← История

История · id 12417

عجائب المقدور في أخبار تيمور

ابن عربشاه

Полный текст (492 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وكان كما ذكر ذا طيش وشجاعة، وتهور ورقاعة، وصولة وجولة، يسبق فعله قوله، فأهريق في تلك الساعة، دم واحد من تلك الجماعة، يدعى خواجه يوسف وكان في حياة تيمور، نائب الغيبة بسمرقند وهو أمير مشهور، ففي الحال قتل، وإلى الدار الآخرة نقل، ثم استقل لنفسه بدعوى السلطنة، ودعا الخلائق من هاهنا ومن هنه، فدهشت أولئك الرءوس، وعلموا أنه قد حل بهم النقم والبؤس ذكر خداع ألله داد سلطان حسين وتلافيه تلافه بالمكر والمين غير أن الله داد ثبت جأشه المزءود، واستحضر تلك الساعة عقله المفقود فابتدر سلطان حسين منادياً، واستثبته في أمرهم مناجياً، وقال له بعبارة فصيحة إني لي إليك نصيحة، ثم استخلاه وقال أنا كنت مترقباً منك هذا الفعال، ومترصداً منك إظهار ما أنت بصدده، ومن أين لخليل سلطان أن يحتوي على الملك بمفرده غير أن هيبة مولانا كانت باسطة، ولم يكن بينه وبين الملوك واسطة مباسطة، ولو كان عندي من ذلك أدنى شعور، لرتبت المصالح على ما تقتضيه الأوامر الكريمة والأمور، ثم إن الخاطر الكريم يشهد بصدق

стр. 387

هذا الحديث وإني عبدك من قديم وسل من كان من المماليك والأجناد، الذين كانوا محصورين في أسر خدايداد، من خلصهم من حبائل أسره، وأنقذهم من ضرام ضره، وأطفأ عنهم ما التهب من شرار شره، إذ لولا أنا لكان أبادهم، وأيتم أولادهم، وفجع بهم طريفهم وتلادهم، فإنك إن تسلهم يخبروك، وعلى حقيقة الأمر وجلية الحال يظهروك، وربما أخبروك بذلك لما أتوك، ومع هذا استفت قلبك وإن أفتوك وأفتوك ولا زال يطفئ بماء خزعبلاته شواظ تفرعنه ولهيبه، ويذكي في خياشم رعونته عنبر احتياله متمسكاً بمسكنة وطيبة، ويرمي عن قوس ختله إلى سويداء خيالاته نبال مكر أنفذت فيه نصال القضاء والقدر لأنها كانت مصيبة، فأشرب مكره، وتبع أمره، وجعله ظهره، واستقدح في أموره فكره ثم أنه بعد أن أمتن عليه باستبقائه، استشاره في قتل رفقائه، فقال له لا شك أن خليل سلطان، ملك الناس بالإنعام والإحسان، وهو وإن كان في الشجاعة، قاصر اليد قليل البضاعة، لكن استعبد أبطال الرجال، بحسن الخلق وبذل الأموال، غير أن المال بمعرض الفناء والزوال،

стр. 388

وأنت بحمد الله مآثرك مشهورة، ومنازل منازلاتك " لإبطال " الأبطال معمورة، ورايات كسرك قرون الأقران على جبين الكباش منشورة، ورءوس مناطحاتك ثيران الوغى على قرون الزمان أبداً منصورة قلت فكم لززت شجاعاً في البراز فمذ ... رأى محياك ولى ضارطاً وجرى " مذ كنت رأساً وعيناً في الحروب أرى ... في رأسك الفتح بل في عينك الظفرا " وأنا أعلم أن عامة الجند سيبتهج بطلعتك، ويرقص فؤاده لحصول سكونه فرحاً بحركتك، فإنهم لابد لهم من رأس يسوسهم، وضابط همام تصان بتدبيره نفائسهم ونفوسهم، وقرم كالليث الخادر والسيل الهامر، بل كالبحر الغامر، منصور إن دعا وإن دعى فناصر، موصوف بما قال الشاعر أضاف إلى التدبير فضل شجاعة ... ولا رأى إلا للشجاع المدبر وبما قال ولا يكشف الغماء إلا ابن حرة ... يرى غمرات الموت ثم يزورها

стр. 389

وهل ثم في هذا العصر موصوف بهذه الصفات إلا أنت، وما النجدة والكرم والحسب والنسب إلا راحل حيث ما رحلت، وساكن أينما سكنت، ولو حدث شاه ملك وشيخ نور الدين، أن وراءهما منك الحصن الحصين، لأسندا إليك رواية ذلك السند السديد، ولأويا من جنابك العالي إلى ركن شديد وحاصل الأمر أنك مولى الكل وجميعهم لك عبيد، وإذا كان الأمر كذلك فقد ملكتهم، فسواء عندك أبقيت عليهم أو أبدتهم، ولكن الإبقاء أولى، ولا زالت العبيد تترقب مراحم المولى، فإن اقتضى الرأي السعيد، أن نكون كلنا موثقين في الحديد، مع زيادة قيد أيمان أكيد، فرأيه أعلى، واتباع ما يقتضيه أحرى وأولى، فاقتفى رأيه، واتخذوه علماً لأموره ورأيه، فاستتبعه لحينه، وقال اسلك ورايه ذكر أخذ سلطان حسين على أمراء الميثاق ومشيه على خليل سلطان وهم معه في الإيثاق ثم إنه أحضر الأمراء، وهم في قبضة سطوته أسراء، وقد ناوح كل من متعلقيهم مهب ناحية، وتوجه إلى دار كل المخبرون فقامت عليهم

стр. 390

النائحة والناعية، وأوثقهم بقيدي الحديد والأيمان، أن يكونوا معه في السراء والضراء على خليل سلطان، فمد كل منهم إلى القيد رجله وإلى اليمين يده، وعاهده على ما يختار وأن يقدم له نفسه وأهله وماله وولده، فحين استوثق منهم، أزاح بالأماني السوء عنهم، وتركهم موثقين في البند، ونكص قاصداً سمرقند، وأرسل إلى خليل سلطان يخبره بما دب من أمره ودرج، فليستعد لمبارزته فهاهو قد عبر جيحون وخرج، وأنه هو أيضاً طالب من ملك خاله حصته ومنازع خليل سلطان في السرير منصته تبريز خليل من سمرقنده لملاقاة سلطان حسين بطوائف جنده، ورجوع سلطان حسين مما يرومه بخفي حنين فاستعد له خليل سلطان، وخرج من سمرقند لاستقباله في أسرع زمان، ثم إن السلطان حسين أحضر ألله داد، ومن معه من الشياطين المقرنين في الأصفاد، واستأنف عليهم العهود، وأكد عليهم قيود العقود، وأحل كلا من محله، وأجاز عقده وحله، وخلع عليه وأجازه، واحترم حرم حقيقته ومجازه، وبش بأنعامه إلى متعلقيهم وهش،

