ثم دخلت سنة ثمان وثمانين واربعمائة
فمن الحوادث فيها:
[ورود يوسف بن أبق إلى بغداد]
ورود يوسف بن أبق التركماني إلى بغداد في صفر أنفذه تاج الدولة أبو سعيد تتش بن محمد ألب أرسلان لإقامة الدعوة له، فأخرج إليه من الديوان حاجب، فلما لقيه ضربه وأراد خروج الوزير، فعلم أنه طالب مكيدة، ودخل بغداد فاستدعى سيف الدولة صدقة بن منصور وكان نافرا من تاج الدولة، ولم يغير الخطبة في بلاده لبركيارق لما غيرها الديوان فخيم سيف الدولة بباب الشعير، فرحل ابن ابق فنهب باجسرى، وقرر على شهربان ثلاثة آلاف دينار، ونهب طريق خراسان، فقال الوزير لحاجبه: قل للورامية استلأموا بسدفة- يريد ألبسوا السلاح/ في ظلمة الليل- فقال لهم ٧/ ب الحاجب: قال لكم مولانا ناموا في الصفة.
فقال ورام بن أبي فراس: فكأنا برحنا من الصفة. فعاد الحاجب فقال له الوزير:
ما الذي قلت؟ فأخبره، فضحك وقال: شر المصائب ما يضحك. ثم إن الخليفة ستدعى ابن أبق فدخل فقبل الأرض خارج الحلبة ونزل بدار المملكة، واستعد أهل بغداد السلاح وتحارسوا، لأنه كان عازما على نهب بغداد، فوصل أخو يوسف [١] فأخبره بقتل تاج الدولة، فانهزم قاصدا إلى حلب. وكانت الوقعة بين تاج الدولة وبركيارق يوم الأحد سابع عشر صفر سنة ثمان وثمانين بموضع بقرب الري، وكان تاج الدولة في القلب فقتل في أول من قتل.
стр. 5707
وفي يوم الجمعة تاسع عشر ربيع الأول: خطب لولي العهد أبي منصور الفضل ابن المستظهر باللَّه، ولقب عمدة الدين.
[خروج الوزير عميد الدولة أبي منصور]
وفي ثامن عشر ربيع الآخر: خرج الوزير عميد الدولة أبو منصور فخط السور على الحريم وقدره ومعه المساح، وتقدم بجبايات المال الذي يحتاج إليه عقارات الناس ودورهم، وأذن للعوام في الفرجة والعمل، وحمل أهل المحال السلاح والأعلام والبوقات والطبول، ومعهم المعاول والسبسلات وأنواع الملاهي من الزمور والحكايات والخيالات، فعمل أهل [باب] [١] المراتب من البواري المقيرة [٢] على صورة الفيل وتحته قوم يسيرون [٣] به، وعملوا زرافة كذلك، وأتى أهل قصر عيسى ٨/ أبسميرة/ كبيرة [٤] فيها الملاحون يجدفون وهي تجري على هاذور، وأتى أهل سوق يحيى بناعورة تدور معهم في الأسواق، وعمل أهل سوق المدرسة قلعة خشب تسير على عجل، وفيها غلمان يضربون بقسي البندق والنشاب، وأخرج قوم بئرا على عجل وفيها حائك ينسج، وكذلك السقلاطونيون، وكذلك الخبازون، جاءوا بتنور وتحته ما يسير به والخباز يخبز ويرمي الخبز إلى الناس.
وكتب أبو الوفاء بن عقيل إلى الوزير ابن جهير إِحراق العوام بالشريعة في بناء السور، فكان فيه مما نقلته من خطه: لولا اعتقادي صحة البعث، وأن لنا دارا أخرى لعلى أكون فيها على حال أحمدها لما بغضت نفسي [٥] إلى مالك عصري، وعلى الله أعتمد في جميع ما أورده بعد أن أشهده أني محب متعصب، لكن إذا تقابل دين محمد ودين بني جهير فو الله ما أزن هذه بهذه، ولو كنت كذلك كافرا، فأقول: ان كان هذا الخرق الذي جرى بالشريعة عن عمد لمناصبة واضعها فما بالنا نعتقد الختمات ورواية الأحاديث، وإذا نزلت بنا الحوادث تقدمنا مجموع الختمات والدعاء عقيبها ثم بعد ذلك
стр. 5708
طبول وسواني ومخانيث وخيال وكشف عورات الرجال مع حضور النساء إسقاطا لحكم الله، وما عندي يا شرف الدين [أن فيك] [١] أن تقوم لسخطه من سخطات [٢] الله، ترى بأي وجه تلقى محمدا ﷺ ، بل لو رأيته في المنام مقطبا كان ذلك يزعجك/ في ٨/ ب يقظتك، وأي حرمة تبقى لوجوهنا وأيدينا وألسنتنا عند الله إذا وضعنا الجباه ساجدة، ثم كيف نطالب الأجناد تقبيل عتبة ولثم ترابها، ونقيم الحد في دهليز الحريم صباحا ومساء على قدح نبيذ مختلف فيه، ثم تمرح العوام في المنكر المجمع على تحريمه، هذا مضاف إلى الزنا الظاهر بباب بدر، ولبس الحرير على جميع المتعلقين والأصحاب [٣] ، يا شرف الدين اتق سخط الله فإن سخطه لا تقاومه سماء ولا أرض، [٤] فإن فسدت حالي بما قلت [٥] ، فلعل الله يلطف بي ويكفيني حوائج الطباع، ثم لا تلمنا على ملازمة [٦] البيوت والاختفاء عن العوام، لأنهم إن سألونا لم نقل إلا ما يقتضي الإعظام [٧] لهذه القبائح، والإنكار لها والنياحة على الشريعة، أترى لو جاءت معتبة من الله سبحانه في منام، أو على لسان نبي أن لو كان قد بقي للوحي نزول، أو ألقى إلى روع مسلم بإلهام، هل كانت إلا إليك، فاتق الله تقوى من علم مقدار سخطه، فقد قال:
فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ ٤٣: ٥٥ [٨] وقد ملأتكم في عيونكم مدائح الشعراء، ومداجاة المتمولين بدولتكم، الأغنياء الذين خسروا الله فيكم فحسنوا لكم طرائقكم، والعاقل من عرف نفسه، ولم يغيره مدح من لا يخبرها.
وفي شعبان: شهد أبو الخطاب الكلوذاني وأبو سعيد المخرمي.
[جرح السلطان بركيارق]
وفي رمضان جرح السلطان بركيارق، جرحه رجل سجزي كان ستريا على بابه
стр. 5709
٩/ أبعد الإفطار، فأخذ الجارح وأقر على رجلين سجزيين أنهما أعطياه مائة دينار/ ليقتله، فقتل وقررا فاعترفا، فضربا فلم يقرا على من أمرهما بذلك، [وعذّبا بأنواع العذاب فلم يذكرا من [١] وضعهما] فترك أحدهما تحت يد الفيل فقال: خلصوني حتى أقر بالحال.
فلما خلى التفت إلى رفيقه فقال له: يا أخي، لا بد من هذه القتلة فلا تفضح أهل سجستان بإفشاء الأسرار، فقتلا وبعث يمن الخادم إلى السلطان مهنئا له بالسلامة.
وفي ذي القعدة: خرج أبو حامد الغزالي من بغداد متوجها إلى بيت المقدس تاركا للتدريس في النظامية، زاهدا في ذلك، لابسا خشن الثياب بعد ناعمها، وناب عنه أخوه في التدريس، وعاد في السنة الثالثة من خروجه وقد صنف كتاب «الإحياء» فكان يجتمع إليه الخلق الكثير كل يوم في الرباط فيسمعونه منه، ثم حج في سنة تسعين، ثم عاد إلى بلده.
وفي يوم عرفة: خلع على القاضي أبي الفرج عبد الوهاب بن هبة الله السيبي، ولقب بشرف القضاة، ورد إليه ولاية القضاء بالحريم وغيره.
وفي هذه السنة: اصطلح أهل الكرخ مع بقية المحال، وتزاوروا وتواكلوا وتشاربوا، وكان هذا من العجائب.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٦٤٧- أحمد بن الحسن بن أحمد بن خيرون، أبو الفضل الباقلاوي
[٢] :
ولد لثلاث بقين من جمادي الآخرة سنة ست وأربعمائة، وسمع الحديث الكثير وكتبه، وله به معرفة حسنة، روى عنه أبو بكر الخطيب، وحدثنا عنه أشياخنا، وكان من الثقات، / وشهد عند أبي عبد الله الدامغاني، ثم صار أمينا له، ثم ولي إشراف خزانة
стр. 5710
الغلات، وتوفي ضحوة يوم الخميس رابع عشر رجب هذه السنة، ودفن بمقبرة باب حرب.
٣٦٤٨- تتش بن ألب أرسلان
[١] :
قتل في وقعة كانت بينه وبين بركيارق ابن ملك شاه، وكان وزير تتش أبو المظفر علي بن نظام الملك، فأسر في الوقعة، وكان وزير بركيارق أبو بكر عبد الله بن نظام [٢] الملك، فأطلق له أبا المظفر فعزله بركيارق واستوزر أبا المظفر.
٣٦٤٩- حمد بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن مسهرة، أبو الفضل الحداد الأصبهاني
[٣] :
سمع خلقا كثيرا، وقدم بغداد في سنة خمس وثمانين، فروى «الحلية» عن أبي نعيم وغيره، وكان أكبر من أخيه أبي علي المعمر، وكان إماما فاضلا عالما، صحيح السماع، محققا في الأخذ. توفي في هذه السنة.
