بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَصْحَابِهِ فصلبوه فَفِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ الله ٥٩: ١٦ إلى قوله: جَزاءُ الظَّالِمِينَ ٥٩: ١٧ [١] .
ومن ذلك: قصة سبأ
[٢] :
قَالَ علماء السير: لما ملكت بلقيس جعل قومها يقتتلون عَلَى واديهم، فجعلت تنهاهم فلا يطيعونها فتركت ملكها وانطلقت إِلَى قصرها فنزلته، فلما كثر الشر بينهم وندموا أتوها، فأرادوها عَلَى أن ترجع إِلَى ملكها فأبت، فقالوا: لترجعن أو لنقتلنك فقال: إنكم لا تطيعونني، وليست لكم عقول، فقالوا: ها إنا نطيعك، فجاءت إلى واديهم، وكانوا إذا أمطروا أتاه السيل من مسيرة ثلاثة أيام، فأمرت به فسد ما بين الجبلين بمسناه، وحبست الماء عمن وراء السد، وجعلت له أبوابا بعضها فوق بعض وبنت لمن دونه بركة، وجعلت فيها اثني عشر مخرجا عَلَى عدد أنهارهم، فكان الماء يخرج بينهم بالسوية، وكانت لهم جنتان عَنْ يمين واديهم وعن شماله، فأخصبت أرضهم وكثرت فواكههم، وإن كانت المرأة لتمر بين الجنتين والمكتل عَلَى رأسها فترجع وقد امتلأ من التمر وما مست بيدها شيئا منه ولم يكن يرى [٣] فِي بلدهم حية ولا عقرب ولا بعوضة ولا ذباب ولا برغوث، وتمر العرب ببلدهم وَفِي ثيابهم القمل فتموت القمل لطيب هوائها، وقيل لهم: كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة- أي هَذِهِ بلده طيبة- ولم تكن سبخة ولا فيها ما يؤذي، وكانت ثلاث عشرة قرية، فبعث الله إليهم ثلاثة عشر نبيا فكذبوا الرسل، ولم يقروا بنعم اللَّه، فأرسل اللَّه عليهم سيل العرم- والعرم السكر والمسناة- بعث اللَّه سبحانه جرذا فنقبه من أسفله وأغرق به جناتهم، وخربت به أرضهم، فتبددوا فِي البلاد فصارت العرب تتمثل فِي الفرقة بسبإ [٤] .
стр. 567
ومن ذلك: قصة صنعا
[١] :
قَالَ علماء السير: كان رجل بناحية/ اليمن ببستان، وكان مؤمنا، وذلك بعد عِيسَى ابن مريم ﵇، وكان يأخذ منه قدر قوته ويتصدق بالباقي، فمات عن ثلاثة بنين، فقالوا: والله إن المال لقليل، وإن العيال لكثير، وإنما كان أبونا فعل هَذَا، إذ كان المال كثيرا والعيال قليلا، فأما الآن فما نستطيع أن نفعل هَذَا، فعزموا عَلَى حرمان المساكين وتحالفوا بينهم ليغدون قبل خروج الناس فليصر من نخلهم، ولم يقولوا: إن شاء اللَّه، فبعث الله تعالى بالليل نارا، فأحرقت، فصارت سوداء، فانطلقوا إِلَى جنتهم يتشاورون بينهم أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين، فلما رأوها محترقة قَالَ: قد ضللنا طريق جنتنا [٢] فليست هَذِهِ، ثم علموا أن ذلك عقوبة، فقالوا: بل نحن محرومون، قد حرمنا تمر جنتنا، فأخذوا يتلاومون عَلَى منع حقوق الفقراء.
ومنهم: أهل الغار:
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَوَّلِ بْنُ عِيسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا الدَّاوُدِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ أَعْيَنَ السرخسي قَالَ: أَخْبَرَنَا الْفَرَبْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ قَالَ: أخبرنا سَعِيدُ بْنُ مَرْيَمَ قَالَ:
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ [٣] ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
«بَيْنَمَا ثَلاثَةُ نَفَرٍ يُمَاشُونَ أَخَذَهُمُ الْمَطَرُ فَمَالُوا إِلَى غَارٍ فِي الْجَبَلِ [فدخلوه] ، فانحطت على فم الْغَارِ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمُ [الْغَارَ] ، فقال بعضهم لبعض [٤] : انظروا أعمالا عملتموها صَالِحَةً فَادْعُوا اللَّهَ بِهَا لَعَلَّهُ يُفْرِجُهَا.
فَقَالَ أَحَدُهُمْ: اللَّهمّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كبيران ولي صبية صغار، كنت
رَبِّ، فَيَقُولُ مَنْ أَنَزْلَكَ فِي جَبَلٍ وَسَطَ اللُّجَّةِ وَأَخْرَجَ لَكَ الْمَاءَ الْعَذْبَ مِنَ الْمَاءِ الْمَالِحِ، وَأَخْرَجَ لَكَ كُلَّ يَوْمٍ رُمَّانَةً، وَإِنَّمَا يَخْرُجُ مَرَّةً فِي السَّنَةِ، وَسَأَلْتَنِي أَنْ أَقْبِضَكَ سَاجِدًا فَفَعَلْتُ ذَلِكَ بِرَحْمَتِي، أَدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، فَنِعْمَ الْعَبْدُ كُنْتَ يَا عَبْدِي فَأَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ، وَقَالَ جِبْرِيلُ ﵇ إِنَّمَا الأَشْيَاءُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى [يَا مُحَمَّدُ] [١] .
عابد من الرهبان
[٢] :
حَدَّثَنَا المبارك بْن علي الصيرفي من لفظه قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه بْن أحمد بْن عمر السمرقندي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عبد الواحد قَالَ: حَدَّثَنَا جدي أَبُو بكر مُحَمَّد بْن جعفر السامري قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيم بْن الجنيد قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو طفر قَالَ: حَدَّثَنَا سليمان الضبعي، عَنْ عبد الصمد بْن معقل بْن [٣] منبه، عَنْ عمه وهب بْن منبه قَالَ:
كان عابد من عباد بني إسرائيل يعَبْد اللَّه دهرا طويلا [٤] فِي صومعته [فعف] [٥] وزهد حَتَّى شكته الشياطين إِلَى إبليس، فقالوا: فلان قد أعيانا لا نصيب منه شيئا، قَالَ:
فانتدب له إبليس بنفسه، فأتاه فضرب ديره، فَقَالَ: من هَذَا؟ قَالَ: ابن سبيل، افتح لي حَتَّى آوي الليلة فِي ديرك. قَالَ له العابد: هَذِهِ قرى منك غير بعيدة، مل إِلَى بعضها فائو إليها، قال: اتّق الله وافتح لي فإني أخاف اللصوص، / والسباع، قَالَ: ما أنا بالذي أفتح لك فسكت إبليس، ثم ضرب باب الدير، فَقَالَ: افتح لي، قَالَ: من هَذَا؟
قَالَ: أنا المسيح قَالَ: إن تكن المسيح فليس لك لي حاجة فقد بلغت رسالات ربك
стр. 576
فموعدك الآخرة، فسكت إبليس، ثم ضرب ديره، فَقَالَ: افتح لي قَالَ: من أنت؟ قَالَ:
أنا إبليس، قَالَ: ما أنا بالذي أفتح لك، فَقَالَ إبليس: لك ما للَّه، ولك وجعل يعاهده لا أعمل فِي مضرة أبدا افتح [١] ، قَالَ: فنزل ففتح له الباب، وصعد إبليس فجلس بين يديه فَقَالَ: سلني عما شئت أخبرك، فَقَالَ: ما لي إليك حاجة، قَالَ: فقام إبليس فولى فناداه أقبل، فقد بدا لي أن أسألك، قال: سل [٢] ، قال: أي شَيْء أهون لكم فِي هلك ابن آدم؟ قَالَ: السكر، فإنه إذا أسكر ابن آدم لم يمتنع منا من شَيْء نريده ثم لعبنا به كما يلعب الصبيان بالكرة، قَالَ: وماذا؟ قَالَ: الحدة لو أن ابن آدم بلغ فِي عبادة [اللَّه تعالى] ما يحيي الموتى [بإذن اللَّه] [٣] ما يئسنا أن نصيبه فِي بعض غضبه قَالَ: وماذا؟ قَالَ:
والبخل، قَالَ: يأتي ابن آدم فنقلل نعمة اللَّه عنده، ونكثر ما فِي أيدي الناس عنده حَتَّى يبخل بحق اللَّه فِي ماله فيهلك.
