Полный текст (492 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المؤلف
الحمد لله الذي على منوال إرادته تنسج مقاطع الأمور، ومن ينبوع قضائه إلى لجج قدره يجري تيار الأعصار والدهور أذاق بعض بني آدم بأس بعض ليبلوهم أيهم أحسن عملاً وهو العزيز الغفور، وأرسل عليهم في القرن الثامن من الهجرة بحار فتن أقبلت كقطع الليل المظلم لم يدر أحد ما هي فإذا هي تمور أحمده حمد من كان على شفا جرف من نارها فأنقذه منها، وأشكره شكر من ورطه فيها عدله فأنجته أيادي فضله عنها وأشهد أن لا إله إلا الله الحكم العدل، الذي يقتص للمظلوم من الظالم يوم الفصل وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله الذي أرسله رحمة للعالمين وجعله رسول
стр. 2
الله وخاتم النبيين، فأخبر ﷺ عن السر المصون، ونبأ بما كان في الأزل وبما يكون إلى يوم يبعثون، واستعاذ من غلبة الدين وقهر الرجال، ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال صلى الله عليه صلاة تذكي المسك الأذفر في صدور الكتب والتواريخ، وتدني لقائلها في يوم الجزاء ثمرات الحسنات من أعلى الشماريخ وعلى آله وصحبه الذين أفاضوا سيول الفتح في الأقاليم فغمروها، وشيدوا أركان الإسلام وأثاروا الأرض بالإيمان، وعمروها بالعدل والإحسان أكثر مما عمروها وسلم تسليماً غزيراً دائماً أبداً كثيراً أما بعد فلما كان في التواريخ عبرة لمن اعتبر، وتنبيه لمن افتكر، وإعلام أن فاطن الدنيا على سفر، وإحضار لصورة حال من مضى وغبر، كيف قدر واقتدر، ونهى وأمر، وبنى وعمر، وختل وختر وغلب وقهر، وكسر وجبر، وجمع وادخر، وتكبر وفجر،، وكيف عبس وبسر، وضحك واستبشر، وتقلب في أطواره من الطفولية إلى الكبر، إلى أن قلبته أيدي العبر، واختطفته وهو آمن ما يكون مخاليب القضاء والقدر، فخالط
стр. 3
ما صفا من عيشه الكدر، وتنغص حتى ذهب عنه ما حلا ومر إن في ذلك لعبرة لمن اعتبر وتذكرة لمن ادكر وتبصرة لمن استبصر وكان من أعجب القضايا بل من أعظم البلايا، الفتنة التي يحار فيها اللبيب، ويدهش في دجى حندسها الفطن الأريب ويسفه فيها الحليم، ويذل فيها العزيز ويهان الكريم قضية تيمور، رأس الفساق، الأعرج الدجال الذي أقام الفتنة شرقاً وغرباً على ساق أقبلت الدنيا الدنية عليه فتولى وسعى في الأرض فأفسد فيها وأهلك الحرث والنسل وتيمم حين عمته النجاسة الحكمية صعيد الأرض، فغسل بسيف الطغيان كل أغر محجل فتحققت نجاسته بهذا الغسل أردت أن أذكر ما رأيته، وأقص في ذلك ما رويته إذ كانت إحدى الكبر وأم العبر والداهية التي لا يرضى القضاء في وصفها بذا القدر والله أسأل إلهام الصدق وسلوك طريق الحق إنه ولي الإجابة ومسدد سهم المرام إلى غرض الإصابة وهو حسبي ونعم الوكيل
فصل في ذكر نسبه وتدريج
استيلائه على الممالك وسببه
اسمه تيمور بتاء مكسورة مثناة فوق وياء ساكنة مثناة تحت وواو
стр. 4
ساكنة بين ميم مضمومة وراء مهملة هذه طريقة إملائه وفي التصريف زنة بنائه، لكن كرة الألفاظ الأعجمية إذا تداولها صولجان اللغة العربية خرطها في الدوران على بناء أوزانها، ودحرجها كيف شاء في ميدان لسانها، فقالوا في هذا تارة " تمور " وأخرى " تمرلنك " ولم يجر عليهم في ذلك حرج ولا ضنك وهو بالتركي الحديد ابن ترغاي بن أبغاي ومسقط رأس ذلك الغدار قرية تسمى خواجة إيلغار وهي من أعمال كش فأبعدها الله من حش وكش مدينة من مدن ما وراء النهر عن سمرقند بنحو من ثلث عشر شهر قيل رؤى ليلة ولد كأن شيئاً شبيه الخوذة تراءى طائراً في عنان الجو ثم سقط إلى فناء الدو ثم انبث على الأرض وانتشر وتطاير منه مثل الجمر والشرر، وتراكم حتى ملأ البدو والحضر وقيل لما سقط إلى الأرض ذلك السقيط كانت كفاه مملوءتين من الدم العبيط فسألوا عن أحواله الزواجر والقافة وتفحصوا عن تأويل ذلك من الكهنة وأهل العيافة فقال بعضهم يكون شرطياً وقال بعض ينشأ لصاً حرامياً، وقال قوم بل يكون قصاباً سفاكاً،
стр. 5
وقال آخرون بل يصير جلاداً بتاكاً وتظافرت هذه الأقوال، إلى أن آل أمره إلى ما آل، وكان هو وأبوه من الفدادين ومن طائفة أوشاب لا عقل لهم ولا دين، وقيل كان من الحشم الرحالة والأوباش البطالة، وكان ما وراء النهر مأواهم، وتلك الضواحي مشتاهم، وقيل كان أبوه إسكافاً فقيراً
جداً، وكان هو شاباً حديداً جلداً، ولكنه لما كان به من القلة يتجرم، وبسببه تلك الأصرام تتضرر وتتضرم ففي بعض الليالي سرق غنمة واحتملها فضربه الراعي في كتفه بسهم فأبطلها، وثنى عليه بأخرى في فخذه فأخطلها، فازداد كسراً على فقره، ولؤماً على شره، ورغبة في الفساد، وحنقاً على العباد والبلاد، وطلب له في ذلك الأضراب والنظراء، وعشا عن ذكر الرحمن فقيض له من الشياطين القرناء، مثل عباس وجاهنشعاه، وقماري وسليمان شاه، وأيدكو تيمور وجاكو وسيف الدين، نحو أربعين لا دنيا لهم ولا دين، وكان مع ضيق يده وقلة عدده وعدده، وضعف بدنه وحاله وعدم ماله ورجاله يذكر لهم أنه طالب الملك ومورد
стр. 6
ملوك الدنيا موارد الهلك، وهم في ذلك يتناقلون عنه هذا النقل وينسبونه إلى كثرة الحماقة وقلة العقل، ويدنونه منهم ويقبلون إليه ليسخروا منه ويضحكوا عليه
