← История

История · id 12417

عجائب المقدور في أخبار تيمور

ابن عربشاه

Полный текст (492 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وأضاف بهم جنود المنايا عن بكرة أبيهم ثم خرب المدينة فلم يبق بها شجر ولا مدر ومحاها فلم يبن لها عين ولا أثر، ورحل عنها وليس بها داع ولا مجيب، وما فعل ذلك بهم إلا لأنه أولاً منهم أصيب وذكر لي الشيخ الفقيه زين الدين عبد اللطيف بن محمد بن أبي الفتح الكرماني الحنفي نزيل دمشق بالمدرسة الجقمقية في سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة أن الذين تخلصوا من القتل من أهل سجستان بهزيمة أو غيبة أو بنوع لطيفة من الله تعالى المنان لما تراجعوا إليها بعد رجوع تيمور عنها أرادوا أن يجمعوا بها فأضلوا يوم الجمعة وما اهتدوا إليه، حتى أرسلوا إلى كرمان من دلهم عليه ذكر قصد ذلك الغدار ممالك سبزوار وانقيادها إليه وقدوم واليها عليه ثم لما أثار بسجستان ما أثار قصد بعساكره مدينة سبزوار، وكان واليها يدعى حسن الجوري مستقلاً بالإمارة وهو رافضي، فما أمكنه إلا الإطاعة واستقباله من الهدايا والخدم بما استطاعه، فأقره على ولايته وزاد في رعايته " فصل " - وكان من عادة تيمور وفكره أنه كان في أول أمره إذا نزل بأحد مستضيفاً استنسبه وحفظ

стр. 37

اسمه ونسبه، وقال له إذا بلغك أني استوليت وعلى الممالك استقليت، فأتني بعلامة كذا فإني أكافئك إذا، فلما انتشر ذكره وشاع أمره وفشا في الدنيا خبره وخبره هرعت الناس بالعلائم إليه، ووفدت من كل فج عميق عليه وكان ينول كل أحد منزلته ويحله مرتبته ذكر ما جرى لذلك الداعر في سبزوار مع الشريف محمد رأس طائفة الدعار وكان في مدينة سبزوار رجل شريف من الشطار يدعى السيد محمد السربدال، معه جماعة من الرجال كلهم دعار يسمون السربداليه يعني الشطار، وكان هذا السيد رجلاً مشهورا بالمآثر والفضائل مذكورا، فقال تيمور علي به فإني ما جئت إلا بسببه، وقد كنت متشوقاً إليه ومتشوقاً لعلم ما لديه، فدعوه له فدخل عليه فقام إليه واعتنقه وقابله ببشرة منطلقة، وأكرمه وأدناه وقال في جملة فحواه يا سيدي السيد قل لي كيف أستخلص ممالك خراسان وأحويها وأنى أحوزها أقاصيها وأدانيها وماذا أفعل حتى يتم لي هذا الأمر وأرتقي هذا المسلك الصعب الوعر؟ فقال له السيد يا مولانا الأمير أنا رجل فقير وقير، من آل الرسول

стр. 38

من أين أنا وهذا الفضول، وإني وإن قيل لي شريف، رجل عاجز ضعيف لا طاقة لي بموارد الهلك، ومن أنا حتى أتشاوف لمصالح الملك، ومن داخل الملوك أو خارجهم أو عارضهم في أمورهم أو مازحهم كان كالعائم في مجمع البحرين، وكالجاثم في منتطح الكبشين، والخارج عن لغته لحان وشتان ما بين المأمون والطحان، فقال له لا بد أن تدلني على الطريقة وتخبرني عن المجاز إلى هذه الحقيقة ولولا أنني تفرست فيك ذلك وتكهنت أن برأيك تقتدى المسالك، ولولا أنك أهل لهذه المعرفة ما فهت لك ببنت شفة، ولا استغنيت عنك استغناء التفه عن الرفه، فإن فراستي أياسية وقضاياي كلها قياسية فقال ذلك المشير أيها الأمير أو تسمع في هذا مقالتي وتتبع إشارتي؟ فقال ما استشرتك إلا لأتبعك ولا جاربتك إلا لأمشي معك فقال إن أردت أن يصفو لك المشرب وتنال الممالك من غير أن تتعب فعليك بخواجة علي بن المؤيد الطوسي قطب فلك هذه الممالك ومركز دائرة هذه المسالك فإن أقبل عليك بظاهره لم يكن بباطنه

стр. 39

إلا معك وإن ولى عنك بوجهه فلن يفيدك غيره ولن ينفعك فكن على استجلاب خاطره وحضوره إليك أبلغ جاهد فإنه رجل صلب، وظاهره وباطنه واحد، وإن طاعة الناس منوطة بطاعته وأفعال الكل مربوطة بإشارته فما فعل فعلوا فإن حط حطوا وإن رحل رحلوا وكان هذا الرجل أعني خواجه علي المذكور رجلاً شيعياً موالياً عليا يضرب السكة باسم الاثني عشر إماماً ويخطب بأسمائهم، وكان شهماً هماماً ثم قال السيد يا أمير ادع خواجه علي فإن لبى دعوتك وحضر حضرتك فلا تترك من أنواع الاحترام والتوقير، والإكرام والتكبير شيئاً إلا وأوصله إياه، فإنه يحفظ لك ذلك ويرعاه، وأنزله منزلة الملوك العظام في التعظيم والتوقير والاحترام ولا تدع معه شيئاً مما يليق بحشمتك فإن ذلك كله عائد إلى حرمتك وعظمتك ثم خرج السيد من عند تيمور، وجهز قاصده إلى الخواجة علي المذكور يقول له إنه قد مهد له الأمور فإن جاءه قاصده فلا يتوقف عن الطاعة ولا يقعد عن التوجه إليه ولا ساعة، ويكون منشرح البال آمناً سطواته في الحال والمآل فاستعد خواجه علي لقدوم

стр. 40

الوارد وورود القاصد، وهيأ الخدمات والتقادم والحمولات، وضرب باسمه واسم متولاه الدرهم والدينار، وخطب باسمهما في جوامع الأمصار وقعد لأمره منجزاً وأقام للطلب مستوفزا وإذا بقاصد تيمور جاء منه بكتاب فيه من ألطف كلام وألين خطاب يستدعيه مع انشراح الصدر وتوفير التوقير وتكثير البر فنهض من ساعته ملبياً بلسان طاعته ولم يلبث غير مسافة الطريق وقد بأمل فسيح وعهد وثيق، فلما أخبروه بوفوده جهز لاستقباله أساورة جنوده وسر سرورا شديدا وكأنه استأنف ملكاً جديدا، فلما وصل قدم هدايا فاخرة وتحفاً متكاثرة وطرائف ملوكية وذخائر كسروية فعظمه تعظيماً بالغاً وأولاه إنعاماً سائغاً وأسبل على قامة رجائه من خلع إعزازه وإكرامه ذيلا سابغاً واستمر به على ولايته وزاد في بره وكرامته فلم يبق في خراسان أمير مدينة ولا نائب قلعة مكينة ولا من يشار إليه إلا وقصد تيمور وأقبل عليه، فمن أكابرهم أمير محمد حاكم باورد وأمير عبد الله حاكم سرخس، وانتشرت هيبته في الآفاق وبلغت سطوته مازندران