٣٦٥٠- رزق الله بن عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد بن الليث بن سليمان بن الأسود بن سفيان بن يزيد بن أكينة بن إبراهيم بن عبد الله [بن الهيثم بن عبد الله]
[٤] :
وكان عبد الله اسمه: عبد اللات، فسماه النبي ﷺ عبد الله، وعلمه وأرسله إلى اليمامة والبحرين ليعلمهم أمر دينهم، وقال: «نزع الله من صدرك وصدر ولدك الغل والغش إلى يوم القيامة» .
стр. 5711
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ، أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: [سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ أبي يقول: سمعت أبي يقول] [١] : سمعت علي بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ:
هَتَفَ الْعِلْمُ بِالْعَمَلِ، فإن أجابه وإلا رحل.
١٠/ أولد أبو محمد رزق الله سنة أربعمائة، وقيل: سنة إحدى وأربعمائة، / وقرأ القرآن على أبي الحسن الحمامي، وقرأ بالقراءات السبع وسمع أبا عمر بن مهدي، وابن البادا وابني بشران [٢] ، وأبا علي بن شاذان [٣] ، وخلقا كثيرا، وأخذ الفقه عن القاضي أبي علي بن أبي موسى الهاشمي، وشهد عند أبي عبد الله الحسين بن علي بن ماكولا قاضي القضاة في يوم السبت النصف من شعبان هذه السنة، ولم يزل شاهدا إلى أن ولي قضاء القضاة أبو عبد الله الدامغاني بعد موت ابن ماكولا، [فترك الشهادة] [٤] ترفعا عن أن يشهد عنده، فلم يخرج له، فجاء قاضي القضاة إليه مستدعيا لمودته وشهادته عنده، فلم يخرج له عن موضعه، ولم يصحبه مقصوده، وكان قد اجتمع للتميمي القرآن [٥] ، والفقه، والحديث، والأدب، والوعظ، وكان جميل الصورة، فوقع له القبول بين الخواص والعوام، وجعله الخليفة رسولا إلى السلطان في مهام الدولة، وله الحلقة في الفقه والفتوى والوعظ بجامع المنصور، فلما انتقل إلى باب المراتب كانت له حلقة في جامع القصر، يروي فيها الحديث ويفتي، وكان يجلس فيها شيخنا ابن ناصر، وكان يمضي في السنة أربع دفعات في رجب، وشعبان، وعرفة، وعاشوراء، إلى مقبرة الإمام أحمد ويعقد هناك مجلسا للوعظ، حدثنا عنه أشياخنا، وقال ابن عقيل: كان سيد الجماعة من أصحاب أحمد يمنا ورياسة وحشمة أبو محمد التميمي، وكان أحلى الناس عبارة في النظر وأجرأهم قلما في الفتيا وأحسنهم وعظا.
أنشدنا ابن ناصر قال: أنشدنا أبو محمد التميمي لنفسه:
стр. 5712
أفق يا فؤادي من غرامك واستمع ... مقالة محزون عليك شفيق
علقت فتاة قلبها متعلق ... بغيرك فاستوثقت غير وثيق
فأصبحت موثوقا وراحت طليقة ... فكم بين موثوق وبين طليق/
١٠/ ب وتوفي ليلة الثلاثاء خامس عشر جمادي الأولى من هذه السنة، وصلى عليه ابنه أبو الفضل عبد الواحد، ودفن في داره بباب المراتب بإذن المستظهر، ولم يدفن بها أحد قبله، ثم توفي ابنه أبو الفضل سنة إحدى وتسعين، فنقل معه والده إلى مقبرة باب حرب [١] ، ودفن إلى جانب أبيه وجده وعمه بدكة الإمام أحمد عن يمينه.
٣٦٥١- عبد السلام بن محمد بن يوسف بن بندار، أبو يوسف القزويني
[٢] :
أحد شيوخ المعتزلة المجاهرين بالمذهب الدعاة، قرأ على عبد الجبار الهمذاني، ورحل إلى مصر وأقام بها أربعين سنة، وحصل أحمالا من الكتب، فحملها إلى بغداد، وكان قاضي القضاة أبو عبد الله الدامغاني يكرمه ويقوم له، وروى الحديث ببغداد عن أبي عمر بن مهدي، وفسّر القرآن في سبعمائة مجلد، وجمع فيه العجب، حتى أنه ذكر قوله تعالى: «وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ» ٢: ١٠٢ [٣] في مجلد، قال ابن عقيل:
كان رجلا طويل اللسان، يعلم تارة ويسفه أخرى، ولم يكن محققا في علم، وكان يفتخر ويقول: أنا معتزلي، وكان ذلك جهلا منه، لأنه يخاطر بدمه في مذهب لا يساوي، قال:
وبلغني عنه أنه لما وكل به الأتراك مطالبة بما اتهموه به من إيداع بني جهير الوزراء عنده أموالا، قيل له: ادع الله. فقال: ما للَّه في هذا شيء، هذا فعل الظلمة.
قال ابن عقيل: هذا قول خرف، لأنه أن قصد بذلك التعديل ونفي الجور فقد
стр. 5713
أخرج الله عن التقدير، ثم هب أنه ليس هو المقدر لذلك أليس بقادر على المنع والدفع.
قال شيخنا أبو بكر بن عبد الباقي: دخل أبو يوسف على نظام الملك وعنده أبو محمد التميمي ورجل آخر أشعري، فقال له: أيها الصدر، قد اجتمع عندك رءوس أهل النار. فقال: كيف؟ فقال: أنا معتزلي وهذا مشبه [١] ، وذاك أشعري، وبعضنا يكفّر بعضا.
١١/ أتوفي أبو يوسف/ في ذي القعدة من هذه السنة [وقد بلغ ستا وتسعين سنة] [٢] ، وما تزوج إلا في آخر عمره، ودفن بمقبرة الخيزران قريبا من أبي حنيفة.
٣٦٥٢- محمد بن حسين بن [٣] عبد الله بن إبراهيم، أبو شجاع الوزير ابن الوزير الروذراوريّ [٤] الأصل- بلدة من ناحية همذان- أهوازي [٥] المولد:
الوزير ابن الوزير، لأن أبا يعلى الحسين [٦] كاتبه القائم وهو بالأهواز بوزارته، وخاطبه بها فوصله الكتاب يستدعي له وهو ميت، وكان أبو شجاع قد قرأ الفقه والعربية، وسمع الحديث من جماعة منهم: أبو إسحاق الشيرازي، وصنف كتبا منها كتابه الذي ذيله على «تجارب الأمم» ووزر للمقتدي سليما من طمع، وكان يملك حينئذ عينا ستمائة ألف دينار، فأنفقها في الخيرات والصدقات.
وقال أبو جعفر بن الخرقي: كنت أنا من أحد عشر يتولون إخراج صدقاته، فحسبت ما خرج على يدي فكان مائة ألف دينار، ووقف الوقوف، وبنى المساجد، وأكثر الأنعام على الأرامل واليتامى، وكان يبيع الخطوط الحسنة، ويتصدق بثمنها ويقول:
стр. 5714
أحب الأشياء إلي الدينار والخط الحسن، فأنا أخرج للَّه محبوبي. ووقع مرض في زمانه، فبعث إلي جميع أصقاع البلد أنواع الأشربة والأدوية، وكان يخرج العشر من جميع أمواله النباتية على اختلاف أنواعه، وعرضت عليه رقعة من بعض الصالحين يذكر فيها: أن امرأة معها أربعة أطفال أيتام، وهم عراة جياع. فقال للرجل: امض الآن إليهم، واحمل معك ما يصلحهم، ثم خلع أثوابه وقال: والله لا لبستها ولا دفئت حتى تعود وتخبرني أنك كسوتهم وأشبعتهم، فمضى وعاد فأخبره وهو يرعد من البرد.
حكى حاجبه الخاص به قال: [استدعاني ليلة، وقال:] [١] إني أمرت بعمل قطائف، فلما حضر بين يدي ذكرت نفوسا تشتهيه فلا تقدر عليه، فنغص ذلك علي أكله، ولم أذق منه/ شيئا، فأحمل هذه الصحون إلى أقوام فقراء. فحملها الفراشون ١١/ ب معه، وجعل يطرق أبواب المساجد بباب المراتب، ويدفع ذلك إلى الأضراء المجاورين بها.
وكان يبالغ في التواضع، حتى ترك الاحتجاب فيكلم المرأة والطفل، وأوطأ العوام والصالحين مجلسه، وكان يحضر الفقهاء الديوان في كل مشكل، وكانوا إذا أفتوا في حق شخص بوجوب حق القصاص عليه سأل أولياء الدم أخذ شيء من ماله وأن يعفوا، فإن فعلوا وإلا أمر بالقصاص، وأعطى ذلك المال ورثة المقتول الثاني، ولقد جرت منه عصبية مرة في ليل الغيم فأمر ابن الخرقي المحتسب أن يجلس بباب النوبي ويكرم الناس بالإفطار، وأحضر أطباقا فيها لوز وسكر، وبعث إلى أبي إسحاق الخزاز بباب المراتب ليمنعه من صلاة التراويح تلك الليلة فلم يمتنع ذلك وقرأ «أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى» ٩٦: ٩- ١٠ [٢] فعدد في هذا الشهر أن صام الناس ثمانية وعشرين يوما فأسقط في يده وذبح البقر، وصدق بصدقات وافرة، وعاهد الله سبحانه أن لا يتعصب في الفروع أبدا.
