتزمه وسر بقوله وفعله، وأمر فجعل له حلي من فضة وطوق من فضة. فكان أول عربي ألبس طوقا، فكان يسمى عمرو ذا [الطوق] [٥] . فبينما هو عَلَى أحسن حاله استطاره الجن [فاستهوته] [٦] ، فضرب جذيمة فِي الآفاق فلم يقدر عَلَيْهِ. وأقبل رجلان أخوان من بلقين [بهدايا يريدان جذيمة] [٧] يقال لهما: مالك وعقيل [٨] فنزلا ببعض الطريق منزلا ومعهما قينة [٩] لهما يقال لها: أم عمرو، فقدمت إليهما طعاما، / فبينما هما يأكلان أقبل فتى عريان شاحب، قد تلبد شعره وطالت أظفاره وساءت حاله، فجاء حَتَّى جلس حجرة [١٠] منهما، فمد يده إليهما يريد الطعام، فناولته القينة كراعا [١١] [فأكلها] [١٢] ثم مد يده إليها، فقالت: «تعطي العَبْد كراعا فيطمع فِي الذراع» . فذهبت مثلا ثم ناولت الرجلين من شراب كان معها فأوكت زقها [١٣] ، فَقَالَ عمرو بْن عدي:

стр. 460

صددت الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا وما شر الثلاثة أم عمرو ... بصاحبك الذي لا تصحبينا [١] ! فَقَالَ مالك وعقيل: من أنت يا فتى؟ فَقَالَ: أنا عمرو بْن عدي. فنهضا إليه فضماه وغسلا رأسه، وقلما أظفاره، وأخذا من شعره وألبساه مما كان معهما من الثياب، وَقَالَا: ما كنا لنهدي لجذيمة هدية هي أنفس عنده، ولا أحب إليه من ابن أخته، وقد رده اللَّه عَلَيْهِ بنا. فخرجا به إِلَى جذيمة بالحيرة، فسر بذلك سرورا شديدا، وأرسل به إلى أمه، فمكث عندها أياما ثم أعادته إليه، فَقَالَ: لقد رأيته يوم ذهب وعليه طوق، فما ذهب عَنْ عيني ولا قلبي إِلَى الساعة. فأعادوا عَلَيْهِ الطوق، فلما نظر إليه قَالَ: «شب [٢] عمرو عَنِ الطوق» ، فأرسلها مثلا، وَقَالَ لمالك وعقيل: حكمكما، فقالا: حكمنا منادمتك ما بقينا وبقيت، فهما ندمانا جذيمة [٣] اللذان ذكرا فِي أشعار العرب. وَفِي ذلك يقول أَبُو خراش الهذلي الشاعر [٤] : لعمرك ما ملت كبيشة طلعتي ... وإن ثوائي عندها لقليل ألم تعلمي أن قد تفرق قبلنا ... نديما صفاء مالك وعقيل [٥] وَقَالَ متمم بْن نويرة [٦] : وَكُنَّا كَنَدْمَانَيْ جَذِيمَةَ حِقْبَة ... مِنَ الدَّهْرِ حَتَّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعَا فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأَنِّي وَمَالِكًا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا وكان ملك العرب بأرض الجزيرة [٧] ومشارف بلاد الشام عمرو بن

стр. 461

ظرب- وقيل [١] : ظريف- بْن حسان بْن أذينة بْن السميدع بْن هوبر العليقمي [٢] . فجمع جذيمة جموعه من العرب، فسار إليه يريد غزاته فالتقوا فاقتتلوا [٣] قتالا شديدا، فقتل عمرو بْن ظرب وفضت جموعه، وانصرف جذيمة بمن معه سالمين غانمين. فملكت من بعد عمرو ابنته الزباء، واسمها: نائلة، وكان جنود الزباء بقايا من العماليق، والعارية الأولى من قبائل قضاعة، وكان للزباء أخت يقال لها: زبيبة، فبنت لها قصرا حسنًا [٤] عَلَى شاطئ الفرات الغربي، وكانت تشتو [٥] عند أختها، وتربع ببطن النجار، وتصير إِلَى تدمر. فلما أن استجمع لها أمرها واستحكم لها ملكها، أجمعت لغزو جذيمة الأبرش تطالب بثأر أبيها، فقالت لها أختها زبيبة- وكانت عَلَى الشام والجزيرة من قبل الروم، وكانت ذات رأي ودهاء: يا زباء، إنك إن غزوت جذيمة فإنما هو يوم [٦] له ما بعده، إن ظفرت أصبت ثأرك، وإن قتلت ذهب ملكك، والحرب [٧] سجال [٨] ، وعثراتها لا تقال [٩] ، وإن كعبك لم يزل ساميا عَلَى من ناوأك وساماك، ولم تري [١٠] بؤسا ولا غيرا [١١] ، ولا تدرين لمن تكون العاقبة، [ولا] [١٢] على من تكون [١٣] الدائرة! فقالت لها الزباء: قد أديت النصيحة، وأحسنت الروية، وإن الرأي ما رأيت، والقول ما قلت.

стр. 462

فانصرفت عما كانت أجمعت عَلَيْهِ من غزو جذيمة، وأتت أمرها من وجه [١] الخداع والمكر. فكتبت إِلَى جذيمة تدعوه إِلَى نفسها وملكها، وأن يصل بلاده ببلادها، وكان فيما كتبت إليه: أنها لم تجد ملك النساء إلا قبح فِي [٢] السماع، وضعف السلطان، وقلة ضبط المملكة، وإنها لم تجد لملكها موضعا [٣] ولا لنفسها كفئا غيره، فاجمع ملكي إِلَى ملكك، وصل بلادي ببلادك، وتقلد أمري مع أمرك. فلما انتهى كتاب الزباء/ إِلَى جذيمة استخفه ما دعته إليه، ورغب فيما أطمعته فيه، وجمع إليه أهل [الحجي] [٤] والنهى، من ثقات أصحابه، وهو بالبقة من شاطئ الفرات، فعرض عليهم ما دعته إليه الزباء، واستشارهم، فأجمع رأيهم عَلَى أن يسير إليها، ويستولي عَلَى ملكها، وكان فيهم رجل يقال له: قصير بْن سعد بْن عمرو، وكان سعد قد تزوج أمة لجذيمة، فولدت له قصيرا، وكان حازما مقدما عند جذيمة، فخالفهم فيما أشاروا به، وَقَالَ: «رأي فاتر، وعدو [٥] حاضر» . فذهبت مثلًا [٦] . وَقَالَ لجذيمة: اكتب إليها، فإن كانت صادقة فلتقبل إليك، وإلا لم تمكنها من نفسك ولم تقع فِي حبالها، وقد قتلت أباها. فلم يوافق جذيمة ما أشار به عَلَيْهِ [٧] قصير، وَقَالَ له: «إنك امرؤ رأيك فِي الكن لا فِي الضح» . فذهبت مثلا. ودعا جذيمة ابن أخته عمرو بْن عدي فاستشاره، فشجعه على السير. فاستخلف عمرو، وسار في وجوه أصحابه، فلما نزل رحبة طوق [٨] دعا قصيرا، فَقَالَ: ويحك ما الرأي؟ قَالَ له: «ببقة تركت الرأي» ، فذهبت مثلا.

стр. 463

واستقبلته رسل الزباء بالهدايا والألطاف، فَقَالَ: [يا قصير] [١] ، كيف ترى؟ قَالَ: «خطر يسير فِي خطب كبير» . فذهبت مثلا. وَقَالَ له قصير: ستلقاك الخيول، فإن سارت أمامك فالمرأة صادقة، وإن أحاطت بك فالقوم غادرون، فاركب العصا- وكانت فرسا لجذيمة لا تجارى- فإني راكبها ومسايرك [عليها] [٢] . فلقيته [٣] الخيول فحالت بينه وبين العصا، فركبها قصير موليا، فَقَالَ: «ويل أمه حزما عَلَى ظهر العصا!» فذهبت مثلا. فجرت به إِلَى غروب الشمس ثم نفقت وقد قطعت أرضا بعيدة، فبنى عليها برجا يقال له: برج العصا. ودخل جذيمة عَلَى الزباء فقتلته [٤] ، ورجع قصير إِلَى عمرو بْن عدي، فَقَالَ: تهيأ ولا تطل دم خالك. قَالَ: «وكيف لي بها وهي أمنع من عقاب الجو» . فذهبت مثلا. / وكانت الزباء سألت كاهنة لها عَنْ ملكها وأمرها، فقالت: أرى [٥] هلاكك بسبب غلام مهين، وهو عَمْرو بْن عدي، ولكن حتفك بيدك، ومن قبله يكون ذلك. فحذرت من عمرو، وأخذت نفقا من مجلسها الذي كانت تجلس فيه إِلَى حصن لها داخل مدينتها، وَقَالَت: إن فجأني أمر دخلت النفق إِلَى حصني. ودعت رجلا مصورا، فجهزته وَقَالَت [له] [٦] : سر حَتَّى تقدم عَلَى عمرو بْن عدي متنكرا، فتخلو بحشمه وتخالطهم، ثم أثبت عمرو بْن عدي معرفة فصوره جالسا وقائما، وراكبا ومتفضلا [٧] ، ومتسلحا بهيئته وثيابه، فإذا أحكمت ذلك فأقبل إليّ.