إن المقادير إذا ساعدت ... ألحقت العاجز بالحازم
فشرع فيما يقصده والقضاء يرشده والقدر ينشده
لا يؤيسنك من مجد تباعده ... فإن للمجد تدريجاً وترتيباً
إن القناة التي شاهدت رفعتها ... تنمو فتنبت أنبوباً فأنبوبا
وكان في بلد كش شيخ يسمى شمس الدين الفاخوري، وهو معتقد تلك البلاد وعليه لكل من قصد شيئاً من أمر الدين والدنيا والاعتماد، فذكر أن تيمور وهو فقير عاجز بين عز موهوم وذل ناجز، لم يكن له سمى ثوب قطن وأنه باعه واشترى بثمنه رأس ماعز وقصد الشيخ المشار إليه وعول فيما قصده عليه، وقد ربط بطرف حبل عنق ذلك العناق وربق عنق نفسه بالطرف الآخر من ذلك الرباق
стр. 7
وجعل يتشحط على عصى من جريد حتى دخل على ذلك الشيخ المفيد فصادفه هو والفقراء مشغولين بالذكر مستغرقين فيما هم فيه من الوجد والفكر، فلا زال قائماً حتى أفاقوا من حالهم وسكتوا عن قالهم فلما وقع نظر الشيخ عليه سارع إلى تقبيل يديه، وأكب على رجليه، فتفكر الشيخ ساعة، ثم رفع رأسه إلى الجماعة وقال كأن هذا الرجل بذل عرضه وعروضه واستمدنا في طلب مالا يساوي عند الله تعالى جناح بعوضة، فنرى أن نمده ولا نحرمه ولا نرده فأمدوه بالدعاء إسعافاً لما طلبه فأشبهت قصته قضية ثعلبة ورجع من عند الشيخ وخرج، وعرج بعدما عرج إلى ما عرج وقيل إنه كان في بعض تجرماته فضل الطريق صورة، كما ضلها معنى وسيرة، وكاد يهلك عطشاً وجوعاً، وسار على ذلك أسبوعاً فوقع في أثناء ذلك على خيل السلطان فتلقاه الجشاري باللطف والإحسان وكان تيمور ممن يعرف خصائص الخيل بسماتها ويفرق بين هجانها وهجينها بمجرد النظر إلى هيآتها، فأطلع الجشاري على ذلك منه وأخذ علم ذلك عنه وزاد فيه رغبة، وطلب منه
стр. 8
دوام الصحبة وجهزه إلى السلطان مع أفراس له طلبها منه وأخبره بفضيلته وما شاهده عنه فأنعم السلطان عليه ووصى به الجشاري ورده إليه، فلم ينشب الجشاري أن مات فتولى تيمور وظيفته ولا يزال يترقى عند السلطان حتى تزوج شقيقته ثم أن غاضبها في بعض مكافحاته ومقاله فعيرته بما كان عليه من أول أمره وحاله فسل السيف ونحاها على أنها تفر من بين يديه فلم تكترث به ولم تلتفت إليه فضربها ضربة أزهق بها نفسها وأسكنها رمسها ثم لم يسعه إلا الخروج والعصيان والتمرد والطغيان إلى أن كان من أمره ما كان وكان السلطان اسمه حسين، وهو من بيت الملك ونافذ الكلمتين، وتخت ملكه مدينة بلخ وهي من أقصى بلاد خراسان، ولكن كانت بحار أوامره جارية في ممالك ما وراء النهر إلى أطراف تركستان وقيل كان أبوه أمير مائة عند السلطان المذكور، وهو بالجلادة والشهامة بين أضرابه مشهور ويمكن الجمع بين هذه الأقاويل باعتبار اختلاف الزمان وتنقل الأحوال والحدثان والأصح أن أباه ترغاي المذكور كان
стр. 9
أحد أركان دولة السلطان ورأيت في ذلك تاريخ فارسي يدعى " المنتخب " وهو من بدء الدنيا إلى زمان تيمور وهو شيء عجب، نسباً يتصل منه تيمور إلى جنكيز خان من جهة النساء حبائل الشيطان ولما استولى تيمور على ما وراء النهر وفاق الأقران، تزوج بنات الملوك فزادوه في ألقابه كوركان، وهو بلغة الموغول الختن لكونه صاهر الملوك وصار له في بيتهم حركة وسكن وكان للسلطان المذكور من الوزراء أربعة عليهم مدار المضرة والمنفعة هم أعيان الممالك، وبرأيهم يقتدي السالك
والترك لهم قبائل وشعب، تكاد توازي قبائل العرب، وكل واحد من هؤلاء الوزراء كان من قبيلة لسراج آرائه في بيوت تعميرها فتيلة طويلة، قبيلة أحدهم تسمى ارلات، وقبيلة الثاني تدعى جلائر، وقبيلة الثالث يقال لها قاوجين، وقبيلة الرابع اسمها برلاس، وكان تيمور ابن رابعهم في الناس فنشأ شاباً لبيباً، مصراعاً هماماً حازماً؟ جلداً أريباً، وكان يصاحب نظراءه من أولاد الوزراء ويعاشر أضرابه من فتيان الأمراء، إلى أن قال لهم في بعض الليالي وقد اجتمعوا
стр. 10
في مكان خال وأخذت منهم العشرة والنشاط وارتفعت أستار الأسرار وامتد للبسط بساط أن جدتي فلانة وكانت من ذوي العيافة والكهانة رأت مناماً ما ذاقت منه أحلاماً وعبرته بأنه يظهر لها من الأولاد والأحفاد من يدوخ البلاد ويملك العباد ويكون صاحب القران ويذل له ملوك الزمان، وذاك هو أنا وقد قرب الوقت ودنا، فعاهدوني أن تكونوا لي ظهراً وعضداً وجناحاً ويداً وأن لا تستحيلوا عني أبداً، فأجابوه إلى ما دعاهم إليه وتقاسموا أن يكونوا في السراء والضراء معه لا عليه، ولم يزالوا يتجاذبون أطراف هذا الكلام في كل مقام ويتفاوضون فيض غدير هذا الغدر من غير احتشام واكتتام حتى آنس برقه قاطن كل مصر وشام وخاض في حديثه كل قديم هجره من خاص وعام وشعر به السلطان وعلم أن خلافه في دوح المملكة بان فأراد أن يرد كيده في نحره ويريح الدنيا من شره والعباد والبلاد من عاره وعره ويعمل بموجب ما قيل
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم
стр. 11