стр. 41

وكيلان وبلاد الري والعراق، وامتلأت منه القلوب والأسماع وخافه القريب والبعيد وعلى الخصوص شاه شجاع وكل هذا في مدة قصيرة وأيام قلائل يسيرة، نحواً من سنتين بعد قتله السلطان حسين ذكر مراسلة ذلك الشجاع سلطان عراق العجم أبا الفوارس شاه شجاع ولما صفت له بلاد خراسان وأذعن لطاعته كل قاص ودان، راسل شاه شجاع سلطان شيراز وعراق العجم يطلب منه الطاعة والانقياد وإرسال الأموال والخدم ومن جملة كتابه وفحوى خطابه إن الله تعالى سلطني عليكم وعلى ظلمة الحكام والجائرين من ملوك الأنام ورفعني على من باراني ونصرني على من خالفني وعاداني، وقد رأيت وسمعت فإن أجبت وأطعت فبها ونعمت وإلا فاعلم أن في قدومي ثلاثة أشياء، الخراب والقحط والوباء وإثم كل ذلك عائد عليك، ومنسوب إليك فلم يسع شاه شجاع إلا مهادنته ومهاداته ومصاهرته ومصافاته وزوج ابنته بابن تيمور ولم يتم ذلك السرور لحدوث الشرور فانقبضت تلك المباسطة بواسطة إفساد الواسطة وتثريب الخاطبة وتخريب الماشطة قلت

стр. 42

بديها مضمنا إذا انتخبت لأمر عن واسطة ... فاحزر دهاه وكن منه على وجل واعلم بأن طباع الأنس قد جبلت ... من الجفاء ومن مكر ومن دخل فلا تثق أبداً منهم بواسطة ... واشرع بنفسك فيه غير متكل فإنما رجل الدنيا وواحدها ... من لا يعول في الدنيا على رجل ومد عنان الكلام في هذا المقام يخرجنا عن المرام ولكن تمت رياض المحبة زاهرة وأرباض المودة عامرة، وقفول المراسلة والمصادقة بين الطرفين سائرة واستمروا على ذلك من غير نزاع إلى أن توفي شاه شجاع وكان شاه شجاع هذا رجلاً عالماً فاضلاً يقرر الكشاف تقريراً شافياً كاملا وله شعر رائق، وأدب فائق فمن شعره العربي على ما قيل ألا إن عهدي بالغرام يطول ... وأسباب صبري لا تزال تزول أصون هواها كل ما ذر شارق ... ولكن ما بي قد ينم نحول ومن لم يذق صبر الصبابة في الصبا ... علمت يقينا أنه لجهول ومن شعره الفارسي

стр. 43

أي بكام عاشقان حسنت جميل ... كي كزينم ديكري برتوبديل كر زيادت غافلم عيشم حرام ... ورزجورت دم زنم خونم سبيل هركسي تدبير كاري مكند ... مارها كرديم بانعم الوكيل وهو شاه شجاع بن محمد بن مظفر وأبوه كان من أفراد الناس ومن أهل البر يسكن ضواحي يزد وأبرقوه، ذا بأس شديد يخافه القريب والبعيد ويرجوه وكان قد نبع بين يزد وشيراز حرامي من عرب آل خفاجة سد على سالكي الطريقة حقيقة المجاز يدعى جمال لوك أفقر الغني وأباد الصعلوك، لا يبالي بالرجال قلت أو كثرت ولا يكترث بكواكب النبال إذا الكواكب على رأسه انتثرت، فأباد طائفة من البلاد وأهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد، فكمن له أبو شاه شجاع في بعض وهد أويفاع ثم قابله مواجهة، وكافحه مشافهة ونازله فصرعه وقطع رأسه وانتزعه وقصد برأسه السلطان فقدمه على سائر الأعوان وأقطعه أماكن عدة وقربه وجعله عدة لكل شده وكان له عدة أولاد وأقارب وأحفاد كل منهم رئيس مطاع فمن أولاده شاه مظفر وشاه محمود وشاه شجاع فصار كل منهم ذا كلمة نافذة ويد معطية آخذة ولم يكن

стр. 44

للسلطان ولد ينقر وراءه في أمور الملك أو ينقب فلما أقبل عليه رائد المنية أجابه وولى مدبراً ولم يعقب وكان إذ ذاك وقد ثبتت أوتاد محمد بن مظفر فتقدم في السلطنة ومن سواه تأخر، فصار في ممالك عراق العجم الملك المطاع واستقل من غير تشاق ونزاع وتصرف في الممالك كيف يشاء ورداه الله خلعه " قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء " ومات في حياته ولده شاه مظفر المذكور وخلف ولده شاه منصور، ثم جرى بين شاه شجاع وبين أبيه من النزاع والشرور مالا خير فيه وقبض على أبيه وقهره وفجعه بكريمتيه وأعدمه بصره، وتمكن من السلطنة واستقر وكان به مرض جوع البقر بحيث إنه كان لا يقدر على الصوم لا في السفر ولا في الحضر وكان كثيراً ما يدعو الله الغفور ألا يجمع بينه وبين تيمور فلما أدركه الأجل وطوى فراش الموت منه بساط الأمل أحضر ماله من أقارب وأولاد وقسم عليهم الممالك والبلاد فولى ابنه لصلبه زين العابدين شيراز، وهي كرسي الملك ومقصد الوافدين، وأقطع أخاه السلطان أحمد ولايات كرمان وأعطى ابن أخيه شاه

стр. 45

يحيى يزد، وابن أخيه شاه منصور، أصبهان، وأسند وصيته بذلك إلى تيمور وخلد ذلك في رق منشور وأعد على ذلك من حضر مجمعه فكان كمن سلم الريح لزوبعة ولما أدمج الموت ثوب عمر شاه شجاع، انتشرت بين أقاربه شقق الشقاق والنزاع، فقصد شاه منصور زين العابدين وقبض عليه واستولى على شيراز وفجعه بكريمتيه، وخالف عمه ونقض حبل عهده وفعل مع ابنه ما فعله أبوه بجده، وحبل هذه القصة ممدود والاشتغال بنقضه وإبرامه يخرج عن المقصود فانمعض تيمور وامتعص وتجرع الغصص وارتهص، ولكن ارتقب في ذلك انتهاز الفرص ذكر توجه تيمور مرة ثالثة إلى خوارزم بالعساكر العائثة العابثة ثم إن تيمور جدد الحزم وصمم العزم على التوجه إلى خوارزم، فتوجه إلى تلك البلاد من خراسان على طريق استراباد، وكان سلطانها أيضاً غائبا فأراد أن يولي عليهم من جهته نائبا، فخرج إليه حسن المذكور وصالحه واشترى منه الشرور والمقابحة، وقال له يا مولانا الأمير كلنا عندك أسير ولكن سلطاننا غائب