стр. 464

فانطلق وصنع ما أمرته به، وأرادت أن تعرف عمرو بْن عدي فلا تراه عَلَى حال إلا عرفته وحذرته وعلمت علمه. فَقَالَ قصير لعمرو بْن عدي: أجدع أنفي واضرب ظهري، ودعني وإياها فَقَالَ عَمْرو: ما أنا بفاعل وما أنت لذلك بمستحق [١] مني. فَقَالَ قصير: «خل عني إذا وخلاك ذم» . فذهبت مثلًا. وَقَالَ ابن الكلبي: كان أبوها اتخذ لها [٢] النفق ولأختها، وكان الحصن لأختها فِي داخل مدينتها، قَالَ: فَقَالَ له عمرو: فأنت أبصر، فجدع أنفه وضرب ظهره فقالت العرب: «لمكر ما جدع قصير أنفه» . وَفِي ذلك يقول الملتمس: ومن حذر الأوتار ما جز أنفه ... قصير وخاض الموت بالسيف بيهس [٣] ثم خرج قصير كأنه هارب، وأظهر أن عمرا فعل به ذلك، وأنه يزعم أنه مكر بخاله جذيمة، وغره من الزباء. فسار قصير حَتَّى قدم عليها، فتسبب فِي قتلها [٤] . وَقَالَ مؤلف الكتاب: وقد رويت لنا هَذِهِ القصة عَلَى خلاف هَذَا، وأن جذيمة طرد الزباء ثم طلب أن يتزوجها، ونحن نوردها لتعلم قدر الاختلاف. أَنْبَأَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الملك بْن خيرون أَنْبَأَنَا أحمد بْن علي بْن ثابت [الخطيب] قَالَ: أَخْبَرَنَا عَليّ بْن الحسين بْن موسى العلوي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّد: سهل بْن أحمد الديباجي، قَالَ: أَخْبَرَنَا قاسم بْن جعفر السراج، قَالَ: أَخْبَرَنَا يعقوب بْن الناقد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عمرو بْن الفرج، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبي، عَنْ يونس بْن حبيب النحوي. قَالَ الديباجي: وَحَدَّثَنَا القاضي أَبُو مُحَمَّد: عَبْد الله بن أحمد الربعي، قال:

стр. 465

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْن عبيد بْن ناصح، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن مُحَمَّد الكلبي، عَنْ أبيه [١] ، قَالَ: كان جذيمة بْن مالك ملكا عَلَى الحيرة وعلى ما حولها من السواد- ملك ستين سنة- وكان به وضح، وكان شديد السلطان، قد خافته العرب، وتهيبه العدو، فتهيبت العرب أن يقولوا الأبرص، فقالوا: الأبرش. فغزا مليح بْن البراء، وكان ملكا عَلَى الحضر [٢] ، وهو الحاجز بين الروم والفرس. وهو الذي ذكره عدي بْن زيد فِي قوله: وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجلة ... تجبى إليه والخابور [٣] فقتله جذيمة، وطرد الزباء إِلَى الشام، فلحقت بالروم، وكانت عربية اللسان، حسنة البيان، شديدة السلطان، كبيرة الهمة. قَالَ ابن الكلبي: ولم تكن فِي نساء عصرها أجمل منها، وكان اسمها: فارعه، وكان لها شعر إذا مشت سحبته وراءها، وإذا نشرته جللها، فسميت الزباء. قَالَ ابن الكلبي: فبعث عِيسَى ابن مريم بعد قتل أبيها، فبلغت بها همتها أن جمعت الرجال، وبذلت الأموال، وعادت إِلَى ديار أبيها ومملكته، فأزالت جذيمة الأبرش [٤] عنها، وابتنت عَلَى عراقي الفرات مدينتين متقابلتين من شرقي الفرات وغربيه، وجعلت بينهما نفقا تحت الفرات، فكان إذا رهقها عدو أوت إليه وتحصنت به، وكانت قد اعتزلت الرجال، فهي عذراء بتول، وكان بينها وبين جذيمة مهادنة، فحدث جذيمة/ نفسه بخطبتها، فجمع خاصته فشاورهم فِي ذَلِكَ، وكان له ابن عم يقال له: قصير بْن سعد، وكان عاقلا لبيبا، وكان خازنه وصاحب أمره وعميد دولته، فسكت القوم وتكلم قصير فَقَالَ: أبيت اللعن أيها الملك، إن الزباء امرأة قد حرمت الرجال، فهي

стр. 466

عذراء بتول، لا ترغب فِي مال ولا جمال ولها عندك ثأر، والدم لا ينام، وإنما تاركتك وهنة وحذارا من بطشك، والحقد دفين فِي سويداء القلب، له كمون ككمون النّار في الحجر، إن أقدحته أورى، وإن تركته توارى، وللملك فِي بنات الأكفاء متسع، ولهن فيه مقنع، وقد رفع الله قدرك عَنِ الطمع فِي من دونك وعظم شأنك، فما أحد فوقك. فَقَالَ جذيمة: يا قصير، الرأي ما رأيته، والحزم فيما قلته، و [لكن] [١] النفس تواقة، وإلى ما تحب وتهوى مشتاقة، ولكل امرئ قدر لا مفر منه ولا وزر. فوجه إليها خاطبا، وَقَالَ: ائت الزباء فاذكر لها ما يرغبها فيه وتصبو إليه. فجاءها خطيبه، فلما سمعت كلامه وعرفت مراده، قالت له: أنعم بك عينا وبما جئت به وله [٢] . وأظهرت لَهُ السرور به، والرغبة فيه، وأكرمت مقدمه ورفعت موضعه، وَقَالَت: [قد كنت] [٣] أضربت عَنْ هَذَا الأمر خوفا أن لا أجد كفؤا، والملك فوق قدري، وأنا دون قدره، وقد أجبت إِلَى ما سأل، ورغبت فيما قَالَ، ولولا أن السعي فِي مثل هَذَا الأمر بالرجال أجمل لسرت إليه، ونزلت عَلَيْهِ [٤] . وأهدت له هدية سنية، فساقت العبيد، والإماء، والكراع، والسلاح، والأموال، والإبل، والغنم، وحملت من الثياب والعين والورق. فلما رجع إليه [٥] خطيبه أعجبه ما سمع من الجواب، وأبهجه ما رأى من اللطف، فظن أن ذلك بحصول رغبة، فأعجبته نفسه، وسار من فوره فِي من يثق به من خاصته وأهل مملكته، وفيهم قصير خازنه. واستخلف عَلَى ملكه [٦] ابن أخته عمرو بْن عدي اللخمي/، وهو أول ملوك الحيرة [من لخم] [٧] ، وكان ملكه عشرين ومائة سنة، وهو الذي اختطفته الجن وهو

стр. 467

صبي وردته وقد شب وكبر، فقالت أمه: ألبسوه الطوق، فَقَالَ خاله جذيمة: «شب عمرو عَنِ الطوق» . فذهبت مثلا. وسار إِلَى الزباء، فلما صار معه نزل فتصيد وأكل وشرب، واستغنى بالمشورة [١] والرأي من أصحابه، فسكت القوم وافتتح الكلام قصير بْن سعد، فَقَالَ: أيها الملك، كل عزم لا يؤيد بحزم فإلى آخر ما يكون كون فلا يثق به خرف قول لا محصول له، ولا يعقد [٢] الرأي بالهوى فيفسد، ولا الحزم بالمنى فينفذ، والرأي عندي للملك أن يعقب [٣] أمره بالتثبت، ويأخذ حذره بالتيقظ، ولولا أن الأمور تجري بالمقدور لعزمت عَلَى الملك عزما بتا أن لا يفعل. فأقبل جذيمة عَلَى الجماعة فَقَالَ: ما عندكم أنتم فِي هَذَا الأمر؟ فتكلموا بحسب ما عرفوا من رغبة الملك فِي ذلك وصوبوا رأيه، وقووا عزمه، فَقَالَ جذيمة: الرأي مع الجماعة، والصواب ما رأيتم، فَقَالَ قصير: «أرى القدر سابق بالحذر [٤] فلا يطاع لقصير أمر» . فأرسلها مثلا. وسار جذيمة فلما قرب من ديار الزباء نزل فأرسل إليها يعلمها بمجيئه، فرحبت به، وأظهرت السرور [٥] والرغبة به، وأمرت أن تحمل إليه الأموال [٦] والعلو، فأتت وَقَالَت لجندها، وخاصة أهل مملكتها وعامة أهل دولتها: تلقوا سيدكم وملك دولتكم. وعاد الرسول إليه بالجواب بما رأى وسمع، فلما أراد جذيمة أن يسير، دعا قصيرا، فَقَالَ: أنت عَلَى رأيك؟ قَالَ: نعم وقد زادت [بصيرتي فيه، أفأنت عَلَى عزمك؟ قَالَ: نعم وقد زادت] [٧] رغبتي فِيهِ. فَقَالَ قصير: ليس للأمور بصاحب من لم ينظر فِي العواقب، وقد يستدرك الأمر قبل فوته، وَفِي يد الملك بقية هو بها متسلط على استدراك

стр. 468

الصواب، فإن وثقت بأنك ذو ملك وسلطان، وعزة ومكان، فإنك قد نزعت يدك من سلطانك، وفارقت عشيرتك ومكانك، وألقيتها فِي يدي/ من لست آمن عليك مكره وغدره، فإن كنت ولا بد فاعلا، ولهواك تابعا، فإن القوم أن يلقوك غدا فرقا وساروا أمامك، وجاء قوم وذهب قوم فالأمر بعد فِي يدك، والرأي فيه إليك، فإن تلقوك زردقا واحدا، وقاموا لك صفين حَتَّى إذا توسطتهم انقضوا عليك من كل جانب فأحدقوا بك فقد ملكوك وصرت فِي قبضتهم، وهذه العصا [١] لا تسبق غبارها- وكانت لجذيمة فرس تسبق الطير، وتجاري الرياح يقال لها: عصا- فإذا كان كذلك فتجلل ظهرها، فهي ناجية بك إن ملكت ناصيتها، فسمع جذيمة كلامه، ولم يرد جوابا، وسار. وكانت الزباء لما رجع رسول جذيمة من عندها قالت لجندها: إذا أقبل جذيمة [غدا] [٢] فتلقوه بأجمعكم وقوموا له صفين من عَنْ يمينه ومن [٣] عَنْ شماله، فإذا توسط جمعكم فتفوضوا عَلَيْهِ من كل جانب حَتَّى تحدقوا به، وإياكم أن يفوتكم. وسار جذيمة وقصير عَنْ يمينه، فلما لقيه القوم زردقا [٤] واحدا قاموا له صفين، فلما توسطهم انقضوا عَلَيْهِ من كل جانب انقضاض الأجدل [٥] عَلَى فريسته [٦] ، فأحدقوا به [٧] ، وعلم أنهم قد ملكوه، وكان قصير يسايره، فأقبل عَلَيْهِ، وَقَالَ: صدقت يا قصير. فَقَالَ قصير: أيها الملك، «أبطأت بالجواب حَتَّى فات الصواب» . فأرسلت [٨] مثلا. فَقَالَ: كيف الرأي الآن؟ فَقَالَ: هَذِهِ العصا فدونكها، لعلها تنجو بك [٩]- أو