فأخبره بذلك بعض الناصحين فخرج وهوى إلى حضيض العصيان وهو سالم فعرج ويمكن أنه في بعض هذه الأوقات وأثناء هذه الحالات توجه إلى الشيخ شمس الدين المشار إليه واستمده كما ذكر فيما عول عليه فإنه كان يقول جميع ما نلته من السلطنة وفتحته من مستغلقات الأمكنة، إنما كان بدعوة الشيخ شمس الدين الفاخوري وهمة الشيخ زين الدين الخوافي، وما لقيت بركة إلا بالسيد بركة وسيأتي ذكر زين الدين وبركة ثم قال تيمور ما فتحت أبواب السعادة والدولة علي ولا ضحكت عروس فتوحات الدنيا إلا من سهام سجستان ومن حين أصابني ذلك النقصان أنا في ازدياد إلى هذا الأوان والظاهر أن بدو أمره وخروجه في تلك الفئة كان فيما بين الستين والسبعين والسبعمائة وقال لي شيخي الإمام العالم العامل الكامل المكمل الفاضل فريد الدهر وحيد العصر علامة الورى أستاذ الدنيا علاء الدين شيخ المحققين والمدققين قطب الزمان مرشد الدوران أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد البخاري نزيل دمشق أدام الله تعالى أيام حياته، وأمد الإسلام والمسلمي
стр. 12
ن بميامن بركاته في شهور سنة ست وثلاثين وثمانمائة أن تيمور قتل السلطان حسيناً المذكور في شعبان سنة إحدى وسبعين سبعمائة ومن ذلك الوقت استقل بالملك وكانت وفاته في شعبان سنة سبع وثمانمائة على ما سيأتي فمدة استيلائه مستقلاً ست وثلاثون سنة وذلك خارجاً عن مدة خروجه وتجرمه إلى حين استيلائه ولما خرج صار هو ورفقاؤه، يتجرمون في بلاد ما وراء النهر ويعاملون الناس بالعدوان والقهر فتحرك لدفعهم كل ظاعن وساكن وضيقوا عليهم تلك المغاني والأماكن فقطعوا جيحون وصفر منهم ذلك المكان فاشتغلوا بالتجرم في بلاد خراسان، خصوصاً في ضواحي سجستان ولا تسأل عما أفسد في فدافد خراسان ومفاوز باورد وماخان فذهب بعض الليالي وقد أضر بهم السغب واشتعل فيهم من الجوع اللهب فدخل حائطاً من حوائط سجستان قد أوى إليه بعض رعاء الضأن، فاحتمل منها رأساً وأدبر فشعر به الراعي وأبصر فأتبعه للحين للحين وضربه بسهمين أصاب بأحدهما فخذه وبالآخر كتفه فلله دره ساعدا إذ أبطل بهذا الضرب الموزون نصفه ثم أدركه واحتمله، وإلى سلطان هراة المسمى بملك
стр. 13
حسين أوصله فبعد ضربه أمر بصلبه، وكان للسلطان ابن رأيه غير متين يدعى ملك غياث الدين، فشفع فيه واستوهبه من أبيه فقال له أبوه إنه لم يصدر عنك ما يدل على صلاحك ويسفر عن نجابتك وفلاحك، وهذا جغتائي حرامي مادة الفساد لئن أبقى ليهلكن العباد والبلاد
فقال ابنه وما عسى أن يصدر من نصف آدمي وقد أصيب بالدواهي ورمى، ولا شك أن أجله قد اقترب فلا تكونن في موته السبب، فوهبه إياه فوكل به من داواه إلى أن اندمل جرحه وبرئ قرحه، فكان في خدمة ابن سلطان هراة من أعقل الخدم وأضبط الكفاة، فتوفرت عنده حرمته وارتفعت درجته وسمعت كلمته، فعصى من نواب السلطان نائبه المتولي على سجستان، فاستدعى تيمور أن يتوجه إليه فأجابه إلى ذلك وعول عليه وأضاف إليه طائفة من الأعوان، فوصل إلى سجستان وقبض على نائبها المتمادي في العصيان واستخلص أموال تلك البلاد، وأخذ من أطاعه من الأجناد، وتلا آية العصيان بالجهر، وارتحل بمن معه إلى ما وراء النهر وقيل
стр. 14
بل كان في خدمة ابن السلطان إلى أن ودع أبوه الحياة وانتقل، واستقر ولده في الملك واستقل فعند ذلك هرب تيمور إلى ما وراء النهر وقد قوي منه الرأس والظهر وكان إذ ذاك قد اجتمع عليه رفقاؤه وانحاز إليه أصحابه المتجرمون وعشراؤه فأرسل غياث الدين الطلب وراءهم وقصد أن يكفي المسلمين شرهم وعناءهم وهيهات فقد كان سبق العذل السيف وضيع اللبن في الصيف
ذكر عبوره جيحون على فترة
وما أجرى من عبرات بهذه العبرة
فوصل تيمور وجماعته إلى جيحون وكان إذ ذاك مثلهم طاغياً ولم يمكنهم التواني لأن الطلب كان شبيههم باغياً فقال تيمور لأصحابه النجاء النجاء ليتعلق كل منكم بعنان فرسه ومعرفته وليلق نفسه في الماء وتواعدوا إلى مكان، وقال توجهوا من غير توان فمن لم يأت الموعد يعلم أنه قد فقد فتهافتوا هم وخيولهم في ذلك الماء العجاج والتيار الزخار والأمواج تهافت الفراش على السراج ولم يعلم واحد منهم حال الآخر، ولا اطلع من تقدم منهم على أمر
стр. 15
من تأخر، وكابدوا أحوال الموت وشاهدوا أهوال الفوت، فنجوا ولم ينقص منهم واحد، واجتمعوا إلى ذلك الموعد، وذلك بعد أن أمنت منهم البلاد، واطمأن في مسالكها كل رائح وغاد، فجعلوا يتجسسون الأخبار، ويتتبعون الآثار، ويحاربون الله ورسوله، ويؤذون عباده ويقطعون سبيله، ولم يزل على ذلك يجري ويمشي إلى أن وصل مدينة قرشي
ذكر ما جرى من خبطه في دخوله إلى قرشي
وخلاصه من تلك الورطة
فقال يوماً لأصحابه، وقد أضر به الدهر وأضرى به، وأخصب منهم ربع الفساد وأعشب أن بالقرب منا مدينة نخشب مدينة أبي تراب النخشبي رحمة الله عليه، مدينة مصونة، مسورة مكنونة لئن ظفرنا بها لتكونن لنا ظهراً وملاذاً وملجأ ومعاذا، وإن حاكمها موسى لو حصلناه وأخذنا ماله وقتلناه، لتقوينا بما له من خيول وعدة، ولحصل لنا الفرج بعد الشدة، وأنا أعلم لها من ممر الماء درباً هين الوصول واسعاً رحباً فشمروا ذيلهم وتركوا في مكان خيلهم واستعملوا في نيل مرادهم ليلهم ودخلوا حبس
стр. 16
