← История

История · id 12417

عجائب المقدور في أخبار تيمور

ابن عربشاه

Полный текст (492 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

من سرور وشرور وكان لألله داد أحد الخلان، يدعى سعادات نائب مدينة أندكان، من ذوي النباهة والشهرة، وهو أحد الأمراء الذين توجهوا لعمارة باش خمرة، فأرسل قاصداً لألله داد، أنه ارتفعت مادة الفساد، وأن تيمور ترك تبعة الممالك وتوجه بتبعاته إلى درك مالك، فوصل القاصد بهذا السرور رابع عشر شهر رمضان من العام المذكور ففرج عن ألله داد همه، وأزاح عنه غمه فكأنه استأنف له الحياة، أو رد راحلته التي عليها طعامه وشرابه بعد أن أضلها في فلاة، وسيأتي حكاية ألله داد وأمره، وما جرى له بعد ذلك إلى آخر عمره ذكر من ساعده البخت واستولى بعد تيمور على التخت فلما قضى تيمور نحبه، وأزال الله عن العالم كربه، لم يكن معه في أجناده من أقاربه وأولاده وأحفاده سوى خليل سلطان بن أميران شاه حفيده، وسوى سلطان حسين ابن أخته الذي هرب إلى السلطان في الشام عند وروده فأرادوا كتم هذه القضية، وأن لا يشعر بها أحد

стр. 352

من البرية، فشاعت وراعت، وعلى رغمهم ذاعت، فاضطربوا واضطرموا، واصطدموا واصطلموا، فاطلع الناس كلهم على ذلك وفهموا، وعلموا أنه قطع دابر القوم الذين ظلموا، فجفلت العساكر واحتفلوا، وحملوا عظامه وإلى سمرقند قفلوا وساعد خليل سلطان البخت، وخلا له الجو فاستولى على التخت، وكان أبوه أميران شاه، متولي ملك أذربيجان وما والاه، وعنده ولدان عمر وأبو بكر، وبينهم وبين ما وراء النهر من الأطواد والأشجار مائة سياج وألف سكر، وكان أبو بكر هذا في الجغتاي من الفوارس، والضاربين بالبيض الهام والقوانس يذكر أنه كان يوقف بقرة، أو ينيخ بكرة، ويضربها بالسيف ضربة لا ضربتين، فيجعلها قطعتين مفصولتين وأميران شاه هذا قتله قرا يوسف بعد تيمور واستخلص منه ممالك أذربيجان وولده عمر قتله أخوه أبو بكر وأبو بكر قتله إيدكو متولي كرمان، ومصافاتهم مذكورة، وحكاياتهم مشهورة وشاه رخ كان في هراة وممالك خراسان، وبير عمر كان في ولايات فارس وتلك البلدان، وتيمور كان جعل ولي عهده محمد سلطان،

стр. 353

وهو وإن كان من أحفاده، لكنه قدمه على أولاده، لما لاح له من فلاحه، وظهور رشده وصلاحه، فعانده القضاء فيما يروم، ومات كما ذكر في آق شهر من بلاد الروم وكان له أخ يدعى بير محمد، فجعله تيمور ولي عهده من بعد، فلما هجم عليه رائد الموت، وأهاب بروحه الخبيثة بأزعج صوت، كان مستغرقاً في بحار غفلته، مسترجياً إرجاء مهلته، فذبحه اعتباطا، وسام عسكره اختباطا، وكان إذ ذاك وكل من أولاده وأحفاده بعيد الدار، مستقر القرار، آمناً من البوار، فارغاً من الدمار، وهم كتيمور غافلون وبير محمد في قندهار، وهي بين حدى خراسان والهند وبينه وبين ما وراء النهر سباسب وقفار فلم يكن أقرب إلى دار الملك الذي أنشأه، وهي سمرقند سوى خليل سلطان بن أميران شاه، مع أن قطان الشتاء وندافه، كان قد بسط على فراش الأرض لحافه وندف عليه من أقطان الثلوج ما غطى وجه العالم وأطرافه، وطم ظهره وأكتافه، فلم يقدر أحد من أولئك الحشرات أن يخرج رأسه من اللحاف، أو يضحك ثغر زهرة أنملة في كم كم خوفاً من جاني النسيم أن يبادرها

стр. 354

باختطاف الاقتطاف، فضلاً عن أن يتمطى في فراش أهبة إلى حركة سفر فتمتد يده نحو بطش أو رجله نحو طواف، فاستولى خليل سلطان على ذلك المغنم البارد من غير منازع وعديل، واستبدل الملك بل العالم من جهنم الكوثر السلسبيل، ونادى لسان السلطنة في رقعتها نعم البديل، بدلت عن بغيض بحبيب وعن عدو بخليل وتمكن من العساكر وسائر الأمراء، وخلاصة الجند وأساطين الزعماء، واحتوى على تلك الأمم، وطوائف الرءوس من العرب والعجم، وأدخل عنق الجميع في ربقة المتابعة وفتح لهم في أسواق الصداقة حوانيت الصلاة فعاملوه بعقود المبايعة، ولم يمكن أحداً منهم الخروج عن الدخول في الطاعة، والتخلف عن المبادرة إلى مبايعته في ذلك اليوم ولا ساعة، فأطلق لهم البشرة، وأحسن معهم العشرة، وكان يوسفي الخلق، محمدي الخلق، خليلي الرفق، اسماعيلي الصدق، جمع حروف الملاحة، وحاز صنوف الصباحة، نقش محاسنه كاتب الصنع بقلم الكاف والنون، على أحسن ما يكون من الحركات والسكون، فأول ما مشق على لوح الجمال قد ألف قده القويم، فباء له كل من فاء عن لام عذاره