عابدان أخوان من بني إسرائيل
[٤] :
أَنْبَأَنَا محمد بْن عبد الباقي بْن أحمد بْن سلمان قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الفضل أحمد بْن الحسن بن خيرون قال: أخبرنا الحسن بن أحمد بْن مُحَمَّد بْن شاذان قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الحسن أحمد بْن إِسْحَاق بْن منجاب قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْد اللَّه أَحْمَدُ بْن مُحَمَّد بْن شاكر الريحاني قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن عَبْد العزيز الجروي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حفص النابلسي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو معَبْد قَالَ [٥] : سَمِعْتُ بلال بْن سعد يقول:
كان أخوان فِي بني إسرائيل خرجا يتعَبْدان، فلما أرادت الطريق أن تفرق بينهما، قَالَ أحدهما لصاحبه: خذ أنت فِي هَذَا الطريق وآخذ أنا فِي هَذَا الطريق، فإذا كان رأس السنة فهو الموعد بيني وبينك، فخرجا يتعَبْدان، فلما دنا رأس السنة اجتمعا فِي ذلك الموضع فَقَالَ أحدهما لصاحبه: أي ذنب فيما عملت أعظم؟ قال: بينما أنا أمشي على
стр. 577
الطريق إذا بسنبلة فأخذتها فألقيتها فِي إحدى الأرضين أرض عَنْ يميني وأرض عَنْ شمالي، فلا أدري هي الأرض التي ألقيتها فيها أم الأخرى، ثم قَالَ المسئول للسائل:
أي ذنب فيما عملت أعظم، قَالَ: كنت أقوم فِي الصلاة فأميل مرة عَلَى هَذِهِ الرجل ومرة عَلَى هَذِهِ الرجل فلا أدري أكنت أعدل بينهما أم لا فسمعهما أبوهما من داخل الدار، فَقَالَ: اللَّهمّ إن كانا صادقين فأمتهما فخرج فإذا بهما قد ماتا
. ثلاثة من عباد بني إسرائيل
[١] :
أَخْبَرَنَا المبارك بْن عَلي الصيرفي قَالَ: أَخْبَرَنَا شجاع بْن فارس قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو طَالِبٍ العشاري قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّد العلاف قَالَ: أَخْبَرَنَا صفوان قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر الْقُرَشِيّ قَالَ: حَدَّثَنَا أزهر بْن مروان قَالَ: أَخْبَرَنَا جعفر بْن سليمان قال: أخبرنا أبو عمران الجنوني، عَنْ عَبْد اللَّه بْن رياح الأنصاري، عَنْ كعب قَالَ:
اجتمع ثلاثة عباد من بني إسرائيل، فقالوا: تعالوا نذكر كل واحد [٢] منا أعظم ذنب عمله، فَقَالَ احدهم: أما أنا فلا أذكر من ذنب أعظم من أني كنت مع صاحب لي فعرضت لي شجرة، فخرجت عَلَيْهِ ففزع مني، وَقَالَ: اللَّه بيني وبينك.
وَقَالَ أحدهم: إنا معشر بني إسرائيل إذا أصاب أحدنا بول قطعه، فأصابني بول فقطعته فلم أبالغ فِي قطعه.
وَقَالَ أحدهم: كانت لي والدة، فدعتني من قبل شمال الريح فأجبتها ولم تسمع فجاءتني مغضبة [فجعلت] [٣] ترميني بالحجارة فأخذت عصا وجئت لأقعد بين يديها تضربني بها حَتَّى تنزفني [ففزعت مني] [٤] فأصاب وجهها شجرة فشجتها، فهذا أعظم ذنب عملته.
стр. 578
عابد من بني إسرائيل
[١] :
أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن ناصر قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَحْمَد الحداد قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نعيم الأصفهاني قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الله بن محمد بن جعفر قَالَ: حَدَّثَنَا علي بْن إِسْحَاق قَالَ:
أَخْبَرَنَا حسين بْن الحسن المروزي، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن المبارك/ قَالَ: أَخْبَرَنَا بكار بْن عَبْد اللَّه أَنَّهُ سمع وهب بْن منبه يقول:
كان رجل من أفضل أهل زمانه، وكان يزار فيعظهم، فاجتمعوا إليه ذات يوم، فَقَالَ: إنا قد خرجنا من الدنيا وفارقنا الأهل والأموال مخافة الطغيان، وقد خفت ذلك أن يكون قد دخل علينا فِي حالنا هَذِهِ من الطغيان أكثر مما يدخل عَلَى أهل الأموال في أموالهم إن أحدنا يحب أن يقضي له حاجته، فإن اشترى [أحدنا] [٢] بيعا أن يقارب لمكان دينه، وإن لقي حق ووقف بمكان دينه [٣] فشاع ذلك الكلام حَتَّى بلغ الملك، فعجب به الملك فركب إليه ليسلم عَلَيْهِ [وينظر إليه] ، [٤] فلما رآه الرجل قيل له هَذَا الملك: قد أتاك ليسلم عليك، فَقَالَ: وما نصنع؟ فقيل: الكلام الذي وعظت به، فسأل رده هل عندك [٥] طعام، فَقَالَ شَيْء من تمر الشجر، فما كنت تفطر به وامرأتي معي عَلَى مسح فوضع بين يديه فأخذ يأكل منه [٦] ، وكان يصوم النهار ولا يفطر، فوقف عَلَيْهِ الملك فسلم عَلَيْهِ فأجابه خفية، وأقبل عَلَى طعامه، يأكله، فَقَالَ الملك: فأين الرجل قيل له هو هَذَا الذي يأكل قَالَ: نعم، قَالَ: فما عند هَذَا من خير فأدبر، فَقَالَ الرجل: الحمد للَّه الذي صرفك عني بما صرفك.
وَفِي رواية: أنه قدم له بقل وزيت وحمص فجعل يجمع من البقول والطعام ويطعم اللقمة ويغمسها فِي الزيت فيأكل أكلا عنيفا، فرآه الملك فذهب عنه.
