← История

История · id 12406

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم

ابن الجوزي

Полный текст (6 790 стр.). Показаны 5671–5710 · переход к 5676.

стр. 5671

نوبته، وكتب السلطان إلى الخليفة يشكو منه، فصادف ذلك ضجرا من الخليفة من أفعاله التي تصدر عن قلة رغبة في الخدمة، فعزله وكان يكسر أعراض الديوان والعسكر متابعة للشرع، حتى إنه لما فتحت سمرقند على يدي ملك شاه جاء البشير/ فخلع عليه ١٤١/ أفقال: وأي بشارة هذه، كأنه قد فتح بلدا من بلاد الكفر، وهل هم إلا قوم مسلمون استبيح منهم ما لا يستباح من المسلمين. فبلغ هذا السلطان مع ما في قلب الخليفة فعزله وهو في الديوان، فانصرف إلى داره على حالته مع حواشيه، وأنشد حينئذ: تولاها وليس له عدو ... وفارقها وليس له صديق فلما كان يوم الجمعة عاشر الشهر: خرج إلى الجامع من داره بباب المراتب ماشيا متلفعا بمنديل من قطن مع جماعة من العلماء والزهاد، فعظمت العامة ذلك وشنعوا، وقال الأعداء: إنما قصد الشناعة، فأنكر عليه أشد الإنكار، وألزم منزله، وأخذ الجماعة الذين مشوا معه فأهينوا، ثم وردت كتب النظام بأن يخرج من بغداد فأخرج إلى در أورد وهو موطنه قديما، فأقام هناك مدة، ثم استأذن في الحج فأذن له، فجاء إلى النيل فأقام بها، فلم تطب له لكثرة منكرها، فمضى [١] إلى مشهد علي ﵇، ثم سافر إلى مكة، فلما أراد الخروج إلى مكة صلحت له نية نظام الملك، فبعث إليه يقول: أنا أسألك أن أكون عديلك، وكان النظام قد استعد ذلك، لكن لم يقدر له، فقال للرسول: تخدم عنى وتقول منذ أطبق دواتي أمير المؤمنين لم أفتحها، ولولا ذلك لكتبت الجواب، وأنا أعادل بالدعاء، وناب ابن الموصلايا، ولقب: أمين الدولة، وخلع عليه، وتقدم إلى أبي محمد التميمي، ويمن الخادم بالخروج إلى باب السلطان لاستدعاء أبي ١٤١/ ب منصور بن جهير، وتقرير وزارته. وفي خامس عشرين رمضان: رضي الخليفة عن أبي بكر الشامي قاضي القضاة، وخرج إليه توقيع يأمره فيه بالإغضاء عما كان من الشهود والوكلاء في حقه، كانوا قد بالغوا في عداوته، وخرج الشهود في صحبته لتلقي السلطان مع ابن الموصلايا، ومعه فتيت لإفطاره، ولم يقبل من أحد شيئا [٢] .

стр. 5672

وفي رمضان دخل السلطان ملك شاه إلى بغداد وخرج لتلقيه ابن الموصلايا، ونزل نظام الملك بدار ولده مؤيد الملك. وفي ذي القعدة: خرج ملك شاه وابنه وابن بنته الذي أبوه المقتدي في خلق عظيم وزي عظيم إلى الكوفة. وفي ذي القعدة: استوزر أبو منصور بن جهير- وهي النوبة الثانية من وزارته- للمقتدي وخلع عليه، وركب إليه نظام الملك إلى دار بباب العامة فهنأه. وفي ذي الحجة عمل السلطان ملك شاه الصدق بدجلة، وهو إشعال النيران والشموع العظيمة في السميريات، والزواريق الكبار، وعلى كل زورق قبة عظيمة، وخرج أهل بغداد للفرجة، فباتوا على الشواطئ وزينت دجلة بإشعال النار، وأظهر أرباب المملكة كنظام الملك وغيره من زينتهم ما قدروا عليه، وحملوا [١] في السفن بأنواع الملاهي، وأخذوا السفن الكبار فألقوا فيها الحطب وأضرموا فيها النار، ١٤٢/ أوأحدروها [٢] من/ مسناة دار معز الدولة إلى دار نظام الملك، ونزل أهل محال الجانب الغربي كل واحد معه شمعة واثنتان، وكان على سطح دار المملكة إلى دجلة حبال قد أحكم شدها، وفيها سميرية [٣] يصعد بها رجل في الحبال، ثم ينحدر بها وفيها نار، وصف الشعراء ما جرى تلك الليلة فقال أبو القاسم المطرز: وكل نار على العشاق مضرمة ... من نار قلبي أو من ليلة الصدق نار تجلت بها الظلماء واشتبهت ... بسدفة الليل فيها غرة الفلق وزارت الشمس فيها البدر واصطلحا ... على الكواكب بعد الغيظ والحنق مدت على الأرض بسطا من جواهرها ... ما بين مجتمع وار ومفترق مثل المصابيح إلا أنها نزلت ... من السماء بلا رجم ولا حرق أعجب بنار ورضوان يسعرها ... ومالك قائم منها على فرق

стр. 5673

في مجلس ضحكت روض الجنان له ... لما جلت ثغرة عن واضح يقق وللشموع عيون كلما نظرت ... تظلمت من يديها أنجم الغسق من كل مرهفة الأعطاف كالغصن ... المياد لكنه عار من الورق إني لأعجب منها وهي وادعة ... تبكي وعيشتها في ضربة العنق] [١] ومن غد تلك الليلة أخرج تليا المنجم وشهر وعلى رأسه طرطور بودع، والدرة تأخذه وهو على جمل يشتم الناس ويشتمونه. قَالَ المصنف: ونقلت من خط أبى الوفاء بن عقيل قَالَ: لما دخل جلال الدولة أي نظام الملك في هذه السنة قَالَ: أريد استدعي بهم وأسألهم عن مذهبهم، فقد قيل لي إنهم مجسمة- يعني الحنابلة- فأحببت أن أسوغ كلاما يجوز أن يقال إذا سأل فقلت: ينبغي لهؤلاء الجماعة يسألون عن صاحبنا، فإذا أجمعوا على حفظه لأخبار رسول الله ﷺ وسلموا أنه كان ثقة فالشريعة ليست بأكثر من أقوال رسول الله ﷺ وأفعاله إلا ما كان للرأي فيه مدخل من الحوادث الفقهية، فنحن على مذهب ذلك الرجل الذي أجمعوا على تعديله كما أنهم على مذهب قوم أجمعنا على سلامتهم من البدعة، فإن وافقوا أننا على مذهبه فقد أجمعوا على سلامتنا معه، لأن متبع السليم سليم وإن ادعى علينا أنا تركنا مذهبه وتمذهبنا بما يخالف الفقهاء، فليذكروا ذلك ليكون الجوانب بحسبه، وإن قالوا أحمد ما شبه وأنتم شبهتم، قلنا: الشافعي لم يكن أشعريا، وأنتم أشعرية، فإن كان مكذوبا عليكم فقد كذب علينا، ونحن/ نفزع في التأويل مع نفسي التشبيه، فلا يعاب ١٤٢/ ب علينا إلا ترك الخوض والبحث، وليس بطريقة السلف، ثم ما يريد الطاعنون علينا ونحن لا نزاحمهم على طلب الدنيا. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٣٦١٥- عبد الرحمن بن أحمد بن علك، أبو طاهر [٢] . ولد بأصبهان، وسمع الحديث، وتفقه بسمرقند، وهو كان السبب في فتحها،

стр. 5674

وكان من رؤساء الشافعية حتى قَالَ يحيى بن عبد الوهاب بن منده: لم نر فقيها في وقتنا أنصف منه ولا أعلم، وكان بهيج المنظر، فصيح اللهجة، ذا مروءة [١] وكانت له حال عظيمة، ونعمة كبيرة، وكان يقرض الأمراء الخمسين ألف دينار وما زاد، وتوفي ببغداد، فمشى تاج الملك وغيره في جنازته من [المدرسة] [٢] النظامية إلى باب أبرز، ولم يتبعه راكب سوى نظام الملك، واعتذر بعلو السن، ودفن بتربة أبي إسحاق إلى جانبه، وجاء السلطان عشية ذلك اليوم إلى قبره. قَالَ ابن عقيل: جلست إلى جانب نظام الملك بتربة أبي إسحاق والملوك [٣] قيام بين يديه، واجترأت على ذلك بالعلم، وكان جالسا للتعزية بابن علك، فقال: لا إله إلا الله، دفن في هذا المكان أرغب أهل الدنيا في الدنيا يعني ابن علك وأزهدهم فيها يعني أبا إسحاق ورئي ليلة دفن عنده أبو طاهر كأنه قد خرج من قبره وجلس على شفير القبر، وهو يحرك أصبعه المسبحة ويقول: يا بني الأتراك يا بني الأتراك. فكأنه يستغيث من جواره. ١٤٣/ أ ٣٦١٦- علي بن أحمد بن عبد الله بن النظر أبو طاهر/ الدقاق [٤] . توفي يوم الأربعاء سادس عشر صفر. ٣٦١٧- علي بن الحسين بن قريش، أبو الحسن البناء . ولد سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة، حدثنا عنه أشياخنا. وتوفي يوم الجمعة سابع عشر ذي الحجة ودفن بباب حرب. ٣٦١٨- عفيف القائمي . كان له اختصاص بالقائم، وكانت فيه معان. ٣٦١٩- محمد بن عبد السلام بن علي بن عمر بن عفان، أبو الوفاء الواعظ .

стр. 5675

سمع أبا علي بن شاذان حدثنا عنه أشياخنا، وكان يسكن نهر طابق ويعظ، وله قبول، ولما رأى أصحاب أحمد بن حنبل ابن عفان قد مالأ الأشاعرة في أيام ابن القشيري هجروه، وتوفي يوم الأحد رابع عشر [١] جمادى الآخر، ودفن في داره بقطيعة عيسى. ٣٦٢٠- محمد بن عبد السلام بن علي بن نظيف، أبو سعد الصيدلاني [٢] . سمع أبا طالب الزهري، وأبا الحسين النهرواني، حدثنا عنه أشياخنا. توفي في يوم الخميس حادي عشر ذي القعدة. ٣٦٢١- محمد بن أحمد بن علي بن حامد، أبو نصر المروزي [٣] ١٤٤/ أ. كان إماما في القراءات، أوحد وقته [٤] ، وصنف فيها التصانيف، وسافر الكثير في طلب علم القرآن، وغرق مرة في البحر فذكر أنه كان الموج يلعب به، فنظر إلى الشمس وقد زالت، ودخل وقت الظهر فغاص في الماء، ونوى الظهر، وشرع في الصلاة [على حسب الطاقة] [٥] فخلص ببركة ذلك. وتوفي في يوم الأحد ثاني عشر ذي الحجة من هذه السنة، وهو ابن نيف وتسعين سنة. ٣٦٢٢- مُحَمَّد بن عَبْد اللَّهِ بن الحسين، أبو بكر الناصح الحنفي قاضي قضاة الري [٦] . سمع وحدث، وكان فقيها مناظرا متكلما يميل إلى الاعتزال، وكان وكلاء مجلسه يميلون إلى أخذ الرشى، فصرف عن قضاء نيسابور، وتوجه إلى الري قاضيا، وتوفي في رجب هذه السنة.