وفي زمانه أسقطت [٣] المكوس، وألبس أهل الذمة الغيار، وتقدم إلى ابن
стр. 5715
الخرقي المحتسب أن يؤدب كل من فتح دكانه يوم الجمعة ويغلقه يوم السبت من البزازين وغيرهم، وقال: هذه مشاركة لليهود في حفظ سبتهم. وكان قد سمع أن النفاطين والكلابزية يقفون على دكاكين [١] المتعيشين فيأخذون منهم كل أسبوع شيئا، فنفذ من يمنعهم من الاجتياز بهم. وحج في وزارته سنة ثمانين، فبذل في طريقه الزاد والأدوية، وعم أهل الحرمين بصدقات، وساوى الفقراء في إقامة المناسك والتعبد، وكانت به وسوسة في الطهارة.
قال المصنف ﵀: ونقلت من خط أبى الوفاء بن عقيل أنه كتب إليه لأجل وسوسته: أما بعد، فإن أجل محصول عند العقلاء بإجماع الفقهاء الوقت، فهو غنيمة ١٢/ أينتهز فيها الفرص [٢] ، والتكاليف كثيره، والأوقات خاطفة، وأقل متعبد به/ الماء، ومن اطلع على أسرار الشريعة علم قدر التخفيف، فمن ذلك قوله: «صبوا على بول الأعرابي ذنوبا من ماء» [٣] وقوله في المنى: «أمطه عنك بأذخرة» وقوله في الخف: «طهوره إن تدلكه بالأرض» وفي ذيل المرأة: «يطهره ما بعده» [٤] وقوله ﵇: «يغسل بول الجارية وينضح بول الغلام» [٥] وكان يحمل بنت أبي العاص في الصلاة، ونهى الراعي عن إعلام السائل له عن الماء، وما يرده وقال: «ائت لنا طهورا» وقال: «يا صاحب البراز لا تخبره» فإن خطر بالبال نوع احتياط في الطهارة كالاحتياط في غيرها من مراعاة الإطالة وغيبوبة الشمس والزكاة، فإنه يفوت من الأعمار ما لا يفي به الاحتياط في الماء، الذي أصله الطهارة وقد صافح رسول الله ﷺ الأعراب، وركب الحمار، وما عرف من خلقه التعبد بكثرة الماء الّذي أصله الطهارة وقد توضأ من سقاية المسجد، ومعلوم حال الأعراب الذين بان من أحدهم الإقدام على البول في المسجد، وتوضأ من جرة نصرانية، وما احترز تعليما لنا وتشريعا وإعلاما أن الماء على أصل الطهارة، وتوضأ من
стр. 5716
غدير كان ماؤه نقاعة الحناء، فأما قوله: «تنزهوا من البول» [١] فإن للتنزه حدا معلوما، فإما الاستشعار فإنه إذا علق نما وانقطع الوقت بما لا يقتضى بمثله الشرع.
قال ابن عقيل: كان الوزير أبو شجاع كثير البر للخلق، كثير التلطف بهم، فقدم من الحج وقد اتفق نفور العوام نفورا أريقت فيها الدماء، وانبسط حتى هجموا على الديوان، وبطشوا بالأبواب والستور، فخرج من الخليفة إنكار عليه، وأمره أن يلبس أخلاق السياسة لتنحسم مادة الفساد، فأدب وضرب وبطش، فانبسطت فيه الألسنة بأنواع التهم، حتى قال قوم: ها هو إسماعيلي وهبط عندهم ما تقدم من إحسانه. قال ابن عقيل: فقلت لنفسي: أفلس من الناس كل الإفلاس، ولا تثقي/ بهم، فمن يقدر ١٢/ ب على إحسان هذا إليهم وهذه أقوالهم عنه. قال ابن عقيل: وقد رأيت أكثر أعمال الناس لا يقع إلا للناس إلا من عصم الله من ذاك، إني رأيت في زمن أبي يوسف [٢] كثيرا من أهل القرآن والمنكرون لإكرام أصحاب عبد الصمد، وكثر متفقهة الحنابلة، ومات فاختل ذلك فاتفق ابن جهير، فرأيت من كان يتقرب إلى الشيخ بالصلاح يتقرب إلى ابن جهير برفع أخبار العاملين [٣] ، ثم جاءت الدولة النظام، فعظم الأشعرية، فرأيت من كان يتسخط على بنفي التشبيه غلوا في مذهب أحمد، وكان يظهر بغضي يعود [علي] [٤] بالغمض على الحنابلة، وصار كلامه ككلام رافضي وصل إلى مشهد الحسين فأمن وباح، ورأيت كثيرا من أصحاب المذاهب انتقلوا ونافقوا، وتوثق بمذهب الأشعري والشافعي طمعا في العز والجرايات، ثم رأيت الوزير أبا شجاع يدين بحب الصلحاء والزهاد، فانقطع البطالون إلى المساجد، وتعمد خلق للزهد، فلما افتقدت ذلك قلت لنفسي: هل حظيت من هذا الافتقاد بشيء ينفعك؟ فقالت البصيرة: نعم، استفدت أن الثقة خيبة، فالغنى بهم إفلاس وليس ينبغي [٥] أن يعول على غير الله.
стр. 5717
قال المصنف: ولما عزل الوزير أبو شجاع خرج إلى الجامع [يوم الجمعة] [١] فانثالت عليه العامة تصافحه وتدعو له، فكان ذلك سببا لالتزامه بيته، والإنكار على من صحبه، وبني في دهليز داره مسجدا وكان يؤذن ويصلي فيه، ثم وردت كتب نظام الملك بإخراجه من بغداد، فأخرج إلى بلدة، [فأقام مدة] [٢] ، ثم استأذن في الحج فأذن له فخرج.
قال أبو الحسن [بن] [٣] عبد السلام: اجتمعت به في المدينة فقبل يدي فأعظمت ذلك، فقال لي: قد كنت تفعل هذا بي فأحببت أن أكافئك. وجاور بالمدينة، فلما مرض مرض الموت حمل إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله فوقف بالحضرة وبكى وقال: يا رسول الله، قال الله «وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا الله وَاسْتَغْفَرَ ٤: ٦٤ ١٣/ ألَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا الله/ تَوَّاباً رَحِيماً» ٤: ٦٤ [٤] وقد جئت معترفا بذنوبي وجرائمي أرجو شفاعتك، وبكى.
وتوفي من يومه ودفن بالبقيع عند قبر إبراهيم ﵇ بعد أن صلى عليه بمسجد رسول الله ﷺ ، وزوّر به الحضرة وذلك في منتصف جمادي الآخرة من هذه السنة وهو ابن إحدى وخمسين سنة، وكان له شعر حسن، فمنه قوله:
ما كان بالإحسان أولاكم ... لو زرتم من [كان] [٥] يهواكم
احباب قلبي ما لكم والجفا ... ومن بهذا الهجر أغراكم
ما ضركم لو عدتم مدنفا ... ممرضا من بعد قتلاكم
أنكرتمونا مذ عهدناكم ... وخنتمونا مذ حفظناكم
لا نظرت عيني سوى شخصكم ... ولا أطاع القلب إلاكم
جرتم وخنتم وتحاملتم ... على المعنى في قضاياكم
يا قوم ما أخونكم في الهوى ... وما على الهجران أجراكم
стр. 5718
حولوا وجوروا وانصفوا أو اعدلوا ... في كل حال لا عدمناكم
ما كان أغناني عن المشتكى ... إلى نجوم الليل لولاكم
سلوا حداة العيس هل أوردت ... ماء سوى دمعي مطاياكم
أو فاسألوا طيفكم هل رأى ... طرفي أغفي بعد مسراكم
أحاول النوم عسى أنني ... في مستلذ النوم ألقاكم
ما آن أن تقضوا غريما لكم ... يخشاكم أن يتقاضاكم
يستنشق الريح إذا ما جرت ... من نحو نجد أين مسراكم
وله أيضا:
لو أنكم عاينتم بعد مسراكم ... وقوفي على الأطلال أندب مغناكم
أنادي وعيني قد تفيض بذكراكم ... أيا خلتي لم أبعد البين مرماكم
ولم غبتم عن ناظري بعد رؤياكم ... ولم نعب البين المشتّ وأقصاكم/ ١٣/ ب
٣٦٥٣- محمد بن المظفر بن بكران الحموي [١] الشامي:
ولد سنة أربعمائة، وحج في سنة سبع عشرة وأربعمائة، وتفقه ببلده بعد حجه، ثم قدم إلى بغداد فتفقه على أبي الطيب الطبري، وسمع من أبي القاسم بن بشران، وغيره، وشهد عند قاضى القضاة أبى عبد الله الدامغاني في ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين [٢] ، وزكاة القاضي أبو يعلى بن الفراء، وأبو الحسن [٣] بن السمناني، وناب عنه في القضاء بربع المدينة. حدثنا عنه أشياخنا، وكان حسن الطريقة، خشن الأخلاق وفيه حدة، وكان ثقة عفيفا نزها لا يقبل من سلطان عطية ولا من صديق هدية، ولازم مسجدا بقطيعة [أم] [٤] الربيع، يؤم أهله، ويدرس ويقرأ عليه الحديث زائدا على خمس وخمسين سنة، ولما مات أبو عبد الله الدامغاني أشار به الوزير أبو شجاع على المقتدي
стр. 5719
فقلده قضاء القضاة في رمضان سنة ثمان وسبعين، وخلع عليه، وقرئ عهده ولم يرتزق على القضاء شيئا، ولم يغير ملبسه ومأكله وأحواله قبل القضاء، وكان يتولى القضاء بنفسه، ولا يستنيب أحدا ولا يحابي مخلوقا، فلما أقام الحق نفرت عنه قلوب المبطلين، ولفقوا له معايب لم يلصق به منها شيء، وكان غاية تأثيرها أنه سخط عليه الخليفة، ومنع الشهود من إتيان مجلسه، وأشاع عزله فقال: لم يطر على فسق استحق به العزل. فبقي كذلك سنتين وشهورا، وأذن لأبي عبد الله محمد بن عبيد الله الدامغاني في سماع البينة، فنفذ من العسكر بأن الخبر قد وصل إلينا أن الديوان قد استغنى عن ابن بكران، ونحن بنا حاجة إليه، فيسرح إلينا، فوقع الامساك عنه، ثم صلح رأي الخليفة فيه، وأذن للشهود في العود إلى مجلسه، فاستقامت أموره، وحمل إليه يهودي جحد مسلما ثيابا ادعاها عليه، فأمر ببطحه وضربه فعوقب فأقر، فعاقبه الوزير أبو شجاع على ذلك، واغتنم أعداؤه الفرصة في ذلك، فصنف أبو بكر الشاشي كتابا في الرد عليه ١٤/ سماه: «الرد على من حكم بالفراسة [١] / وحققها بالضرب والعقوبة» وقد ذكر أن الذي فعله له وجه ومستند من كلام الشافعي.