стр. 469

قَالَ: تنجو بها وهو الأصح [١]- فأنف جذيمة من ذلك، وسارت به الجيوش، فلما رأى قصير أن جذيمة قد استسلم للأسر وأيقن بالقتل جمع نفسه، فصار عَلَى ظهر العصا وأعطاها عنانها وزجرها، فذهبت به تهوي هوي الريح [٢] ، فنظر إليه جذيمة وهي تتطاول به. وأشرفت الزباء من قصرها، فقالت: ما أحسنك من عروس/ تجلي علي وتزف إلي. حَتَّى دخلوا [به] [٣] عَلَى الزباء ولم يكن معها فِي قصرها إلا جوار أبكار أتراب، وكانت جالسة عَلَى سريرها وحولها ألف وصيفة، كل واحدة لا تشبه صاحبتها فِي خلق ولا زي، وهي بينهن كأنها قمر قد حفت به النجوم تزهر، وأمرت بالأنطاع [٤] فبسطت، وَقَالَت لوصيفاتها: خذوا بيد سيدكن وبعل مولاتكن. فأخذن بيده، فأجلسنه عَلَى الأنطاع بحيث تراه ويراها، [وتسمع كلامه ويسمع كلامها] [٥] ، ثم أمرت الجواري فقطعن دواهيه، ووضعت الطشت تحت يده، فجعلت دماؤه تشخب فِي الطشت، فقطرت قطرة فِي النطع، فقالت لجواريها: لا تضيعوا دم الملك، فَقَالَ جذيمة: لا يحزنك دم أراقه أهله. فلما مات قالت: والله ما وفى دمك ولا شفى قتلك، ولكنه غيض [٦] من فيض. ثم أمرت به فدفن. وكان جذيمة قد استخلف عَلَى مملكته ابن أخته: عمرو بْن عدي، وكان يخرج كل يوم إِلَى ظهر الحيرة يطلب الخبر، ويقتفي الأثر من خاله، فخرج ذات يوم ينظر إِلَى فارس [قد أقبل] [٧] تهوي بِهِ فرسه هوي الريح، فَقَالَ: أما الفرس ففرس جذيمة، وأما الراكب فكالبهيمة لأمر ما جاءت العصا، فأشرف عليهم قصير، فقالوا: ما وراءك؟ قَالَ: سعى القدر بالملك إِلَى حتفه رغم أنفي [٨] وأنفه فاطلب بثأرك من الزّباء، فقال عمرو:

стр. 470

وأي [١] ثأر يطلب من الزباء وهي أمنع من عقاب الجو، فَقَالَ قصير: قد علمت نصحي [كيف] [٢] كان لخالك، وكان الأجل رائده، وإني والله لا أنام عَنِ الطلب بدمه ما لاح نجم وطلعت شمس، أو أدرك به ثأرا أو تحرم نفسي فاعذر. ثم أنه عمد إِلَى أنفه فجدعه، ثم لحق بالزباء هاربا من عمرو بْن عدي، فقيل لها: هَذَا قصير ابن عم جذيمة وخازنه وصاحب أمره قد جاءك، فأذنت له، فقالت: ما الذي جاء بك يا قصير وبيننا وبينك دم عظيم الخطر، فَقَالَ: يا ابنة/ الملوك العظام، لقد أتيت فيما يأتي [٣] مثلك فِي مثله، لقد كان دم الملك يطلبه حَتَّى أدركه، وقد جئتك مستجيرا بك من عمرو بْن عدي، فإنه اتهمني بخاله وبمشورتي عَلَيْهِ فِي المسير [إليك] [٤] ، فجدع أنفي، وأخذ مالي، وحال بيني وبين عيالي، وتهددني بالقتل، وإني خشيت عَلَى نفسي فهربت منه إليك، وأنا مستجير بك، ومستند إِلَى كهف عزك. فقالت: أهلا وسهلا، لك حق الجوار ودية المستجير. وأمرت به فأنزل [وأجريت له الأنزال] [٥] ووصلته وكسته، وأخدمته وزادت فِي إكرامه، فأقام مدة لا يكلمها ولا تكلمه، وهو يطلب الحيلة عليها، وموضع الفرصة منها، وكانت متمنعة بقصر مشيد عَلَى باب النفق تعتصم به فلا يقدر أحد عليها [٦] . فَقَالَ لها قصير [يوما] [٧] إن لي بالعراق مالا كثيرا وذخائر نفيسة مما يصلح للملوك، فإن أذنت لي بالخروج [٨] إِلَى العراق، وأعطيتني شيئا أتعلل به فِي التجارة، وأجعله سببا إِلَى الوصول إِلَى مالي أتيتك بما قدرت عليه من ذلك. فأعطته مالا بعد ما أذنت له [٩] ، فقدم العراق وبلاد كسرى، فأطرفها وألطفها

стр. 471

وسرها، وبنت له عندها منزلا، وعاد إِلَى العراق ثانية، فقدم بأكثر من ذلك طرفا من الجواهر [١] ، والبز، والخز، والقز، والديباج، فازداد مكانه عندها [٢] ، وازدادت منزلته عندها، ورغبتها فيه، ولم يزل قصير يتلطف حَتَّى عرف موضع النفق الذي تحت الفرات، والطريق إليه. ثم خرج ثالثة فقدم بأكثر من الأوليين طرائف ولطائف، فبلغ مكانه [منها] [٣] وموضعه عندها إلى أن كانت تستعين به فِي مهمها وملمها، فاسترسلت إليه وعولت عَلَيْهِ فِي أمورها كلها [٤] . وكَانَ قصير رجل حسن العقل والوجه، حصيفا أديبا لبيبا، فقالت له يوما: أريد أن أغزو البلد الفلاني من أرض الشام، فاخرج إِلَى العراق فأتني بكذا وكذا من السلاح والكراع والعبيد والثياب/ فَقَالَ قصير: ولي فِي بلاد عمرو بْن عدي ألف بعير وخزانة من السلاح فيها كذا وكذا، وما يعلم عمرو بْن عدي [٥] بها، ولو علم لأخذها واستعان بها عَلَى حربك، وكنت أتربص به المنون وأنا أخرج متنكرا من حيث لا يعلم فآتيك بها مع الذي سألت. فأعطته من المال ما أراد، وَقَالَت: يا قصير، الملك يحسن بمثلك وعلى يد مثلك يصلح أمره، ولقد بلغني أن أمر جذيمة كان إيراده وإصداره إليك، وما تقصر يدك عَنْ شَيْء تناله يدي، ولا يقعد بك حال تنهض بي. فسمع كلامها رجل من خاصة قومها، فَقَالَ: أسد خادر وليث زائر، قد تحفز للوثبة. ولما رأى قصير مكانه منها وتمكنه من قلبها، قَالَ: الآن طاب المصاع. وخرج من عندها، فأتى عمرو بْن عدي وَقَالَ: أصبت الفرصة من الزباء فانهض فعجل الوثبة، فَقَالَ له عمرو: قل يسمع [٦] ، ومر أفعل، فأنت طبيب هَذِهِ القرحة، فَقَالَ: الرجال والأموال. فَقَالَ: حكمك فيما عندنا مسلط. فعمد إِلَى ألفي رجل من فتاك قومه

стр. 472

وصناديد [١] أهل مملكته، فحملهم عَلَى ألف بعير فِي الغرائر السود، وألبسهم السلاح والسيوف والحجف [٢] ، وأنزلهم فِي الغرائر، وجعل [رءوس] [٣] المسوح من أسافلها مربوطة من داخل، وكان عمرو فيهم. وساق الخيل والعبيد والكراع والسلاح والإبل [٤] محملة. فجاءها البشير فَقَالَ [٥] : قد جاء قصير. ولما قرب من المدينة حمل الرجال فِي الغرائر متسلحين السيوف والحجف، وَقَالَ: إذا توسطت الإبل المدينة والأمارة بيننا كذا وكذا فاخرطوا الربط. فلما قربت العير من مدينة الزباء فِي قصرها فرأت الإبل تتهادى بأحمالها فارتابت منها [٦] ، وقد كان وشي بقصير إليها، وحذرت منه، فقالت للواشي [به إليها] [٧] إن قصير اليوم منا، وهو ربيب هَذِهِ النعمة، وصنيعة هَذِهِ الدولة، وإنما يبعثكم [عَلَى] [٨] ذلك الحسد، وأن ليس فيكم مثله، فهالها [٩] ما رأت من كثرة الإبل/ وعظم [١٠] أحمالها فِي نفسها [مع ما عندها] [١١] من قول الواشي به إليها: أرى الجمال سيرها وئيدا [١٢] ... أجندلا يحملن أم حديدا

стр. 473

أم صرفانا باردا شديدا ... أم الرجال فِي المسوح سودا [١] ثم أقبلت عَلَى جواريها وَقَالَت: «أرى الموت الأحمر فِي الغرائر السود» - فذهبت مثلا- حتى [٢] إذا توسطت الإبل المدينة وتكاملت، ألغز [٣] إليهم الأمارة، فاخترطوا رءوس الغرائر، فوقع [٤] إِلَى الأرض ألفا ذراع بألفي باتر ونادوا [٥] : يا لثأر القتيل غدرا. وخرجت الزباء تمضي [٦] تريد النفق، فسبقها إليه قصير، فحال بينها وبينه، فلما رأت أن قد أحيط [بها] [٧] وملكت التقمت خاتما فِي يدها تحت فصه سم ساعة، وَقَالَت: «بيدي لا بيدك يا عمرو» [٨] فأدركها عمرو وقصير، فضرباها بالسيف حَتَّى هلكت، وملكا مملكتها، واحتويا على مملكيها [٩] ونعمتها، وخط قصير عَلَى جذيمة قبرا، وضرب عَلَيْهِ فسطاطا، وكتب عَلَى قبره يقول [١٠] : ملك تمنع بالعساكر والقنا ... والمشرفية عزة ما توصف فسعت منيته إِلَى أعدائه ... وهو المتوج والحسام المرهف قَالَ علماء السير [١١] : وصار الملك من بعد جذيمة لابن أخته عمرو بْن عدي، وهو أول من اتخذ الحيرة منزلا من ملوك العرب، وأول من مجده أهل الحيرة فِي كتبهم من ملوك العرب بالعراق، وإليه ينسبون، وهم ملوك آل نصر. قالوا: عمرت الأنبار خمسمائة سنة وخمسين سنة، إِلَى أن عمرت الحيرة في زمن عمرو بن عديّ.