стр. 5676

ثم دخلت سنة خمس وثمانين واربعمائة فمن الحوادث فيها: أن السلطان ملك شاه تقدم في المحرم ببناء سوق المدينة لمقاربة داره التي بمدينة طغرلبك، وبنى فيها خانات الباعة، وسوقا عنده، ودروبا، وآدر، وبنت خاتون حجرة لدار الضرب، ونودي أن لا تعامل إلا بالدنانير، ثم بعمارة الجامع الذي تمم بأخرة على يدي بهروز الخادم في سنة أربع وعشرين وخمسمائة، وتولى السلطان تقدير هذا الجامع بنفسه وبدرهم منجمه وجماعة من الرصديين، وأشرف على ذلك قاضي القضاة أبو بكر الشامي، وجلبت أخشابه من جامع سامرا، وكثرت العمارة بالسوق، واستأجر نظام الملك بستان الجسر وما يليه من وقوف المارستان [مدة خمسين سنة] [١] وتجرد لعمارة ذلك دارا وأهدى له أبو الحسن الهروي خانه، وتولى عمارة ذلك أبو سعد بن سمحا اليهودي، وابتاع تاج الملك أبو الغنائم دار الهمام وما يليها بقصر بني المأمون، ودار ختلغ أمير الحاج، وبنى جميع ذلك دارا، وتولى عمارتها الرئيس أبو طاهر ابن الأصباغي. وفي المحرم: قصد الأمير جعفر بن المقتدي أباه أمير المؤمنين ليلا فزاره ثم عاد. وفي المحرم: مرض نظام الملك فكان يداوي نفسه بالصدقة، فيجتمع عنده خلق من الضعفاء فيتصدق عليهم، فعوفي.

стр. 5677

وفي النصف من ربيع الأول: توجه السلطان خارجا إلى أصفهان، وخرج صحبته الأمير أبو الفضل بن المقتدي. [وقوع حريق بنهر معلى] وفي يوم الثلاثاء تاسع جمادى الأولى: وقع الحريق بنهر معلى في الموضع المعروف بنهر الحديد إلى خرابة الهراس/ وإلى باب دار الضرب، واحترق سوق الصاغة، والصيارف، والمخلطيين، والريحانيين من الظهر إلى العصر، وهلك خلق كثير من الناس، ومن جملتهم الشيخ مالك البانياسي المحدث، وأبو بكر بن أبي الفضل الحداد، وكان من المجودين في علم القرآن، وأحاطت النار بمسجد الرزاقين ولم يحترق، وتقدم الخليفة إلى عميد الدولة أبي منصور بن جهير، فركب وو وقف عند مسجد ابن جردة، وتقدم بحشر السقاءين والفعلة، فلم يزل راكبا حتى طفئت النار. وفي مستهل رمضان: توجه السلطان من أصفهان إلى بغداد بنية غير مرضية، ذكر عنه أنه أراد تشعيث أمر المقتدي، وكان معه النظام، فقتل النظام في عاشر رمضان في الطريق، ووصل نعيه إلى بغداد في ثامن عشر رمضان، فلما قارب السلطان بغداد خلع المقتدي على وزيره عميد الدولة أبي منصور تشرفا له وجبرا لمصابه بنظام الملك، فإنه كان يعتضد به [١] ، وهو الذي سفر له في عوده إلى منصبه، وكان عميد الدولة قد تزوج بنت النظام، فخرج في الموكب للتلقي يوم الخميس ثاني عشرين رمضان، وسار إلى النهروان، وأقام إلى العصر من يوم الجمعة، ودخل ليلة السبت [ودخل السلطان إلى دار المملكة يوم السبت] [٢] ومنع تاج الملك العسكر أن ينزل في دار أحد وركب عميد الدولة وأربها معه إلى دار السلطان، فهنأه عن الخليفة بمقدمة وبعث السلطان إلى الخليفة يقول: لا بد أن تترك لي بغداد وتنصرف إلى أي البلاد شئت، فانزعج الخليفة من هذا انزعاجا شديدا، ثم قَالَ: أمهلني شهرا. فعاد الجواب: لا يمكن أن تؤخر ساعة. فقال الخليفة لوزير السلطان: سله أن يؤخرنا عشرة أيام. فجاء إليه فقال: لو أن رجلا من العوام أراد أن ينتقل من دار تكلف/ للخروج، فكيف بمن يريد أن ينقل أهله ١٤٤/ ب ومن يتعلق به، فيحسن أن تمهله عشرة أيام. فقال: يجوز. فلما كان يوم عيد الفطر صلى

стр. 5678

السلطان بالمصلى [١] العتيق، وخرج إلى الصيد فافتصد، فأخذته الحمى، وكان قد فوض الأمر إلى تاج الملوك أبي الغنائم، وأوقع عليه اسم الوزارة واستقر أن تفاض عليه الخلع يوم الاثنين رابع شوال فمنع هذا الأمر الذي جرى، وركب عميد الدولة مع الجماعة إلى السلطان فلم يصلوا إليه، ونقل أرباب الدولة أموالهم إلى حريم الخليفة، وتوفي السلطان فضبطت زوجته زبيدة خاتون العسكر بعد موته أحسن ضبط، فلم يلطم خد، ولم يشق ثوب، وبعثت بخاتم السلطان مع الأمير قوام الدولة صاحب الموصل إلى القلعة التي بأصبهان تأمر صاحبها بتسليمها، وأتبعته بالأمير قماج، فاستوليا على أمور القلعة، وساست الأمور سياسة عظيمة. وأنفقت الأموال التي جمعها ملك شاه فأرضت بها العسكر، وكانت تزيد على عشرين ألف ألف دينار، واستقر مع الخليفة ترتيب ولدها محمود في السلطنة وعمره يومئذ خمس سنين وعشرة أشهر، وخطب له على منابر الحضرة، وترتب لوزارته تاج الملك أبو الغنائم المرزبان بن خسرو، وجاء عميد الدولة بخلع من الخليفة فأفاضها على محمود، ودخل إلى أمه فعزّاها وهنأها عن الخليفة، ثم خرج العسكر وخاتون وولدها المعقود له السلطنة ووزيره هذا يوم الثلاثاء السادس والعشرين من شوال، وحمل الأمير أبو الفضل جعفر بن المقتدي إلى أبيه، ودخل أولئك إلى أصبهان، وخطب لمحمود بالحرمين، وراسلت أمّه الخليفة أن يكتب له عهدا، فجرت في ذلك محاورات إلى أن اقتضى الرأي أن يكتب له عهد باسم السلطنة و [راسلت أمّه الخليفة أن يكتب له عهدا باسم السلطنة] [٢] خاصة، ويكتب للأمير أنر عهد في تدبير الجيوش، ويكتب لتاج الملك عهد بترتيب العمال وجبايات الأموال، فأبت الأم إلا أن يستند ذلك كله إلى ابنها [محمود] [٣] فلم يجب الخليفة وقال: هذا لا يجيزه الشرع واستفتى الفقهاء، فتجرد أبو حامد الغزالي وقال: لا يجوز إلا ١٤٥/ أما قاله/ الخليفة، وقال المشطب بن محمد الحنفي: يجوز ما قالته [٤] الأم، فغلب قول الغزالي.

стр. 5679

وفي شوال: قتل ابن سمحا اليهودي. وفي ذي القعدة: طمع بنو خفاجة في الحاج لموت السلطان، وبعد العسكر، فهجموا عليهم حين خرجوا من الكوفة، فأوقعوا عَلَى ابن ختلغ [١] الطويل [أمير الحاج] [٢] وقتلوا أكثر العسكر، وانهزم باقيهم إِلَى الكوفة، فدخل بنو خفاجة الكوفة فأغاروا وقتلوا، فرماهم الناس بالنشاب فأعروا الرجال والنساء، فبعث من بغداد عسكر، فانهزم بنو خفاجة ونهبت أموالهم، وقتل منهم خلق كثير. فأما مماليك النظام فإنهم بعده أووا إِلَى بركيارق ابن السلطان ملك شاه الكبير، وخطبوا له بالري، وانحاز إليه أكثر العسكر سوى الخاصكية، فإنّهم التجئوا إِلَى خاتون، ففرقت عليهم ثلاثة آلاف ألف دينار، وأنفذتهم إلى قتال بركيارق، وكان مدبر العسكر وزعيمه الوزير تاج الملك، فالتقى الفريقان في سادس عشر ذي الحجة بقرب بروجرد، فاستأمن أكثر الخاصكية إِلَى بركيارق، ووقعت الهزيمة، وأسر تاج الملك وقتل. وجاء الخبر بما نزل بأهل البصرة من البرد الَّذِي في الواحدة منه خمسة أرطال، وبلغ بعضه ثلاثة عشر رطلا، فرمى الأبراج المبنية بالجص والآجر، وقصف قلوب النخل وأحرقها، وكان معه ريح فقصف عشرات ألوف من النخل، واستدعى قاضي واسط ابن حرز إِلَى بغداد فعزل وقلد القضاء أبو علي الْحَسَن بْن إِبْرَاهِيم الفارقي، ووصل إِلَى واسط في جُمَادَى الأولى. ذكر من تُوُفّي في هذه السنة من الأكابر ٣٦٢٣- أحمد بن إبراهيم بْن عُثْمَان، أبو غالب الآدمي القاري [٣] . سمع أبا علي/ بن شاذان وغيره، روى عنه شيخنا عبد الوهاب، وأثنى عليه ووصفه ١٤٥/ ب