قال المصنف: نقلت من خط أبي الوفاء بن عقيل قال: أخذ قوم يعيبون على الشامي ويقولون: كان يقضي بالفراسة ويواقعه، قال: فضرب كرديا حتى أقر بمال أخذه غصبا وكان ضربه بجريدة من نخلة داره، فقلت: أعرف دينه وأمانته، ما كان ذلك بالفراسة، لكن بأمارات، واذا تأملتم الشرع وجدتم أنه يجوز التعويل على مثلها، فإنه إذا رأى صاحب كلالجات ورعونة يقال إنه رجم سطحا لإجل طائر، فكسر جرة، وكان عنده خبر أنه يلعب بالطيور، فقال: بل هذا الشيخ رجم. وقد ذهب مالك إلى التوصل إلى الإقرار بما يراه الحاكم على ما حكاه بعض الفقهاء، وذلك يستند إلى قوله: «إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ من قُبُلٍ» ١٢: ٢٦ [٢] ومن حكمنا بعقد الأزج، وكثرة الخشب، ومعاقد القمط، وما يصلح للمرأة وما يصلح للرجل، والدباغ والعطار إذا تخاصما في جلد، وهل اللوث في القسامة إلى نحو هذا.
стр. 5720
وحمل يوما إلى دار السلطان ليحكم في حادثة، فشهد عنده المشطب بن محمد بن أسامة الفرغاني الإمام، وكان فقيها من فحول المناظرين، فرد شهادته [فقال:
ما أدري لأي علة رد شهادتي [١] ؟] فقال الشامي: قولوا له كنت أظن أنك عالم فاسق، والآن أنت جاهل فاسق، أما تعلم أنك تفسق باستعمال الذهب؟ وكان يلبس خاتم الذهب والحرير، وادعى عنده بعض الأتراك على رجل شيئا فقال: ألك بينة؟ قال:
نعم. قال: من؟ قال: فلان والمشطب. فقال: لا أقبل شهادته لانه يلبس الحرير. فقال التركي: السلطان ملك شاه ووزيره نظام الملك يلبسان الحرير! فقال الشامي: ولو شهدا عندي في باقة بقل ما قبلت شهادتهما.
توفي الشامي يوم الثلاثاء عاشر شعبان هذه السنة، ودفن بتربة له عند قبر أبي العباس بن سريج على باب قطيعة الفقهاء من الكرخ.
٣٦٥٤- محمد بن أبي نصر، فتوح بن عبد الله [٢] بن حميد، أبو عبد الله الحميدي [٣] الأندلسي:
من أهل المغرب، من جزيرة يقال لها ميرقة قريبة من الأندلس/ ولد، قبل ١٤/ ب العشرين وأربعمائة، وسمع ببلده الكثير، وبمصر، وبمكة، وبالشام، وورد بغداد فسمع من أصحاب الدار الدارقطني وابن شاهين، وكان حافظا دينا نزها عفيفا، كتب من مصنفات ابن حزم الكثير، وكتب تصانيف الخطيب، وصنف فأحسن، ووقف كتبه على طلبه العلم فنفع الله بها، حدثنا عنه أشياخنا.
وتوفي ليلة الثلاثاء سابع عشر ذي الحجة، ودفن بمقبرة باب أبرز، ثم نقل في
стр. 5721
صفر سنة إحدى وتسعين إلى باب حرب، فدفن في دكة بشر الحافي.
٣٦٥٥- هبة الله بن علي بن عقيل، أبو منصور بن أبي الوفاء
[١] :
ولد في ذي الحجة سنة أربع وسبعين، وتوفي وهو ابن أربع عشرة سنة، وكان قد حفظ القرآن وتفقه، وظهر منه أشياء تدل على عقل غزير ودين عظيم، وكان هذا الصبي قد طال مرضه، وأنفق عليه أبوه مالا في المرض وبالغ، قرأت بخط أبيه أبي الوفاء قال:
قال لي ابني لما تقارب أجله: يا سيدي قد أنفقت وبالغت في الأدوية والطب والأدعية، وللَّه سبحانه في اختيار، فدعني مع اختيار الله، قال: فو الله [ما] [٢] أنطق الله سبحانه ولدي بهذه المقالة التي تشاكل قول إسحاق لإبراهيم «افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ» ٣٧: ١٠٢ [٣] إلا وقد اختار الله له الحظوة.
стр. 5722
ثم دخلت سنة تسع وثمانين واربعمائة
فمن الحوادث فيها:
أنه في ربيع الأول كثر العبث من بني خفاجة، وأتوا إلى المسجد بالحائر، فتظاهروا فيه بالمنكر، فوجه إليهم سيف الدولة عسكرا فكبسوهم في المشهد، وأخذوا عليهم أبوابه، وقتل منهم خلق عند الضريح، ومن أعجب العجائب [١] أن أحدهم ركب فرسه وصعد إلى سور المشهد، وألقى نفسه وفرسه، فنجوا جميعا.
حكم المنجمون بطوفان يكون في الناس
وفي هذه السنة: حكم المنجمون بطوفان يكون في الناس، يقارب طوفان نوح، / وكثر الحديث فيه، فتقدم المستظهر باللَّه بإحضار ابن عيشون المنجم [٢] ، فقال: إن ١٥/ أطوفان نوح ﵇ اجتمع في برج الحوت الطوالع السبعة، والآن فقد اجتمع في برج الحوت من الطوالع ستة وزحل لم يجتمع معهم، فلو اجتمع معهم [٣] كان طوفان نوح، ولكن أقول إن مدينة أو بقعة من البقاع يجتمع فيها عالم من بلاد كثيرة فيغرقون ويكون من كل بلد الواحد والجماعة، فقيل: ما يجتمع في بلد ما يجتمع في بغداد، وربما غرقت، فتقدم بأحكام المسنيات والمواضع [٤] التي يخشى منها الانفجار، وكان الناس ينتظرون الغرق، فوصل الخبر بأن الحاج حصلوا في وادي المناقب بعد نخلة،
стр. 5723
فأتاهم سيل عظيم، فنجا منهم من تعلق برءوس الجبال، واذهب الماء الرحال والرجال، فخلع على ذلك المنجم وأجرى له جراية.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٦٥٦- أحمد بن الحسن بن أحمد بن الحسن بن محمد بن خداداد الكرخي الباقلاوي، أبو طاهر بن أبي علي
[١] :
سمع من أبى على بن شاذان، وأبى القاسم بن بشران، وأبى بكر البرقاني، وغيرهم. وكان ثقة ضابطا، وكان جميل الخصال، مقبلا على ما يعنيه، زاهدا في الدنيا، حدث عنه عبد الوهاب الأنماطي وغيره من أشياخنا. قال شيخنا عبد الوهاب:
كان يتشاغل يوم الجمعة بالتعبد ويقول: لأصحاب الحديث من السبت إلى الخميس ويوم الجمعة أنا بحكم نفسي للتكبير إلى الصلاة وقراءة القرآن، وما قرئ عليه في الجامع حديث قط. قال: ولما قدم نظام الملك إلى بغداد أراد أن يسمع من شيوخها فكتبوا له أسماء الشيوخ، وكتبوا في جماعتهم اسم أبي طاهر، وسألوه أن يحضر داره، ١٥/ ب فامتنع فألحوا فلم/ يجب. قال أبو الفضل بن خيرون: قرابتي وما أنفرد أنا بشيء عنه ما سمعته قد سمعه، وأنا في خزانه الخليفة فما يمتنع عليكم، فأما أنا فلا أحضر.
وتوفي ليله الاثنين الرابع من ربيع الآخر، ودفن بمقبرة باب حرب.
٣٦٥٧- أحمد بن عمر بن الأشعث، أبو بكر السمرقندي والد شيخنا أبى القاسم
[٢] :
ولد سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، وقرأ القرآن على أبي علي الأهوازي بالقراءات التي صنفها، وكان مجودا، وكان ينسخ المصاحف، وسمع الحديث الكثير، وروى عنه أشياخنا.
وتوفي يوم الأحد سابع عشرين من رمضان [٣] ، ودفن بمقابر الشهداء بباب حرب إلى جانب أبي بكر الدينَوَريّ الزاهد.