стр. 579
عابد آخر منهم
[١] :
أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن ناصر قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد العزيز بْن علي قَالَ: أخبرنا عَبْد اللَّه بْن حامد الوراق قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حامد بْن جعفر قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن مُحَمَّد بْن فهيد قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاق بن رزيق قال: حدثنا إسماعيل ابن عبد الكريم عن عبد الصمد بن معقل، عَنْ وهب بْن منبه قَالَ:
كان فِي بني إسرائيل عابد فلبث سبعا لم يطعم هو وعياله شيئا. فقالت له امرأته:
لو خرجت وطلبت لنا شيئا. فخرج فوقف مع العمال فاستؤجر العمال، وصرف [اللَّه] عنه الرزق، فَقَالَ: والله لأعملن اليوم مع ربي، فجاء إِلَى ساحل البحر فاغتسل وما زال راكعا وساجدا، حتى إذا أمسى أتى/ أهله، فقالت له امرأته: ماذا صنعت، فقال: قد عملت مع أستاذي، وقد وعدني أن يعطيني، ثم غدا إِلَى السوق [٢] ، فوقف مع العمال، فاستؤجر العمال وصرف [اللَّه] [٣] عنه الرزق، ولم يستأجره أحد، فَقَالَ: والله لأعملن [اليوم] [٤] مع ربي، فجاء إِلَى ساحل البحر فاغتسل، وما زال راكعا وساجدا حَتَّى إذا أمسى أقبل إِلَى منزله، فقالت له امرأته: ماذا صنعت، قَالَ: إن أستاذي قد وعدني أن يجمع لي أجري، فخاصمته امرأته، وبرزت عَلَيْهِ، فلبث يتقلب ظهرا لبطن وبطنا لظهر، وصبيانه يتضاغون جوعا، ثم غدا إِلَى السوق فاستؤجر العمال، وصرف عنه الرزق، ولم يستأجره أحد، فَقَالَ: والله لأعملن مع ربي، فجاء إِلَى ساحل البحر، فاغتسل وما زال [٥] راكعا وساجدا، حَتَّى إذا أمسى، قَالَ: أين أمضي، تركت أقواما يتضاغون جوعا، ثم تحمل عَلَى جهد منه، فلما قرب من داره، سمع ضحكا وسرورا، وسمع رائحة قديد ورائحة شواء، فأخذ عَلَى بصره وَقَالَ: أنائم أنا أم يقظان [٦] ، تركت أقواما يتضاغون جوعا، وأشم رائحة قديد ورائحة شواء، وأسمع ضحكا وسرورا، ثم
стр. 580
دنا من الباب فطرق الباب، فخرجت امرأته حاسرة [١] وقد حسرت عَنْ ذراعيها وهي تضحك فِي وجهه، ثُمَّ قالت: يا فلان قد جاءنا رسول أستاذك بدنانير، ودراهم وكساء، وودك ودقيق، وقال: إذا جاء فلان فأقرءوه السلام وقولوا له: إن أستاذك يقول لك: رأيت عملك فرضيته، فإن أنت زدتني في العمل زدتك فِي الأجرة
. حديث يرخ
[٢] :
أَخْبَرَنَا ابن الْمُبَارَكُ بْن عَلِيٍّ الصَّيْرَفِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الحسن بْن طاهر البيع قَالَ: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: حَدَّثَنَا ابن رزقويه قَالَ: أَخْبَرَنَا عثمان بْن أحمد قَالَ: أَخْبَرَنَا ابن البراء قَالَ: حدثني الفضل بْن حازم قَالَ: حدثني يُوسُف بْن غزولا اللخمي قَالَ: حدَّثَنِي مخلد بْن ربيعة الربعي [٣] ، عَنْ كعب قَالَ:
قحطت بنو إسرائيل عَلَى عهد موسى، فسألوه أن يستسقي لهم فقال اخرجوا معي إلى الجبل، فخرجوا، فلما أصعد الجبل قَالَ موسى: لا يتبعني رجل أصاب ذنبا، قَالَ: فانصرف أكثر من نصف القوم [٤] ، ثم قَالَ: الثانية لا يتبعني من أصاب ذنبا، فانصرفوا جميعا إلا رجل أعور، يقال له يرخ العابد، فَقَالَ له موسى: ألم تسمع ما قلت؟
قَالَ: بلى قَالَ: فلم تصب ذنبا قَالَ: ما أعلمه إلَّا شيئا أذكره، فإن كان ذنبا رجعت، قَالَ: ما هو؟ قَالَ: مررت فِي طريق فرأيت باب حجرة مفتوح، فلمحت بعيني هَذِهِ الذاهبة شخصا لا أعلم ما هو، فقلت لعيني أنت من بين يدي سارعت إِلَى الخطيئة لا تصحبيني بعدها، فأدخلت إصبعي فيها فقلعتها، فإن كان هَذَا ذنبا رجعت، فَقَالَ موسى ﵇: ليس هَذَا ذنبا. ثم قَالَ له: استسق يا يرخ، قَالَ: قدوس قدوس، ما عندك لا ينفد وخزائنك لا تفنى، وأنت بالبخل لا ترضى، فما هَذَا الذي لا يعرف به اسقنا الغيث الساعة الساعة، قال: فانصرفا يخوضان الوحل.
стр. 581
قال مؤلف الكتاب: وقد روينا نحو هَذِهِ الحكاية فيما تقدم وأنها جرت لعيسى ابن مريم ﵇
. تائب من بني إسرائيل:
أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن ناصر الحافظ قَالَ: أَخْبَرَنَا محفوظ بْن أَحْمَد الفقيه قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن الجازري قَالَ: أَخْبَرَنَا المعافى بْن زكريا قَالَ: حَدَّثَنَا الحسين بْن القاسم الكوكبي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو يُوسُف يعقوب بْن إِسْحَاق القاضي قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بْن صالح الوحاظي قَالَ: حَدَّثَنَا إسماعيل بْن عياش، عَنْ صفوان بْن عمرو، عَنْ شريح بْن عبيد الحضرمي [١] ، عَنْ كعب الأحبار:
أن رجلا من بني إسرائيل أتى فاحشة، فدخل نهرا يغتسل [فيه] [٢] فناداه الماء يا فلان ألم تستحي ألم تتب من هَذَا الذنب، وقلت: إنك لا تعود فيه فخرج من الماء فزعا وهو يقول: لا أعصي اللَّه ، فأتى جبلا فيه اثنا عشر رجلا يعَبْدون اللَّه تعالى فلم يزل معهم حَتَّى قحط موضعهم، فنزلوا يطلبون الكلأ، فمروا عَلَى ذلك/ النهر، فَقَالَ لهم الرجل: أما أنا فلست بذاهب معكم، قالوا: لم؟ قَالَ: لأن ثم من قد أطلع مني عَلَى خطيئة فأنا أستحي منه أن يراني، فتركوه، ومضوا فناداهم النهر، يا أيها العباد، ما فعل صاحبكم، قالوا: زعم [لنا] [٣] أن هاهنا من [قد] [٤] اطلع منه عَلَى خطيئة فهو يستحي منه أن يراه، قَالَ: يا سبحان الله، إن بعضكم يغضب على ولده أو عَلَى بعض قراباته، فإذا تاب ورجع إِلَى ما يحب أحبه وإن صاحبكم قد تاب ورجع إِلَى ما أحب، فأنا أحبه، فاتوه فأخبروه واعَبْدوا اللَّه عَلَى شاطئ [النهر] فأخبروه [٥] ، فجاء معهم، فأقاموا يعَبْدون اللَّه زمانا، ثم إن صاحب الفاحشة توفي، فناداهم النهر: يا أيُّها العباد، غسلوه من مائي، وادفنوه على شاطئي حَتَّى يبعث يوم القيامة من قربي، ففعلوا ذَلِكَ به، وَقَالُوا: نبيت ليلتنا هَذِهِ عَلَى قبره لنبكي [٦] فإذا
стр. 582
أصبحنا سرنا، فباتوا عَلَى قبره يبكون، فلما جاء وجه السحر غشيهم النعاس، فأصبحوا وقد أثبت اللَّه عَلَى قبره اثنتي عشرة سروة، وكان أول سرو أنبته اللَّه على وجه الأرض، فقالوا: فما أنبت اللَّه هَذَا الشجر فِي هَذَا المكان، إلا وقد أحب عبادتنا فيه، فأقاموا يعَبْدون اللَّه عَلَى قبره، كلما مات فيهم رجل دفنوه إِلَى جانبه، حَتَّى ماتوا بأجمعهم.