стр. 474

وعمرت الحيرة خمسمائة سنة وبضعا وثلاثين سنة إِلَى أن وضعت الكوفة، ونزلها أهل الْإسْلَام، فلم يزل عمرو بْن عدي ملكا إِلَى أن مات وهو ابن مائة وعشرين سنة. قيل: مائة وثماني عشرة سنة. ومن ذلك فِي زمن أردشير، / ومن ملوك الطوائف خمس وتسعون سنة. وَفِي [زمن] [١] ملوك فارس ثلاث [٢] وعشرون. ومن ذلك فِي زمن أردشير بْن بابك أربع عشرة سنة وعشرة أشهر. وَفِي زمن سابور بْن أردشير ثماني سنين وشهران. وما زال عقب عمرو بْن عدي بعده لهم الملك متصلا عَلَى كل من بنواحي العراق وبادية الحجاز من العرب باستعمال ملوك فارس إياهم عَلَى ذلك واستكفائهم أمر من وليهم من العرب إِلَى أن قتل أبرواز بْن هرمز النعمان بْن المنذر، ونقل ما كانت ملوك فارس يجعلونه إليهم إِلَى غيرهم. والنعمان من أولاد نصر أيضا، لأنه النعمان بْن المنذر بْن ماء السماء بْن عمرو بْن عدي بْن نصر بن ربيعة. قال أبو جعفر بن الطبري [٣] : ما زال عَلَى ثغر العرب من قبل ملوك الفرس من آل ربيعة إِلَى أن ولى عمرو بْن هند، ثم ولي بعده [أخوه] [٤] قابوس بْن المنذر، ثم ولي أربع سنين من ذلك في زمن أنوشروان ثمانية أشهر، وَفِي زمن هرمز ثلاث سنين وأربعة أشهر، ثم ولي بعده السهرب، ثم [ولي] [٥] بعده المنذر أَبُو النعمان بْن المنذر أربع سنين، ثم بعده النعمان بْن المنذر أبو قابوس اثنتين وعشرين سنة من ذلك فِي زمن هرمز سبع سنين وثمانية أشهر، وَفِي زمن أبرويزا أربع عشرة سنة، وأربعة أشهر، ثم ولي إياس بْن قبيصة الطائي تسع [٦] سنين، ولسنة [٧] وثمانية أشهر من [٨] ولايته بعث رسول

стр. 475

الله ﷺ ، ثم استخلف ازادية الهمداني سبعة عشر سنة، ثم استخلف ولي المنذر بن النعمان بن المنذر ثمانية أشهر إِلَى أن قدم خالد بْن الوليد الحيرة، وكان آخر من بقي من آل نصر. فجميع ملوك آل نصر عشرون [١] ملكا، ملكوا خمس مائة واثنتين وعشرين سنة وثمانية أشهر. فصل [فِي سبب نزول ملوك آل نصر الحيرة] [٢] وكان سبب نزولهم الحيرة رؤيا رآها نصر بْن ربيعة اللخمي [٣] ، وكان ملكه بين التبابعة. فرأى رؤيا هالته، فبعث فِي مملكته فلم يدع كاهنا ولا منجما إلا جمعه إليه، ثم قَالَ لهم: / إني قد [٤] رأيت رؤيا هالتني، فأخبروني بتأويلها، فقالوا: اقصصها علينا، فَقَالَ: إنه لا يعرف تأويلها إلا من يعرفها قبل أن أخبره بها، قالوا: فإن كان الملك يريد ذلك فليبعث إلى سطيح، وشقّ، فإنه ليس أحد أعلم منهما. واسم سطيح: ربيع بْن ربيعة بْن مسعود بْن مازن. وشق بْن صعب بْن يشكر [٥] بْن فهم. فبعث إليهما، فقدم سطيح قبل شق، ولم يكن فِي زمانهما مثلهما من الكهان، فَقَالَ له: يا سطيح، إني قد رأيت رؤيا هالتني فإن أصبتها أصبت تأويلها. فَقَالَ: رأيت جمجمة [٦] خرجت من ظلمة فوقعت بأرض ثهمة، فأكلت منها كل ذات جمجمة. فَقَالَ الملك: ما أخطأت منها شيئا يا سطيح، فما عندك من تأويلها؟ قَالَ: أحلف بما بين الحرتين من حنش، ليهبطن أرضكم الحبش، فليملكن ما بين أبين إلى جرش.

стр. 476

قَالَ له الملك: وأبيك يا سطيح، إن هَذَا لغائظ موجع، فمتى هو كائن؟ فِي زماني أم بعده [١] ؟ قَالَ: لا [٢] بل بعده بحين، الحين من ستين إِلَى سبعين. قَالَ: فهل يدوم ذلك من ملكهم أو ينقطع؟ قال [٣] : لا بل ينقطع لبضع وسبعين يمضين من السنين، ثم يخرجون منها هاربين. قَالَ: ومن يلي ذلك؟ قال: إرم ذي يزن، يخرج عليهم من عدن، فلا يترك أحد منهم باليمن. قَالَ: أفيدوم ذلك من سلطانه أو ينقطع؟ قَالَ: لا بل ينقطع. قَالَ: ومن يقطعه؟ قَالَ: نبي زكي، يأتيه الوحي من العلي قَالَ: وممن هَذَا النبي؟ قَالَ: رجل من ولد غالب بْن فهر بْن مالك بْن النضر، يكون الملك فِي قومه إِلَى آخر الدهر. قَالَ: وهل [للدهر] [٤] يا سطيح من آخر؟ قَالَ: نعم، يوم يجمع فيه [٥] الأولون والآخرون، ويسعد فيه المحسنون ويشقى فيه المسيئون. قَالَ: أحق ما تخبرنا يا سطيح؟ فَقَالَ: نعم، والشفق والغسق والفلق إذا اتسق، إن ما أنبأتك به لحق. فلما فرغ قدم شق/ فدعاه فَقَالَ: يا شق إني قد رأيت رؤيا فأخبرني بها، قَالَ: نعم، رأيت جمجمة خرجت من ظلمة فوقعت بين روضة [٦] وأكمة، فأكلت منها كل ذات نسمة، قَالَ: صدقت، فما عندك من تأويلها؟ قَالَ: أحلف بما بين الحرتين من إنسان لينزلن أرضكم السودان، فليغلبن عَلَى كل طفلة البنان [٧] ، وليملكن ما بين أبين إِلَى نجران. فَقَالَ له الملك: وأبيك يا شق، إن هَذَا لغائظ موجع، فمتى هو كائن؟ أفي زماني أم بعده؟ [قَالَ بعدكم] [٨] بزمان، ثم يستنقذكم منه عظيم ذو شأن، ويذيقهم منه أشد الهوان قَالَ: ومن هَذَا العظيم الشأن؟ قَالَ: غلام من بيت ذي يزن. قال: فهل يدوم ملكه

стр. 477

أم ينقطع؟ قَالَ: بل ينقطع برسول يأتي بالحق وبالعدل [١] ، يكون الملك فِي قومه إِلَى يوم ال فصل . قال: وما يوم الفصل؟ قَالَ: يوم يجزى فيه الولاة، ويجمع الناس للميقات. فوقع فِي نفسه أن [٢] ما قالا كائن من [٣] أمر الحبشة، فجهز بنيه وبني [٤] أهل بيته إِلَى العراق، وكتب لهم إِلَى ملك من ملوك الفرس [٥] يقال له: سابور، فأسكنهم الحيرة، وما زالت الحيرة يسكنها الملوك [٦] . فصل [٧] قَالَ مؤلف الكتاب [٨] : وقد روينا عَنْ بعض ملوك الحيرة قصة مستطرفة يحسن ذكرها. أَخْبَرَنَا المبارك بْن علي الصيرفي، قَالَ: أخبرتنا فاطمة بنت عَبْد اللَّه بْن إِبْرَاهِيم الحيري، قالت: أخبرنا علي بن الحسن بن الفضل، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن خالد الكاتب، قَالَ: أَخْبَرَنَا علي بْن عَبْد اللَّه بْن المغيرة الجوهري، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد بن سعيد الدمشقي، قَالَ: حدثني الزبير بْن بكار، قَالَ: حدثني عمي مصعب بْن عَبْد اللَّه، عَنِ الهيثم بْن عدي، عن أبيه [٩] ، قَالَ: كان المنصور أمير المؤمنين ضم الشرقي من قطامي إِلَى المهدي حين وضعه