стр. 391

وسار بهم حتى وصل إلى مدينة الكش وألله داد كان، قبل ذلك بزمان، أرسل إلى خليل سلطان، يخبره بوقوع هذا الهم، وما جرى عليهم من شرور وما تم، ثم قال له إن فألك سعيد، وأمرك حميد، فانهض برأي رشيد، وعزم سديد، وجنان حديد، فإن ضدك مصيد، والله تعالى ناصرك قريباً غير بعيد، فلا تخف " من كيد مكيد "، وإن كنت طفلاً فإنك فتى شبت القلوب بنسمات محبتك فصرت شيخ السلطنة وكل الأنام لك مريد فوصل خليل سلطان، إلى ذلك المكان، فعبى السلطان حسين جيشه، واستعمل تهوره وطيشه، وجعل ألله داد على الميمنة، ورفيقيه على الميسرة، ولما تراءى الجمعان، وتدانى الزحفان، وحقت الحقائق، وسدت المضايق، وتعادت الأسود والفرانق، بادر كل منهم من مكانه، وقصد كل من ألله داد وأقرانه، عساكر خليل سلطانه، فتخبطت عساكر السلطان حسين، وسلب ثوب عزه فنبذ بالعراء متلحفاً من ظنونه ثوبي خيبة ومين ودهمه من البلاء ما أنساه سلبه فرجع بخفي حنين، ومر على وجهه قاطع الفلاة، حتى وصل ابن خاله شاه رخ صاحب هراة، فلم تطل له عنده مدة، فإما سقاه مهلكاً وإما مات

стр. 392

حتف أنفه عنده، فكان ذلك آخر العهد بسلطان حسين، ورجع خليل سلطان إلى دار ملكه قرير العين بقية ما جرى لبير محمد مما قصده من فرح وهم وكيف آل ذلك إلى وبال وحزن فنقص وما تم ثم إن بير محمد تمادى في خروجه، واستمر يرتع في روض الطلب ومروجه، وتكررت بينهما دروس المراسلة، وتحررت مسائلهما بعد مطاولة المقاولة، أن ينزلوا منازل المنازلة، ويحلوا بروح المقابلة والمقاتلة، وكان متولي أمور ديوانه، ومشيد قواعد ملكه وسلطانه، شخصاً يدعى بير علي تاز، حامي حقيقة بابا الملك وحارس المجاز، سرة بطحاء مملكته، وقطب سماء دائرته، وقدوة علماء عوالمه، وقوة خوافي عسكره وقوادمه فجرد من عساكر قندهار، كل طود لو مال على الفند هار وتوجه بعزم أمضى من البتار، وحزم أنفذ من الخطار، قائداً ذلك الخضم الهدار والسيل الثرثار، والغمام المدرار، حتى وصل إلى جيحون فوقف منه التيار، ثم أمر البحر العجاج، أن يركب من جيحون الأثباج، ويصادم منه ملاطم

стр. 393

الأمواج، فمرج الله البحرين " هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج " فمخروا منه بسفنهم النحر، وجاوزوه مجاوزة بني إسرائيل البحر، وسار بذلك الأخشب، حتى أرسى على ضواحي نخشب ذكر مقابلة العساكر الخليلية جنود قندهار بصدق نية، وإلقائهم بهزيمتهم إياهم في شر بلية وكان قبل ذلك خليل سلطان، قد نجز أمره كما كان، ونفث أعطار مندل الإيثار، وقوى العزائم على الملوك بالاستحضار، ليجنوا من أشجار الجرايات وثمار الادرار، ما يستعدون به لملاقاة شياطين قندهار، فلبى دعوته العام والخاص، وكل بناء من عفاريت الجنود وغواصواجتمع من أعيان أولئك الأعوان، كل مطيع مقتطف ثمر إحسان ذلك البستان من إنس وجان، وجاء ذلك البحر أفواج أمواج العساكر من كل مكان، وهم بين رؤس الجغتاي والجتا، كل فرعون من بلاد تركستان قد علا وعتا وفوارس فارس والعراق ورستمدار، وجان قربانية خراسان والهنود والتتار، ومن كان تيمور، أعده لمضايق الأمور، ولم يفارقه في سفر ولا حضر،

стр. 394

وأرصده لكل نائبة من خير وشر فوارس لا يملون المنايا ... إذا دارت رحى الحرب الزبون فاستأنف عليهم فواتح الفتوح، واستنخب منهم لما دهاه كل صديق نصوح، وأسبغ عليهم من دروع عطاياه السابغات، وضاعف على قامة أملهم من خلع أنعامه المضاعفات، ففتحت عليهم الأرض خزائنها، وصبت عليهم من معادنها، وفلزاتها ظاهرها وكامنها، فصار كل راجل منهم وفارس، وقد تجلى فيما تحلى به من تلك النفائس، يزري بحسن هيبته على مخدرات العرائس فساروا ونسمات النصر من أنفسهم فائحة، ولمعات الفتح من بوارق بيارقهم لائحة، والسبع المثاني لأبواب النجح والفتوح في وجوههم فاتحة، ولا زال ذلك الراسي يرسي ويمشي، حتى حط على ضواحي قرشي، هي المدينة المذكورة، فاستقرت تلك العساكر المنصورة، وذلك يوم الأحد مستهل شهر رمضان، سنة ثمانمائة وثمان، فبات كل من ذينك البحرين وقد ضم ذيله، وكف عن التبذر والتبدد سيله، وحفظ

стр. 395

من الأغيار رحله وخيله، وأحيا في معتكف المراقبة إلى الصباح ليله قلت إلى أن بدا لمع الضيا في ظلامه ... يلوح كموج الماء من سجف طحلب ولما سل الفجر صارمه الفضي وأبرز إبريز ترسه، ومسح على لوح الجو ما طرسه مسود الليل من دخان نقشه، تهيأ كل من أولئك الأطواد للإصطدام، واشتعلت في قلوب تلك القبائل نار الحمية للاصطلاء والاصطدام، فعبى كل عسكره، ما بين ميمنة وميسرة، ومقدمة ومؤخرة، ثم تدانوا وتكانوا، وتعاونوا وتعانوا وتراجزوا وتغانوا، وتعانقوا وتهانوا، وتناجزوا، وتفانوا، والتقت الرجال بالرجال والخيل بالخيل، وارتفع ظلام القتام على رؤس الأسنة فرأوا في صلاة الظهر نجوم الليل، وجرى في ذلك القسطل من كل قناة عيون السيل ثم عند منتصف النهار، انكشف الغبار، عن طود قندهار هار، وسعد أولئك الكبار بار، وعليهم غبار العثار ثار، وخبرهم بالإنكسار سار، وصيت خليل سلطان إلى الأقطار طار، وإلى الآفاق بالانتصار صار، فولى بير محمد وعلى رأسه بحر الدمار مار، وفي قلبه زناد البوار وار، حتى