стр. 5680

بالخير، وكان حسن التلاوة لكتاب الله العزيز، يقرأ بين أيدي الوعاظ، توفي في ذي الحجة من هذه السنة، ودفن بمقبرة باب أبرز. ٣٦٢٤- جعفر بن يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أبو الفضل التميمي المعروف بالحكاك من أهل مكة [١] . ولد سنة سبع عشرة، وقيل: سنة ست وأربعمائة، ورحل في طلب الحديث إلى الشام، والعراق، وفارس، وخوزستان، والجبل، وأصبهان. وسمع من خلق كثير منهم: أبو نصر السجزي، وأبو ذر الهَرَويّ [٢] وأكثر عن العراقيين، وخرج لأبي الحسين ابن النقور أجزاء من مسموعاته، وتكلم على الأحاديث بكلام حسن، وكان حافظا متقنا أديبا فهما ثقة صدوقا خيرا، وكان يترسل عن ابن أبي هاشم أمير مكة إلى الخلفاء والأمراء، ويتولى ما يوقع له من مال وكسوة، وكان من ذوي الهيئات النبلاء، حدثنا عنه أشياخنا وآخر من حدث عنه أبو الفتح ابن البطي، توفي يوم الجمعة رابع عشر صفر حين قدم من الحج، وكانت وفاته بالكوفة، ودفن في مقبرة البيع [٣] . ٣٦٢٥- الحسن بن علي بن إسحاق بن العباس، أبو علي الطوسي، الملقب: نظام الملك وزير السلطانين ألب أرسلان وولده ملك شاة نسقا متتاليا تسعا وعشرين [٤] سنة . ولد بطوس، وكان من أولاد الدهاقين وأرباب الضياع بناحية بيهق، كان عالي الهمة إلا أنه كان فقيرا مشغولا بالفقه والحديث، ثم اتصل بخدمة أبي علي بن شاذان المعتمد عليه ببلخ، فكان يكتب له، وكان يصادره كل سنة، فهرب منه فقصد داود بن ميكائيل والد السلطان ألب أرسلان، وعرفه رغبته في خدمته، فلما دخل عليه أخذ بيده فسلمه إلى ولده ألب أرسلان، وقال: هذا حسن الطوسي، فتسلمه واتخذه والدا لا

стр. 5681

تخالفه، وقيل: بل خدم ابن شاذان/ إلى أن توفي فأوصى به إلى ألب أرسلان فلما صار ١٤٦/ أالملك إِلَى ألب أرسلان [١] دبر له الملك فأحسن التدبير، فبقي في خدمته عشر سنين ثم مات، وازدحم أولاده على الملك، وطغى الخصوم، فدبر الأمور، ووطد الملك لملك شاة فصار الأمر كله إليه وليس للسلطان إلا التخت والصيد، فبقي على هذه عشرين سنة ودخل على المقتدي، فأذن له في الجلوس بين يديه وقال له: يا حسن رضي الله عنك برضا أمير المؤمنين وأهل الدين [٢] عنك، وكان مجلسه عامرا بالفقهاء وأئمة المسلمين وأهل التدين حتى كانوا يشغلونه عن مهمات الدولة، فقال له بعض كتابه: هذه الطائفة من العلماء قد بسطتهم في مجلسك حتى شغلوك عن مصالح الرعية ليلا ونهارا، فإن تقدمت أن لا يوصل أحد منهم [٣] إلا بإذن، وإذا وصل جلس بحيث لا يضيق عليك مجلسك. فقال: هذه الطائفة أركان الإسلام، وهم جمال الدنيا والآخرة، ولو أجلست كلا منهم على رأسي لاستقللت لهم ذلك [٤] . وكان إذا دخل عليه أبو القاسم القشيري وأبو المعالي الجويني يقوم لهما ويجلسهما في مسند ويجلس في المسند على حالته. فإذا دخل عليه أبو علي الفارمذي قام وأجلسه في مكانه وجلس بين يديه، فامتعض من هذا الجويني فقال لحاجبه في ذلك فأخبره، فقال: هو والقشيري وأمثالهما قالوا لي: أنت أنت، وأطروني بما ليس في، فيزيدني كلامهم تيها، والفارمذي يذكر لي عيوبي، وظلمي فأنكر [٥] وأرجع عن كثير مما أنا فيه. وكان المتصوفة تنفق عليه حتى إنه أعطى بعض متمنيهم [٦] في مرات ثمانين ألف دينار. أنبأنا علي بن عبيد الله عن أبي محمد التميمي قَالَ: سالت نظام الملك عن سبب

стр. 5682

١٤٦/ ب تعظيمه الصوفية فقال: أتاني صوفي وأنا في خدمة/ بعض الأمراء، فوعظني وقال: أخدم من تنفعك خدمته، ولا تشتغل بما تأكله الكلاب غدا فلم أعرف معنى قوله، فشرب ذلك الأمير من الغد، وكانت له كلاب كالسباع تفرس الغرباء بالليل، فغلبه السكر وخرج وحده فلم تعرفه الكلاب فمزقته، فعلمت أن الرجل كوشف بذلك فأنا أطلب أمثاله. وكان للنظام من المكرمات ما لا يحصى كلما سمع الأذان أمسك عما هو فيه، وكان يراعي أوقات الصلوات، ويصوم الاثنين والخميس، ويكثر الصدقة، وكان له الحلم والوقار وأحسن خلاله مراعاة العلماء، وتربية العلم، وبناء المدارس والمساجد والرباطات والوقوف عليها، وأثره العجيب ببغداد هذه المدرسة وسقوفها الموقوف عليها، وفي كتاب شرطها أنها وقف على أصحاب الشافعي أصلا وفرعا، وكذلك الأملاك الموقوفة عليها شرط فيها أن يكون على أصحاب الشافعي أصلا وفرعا، وكذلك شرط في المدرس الذي يكون بها والواعظ الذي يعظ بها ومتولي الكتب، وشرط أن يكون فيها مقرئ القرآن، ونحوي يدرس العربية، وفرض لكل قسطا من الوقف، وكان يطلق ببغداد كل سنة من الصلات مائتي كر، وثمانية عشر ألف دينار. ولما طالت ولايته تقررت قواعده قبل قدره، ولما عبر في جيحون [١] وقع للملاحين بأجرتهم على عامل أنطاكية بعشرة آلاف دينار، وملك من الغلمان الأتراك ألوفا، وحدث بمرو، ونيسابور، والري، وأصبهان، وبغداد، وأملى في جامع المهدي، وفي مدرسته، وكان يقول: إني لأعلم أنى لست أهلا للرواية، ولكني أريد أن أربط نفسي على قطار النقلة لحديث/ رسول الله ﷺ . وحدث عنه جماعة من شيوخنا منهم أبو الفضل الأرموي، وآخر من روى عنه أبو القاسم العكبري، وكان النظام يقول: كنت أتمنى أن يكون لي قرية ومسجد أتخلى فيه بطاعة ربي، ثم تمنيت بعد ذلك قطعة من الأرض بشربها أقوت برفعها، وأتخلى في مسجد في جبل، ثم الآن أتمنى أن يكون لي رغيف كل يوم وأتعبد [٢] في مسجد.

стр. 5683

وقال: رأيت إبليس في النوم-[١] فقلت له: ويلك، خلقك الله ثم أمرك بسجدة فلم تفعل، وأنا الحسن أمرني بالسجود فأنا أسجد له كل يوم سجدات فقال: من لم يكن للوصال أهلا ... فكل إحسانه ذنوب وكان له أولاد جماعة وزر منهم خمسة للسلاطين، وزر أحمد بن النظام لمحمد ابن ملك شاة وللمسترشد، خرج النظام مع ملك شاة يقصد العراق من أصفهان يوم الخميس غرة رمضان وكان آخر سفرة سافرها فلما أفطر ركب في محفة وسير به فبلغ إلى قرية قريبة من نهاوند فقال: هذا الموضع قتل فيه جماعة من الصحابة زمن عمر، فطوبى لمن كان معهم [٢] ، فقتل تلك الليلة اعترضه صبي ديلمي على صفة الصوفية معه قصة، فدعا له وسأل تناولها فمد يده ليأخذها فضربه بسكين في فؤاده، فحمل إلى مضربه فمات، وقتل القاتل في الحال بعد أن هرب فعثر بطنب خيمة فوقع، فركب السلطان إلى معسكره فسكنهم، وذلك في ليلة السبت عاشر رمضان، وكان عمره ستا وسبعين سنة، وعشرة أشهر، وتسعة عشر يوما. وشاع بين الناس أن السلطان سئم طول عمره وصور له أعداؤه كثرة ما يخرج من الأموال، وقد كان عثمان بن النظام رئيس مرو فأنفذ السلطان مملوكا له كبيرا قد جعله شحنة فاختصما، فقبض عليه عثمان وأخرق به، فلما أطلقه/ قصد السلطان مستغيثا، ١٤٧/ ب فاستدعى السلطان أرباب الدولة وقال: امضوا إلى خواجه حسن وقولوا له إن كنت شريكي في الملك فلذلك حكم، وان كنت تابعي فيجب أن تلزم حدك، وهؤلاء أولادك قد استولوا على الدنيا، ولا يقنعهم حتى يخرجوا من الحرمة [٣] . فلما أبلغوه قَالَ لهم: قولوا له أما علم أني شريكه في الملك، وأنه ما بلغ إلا بتدبيري، أو ما يذكر حين قتل أبوه كيف جمعت الناس عليه، وعبرت بالعساكر النهر، وفتحت الأمصار، وصار الملك بحسن تدبيري بين راج للرأفة ووجل من المخافة، وبعد هذا فقولوا له وعرفوه [٤] أن

стр. 5684

ثبات القلنسوة مصدوق بفتح هذه الدواة، ومتى أطبقت هذه زالت تلك فحكى ذلك للسلطان، فما زال يدبر عليه فيقال إنه ألف عليه بمواطأة تاج الملك أبي الغنائم من قتله، فلم تطل مدة السلطان بعده، وإنما كان بينهما خمسة وثلاثون يوما، فكان في ذلك عبرة، فكان الناس يتحدثون أن السلطان إنما رضي بقتله لأن السلطان كان قد عزم على تشعيث أمر المقتدي، ودبر ذلك تاج الملك وخاتون زوجة السلطان لأنها أرادت من السلطان أن ينص على ولدها محمود فثناه عن رأيه النظام، فخشوا من النظام تثبيطا عن مرادهم. ووصل نعي نظام الملك إلى بغداد يوم الأحد ثامن عشر رمضان، فجلس عميد الدولة للعزاء به في الديوان ثلاثة أيام، وحضر الناس على طبقاتهم، وخرج التوقيع يوم الثالث. وفي آخره، وفي بقاء معز الدولة [١] مما يجبر المسلمين، ويعضد أمير المؤمنين. قَالَ المصنف: ونقلت من خط أبى الوفاء بن عقيل قال: رأينا في أوائل أعمارنا [ناسا] [٢] طاب العيش معهم، من العلماء والزهاد وأعيان الناس، وأما النظام فإن سيرته بهرت العقول جودا وكرما وحشمة وإحياء لمعالم الدين، فبنى المدارس، ووقف عليها ١٤٨/ أالوقوف/ ونعش العلم وأهله، وعمر الحرمين، وعمر دور الكتب، وابتاع الكتب فكانت سوق العلم في أيامه قائمة، والعلماء مستطيلين على الصدور من أبناء الدنيا، وما ظنك برجل كان الدهر في خفارته، لأنه كان قد أفاض من الإنعام ما أرضى الناس، وإنما كانوا يذمون الدهر لضيق أرزاق واختلال أحوال، فلما عمهم إحسانه امسكوا عن ذم زمانهم. قَالَ ابن عقيل: بلغت كلمتي هذه وهي قوله كان الدهر في خفارته جماعة من الوزراء والعمداء فسطروها [٣] واستحسنها العقلاء الذين سمعوها. قَالَ ابن عقيل: وقلت مرة في وصفه ترك الناس بعده موتى أما أهل العلم والفقراء