стр. 478

بالري، فأمره أن يأخذه بالحفظ لأيام العرب ومكارم أخلاقها ودراسة أخبارها [١] وقراءة أشعارها، فَقَالَ له المهدي ذات ليلة: يا شرقي، مرح قلبي [الليلة] [٢] بشَيْء يلهيه، قَالَ: نعم، أصلح اللَّه الأمير، ذكروا أنه كان فِي ملوك/ الحيرة ملك له نديمان قد نزلا من قلبه منزلة نفيسة، وكانا لا يفارقانه فِي لهوه وبأسه، ويقظته ومنامه [٣] ، وكان لا يقطع أمرا دونهما، ولا يصدر إلا عَنْ رأيهما، فغبر بذلك دهرا طويلا. فبينما هو ذات ليلة فِي شغله ولهوه، إذ غلب عَلَيْهِ الشراب فأثر فيه تأثيرا أزال عقله، فدعا بسيفه فانتضاه وشد عليهما فقتلهما، وغلبته عيناه فنام، فلما أصبح سأل عنهما فأخبر بما كان منه، فأكب عَلَى الأرض عاضا عليها [٤] تأسفا عليهما وجزعا لفراقهما، فامتنع من الطعام والشراب وتسلب عليهما ثم حلف ألا [٥] يشرب شرابا يخرج عقله ما عاش، فواراهما وبنى عَلَى قبريهما الغرنين، وسن أن لا يمر بهما أحد من الملك فمن دونه إلا سجد لهما. قَالَ: وكان إذا سن الملك سنة توارثوها وأحيوا ذكرها، وأوصى بها الآباء أعقابهم. قَالَ: فغبر الناس بذلك دهرا طويلا لا يمر بقبرهما أحد [٦] صغيرا ولا كبيرا إلا سجد لهما، فصار ذلك سنة لازمة، وأمرا كالشريعة والفريضة، وحكم فِي من أبى أن يسجد لهما بالقتل بعد أن يحكم فِي خصلتين يجاب إليهما كائنا ما كانتا. قَالَ: فمر يوما قصار [٧] ومعه كارة ثيابه، وفيها مدقته، فَقَالَ الموكلون بالقبر للقصار: اسجد! فأبى أن يفعل، فقالوا: إنك مقتول إن لم تسجد، فأبى، فرفع إِلَى الملك وأخبر بقصته. فَقَالَ: ما منعك أن تسجد؟ فقال: قد سجدت، ولكن كذبوا

стр. 479

عَلَى، قالوا الباطل. قَالَ الملك: فاحتكم فِي خصلتين فإنك مجاب إليهما وإني قاتلك، قَالَ: ولا بد من قتلي بقول هَؤُلاءِ؟ قَالَ: لا بد من ذلك، قَالَ: فإني أحكم أن أضرب رقبة الملك بمدقتي هَذِهِ، قَالَ له الملك: يا جاهل، لو حكمت بما يجدي عَلَى من تخلف كان أصلح لهم. قال: ما أحكم إلا بضربة لرقبة الملك. فَقَالَ الملك لوزرائه: ما ترون فيما حكم به هَذَا الجاهل، قالوا: نرى إن هَذِهِ سنة أنت سننتها، وأنت تعلم ما فِي نقض/ السنن من العار والبوار وعظيم الإثم، ومتى نقضت سنة نقضت أخرى ثم أخرى، ثم يكون ذلك لمن بعدك كما كان لك، فتبطل السنن. قَالَ: فاطلبوا لي القصار أن يحكم بما شاء ويعفيني من هَذِهِ، فإني أجيبه إِلَى ذلك ولو بلغ شطر ملكي. فطلبوا إليه، قَالَ: ما أحكم إلا بضربة فِي رقبته، فلما رأى الملك ما عزم عَلَيْهِ القصار عقد [١] له مجلسا عاما، وأحضر القصار وأبدى مدقته فضرب بها عنق الملك ضربة أزاله [عن موضعه] [٢] ، فخر الملك مغشيا عَلَيْهِ، فأقام ستة أشهر عليلا [٣] ، وبلغت به العلة حدا كان يجرع فيها الماء بالقطن. فلما أفاق وتكلم، وطعم وشرب سأل عَنِ القصار، فقيل له: إنه محبوس، فأمر بإحضاره، وَقَالَ: قد بقيت لك خصلة فاحكم فيها فإني قاتلك لا محالة. فَقَالَ القصار: فإذا كان ولا بد فإني أحكم أن أضرب الجانب الآخر ضربة أخرى، فلما سمع الملك بذلك خر عَلَى وجهه من الجزع، وَقَالَ: ذهبت والله إذا نفسي. ثم قَالَ للقصار: ويلك دع عنك ما لا ينفعك، فإنه لن ينفعك [٤] ما مضى فاحكم بغيره أنفذه لك كائنا ما كان، قَالَ: ما راحتي إلا فِي ضربة [٥] أخرى. فَقَالَ الملك لرؤسائه ووزرائه: ما ترون؟ قالوا: تموت عَلَى السنة، قَالَ: ويلكم والله إنه إن ضرب الجانب الآخر لم أشرب الماء البارد أبدا، لأني أعلم بما قد مر بي. قالوا: فما عندنا حيلة.

стр. 480

فلما رأى ذلك وما قد أشرف عَلَيْهِ، قَالَ للقصار: أخبرني، ألم أكن قد سمعتك يوم جاء بك الشرط أنك قد سجدت؟ قَالَ: نعم. فوثب من مجلسه وقبل رأسه، وَقَالَ: أشهد أنك أصدق من أولئك، وأنهم كذبوا عليك. فانصرف راشدا، فحمل كارته ومضى. فضحك المهدي حَتَّى فحص برجله، وَقَالَ: أحسنت والله، ووصله وبره . ذكر ما كان من طسم وجديس قَالَ مؤلف الكتاب [١] : كانوا فِي أيام ملوك الطوائف، وكان فناء جديس عَلَى يد حسان بْن تبع [٢] . قَالَ علماء السير: / كان طسم وجديس من ساكني اليمامة، وهي إذ ذاك من أخصب البلاد وأعمرها وأكثرها خيرا، فيها من صنوف الثمار ومعجبات الحدائق والقصور الشامخة، وكان عليهم ملك من طسم، ظلوم غشوم، لا ينهاه شَيْء عَنْ هواه، يقال له: عملوق. وكان مما لقوا من ظلمه أنه أمر بألا تهدى بكر من جديس إِلَى زوجها حَتَّى تدخل عَلَيْهِ فيفترعها [٣] ، فَقَالَ رجل من جديس يقال له الأسود بْن غفار لرؤساء قومه: قد ترون ما نحن فيه من العار والذل الذي ينبغي للكلاب أن تعافه وتمتعض منه، فأطيعوني، فإني أدعوكم إِلَى عز الدهر ونفي الذل، قالوا: وما ذاك؟ قَالَ: إني صانع للملك وقومه طعاما، فإذا جاءوا نهضنا إليهم بأسيافنا، فأنفرد به فأقتله، وليجهز كل رجل منكم عَلَى جليسه. فأجابوه إِلَى ذلك وأجمع رأيهم عَلَيْهِ، فأعد طعاما، وأمر قومه فانتضوا سيوفهم ودفنوها في الرمل، وَقَالَ: إذا أتاكم القوم يرفلون فِي حللهم فخذوا سيوفهم [٤] ، ثم

стр. 481

شدوا عليهم قبل أن يأخذوا مجالسهم، ثم اقتلوا الرؤساء، فإنكم إذا قتلتم الرؤساء [١] لم تكن السفلة شيئا. ففعلوا ذلك فأفنوهم، فهرب رجل من طسم يقال له: رياح [٢] بْن مرة، حَتَّى أتى حسان بْن تبع فاستغاث به، فخرج حسان فِي حمير [٣] ، فلما كان من اليمامة عَلَى ثلاث، قَالَ له رياح: أبيت اللعن! إن لي أختا متزوجة فِي جديس، يقال لها: اليمامة، ليس عَلَى وجه الأرض أبصر منها، إنها لتبصر الراكب من مسيرة ثلاث، وأنا أخاف أن تنذر القوم بك، فمر أصحابك فليقلع [٤] كل رَجُل منهم شجرة فليجعلها أمامه، ويسير وهي فِي يده. فأمرهم حسان بذلك ففعلوا، ثم سار [٥] ، فنظرت اليمامة إليهم فأخبرت بحالهم- عَلَى ما تقدم- وصبحهم حسان فأبادهم [٦] وهدم قصورهم وحصونهم، وقتل اليمامة- وكانت فيما ذكر [٧] أول من اكتحل بالإثمد [٨] . وحسان هَذَا يقال/ له: تبع بْن تبع [بْن] أسعد أبي كرب بْن ملكيكرب [٩] بْن تبّع، وهو أبو تبّع الأصغر بْن حسان، الذي يزعم أهل اليمن أنه قدم مكة وكسى الكعبة شعب المطابخ [١٠] ، وإنما سمي بهذا الاسم لنصبه المطابخ فِي ذلك الموضع وإطعامه الناس، وأن أجيادا إنما سمي أجيادا، لأن خيله كانت هناك، وأنه قدم يثرب، فنزل منزلا يقال له: منزل الملك، وقتل من اليهود مقتلة عظيمة بسبب شكاية [١١] من شكاهم إليه من

стр. 482

الأوس والخزرج بسوء الجوار، وأنه وجه ابنه حسان إِلَى السند وسمرا ذا الجناح إِلَى خرسان، وأمرهما أن يستبقا إِلَى الصين، فمر سمر [١] بسمرقند، فأقام عليها حَتَّى افتتحها، وقتل مقاتلتها [وسبى] [٢] وحوى ما فيها، ونفذ إِلَى الصين، فوافى حسان بها. فمن أهل اليمن من يزعم أنهما ماتا هنالك، ومنهم من يزعم أنهما انصرفا إِلَى تبع بالأموال والغنائم [٣] . ذكر الأحداث المتعلقة بالفرس قَالَ مؤلف الكتاب [٤] : وقد ذكرنا أن الإسكندر اليوناني قتل دارا بْن دارا الذي كان ملك الفرس بالعراق ملك أقليم بابل، ثم فرق الممالك بين ملوك الطوائف، وقد بينا أن [معنى] [٥] ملوك الطوائف: أن كل ملك يملك بناحية معروفة ولا يتعداها [إِلَى غيرها] [٦] فأما السواد فإنها بقيت بعد هلاك [٧] الإسكندر فِي يد الروم أربعا وخمسين سنة [٨] ، وكان فِي ملوك الطوائف رَجُل من نسل الملوك وولده عَلَى السواد، وكانوا إنما يملكون سواد الكوفة ويتطرفون الجبال وناحية الأهواز وفارس إِلَى أن خرج رجل يقال له: أشك [٩] ، وهو ابن دارا الأكبر، وكان مولده ومنشأه بالري، فجمع جمعا كبيرا، وسار يريد أنطيخس الرومي، فلقيه فقتل أنطيخس [١٠] وغلب السواد، وصار فِي يده من الموصل إِلَى الري وأصبهان، فعظمه سائر ملوك الطوائف لنسبه وشرفه فيهم، وسمّوه ملكا، وأهدوا إليه [١١] .