قَالَ كعب: فكانت بنو إسرائيل يحجون إِلَى قبورهم رحمة اللَّه عليهم
. قصار من بني إسرائيل
[١] :
أَنْبَأَنَا أحمد بْن أحمد بْن موسى الصيرفي قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الأَصْفَهَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بكر القرشي قَالَ: حَدَّثَنِي الحسن بْن الصباح قَالَ: حَدَّثَنَا زيد بْن الحباب قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن سبط قَالَ: حَدَّثَنَا بكر بْن عَبْد [٢] اللَّه المزني:
أن قصارا [٣] ولع بجارية لبعض جيرانه، فأرسلها أهلها إِلَى حاجة لهم فِي قرية أخرى، فتبعها، فراودها عَنْ نفسها، فقالت: لا تفعل لأنا أشد حبا/ لك منك، ولكني أخاف الله. فقال: فأنت تحافينه وأنا لا أخافه، فرج ثانية فأصابه العطش حَتَّى كاد يتقطع عنقه، فإذا هو برسول الله لبعض بني [٤] إسرائيل، فسأله، فَقَالَ: ما لك؟ قَالَ: العطش قَالَ: تعال حَتَّى ندعو، حَتَّى تظلنا سحابة حَتَّى ندخل القرية قَالَ: ما لي عند اللَّه [٥] عمل فأدعو! قَالَ: فأدعو أنا، وأمّن أنت. قال: فدعا الرسول وأمّن هو فأظلتهم سحابة، حتى انتهوا إلى القرية، فأخذ القصار [٦] إلى مكان فمالت السحابة عليه، فرجع الرسول فقال: زعمت أن ليس [لك] [٧] عمل وأنا الذي دعوت وأنت الّذي أمنت، فأظلتنا
стр. 583
سحابة، ثم تبعتك لتخبرني ما أمرك، فأخبره فَقَالَ الرسول: التائب إِلَى اللَّه بمكان ليس أحد من الناس بمكانه
. عابدة من بني إسرائيل يقال لها سارة
[١] :
أَخْبَرَنَا عَبْد الوهاب بن المبارك قال: أخبرنا أبو الحسين بن عَبْد الجبار قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ علي الثوري قَالَ: أَخْبَرَنَا عمر بْن ثابت قَالَ: أَخْبَرَنَا علي بْن أحمد بْن أبي قيس قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر القرشي قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه بْن رومي قَالَ: أَخْبَرَنَا إسماعيل بن عبد الكريم، عن عبد الصمد بن معقل، عَنْ وهب بْن [٢] منبه قَالَ: [٣] أتي بامرأة من بني إسرائيل يقال لها سارة وسبعة بنين لها إِلَى ملك كان يفتن الناس عَلَى أكل لحم الخنزير فدعا أكبرهم فقرب إليه لحم الخنزير، فَقَالَ: كل، فَقَالَ: ما كنت لآكل شيئا حرمه اللَّه أبدا، فأمر بِهِ فقطعت يداه ورجلاه، ثم قطعه عضوا عضوا حَتَّى قتله، ثم دعا بالذي يليه فَقَالَ: كل، فَقَالَ: ما كنت لآكل شيئا حرمه اللَّه تعالى، فأمر بقدر من نحاس فملئت زيتا ثم أغليت حتى إذا غلت ألقاه فيها، ثم دعا الذي يليه، فَقَالَ: كل، فَقَالَ: ما كنت لآكل شيئا حرمه اللَّه تعالى، فقتله، ثم دعا الذي يليه [٤] ، فَقَالَ: أنت أذل وأقل وأهون عَلَى اللَّه من أن آكل شيئا حرمه اللَّه تعالى علي فضحك الملك، وَقَالَ: أتدرون ما أراد بشتمه إياي، أراد أن يغضبني، فأعجل في قتله وليخطئه ذلك وأمر به، فجز جلدة عنقه، ثم أمر به أن يسلخ جلدة رأسه ووجهه فسلخوه سلخا، فلم يزل يقتل كل واحد منهم بلون غير قتل أخيه حَتَّى بقي أصغرهم، فالتفت بِهِ إِلَى أمه، فَقَالَ: لقد رثيت لك مما رأيت فانطلقي بابنك هَذَا فاخلي به وانقذيه على أن يأكل لقمة واحدة فيعيش لك قالت: نعم، فخلت به، فقالت: أي بني إنه كان لي على كل رجل من
стр. 584
إخوتك حق، ولي عليك حقان.، وذلك أني أرضعت كل واحد حولين، فمات أبوك وأنت حمل، فأرضعتك لضعفك ورحمتي إياك أربعة أعوام فأسألك باللَّه وحقي أما صبرت ولم تأكل شيئا مما حرمه الله عليك ولا تلقين أخوتك يوم القيامة، ولست معهم، فَقَالَ: الحمد للَّه الذي أسمعني هَذَا منك، أما كنت أخاف أن تريديني عَلَى أن آكل [مما حرمه اللَّه] [١] ، ثم جاءت به إِلَى الملك فقالت: ها هو ذا قد أردته وعرضت عَلَيْهِ فأمره الملك أن يأكل، فَقَالَ: ما كنت لآكل شيئا حرمه الله علي، فقتله وألحقه بأخوته، وَقَالَ لأمهم: إني لأجدني أرثي لك، فما رأيت اليوم، ويحك، فكلي لقمة ثم أصنع بك ما شئت وأعطيك ما أحببت تعيشين به، قالت: ما أجمع بين ثكل ولدي ومعصية اللَّه ، فلو حييت بعدهم ما أردت ذلك، وما كنت لآكل شيئا مما حرمه اللَّه تعالى أبدا فقتلها وألحقها ببنيها
. عقوبة كذاب عَلَى موسى ﵇ [٢]
أَخْبَرَنَا علي بْن مُحَمَّد بْن حسنون قَالَ: أَخْبَرَنَا المبارك بْن عَبْد الجبار قَالَ:
أَخْبَرَنَا ابْن صفوان قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بكر القرشي قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّد السمسار قَالَ:
أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن كثير البصري قَالَ: حَدَّثَنَا عبيد بْن واقد القيسي عَنْ عثمان بْن عَبْد اللَّه [٣] ، عَنْ رجل من أهل العلم قَالَ:
كان رجل يخدم موسى ﵇، ويتعلم منه، قَالَ: فاستأذنه أن يرجع إِلَى قريته ثم يعود إليه، فأذن له فانطلق، فجعل يقول: حدثني موسى كليم الله بكذا وكذا، وحدثني نجي الله بكذا حَتَّى كثر ماله، وجعل موسى ﵇ يسأل عنه، ولا يخبر بشَيْء فبينما مُوسَى ﵇/ قاعد إذ مر به رجل يقود خزرا فِي عنقه حبل- والخزر الأرنب الذكر- فَقَالَ: يَا عَبْد اللَّه مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ قَالَ: أقبلت من قرية كذا وكذا، من قرية الرجل قَالَ: فتعرف فلانا؟ قَالَ: نعم، هو الذي فِي يدي، قَالَ موسى: يا رب رده إِلَى حاله حَتَّى أسأله فيما صنعت به هَذَا، فأوحى اللَّه تعالى إليه لو سألني آدم فمن دونه من
стр. 585
النبيين حتى بلغ محمدا ﷺ لم أرده إِلَى حاله، وإنما صنعت به هَذَا لأنه كان يطلب الدنيا بالدين
. ذو الرجل
[١] :
أَخْبَرَنَا عَبْد الوهاب بْن المبارك ومُحَمَّد بْن ناصر قالا: أَخْبَرَنَا المبارك بْن عَبْد الجبار قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الجوهري قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عبد الرحيم المازني قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر مُحَمَّد بْن القاسم الأنباري قَالَ: حدثني مُحَمَّد بْن المرزبان قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّدً قَالَ: حدثني مُحَمَّد بْن الحسن عَنْ داود بْن أبي الرياد، عَنْ أبيه قَالَ:
كان راهب يتعَبْد فِي صومعة فأشرف منها فرأى امرأة ففتن بها، فأخرج رجله من الصومعة لينزل إليها، فلما أخرج رجله نزلت عَلَيْهِ العصمة وأدركته السعادة فقال: يا لنفس رجل خرجت من الصومعة لتعصي اللَّه يعود إليها ويكون فِي صومعتي معي، والله لا كان هَذَا أبدا، قال: فتركها معلقة خارج الصومعة يسقط عليها الثلوج والأمطار وتصيبها الشمس والرياح حتى تقطعت وتناثرت وسقطت [٢] ، فشكر اللَّه ذلك من فعله، وأنزل فِي بعض الكتب وذو الرجل يمدحه بذلك
. حديث بغي من بني إسرائيل
[٣] :
أَخْبَرَنَا عَبْد الملك بْن عَبْد اللَّه الكروخي قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن علي العميري قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن أحمد الفامي قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن أحمد المرواني قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن المنكدر قَالَ: حدثني الفضل بن عبد الجبار الباهلي [٤] قال:
стр. 586
أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيم بْن الأشعث قَالَ: أَخْبَرَنَا المعمر بْن سليمان. قَالَ: سمعت أبا كعب يحدث عَنِ الْحَسَن قَالَ:
كانت امرأة بغي لها ثلث الحسن لا تمكن من نفسها إلا بمائة دينار وإنه [١] أبصرها عابد، فأعجبته/ [فذهب] [٢] فعمل بيديه وعالج فجمع مائة دينار فجاء [٣] فَقَالَ: إنك [قد] [٤] أعجبتني فانطلقت فعملت بيدي وعالجت حَتَّى جمعت مائة دينار، فقالت:
ادفعها إِلَى القهرمان حَتَّى ينقدها ويزنها ففعل فقالت: أنقدت منه مائة دينار] [٥] قَالَ:
نعم، قالت: ادخل، وكان لها من الجمال والهيئة ما اللَّه أعلم به، [وكان] [٦] لها بيت منجد وسرير من ذهب، فقالت: هلم إلي، فلما جلس منها مجلس الرجل الخائن ذكر مقامه بين يدي اللَّه ، أخذته رعدة، وماتت شهوته، فَقَالَ: اتركيني أخرج ولك مائة دينار، قالت: ما بدا لك، وقد رأيتني كما زعمت فأعجبتك فذهبت وعالجت وكددت حَتَّى جمعت مائة دينار، فلما قدرت عليّ فعلت الّذي فعلت، قال: فرق من اللَّه ومقامي بين يديه وقد بغضت إلي، قالت: لئن كنت صادقا ما لي زوج غيرك، قَالَ:
ذريني لأخرج. قالت: لا إلا أن تجعل لي عهدا أن تتزوجني [قَالَ: لا، حَتَّى أخرج.