المدينة وقصدوا بيت الأمير، ورفعوا أيديهم فصادفوا يدهم والحصير وكان الأمير في البستان خارج البلد، فأخذوا ما وجدوا له من أسلحة وعدد وركبوا خيله، وقتلوا من وجدوا من الأكابر غيلة، فاجتمع عليهم أهل البلد وأرسلوا إلى الأمير فأدركهم بالمدد، فتراكم عليهم البلاء باطناً وظاهراً فلم يجدوا لهم سوى الاستسلام ناصرا فقال له أصحابه لقد ألقينا بأنفسنا إلى حقيقة الهلاك من هذا المجاز فقال لا عليكم ففي مثل هذه المواطن يمتحن الرجل ويراز، فأجمعوا كيدكم ثم إئتوا صفاً واندفعوا نحو باب المدينة يداً واحدة زحفاً، حاطمين على العدو، من غير توان ولا هدو، فإني أظن أنه لا يثبت لكم شيء، ولا يقف أمامكم حي، فامتثلوا أمره ورفعوا الصوت، وقصدوا الباب خائضين غمار الموت، وهجموا على العساكر هجوم الليث واندفقوا ولا اندفاق الغيث، ففتح لهم عند فتح الباب، لأمر يريده مسبب الأسباب فلم يلو أمامهم أحد على أحد ولا نفعه ما هو فيه من العدد والعدد ثم انثنوا إلى مكانهم سالمين ولم يزالوا على ذلك عائثين عابثين
стр. 17
واجتمع عليهم أصحابهم، وانحاز إليهم في الفساد أضرابهم، فصاروا نحو من ثلاثمائة، ولمن يتحيز إليهم من أهل الشر فئة فأرسل السلطان إليهم عسكراً غير مكترث بهم فكسروه، واستولوا على حصن من الحصون فجعلوه معقلاً لكل ما ادخروه
قلت لا تحقرن شأن العدو وكيده ... فلربما صرع الأسود الثعلب
وقيل إن البعوضة تدمي مقلة الأسد وقيل ولربما قمرت بالبيدق الشاه
ذكر من استرقه ذلك الجاف واستعبده
من أحرار ملوك الأطراف
وأرسل تيمور إلى ولاة بلخشان، وكانت الولاية بها لأخوين وهما بها مستقلان تلقيا ذلك عن أبيهما وكان السلطان نزعها من أيديهما ثم أقرهما فيه على أن يكونا من تحت أمره، واسترهن أولادهما عنده، فصارا أسيري قهره، فلما راسلهما تيمور على طاعته أجاباه ودخلا تحت كلمته
ذكر نهوض المغل على السلطان
وكيف تضعضعت منه الأركان
ثم إن الموغول نهضت من جهة " الشرق " على السلطان حسن فاستعد لهم
стр. 18
وقطع جيحون، ووقع الحرب بين الجهتين، فانكسر السلطان فراسلهم أيضاً ذلك الجان واسم حاكمهم قمر الدين خان فأجابوه مراده واقتفوا ما أراده وسلطوه على السلطان ليستخلص من يده البلاد وواعدوه بمصاهرتهم وأمدوه بمظاهرتهم ورجعوا إلى بلادهم وقد أسلموه زمام قيادهم، فقويت بذلك شوكته وسكنت القلوب هيبته فلم يسع السلطان إلى بذل الجهد والامكان في إطفاء ثائرته وقطع دابرته فجعله نصب عينيه وتوجه بنفسه إليه، بعسكر جرار كالبحر الزخار حتى انتهى إلى مكان يسمى قاغلغا وهو صدفان بينهما مضيق هو الجادة العظمى والطريق، يسير المار في ذلك مقدار ساعة وفي وسط الدرب باب إذا أغلق وأحمى فلا شيء مثله في المناعة، وحواليه جبال كل منها عرنينه قد شمخ وقدمه قد غاص ثبوتاً ورسخ فصح أن يقال فيه أنف في السماء واست في الماء فأخذ العسكر فم ذلك الدربند من جهة سمرقند وتيمور على الجانب الآخر وهو كالمضايق والمحاصر
стр. 19
ذكر الحيلة التي صنعها
والخديعة التي ابتدعها
فقال تيمور لأصحابه إني أعرف هنا جادة خفية مسالكها أبية لا تطؤها الخطا ولا يهتدي إليها القطا، فهلم نسري ليلنا ونقود في المسرى خيلنا فنصبحهم من ورائهم وهم آمنون، فإن أدركناهم ليلاً فنحن الفائزون فأجابوه إلى ذلك وشرعوا في قطع تلك الوعور والمسالك، وساروا ليلهم أجمع وبلغ الفجر المطلع فأدركهم الصباح ولم يدركوا الجيش، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت وتنكد لهم العيش ولم يمكنهم الرجوع وأذنت الشمس بالطلوع، فوصلوا إلى العسكر وقد أخذ في التحميل وعزم على الرحيل فقال أصحابه بئس الرأي فعلنا في قبضة العدو حصلنا، لقد وقعنا في الأشراك وألقينا بأيدينا أنفسنا إلى الهلاك فقال تيمور لا ضرر، توجهوا نحو العسكر وانزلوا بمرأى منهم على خيلكم واتركوها ترعى، واقضوا من ورد النوم والراحة ما فاتكم في ليلكم، فتراموا عن خيلهم كأنهم صرعى وتركوا خيولهم ترعى
وإذا السلامة أحرستك عيونها ... نم في المخاوف كلهن أمان
стр. 20
واصطد بها العنقاء فهي حبائل ... واقتد بها الجوزاء فهي عنان
فجعل العسكر يمر بهم ويخال أنه منم حزبهم حتى إذا استراحوا ركبوا خيولهم وصاحوا ووضعوا السيف في أعدائهم راكبين أكتافهم من ورائهم، فقتلوهم قتلاً ذريعاً وغادروهم جريحاً وصريعاً، وعم الخطب المدلهم ولم يعلم أحد البلاء كيف دهم واتصل الخبر بالسلطان وقد خرج التلافي عن حيز الإمكان، فهرب إلى بلخ وقد سلخ من المملكة إي سلخ وشرع تيمور في النهب والغارات والسلب ثم ضبط الأثقال وجمع الأموال ولم رعاع الناس والمداره وأطاعوه وهم ما بين راض وكاره واستولى على ممالك ما وراء النهر وتسلط على العباد بالغلبة والقهر، وأخذ في ترتيب الجنود والعساكر واستخلاص الحصون والدساكر وكان نائب سمرقند وأحد الأركان شخصاً يدعى علي شير من جهة السلطان، فكاتبه تيمور على أن تكون الممالك بينهما نصفين ويكون معه على السلطان حسين فرضي علي شير بذلك وقاسمه الولايات والممالك، وتوجه إليه وتمثل بين يديه، فزاد في إكرامه
стр. 21
وبالغ في احترامه
ذكر توجهه إلى بلخشان
واستنصاره بمن فيها على السلطان