стр. 396

كأن في قلبه جمر الغضا والغار غار، أو في كبده نار لهيب المرخ والعفار فار، وجندلت رجاله، وأبطلت أبطاله، ونهبت أثقاله، وتحولت أحواله، وسبى حريمه عبيده وسلب طريفه وتليده، وتشبث هو بأذيال الهزيمة، وعلم أن إيابه سالماً نصف الغنيمة، كما قيل إيابك سالماً نصف الغنيمة ... وكل الغنم في النفس السليمة ورجع خليل سلطان، وقد استنار به الكون والمكان، واستقرت دولته، واستطارت صولته، وشكر الله المليك، وأتم صيام رمضان في مكان يسمى جكدليك ذكر خروج عسكر العراق على خليل سلطان ومجاهرتهم بالخروج وقصدهم الأوطان ثم في ليلة غرة شوال، خرج من العراقيين الرءوس والأبطال، ومعهم حريمهم وأتباعهم، وأولادهم، وأشياعهم، وكبيرهم شخص يدعى حاجي باشا، وهم جارون تحت أمره كيفما شا، وكانوا ذوي صولة وجولة، وصحبتهم السلطان علاء الدولة، ابن السلطان أحمد البغدادي

стр. 397

لصلبه، وكان قد وقع في أسر تيمور فرهنه في سجن محنته وكربه فأفرج عنه خليل سلطان، وجعله عنده ذا مكانة ومكان، فبينا الناس مشغولون بأمور العيد، رفع أيديهم أولئك الصناديد، وكأنه كان تقدم لهم بذلك مواعيد فخرجوا تحت جنح الليل وشمروا نحو عرائس العراق الذيل، وطلقوا مخدرات ما وراء النهر ومالوا عنها كل الميل، لأنهم كانوا قد سمعوا أن دار العراق أنزلت بانيها، ومياه أنهر سلطتها عادت إلى مجاريها، فلم يقف أحد أمامهم ولا مشى خلفهم، ولا قدر على أن يربط عن السير رجلهم وكفهم، فقطعوا جيحون ووصلوا إلى خراسان، فتصدى لهم كل من سمع بهم من كل مكان، فانفرط نظامهم لعدم اتفاقهم، فتقطعوا في البلاد قبل وصولهم إلى عراقهم، وأين إيران من توران، ودجلة من جيحان، فعيد خليل سلطان في ذلك المكان، ثم ألوى راجعاً إلى الأوطان ذكر ما فعله بير محمد بعد انكساره وما صنعه بعد وصوله إلى قندهاره ولما وصل بير محمد إلى قندهار، واستقرت به الدار، وتلملمت أموره، وحامت حول قصوره صقوره، ودارت من سيارات عسكره بدوره

стр. 398

بدوره، تسعرت سمومه وحروره، وتطاير شراره وشروره، فتأرق وتمرق، وتحرق أسفاً قلبه وتخرق، وتمزق غيظاً أديمه وتفرق، وكان ذا حماقة، وقلة لباقة، فطير أجنحة مراسيمه، إلى سكان أقاليمه، واستنهض على خليل سلطان كل حبيب صحيح الود وكليمه، واستطب لجريح قلبه كل قريح الطعن والضرب وكل لديغ القلب وسليمه فلبوا دعوته بالإطاعة، وأجابوا ندائده بالسمع والطاعة، ثم سالت الأودية والجبال، بالخيل والرجال، وأرسل إلى خليل يقول، ضمن كتاب مع رسول إن أول مصافنا كان فلتة فتمت، وشرارة تسوهل في إطفائها فالتهبت وطمعت، ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت، وتحذرت ما استحقرت، واستكبرت ما استصغرت، لانتصرت وما انكسرت، ولعثرت على مرادي وما عثرت، ولكن أضعت الحزامة، فحرمت السلامة، وتناولت أمرك برءوس الأنامل فأكلت يدي ندامة، مع أن صليبه جندك، وقوة ظهرك وعضدك، ونبال نبالتك وساعد سعدك، وعضب غضبك، ورمح رشدك، وحد صارمك، وصرامة حدك، إنما كان رءوس العراق، وما حصل

стр. 399

لك منهم من الاتفاق، وأما الآن فقد وقع منهم نفاق، واتفق لك منهم عدم اتفاق، وظهر تباعد وشقاق، ففت لذلك كبدك، واختل فكرك وجندك، وهأنا قد جئتك بجد جديد، وبالحد الحديد، فاستعد للقاء، وتيقن عدم البقاء، فإن الحرب كما علمت سجال، وكما أديل لك علينا بالأمس فإن غداً لنا عليك يدال ذكر توجه بير محمد لمقابلة خليل سلطان ثاني كرة، وما حصل عليه في ذلك من كرة وفرة، وتوليته الدبر كما بدا أول مرة ثم توجه بتلك الجنود والأعوان، وقطع جيحون ووصل إلى مكان يسمى حصار شادمان، فتوجه إليه خليل سلطان، ومعه من عساكر الرجال والفرسان، وجراد الجيش وقمله وضفادعه ما يجري من الدم الطوفان، فمر بتلك الأطواد والبحار، وسرى وهو ما بين رأس وسار، حتى وافى جنود قندهار، وكان كما ذكر من قبل، قد قدح في حراق أحشاء العساكر القندهارية من خوف نار الخليل زناد النبل، فكانوا ملسوعين والملسوع يخاف من جر الحبل، فقبل أن يزعق النفير ويضرب الطبل، نفر من كل فرقة منهم طائفة، وتنادوا

стр. 400

" أزفت الآزفة، ليس لها من دون الله كاشفة " فألبس بير محمد خلعة الخلع، ولم يكن له بها طوق فأقلع إلى القلعة القلع، وأوصد الأبواب وأحكم الأسوار، واستعد في حصار شادمان للحصار، فأحاط به من العساكر كل جارح وكاسر، ودار عليه من بني يافث كل سام وحام، وجد في المحاصرة منهم كل طاعن وضارب ورام، فتندم بير محمد على ما قصد في ذلك وتعمد، وتذكر ما قال له أول مرة، الخواجه عبد الأول، ولكنه اعتذر بالقضاء والقدر، فرماه القضاء بسهم جواب، أجاد فيه وأصاب، وقال وعاجز الرأي مضياع لفرصته ... حتى إذا فات أمر عاتب القدر فانعكس منه كل رأي وفال، وتغير عليه كل أمر وحال، وذهب عنه منعطفاً ما بيده من ملك ومال، ونفر عنه كل أسد أصلى للحرب ناراً حامية لما سطا على " كل " حام وصال، ورجع عنه لسوء تدبيره كل ذي قرابة حين لمع له بالأماني الكاذبة كل سراب وآل، وتمزقت شقق تدبيره على منوال تفكيره سدى ولحمه فلم يبق له من دون الله وال