стр. 46

وإذا أقيم علينا من جهتك نائب ثم رجع إلينا السلطان، فلابد أن يقع بينهما شنآن، وإذا كان الأمر كذا فربما يصل إلي منه أذى، فيكون ذلك سبب تأكيد العداوة ويزداد بينكما الجفا والقساوة فيفيض حنقك على المسلمين ويقع فساد والله لا يحب المفسدين، وهب أن حسين صوفي صار نائبك فكل الخلق يجب عليه أن يراعي خدمتك وجانبك، ورأيك أعلى واتباع مرسومك أولى فسمع تيمور كلامه وقبل قوله وقوض للرحيل خيامه، وكان لحسن المذكور ابن غير فالح له عمل غير صالح فكأنه فتك بحظية من حظايا السلطان وذاع ذلك في المكان وفاح ذفره في أنف الزمان، فلم يتقيد بذلك الفعل القبيح حسن، وقال إن لي على السلطان، منناً وأي منن، حيث حميت بلده من كل ظلوم كفار، وبذلت في ذلك مالي ووجاهتي ثلاث مرار، فلابد أن يقابل هذه المصالحة بالعفو عن جريمة ولدي والمسامحة فلما آب السلطان م سفره واطلع على حقيقة الأمر وخبره قبض على حسن وولده وقتلهما وألقاهما بين يدي أسد قهره فأكلهما، وخرب ديارهما ونقل إلى خزائنه

стр. 47

شعارهما ودثارهما ثم لم يلبث حسين صوفي أن توفي، وولي بعده يوسف صوفي، وكان تيمور قبل ذلك قد صاهرهم وناصرهم على مخالفيهم وظاهرهم، وزوج ابناً له يدعى جهانكير عقيلة منهم ذات قدر كبير وأصل خطير ووجه مستنير أحسن من شيرين وأظرف من ولادة، ولكونها من بنات الملوك كانت تدعى خانزاده، فولدت له محمد سلطان وكان في نجابته وإقباله ساطع البرهان، فلما شاهد تيمور في شمائله مخايل السعادة وقد فاق في النجابة أولاده وأحفاده أقبل دون الكل عليه وعهد مع وجود أعمامه إليه، لكن عاند الدهر ذلك الظلوم فتوفي قبله في آق شهر من بلاد الروم وسيأتي ذكر ذلك ذكر توجه ذلك الباقعة إلى خوارزم مرة رابعة فلما سمع تيمور ما جرى على حسن من الشرور تحنق وشد الأزم ووجه ركاب الغضب إلى خوارزم فأخذها وقتل سلطانها وهدم أركانها وخرب بنيانها، وولى على ما بقي منها نائباً من عنده ونقل جميع ما أمكنه نقله منها إلى ممالك سمرقنده، وتاريخ خراب

стр. 48

خوارزم " عذاب " كما أن تاريخ خراب دمشق " خراب " ذكر ما كان ذلك الجان راسل به شاه ولي أمير ممالك مازندران ثم إنه لما كان توجه إلى خراسان راسل شاه ولي أمير ممالك مازندران، وكاتب الأمراء المستقلين بذلك المكان، فمنهم اسكندر الجلابي وارشيوند وإبراهيم القمي، واستدعاهم إلى حضرته كما هو جاري عادته بالضرورة فأجابه إبراهيم وارشيوند واسكندر، وتأبى عليه شاه ولي ذلك الغضنفر ولم يلتفت إلى خطابه وخشن له في جوابه ذكر مراسلة شاه ولي سلاطين وما وقع في ذلك من الشقاق وعدم الاتفاق ثم أرسل شاه ولي إلى شاه شجاع سلطان عراق العجم وكرمان وإلى السلطان أحمد بن الشيخ أويس متولي عراق العرب وأذربيجان يخبرهما بورود خطابه وصدور جوابه، ثم قال أنا ثغركما وإن انتظم أمري انتظم أمركما، وإن نزل بي منه بائقة فإنها بممالككما لاحقة، فإن ساعدتماني بمدد كفيتكما هذا النكد وإلا فتصيران

стр. 49

كما قيل من حلقت لحية جار له ... فليسكب الماء على لحيته فأما شاه شجاع فأطرح قوله ورماه وهادن تيمور كما ذكر وهاداه وأما السلطان أحمد فأجاب بجواب مهمل وقال هذا الأشل الأعرج الجغتائي ما عساه أن يفعل؟ ومن أين ومن أين للأعرج الجغتائي أن يطأ العراقين؟ وإن بينه وبين هذه البلاد لخرط القتاد، ولكم بين مكان ومكان فلا يخل العراق كخراسان ولئن عقدت على التوجه إلى ديارنا نيته، لتحلن به منيته، ولترتحلن عنه أمنيته، فإنا قوم لنا البأس والشدة والعدة والعدة والدولة والنجدة ولنا يصلح التشامخ والتأبي حتى كأنه قال فينا المتنبي نحن قوم ملجن في زي ناس ... فوق طير لها شخوص الجمال فلما علم ذلك منهم شاه ولي وأيقن أن كلا منهما عن شجوه خلا قال أما أنا فوالله لأوافقنه بعزم صادق ونفس مطمئنة فلئن ظفرت به لأنددن بكما في الأمصار، ولأجعلنكما عبرة لأولي الأبصار، وإن ظفر بي فلا علي ما يصل إليكما فلينزلن القضاء الطام والبلاء العام عليكما، ثم استد للقائه

стр. 50

واستسلم لقدر الله تعالى وقضائه، ولما تراءى الجمعان، واتصلت المراشقة بالضراب والطعان ثبت شاه ولي ساعة لما نابه من شره وهره، ثم ولى الدبر لما حطمه ما رأى من كر وفر وتبع السنة في الفرار مما لا يطاق وتوجه إلى الري إذ ما أمكنه التوجه إلى العراق، وكان بها أمير مستقل يدعى محمد جوكار متصرفاً بحكومته في تلك القرى والأمصار، وكان كريماً شجاعاً وملكاً مطاعاً ومع ذلك فإنه دارى تيمور وراعى منه بعض الأمور وخاف سطوته وبأسه فقتل شاه ولي وأرسل إلى تيمور رأسه ذكر ما جرى لأبي بكر الشاسباني مع ذلك الجاني وكان في بعض ولايات مازندران، رجل يسمى أبا بكر من قرية تدعى شاسبان، وكان في الحروب كالأسد الغضوب وكان قد أباد وأبار الجم الغفير من عساكر التتار، إذا انتمى في المجال لا تثبت له الرجال وإن وضع العمامة، أقام فيهم القيامة، ولا زال يكمن بين الروابي والجبال، ويجندل الجنود والأبطال، حتى صارت تضرب به الأمثال وترعد منه الفرائص ولو في طيف