قالت: خل عليك، إني أحب أن تتزوجني] [٧] ، قَالَ: لعل، قَالَ: فيقبع بثوبه ثم خرج إِلَى بلده، وارتحلت الأخرى بدنياها نادمة عَلَى ما كان منها، حَتَّى قدمت بلده، فسألت عَن اسمه ومنزله، فدلّت عليه، فقيل له: الملكة جاءت تسأل عنك، فلما رآها شهق شهقة فمات، قَالَ: فأسقط فِي يديها، فقالت: أما هَذَا فقد فاتني، فهل له من قريب، قيل أخوه فقير، فحضر، قالت: إني أتزوجك بحب أخيك قَالَ: فتزوجته، فولدت له سبعة أبناء.
стр. 587
حديث بغي أخرى
[١] :
أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن ناصر قال: أخبرنا المبارك بْن عَبْد الْجَبَّارِ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيم بْن عمر البرمكي قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو الحسين الزينبي قَالَ: حَدَّثَنَا ابن المرزبان قَالَ:
حدثني أَبُو أحمد الخراساني قَالَ: حدثني أحمد بْن أبي نصر قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن خالد قَالَ: حدثني أمية بْن شبل عَنْ/ عَبْد اللَّه بْن وهب [٢] قَالَ إِبْرَاهِيم: لا أراه إلا عَنْ أبيه:
أن عابدا من عبّاد بني إسرائيل، كان يتعبد فِي صومعته، فجاء نفر من الغواة إِلَى امرأة بغي، فقالوا لها: لعلك تزيلينه فجاءته فِي ليله مظلمه فنادته فأشرف عليها، فقالت له: يا عَبْد اللَّه آوني إليك أما ترى الظلمة والمطر فلم تزل به حَتَّى آواها، فاضطجعت قريبا منه، فجعلت تريه محاسن وجهها [٣] حَتَّى دعته نفسه إليها فَقَالَ: لا والله حَتَّى أنظر [كيف] [٤] صبرك عَلَى النار، فتقدم إِلَى المصباح فوضع إصبعا من أصابعه فيه حَتَّى احترقت، ثم عاد إِلَى صلاته، فدعته نفسه أيضا، وعاود المصباح فوضع إصبعه الأخرى حَتَّى احترقت، فلم تزل نفسه تدعوه وهو يعود إِلَى المصباح، حَتَّى احترقت أصابعه جميعا [وهي تنظر] [٥] فضعفت المرأة فماتت [٦]
. حديث عفيف منهم عَنِ المعاصي
[٧] :
أَخْبَرَنَا ابن ناصر قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو الحسين بن عبد الجبار قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاق الْبَرْمَكِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الحسين الزينبي قَالَ: أَخْبَرَنَا ابن المرزبان قَالَ: أخبرني أَحْمَد بْن حرب قَالَ: حدثني عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد قَالَ: حدثني [٨] أَبُو عَبْد اللَّه البلخي:
стр. 588
أن شابا كان فِي بني إسرائيل لم ير شاب قط أحسن منه، وكان يبيع القفاف، فبينما هو ذات يوم يطوف بقفافه خرجت امرأة من دار ملك من ملوك بني إسرائيل فلما رأته رجعت مبادرة، فقالت لابنة الملك: يا فلانة، إني رأيت شابا يبيع القفاف، لم أر شيئا أحسن منه، قَالَتْ أدخليه فخرجت إليه، فقالت: يا فتى أدخل، لنشتر منك، فدخل، فأغلقت الباب دونه، ثم قَالَتْ: ادخل، فدخل فأغلقت بابا آخر دونه، ثم استقبلته بنت الملك كاشفة عَنْ وجهها ونحرها، فقال لها: اشتري عافاك الله، قالت: إنا لم ندعك لهذا، إنما دعوناك لكذا- يعني المراودة عن نفسه- فَقَالَ لها: اتقي اللَّه، قالت له: إنك إن لم تطاوعني عَلَى ما أريد أخبرت الملك انك إنما دخلت علي تكابدني عَلَى نفسي قَالَ: فأبى ووعظها فأبت فقال: ضعوا لي وضوءا/ فقالت: أعلي نعلك، يا جارية ضعوا له وضوءا فوق الجوسق مكان لا يستطيع أن يفر منه ومن الجوسق إِلَى الأرض أربعون [١] ذراعا، فلما صار إِلَى أعلى الجوسق، قَالَ: اللَّهمّ إني دعيت إِلَى معصية وأنا أختار أن أضر نفسي فألقيها من هَذَا الجوسق ولا أركب المعصية ثم قَالَ: بسم الله وألقى نفسه من أعلى الجوسق فأهبط اللَّه له ملكا، فأخذ بضبعه فوقع قائما عَلَى رجليه، فلما صار إلى الأرض قال: اللَّهمّ إن شئت رزقتني رزقا يغنيني عَنْ هَذِهِ القفاف قَالَ: فأرسل اللَّه إليه جرادا من ذهب فأخذ منه حَتَّى ملأ ثوبه، فلما صار فِي ثوبه قَالَ: اللَّهمّ إن كان هَذَا رزقا رزقتنيه فِي الدنيا فبارك لي فيه، وإن كان ينقصني مما لي عندك من الآخرة فلا حاجة لي فيه فنودي إن هَذَا الذي أعطيناك جزء من خمسة وعشرين جزءا لصبرك عَلَى إلقائك نفسك من هَذَا الجوسق، قَالَ: اللَّهمّ لا حاجة لي فيما ينقصني مما عندك فِي الآخرة قَالَ: فرفع
. خبر ملك متزهد
[٢] :
أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُصَيْنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ قال:
أخبرنا أحمد بن جعفر قال: أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ:
أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: أَخْبَرَنَا المسعودي، عن سماك حرب، عن
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بن الحسين، قال: أخبر [مروان] [١] مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْعِجْلِيِّ، قَالَ: [أَخْبَرَنَا] أَبُو عُقَيْلٍ الدَّوْرَقِيُّ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ، قَالَ:
كَانَ رجل من ملوك بني إسرائيل قد أعطي طول عمر وكثرة مال وكثرة أولاد، وكان أولاده إذا كبر أحدهم لبس [ثياب] [٢] الشعر، ولحق بالجبال، وأكل من الشجر، وساح فِي الأرض حَتَّى يأتيه الموت، ففعل ذلك جماعتهم حَتَّى تتابع بنوه عَلَى ذلك، فأصاب ولدا بعد كبر، فدعا قومه وَقَالَ: إني أصبت ولدا بعد ما كبرت، وترون شفقتي عليكم، وإني أخاف أن يتبع [٣] [هَذَا] سنة إخوته، وأنا أخاف إن لم يكن عليكم أحد من ولدي بعدي، فبنوا له حائطا فرسخا فِي فرسخ، فكان فيه دهرا من دهره.
ثم ركب يوما فإذا عَلَيْهِ حائط مصمت، فَقَالَ: إني أحسب أن خلف هَذَا الحائط أناسا وعالما آخر، فأخرجوني أزدد [٤] علما وألقى الناس. فقيل ذلك لأبيه، ففزع وخشي أن يتبع سنة إخوته، فَقَالَ: اجمعوا عَلَيْهِ كل لهو ولعب، ففعلوا ذلك.
ثم ركب فِي السنة [٥] الثانية، فَقَالَ: لا بد من الخروج، فأخبر بذلك الشيخ، / فَقَالَ: أخرجوه، فحمل [٦] عَلَى عجلة وكلل بالزبرجد والذهب، وصار حوله حافتان من الناس. فبينا هو يسير إذا هو برجل مبتلى، فَقَالَ: ما هَذَا؟ قالوا: رجل مبتلى، فَقَالَ:
أيصيب ناسا دون ناس أو كل خائف له؟ قَالُوا: كل خائف له [٧] ، قَالَ: وأنا فيما أنا فيه من السلطان؟ قالوا: نعم، قَالَ: أف لعيشكم هَذَا، [هَذَا] [٨] عيش كدر. فرجع مغموما
стр. 591
محزونا [١] ، فقيل لأبيه، فَقَالَ: انشروا [٢] عَلَيْهِ كل لهو وباطل حَتَّى تنزعوا [٣] من قلبه هَذَا الحزن والغم.