стр. 401

ذكر ما صنعه بير محمد من حيلة عادت عليه بأفكاره الوبيلة، لأن جدواها كانت قليلة ولما عدم حوله، أخذ في إعمال الحيلة، فاستدعى عدة مضبوطة، من الجلود المحطوطة المجادة الدباغ، المصبوغة بألوان الأصباغ، ثم فصلها لبوسا، لكل بوسى، وسمر عليها المرايا المصقولة، وبعض صفاح معمولة، وموهها وأحكمها بالمسامير، وأحضر من سوقة بلده رءوس الجماهير، واستكثر الرعاع والهمج الجموع، ثم أحضر تلك الدلاص والدروع، ووزع على تلك الرءوس والظهور هاتيك النطوع، فصار كلما صارت الشمس بازغة، أصعد إلى الأسوار، وخارج البلد تلك الأسود وعليهم تلك الدروع السابغة فإذا رآهم الناظر من بعيد، توهمهم رجالاً ولم يعلم أنهم بندق العيد، وإذا تراءى ذلك الهباء، والخيثعور الذي ملأ الفضاء، كان " كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء " واستمر على ذلك مدة يقاسي المعاناة ويعاني الشدة، وكان الذي " تعاطى " هذا المكر الجلي، دستور مملكته أعني بير علي، ومع ذلك كله لم تنفعه هذه الحيلة، وعادت عليه أفكاره الوخيمة، ووساوسه الوبيلة، وانكشف

стр. 402

سره، وانهتك ستره، فضاق ذرعاً وقصر منه باع المجال، ومد بنقص عدده وعدده وزاده الدهرالنكال ذكر اعتراف بير محمد أنه ظلم وطلبه الصلح وإلقائه السلم فبسط بساط التضرع، وطلب وسائط التشفع، وعلم أنه لا عاصم من أمر الله إلا من رحم، فناشد خليل سلطان الله والرحم، وقال معنى ما قلت يعطي الكريم ولا يمل من العطا ... والعفو شيمته إذا وقع الخطا فأجاب خليل سلطان مقاصده، وتأكدت من الطرفين معاقدة المعاهدة، بأن لا يقصد أحد منهم بلاد صاحبه، وإذا كان الله تعالى رفعه فلا يضع من جانبه، ويسلم إليه ما في يده، ويبقى على الود والصداقة في يومه وغده، ثم تحالفا أن لا يتخالفا، وتواثقا أن يتوافقا، وتصادقا أن يتصادقا، وتفارقا على أن يترافقا، وتوافقا على أن لا يتنافقا، وراقبا الآل والذمة، وراعيا القرابة والحرمة، وانشمر كل عن صاحبه بما معه من فئة وذلك سنة

стр. 403

تسع وثمانمائة ذكر مخالفة ونكد، وقعت بين بير علي وبير محمد أزاحت ثوب الحياة عنهما، وأراحت مخاليفهما منهما ولما وصل بير محمد إلى وطنه، واستقر بين خدمه وسكنه، خرج عليه بير علي تاز، واستقل بدعوى الملك وامتاز، ثم قبض عليه وكبله، ثم إنه خذله وجدله، وشرع يقول، وهو يصول ويجول أمور الدنيا اضطربت، وأشراط الساعة اقتربت، وهذه دولة الدجالين، وأوان تغلب الكذابين والمحتالين، مضى تيمور وهو الدجال الأعرج، وهذا زمان الدجال الأقرع، وسيأتي بعد هذا الدجال الأعور وإن كان أحد يجزع من قرع باب السلطنة فأنا أقرع، فلم يجب أحد من الرءوس والأذناب سؤاله، ولا أنعم له بما أقر عينه وأنعم باله، إذ لم يوجد في تناول هذا الأمر المحظور أمر مبيح، ولم يكن لذلك الوغد في سهام الملك غير المنيح والسفيح، فدعا أرباب ممالكها تضرعاً وخيفة، فكشر كل في وجهه أنيابه وجاذبه هذه الجيفة، فلم يبق له قرار ولا ثبات، فسل يده ومد رجله صوب صاحب هراة، فبمجرد وقوعه عنده في شرك

стр. 404

الاقتناص، قبض عليه وأجرى عليه أحكام القصاص، وصفت له ممالك قندهار، من غير مضارب ولا مضار، واستراح خليل سلطان أيضاً من الأنكاد والمضار ذكر حوادث الزمان في غيبة خليل سلطان وفي هذه السنة بادرت بالهجوم، تتار الروم، وواصلوا العزم، وقطعوا جيحون بالرجل وههو جمد من خوارزم، وقصدوا بلادهم، فتصدى لهم من كل جانب من شتتهم وأبادهم، وحصل لهم من عدم الاتفاق، ما حصل لعساكر العراق، وأيضاً في غيبة السلطان خليل، واشتغاله بهذا السفر الطويل، اغتنم الفرصة خدايداد وشيخ نور الدين، فتوجهوا إلى سمرقند مطمئنين، وأخنوا عليها، ونهبوا ما حواليها، فتحصنت منهم، وترفعت عنهم، فنهبوا خارجها ورجعوا، ونحو بلادهم انقلعوا ذكر تجريد خليل سلطان الأجناد وتوجهه إلى شيخ نور الدين وخدايداد

стр. 405

ولما رجع خليل إلى سمرقنده، أراح طوائف عسكره وجنده، ثم دعا أصحابه، ووجه نحوهما ركابه، وهيأ أنصاره وأطلابه، وسار بتلك القبائل المضطرمة، والأسود الحوادر والفحول المغتلمة، واستمر ذلك الطود الركون بين حركة وسكون، حتى وصل إلى سيحون، وحين شرع ذلك الطور، والنار ذات النور، على نهر سيحون في العبور، رأيت البحر المسجور، فأذعن له شاه رخية وخجند، وتحصنت منه تاكشند، فتوجه لحصارها، وعزم على هدم أحجارها، فبعد أن حاصرها مدة، وأذاقها لباس الجوع والشدة، لجأت إلى طلب الأمان، وسلمت إليه قياد الإذعان، فأجاب سؤالها، ورقح بالصلح حالها، ثم قفى آثارهما، طالباً دمارهما ذكر إيقاد شيخ نور الدين وخدايداد، ناراً للخليل ليحرقاه، فأطفأها الله تعالى ووقاه وكان خدايداد وشيخ نور الدين يحومان حول الحمى، ويترقبان من فرص النهب والسلب معاني عسى ولعلما، فتوجه وراءهما، ورام