стр. 51

الخيال، فكان القائل منهم يقول لمركوبه إذا علق عليه أو سقاه فتأخر عن الماء أو جفل من المخلاة كأن أبا بكر الشاسباني في الماء أو بين العليق تراه وقيل لم يتضرر عسكر تيمور في مدة استيلائه، مع كثرة حروبه ومصافاته وإبلائه، إلا من ثلاثة أنفار، أضروا به وبعساكره غاية الإضرار، وأوردوا كثيرا ًمنهم موارد النار أحدهم أبو بكر الشاسباني، ثانيهم سيدي علي الكردي، وثالثهم " أمت " التركماني " فأما أبو بكر هذا فذكروا أنه في بعض مضايق مازندران، تغلبت عليه الجغتاي من كل مكان " وسدوا عليه وجه المخلص وشدوا حبل المقنص فألجأوه إلى جرف مقاله جرف، مقدار ثمانية أذرع ما بين الحرف إلى الحرف، كأن قعره جب النقير، أو واد في قعر السعير فنزل أبو بكر عن جواده المضمر وطفر وطمر من أحد الجرفين إلى الآخر بما عليه من السلاح والمغفر، ولم ينل منهم ضراً ونجا كما نجا تأبط شراً ثم اتصل بحاشيته وأبادهم، ونقل إلى طاحون الفناء منهم من استكمل دياسهم وحصادهم، ثم ما أدري أمره إلى ماذا آل، وكيف تقلبت به الأحوال وأما سيدي علي الكردي

стр. 52

فإنه كان أميراً في بلاد الكرد، ومعه طائفة من الخيل الجرد، والرجال غير المرد، في جبال عاصيه، وأماكن وعرة متقاصية، فكان يخرج هو وجماعته، ومن شملته طاعته، ويترك على فم المضائق من هو به واثق ثم يشن على عساكر تيمور الغارات، ويدرك فيهم للمسلمين الثارات، ويقتطع من حواشيهم وما يمكنه من مواشيهم، ثم يرجع إلى أوكاره بما قضى من أوطاره ولم يزل على ذلك الثبات في حياة تيمور وبعد أن مات إلى أن أدركته الوفاة ففات وأما أمت التركماني فإنه كان من تراكمة قراباغ وله ابنان قد وضع كل منهما على لقب تيمور أي داغ، وكانت الحروب والنزال بينهم وبين أميران شاه وعساكر الجغتاي لاتزال، وأفنوا من جماعتهم عدداً لا يحصى، وجانباً فات لا يستقصى إلى أن غدر واحد من المنتسبين إليهم، فطلب غرتهم ودل عسكر أميران شاه عليهم، فبيتوهم ليلا وأراقوا من دمائهم سيلا فاستشهد الثلاثة في سبيل الله ﵏ قلت وأصعب فتنة تشميت الأعدا ... وأنكى منه تخذيل الموالى

стр. 53

وقيل وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ... على المرء من وقع الحسام المهند وقيل " إذا كان هذا بالأقارب فعلكم ... فماذا الذي أبقيتم للأباعد " ذكر توجه تيمور إلى عراق العجم وخوض شاه منصور غمار ذلك البحر الخضم ولما توفي شاه شجاع ووقع بين أهله كما مر النزاع، واستقر أمر العراق العجمي على شاه منصور وخلصت ممالك مازندران وولاياتها لتيمور، وكان شاه شجاع قد أوصى إلى تيمور بولد زين العابدين كما ذكر ووكل أمره إليه، وجد تيمور على شاه منصور طريقاً بما فعله مع ابن عمه زين العابدين فاحتج بذلك ومشى عليه، فاستمد شاه منصور أقاربه فكلهم صار محاربه وغدا مجاذبه ومجانبه وأقام كل منهم يحفظ جانبه، فتهيأ لملاقاته وحده، بنحو ألفي فارس كاملي العدة، بعد أن حصن المدينة وحوطها بالأهبة المكينة، ورتب خيلها ورجلها وحرض على التصبر والتربص أهلها، فقال له أكابر أعيانها

стр. 54

والرؤس من سكانها كأنا بك في المقتحم وسدى الحرب قد التحم، وقد منعناه من الوصول إلينا ودافعناه عن الهجوم علينا، وربما جندنا له رجالا وأبطلنا من عسكره أبطالا، ثم ماذا تصنع أنت بألفي راكب مع هذا الغمام المتراكم المتراكب؟ وربما يحل عقدك أو يفل جندك فلا ترى لنفسك في الهيجاء إلا طلب الخلاص والنجاء وتتركنا لحماً على وضم بعد أن زلت بنا معهم القدم ولا ينفعنا بعد تأكيد العداوة الندم، ولا يجبر منا إذ ذاك هذا الكسر إلا بالقتل أو النهب والأسر فوضع يده على دبوسه شاه منصور وقال هذا الألف في الكاف السادسة من أم من يفر من تيمور، أما أنا فأقاتل وجندي، فإن خذلني جندي قاتلت وحدي، وبذلت في ذلك جدي وجهدي، وعاينت عليه وكدي وكدي، فإن نصرت نلت قصدي وإن قتلت فلا علي ممن بقي بعدي، وكأني أنا كنت الحاضر والخاطر في خاطر الشاعر حين قال إذا هم ألقى بين عينيه عزمه ... ونكب عن ذكر العواقب جانباً وقيل إن شاه منصور فرق رجاله على قلاعه، وأراد بذلك حفظ مدنه

стр. 55

فضاع في ضياعه، ثم جمع رؤساء شيراز وأجنادها وأفلاذ أكبادها وأولادها وقال إن هذا عدو ثقيل وهو وإن كان خارجياً فهو في بلادنا دخيل، فالرأي أني لا أنحصر معه في مكان ولا أقابله بضراب وطعان بل أتنقل في الجوانب وأتسلط أنا ورعاياي عليه من كل جانب فنصفع أكتافه ونقطع أطرافه ونواظبه بالنهار ونراقبه بالليل ونعد له ما استطعنا من قوة ومن رباط الخيل فكلما وجدنا منه غرة كسرنا منه القفا والغرة فتارة ننطحه وأخرى نرمحه وكرة نجرحه ومرة نجدحه ونسلبه الهجوع ونمنعه الرجوع فتشتد عليه المضايق وتنسد عليه الطرق والطرائق غير أن القصد منكم يا أحرار ويا نمور النفار ونسور النقار أن تحتفظوا بضبط الأسوار ولا تغفلوا عنها آناء الليل وأطراف النهار، فإني ما دمت بعيداً عنكم لا يدنو أحد منهم منكم، وإن حاصروكم ففيكم كفاية وأستودعكم الله وهو نعم الوقاية، وغاية ما تكونون في هذه البؤسى مقدار ما واعد الله نبيه موسى ولله هذا الرأي ما كان أمتنه ووجه هذا القصد ما كان أحسنه ثم إنه خرج ذاهباً، وقصد جانباً