стр. 5685

ففقدوا العيش بعده بانقطاع الأرزاق [١] ، وأما الصدور والأغنياء فقد كانوا مستورين بالغناء عنهم، فلما عرضت [٢] الحاجات إليهم عجزوا [٣] عن تحمل بعض ما عود [٤] من الإحسان، فانكشفت معايبهم من ضيق الصدور [٥] ، فهؤلاء موتى بالمنع وهؤلاء موتى بالذم [٦] ، وهو حي بعد موته بمدح الناس لأيامه، ثم ختم له بالشهادة فكفاه الله أمر آخرته كما كفى أهل العلم أمر دنياهم، ولقد كان نعمة من الله علي أهل الإسلام فما شكروها فسلبوها. قَالَ المصنف ﵀: وقد رثاه مقاتل بن عطية [المسمى بشبل الدولة] [٧] فذكر هذا المعنى: كان الوزير نظام الملك لؤلؤة ... يتيمة صاغها الرحمان من شرف عزت فلم تعرف الأيام قيمتها ... فردها غيرة منه إلى الصدف ٣٦٢٦- عبد الباقي بن محمد بن الحسين بن داود بن ناقيا، أبو القاسم الشاعر [٨] . من أهل الحريم الطاهري، ولد سنة عشر وأربعمائة، وسمع أبا القاسم الخرقي وغيره، وكان أديبا حدث عنه أشياخنا، ورموه بأنه كان يرى رأي الأوائل، ويطعن على الشريعة، / وقال شيخنا عبد الوهاب الأنماطي: ما كان يصلي، وكان يقول في السماء ١٤٨/ ب نهر من خمر، ونهر من لبن، ونهر من عسل ما سقط منه شيء قط سقط [٩] هذا الذي يخرب البيوت ويهدم السقوف. توفي في محرم هذه السنة، ودفن بباب الشام، وأنبأنا عمر بن ظفر المغازلي قال:

стр. 5686

سمعت أبا الحسن علي بن محمد الدهان يقول: دخلت على أبي القاسم بن ناقيا بعد موته لأغسله فوجدت يده مضمومة فاجتهدت على فتحها فإذا فيها مكتوب. نزلت بجار لا يخيب ضيفه ... أرجى نجاتي من عذاب جهنم وإني على خوفي من الله واثق ... بإنعامه والله أكرم منعم ٣٦٢٧- عبد الرحمن بن محمد، أبو محمد العماني [١] . كان يتولى قضاء ربع الكرخ ببغداد ثم ولي قضاء البصرة. وتوفي في رمضان هذه السنة. ٣٦٢٨- مالك بن أحمد بن علي بن إبراهيم، أبو عبد الله البانياسي [٢] . وبانياس بلد من بلاد الغور قريب من فلسطين، ولد سنة ثمان وتسعين، وهذا الرجل له اسمان وكنيتان يقال له: أبو عبد الله مالك، وأبو الحسن على، وكان يقول سماني أبي مالكا، وكناني بابي عبد الله، وأسمتني أمي عليا، وكنتني بأبي الحسن، فأنا أعرف بهما لكنه اشتهر بما سماه أبوه، سمع أبا الحسن بن الصلت وهو آخر من حدث عنه في الدنيا، وسمع من أبي الفضل بن أبي الفوارس، وأبا الحسين بن بشران، وحدثنا عنه مشايخنا آخرهم أبو الفتح ابن البطي، وكان ثقة. واحترق بسوق الريحانيين يوم الثلاثاء بين الظهر والعصر تاسع عشر جمادى الآخرة من هذه السنة [وهلك فيه جماعة من الناس] [٣] فاحترق فيه مالك البانياسي، وكان في غرفته [٤] ودفن يوم الأربعاء. ٣٦٢٩- ملك شاه، ويكنى: أبا الفتح بن أبي شجاع محمد ألب أرسلان ابن داود بن ميكائيل بن سلجوق الملقب جلال الدولة [٥] .

стр. 5687

عمر القناطر، وأسقط المكوس والضرائب وحفر الأنهار الخراب، وبنى الجامع الذي يقال له جامع السلطان الّذي يقال له/ انه جدد بناه [١] ببغداد، وبنى مدرسة أبي ١٤٩/ أحنيفة والسوق، وبنى منارة القرون من صيودة، وهي التي بظاهر الكوفة، وبنى مثلها وراء النهر، وتذكر ما اصطاده بنفسه، فكان عشرة آلاف فتصدق بعشرة آلاف دينار، وقال: إني خائف من الله سبحانه من إرهاق روح لغير مأكله، وخطب له من أقصى بلاد الترك إلى أقصى بلاد اليمن، وراسله الملوك حتى قَالَ النظام: كم من يوم وقعت بإطلاق إذ مات لرسل ملك الروم، واللان، والخزر، والشام، واليمن، وفارس وغير ذلك. قال: وإن خرج هذا السلطان في السنة أكثر [٢] من عشرين ألف ألف دينار، وكانت السبل في زمانه آمنة، وكانت نيته في الخير جميلة، وكان يقف للمرأة والضعيف ولا يبرح إلا بعد إنصافهم. ومن محاسن ما جرى له في ذلك أن بعض التجار قَالَ: كنت يوما في معسكره، فركب يوما إلى الصيد، فلقيه سوادي يبكي فقال له: مالك؟ [فقال له] [٣] يا خيلباشي كان معي حمل بطيخ هو بضاعتي فلقيني ثلاثة غلمان فأخذوه. فقال له: امض إلى العسكر، فهناك قبة حمراء، فاقعد عندها ولا تبرح إلى آخر النهار، فأنا أرجع وأعطيك ما يغنيك. فلما عاد قَالَ للشرابي قد اشتهيت بطيخا ففتش العسكر وخيمهم ففعل، فأحضر البطيخ فقال: عند من رأيتموه؟ فقال: في خيمة فلان الحاجب. فقال: أحضروه فأحضر [٤] فقال له: من أين لك هذا البطيخ؟ فقال: جاء به الغلمان. فقال: أريدهم هذه الساعة. فمضى وقد أحس بالشر، فهرب الغلمان خوفا من ان يقتلهم، وعاد وقال: قد هربوا لما علموا ان السلطان يطلبهم فقال: احضروا السوادي، فأحضر فقال له: هذا بطيخك الذي أخذ منك؟ قَالَ: نعم فقال: هذا الحاجب مملوك أبي ومملوكي، وقد سلمته إليك [و] وهبته لك، ولم يحضر الذين أخذوا مالك، وو الله لئن تركته لا ضربن رقبتك. / فأخذ السوادي بيد الحاجب وأخرجه، فاشترى الحاجب نفسه منه بثلاثمائة ١٤٩/ ب دينار، فعاد السوادي إلى السلطان فقال: يا سلطان قد بعت المملوك الذي وهبته لي بثلاثمائة دينار. فقال: قد رضيت بذلك؟ قَالَ: نعم. فقال: اقبضها وامض مصاحبا.

стр. 5688

ومن محاسن أفعاله أنه لقي إنسانا تاجرا على عقبة معه بغال عليها متاع فذهب أصحابه ينحون البغال إلى صاحب الخيل، [١] فقال: لا تفعلوا نحن على خيل يمكننا أن نصعد إلى هناك، وهذه البغال عليها أثقال وفي ترقيتها خطر، فصعد على الجادة إلى أن مضى التاجر بأحماله، ثم عاد، ولقي امرأة تمشي فقال لها: إلى أين؟ قالت: إلى الحج. قال: كيف تقدرين على ذلك؟ قالت: أمشي إلى بغداد واطرح نفسي هناك على من يحملني لطلب الثواب، فأخرج ما كان في خريطته من الدنانير فطرحه في إزارها، وقال: خذي هذا فاشتري منه مركوبا، واصرفي بقيته في نفقتك، ولما توجه إلى حرب أخيه تكش اجتاز بمشهد على بن موسى الرضا بطوس فدخل للزيارة ومعه النظام، فلما خرجا قَالَ له: يا حسن، بما دعوت؟ فقال: دعوت الله أن يظفرك بأخيك فقال: إنني لم اسأل ذلك، وإنما قلت: اللَّهمّ إن كان أخي أصلح للمسلمين منى فظفره بي، وإن كنت أصلح لهم فظفرني به. وجاء إليه تركماني قد لازم تركمانيا فقال له: إني وجدت هذا قد ابتنى بابنتي، وأريد أن تأذن لي في قتله. فقال: لا تقتله ولكنا نزوجها به، ونعطي المهر من خزانتنا عنه. فقال: لا أقنع إلا بقتله. فقال: هاتوا سيفا. فجيء به فأخذه وسله وقال للرجل: تعال. فتعجب الناس وظنوا أنه يقتل الأب، فلما قرب منه أعطاه السيف وأمسك بيده الجفن، وأمره أن يعيد السيف إلى الجفن فكلما رام [٢] الرجل ذلك قلب السلطان ١٥٠/ أالجفن فلم يمكنه من إدخال السيف فيه، فقال: ما لك لا تدخل السيف؟ / فقال: يا سلطان، ما تدعني. فقال: كذلك ابنتك لو لم ترد ما فعل بها هذا الرجل، ولما أمكنه غصبها وقهرها، فإن كنت تريد قتله [لأجل فعله] [٣] فاقتلهما جميعا، فبقى الرجل لا يرد جوابا، وقال: الأمر للسلطان. فأحضر من زوجه بها [٤] وأعطى المهر من الخزانة. ودخل على هذا السلطان واعظ فحكى له أن بعض الأكاسرة انفرد عن عسكره،