стр. 406

لقاءهما، فجعلا يرحلان بمرأى منه ومسمع، وينزلان بمأمل فيهما ومطمع، وجعل يقتفيهما في كل منزل، فإذا رحلا يتبع قفاهما وينزل، وكان خليل سلطان معتمداً على عسكره، مستيقناً بحلول نصره وظفره فكأنه في بعض الليالي غفل عن التحرس، وكان لهم في جيشه من دأبه التجسس والتحسس، فخيبه الظن وخانه، وحط على مكان يسمى شرابخانه، وكان قد تقدم على الثقل، فطار جاسوسهما إليهما بما فعل، فأقبلا كالسيل، وبيتاه بالليل، فجرح من عسكره جماعة، وكأنما قامت القيامة في تلك الساعة، ثم تركاه وردا، وفرا عنه وندا، وتشتتا في المهامه والموامي، ومن أين للسلطان اقتناص الحرامي؟ فكف عنهما عنان الطلب، وقصد بالسلامة دياره وانقلب ذكر مفارقة شيخ نور الدين خدايداد وتقاسمهما تلك البلاد ولما كانت مودة خدايداد وشيخ نور الدين كالجرة الفخار، وأساس ما بينهما من الصداقة كمن أسس بنيانه على شفا جرف هار، اختلفا وما ائتلفا، وتجاذبا شقة الشقاق، ونفق في تبايعهما بضائع النفاق " ولم يعلم أحد من راق، وظن أنه الفراق " فقهقر شيخ نور الدين نحو سغناق، واستولى على تلك الأطراف والآفاق ذكر رجوع شيخ نور الدين إلى الاعتذار والتنصل عند خليله مما كان منه وصار ثم أرسل شيخ نور الدين إلى خليل سلطان، واعتذر عما صدر منه من العصيان، وطلب منه أن يقابل إساءته بالإحسان، ويرجع إليه عوائد صدقاته كما كان، فأجابه إلى سؤاله وأسبل على سوءه جرمه ذيل النسيان، وأرسل إليه امرأة جده تومان " فصل " ولم يزل على الوفاق، وشق شقة الشقاق، مرتبقاً ربقة الرفاق، حتى وقع خليل سلطان في الرباق، وصفا لشاه رخ " ملك " سمرقند وراق، توجه إليه شاه ملك مظهراً الصلح ومضمراً النفاق، واستنزله بالمكر من قلعة سغناق، بعد أن أحكما العهد والميثاق، ووقع بينهما الاتفاق، أن يتلاقيا ركبانا، ويتباثا الأشواق، بعد السلام والاستلام والعناق وكان في جماعة شاه ملك شخص يدعى أرغوداق، ثم أقبل

стр. 407

شاه ملك بجماعته، ونزل شيخ نور الدين من قلعته، وسار شاه ملك وحده، من غير عدة وعدة، وتعانق هو وذلك المغرور، وبثه ما نابه في غيبته من أمور، وسرور وشرور، فأكد عليه الميثاق والعهد، ووصى كل منهما ما يفعل الآخر من بعد، ثم ودعه وانصرف واتصل بجماعته ووقف، وسارع كل من جماعته بمفرده، إلى مصافحة شيخ نور الدين وتقبيل يده، حتى أفضت النوبة إلى أرغوداق، فتوجه بما أضمره من الخداع والنفاق،

стр. 408

وكان في الشجاعة أسداً، وكالفيل قوة وجسدا، فوصل إليه، وقبل يديه، ثم التزمه عناقا، وأحكمه اعتناقا، فاقتلعه من سرجه، وأهبط نجمه من برجه، وقطع رأسه، وفجع به ناسه ولما سمع بذلك شاه رخ طفق يندب ويصرخ، ولعن شاه ملك ونهره، وضرب أرغوداق وشهره، لكن ما أمكنه وصل ما قطعاه، ولا غرس ما قلعاه، كما قيل وليس لما تطوى المنية ناشر واستمر مدة لا ينظر إليهما، ثم بعد ذلك رضي عليهما، واستمر خدايداد متشبثاً بأذيال العناد، مشركاً بين العتو والفساد، غير مسلم إلى الصلح القياد، إلى أن أباره الدهر وأباد،

стр. 409

وسنذكر كيف جاد بإعدامه وأجاد ذكر مر أمر خليل سلطان ببناء ترمذ التي خربها جنكيز خان، وتجهيزه العساكر لهذا الشأن ثم في شهر صفر سنة عشر وثمانمائة، أرسل خليل سلطان من الجنود فئة، وأضافهم إلى ألله داد، وضم إليهم من رءوس الأجناد إلياس خواجه وابن قماري منصور، وتوكل قرقرا ودولت تيمور، إلى ترمذ مع آخرين، ليعمروها فاستمروا سائرين، حتى وصلوا إلى ترمذ، فجمعوا في الحال احتياجاتهم من الأحجار والأخشاب والقرمد، ثم تقاسمت تلك الرءوس أبدانها، وعلوا عن أن يتسوروا قلة أسوارها وحيطانها، وجعلوا يعملون ولا يلبثون، ويبنون بكل ريع منها آية يعبثون، وتركوا بالنهار أكلاً وبالليل نوماً، فأتموا بنيانها في نحو خمسة عشر يوماً، وحين ميزوا محلاتها وفرزوا دروبها وطرقاتها، ورفعوا أعلام مساجدها ومناراتها وبينوا مواضع أسواقها وأبياتها، أمروا الباقين من ذرية النازحين عنها من أهلها، وكل من رحل من خراب وعرها إلى عمران سهلها، أن يرجعوا إليها، ويخيموا عليها،

стр. 410

وكان أولئك المساكين، قد استوطنوا منها البساتين، وبنوا فيها أسواقهم وبيوتهم، وجمعوا فيها أسباب معايشهم وقوتهم، واستمر ذلك من وقت جنكيز خان، إلى وقت تيمور كوركان، فكانوا في وطنهم آمنين، وعن حركات الانزعاج والتقلقل ساكنين فلم مات تيمور، وحدث شرور وأمور، أراد خليل سلطان أن يصونهم، فأرسل من شيد حصونهم، وكانت الجديدة عن العتيقة نحواً من فرسخ، فصارت العتيقة أحصن من الجديدة وأرسخ، لا سيما وقد علا البانون منارها، ونهر جيحون يصافح أقدام طود حمل أسوارها، بخلاف الجديدة، فإن قصور مساكنها غير مشيدة، وهي عن النهر بعيدة فلما نادوا الناس أن ادخلوا إلى دار قراركم، فكأنهم كتبوا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم، فلم يثقل الله داد عليهم، ولا كرب في ذلك ولا التفت إليهم، ولم يظهر في ذلك عنادا، ولكنه حشر فنادى، أن كل من سبقت يده من أهل البلد، إلى شيء من هذه الأماكن والعمائر الجدد فهو له من غير منازع، ولا ممانع ولا مدافع ثم أمر بانتقال الخبازين والقصابين، والطباخين