فلبث حولا، ثم قَالَ: أخرجوني، فأخرج عَلَى مثل حاله الأول، فبينا هو يسير إذا هو برجل قد أصابه الهرم ولعابه يسيل من فيه، فَقَالَ: ما هَذَا؟ قالوا: رجل قد هرم، قَالَ: يصيب ناسا دون ناس، أو كل خائف له إن هو عمر؟ قالوا: كل خائف [له] [٤] ، قَالَ: أف لعيشكم هَذَا، [هَذَا] [٥] عيش لا يصفو [لأحد] [٦] . فأخبر بذلك أبوه، فَقَالَ:
احشروا عَلَيْهِ كل لهو وباطل. فحشروا عَلَيْهِ.
فمكث حولا ثم ركب عَلَى مثل حاله. فبينا [٧] هو يسير إذا هو بسرير تحمله الرجال عَلَى عواتقها، فَقَالَ: ما هَذَا؟ قالوا: رجل مات، قَالَ لهم: وما الموت؟ ائتوني به، فأتوه به، فَقَالَ: أجلسوه، فقالوا: إنه لا يجلس، قَالَ: كلموه، قالوا: إنه لا يتكلم. قَالَ:
فأين تذهبون به، قالوا: ندفنه تحت الثرى، قَالَ: فيكون ماذا بعد هَذَا؟ قالوا: الحشر، قَالَ: وما الحشر؟ قالوا: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ٨٣: ٦ [٨] حفاة عراة مكشفي الرءوس [٩] ، فيجزى كل واحد عَلَى قدر حسناته وسيئاته، قَالَ: ولكم دار غير هَذِهِ تجازون فيها؟ قالوا: نعم، فرمى بنفسه من الفرس وجعل يعفر وجهه فِي التراب وَقَالَ لهم: من هَذَا كنت أخشى، كاد هَذَا يأتي علي [١٠] ، وأنا لا أعلم به، أما ورب من يعطي ويحشر ويجازي، إن هَذَا آخر الدهر [١١] بيني وبينكم، فلا سبيل لكم علي بعد هَذَا اليوم، فقالوا: لا ندعك حتى نردّك إلى أبيك.
стр. 592
قَالَ: فردوه إِلَى أبيه، وقد كاد ينزف دمه، فَقَالَ له: يا بني، ما هَذَا الجزع؟ قَالَ:
جزعي ليوم يجازى فيه الصغير والكبير عَلَى ما عملا من [١] / خير وشر. فدعا بثياب من الشعر فلبسها، وَقَالَ: إني عازم فِي الليل أن أخرج. فلما كان [فِي] [٢] نصف الليل، أو قريبا منه خرج، فلما خرج [٣] من باب القصر، قَالَ: اللَّهمّ إني أسألك أمرا ليس لي منه قليل ولا كثير، وقد سبقت فيه المقادير. إلهي لوددت أن الماء كان فِي الماء، وأن الطين كان فِي الطين، ولم أنظر بعيني إِلَى الدنيا نظرة واحدة.
قَالَ بكر بْن عَبْد اللَّه: فهذا رجل خرج من ذنب [واحد] [٤] لا يعلم ما عَلَيْهِ فيه [٥] ، فكيف بمن يذنب وهو يعلم بما عَلَيْهِ، ولا يتحرج ولا يجزع ولا يتوب [٦]
. حديث أنطونس السائح:
أخبر عَبْد اللَّه بْن علي المقري، قَالَ: أَخْبَرَنَا طراد بْن مُحَمَّد الزينبي، قَالَ:
أَخْبَرَنَا علي بْن مُحَمَّدً بْن بشران، قَالَ: حَدَّثَنَا الحسين بْن صفوان، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بكر القرشي، قَالَ: [٧] ذكروا أن ملكا بعد زمان المسيح عاش ثلاثمائة وعشرين سنة، فلما حضرته الوفاة بعث إلى ثلاثة نفر من عظماء [أهل] [٨] مملكته، فَقَالَ لهم: قد نزل بي ما ترون وأنتم رءوس أهل مملكتكم، ولا أعرف أحدا أولى بتدبير رعيتكم منكم، وقد كتبت عهدا جعلته إِلَى ستة نفر من خياركم ليختاروا رجلا منكم [٩] لتدبير مملكتكم، فسلموا ذلك لمن اجتمع عليه ملؤكم، وإياكم والاختلاف فتهلكون أنفسكم ورعيتكم، فقالوا: بل
стр. 593
يمن اللَّه علينا بطول مدتك، فَقَالَ: دعوا هَذِهِ المقالة واقبلوا عَلَى ما وصفت لكم، فلم تمض غير ليلة حَتَّى هلك، فدب أولئك الثلاثة إِلَى الستة، فصار كل رجلين من الستة يدعوان إِلَى رَجُل من الثلاثة، فلما رأى ذلك حكماؤهم قالوا: قد افترقت كلمتهم وبحضرتكم من لا يتهم فِي حكمه فمن أشار إليه [منكم] [١] سلمتم هَذَا الأمر له، وكان بحضرتهم رجل سائح يقال له أنطونس فِي غار معروف قد تخلى عَنِ الدنيا، فاجتمعت كلمتهم عَلَى الرضا بمن أشار إليه السائح، فوكلوا بالمملكة رجلا من الستة وانطلق الثلاثة إليه يقصون عليه قصتهم، فقال: ما أرى أني انتفعت باعتزالي عَنِ الناس، ومثلي كمثل رجل كان فِي منزل/ غشيه فيه الذباب، فتحول إِلَى منزل فغشيه فيه الأسد، فقالوا: وما عليك أن تشير إِلَى أفضلنا فِي نفسك؟ قَالَ: ما علمي بأفضلكم وأنتم جميعا تطلبون أمرا واحدا، وأنتم فيه سواء. فطمع بعضهم إن هو أظهر الكراهية للملك أن يشير إليه، فَقَالَ: أما أنا فغير منساح لصاحبي هذين [فِي الملك] [٢] ، وإن السلامة لدي لفي اعتزال هَذَا الأمر، قَالَ السائح: ما أظن صاحبيك يكرهان اعتزالك، فأشر إلي بأحدهما وأتركك، قَالَ: بل تختار ما بدا لك، قَالَ: ما أراك إلا قد نزعت عَنْ قولك فصرتم عندي بمنزلة واحد غير أني سأعظكم وأضرب لكم أمثال الدنيا وأمثالكم فيها وأنتم أعلم، فأخبروني هل عرفتم غايتكم من العمر؟ قالوا: لا لعل ذلك يكون طرفة عين، قَالَ: فلم تخاطرون بهذه الغرة؟ قالوا: رجاء طول المدة، قَالَ: كم أتت عليكم سنة؟ قالوا:
أصغرنا ابن خمس وثلاثين، وأكبرنا ابن أربعين، قَالَ: فاجعلوا أطول ما ترجون من العمر مثل سنيكم التي عمرتم [٣] ، قالوا: لسنا نطمع فِي أكثر من ذلك، ولا خير فِي العمر بعد ذلك، قَالَ: أفلا تبتغون فيما بقي من أعماركم ما ترجون من ملك لا يبلى، ونعيم لا يتغير، ولذة لا تنقطع، وحياة لا يكدرها الموت، ولا تنغصها الأحزان ولا الهموم ولا الأسقام؟ قالوا: إنا نرجو أن نصيب ذلك بمغفرة من اللَّه ورحمة، قَالَ: قد كان من أصابه العذاب من القرون الأولى يرجون من الله ما ترجون، و [لا] [٤] يؤملون ما
стр. 594
تؤملون، ويصيعون العمل حَتَّى نزل بهم من العقوبة ما بلغكم يوشك من سلك المفازة بغير ماء أن يهلك عطشا، أراكم تتكلون [١] عَلَى الرجاء فِي هلاك أبدانكم، ولا تتكلون عَلَيْهِ فِي صلاح معايشكم، أرأيتك مدائنكم التي بنيتموها واعتقدتم فيها الآيات، لو قيل لكم سينزل عليكم ملك بجيوشه فيعم أهلها بالقتل، وبنيانها بالهدم، هل كنتم تطيبون نفسا بالمقام فيها والبنيان بها؟ قالوا: لا، قال: فو الله إن أمر هَؤُلاءِ الآدميين لصائر إِلَى هَذَا، قالوا: قد أشربت قلوبنا حب الدنيا، قَالَ: / مع الأسفار البعيدة تكون الأرباح الكثيرة، فيا عجبا للجاهل والعالم كيف استويا فِي هلاك أنفسهما، ألا أن الذي يسرق ولا يعرف عقوبة السارق أعذر من العارف بعقوبته، وإني أرى هَذَا العالم يبذلون أنفسهم دون أموالهم، فكأنهم لا يصدقون بما يأتيهم به أنبياؤهم. قالوا: ما سمعنا أحدا من أهل الملك [٢] يكذب شيئا مما جاءت به الأنبياء، قَالَ: من ذلك أشتد عجبي من اجتماعهم [٣] عَلَى التصديق ومخالفتهم [٤] فِي الفعل، قالوا: أَخْبَرَنَا كيف أول معرفتك للأمور؟ قَالَ: من قبل الفكر تفكرت فِي هلاك هَذَا العالم، فإذا ذلك من قبل أربعة أشياء جعلت فيهن اللذات، وهي أربعة أبواب مركبة فِي الجسد، منها ثلاثة فِي الرأس:
العينان والمنخران والحنك، وواحد فِي البطن وهو الفرج، فالتمست خفة المؤنة فِي هَذِهِ الأبواب فوجدت أيسرها مئونة باب المنخرين، ثم التمست الخفة المئونة الحنك، فإذا هو غذاء لا قوام للجسد إلا به، فإذا صارت تلك المئونة فِي الوعاء استقرت، فتناولت ما تيسر من المطعم والمشرب، وصرت بمنزلة رجل كان يتخذ الرماد من الخلنج والصندل فثقلت عَلَيْهِ المئونة، فاتخذ الرماد من الزبل والحطب. ونظرت فِي مئونة الفرج فإذا هو والعينان موصلان بالقلب، فلم أجد شيئا أصلح لهما من العزلة وبغض إِلَى منزلي الذي كان فيه [٥] مقامي مع من لا يعقل إلا أمر دنياه، فتخببت هَذَا المنزل فقطعت عني أبواب الخطيئة، وحسمت فِي نفسي لذات أربعا وقطعتهن بخصال أربع.