стр. 5689

فجاز على بستان فطلب منه ماء ليشرب، فأخرجت له صبية إناءً فيه ماء قصب السكر والثلج فشربه، فاستطابه فقال: هذا كيف يعمل؟ فقالت: من قصب السكر يزكو عندنا حتى نعصره بأيدينا فيخرج منه هذا الماء. فقال: احضريني شيئا آخر منه [فمضت وهي لا تعرفه] [١] فنوى في نفسه اصطفاء المكان لنفسه وتعويضهم عنه، فما كان بأسرع من أن خرجت باكية فقال لها: ما لك؟ فقالت. نية سلطاننا قد تغيرت علينا. فقال لها: من أين علمت؟ قالت كنت آخذ من هذا الماء ما أريد من غير تعسف، والآن فقد اجتهدت في العصر فلم يسمح ببعض ما كان يخرج عفوا. فعلم صدقها فقال: ارجعي الآن فإنك تلقين الغرض، ونوى أن لا يفعل ما عزم عليه، فخرجت ومعها ما شاءت وهي مستبشرة. فلما حكى الواعظ هذا قَالَ له السلطان: أنت تحكي لي مثل هذا فلم لا تحكي للرعية أن كسرى اجتاز وحده على بستان فقال للناطور: ناولني عنقودا من الحصرم [فقد كظني العطش واستولت على الصفراء] [٢] فقال له: ما يمكنني، فإن السلطان لم يأخذ حقه منه فما يمكنني جنايته، فعجب من حضر وكان فيهم نظام الملك، من مقابلة السلطان تلك الحكاية بهذه، واستدلوا على قوة فطنته، وقد سار هذا السلطان من أصبهان إلى أنطاكية، وعاد إلى بغداد، فما نقل أن أحدا من عسكره أخذ شيئا بغير حق ودخل إلى بغداد ثلاث مرات وكان الناس يخافون الغلاء فيظهر الأمر/ بخلاف ما ظنوا، وكانت ١٥٠/ ب السوقة تخترق عسكره ليلا ونهارا، والسوادي يطوف بالتين والدجاج في وسط العسكر ولا يخافون ولا يبيعون إلا بما يريدون. وتقدم بترك المكوس فقال له أحد المستوفين يا سلطان، العام قد أسقطت من خزائن أموالك ستمائة ألف ونيفا فيما هذا سبيله، فقال: المال مال الله، والعبيد عبيده، والبلاد بلاده، وإنما يبقى في ذلك، فمتى راجعني أحد في ذلك تقدمت بضرب عنقه. وذكر هبة الله بن المبارك بن يوسف السقطى في تاريخه قَالَ: حدثني عبد السميع بن داود العباسي قَالَ: قصد ملك شاه رجلان من أهل البلاد السفلي من أرض العراق يعرفان: بابني غزال، من قرية تعرف بالحدادية، فتعلقا بركابه وقالا: نحن من

стр. 5690

أسفل واسط من قرية تعرف بالحدادية [١] ، مقطعة لخمارتكين الحلبي، صادرنا على ألف وستمائة دينار، وكسر ثنيتي أحدنا والثنيتان بيده، وقد قصدناك أيها الملك لتقتص لنا منه، فقد شاع من عدلك ما حملنا على قصدك، فإن أخذت بحقنا كما أوجب الله عليك وإلا فاللَّه الحاكم بالعدل بيننا. وفسر على السلطان ما قالاه. قَالَ عبد السميع: فشاهدت السلطان وقد نزل عن فرسه وقال: ليمسك كل واحد منكما بطرف كمي واسحباني إلى دار حسن هو نظام الملك [فأفزعهما] [٢] ذلك، ولم يقدما عليه، فأقسم عليهما إلا فعلا، فأخذ كل واحد منهما بطرف كمه وسارا به إلى باب النظام، فبلغه الخبر، فخرج مسرعا وقبل الأرض بين يديه وقال أيها السلطان المعظم، ما حملك على هذا؟ فقال: كيف يكون حالي غدا بين يدي الله [٣] إذا طولبت بحقوق المسلمين وقد قلدتك هذا الأمر لتكفيني مثل هذا الموقف، فان تطرق على الرعية ثلم لم يتطرق إلا بك وأنت المطالب، فانظر بين يديك، فقبل/ الأرض وسار في خدمته، وعاد من وقته، فكتب بعزل خمارتكين وحل إقطاعه، ورد المال إليها [٤] وقلع ثنيتيه إن ثبت عليه البينة، ووصلهما بمائة دينار، وعادا من وقتهما. واستحضر ملك شاه مغنية مستحسنة بالري فأعجبته بغنائها واستطابه، فتاقت نفسه إليها فقالت له: يا سلطان، إني أغار على هذا الوجه الجميل أن يعذب بالنار وإن بين الحلال والحرام كلمة. فقال: صدقت. واستدعى القاضي فزوجه إياها وكان هذا السلطان قد أفسد عقيدته الباطنية، ثم رجع إلى الصلاح. قَالَ المصنف: نقلت من خط ابن عقيل قَالَ: كان الجرجاني الواعظ مختصا بجلال الدولة فاستسرني أن الملك قد أفسده الباطنية، فصار يقول لي: أيش هو الله؟ وإلى ما تشيرون بقولكم الله؟ فبهت وأردت جوابا حسنا فكتبت: اعلم أيها الملك أن هؤلاء العوام والجهال يطلبون الله من طريق الحواس، فإذا فقدوه جحدوه، وهذا لا يحسن بأرباب العقول الصحيحة، وذلك أن لنا موجودات ما نالها الحس، ولم يجحدها العقل، ولم يمكننا جحدها لقيام دلالة العقل على إثباتها، فان قَالَ لك أحد من هؤلاء:

стр. 5691

لا يثبت إلا ما نرى فمن هاهنا دخل الإلحاد على جهال العوام الذين يستثقلون الأمر والنهي، وهم يرون أن لنا هذه الأجساد الطويلة العميقة التي تنمي ولا يعد [١] وتقبل الأغذية وتصدر عنها الأعمال المحكمة كالطب، والهندسة، فعلموا أن ذلك صادر عن أمر وراء هذه الأجساد المستحيلة وهو الروح والعقل، فإذا سألناهم هل أدركتم هذين الأمرين بشيء من إحساسكم؟ قالوا: لا لكنا أدركناهما من طريق الاستدلال بما صدر عنهما من التأثيرات. قلنا: فما بالكم جحدتم الإله حيث فقدتموه حسا مع ما صدر عنه من إنشاء الرياح والنجوم، وإدارة الأفلاك، وإنبات الزرع، وتقليب الأزمنة؟ وكما أن لهذا الجسد روحا وعقلا بهما قوامه، ولا يدركهما الحس، لكن شهدت بهما أدلة العقل من حيث الآثار، كذلك الله سبحانه وتعالي، وله المثل الأعلى، ثبت بالعقل لمشاهدة الإحساس من آثار صنائعه، وإتقان أفعاله. قَالَ: فحكى لي أنه أعاده عليه فاستحسنه، وهش إليه، ولعن أولئك، وكشف إليه ما يقولون له [٢] ثم إن السلطان ملك شاه قدم بغداد وبعت إلى الخليفة يقول له: تنح عن بغداد. فقال: أجلني عشرة أيام على ما سبق ذكره في حوادث [السنين] [٣] فتوفي السلطان في ليلة الجمعة النصف من شوال، وقد ذكروا في سبب موته ثلاثة أقوال: أحدها: أنه خرج إلى الصيد بعد صلاة العيد فأكل من لحم الصيد وافتصد فحم فمات. والثاني: أنه طرقته حمى حادة فمات. والثالث: أن خردك سمه في خلال هلك به، وكان عمره سبعا وثلاثين سنة، ومدة ملكه تسع عشرة سنة وأشهر، ودفن في الشونيزية، ولم يصل عليه أحد. ٣٦٣٠- المرزبان بن خسرو [٤] ، أبو الغنائم الملقب [٥] تاج الملك [٦] . وهو الذي بنى التاجية ببغداد، وبنى تربة الشيخ [٧] أبي إسحاق، وعمل لقبره

стр. 5692

ملبنا، وكان قد زعم ملك شاه أن يستوزره بعد النظام فهلك ملك شاه، فتولى أمر ابنه محمود، وخرج ليقاتل بركيارق فقتل، وقطعه غلمان النظام إربا إربا لما كانوا ينسبون إليه من قتل النظام، ومثلوا به [١] وذلك في ذي الحجة من هذه السنة. ٣٦٣١- هبة الله بن عبد الوارث بن علي بن أحمد بن بوري، أبو القاسم الشيرازي [٢] . أحد الرحالين في طلب الحديث، الجوالين في الآفاق، البالغين منه، سمع ١٥١/ ب بخراسان/ والعراق، وقومس، والجبال، وفارس، وخوزستان، والحجاز، والبصرة، واليمن، والجزيرة، والشامات، والثغور، والسواحل، وديار مصر، وكان حافظا متقنا ثقة صالحا خيرا ورعا، حسن السيرة، كثيرة العبادة، مشتغلا بنفسه، وخرج التخاريج، وصنف، وانتفع جماعة من طالب الحديث بصحبته، وقد سمع من أبي يعلى بن الفراء، وأبي الحسين بن المهتدي، وأبي الغنائم بن المأمون، وأبي علي بن وشاح، وجابر بن ياسين، ودخل صريفين فرأى أبا محمد الصريفيني فسأله: هل سمعت شيئا من الحديث؟ فأخرج إليه أصوله فقرأها عليه وكتب إلى بغداد فأخبر الناس فرحلوا إليه، وكان هبة الله بن عبد الوارث يحكي عن والدته فاطمة بنت علي قالت: سمعت أبا عبد الله محمد بن أحمد المعروف بابن أبي زرعة الطبري قَالَ: سافرت مع أبي إلى مكة فأصابتنا فاقة شديدة فدخلنا مدينة الرسول ﷺ وبتنا طاويين، وكنت دون البالغ، فكنت أجيء إلى أبي وأقول: أنا جائع. فأتى بي أبي إلى الحضرة وقال: يا رسول الله، أنا ضيفك الليلة. وجلس فلما كان بعد ساعة رفع رأسه وجعل يبكي ساعة، ويضحك ساعة. فقال: رأيت رسول الله ﷺ فوضع في يدي دراهم، ففتح يده فإذا فيها دراهم وبارك الله فيها إلى أن رجعنا إلى شيراز وكنا ننفق منها. توفي هبة الله في هذه السنة. ١٥٢/ أبمرو، وكانت علته البطن، فقام/ في ليلة وفاته سبعين مرة أو نحوها، في كل مرة يغتسل في النهر إلى أن توفي على الطهارة. ﵀ وإيانا وجماعة المسلمين [٣] .