стр. 411

والسمانين، وميز لهم منزلهم ومأواهم، ولم يتعرض لمن سواهم، فجعلوا يبيعون على العساكر ويشترون، ويربحون في ذلك ولا يخسرون، فاختل نظام سائر الجمع، إذ الإنسان مدني بالطبع، فألجأهم الاضطرار، أن يتبعوهم بالاختيار، فتفقد ما يليق به من أحوال كل من كبيرهم وصغيرهم، وقرر على ما اقتضته أوامره قواعد أمورهم، ثم جمع رءوس جنده، وقفل إلى سمرقنده ذكر ما فعله شاه رخ من جهة خراسان في مقابلة ما فعله خليل سلطان ولما سمع شاه رخ بما فعله خليل سلطان، جهز طائفة من عساكر خراسان، وجعل يمد ذلك السحاب المنجاب، من بحر أمر أمير يدعى مرزاب، وهو أخو جهان شاه، الذي كان تيمور على محاصرة قلعة دمشق ولاه، وأمر رءوس تلك الجنود، أن يبنوا قلعة تسمى حصن الهنود، وهي من أقصى بلاد خراسان، يفصل بينها وبين ترمذ نهر جيحان، ففعلت من البناء العساكر الخراسانية، نحو ما أعربت عنه العساكر الخليلية السلطانية، وفي أثناء مدة البناء، تراسل الله داد ومرزاب وتصافيا، وتواصلا بالاحتشام والاحترام وتهاديا

стр. 412

إشارة إلى ما حدث في أقاليم إيران وما جرى من سيول الدماء عند نضوب ذلك الطوفان ثم إن السلطان أحمد وقرا يوسف رجعا إلى العراق، ووقع بينهما على سياسة الملك الاتفاق، واستقر السلطان أحمد في بغداد، ووثب قرا يوسف على الجغتاي بالعناد، ليستخلص منهم " ما استولوا عليه من " بلاد، وكتب الفتح على راياته آيات نصر من الله، فاستخلص ممالك أذربيجان بعد أن أباد طوائفهم وقتل أميران شاه ومد عنان الكلام، في استيفاء هذا المقام، يخرجنا عما نحن بصدده من المرام " إلى أن وقع بينهما الشقاق، وتخبطت أذربيجان والعراق، ثم قتل قرا يوسف السلطان أحمد بإشارة بسطام، وذلك في شهور سنة ثلاث عشرة وثمانمائة من هجرة النبي ﵇ " وأما عراق العجم، فإنها كانت أحصن أجم، فاستقل بدعوى الملك متوليها بير عمر، فنهض عليه ذو قرابة له يدعى اسكندر، فقابله وكسره، ثم قبض عليه وهصره، واستقل بدعواه، فتوجه إلى شاه رخ صاحب هراة، فقبض عليه وأباده، وفجع به أهله وأولاده، واستصفى بلاده، فخلصت لشاه رخ

стр. 413

ممالك العجم كلها، وانثال إلى خزائنه من أموالها وابلها وطلها، من غير أن يعاني في ذلك نصبا، أو يقاسي في تحصيله تعباً ووصبا مع أن مملكته كانت أوسط الممالك، فلم يتطرق له أحد بسوء لذلك، وأنه كان حسن الجوار قليل الحركة، وأبوه قد حسم عنه بقتله ملوك العجم مادة " كل " شر وهلكه، فثبت في مكانه بين أسود شمخت ونبت، وكبت ماله من أعداء بما له من أصدقاء وثبت، فاهتزت أراضي دولته بنبات الثبات وربت، وكأن عيون السعد كانت تراقبه، وعرائس الملك تناجيه وتخاطبه، بقوله نزه فؤادك عن سوانا والقنا ... فجنابنا حل لكل منزه والصبر طلسم لكنز وصالنا ... من حل ذا الطلسم فاز بكنزه ذكر خروج الناس من الحصر وطلبهم أوطانهم مما وراء النهر وفي أثناء هذه الحالات، قصد الناس من سمرقند التبدد والشتات، وطلب كل غريب وطنه، وتحرك يبغي سكنه وقطنه، إما بإجازة

стр. 414

واحتما، وإما بهزيمة واختفا، فأول من استجاز من أهل الشام ورام المسير شهاب الدين أحمد بن الشهيد وزير، ثم تفرقت الطوائف عجماً وعرباً وتبددوا في الآفاق شرقا وغربا، ووقع في سمرقند القحط وغلاء الأسعار، ولم يرخص بين الناس سوى الدرهم والدينار، ثم حصل بعد ذلك الرفاهية، واجتمع للناس الرخاء والأمنية، وطاب الزمان، وحصل الأمان، وذهب المقت، وصفا الوقت وعند صفو الليالي يحدث الكدر ذكر ما أثار الزمان الغدار من دمار وبوار، ألقى به الخليل في النار وكان خليل سلطان، تزوج بشاد ملك زوج سيف الدين الأمير، وملكه سلطان هواها فكان فيه كالأسير، فمال بكل جوانحه إليها، بحيث أنه قصر نظره عليها، وصارت محبته كل يوم تزداد، وأنست قصته قضية قيس وليلى وشيرين وفرهاد، فكان كما قيل أعانقها والنفس بعد مشوقة ... إليها وهل بعد العناق تدان وألثم فاهاكي تزول صبابتي ... فيشتد ما ألقى من الهيمان

стр. 415

كأن فؤادي ليس يهدا الذي به ... إلى أن يرى الروحين يجتمعان واستمر ذلك إلى أن ران هواها على قلبه، وأخذ بمجامع لبه، وربط جوارحه، وحل جوانحه، وفصل قميصاً واسعاً فكانا يلبسانه، واتحدا فصار ينطق بلسانها وتنطق بلسانه، وصارا ينشدان، وإلى حالهما يرشدان أنا من أهوى ومن أهوى أنا ... نحن روحان حللنا بدنا بل كانت القضية بالعكس قلت إنما كان بروح نفخت ... مذ براها ربها في بدنين فكان لا يصدر أمراً إلا عن رأيها، ولا يستضيء في سياسة الملك إلا بآرائها فسلمها قياده، واتبع مرادها مراده وهذا من غاية البله والعته، وكيف يفلح من ملك قياده امرأة وكان لها خادم قديم، ليس من بني الأحرار ولا بكريم، بل كان من أطراف الناس، يبيع في أول أمره البز والكرباس، يدعى بابا ترمش، بطرف معمش، ووجه منمش، وصورة قبيحة،