стр. 483

ثم ملك بعده جوذرز بْن أشكان [١] ، ويقال: / ابن سابور، وقيل: هو الذي غزا بني إسرائيل فِي المرة الثانية، سلط عليهم لقتلهم يحيى بْن زكريا، فأثخن فيهم ولم يعد لهم جماعة، ورفع اللَّه منهم النبوة، وأنزل عليهم الذل. وكانت الروم قد أقبلت إِلَى بلاد [٢] فارس لطلب ثأر أنطيخش [٣] ، وملك بابل يومئذ بلاش أَبُو أردوان [٤] ، فكتب إِلَى ملوك الطوائف يعلمهم قصد الروم إِلَى بلادهم فأمدوه، فاجتمع عنده أربعمائة ألف، فولى عليهم ملكا من ملوك الطوائف يلي ما بين انقطاع السواد إِلَى الحيرة، فسار بهم حَتَّى لقي ملك الروم فقتله، واستباح عسكره، وذلك هو الذي هيج الروم على بناء قسطنطينية، ونقل الملك من رومية [٥] إليها، وكان الذي ولي إنشاءها قسطنطين الملك، وهو أول ملك من ملوك الروم تنصر، وهو الذي أجلى من بقي من إسرائيل عَنْ فلسطين والأردن لقتلهم عِيسَى، وأخذ الخشبة التي زعموا أنهم صلبوا عليها عِيسَى [٦] ﵇ [٧] ، فعظمها الروم وأدخلوها خزائنهم، فهي عندهم إِلَى الآن [٨] ، ولم يزل ملك فارس متفرقا حتى ملك أردشير بن بابك بْن ساسان بْن بابك بْن زرار [٩] بْن بهافريذ [١٠] بْن ساسان الأكبر بْن بهمن بْن إسفنديار [١١] بْن بشتاسب [١٢] بْن لهراسب فنهض بفارس طالبا بزعمه دم ابن عمه دارا

стр. 484

ابن دارا بْن بهمن الذي حارب الإسكندر حَتَّى قتله [حاجباه] ، ومريدا [١] بزعمه رد الملك إِلَى أهله الذي لم يزل عَلَيْهِ سلفه وآباؤه الذين مضوا قبل ملوك الطوائف، وكان مولده بأصطخر، وكان جده ساسان شجاعا [٢] بلغ من شجاعته أنه حارب وحده ثمانين رجلا من أهل أصطخر ذوي نجدة فهزمهم، وكان ساسان قيما عَلَى بيت نار أصطخر، فولد له بابك، فلما احتنك [٣] قام بأمر النَّاس بعده ابنه، ثم ولد له أردشير فملك وفتك بجماعة من الملوك، وفتح البلدان، وسمي: شاهنشاه، وبنى الجوسق، وبنى المدينة التي فِي شرقي المدائن، ومدينة غربية، وأقام/ بالمدائن، وكان قد حلف لا يستبقي أحدا من ملوك الطوائف، أوجب ذلك عَلَى عقبه، فوجد جارية فِي دار المملكة فأعجبته، وكانت بنت أردوان الملك وهو من ملوك الطوائف، واسمها: سورا، فَقَالَ لها وهو لا يعلم أنها ابنة أردوان: أبكر أنت أم ثيب؟ فقالت: بكر، فواقعها واتخذها لنفسه، فعلقت منه، فلما علمت أنها حامل عرفته نسبها فنفر طبعه عنها، ودعى شيخا مسنا وسلمها إليه وَقَالَ: أودعها [٤] بطن الأرض، ولما أخذها الشيخ أعلمته أنها حامل من الملك أردشير فجعلها فِي سرب وقطع مذاكيره وجعلها فِي حق وسلم الحق إِلَى أردشير وسأله أن يختم عَلَيْهِ بخاتمه، ويكون فِي بعض خزائنه ففعل ووضعت الجارية غلاما، فأخذ الشيخ طالعه فعلم أنه سيملك فسماه سابور [٥] ، فلما نشأ دخل الشيخ عَلَى الملك فرآه حزينا فَقَالَ: ما لك أيها الملك؟ فَقَالَ: لي هَذَا الملك وما لي ولد. فَقَالَ: أيها الملك انظر [٦] إِلَى الحق الذي كنت سألتك وضعه فِي بعض الخزائن. فأحضره وفتحه فلما أبصر ما فيه حدثه الشيخ حديث الجارية وولدها، فاستدعاه مع ألف صبي من أقرانه فلعبوا بالصوالجة وهو ينظر إليهم، فدخلت الكرة إيوان الملك، فأحجم الكل عنها، ودخل سابور وحده فأخذها، فعلم أردشير أنه ولده فعقد له التاج ورسمه بالملك من بعده، وتوجه بتاجه فِي حياته، ولم يزل أردشير محمود السير والأثر، ذاك

стр. 485

رأيه، وأثخن فِي الأرض، وكان معدودا من الحكماء [١] . [أَنْبَأَنَا عَبْد الوهاب بْن المبارك بإسناد له عَنْ أحمد بْن يحيى السندي قَالَ: سمعت مُحَمَّد بْن سلام يقول: كان] [٢] مما حفظ عنه أَنَّهُ قَالَ يوما لوزرائه وخاصته بحسبكم، دلالة عَلَى فضيلة العلم أنه يمدح بكل لسان وبحسبكم دلالة عَلَى عيب [٣] الجهل أن كل الناس ينتفي منه ويغضب أن يسمى به. وكتب أردشير إِلَى الملوك كتابا فيه: من ملك الملوك أردشير بْن بابك/ إلى من يخلفه بعده [٤] من ملوك فارس، أما بعد: فإن صنيع [٥] الملوك عَلَى غير صنيع الرعية، فالملك يطبعه العز والأمن والسرور والقدرة والجرأة والعبث والبطر، ثم كل ما ازداد فِي العمر تنفسا وَفِي الملك [٦] سلامة زاده فِي هَذِهِ الطبائع حَتَّى يسلمه إِلَى سكر الشراب فينسى النكبات والعثرات والعبر والدوائر فيرسل يده ولسانه بالفعل والقول، وقد قال الأولون منا: عند حسن الظن بالأيام تحدث العبر. وقد كان من الملوك من تذكره غرة [٧] الذل، وأمنه الخوف، وسروره الكآبة، وقدرته العجز. وقد قَالَ الأولون منا: رشاد الوالي خير للرعية من خصب الزمان، واعلموا أن الملك والدين أخوان توأمان، لا قوام لأحدهما إلا بصاحبه، لأن الدين أس الملك وعماده، والملك يعد حارس [٨] الدين، فلا بد للملك من أسه، ولا بد للدين من حارسه، فإن ما لا حارس له ضائع، وما لا أس له مهدوم، واعلموا إنما سلطانكم عَلَى أجساد الرعية، وأنه لا سلطان للملوك عَلَى القلوب وَفِي سكر الملك بالسلطان [٩] ما

стр. 486

يكفيه من سكر [الشراب] [١] ، واعلموا أنه ليس للملك أن يكذب لأنه لا يقدر أحد عَلَى استكراهه، وليس له أن يغضب، لأن الغضب والعداوة لقاح الشر والندامة، وليس له أن يلعب، لأن اللعب من عمل الفراغ، وليس له أن يحسد إلا ملوك الأمم عَلَى حسن التدبير، واعلموا أنه لكل ملك بطانة، ولكل رجل من بطانته بطانة، ثم لكل امرئ من بطانة البطانة بطانة حتى يجمع في ذلك أهل المملكة، فإذا أقام الملك بطانته عَلَى حال الصواب أقام كل آمر منهم بطانته عَلَى ذلك، حَتَّى يجتمع عَلَى الصلاح عامة الرعية، واعلموا أن الملك قد تهون عَلَيْهِ العيوب لأنه لا/ يستقل بها حَتَّى يرى الناس يتكاتمونها، وهذا من الأبواب الداعية إِلَى طاعة الهوى، فاحذروا [٢] إفشاء السر عند صغار أهاليكم وخدمكم [٣] ، واعلموا أن الملك ورعيته جميعا يحق عليهم أن لا يكون للفراغ عندهم موضع، فإن التضييع فِي فراغ الملك، وفساد المملكة فِي فراغ الرعية. فصل فلما هلك أردشير قام بملك فارس بعده ابنه سابور فقسم الأموال، وبان فضل سيرته وغزا البلدان، فكان بجبال تكريت بين دجلة والفرات مدينة يقال لها: الحضر، وبها رجل يقال له: الساطرون، وهو الذي يقول فيه أَبُو داود الأبادي [٤] : وأرى الموت قد تدلى من الحضر ... عَلَى رب أهله الساطرون [٥] والعرب تسميه: الضيزن، فرحل سابور، وأقام عَلَى ذلك الحضر أربع سنين، وتحصن الضيزن فِي الحصن، فلم يقدر عَلَيْهِ، فخرجت بنت الضيزن- ويقال لها: النضيرة- إِلَى ربض [٦] المدينة، وكانت من أجمل نساء [٧] زمانها، وكان سابور من