стр. 5693

خاتمة الناسخ [١] آخر الجزء السادس عشر، يتلوه في الجزء السابع عشر دخول سنة ست وثمانين وأربع مائة. وكان الفراغ منه في حادي عشر ربيع الآخر سنة ست وثمانمائة. أحسن الله نقضها بخير وعافية بمنه وكرمه وغفر لمن استكتبه وكتبه ولمن نظر فيه ودعا لهما بالمغفرة والرحمة وجميع المسلمين. آمين آمين آمين. والحمد للَّه رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

стр. 5694

[المجلد السابع عشر] ثم دخلت سنة ست وثمانين واربعمائة بسم اللَّه الرَّحْمَن الرحيم صلى الله على سيدنا مُحَمَّد وآله وصحبه فمن الحوادث فيها: أنه كان قد قدم إلى بغداد في شوال سنة خمس وثمانين رجل من أهل مرو واسمه أردشير بن منصور أبو الحسين العبادي، ثم خرج إلى الحج، فلما قدم جلس في النظامية سنة ست، وحضره أبو حامد الغزالي المدرس بها، وكان الغزالي يحاضره ويسمع كلامه منذ قدم بغداد، فلما جلس كثر الناس عليه حتى امتلأ صحن المدرسة وأروقتها وبيوتها وغرفها وسطوحها، وعجز المكان فكان يجلس في قراح ظفر، وفي كل مجلس يتضاعف الجمع وذرعت الأرض التي عليها الرجال خاصة فكان طولها مائة وسبعين ذراعا وعرضها [١] مائة وعشرين ذراعا، وكان النساء أكثر من ذلك، فكانوا على سبيل الحزر ثلاثين ألفا، وكان صمت هذا الرجل أكثر من نطقه، وكانت آثار الزهادة بينة عليه، وكان إذا تكلم كلمة ضجوا وهاموا، وترك أكثر الناس معايشهم، وحلق أكثر الصبيان شعورهم، وأووا إلى المساجد والجوامع، وتوفروا على الجماعات، وأريقت الأنبذة والخمور، وكسرت آلات الملاهي. وحكي إسماعيل بن أبي سعد الصوفي قال [٢] : كان العبادي ينزل رباطًا وكان في الرباط بركة كبيرة [٣] يتوضأ فيها، فكان الناس ينقلون منها الماء بالقوارير والكيزان تبركا حتى كان يظهر فيها نقصان الماء.

стр. 5695

٢/ ب وحدثني أبو منصور الأمين أنه قام إليه رجل ليتوب، فقال له: قف/ مكانك ليغسلك ماء المطر. فوقف، فوقع ماء المطر وأظنه قال: وليس في السماء قزعة. قال: وقال يومًا: يا أبا منصور، أشتهي توثا شاميا وثلجا فإن حلقي قد تغير. قال: فعبرت إلى الجانب المغربي ولي ثم بساتين، فطفت واجتهدت فلم أجد [١] ، فرجعت قبيل الظهر، فدخلت إلى الدار وكان أصحابه فيها وهو منفرد في بيت، فقلت لأصحابه: من جاء اليوم؟ فقالوا: جاءت امرأة فقالت: قد غزلت غزلا وأحب أن تقبل مني ثمنه [٢] ، فأخبرناه فقال: ليس لي بذلك عادة، فجلست تبكي فرحمها فقال: قولوا لها تشتري ما يقع في نفسها، فخرجت فاشترت توثا شاميا وثلجا وجاءت به. وقال لي أبو منصور: ودخلت يوما عليه فقال لي: يا أبا منصور، قد اشتهيت أن تعمل لي دعوة فاشتريت الدجاج، وعقدت الحلوى، وغرمت أكثر من أربعين دينارا، فلما تم ذلك جلس يفرقه [و] [٣] يقول: احمل هذا إلى الرباط الفلاني وإلى الموضع الفلاني. فلما انتهينا رآني كأني ضيق الصدر، إذ لم يتناول منه شيئا، فغمس إصبعه الصغرى في الحلوى، وقال: يكفي هذا. قال وكنت أراصده في الليل، فربما تقلب طول الليل على الفراش، ثم قام وقت الفجر فصلى بوضوئه. وكان معه طعام قد جاء به من بلدة، فلم يأكل من غلة بغداد. وحكى لي عبد الوهاب بن أبي منصور الأمين عن أبيه قال: دخلت على العبادي وهو يشرب مرقة فقلت في قلبي: ليته أعطاني [٤] فضلته لأشربها لعلي أحفظ القرآن. قال: فناولني ما فضل منه، وقال: اشربه على تلك النية. فشربته ورزقني الله حفظ القرآن. وحكى لي أن هذا الرجل تكلم في الربا وبيع القراضة بالصحيح، فمنع من الجلوس، وأمر بالخروج من البلد فخرج.

стр. 5696

[خطبة تاج الدولة تتش لنفسه بالسلطنة] وفي هذه السنة: خطب تاج الدولة تتش [لنفسه] [١] بالسلطنة، وقصد الرحبة ففتحها عنوة ودخل في/ طاعته آقسنقر صاحب حلب [٢] ، وبوزان صاحب الرها [٣] ، ووزر له الكافي ابن فخر الدولة بن جهير وملك ديار بكر والموصل وبعث إلى الخليفة يلتمس إقامة الخطبة له ببغداد، فتوقف وانفصل بعد ذلك عن تتش آقسنقر وبوزان، وتوجه بركيارق إلى حرب تتش [٤] ، فاستقبلهم بباب حلب، فكسرهم وأسر بوزان وآقسنقر، وصلبهما. [بدء الفتن بالجانب الغربي] وفي جمادى الآخرة: بدأت الفتن في الجانب الغربي، وقطعت بها طرق السابلة، وقتل أهل النصرية مسلحيا يعرف بابن الداعي، وأنفذ سعد الدولة أصحابه فأحرقوا النصرية، وتتبع المفسدين فهربوا، ثم اتصلت الفتن بين أهل باب البصرة والكرخ، ووقع القتال على القنطرة الجديدة، وأنفذ سعد الدولة إلى الكرخ فنهبت وأحرقت. [ولد الولد الخليفة ولد] وفي شعبان: ولد الولد الخليفة ولد، وهو أبو منصور الفضل ابن ولي العهد أبي العباس أحمد المستظهر، والفضل هو المسترشد. وفي يوم الجمعة سادس عشر ذي القعدة: خرج الوزير أبو منصور بن جهير في الموكب لتلقي السلطان بركيارق، فهنأه عن الخليفة بالقدوم. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٣٦٣٢- جعفر بن المقتدي [٥] : الّذي كان من خاتون بنت ملك شاه، توفي يوم الثلاثاء ثالث عشر جمادي الأولى من هذه السنة، وجلس الوزير عميد الدولة للعزاء به ثلاثة أيام.

стр. 5697

٣٦٣٣- أحمد بن محمد بن أحمد، أبو العباس اللباد: أبهري الأصل، أصبهاني المولد والمنشأ، أحد عدول أصبهان، رحل البلاد وسمع الكثير، وجمع الشيوخ، وكان ثقة، حسن الخلق سليم، مضت أموره على السداد، قتل في أيام الباطنية مظلوما في شوال هذه السنة. ٣٦٣٤-/ سليمان بن إبراهيم بن محمد بن سليمان، أبو مسعود الأصبهاني [١] : ولد في رمضان سنة سبع وتسعين وثلاثمائة، ورحل في طلب الحديث، [وطلب] [٢] وتعب وجمع ونسخ. وسمع أبا بكر بن مردويه، وأبا نعيم، وأبا علي بن شاذان، وأبا بكر البرقاني، وخلقا كثيرا. سمع منه أبو نعيم، وأبو بكر الخطيب، وكان له معرفة بالحديث، وصنف التصانيف، وخرج على الصحيحين، وتوفي في ذي القعدة من هذه السنة بأصبهان. ٣٦٣٥- عبد الله بن عبد الصمد بن علي بن المأمون، أبو القاسم [٣] : حدث عنه شيخنا ابن ناصر، توفي في ربيع الآخر، ودفن في داره بقصر بني المأمون. ٣٦٣٦- عبد بن علي بن زكرى، أبو الفضل الدقاق [٤] : سمع أبا الحسين بن بشران، وسمع منه أشياخنا، وتوفي يوم الثلاثاء. ٣٦٣٧- عبد الواحد بن علي بن محمد بن فهد، أبو القاسم العلاف [٥] : سمع أبا الفرج الغوري [٦] ، وأبا الفتح بن أبي الفوارس، وهو آخر من حدث

стр. 5698

عنهما. سمع منه أشياخنا، وتوفي يوم الجمعة سادس عشر ذي القعدة، ودفن بباب حرب. ٣٦٣٨- عبد الواحد بن أحمد بن الحصين الدسكري، أبو سعد الفقيه [١] : صحب أبا إسحاق الشيرازي، وروى الحديث، ثم خدم في المخزن [٢] ، وكان مألفا لأهل العلم، وكان يقول: ما غمر بدني [٣] هذا في لذة قط، وتوفي يوم الثلاثاء العشرين من رجب، ودفن بباب حرب. ٣٦٣٩- علي بن أحمد بن يوسف بن جعفر . توفي في هذه السنة. ٣٦٤٠- أبو الحسن الهكّاري [٤] : والهكارية جبال فوق الوصل، فيها قرى، ابتنى أربطة وقدم [إلى] [٥] بغداد فنزل في رباط الزوزني، وسمع الحديث من أبي القاسم بن بشران، وأبي بكر الخياط، وغيرهما. وكان صالحا من أهل السنة كثير التعبد، وحدث فسمع منه أبو المظفر ابن التريكى الخطيب [٦] ، وكان يقول: رأيت رسول الله ﷺ في المنام في المدرسة في الروضة فقلت: يا رسول الله، أوصني. فقال: «عليك باعتقاد مذهب أحمد بن حنبل، ومذهب الشافعي/، وإياك ومجالسة أهل البدع» توفي في محرم هذه السنة، وورد ٤/ أالخبر بذلك إلى بغداد.

стр. 5699

٣٦٤١- علي بن محمد بن محمد، أبو الحسن الخطيب الأنباري، ويعرف بابن الأخضر [١] : سمع أبا أحمد الفرضي، وهو آخر من حدث في الدنيا عنه، وتوفي بالأنبار في شوال، روى عنه أشياخنا آخرهم أبو الفتح ابن البطي، وبلغ من العمر خمسا وتسعين سنة. ٣٦٤٢- علي بن هبة الله بن علي بن جعفر بن علي بن محمد بن دلف بن أبي دلف العجلي، أبو نصر بن ماكولا [٢] : ولد سنة اثنتين وأربعمائة، وكان حافظا للحديث، وصنف كتاب «المؤتلف والمختلف» فذكر فيه كتاب عبد الغني، وكتاب الدارقطني، والخطيب، وزاد عليهم زيادات كثير، وسماه: كتاب «الإكمال» وكان نحويا مبرزا [٣] ، غزل الشعر، فصيح العبارة، وسمع من أبي طالب. قال أبو طالب الطبري [٤] : وحدث كثيرا، وسمعت شيخنا عبد الوهاب يطعن فيدينه ويقول: العلم يحتاج إلى دين. وقتل في خوزستان في هذه السنة أو في السنة بعدها [٥] .