стр. 56

ذكر دقيقة تصدت فجلت ونقضت ما أبرمة شاه منصور من عقد حين حلت فبينا هو عند باب المدينة جائز نطرته سعلاة من مشؤومات العجائز، فبدرته بالملام وآذته بالكلام ونادت بلسان الاعجام انظروا إلى هذا " تركس بحرام " رعى أموالنا وتحكم في دمائنا وفارقنا أحوج ما نحن إليه في مخاليب أعدائنا، جعل الله حمل السلاح عليه حراماً ولا أنجح له قصداً ولا أسعف له مراماً، فقدحت زناده وجرحت فؤاده، وتأججت نيران غضبه، وأحرق أكداس تدبره شواظ لهبه وثارت نفسه الأبية، وأخذته حمية الجاهلية حتى ذهب لب ذلك الرجل الحازم، وغلط فأمسى وهو لغلطه ملازم، فثنى عنان عزمه، وكز أسنان أزمه، وأقسم لا يبرح عن المقاومة، ولا يرجع في مجلس القضاء ملازمة المصادمة، ويجعل ذلك دأبه صباحاً وعشاء، إلى أن يعطي الله النصر لمن يشاء ثم قابل، ورتب أبطاله وقاتل وكان في عسكر شاه منصور أمير خراساني مباطن لتيمور، يدعى محمد بن زين الدين من الفجرة

стр. 57

المعتدين، وجل العساكر كان معه، فسار إلى تيمور، وأكثر الجند تبعه، فلم يبق منهم إلا دون الألف، فما فر واحد منهم من الزحف فثبت شاه منصور، بعد أن تضعضعت منه الأمور، فلم تزل نيران الهيجاء تنتطح، وزناد الحرب تورى إذ تنقدح، وشرار السهام تتطاير، وثمار الرؤوس بمناجل السيوف تقطف فتتناثر، حتى أقبل جيش الليل وشمر للهزيمة جند النهار الذيل، فتراجع كل منهم إلى وكره، وأعمل شاه منصور فكره في مكره ذكر ما نقل عن شاه منصور مما أوقع بعسكر تيمور من الحرب والويل تحت جنح الليل فعمد إلى فرس جفول، من بين الخيول، أجمح من دهر رمح وأرمح من عصر جمح، وأتى بها عسكر العدو وقد أخذ الليل في الهدو، ثم ربط في ذنبها قدراً من النحاس، ملفوفة في قطعة بلاس، وشدها شدة أحكم وثاقها، وصوب رأسها نحو العدو وساقها، فجالت الفرس في المعسكر واضطربت، واختبطت الناس واحتربت وانسابت جداول السيوف في بطون تلك البحار وانسربت، حتى كأن الساعة

стр. 58

اقتربت، مواأو السماء عليهم بالشهب انقلبت، والأرض بهم اهتزت وربت وشاه منصور واقف حواليهم كالبازي المطل عليهم، يقتل من شذ، ويبيد من فذ وصار كما قيل الليل داج والكباش تنتطح ... نطاح جد ما أراها تصطلح فقائم وقاعد ومنبطح ... فمن نجا برأسه فقد ربح قيل أنهم اقتتلوا فيما بينهم حتى فني نحو من عشرة آلاف نفس، فلما قوض الليل خيامه ورفع النهار أعلامه، علموا البلاء كيف دهاهم، وليت الليل لم يكن فارق ذراهم ثم إن شاه منصور أصبح وقد قل ناصره وفل مؤازره، فانتخب من جماعته فئة نحواً من خمسمائة، فجعل يصول بهم صولة الأسد، ويخوض بهم غمار الموت، فلا يلوي أمامهم أحد على أحد، ويميل يسره ويمنه وينتسب ويصيح أنا شاه منصور الصابر المحتسب، فتراهم بين يديه حمرا مستنفرة فرت من قسورة، وقصد مكاناً فيه تيمور فهرب منه ودخل بين النساء واختفى بينهن وغطى بكساء، فبادرنه وقلن نحن حرم وأشرن

стр. 59

إلى طائفة من العسكر المصطدم وقلن هناك بغيتك وبين أولئك طلبتك، فألوى راجعاً وتركهن مخادعا وقصد حيث أشرن إليه وقد أحاطت به جموع العساكر وحلقت عليه قلت بديهاً وما حز أعناق الرجال سوى النسا ... وأي بلاء مالهن به أبلى وكم نار أحرقت كبد الورى ... ولم يك إلا مكرهن لها أصلا وكان على فرس فاقت خصالا فضرب فيهم بسيفين يميناً وشمالا، وفرسه السبوح كانت تقاتل معه وتصدم وتكدم من يقربها في تلك المعمعة وكأنه ينشد معنى ما قلته في " مرآة الأدب " يد الله قوتني فغلت يداهم ... وهذى يدي فيهم بسيفين تضرب فصار كلما قصد رعلة من تلك الرعال، افترقت أمامه يميناً وشمالا وإن كانوا كلهم من أهل الشمال ولكن إذا لم يكن عون الله للفتى ... فأول ما يجني عليه اجتهاده حتى أنهكته الحرب وكلت يداه من الطعن والضرب، وجندلت

стр. 60

أبطاله وقتلت خيله ورجاله وتغيرت من كل جهة أحواله، وسدت طرائقه وشدت مضايقه وخرست شقاشقه وضرست فيالقه وخمدت بوارقه وهمدت بيادقه وحص جناحه وقص نجاحه وخف مداحه وأثقلت جراحه وسكنت غمغمته، فانفرد عن أصحابه وقد آده الجراح وأودى به ولم يبق معه في ذلك البحر سوى نفرين أحدهما يدعى توكل والآخر مهتر فخر، وأخذه الدهش، وغلب عليه العطش ونشف الرهج والوهج كبده وطلب شربة ماء فما وجده فلو وجد ما يبل له ريقه لما قدر أحد أن يقطع عليه طريقه، فرأى الأولى طرح نفسه بين القتلى، فأطرح بينهم نفسه، ورمى أهبته وسيب فرسه وقتل توكل ونجا فخر الدين، وبه من الجراح نحو من سبعين، وعمر بعد ذلك حتى بلغ تسعين، وكان من الأبطال والمصارعين فتراجع جيش تيمور وتضام، وانتعش بعد أن بلغ موارد الحمام، وذلك بعد أن قتل منهم مالا يعد، وأفنى ليلاً ونهاراً مالا يحصر ولا يحد وطفق تيمور في القلق، والضجر والأرق، لفقد شاه منصور وعدم الوقوف

стр. 61

على حال ذلك الأسد الهصور، أهو في الأحياء فيخشى فكره، أم انتقل إلى دار الفناء فيؤمن مكره، فأمر بتفتيش الجرحى، والتنقيب عنه بين القتلى والطرحى، إلى أن كادت الشمس تتوارى بالحجاب، ويغمد حسام الضياء من الظلام في قراب، فعندما ضم دينار البيضاء، تحت ذيل ملاءة الضياء، ومد نساج القدرة في جو الفضاء سدى، والليل إذا سجى ونثر على سطح هذا الأديم المسا دراهم كواكبه الزهراء، واتسع الظلام واتسق، عثر واحد من الجغتاي على شاه منصور وبه أدنى رمق، فتشبث شاه منصور بذلك الإنسان، بل الشيطان الخوان، وناداه الأمان الأمان أنا شاه منصور فاكتم عني هذه الأمور وخذ مني هذه الجواهر وخافت في قضيتي ولا تجاهر، ولا رأيتك ولا رأيتني، ولا عرفتك ولا عرفتني، وإن أخفيت مكاني ونقلتني إلى إخواني وأعواني، كنت كمن أعتقني بعدما اشتراني، ومن بعد ما أماتني أحياني، وكنت ترى مكافأتي، وتغنم مصافاتي، ثم أخرج له من الجواهر، ما يكفيه وذريته إلى يوم الآخر فكأن في قصته واستكشاف غصته كالمستغيث بعمرو عند كربته فما عتم