стр. 487

أجمل رجال زمانه، فرأته ورآها فعشقته وعشقها، فأرسلت إليه: ما تجعل لي إن دللتك عَلَى ما تهدم به سور هَذِهِ المدينة وتقتل أبي؟ قَالَ: أتزوجك، وأرفعك عَلَى نسائي وأحظيك بنفسي دونهن. قالت: عليك بحمامة ورقاء [١] مطوقة، فاكتب فِي رجليها بحيض جارية بكر زرقاء، ثم أرسلها، فإنها تقع عَلَى حائط المدينة، فتتداعى المدينة، وكان ذلك طلسم [٢] المدينة [٣] لا يهدمها إلا هَذَا، ففعل وتداعت المدينة، ففتحها عنوة، وقتل الضيزن، وأخرب المدينة، فاحتمل النضيرة فعرس بها بعين التمر، فذكر أنها لم تزل ليلتها تضور من خشونة فرشها، وهو من حرير محشوة بريش [٤] الطير، فالتمس ما كان يؤذيها، فإذا ورقة آس ملتزمة بعكنة من عكنها قد أثرت فيها، وكان ينظر إِلَى/ مخها من لين بشرتها، فَقَالَ لها سابور: ويحك، بأي شَيْء كان يغذوك أبوك؟ قالت: بالزبد والمخ وشهد الأبكار من النحل وصفو الخمر. فَقَالَ: أنا أحدث عهدا بك من أبيك. فأمر رجلا فركب فرسا جموحا، ثم عصب غدائرها بذنبه ثم استركضها فقطّعها قطعا، فذلك قول الشاعر: أقفر الحصن من نضيرة فالمرباع ... منها فجانب الثرثار وَقَالَ عدي بْن زيد: وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجلة ... تجبى إليه والخابور شاده مرمرا وجلله كلسا ... فللطير فِي ذراه وكور لم يهبه ريب المنون فباد ... الملك عنه فبابه مهجور فلما احتضر سابور ملك ابنه هرمز، وكان ملكه ثلاثين سنة [وقيل: إحدى وثلاثين سنة وستة أشهر] [٥] ، فقام بالملك هرمز سنة وعشرة أيام [٦] .

стр. 488

ثم قام بالملك ابنه بهرام بْن هرمز وكان ذا [حلم] [١] وبر وحسن سيرة، وكان ملكه ثلاث سنين وثلاثة أشهر. ثم قام بعده بهرام بْن بهرام بْن هرمز [٢] ، وكان أيضا [٣] حسن السيرة، فبقي ثماني عشرة سنة، وقيل: سبع عشرة سنة. ثم ملك بعده بهرام بْن بهرام بْن بهرام بْن هرمز، ولقب: بشاهنشاه. فبقي أربع سنين. ثم ملك بعده نرسي بْن بهرام، وهو أخو بهرام الثالث، فأحسن السيرة تسع سنين. ثم ملك هرمز بْن نرسي بْن بهرام بْن بهرام [بْن بهرام] [٤] بْن هرمز بْن سابور بْن أردشير، فسار بالعدل وعمارة البلاد ست سنين، وقيل: سبعة، وهلك ولا ولد له، وإنما كان له حمل ذكر له المنجمون أنه ذكر، وأنه يملك الأرض، فأوصى بالملك للحمل ومات. فوضع التاج عَلَى بطن الأم وكتب منه إِلَى ملوك الآفاق وهو جنين، وسموه سابور، وهو سابور ذو الأكتاف، ولا/ يعرف أحد ملك وهو فِي بطن أمه سواه، فولد فاستبشر الناس بولادته وبثوا خبره فِي الآفاق، ووجهوا بذلك البرد فِي الأطراف فشاع أن القوم لا ملك لهم، وإنما ينتظرون صبيا [٥] فِي المهد، فطمعت فِي ملكهم الترك والروم، وكانت بلاد العرب أدنى البلاد إِلَى فارس، وكانوا [أحوج] الناس إِلَى المعاش [٦] لسوء حالهم وسوء عيشهم، فسار منهم جمع عظيم [٧] فِي البحر، فوصلوا إِلَى رستاق فارس فغلبوا

стр. 489

عليها وعلى حروثهم ومواشيهم ومكثوا كذلك [١] حينا لا يغزوهم أحد من فارس، حَتَّى ترعرع سابور فأول ما عرف من تدبيره أنه سمع ضجة الناس وقت السحر، فسأل عَنْ ذلك فقيل: الناس يزدحمون عَلَى جسر دجلة، فأمر باتخاذ جسر آخر ليكون أحد الجسرين للمقبلين والآخر للمدبرين، فاستبشر الناس بفطنته مع صغر سنه ولم يزل يظهر منه حسن التدبير إِلَى أن بلغ ست عشرة سنة فخرج فِي ألف مُقَاتِل، فاوقع بالعرب فقتل منهم خلقا كثيرا [٢] ، وسار إِلَى بلاد عَبْد القيس، فأباد أهلها، [ثم] [٣] إِلَى اليمامة فقتل من وجد بها، ولم يمر بماء للعرب إلَّا عوره [٤] ، ولا بعين إلا طمها، [واجتاز بيثرب ففعل مثل ذلك] [٥] ، وقتل وأسر ورجع إِلَى العراق، وأمر بحفر نهر فوهته بهيت وأخرجه قريبا من القادسية ثم إِلَى كاظمة، ثم إِلَى البحر وجعل عَلَيْهِ مناظر وروابط ومسالج، وجعل فِي تلك المناظر الرجال والخيل، فكان من أراد من العرب أن يدخل إِلَى ملك فارس لقضاء حاجته [عرض نفسه عَلَى صاحب الحصن الذي يدخل منه فيثبت اسمه ويختم يده، فإذا قضى حاجته] [٦] لم يخرج إلا من الحصن الذي دخل منه، فيعرض نفسه عَلَى صاحب الحصن فيكسر الختم الذي عَلَى يده ويعلم عَلَى اسمه، ثم يخرج إِلَى البادية. فاستقامت بذلك مملكة فارس وحفظت من العرب، ويسمى هَذَا النهر: الحاجز وهو العتيق، وجعل بإزاء ذلك النهر دهاقين فأقطعهم القطائع، وكانوا رداء لأهل الحصون، وكان إذا طرقهم طارق من العرب بالليل [٧] أوقدوا النار، وإن صبحهم نهارا دخنوا، فيعلم أهل القرية بهذه العلامة ما حدث، فيأتونهم. ومن جملة ملك الحصون: حصن مهيب، ومنظرة بخطيرة، ومنظرة حديثة النورة، منظرة بالأنبار، ومنظرة بدير الجماجم، ومنظرة بالقادسية، وحصن بذي قار، وبنى الكرخ، وسجستان، ونيسابور.

стр. 490

وَقَالَ [١] ابن قتيبة: وهو الذي بنى الإيوان بالمدائن، والسوس، وغزا أرض الروم فسبى سبيا كثيرا. وهادن [٢] قسطنطين ملك الروم، وكان قسطنطين أول من تنصر، وفرق ملكه بين ثلاث بنين ملوك كانوا له، فملكت الروم عليهم رجلا من أهل بيت قسطنطين يقال له: لليانوس، وكان يدين بملة الروم التي كانت قبل ذلك، ويسر ذلك ويظهر النصرانية. قبل أن يملك، فلما ملك أظهر ملة الروم، وأمرهم بإحيائها، وأمر بهدم البيع، وقتل الأساقفة وأحبار النصارى، وجمع جموعا من الروم والخزر، ومن كان فِي مملكته من العرب، ليقاتل بهم سابور وجنود فارس. فانتهزت العرب بذلك الفرصة من الانتقام من سابور لأجل ما فتك بالعرب، وقتل منهم، فاجتمع فِي عسكر لليانوس من العرب مائة ألف وسبعون [٣] ألفا، فوجههم مع رجل من بطارقة [٤] الروم، بعثه عَلَى مقدمته يسمى: يوسانوس، وسار لليانوس حَتَّى نزل بلاد فارس، فلما بلغ الخبر إِلَى سابور هاله ذلك، ووجه عيونا تأتيه بخبرهم، فاختلفت [٥] أقوال العيون، فتنكر سابور، وسار فِي أناس من ثقاته ليعاين عسكرهم، فلما قرب من عسكر يوسانوس صاحب مقدمة لليانوس، وجه رهطا إِلَى عسكر يوسانوس ممن كان معه ليأتوه بالخبر على حقيقته، فنذرت [٦] بهم الروم فأخذوهم ودفعوهم إِلَى يوسانوس، فلم يقر أحد منهم بالأمر الذي توجهوا له، إلَّا رجل واحد، فإنه أخبر بالقصة عَلَى وجهها، وبمكان سابور، وَقَالَ: وجه معي جندا، حَتَّى أدفع إليهم سابور/، فأرسل يوسانوس إِلَى سابور رجلا من بطانته ينذره، فارتحل سابور من الموضع الّذي كان فيه إِلَى عسكره. ثم تقدمت العرب فحاربت سابور، ففضّوا جموعه، وقتلوا مقتلة