стр. 5700

٣٦٤٣- نصر بن الحسن بن القاسم بن الفضل، أبو الليث، وأبو الفتح التنكتي [١] وكان له كنيتان: من أهل تنك بلدة عند الشاش ما وراء النهر، ولد سنة ست وأربعمائة، وطاف البلاد، وسار من الشرق/ إلى الغرب، وجال في بلاد الأندلس، وأقام بها مدة، وسمع ٤/ ب من جماعة، وحدث بصحيح مسلم وبالمتفق لأبي بكر الجوزقي، حدثنا عنه شيوخنا، وكان نبيلا صدوقا أمينا ثقة، من أهل الثروة [٢] ، كثير النعم، حسن الزي، مليح البشر، كريم الأخلاق، قومت تركته بعد موته مائة ألف وثلاثين ألف دينار. توفي في ذي القعدة من هذه السنة بنيسابور، ودفن بالحيرة [٣] . ٣٦٤٤- يعقوب بن إبراهيم بن أحمد بن سطور، أبو علي البرزبيني [٤] : سمع أبا إسحاق البرمكي، وتفقه على القاضي أبي يعلى ابن الفراء، ودرس في حياته وصنف، وحدث فروى عنه أشياخنا، وشهد عند أبي عبد الله الدامغاني في سنة ثلاث وخمسين هو والشريف أبو جعفر ورد إليه قضاء باب الأزج. وتوفي في شوال هذه السنة عن سبع وسبعين سنة، ودفن بمقبرة [دار] [٥] الفيل إلى جانب عبد العزيز غلام الخلال.

стр. 5701

ثم دخلت سنة سبع وثمانين واربعمائة فمن الحوادث فيها: أنه لما قدم السلطان بركيارق بن ملك شاه بغداد تقرر مع الخليفة المقتدي بأن يحمل السلطان إليه المال الذي ينسب إلى البيعة، وأن يخطب له بالسلطنة على رسم أبيه، وتقدم الخليفة إلى أبي سعد بن الموصلايا كاتب الإنشاء أن يكتب عهده، فكتب ورتبت الخلع وذلك يوم الجمعة رابع عشر محرم، وحمل العهد إلى الخليفة يوم الجمعة فوقع فيه، وتأمل الخلع، ثم قدم إليه الطعام فتناول منه وغسل يده، وأقبل على النظر في العهد وهو أكمل ما كان صحة وسرورا وبين يديه قهرمانته شمس النهار فقال لها: من هذه الأشخاص الذين قد دخلوا علينا بغير إذن؟ قالت: فالتفت فلم أر أحدا، ورأيته قد ٥/ أتغيرت حالته استرخت يداه [١] ورجلاه، وانحلت قواه، وسقط إلى الأرض/ فظننتها غشية لحقته، ومرة غلبته، فحللت إزرار ثيابه فوجدته لا يجيب داعيا، فحققت موته، ثم أنها تماسكت وتشجعت وقالت لجارية كانت عنده: ليس هذا وقت يظهر فيه الهلع، فإن ظهر منك صياح قتلتك. وأفردتها في حجرة وأغلقت عليها الباب، ثم نفذت بمن استدعى يمنا الخادم وهو صهر القهرمانة على ابنتها، فلما حضر أمرته باستدعاء الوزير عميد الدولة ابن جهير، فمضى إليه عند اختلاط الظلام، فلما شعر به ارتاع وخرج إليه، فأمره بالحضور فحضر والأفكار تتلاعب به، فلما رأى القهرمانة أجلها زيادة على ما جرت به عادته معها [٢] ، فدخلت الحجرة إلى أن قالت: قد عجزت عن الخدمة وقد عولت

стр. 5702

على سؤال أمير المؤمنين أن يأذن لي في الحج، وأنت شفيعي إليه وأسألك أن تحفظني في مغيبي كما تحفظني في مشهدي، وأخذت عليه الأيمان أن يتوفر على مصالحها، فلما استوثقت منه استنهضته، فدخل على الخليفة فرآه مسجى فأجهش بالبكاء، وأحضروا ولي العهد المستظهر فعرّفوه الحال وعزوه عن المصيبة، وهنئوه بالخلافة، وبايعوه. فقد بان بما ذكرنا أنه من حوادث هذه السنة موت المقتدي وخلافة المستظهر. قال شيخنا أبو الفضل بن ناصر: كانت ببغداد زلزلة في محرم سنة سبع وثمانين بين العشائين، فحدث بعدها موت المقتدي، وخروج تتش وقتله، ومجيء بركيارق إلى بغداد [١] ، وغير ذلك من الفتن والحروب وغلاء السعر.

стр. 5703

باب ذكر خلافة المستظهر باللَّه ولما بويع المستظهر وهو ابن ست عشرة سنة وشهرين، واسمه، أحمد بن المقتدي، ويكنى: أبا العباس، وأمه أم ولد، كان كريم الأخلاق، لين الجانب، سخي النفس، مؤثرا للإحسان، حافظا للقرآن، محبا للعلم، منكرا للظلم، فصيح اللسان، له شعر مستحسن/ منه قوله: أذاب [حر] [١] الهوى في القلب ما جمدا ... يوما مددت على رسم الوداع يدا فكيف أسلك نهج الاصطبار [٢] وقد ... أرى طرائق في مهوى الهوى قددا قد أخلف الوعد بدر قد شغفت به ... من بعد ما قد وفي دهرا بما وعدا إن كنت أنقض عهد الحب في خلدي ... من بعد هذا فلا عاينته أبدا ولما بويع المستظهر استوزر أبا منصور ابن جهير، وقال له: الأمور مفوضة إليك والتعويل فيها عليك، فدبرها بما تراه. فقال: هذا وقت صعب، وقد اجتمعت العساكر ببغداد مع هذا السلطان الذي عندنا، ولا بد من بذل الأموال التي تستدعي إخلاصهم وطاعتهم. فقال له: الخزائن بحكمك فتصرف فيها عن غير استنجاز ولا مراجعة ولا محاسبة. فقال: ينبغي كتمان هذه الحال إلى أن يصلح نشرها، وأنا أستأذن في إطلاع ابني الموصلايا على الحال [٣] فهما كاتبا الحضرة. فقال المستظهر: قد أذن في ذلك، وفي جميع ما تراه. فخرج إلى الديوان واستدعى ابني الموصلايا وقال لهما: قد حدث حادثة عظيمة. وتفاوضوا فيما يقع عليه العمل. فركب عميد الدولة باكرا إلى السلطان بركيارق يوم السبت وهو متشجع فخلع عليه [٤] ، وعاد إلى بيت النوبة فأنهى الحال إلى المستظهر، وجرى الأمر في ذلك على أسدّ نظام إلا أن الإرجاف انتشر في هذا اليوم، ثم

стр. 5704

تكاثر في يوم الأحد، ثم زاد يوم الاثنين، فوقع الوزير إلى أرباب المناصب بالحضور، فحضر طراد بن محمد من باب البصرة في الزمرة العباسية مظهرين شعار المصيبة، وجاء/ نقيب الطالبيين المعمر على مثل ذلك في زمرة العلويّة، فضجّ الناس بالبكاء، ٦/ أثم اظهر موت المقتدى بعد ثلاثة أيام، وذلك يوم الثلاثاء ثامن عشر المحرم، فأخرج في تابوت وصلى عليه المستظهر، ولم يحضر السلطان بل حضر أعيان دولته، وأرباب المناصب، وأهل العلم مثل الغزالي، والشاشي، وابن عقيل، فبايعوه وكان المتولى لأخذ البيعة على الكل الوزير أبو منصور بن جهير. وكان المستظهر كريما فحكى أبو الحسن المخزني قال: أخرج إلينا من الدار أربع عشرة جبة طلساء قد تدنست أزياقها تزيد قيمتها على خمسمائة دينار، فسلمها إلى مطري، وظننت أن كتاب المخزن قد أثبتوها، ولم تطلب مني ولا ذكرت بها، واتصلت أشغالي ومضى على هذا حدود من ثلاث سنين، فخرج إلينا من طلب الجباب، فأنكرت الحال، وقلت: متى كان هذا وفي أي وقت؟ فذكروني الوقت ومن جاء بها، فتذكرت وما علمت إلى من سلمتها، فاستدعيت كل مطري جرت عادته بخدمة المخزن فحضروا وفيهم الذي سلمتها إليه، فتأملته وقد استحال لونه، فقلت له: أين الجباب؟ فلم ينطق، فعاودته فسكت، فأمرت بضربه فقال: أصدقك، لما أصلحت الجباب لم تلتمس مني، وبقيت سنة وعملت بعدها أعمالا كثيرة للمخزن، وما ذكرت لي فعلمت أنها قد نسيت، وكان علي دين، فبعت واحدة، ثم مضى زمان فلم تطلب فبعت أخرى، ثم أخرى، إلى أن بقي عندي منها ست جباب فبعتها جملة وجهزت ابنة لي، والله ما في يدي منها خيط [١] ، ولا من ثمنها حبة، وما لي سوى ثمن دويرة البنت والرحل الذي جهزتها به، فقلت: ويلك/، خاطرت بدمي، وعرضتني للتهمة، ودخلت على أبي القاسم بن ٦/ ب الحصين صاحب المخزن، فعرفته فتقدم بتقييده وحمله إلى الحبس، ثم طولع المستظهر بالحال، وترقب أن يتقدم بقطع يده إظهارا للسياسة، فوقع أن أمر بالجواب: كانت المقابلة لمن فرضه الحفظ إذ فرط، فالذنب للراعي إذ نعس لا للذئب إذ اختلس [٢] ، والذي انصرف فيه ثمن الثياب أنفع لأربابها منها، فليخل سبيل هذا، ولا

стр. 5705

يعرض لدار بنته ورحلها، [والله المعين] [١] . وفي ربيع الآخر: رأى بعض اليهود مناما: أنهم سيطيرون فجاء فأخبرهم فوهبوا أموالهم وذخائرهم وجعلوا ينتظرون الطيران فلم يطيروا، فصاروا ضحكة بين الأمم. وفي ثالث عشر شعبان: ولي أبو الحسن الدامغاني قضاء القضاة، ولاه الوزير عميد الدولة شفاها، وتقدم بإفاضة الخلع في الديوان، وعبر بنهر القلائين ومعه النقيبان وحجاب الديوان، وأتي محلته والفتنة قائمة فسكنت، فجلس وحكم، وولي أخاه أبا جعفر القضاء بالرصافة، وباب الطاق، ومن أعلى بغداد إلى الموصل، وغيرها من البلاد، بعد أن قبل شهادته، وكانت الفتنة بين أهل نهر طابق وأهل باب الأرحاء، فاحترقت نهر طابق وصارت تلولا، فلما احترقت نهر طابق عبر يمن وصاحب الشرطة، فقتل رجلا مستورا، فنفر الناس عنه، وعزل في اليوم الثالث من ولايتة. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٣٦٤٥- عبد الله المقتدي باللَّه، أمير المؤمنين [٢] : ٧/ أتوفي فجأة ليلة/ السبت خامس عشر محرم هذه السنة، وكان عمره ثمانيا وثلاثين سنة [٣] وثمانية أشهر وسبعة أيام، وكانت مدة خلافته تسع عشرة سنة وثمانية أشهر إلا يومين. ٣٦٤٦- خاتون [٤] : زوجة السلطان ملك شاه، تسمى تركان وهي بنت طراج، وأبوها من نسل أفراسياب ملك الفرس، وكانت حازمة حافظة شهمة، وكان معها من الأتراك إلى حين وفاتها عشرة آلاف، وقد ذكرنا كيف زمت الأمور حين وفاة السلطان وحفظت أموال السلطان فلم يذهب منها شيء، وهي صاحبة أصبهان باشرت الحروب ودبرت الجيوش وقادت العساكر، وتوفيت في رمضان هذه السنة، فانحل أمر ابنها محمود بموتها، وعقد الأمر لبركيارق بن ملك شاه.