стр. 62

أن وثب على شاه منصور، وحز رأسه، وأتى به إلى تيمور وحكى له ما جرى بتنجيز المشترى، فما صدقه، ولا في كلامه استوثقه بل أخرج من قبائله وشعوبه من عرفه به فعرفوه بشامة كانت في وجهه علامة، فلما علم أنه شاه منصور بعينه، وتميز له صدق ذلك الرجل من مينه تحنق وتحيف، وتحرق لقتل شاه منصور وتأسف، ثم سأل ذلك الرجل عن محتده، وعن والده وولده، وعن قبيلته وذويه، ومخدومه ومربيه، فلما استوضح أخباره، وعلم نجاره ووجاره أرسل مرسومه إلى متولي تلك الدار فقتل أهله وأولاده وأعوانه وأنصاره وآله وأحفاده وأختانه وأصهاره وقتله شر قتلة ومحا آثاره وصادر مخدومه وقتله وخرب دياره ثم أرسل إلى أطراف ممالكه مطالعات، يذكر فيها صور تلك المصافات والمواقعات، وما شوهد من وثبات شاه منصور وثباته، وغشيانه غمرات الحروب وضرباته، وما حصل في واقعة القتال على الحديد في صف مرسلاته، وكيف زلزلت العاديات ولولت النساء في فتح حجراته بعبارات هائلة وكلمات في ميادين الفصاحة والبلاغة جائلة، وهذه المطالعات

стр. 63

تقرأ في المحافل والمشاهد، وتتلى في المصادر والموارد ويستمد منها ذوو الأدب، ويعني بحفظها الكتاب والصبيان في الكتاب " رأيت " في أخبار بعض المعتنين، أنه في شوال سنة خمس وتسعين، ورد رسول صاحب بسطام، يؤذن سلطان مصر بالإعلام، أن تيمور قتل شاه منصور واستولى على شيراز وسائر البلاد، وأرسل رأسه إلى حاكم بغداد، وأمره بالطاعة، هو ومن معه من الجماعة، وأرسل إليه خلعة، وأن يضرب السكة باسمه ويخطب بذلك في الجمعة، فلبس خلعته وائتمر ممتثلاً كل ما به أمر وأنه علق رأس شاه منصور، بعدما طافوا به على السور، وما أظن لذلك صحة ذكر ما وقع من الأمور والشرور بعد واقعة شاه منصور فاستولى تيمور على ممالك فارس وأرض عراق العجم وراسل من داناه من أقارب شاه شجاع وملوك الأمم، واستمال الخواطر، وآمن البادي والحاضر، ورحل فجاز مدينة شيراز، وضبط أحوالها، وقرر فيها خيلها ورجالها، ونادى بالأمان، للقاصي والدان فلبت دعوته ملوك البلاد ولم يسعهم معه إلا الإطاعة

стр. 64

والانقياد فوصل إليه سلطان أحمد من كرمان، وشاه يحيى من يزد وعصى سلطان أبو إسحاق في سيرجان فأنعم وخلع على من أطاع وانقاد، ولم يتعرض لمن أظهر العناد، ولم يشق بينه وبين مخالفيه العصا، وأكرم من أطاعه ليوقع بذلك من عصى وطرح على شيراز وسائر البلدان مال الأمان، وأقام في كل بلدة من جهته نائباً وتوجه إلى أصبهان، وأحسن إلى زين العابدين الذي هو وصية من أبيه، ووظف له من الجوامك والادرارات ما يكفيه وذويه ذكر ما صنع الزمان عند حلوله بأصبهان فلما وصل إلى أصبهان، وكانت من أكبر البلدان مملوءة بالأفاضل ومحشوة بالأماثل، وبها شخص من علماء الإسلام، والسادة الأعلام، قد بلغ في العلم الغاية، وفي العمل والاجتهاد النهاية، أفعاله مبرورة، وكراماته مشهورة، ومآثره مذكورة، ومحاسنه على جبهة الأيام مسطورة، وهو معتقد المسلمين، وكان اسمه إمام الدين، وكان أهل أصبهان يذكرون

стр. 65

له تيمور، ويحذرون من شره أي محذور، فيقول لهم ما دمت فيكم حياً، لا يضركم كيده شيا، فإن وافاني الأجل، فكونوا من أذاه على وجل، اتفق أنه في وصول تيمور، توفي الشيخ المذكور، فأصبحت أصبهان ظلمات بعضها فوق بعض بعد أن كانت نوراً على نور، فتضاعفت حسرتهم، وترادفت كسرتهم، فوقعوا في الحيرة، وصاروا كأبي هريرة ﵁ حيث يقول للناس هم ولي في اليوم همان ... فقد الجراب وقتل الشيخ عثمان فخرجوا إليه وصالحوه على جمل من الأموال، فأرسل فيهم لاستخلاصها الرجال، فوزعوها على الجهات، وفرضوها على الحارات والمحلات، وتفرق فيهم المستخلصون، فكانوا يعيثون فيهم ويعبثون، واستطالوا عليهم فجعلوهم كالخدم، وتوصلوا إلى أن مدوا أيديهم إلى الحرم، فانتكوا منهم أي نكاية، فرفع أهل أصبهان إلى رئيسهم الشكاية، وكثرت منهم الشكية، وهم قوم لهم حمية، وقالوا الموت على هذه الحالة، خير من الحياة مع هذه الاستطالة فقال لهم رئيسهم إذا أقبل المساء، فإني أضرب الطبل لكن لا تحت كساء، فإذا سمعتم الطبل قد دق،

стр. 66

فالقول قد حق، فليقبض كل منكم على نزيله وليحتكم فيه بسمين رأيه وهزيله، فاتفقوا على هذا الرأي المعكوس والأمر المنكوس في الطالع المنحوس، وقصروا مدى أنظارهم السقيمة، عن قصارى هذه الأمور الوخيمة ولما تعرى العنان من ثوب نوره، وأبدل الجو قمامه بسموره، ومضى هزيع من الليل، ضرب الرئيس الطبل فحل بالمستخلصين الويل، فقتلوهم وكانوا نحواً من ستة آلاف، وأصبحوا، وقد غرسوا في دوح العصيان أغصان الخلاف، فأثمر ذلك لهم الحور بعد الكور وبان لهم البوار فأصبحوا بوراً بهذا البور ولما سل الفجر حسامه، وحسر النهار لثامه، بلغ تيمور ذلك الصنع المشئوم فنفخ الشيطان منه في الخيشوم، فارتحل من فوره واستل عضب غضبه ونثل جعبة جوره، وتوجه نحو المدينة مزمجرا متكالباً مستأسداً متنمرا، فوصل إليها، وأخنى عليها، وأمر بالدماء أن تسفك، وبالحرمات أن تهتك، وبالأرواح أن تسلب، وبالأموال أن تنهب، وبالعمارات أن تخرب، وبالزروع أن تحرق، وبالضروع أن تخرق، وبالأطفال أن تطرح، وبالأجساد