стр. 595
قالوا: ما اللذات؟ قَالَ: المال، والبنون، والأزواج، والسلطان [١] ، فقطعتهن بالهموم والأحزان والخوف وذكر الموت. وقطعت ذلك أجمع بالعزلة، وأي خير في لذة والموت يعقبها، كونوا كرجل خرج مسافرا فغشي مدينته العدو فأصابوا أهلها، فحمد الله على ما صرف/ عنه [٢] ، [ولقد عجبت كيف ينتفعون بلذتها مع همومها وأحزانها وما تجرعهم] [٣] من مرارتها بعد حلاوتها، واشتد عجبي من أهل العقول، كأنهم يريدون أن يهلكوا كما هلك صاحب الحية، قالوا: أَخْبَرَنَا كيف كان أمر صاحب الحية؟
قَالَ: زعموا أن رجلا كان فِي داره حية قد عرفوه مكانها، وكانت تلك الحية تبيض كل يوم بيضة من ذهب، فخرجت يوما فنهشت عنزا لهم حلوبا فهلكت، فجزع الرجل وأهله، وَقَالُوا: الذي نصيب من الحية أفضل من ثمن العنز، فلما كان رأس الحول غدت عَلَى خمار فنهشته فقتلته، فجزع الرجل وَقَالَ: سنصبر عَلَى هَذِهِ الآفات ما لم تعد البهائم. ثم مر عامان لا تؤذيهم وهم مسرورون بجوارها إذ عدت عَلَى عَبْد الرجل فنهشته فهلك، فجزع وَقَالَ: ما آمن أن يلسع بعض أهلي فمكث حزينا خائفا وَقَالَ: أرى سم هَذِهِ الحية فِي مالي وأنا أصيب منها أفضل مما رأيت. فلم يلبث إلا يسيرا حَتَّى نهشت ابن الرجل، فارتاع ودعا بالدرياق وغيره فلم يغن عَنْهُ، وهلك الغلام، فاشتد جزع والديه ونسيا كل لذة أصاباها وَقَالَا: لا خير لنا فِي جوار هَذِهِ الحية، والرأي قتلها.
فلما سمعت الحية ذلك تغيبت عنهم أياما لا يرونها ولا يصيبون من بيضها، فلما طال ذلك عليهما تاقت أنفسهما إِلَى ما كانا يصيبان منها، فأقبلا عَلَى حجرها وجعلا يقولان:
ارجعي ولا تضرينا ولا نضرك، فرجعت فمكثت عامين لا ينكرون منها شيئا، ثم دنت إِلَى امرأة الرجل فنهشتها، فصاحت، فثار زوجها يعالجها بالدرياق فلم يغن عنها، وهلكت المرأة، فبقي الرجل كئيبا، وأظهر أمر الحية لإخوانه وأهل وده، فأشاروا عَلَيْهِ بقتلها، وَقَالُوا: لقد فرطت فِي أمرها حين تبين لك غدرها، ولقد كنت مخاطرا بنفسك، فعزم عَلَى قتلها. فبينا هو يراصدها [اطلع فِي] [٤] حجرها، فرأى فيه درة/ صافية وزنها
стр. 596
مثقال، فلزمه الطمع وَقَالَ: لقد [١] غير الدهر طبع هَذِهِ الحية ولا أحسب سمها إلا قد تغير، فجعل يتعاهد حجرها بالكنس والبخور ورش الماء، وعمد إِلَى ما كان عنده من الذهب فعمل منه حقا فجعل فيه ذلك الدرر وجعل الحق تحت رأسه، فبينما هو ذات ليلة نائم ذهبت إليه فنهشته، فجعل يستغيث بصوت عال، فأقبل عَلَيْهِ أهله وجيرانه يلومونه، فأخرج إليهم الحق وأراهم ما فيه، فقالوا: ما أقل غنا هَذَا عنك اليوم، فهلك، فقالوا: أبعده اللَّه، هو قتل نفسه.
قَالَ: ولقد عجبت لأهل العقول يعرفون الأمر الذي ضربنا له هَذِهِ الأمثال ولا ينتفعون بالمعرفة [٢] ، ويل لهم لو قد أصابهم ما أصاب صاحب الكرم، قالوا: وكيف كان ذلك؟
قَالَ: زعموا أنه كان رجل له كرم واسع كثير العنب، متصل الشجر، فاستأجر لكشح الكرم وقطفه ثلاثة، ووكل كل رجل بناحية، وَقَالَ: كلوا من العنب ما شئتم وكفوا عَنْ هَذِهِ الثمار. فأخذ أحدهم عَلَى حفظ ما أمر به وقبع يأكل العنب وحده، وفعل الآخر مثل ذلك حينا ثم تاقت نفسه إِلَى الثمار فتناولها، وأقبل الثالث عَلَى أكل الثمار وترك العمل ففسدت ناحيته، فقدم صاحب الكرم، فحمد الأول وأعطاه فوق أجره، وعاقب الثاني بقدر ذنبه، وبالغ فِي عقوبة الثالث. فهكذا أعمالكم فِي الآخرة يوم تجزى كل نفس ما عملت.
قَالَ: ولقد عجبت لأهل الأمل وطمعهم فِي طول العمر، ووجدت أعدى الناس الأولاد، استكثر الآباء لهم وأتعبوا أنفسهم فِي إصلاح معايشهم بهلاك أنفسهم كصاحب السفينة، قالوا: كيف كَانَ ذلك؟
قَالَ: زعموا أنه كان رجل نجار يعمل بيده فيصيب كل يوم درهما، ينفق نصفه عَلَى أب له شيخ كبير وامرأة له وابن وبنت، ويدخر لنفسه نصفه، فعمل زمانا وعاش بخير، فنظر يوما فإذا هو قد استفضل/ مائة دينار، فَقَالَ: لو عملت سفينة واشتغلت بتجارة البحر رجوت أن أتمول، فَقَالَ له أبوه: لا تفعل، فإن رجلا من المنجمين أخبرني
стр. 597
أيام ولدت أنك تموت غريقا، قَالَ: فما أخبرك أني أصيب مالا؟ قَالَ: بلى لذلك نهيتك عَنِ التجارة والتمست لك عملا تعيش فيه يوما بيوم، قَالَ: أتجر، وإن عشت عشت بخير، وإن مت تركت أولادي بخير، قَالَ: يا ولدي لا يكونن ولدك آثر عندك من نفسك.