стр. 5706

ثم دخلت سنة ثمان وثمانين واربعمائة فمن الحوادث فيها: [ورود يوسف بن أبق إلى بغداد] ورود يوسف بن أبق التركماني إلى بغداد في صفر أنفذه تاج الدولة أبو سعيد تتش بن محمد ألب أرسلان لإقامة الدعوة له، فأخرج إليه من الديوان حاجب، فلما لقيه ضربه وأراد خروج الوزير، فعلم أنه طالب مكيدة، ودخل بغداد فاستدعى سيف الدولة صدقة بن منصور وكان نافرا من تاج الدولة، ولم يغير الخطبة في بلاده لبركيارق لما غيرها الديوان فخيم سيف الدولة بباب الشعير، فرحل ابن ابق فنهب باجسرى، وقرر على شهربان ثلاثة آلاف دينار، ونهب طريق خراسان، فقال الوزير لحاجبه: قل للورامية استلأموا بسدفة- يريد ألبسوا السلاح/ في ظلمة الليل- فقال لهم ٧/ ب الحاجب: قال لكم مولانا ناموا في الصفة. فقال ورام بن أبي فراس: فكأنا برحنا من الصفة. فعاد الحاجب فقال له الوزير: ما الذي قلت؟ فأخبره، فضحك وقال: شر المصائب ما يضحك. ثم إن الخليفة ستدعى ابن أبق فدخل فقبل الأرض خارج الحلبة ونزل بدار المملكة، واستعد أهل بغداد السلاح وتحارسوا، لأنه كان عازما على نهب بغداد، فوصل أخو يوسف [١] فأخبره بقتل تاج الدولة، فانهزم قاصدا إلى حلب. وكانت الوقعة بين تاج الدولة وبركيارق يوم الأحد سابع عشر صفر سنة ثمان وثمانين بموضع بقرب الري، وكان تاج الدولة في القلب فقتل في أول من قتل.

стр. 5707

وفي يوم الجمعة تاسع عشر ربيع الأول: خطب لولي العهد أبي منصور الفضل ابن المستظهر باللَّه، ولقب عمدة الدين. [خروج الوزير عميد الدولة أبي منصور] وفي ثامن عشر ربيع الآخر: خرج الوزير عميد الدولة أبو منصور فخط السور على الحريم وقدره ومعه المساح، وتقدم بجبايات المال الذي يحتاج إليه عقارات الناس ودورهم، وأذن للعوام في الفرجة والعمل، وحمل أهل المحال السلاح والأعلام والبوقات والطبول، ومعهم المعاول والسبسلات وأنواع الملاهي من الزمور والحكايات والخيالات، فعمل أهل [باب] [١] المراتب من البواري المقيرة [٢] على صورة الفيل وتحته قوم يسيرون [٣] به، وعملوا زرافة كذلك، وأتى أهل قصر عيسى ٨/ أبسميرة/ كبيرة [٤] فيها الملاحون يجدفون وهي تجري على هاذور، وأتى أهل سوق يحيى بناعورة تدور معهم في الأسواق، وعمل أهل سوق المدرسة قلعة خشب تسير على عجل، وفيها غلمان يضربون بقسي البندق والنشاب، وأخرج قوم بئرا على عجل وفيها حائك ينسج، وكذلك السقلاطونيون، وكذلك الخبازون، جاءوا بتنور وتحته ما يسير به والخباز يخبز ويرمي الخبز إلى الناس. وكتب أبو الوفاء بن عقيل إلى الوزير ابن جهير إِحراق العوام بالشريعة في بناء السور، فكان فيه مما نقلته من خطه: لولا اعتقادي صحة البعث، وأن لنا دارا أخرى لعلى أكون فيها على حال أحمدها لما بغضت نفسي [٥] إلى مالك عصري، وعلى الله أعتمد في جميع ما أورده بعد أن أشهده أني محب متعصب، لكن إذا تقابل دين محمد ودين بني جهير فو الله ما أزن هذه بهذه، ولو كنت كذلك كافرا، فأقول: ان كان هذا الخرق الذي جرى بالشريعة عن عمد لمناصبة واضعها فما بالنا نعتقد الختمات ورواية الأحاديث، وإذا نزلت بنا الحوادث تقدمنا مجموع الختمات والدعاء عقيبها ثم بعد ذلك

стр. 5708

طبول وسواني ومخانيث وخيال وكشف عورات الرجال مع حضور النساء إسقاطا لحكم الله، وما عندي يا شرف الدين [أن فيك] [١] أن تقوم لسخطه من سخطات [٢] الله، ترى بأي وجه تلقى محمدا ﷺ ، بل لو رأيته في المنام مقطبا كان ذلك يزعجك/ في ٨/ ب يقظتك، وأي حرمة تبقى لوجوهنا وأيدينا وألسنتنا عند الله إذا وضعنا الجباه ساجدة، ثم كيف نطالب الأجناد تقبيل عتبة ولثم ترابها، ونقيم الحد في دهليز الحريم صباحا ومساء على قدح نبيذ مختلف فيه، ثم تمرح العوام في المنكر المجمع على تحريمه، هذا مضاف إلى الزنا الظاهر بباب بدر، ولبس الحرير على جميع المتعلقين والأصحاب [٣] ، يا شرف الدين اتق سخط الله فإن سخطه لا تقاومه سماء ولا أرض، [٤] فإن فسدت حالي بما قلت [٥] ، فلعل الله يلطف بي ويكفيني حوائج الطباع، ثم لا تلمنا على ملازمة [٦] البيوت والاختفاء عن العوام، لأنهم إن سألونا لم نقل إلا ما يقتضي الإعظام [٧] لهذه القبائح، والإنكار لها والنياحة على الشريعة، أترى لو جاءت معتبة من الله سبحانه في منام، أو على لسان نبي أن لو كان قد بقي للوحي نزول، أو ألقى إلى روع مسلم بإلهام، هل كانت إلا إليك، فاتق الله تقوى من علم مقدار سخطه، فقد قال: فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ ٤٣: ٥٥ [٨] وقد ملأتكم في عيونكم مدائح الشعراء، ومداجاة المتمولين بدولتكم، الأغنياء الذين خسروا الله فيكم فحسنوا لكم طرائقكم، والعاقل من عرف نفسه، ولم يغيره مدح من لا يخبرها. وفي شعبان: شهد أبو الخطاب الكلوذاني وأبو سعيد المخرمي. [جرح السلطان بركيارق] وفي رمضان جرح السلطان بركيارق، جرحه رجل سجزي كان ستريا على بابه

стр. 5709

٩/ أبعد الإفطار، فأخذ الجارح وأقر على رجلين سجزيين أنهما أعطياه مائة دينار/ ليقتله، فقتل وقررا فاعترفا، فضربا فلم يقرا على من أمرهما بذلك، [وعذّبا بأنواع العذاب فلم يذكرا من [١] وضعهما] فترك أحدهما تحت يد الفيل فقال: خلصوني حتى أقر بالحال. فلما خلى التفت إلى رفيقه فقال له: يا أخي، لا بد من هذه القتلة فلا تفضح أهل سجستان بإفشاء الأسرار، فقتلا وبعث يمن الخادم إلى السلطان مهنئا له بالسلامة. وفي ذي القعدة: خرج أبو حامد الغزالي من بغداد متوجها إلى بيت المقدس تاركا للتدريس في النظامية، زاهدا في ذلك، لابسا خشن الثياب بعد ناعمها، وناب عنه أخوه في التدريس، وعاد في السنة الثالثة من خروجه وقد صنف كتاب «الإحياء» فكان يجتمع إليه الخلق الكثير كل يوم في الرباط فيسمعونه منه، ثم حج في سنة تسعين، ثم عاد إلى بلده. وفي يوم عرفة: خلع على القاضي أبي الفرج عبد الوهاب بن هبة الله السيبي، ولقب بشرف القضاة، ورد إليه ولاية القضاء بالحريم وغيره. وفي هذه السنة: اصطلح أهل الكرخ مع بقية المحال، وتزاوروا وتواكلوا وتشاربوا، وكان هذا من العجائب. ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر ٣٦٤٧- أحمد بن الحسن بن أحمد بن خيرون، أبو الفضل الباقلاوي [٢] : ولد لثلاث بقين من جمادي الآخرة سنة ست وأربعمائة، وسمع الحديث الكثير وكتبه، وله به معرفة حسنة، روى عنه أبو بكر الخطيب، وحدثنا عنه أشياخنا، وكان من الثقات، / وشهد عند أبي عبد الله الدامغاني، ثم صار أمينا له، ثم ولي إشراف خزانة

стр. 5710

الغلات، وتوفي ضحوة يوم الخميس رابع عشر رجب هذه السنة، ودفن بمقبرة باب حرب. ٣٦٤٨- تتش بن ألب أرسلان [١] : قتل في وقعة كانت بينه وبين بركيارق ابن ملك شاه، وكان وزير تتش أبو المظفر علي بن نظام الملك، فأسر في الوقعة، وكان وزير بركيارق أبو بكر عبد الله بن نظام [٢] الملك، فأطلق له أبا المظفر فعزله بركيارق واستوزر أبا المظفر. ٣٦٤٩- حمد بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن مسهرة، أبو الفضل الحداد الأصبهاني [٣] : سمع خلقا كثيرا، وقدم بغداد في سنة خمس وثمانين، فروى «الحلية» عن أبي نعيم وغيره، وكان أكبر من أخيه أبي علي المعمر، وكان إماما فاضلا عالما، صحيح السماع، محققا في الأخذ. توفي في هذه السنة. ٣٦٥٠- رزق الله بن عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد بن الليث بن سليمان بن الأسود بن سفيان بن يزيد بن أكينة بن إبراهيم بن عبد الله [بن الهيثم بن عبد الله] [٤] : وكان عبد الله اسمه: عبد اللات، فسماه النبي ﷺ عبد الله، وعلمه وأرسله إلى اليمامة والبحرين ليعلمهم أمر دينهم، وقال: «نزع الله من صدرك وصدر ولدك الغل والغش إلى يوم القيامة» .
следующие страницы →