стр. 5724
٣٦٥٨- إبراهيم بن الحسين، أبو إسحاق الخزاز
[١] :
كان من الزهاد،. توفي يوم السبت تاسع ربيع الآخر، ودفن بمقبرة باب حرب.
ونقلت من خط أبى الوفاء بن عقيل [قال [٢] : كان الشيخ أبو إسحاق الخزاز شيخا صالحا بباب المراتب، وهو أول من لقنني كتاب الله بدرب الديوان بالرصافة، وكان من عادته الامساك عن الكلام في رمضان، وكان يخاطب بآي القرآن في أغراضه وسوانحه وحوائجه، فيقول في إذنه: ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ ٥: ٢٣، ويقول لابنه في عشية الصوم من بَقْلِها وَقِثَّائِها ٢: ٦١ آمرا له بشراء البقل، فقلت له: هذا تعتقده عباده، وهو معصية فصعب عليه فبسطت الكلام، وقلت: ان هذا القرآن العزيز نزل في بيان أحكام الشريعة فلا يستعمل في أغراض دنيوية وما عندي أن هذا بمثابة صرك السدر والأشنان في ورق المصحف أو توسدك له فهجرني وهجرته مدة.
٣٦٥٩- حمزة بن محمد بن الحسن بن محمد بن علي بن محمد بن إبراهيم بن إِسْمَاعِيل بن عامر [٣] بن عبيد الله بن الزبير بن العوام القرشي، أبو القاسم
[٤] :
ولد سنة ثمان وأربعمائة، وسكن نهر الدجاج، وسمع أبا القاسم الخرقى، وأبا علي بن شاذان. روى عنه مشايخنا، وكان صالحا دينا ثقة.
وتوفي يوم الجمعة ثاني شعبان هذه السنة ودفن بمقبرة الشونيزية.
٣٦٦٠- سليمان بن أحمد بن محمد أبو الربيع السرقسطي
[٥] :
من أهل الأندلس دخل بغداد، وأقام بها وسمع أبا القاسم بن بشران، وأبا العلاء الواسطي ومن بعدهما كأبي بكر الخطيب، وغيره. وكانت له معرفة باللغة. وروى عنه أشياخنا لكنهم جرحوه، فقال أبو منصور بن خيرون: نهاني عمي أبو الفضل أن أقرأ عليه
стр. 5725
القرآن، وقال ابن ناصر: كان كذابا يلحق سماعاته.
وتوفي في ربيع الآخر من هذه السنة.
٣٦٦١- عبد الله بن إبراهيم، بن عبد الله، أبو حكيم الخبري
[١] :
وخبر [٢] إحدى بلاد فارس، وهو جد شيخنا أبي الفضل بن ناصر لأمة، تفقه على أبى إسحاق، وسمع من الجوهري وغيره، وكانت له معرفة تامة بالفرائض، وله فيها تصنيف وله معرفة بالأدب واللغة، وكان مرضى الطريقة، وحدثني عنه شيخنا أبو الفضل بن ناصر، قال: كان يكتب المصاحف فبينا هو يوما قاعدا مستندا يكتب وضع القلم من يده واستند، وقال: والله ان كان هذا موتا فهذا موت طيب ثم مات.
٣٦٦٢- عبد المحسن بن محمد بن علي بن أحمد، أبو منصور الشيحي [٣] التاجر:
ويعرف بابن شهدانكة، من أهل النصرية، وسمع ببغداد أبا طالب ابن غيلان، وأبا القاسم التنوخي، وأبا الحسن القزويني، وأبا إسحاق البرمكي، والجوهري، ورحل إلى الشام وديار مصر فسمع بها من جماعة وأكثر عن أبى بكر الخطيب بصور، وأهدى إليه الخطيب تاريخ بغداد بخطه، وقال: لو كان عندي أعز منه لأهديته له لانه حمل الخطيب من الشام إلى العراق، وروى عنه الخطيب في تصانيفه فسماه عبد الله، وكان يسمى عبد الله وكان ثقة خيرا دينا.
توفي يوم الاثنين سادس عشر جمادى الآخرة من هذه السنة، ودفن بمقبرة باب حرب.
٣٦٦٣- عبد الملك بن إبراهيم بن أحمد] [٤] الهمذاني
[٥] :
стр. 5726
سمع أبا على الحسن بن على الشاموخي [١] وغيره. روى عنه أشياخنا، وكان يعرف العلوم الشرعية والأدبية، إلا أن علم الفرائض والحساب انتهى إليه [٢] ، وكان قد تفقه على أقضى القضاة أبى الحسن الماوردي، وكان يحفظ «غريب الحديث» لأبي عبيد، و «المجمل» لابن فارس، وكان عفيفا زاهدا، وكان يسكن درب رياح، وكان الوزير أبو شجاع قد نص عليه لقضاء القضاة فأجابه المقتدى، فاستدعاه فأبى أشد الإباء، واعتذر بالعجز وعلوّ السن، وعاود الوزير أن لا يعاود ذكره في هذا الحال.
أنبأنا شيخنا عبد الوهاب الأنماطي قال: سمعت أبا الحسن بن أبي الفضل الهمذاني يقول: كان والدي إذا أراد أن يؤدبني يأخذ العصا بيده ويقول: نويت أن أضرب ابني تأديبا كما أمر الله، ثم يضربني. قال أبو الحسن: وإلى أن ينوى ويتم النية كنت أهرب.
توفي يوم الأحد تاسع عشر رمضان من هذه السنة، ودفن عند قبر ابن سريج.
٣٦٦٤- محمد بن أحمد بن عبد الباقي/ بن منصور، أبو بكر، ويعرف بابن الخاضبة ١٦/ أالدقاق
[٣] :
كان معروفا بالإفادة، وجودة القراءة، وحسن الخط، وجودة النقل، وجمع علم القراءات والحديث، وأكثر عن أبى بكر الخطيب، وأصحاب المخلص، والكتاني.
حدثنا عنه شيوخنا وكانوا يثنون عليه، وعاجلته المنية قبل الرواية. توفي ليلة الجمعة ثاني ربيع الأول، ودفن في المقبرة المعروفة بالأجمة المتصلة بباب [٤] أبرز.
أنبأنا أبو زرعة، عن أبيه محمد بن طاهر قال: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد الدقاق المعروف بابن الخاضبة يقول [٥] : لما كانت سنة الغرق وقعت داري على قماشي
стр. 5727
وكتبي، ولم يبق لي شيء، وكانت لي عائلة، وكنت أورق للناس، فكتبت صحيح مسلم تلك السنة سبع مرات، فنمت ليلة فرأيت في المنام كأن القيامة قد قامت ومناد ينادى:
أين ابن الخاضبة؟ فأحضرت فقيل لي: ادخل الجنة، فلما دخلت استلقيت على فراشي، ووضعت إحدى رجلي على الأخرى، وقلت: استرحت والله من النسخ.
٣٦٦٥- محمد بن على بن عمير، أبو عبد الله القهندزي [١] العميري:
خرج من هراة إلى الحجاز سنة عشرين وأربعمائة، وركب البحر، وخرج إلى عدن، وزبيد، ووصل إلى مكة بعد سنتين، وسمع بها، ثم انصرف إلى بغداد وسمع بها، وبهراة، ونيسابور، وسجستان، وغير ذلك من البلاد، سمع المؤتمن وغيره، وكان متقنا [فهما] [٢] فقيها فاضلا دينا خيرا ورعا زاهدا، حدث بالكثير.
وتوفي فِي محرم هَذِهِ السنة.
٣٦٦٦- محمد بْن علي بن محمد، أبو ياسر الحمامي
[٣] :
قرأ على أبى بكر الخياط وغيره، وكتب الكثير من علوم القرآن والحديث، وسمع من أبى محمد الخلال، وأبي جعفر ابن المسلمة، والصريفيني، وغيرهم، وكان ثقة إماما في القراءات والحديث، سمع أشياخنا منه.
وتوفي يوم الثلاثاء تاسع المحرم ودفن بمقبرة باب حرب.
١٦/ ب أنشدني أبو الفتح/ بن أبي السعادات الوكيل قال: أنشدنا أبو عمرو عثمان بن محمد بن الحسين المدنى، قال: أنشدني أبو ياسر الحمامي:
دحرجني الدهر [٤] إلى معشر ... ما فيهم للخير مستمتع
إن حدثوا لم يفهموا لفظة ... أو حدثوا ضجوا فلم يسمعوا
стр. 5728
٣٦٦٧- محمد بن أحمد بن محمد [١] ، أبو نصر الرامشي
[٢] :
من أهل نيسابور، ولد سنة أربع وأربعمائة، وسافر الكثير، وسمع الكثير، ورحل في طلب القراءات والحديث، وكان مبرزا في علوم القرآن، وله حظ في علم العربية، وأملى بنيسابور [سنين] [٣] وتوفي في هذه السنة.