стр. 416

وسيرة غير مليحة، وكان يتقاضى حوائجها ويدخل عليها، قبل وصول خليل سلطان إليها فلما وصلت مخدومته إلى ما وصلت، وحصلت لها المرتبة التي لغيرها ما حصلت، ارتفعت درجت خدمها، وزادت حشمة حشمها، فاستفاد بابا ترمش من إضافة إليها التعظيم، وبحسب كرامة المخدوم يحصل للخادم التكريم، فصار يرأس جماعتها ويسوسهم، وبمجالستها تحلى بخلعة " هم القوم لا يشقى جليسهم " ثم ترقى حتى صار عليه مدار أمرها، ثم تخطت قدمه إلى التكلم في أسباب الملك وغيرها، ثم تدرج إلى فصل المحاكمات الديوانية، وإجراء القضايا السلطانية، ثم ترفع إلى التولية والعزل، وتعاطي ذلك على سبيل الجد لا الهزل، وانتهى في ذلك، فصار دستور الممالك، ولم يقدر أحد على رد كلمته، لحدة شوكته بقوة مخدومته، فبسط يده ولسانه كما اختار، وامتثل كل أحد ما أمر به وأشار، واستطال على ألله داد وأرغون شاه، فصار يبرم ما ينقضانه وينقض ما أبرماه، وبلغ في قلة الأدب إلى أن كان يمد رجله بحضرتهما، ولا يقوم بذرة من واجب حرمتهما، ثم حجر أن لا تفصل قضية إلا بمشورته، وإن كان غائباً

стр. 417

فينتظر حضوره أو يتوجه إلى حضرته ومن حين نبغ، إلى أن بلغ ما بلغ، كان نحواً من ثلاث سنين، وعفاريت الجغتاي وجهنم لابثون " معه " في العذاب المهين، فحصل لألله داد وأرغون شاه من هذا التدرج، غاية التضرر ونهاية التحرج، وبلغا الغية في الإهانة والنكاية، وأعضل داؤهما، وأعجز دواؤهما، واستلذا ذهاب العيش وزواله، على البقاء في هذه الحالة ذكر ما افتكره ألله داد، ودبره في مراسلة خدايداد ثم إن ألله داد استعمل فكره، ولكن أخطأت استه الحفرة، فطبخ قدراً فانقلبت عليه، ونسج كدود القز شبكة حتفه بيديه قلت إذا انعكس الزمان على لبيب ... يحسن رأيه ما كان قبحا يعاني كل أمر ليس يعني ... ويفسد ما رآه الناس صلحا فلم يجدا لتبريد الأكباد، إلا مراسلة خدايداد، فجليا عليه صورة هذه البلية، وأخبراه بها عن وضوح وجلية، وأشار عليه بأن يتوجه بأمل فسيح، ويقصد

стр. 418

بعساكره سمرقند وخاطره مستريح، فنهض من ساعته، وتوجه بجيشه وجماعته، ودب دبيب الدبى، فوصل إلى مكان يدعى أورتابا، فلما سمع بذلك خليل سلطان، أرسل إلى الجنود والأعوان، وتعجب من وقاحته، وتعوذ من كلاحته، وجهز ألله داد وأرغون شاه، مع العساكر الجرارة للملاقاة فسارا حتى دانياه، فقابلاه وما قاتلاه، ثم أرسلا إلى خليل سلطان، يستدعيان المدد ويقولان إن هذا الرجل بلغ من ملاحاته، وشدة دعارته وقلة مبالاته، أنه لم يتزعزع من مناخه، ولا دخل ريح هيبتنا من صماخه، فأمدهما بباقي العسكر، وجعل يتشوف لما يكون من الخبر، فأرسلا أيضاً أن هذا، قد آذى، وزاد فسادا، وجارى في عدوانه ثمودا وعادا، فأمدنا بنفسك، وأدركنا بحدسك وحسك، فإن هيبتك أقوى، وطلعتك أضوى، وما ارتكب هذه الجرأة، ولا أقدم على هذه الجيئة، إلا وقد أضمر شراً كبيراً، وطوى في باطنه قاراً وقيراً، فأدركنا بباقي المقاتلة، فإن هذه المرة تكون الفاصلة فخرج خليل سلطان بقلب مطمئن، وخاطر عن حلول

стр. 419

الحوادث مستكن، وأمل فسح، وصدر منشرح، معجباً بشبابه، مغرماً بأصحابه، متمايلاً بين أحبابه، متهادياً بين أترابه، في شرذمة قليلة، وطائفة نبيلة، أبعد ما عنده نزول هم، وأشرد ما لديه حلول نكد وغم، يفديه الكمال، ويناديه لسان الجمال بقوله ته دلالاً فأنت أهل لذاكا ... وتحكم فالحسن قد أعطاكا فوصل بتلك العصابة السلطانية، إلى قصبة تسمى سلطانية، فأرسل ألله داد، إلى خدايداد أن الركاب السلطاني، خرج من سمرقند في اليوم الفلاني، وفي الساعة الفلانية، يحل كورة سلطانية ذكر ما قصده خدايداد من الكيد ووقوع خليل سلطان في قنص الصيد فقصد خدايداد المخاتلة، وترك ثقله مقابل المقاتلة، ونبذ العساكر وراء ظهره، وتأبط شر شرارة، وهراوة هره، واستصحب من أبطال القتال،

стр. 420

ورجال النضال والنزال، طائفة، جاسرة غير خائفة رزان إذا لاقوا خفاف إذا دعوا ... كثير إذا شدوا قليل إذا عدوا والتحف ذيل الليل، ولطأ بظهر الخيل، واستطرق إلى مطلوبه طريقاً عوجاً، واستقود إلى مقصوده قواد الدجى، كما قيل لا تلق إلا بليل من تواصله ... فالشمس نمامه والليل قواد حتى وصل إلى سلطانية، وهي قصبة أنشأها تيمور، ولم يكن لأحد به شعور، فلم يفجأ خليل سلطان، إلا وقد جاءه موج البلاء من كل مكان، فنهض كل من معه من الأصحاب، وأخذوا في الحرب والطعن والضراب، وقاتلوا قتال الموت، وأيقنوا حلول الفوت، فعضت عليهم الحرب العضوض، وطرحتهم ما بين مهشوم وموقوذ ومرضوض، فقتل حقيرهم وجليلهم، ووقع في نار عدوهم حبيبهم وخليلهم، ثم رجع خدايداد إلى معسكره، فائزاً بنجحه مستبشراً بظفره " فصل "