ثم إنه ترك على شير بعدما ركن إليه وقصد بلخشان، فاستقبله ملكاها وتمثلا بين يديه وأتحفاه بالهدايا والخدم وأمداه بالجيوش والحشم، فسار وهما معه من بلخشان قاصدين بلخ لمحاربة السلطان، فتحصن منهم، فأحاطوا به من كل مكان، فأخرج أولادهما الذين كانوا عنده في الرهان فضرب أعناقهم بمرأى من أبويهم، ولم يرق لهم ولا من عليهم
ثم إنه ضعف حاله وقل عنه خيله ورجاله، فنزل مستسلماً للقضاء والقدر راضياً بما ذهب في قضاء الله بما حلا ومر، فقبض عليه تيمور وضبط الأمور ثم رد أميري بلخشان إليها مكرمين وتوجه إلى سمرقند ومعه السلطان حسين وذلك في شعبان سنة إحدى وسبعين، بعدما خلا من الهجرة سبعمائة سنين ووصل إلى سمرقند واتخذها دار ملكه، وشرع في تمهيد قواعد الملك ونظمها في نطام سياسته وسلكه، ثم إنه قتل السلطان وأقام من جهته شخصاً يدعى سيورغاتمش من
стр. 22
ذرية جنكيز خان وقبيلة جنكيز خان هم المتفردون باسم الخان والسلطان لأنهم قريش الترك، لا يقدر أحد أن يتقدم عليهم ولا تمكن أحد من انتزاع ذلك الشرف من يديهم ولو قدر أحد على ذلك لكان تيمور الذي استخلص الممالك وسلك المسالك فرفع سيورغاتمش دفعاً للمطاعن وقطعاً للسان سنا كل طاعن وإنما لقب تيمور الأمير الكبير، وإن كان في أسره كل آمر منهم ومأمور والخان في أسره كالحمار في الطين وشبيه الخلفاء بالنسبة في هذا الزمان إلى السلاطين واستمر علي شير نائباً في سمرقند فكان يكرمه ويستشيره في أموره ويقدمه
ذكر وثوب توقتاميش خان سلطان
الدشت وتركستان
ثم إن توقتاميش خان سلطان الدشت والتتار لما رأى ما جرى بين تيمور والسلطان حسين فار دم قلبه وغار، وذلك لعله النسب والجوار وهيأ العسكر الجرار والجيش الزخار وتوجه إلى مصاف تيمور من جهة سغناق وانزار، فخرج إليه تيمور من سمرقند، وتلاقيا بأطراف تركستان قريباً من نهر خجند وهو نهر سيحون وسمرقند
стр. 23
بين نهري سيحون وجيحون فقامت بين العسكرين سوق المحاربة ولم ينفق بينهم سوى معاملات المضاربة، ولا زالت رحى الحرب تدور إلى أن انطحن عسكر تيمور، فبينا عسكره قد فل وعقد جنوده انحل وإذا برجل يقال له السيد بركة قد أقبل فقال له تيمور وهو في غاية الضرر يا سيدي السيد جيشي انكسر، فقال له السيد لا تخف ثم نزل السيد عن فرسه ووقف وأخذ كفا من الحصباء وركب فرسه الشهباء ونفخها في وجه عدوهم المردي وصاح بقوله " ياغي قاجدي " فصرخ بها تيمور تابعاً ذلك الشيخ النجدي وكان عباسي الصوت فكأنه دعى الإبل الظمأى بجوت جوت فعطفت عساكره عطفة البقر على أولادها، وأخذت في المجالدة مع أضدادها وأندادها ولم يبق في عسكره من جذع ولا قارح إلا وهو بقوله " ياغي قاجدي " صائح، ثم إنهم كروا كرة واحدة بهمة متعاقدة ونهمة متعاضدة فرجع جيش توقتاميش منهزمين وولوا على أعقابهم مدبرين، فوضع عسكر تيمور فيهم السيوف وسقوهم بهذا الفتوح كاسات الحتوف وغنموا الأموال والمواشي وأسروا أوساط الرؤوس والحواشي
стр. 24
ثم رجع تيمور إلى سمرقند وقد ضبط أمور تركستان وبلاد نهر خجند وعظم لديه السيد بركة وحكمه في جميع ما استولى عليه وملكه وهذا السيد اختلف القول فيه فمن قائل إنه كان مغربياً بمصر حجاما فذهب إلى سمرقند وتسيد بها وعلا قدره وتسامى، ومن قائل أنه كان من أهل المدينة الشريفة، ومنهم من يقول إنه من أهل مكة المنيفة، وعلى كل حال فإنه كان من أكبر الأعيان في بلاد ما وراء النهر وخراسان، ولا سيما وقد أمد تيمور بهذه النجدة وخلصه بهذه اللطيفة المصادفة للقضاء والقدر في هذه الشدة، فقال تيمور تمن علي واحتكم لدي، فقال له يا مولانا الأمير إن أوقاف الحرمين الشريفين في الأقاليم كثير ومن جملة ذلك " اندخوى " من ممالك خراسان، وأنا وأولادي من جملة مستحقي ذلك الإحسان وإذا أقيم أصل ذلك وخصمه وعلم قضمه وخضمه وضبطت أوقافه ومصارف ذلك وصرافه، ما كانت حصتي وحصة أولادي أقل من هذه القصبة في هذا الوادي فاقطعني إياها، فأقطعه إياها مع مضافاتها وأعمالها وقراها، وهي إلى الآن في يد أولاده
стр. 25
وأسباطه وأحفاده
ذكر علي شير مع تيمور وما وقع بينهما
من المخالفة والشرور
ثم إن تيمور وقع بينه وبين علي شير مخالفة، وانحاز إلى كل منهما طائفة فاغتاله تيمور وختله، ثم قبض عليه وقتله، فصفت الولايات والممالك لتيمور بعض الصفا، وهرول إلى طاعته من الناس كل وجه ورأس كانافي التأبي وقفا
ذكر ما جرى لدعار سمرقند والشطار مع تيمور
وكيف أحلهم دار البوار
وكان في سمرقند طائفة من الدعار كثيرون وهم أنواع، فمنهم مصارعون ومنافقون وملاكمون ومعالجون، وهم فيها بينهم فرقتان كالقيس واليمن والعداوة والمقاتلة بينهم قائمة على مر الزمن، ولكل طائفة منها رؤس وظهور وأعضا وضروس وكان تيمور مع أبهته يخافهم لما كان يظهر له عنادهم وخلافهم فكان إذا قصد جانبا أقام له في سمرقند نائبا فإذا بعد عن المدينة خرج من تلك الجماعة طائفة فخلعوا النائب أو خرجوا مع النائب وأظهروا المخالفة فما يرجع تيمور إلا وقد انفرط نظامه
стр. 26