٣٦٦٨- منصور بن محمد بن عبد الجبار [بن أحمد] [٤] بن محمد، أبو المظفر السمعاني
[٥] :
من أهل مرو، تفقه على أبيه أبى منصور على مذهب أبى حنيفة حتى برع في الفقه وبرز على أقرانه من الشبان، ثم ورد بغداد في سنة إحدى وستين، وسمع الحديث الكثير بها، واجتمع بأبي إسحاق الشيرازي، وأبى نصر بن الصباغ، ثم انتقل إلى مذهب الشافعي، فلما رجع إلى بلده اضطرب أهل بلده، وجلب عليه العوام، وقالوا طريقة ناظر عليها أكثر من ثلاثين سنة ثم تحول عنها، فخرج إلى طوس [٦] ، ثم قصد نيسابور، ووعظ وصنف «التفسير [٧] » و «البرهان» ، و «الاصطلام [٨] » ، وكتاب «القواطع»
стр. 5729
في أصول الفقه، وكتاب «الانتصار» في الحديث، وغير ذلك، وأملى الحديث، وكان يقول: ما حفظت شيئا فنسيته. وسئل عن أخبار الصفات فقال: عليكم بدين العجائز، وسئل عن قوله: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ٢٠: ٥ [١] فقال:
جئتماني لتعلما سر سعدى ... تجداني بسر سعدى شحيحا
إن سعدى لمنية المتمني ... جمعت عفة ووجها صبيحا
توفي أبو المظفر في ربيع الأول من هذه السنة، ودفن في مقبرة مرو، ﵀ وإيانا وجميع المسلمين.
стр. 5730
ثم دخلت ١٧/ أسنة تسعين واربعمائة
فمن الحوادث فيها:
[كبس على أبي نصر في يوم عاشوراء]
أنه في يوم عاشوراء كبس على أبى نصر بن جلال الدولة أبي طاهر ابن بويه، وكان يلقب: بهاء الدولة، وكان قد أقطعه جلال الدولة ملك شاه المدائن، ودير العاقول، وغيرهما، فلما كبس عليه هرب إلى بلد سيف الدولة صدقة، ثم تنقل في البلاد، وكان قد ثبت عليه عند القاضي أمور أوجبت إراقة دمه [١] ، وقضت بارتداده، وبنيت داره بدرب القيار [٢] مسجدين أحدهما لأصحاب الشافعيّ، والآخر لأصحاب أبي حنيفة.
[في ربيع الآخر تظاهر العيارون]
وفي ربيع الآخر: تظاهر العيارون بالفتك في الجانب الغربي.
[قتل إنسان باطني على باب النوبي]
وفي شوال: قتل إنسان باطني على باب النوبي أتى من قلاعهم بخوزستان، وشهد عليه بمذهبه شاهدان دعاهما هو إلى مذهبه، فأفتى الفقهاء بقتله منهم ابن عقيل، وكان من أشدهم عليه، فقال له الباطني: كيف تقتلوني وأنا أقول لا إله إلا الله؟ قال ابن عقيل: أنا اقتلك. قال: بأي حجة؟ قال: بقول الله : فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا ٤٠: ٨٤- ٨٥ [٣] .
стр. 5731
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٦٦٩- أحمد بن محمد بن الحسن بن علي بن زكريا بن دينار، أبو يعلى البصرى العبدي [١] ، يعرف بابن الصواف
[٢] :
ولد سنة أربعمائة، وكان ينزل القسامل [٣] إحدى محال البصرة، دخل بغداد في سنة إحدى وعشرين، وسمع أبا على بن شاذان، وأبا بكر البرقاني، وسمع بالبصرة من ١٧/ ب أبى عبد الله بن داسة وغيره، وكان/ فقيها مدرسا زاهدا خشن العيش متصونا ذا سمت ووقار وسكينة، وكان إماما في عشرة علوم. وتوفي في رمضان هذه السنة.
٣٦٧٠- إبراهيم بْن عبد الوهاب بن مُحَمَّد بن إسحاق، [أبو إسحاق] [٤] بن أبي عمر بن أبي عبد الله بن [٥] منده .
ولد في صفر سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة، وسمع من أبيه وغيره، وكان كثير التعبد والتهجد، وتوفي في بادية الكوفة متوجها إلى مكة في هذه السنة.
٣٦٧١- محمد بن على بن الحسين، أبو عبد الله القطيعي الكاتب
[٦] .
سمع أبا القاسم بن بشران، وحدث وروى عنه شيوخنا، وتوفي في يوم الجمعة ثالث رمضان، ودفن في مقبرة باب حرب.
٣٦٧٢- محمد بن محمد بن عبيد الله، أبو غالب [٧] البقال:
سمع أبا على بن شاذان، وأبا القاسم بن بشران، وأبا القاسم الخرقى وغيرهم، حدثنا عنه أشياخنا، وكان صدوقا، نزل إلى دجلة ليتوضأ فغرق في يوم الاثنين سادس
стр. 5732
عشرين رجب [١] فأخرج، وحمل إلى داره، واخرجت جنازته من الغد فصلى عليه، ثم حمل إلى مقبرة باب حرب.
٣٦٧٣- المعمر بن محمد بن المعمرين أحمد بن محمد، أبو الغنائم [٢] الحسيني الطاهر، ذو المناقب، نقيب الطالبيين
[٣] :
وكان جميل الصورة، كريم الأخلاق، كثير التعبد، لا يحفظ عنه أنه آذى مخلوقا، ولا شتم حاجبا [٤] ، وسمع الحديث ورواه، وتوفي بداره بالكرخ بنهر البزازين ليلة الجمعة ثامن عشر ربيع الأول، وحمل من الغد إلى الجامع المنصور فصلى عليه، ثم حمل إلى مشهد مقابر قريش فدفن به، ومات عن اثنتين وسبعين سنة، ولى النقابة منها اثنتين وثلاثين سنة وثلاثة أشهر، وتولى مكانه ابنه أبو الفتوح حيدرة، ولقب بالرضى ذي الفخرين، ورثاه أبو عبد الله بن عطية بأبيات منها:
هل ينفعن من المنون [٥] حذار ... أم للإمام من الردى أنصار
هيهات ما دون الحمام إذا دنا ... وزر ولا يسطاع منه حذار
نفذ القضاء على الورى من عادل ... في حكمه وجرت به الأقدار
ما لي أرى الآمال تخدع بالمنى ... عدة تطول وتقصر الأعمار
والناس في شغل وقد أفناهم ... ليل يكر عليهم ونهار
ويد المنية شثنة مبسوطة ... في كل أنملة لها أظفار
لو كان يدفع بطشها [٦] عن مهجة ... ويرد حتفا معقل وجدار
لفدت ربيعة ذا المناقب واشترت ... حُبًّا له طول البقاء نزار
خرجت ذرى المجد المنيف وأصبحت ... عرصات ربع المجد وهي قفار
стр. 5733
وخلا مقام النسك من تسبيحه ... وبكت على صلواته الأسحار
[١]
٣٦٧٤- يحيى بن [أحمد بن أحمد بن محمد بن] علي السيبي
[٢] :
ولد سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة [٣] ، فرحل الناس إليه، وكان صالحا ثقة صدوقا دينا، وتوفي ليلة السبت خامس عشرين ربيع الآخر، وكان عمره مائة وثلاثا وخمسين سنة وثلاثة أشهر وأياما، وكان صحيح الحواس، قرأ عليه القرآن والحديث.
стр. 5734
ثم دخلت سنة إحدى وتسعين واربعمائة
فمن الحوادث فيها:
[كثرة الاستنفار على الإفرنج]
أنه في شهر ربيع الآخر كثر الاستنفار على الإفرنج وتكاثرت الشكايات [١] بكل مكان، ووردت كتب السلطان بركيارق إلى جميع الأمراء يأمرهم بالخروج مع الوزير ابن جهير لحربهم/، واجتمعوا في بيت النوبة وبرز سيف الدولة صدقة [فنزل] [٢] ١٨/ ب بقرب الأنبار، وضرب سعد الدولة مضاربة بالجانب الغربي، ثم انفسخت هذه العزيمة، ووردت الأخبار بان الإفرنج ملكوا أنطاكية، ثم جاءوا إلى معرة النعمان فحاصروها، ودخلوا وقتلوا ونهبوا. وقيل: إنهم قتلوا ببيت المقدس سبعين ألف نفس، وكانوا قد خرجوا في ألف ألف.
وفي شعبان: خرج أبو نصر ابن الموصلايا إلى المعسكر إلى نيسابور مستنفرا على الإفرنج برسالة من الديوان.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٦٧٥- طراد بن محمد بن علي بن الحسن بن محمد بن عبد الوهاب بْن سليمَان بْن عبد الله بْن محمد بن إبراهيم الإمام بن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ [٣] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عباس، أبو الفوارس بن أبي الحسن بن أبي القاسم بن [١] أبي تمام:
стр. 5735
من ولد زينب بنت سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس [٢] ، وهي أم ولد عبد الله بْن محمد بْن إبراهيم الإمَام بْن مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عباس. حدث عنها أحمد بن منصور الرمادي [٣] ، وكناها أم على.
ولد في سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة [٤] ، وسمع الحديث [٥] الكثير والكتب الكبار، وسمع من أبى نصر النرسي، وهلال الحفار، والحسين بن عمرو بن برهان [٦] ، وهو آخر من حدث عنهم، ورحل إليه من الأقطار، وأملى بجامع المنصور، واستملى له أبو على البرداني، وكان يحضر مجلسه جميع المحدثين والفقهاء، وحضر إملاءه قاضى القضاة أبو عبد الله الدامغاني، وحج سنة تسع وثمانين فأملى بمكة والمدينة، وبيته معروف في ١٩/ أالرئاسة/ ولى نقابة العباسيين بالبصرة، ثم انتقل إلى بغداد، وترسل من الديوان العزيز إلى الملوك، وساد الناس رتبة ورأيا، ومتع بجوارحه، وقد حدث عنه جماعة من مشايخنا [٧] [وقد] [٨] تورع قوم عن الرواية عنه لتصرفه وصحبته للسلاطين، ولما احتضر بكى أهله فقال: صيحوا وا مختلساه إنما يبكى على من سنه دان، فأما من عمره مترام فما فائدة البكاء عليه.