стр. 67

أن تجرح، وبالأعراض أن تثلم، وبالذمم أن تسلم ولا تسلم، وأن يطوى بساط الرحمة، وينشر مسح النقمة، فلا يرحم كبير لكبره، ولا صغير لصغره، ولا يوقر عالم لعلمه، ولا ذو أدب لفضله وحلمه، ولا شريف لنسبه ولا منيف لحسبه، ولا غريب لغربته، ولا قريب لقرابته وقربته، ولا مسلم لإسلامه، ولا ذمي لذمامه، ولا ضعيف لضعفه، ولا جاهل لركاكة رأيه وسخفه وبالجملة فلا يبقى على أحد، ممن هو داخل البلدة فأما أهل المدينة فعلموا أنه ليس للجدال مجال، فضلاً عن ضراب وقتال وأن قبول الاعتذار محال وأنه ليس ينجيهم من ريب المنون مال ولا بنون ولا يقبل منهم في تلك الساعة عدل ولا تنفعهم شفاعة فتحصنوا بحصون الاصطبار، وتدرعوا دروع الاعتبار، وتلقوا سهام القضاء من حنايا المنايا بمجن تسليم المراد، واستقبلوا ضربات القدر من سيوف الحتوف بأعناق التفويض والانقياد، فأطلق في ميادين رقابهم عنان الحسام البتار، وجعل مقابرهم بطون الذئاب والضباع وحواصل الأطيار ولا زالت عواصف الفناء تحتهم من أشجار الوجود

стр. 68

حتاً، حصروا عدد القتلى فكانوا نحو ست مرات من أمة يونس بن متى، فاستغاث بعض البصراء، بواحد من رؤوس الأمراء، وقال البقية في البقية، والرعاية في الرعية، فقال ذلك الأمير للسائل الفقير اجمعوا بعض الأطفال عند بعض القلل، فلعل أن نلين منه عند رؤيتهم شيئاً ما عسى ولعل، فامتثلوا ما به أمر، ووضعوا شرذمة من الأطفال منه على الممر ثم ركب ذلك الأمير مع تيمور وأخذ به على تلك الأطفال ومر، ثم قال له انظر يا مخدوم نظر الرأفة إلى المرحوم فقال ما هؤلاء الطرحى الأشقياء؟ فقال أطفال معصومون، وأمة مرحومون محرومون، استحر القتل بوالديهم، وحل غضب مولانا الأمير على أكابرهم وذويهم وهؤلاء يسترحمونك بعواطفك الملوكية وصغرهم، ويستشفعون إليك بذلهم وضعفهم ويتمهم وفقرهم وكسرهم، أن ترحم ذلهم، وتبقي على من بقي لهم، فلم يحر جوابا ولا أبدى خطابا، ثم مال بعنان فرسه عليهم، ولم يظهر أنه بصر بهم أو نظر إليهم، ومالت معه تلك الجنود والعساكر، حتى أتى منهم على الأول والآخر، فجعلهم طعمة للسنابك، ودقة تحت أقدام

стр. 69

أولئك ثم جمع الأموال، وأوثق الأحمال، ومال راجعاً إلى سمرقند بما قد نال وكم بين هذه الأمور والقضايا، من دواه وبلايا، وأخبار وحكايات وتجهيز سرايا، وتولية وعزل، وإبراز هزل في صورة جد وجد في صورة هزل، وبناء وهد، وصد ورد، وتعمير غامر، وتخريب عامر، وتهان وتعاز وانحراف وتواز ومباحثات مع علماء، ومناظرات مع كبراء، ورفع وضعاء ووضع شرفاء، وتمهيد قواعد، وتقريب أباعد، وتبعيد أدان، وبروز مراسيم إلى كل قاص ودان، إلى غير ذلك مما لا يكاد يحصر، ولا يضبط بديوان ولا دفتر ذكر ضبطه طرف المغل والجتا وما صدر منه في تلك الأماكن وأتى ولما وصل إلى سمرقند أرسل ابن ابنه محمد سلطان بن جهانكير، مع سيف الدين الأمير، إلى أقصى ما تبلغ إليه مملكته، وتنفذ فيه كلمته، وهو وراء سيحون شرقاً سوا، أخذاً في نحور ممالك المغل والجتا والخطا نحواً من مسيرة شهر، عن ممالك ما وراء النهر، فمهدوا هناك الوهد واليفاع وبنوا في جملة من القلاع، وأقصاها بلد يسمى اشبارة فبنوا فيه حصناً حصيناً معداً للنهب

стр. 70

والغارة، وخطب من بنات الملوك ملكة أخرى وكانت الأولى تدعى الملكة الكبرى، والأخرى الملكة الصغرى فأجابهم ملكهم إلى ما سأل، وأناب إلى ما طلبه منه بالإطاعة وبذل، وارتجت منه أقاليم المغل والخطا، وذلك لما بلغهم مما فتك، في كل طرف وبتك، من بلاد الإسلام وسطا وكان السفير في ذلك " الله داد " أخو سيف الدين المذكور، وهو الذي استخلص أموال دمشق ونزل في دار ابن مشكور وأمر تيمور ببناء مدينة على طرف سيحون من ذلك الجانب، وعقد إليها جسراً على متن النهر بالمراسي والمراكب، وسماها شاه رخية وهي في أماكن رخية وسبب تسمية ابنه شاه رخ بهذا الاسم، ووسم هذه المدينة بهذا الوسم، أنه كان على عادته، مشغولاً بلعب الشطرنج مع بعض حاشيته، وقدأمر ببناء هذه المدينة على هذا الساحل، وكانت إحدى حظاياه معه وهي حامل، فرمى على خصمه شاه رخاً، فذبل خصمه لذلك وارتخى، وبينما خصمه قد وقع في الأين وإذا بمبشرين جاءا مخبرين، أحدهما يبشره بولد، والآخر يبشره بتمام عمارة البلد، فسماها بهذين الاسمين، ووسمهما بهذين الوسمين