وتخبطت أموره وتشوش مقامه فيحتاج إلى تجديد تمهيد وتخريب وتشييد فيقتل ويعزل ويعطي ويجزل ثم يتوجه لتمهيد ممالكه وتوطيد مسالكه فيعودون إلى عكرهم ويثوبون إلى خلتهم ومكرهم، وتكررت هذه القضية نحواً من تسع مرار فضاق تيمور ذرعاً بالأشرار والدعار فأعمل الحيلة في اغتيالهم، وكف أذاهم واستئصالهم، فصنع سورا ودعا إليه الخلائق كبيرا وصغيرا وصنف الناس أصنافاً، وجعل كل ذي عمل إلى عامله مضافا وميز أولئك الدعار مع رؤسائهم على حدة، وفعل معهم ما فعله أنوشروان بن كيقباد بالملاحدة، وأرصد له في أحد الأطراف أنصارا وقرر معهم أن كل من أرسله إليهم يولونه دمارا، ويكون إرساله إليهم على قتله شعارا، ثم إنه جعل يدعو رؤس الناس ويسقيهم بيده الكاس ويخلع عليهم أفخر اللباس، وإذا أفضت النوبة من أولئك الدعار إلى أحد سقاه كأسه وخلع عليه وأشار أن يتوجه به إلى نحو الرصد، فإذا وصل إليهم خلعوا عنه خلعته بل وثوب الحياة فهتكوه وسكبوا عسجد قالبه في بوتقة الفناء فسبكوه
стр. 27
إلى أن أتى على آخرهم واستوفى بذلك قطع دابرهم، ومحا آثارهم، وأطفأ نارهم، فصفت له المشارع وخلا ملكه من مجاذب ومنازع ولم يبق له فيما وراء النهر ممانع ولا مدافع
فصل في تفصيل ممالك سمرقند
وما بين نهري بلخشان وخجند
فمن ذلك سمرقند وولاياتها وهي سبعة تومانات واندكان وجهاتها وهي تسعة تومانات والتومان عبارة عما يخرج عشرة آلاف مقاتل وفيما وراء النهر من المدن المشهورة والأماكن المعتبرة المذكورة سمرقند ومسورها قديماً على ما زعموا اثنا عشر فرسخاً وكان ذلك على عهد السلطان جلال الدين قبل جنكيز خان ورأيت حد مسورها من جهة الغرب قصبة بناها تيمور وسماها دمشق ومسافتها عن سمرقند نحو من نصف يوم والناس إلى الآن يحفرون سمرقند العتيقة ويخرجون دراهم وفلوساً سكتها بالخط الكوفي فيسبكون الفلوس ويخرجون منها فضة ومن مدن ما وراء النهر مرغينان وهي التخت التي كانت قديما وبها كان إيلك حان ومنها خرج الشيخ الجليل العلامة برهان الدين المرغيناني
стр. 28
صاحب الهداية ﵀، وخنجند وهي على ساحل سيحون، وترمذ وهي على ساحل جيحون ونخشب وهي قرشي المذكورة، وكش، وبخارى وأندكان وهي أماكن مشهورة وغير ذلك ومن الولايات بلخشان، وممالك خوارزم، وإقليم صغانيان، إلى غير ذلك من الأطراف الواسعة والأكناف الشاسعة وفي عرفهم ما وراء النهر إلى جهة الشرق توران وما كان في هذا الطرف إلى جهة الغرب إيران ولما اقتسم كيكاوس وافراسياب البلاد كانت توران لافراسياب، وإيران لكيكاوس بن كيقباد، وعراق هو معرب إيران
فصل
في " ذكر ابتداء ما فعله من التسلط بالقهر بعد استصفائه ممالك ما وراء النهر ولما صفت له ممالك ما وراء النهر وذلت لأوامره جوامح الدهر، شرع في استخلاص البلاد واسترقاق العباد وجعل ينسج بأنامل الحيل الأشراك، والأوهاق، ليصطاد بذلك ملوك الأقاليم وسلاطين الآفاق فأول من صاهر المغول وصافاهم وهادنهم وهاداهم وتزوج ببنت قمر الدين ملكهم، وصار آمناً من تبعتهم ودركهم، وهم جيرانه من جهة الشرق ولا تباين بينه وبينهم ولا فرق،
стр. 29
إذ العلة وهي الجنسية والمصاهرة والمجاورة حاصلة للجهتين، والملة هي التوراة الجنكيز خانية ممشاة في كلتا الدولتين، فأمن شرهم وكفي كيدهم وضرهم
ذكر تصميمه العزم وقصده جمع الأطراف
وأولاً ممالك خوارزم
فحين أمن مكرهم وسد بالمصالحة ثغرهم صمم العزم على التوجه إلى ممالك خوارزم وهم مجاوره غرباً بشام ومباينوه بتمشية قواعد الإسلام وتختهم مدينة جرجان وهي من أعظم البلدان وهذه المملكة ذات مدن عظيمة وولايات جسيمة، تختها مجمع الفضلاء ومحط رحال العلماء ومقر الظرفاء والشعراء ومورد الأدباء والكبراء ومعدن جبال الاعتزال وينبوع بحار أهل التحقيق من أرباب الهدى والضلال، نعمها كثيرة وخيراتها غزيرة، ووجوه فضائلها مستنيرة، واسم سلطانها حسين صوفي وهو من الاعتقادات الباطلة قد عوفي، ومدن ما وراء النهر وضع بعضها قريب من بعض لأنها كلها مبنية باللبن والآجر على الأرض وأهل خوارزم كأهل سمرقند في اللطافة وأفضل من أهل سمرقند
стр. 30
في الحشمة والظرافة يتعانون المشاعرة والأدب، ولهم في فنون الفضل، والمحاسن أشياء عجب، خصوصاً في معرفة الموسيقى والأنغام، ويشترك في ذلك منهم الخاص والعام، ومما هو مشهور عنهم أن الطفل في المهد منهم إذا بكى أو قال آه فإن ذلك يكون في شعبة دوكاه فلما وصل تيمور إلى خوارزم كان حسين صوفي غائباً عنها، فنهب حواليها وما وصلت يده إليه منها ولم يقدر عليها، فلم يكترث بها ولا التفت إليها، ثم لم أطراف حاشيته وعاد إلى مملكته
ذكر عوده ثانياً إلى خوارزم
ثم إنه شد حزام الحزم وكر ثانياً إلى خوارزم باستعداد تام وجيش طام وكان سلطانها أيضاً غائبا وأقام لجميلة بكرها خاطبا، فحاصرها وضاجرها وشدد على أعناق مسالكها التلابيب وكاد أن يتشبث بأذيالها منه المخاليب فخرج إليه رجل من أعيانها وكان تاجرا وله قدم صدق عند سلطانها يقال له حسن سوريج، والتمس أن يرفع عنهم ذلك الأمر المريج وأن يبذل له
стр. 31
ما طلب في مقابلة ما يريد من أسر وسلب فطلب منه حمل مائتي بغل فضة، ترفع إلى خزائنه نضة فلم يزل يراجعه ويلاطفه ويمانعه حتى صالحه على ربع سؤاله وأقام المصالح بذلك من ماله وصلب حاله، ووزن له ذلك في الحال وأخذ تيمور في الترحال وكف عن الأذى شياطين جنده وعزم على التوجه إلى سمرقنده