وتوفي في سلخ شوال هذه السنة، وقد جاوز التسعين، ودفن في داره بباب البصرة، ثم نقل في ذي الحجة سنة اثنتين وتسعين إلى مقابر الشهداء فدفن بها.
стр. 5736
٣٦٧٦- عبد الله بن سمعون [١] بن يحيى بن أحمد، أبو محمد السلمى، القيسي [٢] القيرواني .
سمع من ابن غيلان، والجوهري، وخلقا كثيرا في البلدان، وقرأ ونقل، وكانت له معرفة بالنقل، روى عنه أشياخنا.
وتوفي في رمضان هذه السنة، ودفن في مقبرة باب حرب.
٣٦٧٧- عبد الواحد بن علوان بن عقيل بن قيس، أبو الفتح [٣] الشيباني .
حدثنا عنه أبو محمد المقرئ. وتوفي في رجب هذه السنة.
٣٦٧٨- مُحَمَّد بن أحمد بن محمد [٤] ، أبو عبد الله الميبذي
[٥] :
وميبذة بلدة [٦] من كورة اصطخر قريبة من يزدورد [٧] ، قدم بغداد، وسمع الكثير من ابن المسلمة، وابن النقور، وغيرهما، وكان له معرفة باللغة والأدب.
وتوفي في ذي القعدة من هذه السنة ودفن بمقبرة المارستان في غربي بغداد.
٣٦٧٩- محمد بن الحسين بن محمد، أبو سعد الحرمي
[٨] .
من أهل مكة، نزل هراة ورحل إلى البلاد في طلب العلم، وسمع الكثير، وكان من الزهاد الورعين، لا يخالط أحدا، وكانوا يعدونه من الأبدال [٩] .
توفي في رمضان هذه السنة.
стр. 5737
٣٦٨٠- محمد بن محمد بن أحمد بن حمزة، أبو الوضاح [١] العلوي .
تفقه على أبيه، وبرع في الفقه ودرس. وتوفي في شوال هذه السنة وهو ابن أربع وخمسين سنة.
١٩/ ب
٣٦٨١- المظفر، أبو الفتح ابن رئيس الرؤساء/ أبى القاسم ابن [٢] المسلمة .
كانت داره مجمعا لأهل العلم والدين والأدب، ومن جملة من أقام بها إلى أن توفي أبو إسحاق الشيرازي.
توفي المظفر خامس ذي القعده من هذه السنة، ودفن عند أبي إسحاق الشيرازي.
٣٦٨٢- هبة الله بن عبد الرزاق، بن محمد بن عبد الله بن الليث، أبو الحسن الأنصاري [٣] الأشهلي:
ولد سنة اثنتين وأربعمائة، وسمع أبا الفتح هلال بن محمد الحفار، وأبا الفضل عبد الواحد التميمي، وهو آخر من حدث عنه. روى عنه أشياخنا، وكان من ذوي الهيئات وأرباب الديانات، وأحد قراء الموكب، عمر حتى حمل عنه، وكان صحيح السماع.
توفي في ربيع الآخر من هذه السنة، ودفن في مقبرة الشونيزي.
стр. 5738
ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين واربعمائة
فمن الحوادث فيها:
[أخذ الإفرنج بيت المقدس وقتل سبعين ألف مسلم]
أخذ الإفرنج بيت المقدس في يوم الجمعة ثالث عشر شعبان، وقتلوا فيه زائدا على سبعين ألف مسلم، وأخذوا من عند الصخرة نيفا وأربعين قنديلا فضة كل قنديل وزنه ثلاثة آلاف وستمائة درهم، وأخذوا تنور فضة وزنه أربعون رطلا بالشامي [١] ، وأخذوا نيفا وعشرين قنديلا من ذهب، ومن الثياب وغيره ما لا يحصى، وورد المستنفرون من بلاد الشام، وأخبروا بما جرى [٢] على المسلمين، وقام القاضي أبو سعد الهروي قاضى دمشق [في الديوان] [٣] ، وأورد كلاما أبكى الحاضرين، وندب من الديوان من يمضى إلى العسكر ويعرفهم حال هذه المصيبة، ثم وقع التقاعد فقال أبو المظفر الأبيوردي قصيدة في هذه الحالة فيها [٤] :
وكيف تنام العين ملء جفونها ... على هنوات أيقظت كل نائم
وإخوانكم بالشام يضحى مقيلهم ... ظهور المذاكي أو بطون القشاعم/ ٢٠/ أ
تسومهم الروم الهوان وأنتم ... تجرون ذيل الخفض فعل المسالم
إلى أن قال:
وتلك حروب من يغب عن غمارها ... ليسلم يقرع بعدها سنّ نادم
стр. 5739
يكاد لهن المستجن بطيبة [١] ... ينادى بأعلى الصوت يا آل هاشم
أرى أمتى لا يشرعون إلى العدى ... رماحهم والدين واهي الدعائم
ويجتنبون الثأر خوفا من الردى ... ولا يحسبون العار ضربة لازم
أترضى صناديد الأعاريب بالأذى ... وتغضى على ذل كماة الأعاجم
وليتهم أن لم يذودوا حمية ... عن الدين ضنوا غيرة بالمحارم
وإن زهدوا في الأجر إذ حمي الوغى ... فهلا أتوه رغبة في المغانم
ذكر ابتداء أمر السلطان محمد بن ملك شاه [٢]
كان أبو شجاع محمد بن ملك شاه هو وسنجر أخوين لأب وأم، وكان محمد ببغداد لما مات أبوه، وخرج إلى أصبهان مع أخيه محمود [لما خرجت تركان خاتون بابنها محمود] [٣] حاصرها بأصبهان بركيارق، فأقام عنده فأقطعه كنجة وأعمالها، وسار محمد مع بركيارق إلى بغداد لما دخلها سنة ست وثمانين، فقتل محمد أتابكه واستولى على إقليم كنجة، ولحق به مؤيد الملك، وحسن له طلب الملك وصار وزيرا له، واجتمع إليه النظامية وغيرهم، وخطب لنفسه، وضرب الطبل، وخرج أكثر عسكر بركيارق إليه، وأنفذ رسولا إلى بغداد [فخطب له] [٤] في ذي الحجة سنة اثنتين وتسعين، وكانت له مع بركيارق خمس وقائع.
٢٠/ ب وفيها: زادت الأسعار ومنع القطر، وبلغ الكر تسعين دينارا/ ببغداد وواسط، ومات الناس على الطرقات، واشتد أمر العيارين في المحال.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
٣٦٨٣- أحمد بن عبد القادر، بن محمد بن يوسف، أبو الحسين المحدث الزاهد
[٥] :
стр. 5740
ولد سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، وسافر الكثير، ووصل إلى بلاد المغرب، وسمع الحديث الكثير من ابن بشران، وابن شاذان، وخلق كثير، وحدثنا عنه أشياخنا. وتوفي في شعبان، ودفن في مقابر الشهداء.
٣٦٨٤- إبراهيم بن مسعود، بن محمود بن سبكتكين
[١] :
قد ذكرنا حالة محمود بن سبكتكين في أيام القادر باللَّه، ولما مات ملك مكانه ابنه مسعود، ثم أخذ واعتقل، وآل الأمر إلى إبراهيم، فملك. فحكى أبو الحسن الطبري الفقيه الملقب بالكيا قال: أرسلني إليه السلطان بركيارق، فرأيت في مملكته ما لا يتأتى وصفه، فدخلت عليه وهو جالس في طارمة عظيمة بقدر رواق المدرسة النظامية، وباب فضة بيضاء بطول قامة الرجل [٢] وفوق ذلك إلى السقف صفائح الذهب الأحمر، وعلى باب الطارمة الستور التنيسي، وللمكان شعاع يأخذ بالبصر عند طلوع الشمس عليه، وكان تحته سرير ملبس بصفائح الذهب، وحواليه التماثيل المرصعة من الجوهر واليواقيت، فسلمت عليه وتركت بين يديه هدية كانت معى، فقال: نتبرك بما يهديه العلماء. ثم أمر خادمه أن يطوف بي في داره [٣] ، فدخلنا إلى خركاه عظيمة قد ألبست قوائمها من الذهب، وفيها من الجواهر واليواقيت شيء كثير، وفي وسطها سرير من العود الهندي، وتمثال طيور بحركات، إذا جلس الملك صفقت بأجنحتها، إلى غير ذلك من العجائب، فلما عدت رويت له الخبر/ عن النبي ﷺ : «لمناديل سعد بن معاذ في ٢١/ أالجنة أحسن من هذا [٤] » . فبكى. قال: وبلغني أنه كان لا يبني لنفسه منزلا حتى يبنى للَّه مسجدا أو مدرسة.
توفي في رجب هذه السنة وقد جاوز السبعين، وملك فيها اثنتين وأربعين سنة.
стр. 5741
٣٦٨٥- أتز الأمير
[١] :
كان السلطان بركيارق قد ولاه فارس جميعها، ثم ولاه إمارة العراق [٢] ، وانتدب لقتال الباطنية، ثم عزم على ترك بركيارق وطاعة السلطان محمد، وكان إقطاعه يزيد على عشرة آلاف ألف دينار، فجلس ليله على طبقة فهجم عليه ثلاثة نفر من الأتراك المولدين بخوارزم، وكانوا قد دخلوا في حيلة، فصدم أحدهم المشعل فرمى به، وصدم الآخر شمعة فأطفأها، وجذب الآخر سكينين فقتلة بهما فافلت اثنان وقتل الثالث، ونهب ماله، وحمل إلى داره بأصبهان فدفن بها.