فعمل سفينة وركب فيها بتجارة فغاب سنة، ثم قدم بمائة قنطار ذهبا، فحمد اللَّه والده وَقَالَ: يا بني، إني كنت نذرت للَّه تعالى إن ردك سالما أن أحرق السفينة، قَالَ: لقد أردت هلاكي، قَالَ: إنما أردت حياتك، فاقبل عَلَى الشكر فقد أصبت غنى الدهر، فلم يقبل، وخرج فغاب سنة وبعض أخرى، فقدم بأضعاف ما قدم به أو لمرة، فَقَالَ لأبيه: لو كنت أطعتك لم أصب هَذَا المال، قَالَ: يا بني إنما أراك تعمل لغيرك وسيجرعك ما ترى غصه فتتمنى لو كان بينك وبين هَذِهِ البلدة جبال المشرق، قَالَ: يا أبت أرجو أن يكون المنجم أصاب فِي الغنى وأخطأ فِي الغرق. ثم صنع سفينة أخرى، فبكى أبوه، فرق لذلك وَقَالَ: يا أبت، والله لئن ردني اللَّه سالما لا ركبت بحرا ما عشت، قَالَ: يا بني، اليوم أيقنت تفقدك. فمضى، فلما توسط البحر أصابه موج فضربت إحدى سفينته الأخرى فانصدعتا فغرقتا، فجعل يتأسف عَلَى عصيان أبيه وهلك ومن معه، فبلغ الخبر أباه فكمد حَتَّى هلك، وقسم الميراث عَلَى امرأة التاجر وابنه وابنته، فتزوجوا وصار ذلك المال إِلَى أزواجهن، فكل ما يجمع الأشقياء إِلَى ذلك يصير.
ولقد عجبت للمؤثر عَلَى نفسه المؤثر غيره، ويحك ما تبلغ بالكفاف لا تؤثر غيرك فتلقى ما لقي صاحب الحوت، قالوا: ما لقي؟ قَالَ: زعموا أن صياد سمك أصاب/ فِي صيده حوتا عظيما، فَقَالَ: ما أحد أحق بأكله مني، ثم بدا له فأهداه إِلَى جاره، فأهداه الجار إِلَى مقعد مسكين، فجعل الصياد يندم ويقول: حرمته نفسي وصار إِلَى أعدى الناس لي.
ولقد عجبت لهذا الشغل الذي غر العقلاء والجهال حَتَّى هلكوا جميعا بالرجاء والطمع كَمَا هلك اليهودي والنصراني، قالوا: وكيف كان ذلك؟ قَالَ: اصطحب يهودي ونصراني إِلَى أرض فصارا فِي عمران ومياه إِلَى أن انتهيا إِلَى بئر وراءها مفازة مسيرتها أربعة أيام، ومع كل واحد منهما قربته، فملأ اليهودي قربته وأراد النصراني أن يملأ قربته، فَقَالَ له اليهودي: تكفينا قربتنا هَذِهِ ولا ننقل دوابنا، فَقَالَ النصراني: أنا أعلم بالطريق، فَقَالَ اليهودي: تريد إلا أن تشرب الماء كلما عطشت؟ قَالَ: نعم، فترك
стр. 598
النصراني قربته فارغة، فلما توسط المفازة أصاب القربه سهم فنفد ما فيها، فقعدا يتلاومان، فمر بهما رجل معه ماء، فقالا: احتسب علينا شربة من ماء، فَقَالَ: هَذَا طريق ليس فِيهِ حسبه، قالا له: فما دينك؟ قَالَ: فما دينكما أنتما؟ قالا: فإن أحدنا يهودي والآخر نصراني فَقَالَ: اليهودي والنصراني والمسلم إذا لم يعمل بما فِي كتابه واتكل عَلَى الطمع لقي ما لقيتما، فقالا: هَذَا رجل حازم، قَالَ: ما يغني عنكما حزمي. فينبغي للعاقل أن يأخذ بالحزم فِي أمر آخرته كما يأخذ بالحزم فِي أمر دنياه ولا يتكل عَلَى الطمع.
ولقد عجبت لأهل الأعمال السيئة، يستترون من الخلق دون الخالق، كيف أمنوا أن يصيبهم ما أصاب صاحب الدير؟ قالوا: كيف كان ذلك؟ قَالَ: زعموا أن رجلا كان يبيع العسل والزيت والسمن، يشتريه نقيا ويبيعه مغشوشا، وكان ذا لحية عظيمة، وكان أكثر من يراه يقول: لو كنت أسقفا فما صلحت لحيتك إلا للأساقفة، فأقبل عَلَى تعلم الإنجيل والمزامير/ وترهب طلبا للدنيا [١] ، فولوه أمرهم فنقص أرزاقهم، وغير مراتبهم، وتفرغ للذته، فانتدب له سياط، فجعل يلوم الرهبان ويقول: هَذَا ما عمل بكم حسن نظركم فِي طول اللحى، ثم آل أمره إِلَى أن أحرق.
ولقد عجبت لأهل المصائب كيف [لا] [٢] يستعينون بالصبر، وإنه سيأتي عَلَى صاحب المصيبة يوم يتمنى فيه مثل ما يتمنى الأعمى فِي مصيبته.
قالوا: وما تمنى الأعمى؟ قَالَ: زعموا أن تاجرا دفن مائة دينار فِي موضع فبصر بها جار لَهُ فأخرجها وأخذها، فلما فقدها التاجر جزع، ثم طال به العمر فعمي واحتاج، فلما حضرت جاره الوفاة أوصى برد المال إِلَى الأعمى، فسر سرورا شديدا إذ رد إليه المال أحوج ما كَانَ إليها، فَقَالَ: ليت كل ما لي قبض يومئذ. وكذلك من له عمل صالح.
ولقد عجبت من فقد عقولهم، كيف لا يعملون بما يعلمون، كأنهم يريدون أن يهلكوا كما هلك صاحب السيل، قالوا: وكيف كان ذلك.
стр. 599
قَالَ: زعموا أن رجلا نزل بطن مسيل، فقيل له: تحول فهذا منزل [١] خطر، قَالَ:
قد علمت، ولكن يعجبني نزهته، فقيل: إنما تطلب الرفق [٢] لصلاح نفسك فلم تخاطر بها، فغشيه السيل فذهب به، فقالوا: أبعده اللَّه.
قَالَ أنطونس: فلو أخذنا بالحزم كنا كأصحاب أصقولية [٣] ، قيل: كيف كان ذلك؟ قَالَ: بعث ملك أصقولية بعثا إِلَى أقزولية [٤] ، وكان المسير إليها فِي البحر ستين ليلة، ولا زاد معهم إلا ما حملوه معهم، وكان مع أصحاب أصقولية كاهنان، فَقَالَ أحدهما: أما إن هذا الجيش لأصقولية سيقيمون عَلَى أقزولية سبعة أيام يرمونها بالمجانيق، وتفتح فِي اليوم الثامن، فَقَالَ الآخر: تقيمون سبعة وتنصرفون، فعمل بعضهم عَلَى قول من قَالَ بفتحها فقالوا: لا نعني أنفسنا بحمل الزاد، وَقَالَ الآخرون: لا نخاطر، فحملوا للبدأة والرجعة. فلما نزلوها لم تفتح، فرجعوا فهلك من فرط فِي حمل الزاد.
فَقَالَ النفر لأنطونس: ما أحسن كلامك وأبلغ موعظتك، فَقَالَ: أما إن حلاوة موعظتي لا تتجاوز [٥] آذانكم/ إن لم تعلموا أن جميع كتب الأنبياء، إنما تجزون ما كنتم تعملون، وانظروا فِي أعمالكم وانصرفوا عني، فاقترعوا بينهم وملكوا أحدهم.
стр. 600
باب ذكر نبينا محمد ﷺ وكرمه
ذكر نسبه [١]
هو مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد المطلب بْن هاشم بْن عَبْد مناف بْن قصي بْن كلاب بْن مرة بْن كعب بْن لؤي بْن غالب بْن فهر [٢] بْن مالك بْن النضر بْن كنانة بْن خزيمة بْن مدركة بْن إلياس بْن مضر بْن نزار بْن معد بْن عدنان [٣] [ولا يختلف النسابون إِلَى عدنان] [٤] .
ثم يختلفون فيما بعده، فبعضهم يقول: عدنان بْن أد بْن أدد بْن الهميسع بْن حميل بْن النبت بْن قيذار بْن إسماعيل بْن إِبْرَاهِيم.
وبعضهم يقول: عدنان بْن أدد، من غير ذكر: أد.
وَمِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النبي ﷺ أنه قَالَ: « [مَعْدٌ] عَدْنَانُ بْنُ أَدَدِ بْنِ زَنْدِ بن يرى بن أعراق الثرى» [٥] .