ذكر مراسلته ملك غياث الدين سلطان
هراة الذي خلصه من الصلب وراود فيه أباه
ثم إنه راسل سلطان هراة ملك غياث الدين الذي كان مغيثه عملاً بقوله كتب الله على كل نفس خبيثة وطلب منه الدخول في ربقة الطاعة وحمل الخدم والتقادم إليه بحسب الاستطاعة وإلا قصد دياره وبلغه دماره فأرسل ملك غياث الدين يقول صحبة الرسول أما كنت خادماً لي وأحسنت إليك وأسبلت ذيل إحساني ونعمتي عليك؟ فختلت وقتلت وفتكت وفتلت وفعلت فعلتك التي فعلت، وذلك بعد أن نجيتك من الضرب والصلب، فإن لم تكن إنساناً تعرف الإحسان فكن كالكلب فعبر جيحون وتوجه إليه فلم يكن لغياث
стр. 32
الدين قوة الوقوف بين يديه، فأرسل إلى حشمه وسكان قراه فاجتمعوا هم ومواشيهم حول هراة وحفر خندقاً حول البساتين، محيطاً بالرعاع وضعفة المساكين، وحصر نفسه في القلعة، وحسب أن يكون له بذلك منعة، وذلك لركاكة رأيه أولا وآخراً وجمود قريحته وقلة عقله وانعكاس فكره ودولته قلت
من لم يصادف سعده تقديره ... يخطفه في تدبيره تدميره
فلم يكترث تيمور له بقتال وحصار، ولكن أحاطت به العساكر دائراً ما دار ومكث تيمور في الأمن والدعة، وعدوه في الضيق بعد السعة، فاضطربت الرؤوس والحواشي ومارت الأنعام والمواشي، وغص البلد بالزحام، وهلكت الخواص والعوام، وأضناهم " الوصب وأنضاهم " السغب وعلاهم الصراخ والصخب فأرسل إليه السلطان يطلب منه الأمان وعلم أنه اختنق بسببه وأنه أعانه أولاً فبلي به فذكره سابقة العرفان وما أسداه إليه من إحسان، وطلب منه تأكيد الأمان بالأيمان فحلف له تيمور فحلف له تيمور أنه يحفظ له الذمام القديم وأن لا يراق له دم ولا يمزق له أديم فخرج إليه ودخل عليه وتمثل بين
стр. 33
يديه فدخل تيمور إلى المدينة وصعد إلى قلعتها الحصينة وصحبته السلطان، وقد أحاطت به جنود هراة والأعوان فأشار واحد من أبطال صاحب هراة على السلطان أن يقتل تيمور ويجعل نفسه فداه وقال له ما معناه أنا أفدي المسلمين بنفسي ومالي وأقتل هذا الأعرج ولا أبالي، فلم يجبه إلى إشارته واستسلم لقضاء الله تعالى وإرادته وقال إن لله تعالى تصريفاً في عباده ولا بد أن ينفذ فيهم سهم مراده ولا مفر من القضا ولا محيد عما قدر الله وقضى
وإذا أتاك من الأمور مقدر ... وفررت منه فنحوه تتوجه
وهذا سر لا بد من ظهوره فلا تبحث عن حقيقة أموره فمن غالب القضاء غلب ومن ناهب الزمان سلب، ومن قاوى تيار المقدور غرق ومن استلذ بالغفلة في مشارب اللهو شرق، وذكر عند ذلك الوقت مقالة أبيه له واطلع على تحقيقه ولكن السهم خرج فما أمكن رده إلى فوقه
ذكر اجتماع ذلك الجافي بالشيخ
زين الدين أبي بكر الخوافي وكان في بعض قدماته خراسان سمع أن في قصبة خواف رجلاً قد
стр. 34
منحه الله تعالى الألطاف، عالماً عاملا كبيراً، فاضلا ذا كرامات ظاهرة وولايات باهرة وكلمات زاهرة ومقاومات طاهرة ومكاشفات صادقة ومعاملات مع الله تعالى بالصدق ناطقة، يدعى الشيخ زين الدين أبا بكر، الطائر اجتهاده في حظيرة القدس أعلى وكر فقصد تيمور رؤيته وتوجه إليه وجماعته فقالوا للشيخ إن تيمور قادم عليك وواصل إليك يقصد رؤيتك ويرجو بركتك، فلم يفه الشيخ بلفظة ولا رفع لذلك لحظه فوصل تيمور إليه ونزل عن فرسه ودخل عليه، والشيخ مشغول بحاله على عادته، جالس في فكره على سجادته، فلما انتهى إليه قام الشيخ فاحدودب تيمور منكباً على رجليه، فوضع الشيخ على ظهره يديه، قال تيمور لولا أن الشيخ رفع يديه عن ظهري بسرعة لخلته انرض ولقد تصورت أن السماء وقعت على الأرض وأنا بينهما رضضت أشد رض ثم إنه جلس بين يدي ذلك المنتخب على ركبتي الأدب، وقال له بالملاطفة في المحاورة على سبيل الاستفهام لا المناظرة يا سيدي الشيخ لم لا تأمرون ملوككم بالعدل والإنصاف وأن لا يميلوا
стр. 35
إلى الجور والاعتساف؟ فقال له الشيخ أمرناهم وتقدمنا بذلك إليهم فلما يأتمروا فسلطانك عليهم فخرج من فوره من عند الشيخ وقد قامت منه الحدبة وقال ملكت الدنيا ورب الكعبة، وهذا الشيخ هو الموعود بذكره، ثم إن تيمور قبض على ملك هراة واحتاط على ما ملكت يداه وضبط ولاياتها جانبا جانباً، وقرر لكل جانب نائبا وتوجه إلى سمرقند قافلا بما أمكنه، وحبس السلطان في المئذنة وأوصد عليه بابها ووكل بحفظه أصحابها وأضاف إليهم لشدة الحفاظ الزبانية الشداد الغلاظ وذلك لحلفه أن لا يريق دمه وأن يحفظ له ذممه، فلم يرق له دماً ولكنه قتله في الحبس جوعاً وظما
ذكر عوده إلى خراسان
وتخريبه ولايات سجستان
ثم عاد إلى خراسان وقد عزم على الانتقام من سجستان فخرج إليه أهلها طالبين الصلح والصلاح فأجابهم إلى ذلك على أن يمدوه بالسلاح فأخرجوا إليه ما عندهم من عدة ورجوا بذلك الفرج من الشدة فحلفهم وكتب عليهم قسامات بالغة أن مدينتهم غدت من السلاح فارغة، فلما تحقق ذلك منهم وضع السيف فيهم
стр. 36