٣٦٨٦- بركة بن أحمد [بن عبد الله] [٣] ، أبو غالب الواسطي
[٤] :
ولد سنة عشر وأربعمائة، وسمع أبا القاسم بن بشران، وأبا عبد الله المحاملي، حدث عنه شيخنا عبد الوهاب وأثنى عليه، وكان ثقة.
وتوفي يوم الاثنين ثالث عشر ذي الحجة ودفن بمقبرة الشونيزية.
٣٦٨٧- عبد الباقي بن يوسف بن علي بن صالح، أبو تراب المراغي
[٥] :
ولد سنة ثلاث وأربعمائة [٦] ، سمع ببغداد أبا القاسم بن بشران [٧] ، وأبا علي بن شاذان، وأبا محمد السكرى، وأبا على ابن المذهب، وأبا بكر بن بشران، وأبا محمد الجوهري وأبا الطيب الطبري، وتفقه عليه، وسمع بالموصل وبأصبهان ونيسابور ونزلها، وتشاغل بالتدريس والمناظرة والفتوى، وكان يقول: أحفظ أربعة آلاف مسأله في الخلاف، وأحفظ الكلام فيها، ويمكنني أن أناظر في جميعها. وكان يحفظ من/ ٢١/ ب الحكايات والأشعار والملح الكثير، وكان صبورا على الكفاف معرضا عن كسب الدنيا
стр. 5742
على طريق السلف، بعث إليه منشور بقضاء همذان فقال: أنا في انتظار المنشور من الله تعالى على يدى ملك الموت، وقدومي الآخرة أليق من منشور القضاء بهمذان، وقعودي في هذا المسجد ساعة على فراغ القلب أحب إلى من علم الثقلين.
توفي في ذي القعدة من هذه السنة عن ثلاث وتسعين سنة.
٣٦٨٨- علي بن الحسين بن علي بن أيوب، أبو الحسن البزاز
[١] :
ولد سنة عشر وأربعمائة في شوال، وسمع أبا علي بن شاذان، وأبا محمد الخلال، وأبا العلاء الواسطي، حدثنا عنه أشياخنا. توفي يوم عرفه ودفن في مقبرة جامع المنصور.
стр. 5743
ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين واربعمائة
فمن الحوادث فيها:
[وصول بركيارق إلى خوزستان بحال سيئة]
أن بركيارق وصل إلى خوزستان بحال سيئة لميل الناس إلى السلطان محمد، وكان مع بركيارق ينال، وهو أمير عسكره، ثم خاف منه فرحل عنه إلى الأهواز، فصادر أهلها، وأصعد بركيارق إلى واسط، فهرب أعيان البلد، فدخل العسكر فعاثوا ونهبوا وقلعوا الأبواب، واستخرجوا الذخائر وفعلوا ما لا يفعل الروم، وحمل إلى السلطان قوم ذكر أنهم جاءوا للفتك، وأقر رئيسهم بذلك، فأمر به السلطان فبطح وضربه فقسمه [١] نصفين، ثم رحل السلطان إلى بلاد سيف الدولة صدقة، ففعلت العساكر نحوا مما فعلت بواسط، والتقى سيف الدولة بالسلطان وأصعد معه إلى بغداد، وكان سعد الدولة الكوهرائين [٢] مخيما بالشفيعي مقيما على المباينة لبركيارق، والطاعة للسلطان محمد، ٢٢/ أفلما علم بوصوله إلى زريران رحل إلى النهروان في ليلة الجمعة النصف من صفر/ وسارت معه زوجة مؤيد الملك وهي ابنة القاسم بن رضوان، فلما كان يوم الجمعة منتصف صفر قطعت خطبة محمد، وأقيمت لبركيارق.
[خروج الوزير عميد الدولة لاستقبال السلطان]
وفي يوم السبت سادس عشر صفر: خرج الوزير عميد الدولة لاستقبال السلطان بركيارق إلى جسر صرصر في الموكب، وعاد من يومه، ودخل السلطان بغداد يوم
стр. 5744
الأحد، وجلس على السرير في دار المملكة، وسرّ العوام النساء والصبيان قدومه، ونفذ الخليفة إليه هدية تشتمل على خيل وسلاح.
[تقرر وزارة العميد أبي المحاسن]
وفي ربيع الأول: تقررت له وزارة العميد أبي المحاسن عبد الجليل بن علي بن محمد الدهستاني، ولقب بنظام الدين، وجلس للنظر في دار المملكة، وخرج إلى حلوان فانضاف إليه سعد الدولة وغيره، ودخلوا معه إلى بغداد، فخرج الموكب يتلقاه، ثم نفذت له الخلع في يوم آخر مع عميد الدولة فاحتبسه عنده، واستدعى أبا الحسن الدامغاني، وأبا القاسم الزينبي، وأبا منصور حاجب الباب، وقال لهم أبو المحاسن: ان السلطان يقول لكم: قد عرفتم ما نحن فيه من الإضاقة ومطالبة العسكر، وهذا الوزير ابن جهير قد تصرف هو وأبوه في ديار بكر والجزيرة والموصل في أيام جلال الدولة، وجبوا أموالها وأخذوا ارتفاعها، وينبغي أن يعاد كل حق إلى حقه. فخرجوا إلى الوزير فاعلموه بالحال فقال: أنا مملوك ولا يمكنني الكلام إلا بإذن مولاي. فاستأذنوا في الانصراف فأذن لهم، فعرفوا الخليفة الحال، فكتب الخليفة إلى السلطان كتابا مشحونا بالعتب والتهديد والغلظه، وقال فيه: فلا يغرك إمساكنا عن مقابلة الفلتات، فو حقّ السالف من الآباء المتقدمين بحكم رب السماء لئن قصر في أن يعاد شاكرا وبالحباء موفورا لنفعلن! فقرئ الكتاب على السلطان، / وآل الأمر إلى أن أحضر عميد الدولة بين يدي ٢٢/ ب السلطان، ووعده عنه وزيره بالجميل، وقال: السلطان يقول لك إننا ثقلنا عليك كما يثقل الولد على والده، لضرورات دعت. فانطلق والأمراء بين يديه، وصحح مائة ألف وستين ألف دينار.
والتقى السلطان بركيارق ومحمد في يوم الأربعاء رابع رجب بمكان قريب من همذان، وكانت الغلبة لأصحاب محمد، فانهزم بركيارق في خمسين فارسا، فنزل على فرسخ من المصاف حتى استراح والتأم إليه عسكره، فلقي أخاه سنجر، فانهزم أصحاب سنجر ثلاثين فرسخا فاشتغل أصحاب بركيارق بالنهب، وأسرت أم أخوي السلطان سنجر ومحمد فأكرمها، وقال: إنما ارتبطتك ليطلق أخي من عنده من الأسارى، فأنفذ سنجر من كان عنده من الأسارى وأطلقها.
[قطع خطبة السلطان بركيارق وإعادة خطبة السلطان محمد]
وفي يوم الجمعة رابع عشر رجب: قطعت خطبة السلطان بركيارق وأعيدت خطبة السلطان محمد
.
стр. 5745
[زيادة أمر العيارين]
وفي شعبان: زاد أمر العيارين بالجانب الغربي حتى أخذوا عيبتين ثيابا لقاضي القضاة أبي عبد الله [١] الدامغاني فلم يردوهما إلا بعد تعب.
وتقدم الخليفة إلى الأمير يمن بتهذيب البلد، فعبر الأمير في ثالث عشرين شعبان، فأخذ جماعة منهم فقتلهم.
ومن عجيب ما اتفق: أن رجلا من العيارين أعور هرب، وأخذ على رأسه سلّة [٢] فيها خزف، ولبس جبة صوف، وخرج قاصدا للدجيل ليخفي حاله، فاتفق أن خادما للخليفة خرج ليتصيد، فكان يتطير بالعور، فلقيه أعوران فتطير بهما، فرأى غلمانه هذا العيار، فصاحوا به ونادوا أستاذهم ليقولوا له هذا ثالث، فظن العيار أنهم قد عرفوه، فدخل مزرعة، فارتابوا بهربته وجدوا في طلبه، فأخذوه ومعه سيف تحت ثيابه، فبحثوا عن حاله فعرفوه فقتلوه.
[كثرة الجرف بالعراق]
٢٣/ أوفي آخر شعبان: كثر الجرف بالعراق/ والوباء، وامتنع القطر، وزاد المرض، وعدمت الأدوية والعقاقير، ورئي نعش عليه ستة موتى، ثم حفر لهم زبية فألقوا فيها.
[حريق بخرابة ابن جردة]
وفي هذا الشهر: وقع حريق بخرابة ابن جردة، فهلك معظمها، وكانت الريح عاصفة فأطارت شرارة فأحرقت دارا برحبة الجامع، وأخرى فأحرقت ستارة دار الوزير بباب العامة.
[القبض على الوزير عميد الدولة]
وفي رمضان: قبض على الوزير عميد الدولة، وعلى إخوته زعيم الرؤساء أبي القاسم وأبي البركات بن جهير الملقب بالكافي راسله الخليفة بأبي نصر بن رئيس الرؤساء، ويمن، فلما خرج من الديوان معهما قدم عليه المركوب وقد أحسن بما يراد منه، فقال: أنا أساويكما في المشي.
[قتل شحنة أصبهان]
وفي ليلة السابع والعشرين من رمضان: قتل شحنة أصبهان في دار السلطان محمد، قتله باطني، وقد كان يتحرز منهم ويلبس درعا تحت ثيابه، فأغفل تلك الليلة