стр. 421

ثم إن خدايداد حلف لخليل سلطان، بأشد ما يكون وأبلغ من أنواع الأيمان أنه لا يقصده بأذى، ولا يرمي في عين معيشته بخيال قذى، ولا يؤذيه بقول ولا عمل، ولا يسلط عليه من يؤذيه بمكر ودخل، وسيرى نتيجة ما حلف، وأن الله تعالى عفا عما سلف " فصل " ثم التمس منه أن يرسل إلى ألله داد، فمن دونه من الأجناد، أن يستسلموا لخدايداد، وأرسل خدايداد أيضاً إلى الناس، بأني قد استوليت منكم على الراس، فإن أطعتموني أطعته، وإن لم تصلوني قطعته ولما وقع خليل سلطان بهذا الكرب، تصور أن هذا سهم غرب، ثم ظهر له مكان ذلك المكمن، وتحقق كيف أخذ من المأمن، وعلم من أين صب ذلك البلاء عليه، وأنى أخذ من ذلك الجانب الذي يأمن إليه، فقال بلسان الحال جزى الله عنا الخير من ليس بيننا ... ولا بينه ود ولا نتعارف فما سامنا خسفاً ولا شفنا أذى ... من الناس إلا من نود ونألف ثم أرسل إلى سائر الأمراء، ورؤساء الجيش والوزراء، أن يستسلموا

стр. 422

لخدايداد ولا ينازعوه، ولا يدافعوه فيما يريد ولا يمانعوه، فاستسلم الكل إليه، واستقبل ذراه وسلم عليه، فاستولى على تلك الجنود المجندة، وتحصن من غوائل المخاتلة بالرماح المسددة والسيوف المهندة، وقدم جنود جند وخجند، وأغتام تركستان وطغام أوزجند، وآخر من سوى أولئك وتقدم إلى سمرقند، ولم يلتفت إلى ألله داد فمن دونه، وتحقق ألله داد أن صفقته في ذلك مغبونة، فسلخ الزمان عنه ما كان ألبسه من ثوب عز وسلب، وفر من بين يديه ما كان فيه من جاه ومال وذهب، وكان قيام ذلك الحشر، في سنة ثمانمائة واثنتي عشر ذكر ما جرى من الفساد بسمرقند عند قدوم خدايداد فوصل خدايداد إلى سمرقند ودخل، فتغيرت تلك الرسوم والدول، وكأنه ظهر اختلاف الملل والنحل، وكان له ابن عم يدعى ألله داد، فدعاه بالسلطان على رءوس الأشهاد، وتفحص عن مكامن الخزائن، ونقب في أطوادها عن الفلزات والمعادن، ونقر عن مضمرات الضمار وبحث عن الخبايا والدفائن، وتغيرت الأوضاع، وتبدلت

стр. 423

بالفظاظة رقاق الطباع، وصاروا كما قيل أما الخيام فإنها كخيامهم ... وأرى نساء الحي غير نسائها وتنكرت الصفات حتى كأنما تحولت الذوات، أو بدلت الأرض غير الأرض والسموات وتنكرت أرض الغوير فلم يكن ... ذاك الغوير ولا النقا ذاك النقا ذكر بلوغ هذه الأمور شاه رخ بن تيمور وتلافيه تلك الحوادث وحسمه مادة هذه العوابث ولما اتصل بشاه رخ هذا الخبر عبس وبسر، وتضجر وزمجر، وازور " وازبأر، وكشر " واكفهر، وتغير وجهه وتمعر واستغاث وتقلق، وولول واسترجع وحولق، وتحرق وتنكد وتأوه وأنشد لقد هزلت حتى بدا من هزالها ... كلاها وحتى سامها كل مفلس ثم طير بطائق مراسيمه كل مطير، إلى أطراف ممالكه بجمع العسكر،

стр. 424

وأمر شاه ملك، أن يسير غير مرتبك، ويستديم السير، ويسابق بعتاقه عتاق الطير، فيتدارك ما انفرط من النظام، ويطارد عن ورد المملكة الأغتام الطغام، فلا يدع رائدهم أن يحل ويعاجل مستعجل قدرهم أن يمل فسار شاه ملك في الحال، بعساكره في المدد كالجبال، وفي العدد كالرمال، ثم اتبعه شاه رخ بسائر الأساورة، وكواسر الأكاسرة، سار لا يلوي على أحد، ولا يسكن في حركته إلى طالع ولا رصد، فحين وصلوا جيحون وعبروه، غطوا وجهه وستروه، فانبسط ذلك السيل على وجه الماء، فكأن البحر غطى بالغمام المتراكب وغرق في بحر الحياء " فصل " ولما قطع البحر تلك الأطواد، واتصل الخبر بخدايداد، تيقن أنه لا طاقة لدبابه وقروده، بذئاب جنود شاه رخ وأسوده، وأن جل عساكره يفر عنه ويسلمه، أو يقبض عليه ولشاه رخ يسلمه، فأسرع في تنجيز مآربه، وبادر إلى تجهيز مطالبه، وأخذ ما وصلت يده إليه من أموال، وأوسق ما بلغت طاقته من نفائس وأحمال، واستصحب

стр. 425

خليل سلطان، وتوجه إلى أندكان، وأودع ألله داد وأرغون شاه بابا ترمش في القلعة، وأنف أن يستصحب أحداً منهم معه، وترك شاد ملك أيضاً في المدينة، بفراق خليلها رهينة، ويسلب ما كان فيه من العز مهينة ذكر ما جرى بسمرقند بعد خروج الجنود الجندية وقبل وصول الشواهين الشاه رخية ثم لما رحل خدايداد وانفصل، ولم يكن أحد من جهة شاه رخ وصل، وما كان للناس، ظهر ولا رأس، أراد ألله داد وأرغون شاه، أن يتوجها إلى شاه رخ ويستقبلاه، فرفع خواجة عبد الأول عليهما يده، وأقام لمنعهما عن الخروج من القلعة رصده، واستعان بشطار المدينة، وكان ألله داد قبل ذلك أنكاه نكاية أورثته ضغينة من يزرع الشوك لا يحصد به عنباً فلم يختلف في رياسته اثنان، ولا انتطح فيما يأمرهم به عنزان، وصارت إشارته الآمرة الناهية، وجداول مراسيمه فيما بين الناس جارية، وأوامره المطاعة في تلك الأيام الخالية والعلم يرفع كل من لم يرفع ولم يزل خواجه عبد
следующие страницы →