وأضاف بهم جنود المنايا عن بكرة أبيهم ثم خرب المدينة فلم يبق بها شجر ولا مدر ومحاها فلم يبن لها عين ولا أثر، ورحل عنها وليس بها داع ولا مجيب، وما فعل ذلك بهم إلا لأنه أولاً منهم أصيب وذكر لي الشيخ الفقيه زين الدين عبد اللطيف بن محمد بن أبي الفتح الكرماني الحنفي نزيل دمشق بالمدرسة الجقمقية في سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة أن الذين تخلصوا من القتل من أهل سجستان بهزيمة أو غيبة أو بنوع لطيفة من الله تعالى المنان لما تراجعوا إليها بعد رجوع تيمور عنها أرادوا أن يجمعوا بها فأضلوا يوم الجمعة وما اهتدوا إليه، حتى أرسلوا إلى كرمان من دلهم عليه
ذكر قصد ذلك الغدار ممالك سبزوار
وانقيادها إليه وقدوم واليها عليه
ثم لما أثار بسجستان ما أثار قصد بعساكره مدينة سبزوار، وكان واليها يدعى حسن الجوري مستقلاً بالإمارة وهو رافضي، فما أمكنه إلا الإطاعة واستقباله من الهدايا والخدم بما استطاعه، فأقره على ولايته وزاد في رعايته " فصل " - وكان من عادة تيمور وفكره أنه كان في أول أمره إذا نزل بأحد مستضيفاً استنسبه وحفظ
стр. 37
اسمه ونسبه، وقال له إذا بلغك أني استوليت وعلى الممالك استقليت، فأتني بعلامة كذا فإني أكافئك إذا، فلما انتشر ذكره وشاع أمره وفشا في الدنيا خبره وخبره هرعت الناس بالعلائم إليه، ووفدت من كل فج عميق عليه وكان ينول كل أحد منزلته ويحله مرتبته
ذكر ما جرى لذلك الداعر في سبزوار
مع الشريف محمد رأس طائفة الدعار
وكان في مدينة سبزوار رجل شريف من الشطار يدعى السيد محمد السربدال، معه جماعة من الرجال كلهم دعار يسمون السربداليه يعني الشطار، وكان هذا السيد رجلاً مشهورا بالمآثر والفضائل مذكورا، فقال تيمور علي به فإني ما جئت إلا بسببه، وقد كنت متشوقاً إليه ومتشوقاً لعلم ما لديه، فدعوه له فدخل عليه فقام إليه واعتنقه وقابله ببشرة منطلقة، وأكرمه وأدناه وقال في جملة فحواه يا سيدي السيد قل لي كيف أستخلص ممالك خراسان وأحويها وأنى أحوزها أقاصيها وأدانيها وماذا أفعل حتى يتم لي هذا الأمر وأرتقي هذا المسلك الصعب الوعر؟ فقال له السيد يا مولانا الأمير أنا رجل فقير وقير، من آل الرسول
стр. 38
من أين أنا وهذا الفضول، وإني وإن قيل لي شريف، رجل عاجز ضعيف لا طاقة لي بموارد الهلك، ومن أنا حتى أتشاوف لمصالح الملك، ومن داخل الملوك أو خارجهم أو عارضهم في أمورهم أو مازحهم كان كالعائم في مجمع البحرين، وكالجاثم في منتطح الكبشين، والخارج عن لغته لحان وشتان ما بين المأمون والطحان، فقال له لا بد أن تدلني على الطريقة وتخبرني عن المجاز إلى هذه الحقيقة ولولا أنني تفرست فيك ذلك وتكهنت أن برأيك تقتدى المسالك، ولولا أنك أهل لهذه المعرفة ما فهت لك ببنت شفة، ولا استغنيت عنك استغناء التفه عن الرفه، فإن فراستي أياسية وقضاياي كلها قياسية فقال ذلك المشير أيها الأمير أو تسمع في هذا مقالتي وتتبع إشارتي؟ فقال ما استشرتك إلا لأتبعك ولا جاربتك إلا لأمشي معك فقال إن أردت أن يصفو لك المشرب وتنال الممالك من غير أن تتعب فعليك بخواجة علي بن المؤيد الطوسي قطب فلك هذه الممالك ومركز دائرة هذه المسالك فإن أقبل عليك بظاهره لم يكن بباطنه
стр. 39
إلا معك وإن ولى عنك بوجهه فلن يفيدك غيره ولن ينفعك فكن على استجلاب خاطره وحضوره إليك أبلغ جاهد فإنه رجل صلب، وظاهره وباطنه واحد، وإن طاعة الناس منوطة بطاعته وأفعال الكل مربوطة بإشارته فما فعل فعلوا فإن حط حطوا وإن رحل رحلوا وكان هذا الرجل أعني خواجه علي المذكور رجلاً شيعياً موالياً عليا يضرب السكة باسم الاثني عشر إماماً ويخطب بأسمائهم، وكان شهماً هماماً ثم قال السيد يا أمير ادع خواجه علي فإن لبى دعوتك وحضر حضرتك فلا تترك من أنواع الاحترام والتوقير، والإكرام والتكبير شيئاً إلا وأوصله إياه، فإنه يحفظ لك ذلك ويرعاه، وأنزله منزلة الملوك العظام في التعظيم والتوقير والاحترام ولا تدع معه شيئاً مما يليق بحشمتك فإن ذلك كله عائد إلى حرمتك وعظمتك ثم خرج السيد من عند تيمور، وجهز قاصده إلى الخواجة علي المذكور يقول له إنه قد مهد له الأمور فإن جاءه قاصده فلا يتوقف عن الطاعة ولا يقعد عن التوجه إليه ولا ساعة، ويكون منشرح البال آمناً سطواته في الحال والمآل فاستعد خواجه علي لقدوم
стр. 40
الوارد وورود القاصد، وهيأ الخدمات والتقادم والحمولات، وضرب باسمه واسم متولاه الدرهم والدينار، وخطب باسمهما في جوامع الأمصار وقعد لأمره منجزاً وأقام للطلب مستوفزا وإذا بقاصد تيمور جاء منه بكتاب فيه من ألطف كلام وألين خطاب يستدعيه مع انشراح الصدر وتوفير التوقير وتكثير البر فنهض من ساعته ملبياً بلسان طاعته ولم يلبث غير مسافة الطريق وقد بأمل فسيح وعهد وثيق، فلما أخبروه بوفوده جهز لاستقباله أساورة جنوده وسر سرورا شديدا وكأنه استأنف ملكاً جديدا، فلما وصل قدم هدايا فاخرة وتحفاً متكاثرة وطرائف ملوكية وذخائر كسروية فعظمه تعظيماً بالغاً وأولاه إنعاماً سائغاً وأسبل على قامة رجائه من خلع إعزازه وإكرامه ذيلا سابغاً واستمر به على ولايته وزاد في بره وكرامته فلم يبق في خراسان أمير مدينة ولا نائب قلعة مكينة ولا من يشار إليه إلا وقصد تيمور وأقبل عليه، فمن أكابرهم أمير محمد حاكم باورد وأمير عبد الله حاكم سرخس، وانتشرت هيبته في الآفاق وبلغت سطوته مازندران
следующие страницы →