стр. 71

ذكر عودة ذلك الأفعوان إلى ممالك فارس وخراسان وفتكه بملوك عراق العجم واستصفائه تلك الممالك والأمم ثم عاد، بعد تمهيد البلاد وتوطيد قواعد ممالك تركستان، إلى بلاد خراسان، فاستقبله الملوك والأمراء، والسلاطين والوزراء، وسارعوا إليه من كل جانب، ما بين راجل وراكب، ملبين دعوته، حذرين سطوته مغتنمين خدمته، وسلموه الأنجاد والأغوار، والأطاد والقفار والقرى وسكانها، والذرى وقطانها، والقلاع العاصية، وربطوا بذيل أمره كل ناصية ممتثلين أوامره مجتنبين زواجره، عاقدي نطاق عبوديته بأنامل الإخلاص، تابعي رائد مرضاته على نجائب الولاء والاختصاص، فمنهم جميع من مر ذكره من المطيعين، ومن كانوا في الشواهق ممتنعين منيعين، ومن جملتهم إسكندر الجلابي أحد ملوك مازندران، وأرشيوند الفارسكوهي ذلك الأسد الغضبان، صاحب الجبال والشوامخ العاصية القلال، وإبراهيم القمي صاحب النجدة، والمعد لكل شدة، وأطاعه السلطان

стр. 72

أبو إسحاق من سيرجان، فاجتمع عنده ملوك عراق العجم سبعة عشر نفراً ما بين سلطان وابن سلطان وابن أخي سلطان، كلهم في ممالكه ملك مطاع، مثل سلطان أحمد أخي شاه شجاع، وشاه يحيى ابن أخي شاه شجاع، سوى ملوك مازندران، وسوى أرشيوند وإبراهيم وملوك خراسان ولما سلك السلطان أبو إسحاق نمط أقاربه في الطاعة وعمل على ذلك الطراز، خلف ببلده سيرجان نائباً يقال له " كودرز " فاتفق في بعض الأيام، أنه اجتمع عند تيمور هؤلاء الملوك العظام، فكانوا عنده في خيمة له وهو بينهم وحده، فأشار واحد منهم هو شاه يحيى، وقد أمكنت الفرصة، أن يقتله ويرفع عن العالم هذه الغصة، فأجابه بعض وامتنع بعض، وقال لمن رضي بذلك منهم ومن لم يرض إن لم تكفوا، وعن هذا المقال تعفوا، أخبرته بهذه المقالة وأطلعته على هذه الحالة، فامتنعوا عن هذا الرأي المتين والفكر الرصين، لاختلافهم ولا يزالون مختلفين، وكأنه طالع أحوالهم أو تفرس أقوالهم، فأسرها في نفسه ولم يبدها لهم ثم مكث أياماً، وجلس للناس جلوساً عاماً، وقد لبس ثياباً حمراً، ودعا هؤلاء الملوك السبعة عشر طراً،

стр. 73

ثم أمر فقتلوا جميعاً في ساعة واحدة صبرا، ثم لما أبادهم، ضبط بلادهم، وجمع طريفهم وتلادهم، وقتل أولادهم وأحفادهم وأقام في ممالكهم أولاده، وأمراءه وأحفاده وأسباطه وأجناده وسبب قتله هؤلاء الملوك وفتكه، وتمزيقه ستر حياتهم وهتكه، أن بلاد العجم كانت لا تخلو عن الملوك الأكابر، ومن ورث الملك والسلطنة كابراً عن كابر، وهي ممالك واسعة، أطرافها شاسعة، مدنها وافرة، وقراها متكاثرة، وأوتاد أوتادها راسخة، وعرانين أطوادها شامخة، ومخدرات قلاعها ناشزة، ومضمرات مكانها ومعادنها غير بارزة، كواسر أكاسرها كاسرة، ونواشر جوارحها للظهور ناشرة، ونمور دعارها طامرة، وببور شطارها طافرة، وثعابين أبطالها في جداول الجدال ظاهرة، وتماسيح أقيالها في بحار الحراب قاهرة فنظر تيمور بعين بصيرته في وذيلة تأمله ومرآة فكرته، فرأى أنه لا يزكو له ورد عارضها من شوكة عارض، ولا يصفو ورد ثغر فائضها من شارب معارض، ولا يثبت له في بنيان ممالكها أساس يحكم، ولا ينبت له في بستان مسالكها غراس تنعم وكان قصده إبقاء مبانيها، وإجراء أموره

стр. 74

على ما اقتضته التوراة الجنكيز خانية فيها، فلم يمكن عمل فلاحة سلطنته في بسيط أرضها، وسوق أنهار أوامره في جرائب ممالكها طولها وعرضها، إلا بقلع علائق أنساب أكابرها، وكسر قوادم أخشاب أحساب أكاسرها، فسعى في استئصال فرعهم وأصلهم، واجتهد في إهلاك حرثهم ونسلهم، وجعل لا يسمح لهم ببزرة نطفة في أرض رحم إلا قلعها، ولا يشم منهم رائحة زهرة في كم كمين إلا قطعها وقيل إنه كان في مجلس فيه اسكندر الجلابي، وكأنه كان مجلس نشاط ومقام انشراح وانبساط، فسأل اسكندر في ذلك المحضر، وقال إن حكم القضاء بإفساد بنيتي، من تراه يتعرض لأولادي وذريتي؟ فأجابه وهو في حالة الشطح، وقد خلت علية دماغه ووضع سراج العقل منها فوق السطح أول من ينازع أولادك المشائيم، أنا وأرشيوند وإبراهيم، فإن نجا من مخاليبي منهم أحد، فإنه لا يخلص من أنياب إبراهيم الأسد، وإن أفلت منهم من ذلك البند، فإنه لا مخرج له من شرك أرشيوند، وكان أرشينود وابراهيم غائبين فلم يتعرض تيمور لاسكندر بضرر وشين وأراد بالإبقاء عليه، وقوعه

стр. 75

مع صاحبيه، فلما أفاق اسكندر، ليتم ما قال، فقال لا مفر من قضاء الله ولا مجال، ولا عتب في ذلك علي، أنطقني بذلك الله الذي أنطق كل شيء ثم إن اسكندر وإبراهيم هربا، فقبض على أرشيوند وألقاه في النازعات فصار نبأ، وهتك حريم عمره إذ جرعه أول الرعد فأقرأه آخر نوح وسبأ، ثم إن اسكندر لم ير له أثر، ولا سمع عنه إلى يومنا هذا خبر وكان كبير الهامة، طويل القامة، إذا مشى بين الناس كأنه علامة، حتى قيل أن يدي ذلك القصر المشيد كان نحواً من ثلاثة أذرع ونصف بالحديد، وإبراهيم القمي استمر على انكماشه، ثم مات على فراشه، فكان ذلك سبب إيراده الملوك وأبناءهم المهالك " فصل " ثم أن تيمور عصى عليه كودرز في قلعة سيرجان، وقال إن مخدومي شاه منصور موجود إلى الآن، وكان هذا الكلام فاشياً في الخاص والعام، فكان كودرز يتوقع ظهوره، ويزجي على ذلك أعوامه وشهوره فحاصر تيمور قلعة سيرجان، فلم يلح له عليها سلطان، فوجه إليها عساكر شيراز ويزد وأبرقوه وكرمان، وأضاف إليهم عساكر سجستان، وذلك بعد أن شملها العمران،
следующие страницы →