стр. 491

عظيمة، وهرب سابور فيمن بقي من جنده، واحتوى لليانوس عَلَى مدينة سابور [١] ، وظفر ببيوت أمواله، وكتب سابور إِلَى من بالآفاق من جنوده يعلمهم بما لقي، ويأمرهم أن يقدموا عَلَيْهِ، فاجتمعت إليه الجيوش، فانصرف فحارب لليانوس، فاستنقذ [٢] منهم محلته وكان لليانوس يوما جالسا فأصابه سهم غرب [٣] فقتله، فتحير جنوده وسألوا يوسانوس أن يتملك عليهم فأبى وَقَالَ: أنا عَلَى ملة النصرانية، والرؤساء يخالفون في الملّة. فأخبرته الروم أنهم عَلَى ملته، وإنما كانوا يكتمون ذلك لمخافة لليانوس، فملكوه عليهم، وأظهروا النصرانية. فلما علم سابور بهلاك لليانوس أرسل إِلَى قواد جنود الروم أن [٤] سرّحوا [٥] إلينا رئيسا منكم، فأتاه يوسانوس فِي ثمانين رجلا، فتلقاه وعانقه شكرا لما كان منه فِي أمره، وأرسل سابور إِلَى قواد جند الروم: إنكم لو ملكتم غير يوسانوس لجرى هلاككم، وإنما تمليكه سبب نجاتكم. وقوي أمر يوسانوس، ثم قَالَ: إن الروم قتلوا بشرا كثيرا من بلادنا، وخربوا عمرانها، فإما أن يدفعوا إلينا قيمة ما أفسدوا، وإما أن يعوضونا من ذلك نصيبين من بلاد فارس. وإنما غلب عليها الروم، فدفعوا إليه نصيبين، فبلغ أهلها فخرجوا عنها لعلمهم مخالفة سابور لدينهم، فنقل سابور اثني عشر ألف بيت من أهل إصطخر وأصبهان وغيرها إِلَى نصيبين، وانصرف يوسانوس إِلَى مملكة الروم، فبقي زمنا يسيرا ثم هلك. وإن سابور ضري بقتل العرب، ونزع أكتاف رؤسائهم، وكان ذلك سبب تسميتهم إياه: ذا الأكتاف. وذكر بعض العلماء بالأخبار [٦] أن سابور لما أثخن في العرب/ وأجلاهم عن

стр. 492

نواحي فارس والبحرين واليمامة ذهب إِلَى الشام والروم، وأعلم أصحابه أنه عزم [١] عَلَى دخول الروم ليبحث عَنْ أسرارهم، فدخل وبلغه أن قيصر أولم وجمع الناس، فانطلق سابور عَلَى هيئة [٢] السؤال، حَتَّى شهد ذلك الجمع لينظر إِلَى قيصر، ففطن له وأخذ، وأمر به قيصر فأدرج فِي جلد ثور، ثم سار بجنوده إِلَى أرض فارس، ومعه سابور عَلَى تلك الحالة، فأكثر من القتل وخراب القرى حتى انتهى إلى مدينة جنديسابور، وقد تحصن أهلها، فنصب المجانيق [٣] ، وهدم بعضها، فبينما هم كذلك ذات يوم إذ غفل الروم الموكلون بحراسة سابور، وكان بقربه قوم من سبي الأهواز، فأمرهم أن يلقوا عَلَى القد الذي كان عَلَيْهِ زيتا، ففعلوا فلان الجلد، فانسل منه، فلم يزل يدب حَتَّى دنا من باب المدينة، وأخبر حراسها باسمه، فلما دخلها ارتفعت أصوات أهلها بالحمد، فانتبه أصحاب قيصر بأصواتهم، وجمع سابور من كان فِي المدينة وعبأهم، [وخرج] [٤] إِلَى الروم سحرا، فقتلهم وخرج وأخذ قيصر أسيرا [٥] ، وغنم أمواله ونساءه، وأثقله بالحديد، وأخذه بعمارة ما أخرب، ثم قطع عقبه، وبعث به إِلَى الروم عَلَى حمار. ثم أقام سابور حينا، ثم غزا الروم، فقتل وسبى، ثم استصلح العرب، وأسكن بعضهم للأهواز وكرمان وبقي فِي مملكته اثنتين وسبعين سنة. فصل [٦] وَفِي زمن سابور ظهر ماني الزنديق. قَالَ يحيى بْن بشر بْن عمير النهاوندي: كان ماني أسقفا من أساقفة النصارى، كبيرا فيهم، محمود السيرة عندهم، وكان فِي أيام سابور ذي الأكتاف [ملك فارس] [٧]

стр. 493

فزنى، فسقطت مرتبته فِي النصرانية، وكان مطارنة زمانه يحسدونه، فلما ظهر منه ما ظهر وجدوا السبيل/ إِلَى ما أرادوا فيه فأسقطوا مرتبته، وكان عالما فيهم بالديانات المتقدمة، عارفا باختلاف الناس فيها، فلما رأى حاله وما آل إليه أمره أخذ فِي الرد عَلَى أصحابه وَقَالَ: إني لم أزن [١] ، ولكن أهل الدير حسدوني وأنكروا مخالفتي فِي أهل دينهم، إذ كانوا يقرون بالمسيح اللاهوتي ويأخذون شرائعهم عَنِ ابْنِ مريم رسول الشيطان [٢] . ثم وضع كتبا- إذ كانوا يقرون بالمسيح اللاهوتي [٣]- فابتدأ بالطعن عَلَى أصحاب الشرائع، ومال إِلَى شريعة المجوس القائلين بالهين [٤] الذين اعتقدوا أن إِبْرَاهِيم وموسى وعيسى كانوا رسل الظلماني، فبني ماني عَلَى أصلهم، وشيد مقالتهم، وَقَالُوا: إنا نرى الأشياء متضادة، والحيوان معادنا [٥] ، فلو كانت هَذِهِ الأشياء من فعال حكيم لم تتضاد، فلا بد أن يكون من اثنين متضادين ليس إلا النور والظلمة. وشرع لأصحابه شرائع بواقعاته الباردة، وعمل لسابور كتابا سماه ب «الشابرمان» [٦] شرح فيه مذهبه، فهم سابور بالميل إليه فشق ذلك عَلَى المؤايدة، فقالوا لسابور: إنه يقول إنك شيطان، وإذا شئت فسله عَنْ يدك هَذِهِ من خلق؟ فسأله فَقَالَ: من خلق الشيطان، فشق ذلك عَلَى سابور فَقَالَ: أصلبوه. فصلب فقام عَلَى خشبته فَقَالَ مسبحا مهللا: أنت أيها المعبود النوراني، بلغت ما أمرتني به، وهاك عادتهم فِي، وأنت الحليم، وها أنا مار إليك، وما أذنبت صامتا [ولا] [٧] ناطقا، فتباركت أنت وعالموك النورانينون الأزليون، فكان هَذَا آخر قوله وظهر بعده تلميذ له يقال له: كشطا، فقوى مذهبه.

стр. 494

فصل [١] وهلك [٢] في عهد سابور عامله على ضاحية [٣] مضر [و] ربيعة امرؤ القيس بْن عمرو بْن عدي بْن ربيعة بْن نصر، فاستعمل عَلَى عمله ابنه عمرو بْن امرئ القيس [٤] . [فصل] [٥] [فلما هلك سابور] [٦] أوصى بالملك [بعده] [٧] لأخيه أردشير بْن هرمز بْن نرسي بْن بهرام بْن هرمز بْن سابور بْن أردشير بْن بابك [٨] ، فلما استقر له الملك عطف عَلَى العظماء [٩] وذوي الرئاسة، فقتل منهم خلقا كثيرا، فخلعه الناس بعد أربع سنين من ملكه. ثم ملك سابور بْن سابور ذي الأكتاف، فاستبشرت الرعية برجوع ملك أبيه إليه، واستعمل الرفق، وأمر به، وخضع له عمه أردشير المخلوع. [وهلك فِي أيامه عمرو بْن امرئ القيس الذي ولي لسابور ضاحية مضر وربيعة، فولى سابور مكانه أوس بْن قلام، وهو من العماليق] [١٠] . وأن العظماء وأهل البيوتات قطعوا أطناب فسطاط كان ضرب على سابور، فسقط الفسطاط عليه فقتله، وكان ملكه خمس سنين [١١] .

стр. 495

فصل [١] ثم ملك بعده أخوه بهرام بْن سابور ذي الأكتاف، وكان يلقب بكرمان شاه، وذلك أن أباه سابور ولاه فِي حياته كرمان، فكتب إِلَى قواده كتابا يحثهم عَلَى الطاعة، وبنى بكرمان مدينة، وكان حسن السياسة [٢] ، وَفِي زمانه هلك أوس بْن قلام المتولي عَلَى العرب، وكانت ولاية أوس خمس سنين- ويقال اسمه: ياوس وهو الأصح- فاستخلف بعده امرؤ القيس بْن عمرو بْن امرئ القيس بْن عمرو بْن عدي. وكان ملك بهرام هَذَا إحدى عشرة سنة، ثم ثار إليه بعض الفتاك فرماه بنشابة فقتله [٣] . فصل [٤] ثم قام بالملك بعده يزدجرد الملقب بالأثيم، فبعضهم يقول: هو ابن المقتول قبله، وبعضهم يَقُولُ: هو أخوه، وكان فظا غليظا مستطيلا على الناس، سيّئ الخلق، يعاقب بما لا يطاق، ويسفك الدماء، فلذلك سمي الأثيم [٥] ، لأن ملوك فارس كانوا يستعملون العدل، فأظهر هو الظلم، فجار الناس إِلَى اللَّه تعالى من ظلمه، وابتهلوا إليه يسألون تعجيل الانتقام منه. فبينا هو بجرجان إذ أقبل فرس عائر [٦] لم ير مثله فِي الخيل، فوقف عَلَى بابه، فتعجب الناس منه، وأخبر يزدجرد خبره، فأمر به أن يسرج ويلجم، ويدخل عَلَيْهِ، فحاول الناس إلجامه وإسراجه، فلم يمكنه، فأنهي إليه ذلك، فخرج فألجمه بيده وأسرجه، فلم يتحرك/ الفرس، حَتَّى إذا رفع ذنبه ليثفره [٧] رمحه عَلَى فؤاده رمحة [٨] فهلك منها، وملأ الفرس فروجه جريا فلم يدرك، فقالت الرعية: هَذَا من رأفة اللَّه تعالى بنا، وكان ملكه اثنتين وعشرين سنة، وخمسة أشهر، وستة عشر يوما. وقيل: إحدى وعشرين سنة، وخمسة أشهر، وثمانية عشر يوما.
следующие страницы →