стр. 355

متقوساً في خدمته كالدال والجيم، وحسن لكل راء ما فيه من زين، وما شين سين ثغره وميم فمه مذ فاها بخلف ولا مين، فاستقفى بوابله كل قاف واستكفى بنائله كل كاف، وأمطر من غين كفه العين فصاد من الجند كل ذي لام وباء، ودال بذلك كل من باء عن وعده، ورجع عن عهده وفاء، ففدت الواقيات مهجته، ورقت من عين الحوادث بهجته وعوذت منه الأرداف، بالطور والأحقاف، وحمت نون حاجبه وفاه طرفه وطرته وردفه ب " حم عسق " وفتحت له الملوك بالثناء فاها وخفضت لارتفاعه خدودها معوذة له وقالت يس طه ذكر خلاص العساكر من البند وقفولهم مع عظامه إلى سمرقند ولما ذبح قصاب الفناء تيمور ونحره، جزره كالجزور فجعل يخور كالثور وبقره، ثم أراد أن يصليه من نار الجحيم حفره، فاستغاث بخليله فأجاره وأخره، وقال لا تعجل عليه وحمله في محفة بعد العجلة وصبره، وألوى راجعاً إلى سمرقند، وكان قد انحل نهر خجند، وطالب الشتاء قد أدرك ثأره، وبرد قلبه وسكنت الحرارة

стр. 356

قلت ورق للعالم قلب النسيم ... وأقبل الدهر بوجه بسيم ثم هجم جيش الربيع المنصور، فانهزم جند البرد فولى وهو مكسور ذكر ما أضمره وزراء تيمور وأخفاه كل منهم في التامور وكان في أفلاك ذلك العسكر سيارات نجوم بهم سماؤه تزهر، وبآرائهم يقتدى، وبروائهم يستضا قلت من كل منتجب للأمر منتخب ... كالشمس رأياً وكالضرغام إقداما قد هذبتهم الأمور، وشذبتهم بلايا تيمور، واستفتح بهم المغالق، واستوسع بصدماتهم المضايق، وتخلص بحملاتهم من شدة كل مارق، وتوصل بعزمهم إلى نيل المآرب، وتوسل بعزيمتهم إلى كنوز المطالب فكان هو البدر وهم الهالة، وهو الفاعل وهم الآلة، وهو الروح وهم الحواس، وهم الأعضاء وهو الرأس فلما كورت شمس مواكبهم، وانتثرت كنس كواكبهم، ورحل زحلهم، وخاب أملهم، فلت

стр. 357

وعوض الكون الدجى بالضحى ... وبدل المريخ بالمشتري أجال كل منهم قداح فكره، وتدبر في ذلك الحادث وعاقبة أمره، واستصغر خليل سلطان وعلم أن سيأتيه موج المنازعة من كل مكان، وأنه لا يصفو له ورد الملك من مكدر، ولا هواه من مغبر، وأقل الأشياء أن يقول له رسول أكابر أقاربه كبر كبر، فأعد لكل شدة شدة، ولكل غدة عدة، ولكل خزة فزة، ولكل جزة جمزة، ولكل بؤس لبسا، ولكل سهم ترسا، ولكل نائبة نابا، ولكل بائقة بابا، ولكل خطب خطابا، ولكل خطاب جوابا، ولكل حرب حرابا، ولكل أمر أمرا، ولكل غدر عذرا، ولكل أزمة حزمة، ولكل نصب نصبة، ولكل كسرة جزمة ولكن شكيمة البرد كانت ردت جماح كل جموح، وصفيحة الجمد قدت جناح كل سبوح، فما وسع كلاً منهم إلا الإطاعة، والانقياد لأمر خليل سلطان بالسمع والطاعة، واستمروا معه على القفول، مضمرين لخليل ما أضمره للحبيب عبد الله ابن أبي سلول، وكان أحدهم يدعى برندق، فرام إلى التحصن بقلعة المخالفة التسلق، فقال لخليل سلطان إن اقتضت الآراء أن أتقدم،

стр. 358

وأمهد لك الأمور إلى حين تقدم، فأكون رائد دولتك، وقائد سلطنتك، فأشيد القواعد، وأبشر الصادر والوارد، فيكون كل مستعداً للملاقاة ومهيأ أسباب الموافاة، فأذن له، وأمامه أرسله، فوصل إلى سيحون وقد عقد عليه جسر بالمراكب وهيئت أسباب عبوره لكل راجل وراكب، فعبره برندق بجماعته، ثم أمر بقطعه من ساعته، وأعلن العصيان، وقصد سمرقند مجاهراً بالطغيان فكشرت أسوارها ... في وجهه أنيابها وأسبلت عصمتها ... ببابها حجابها وأسدلت على جبين ... منعه نقابها فاستدرك فارطه، وسلك في مسألة منطقه بحث المغالطة، ووصل خليل سلطان إلى الجسر فوجد عقده قد انحل، ونظامه قد اختل، فلم يكترث ببرندق وما فعل، بل عقده مرة ثانية ودخل، وولى وراء سيحون من البلاد، متوليها أولاً وكان يدعى خدايداد، وهو من أكبر أعدائه، ومن رفقاء تيمور ونظرائه، ومنسوباً إلى السلطان حسين،

стр. 359

وهو في تلك البلاد بمنزلة الرأس والعين، فلم يسع خليل سلطان إلا مسالمته، وإقراره في بلاده ومهادنته، إذ أموره كانت في أوائلها، ففوض إليه أمرها والقلوب في غوائلها ذكر وصول خليل سلطان بما ناله من سلطان إلى الأوطان ثم توجه إلى سمرقند فاستقبله كبراؤها، وخرج إليه نائبها وزعماؤها، ووفد عليه نواب البلاد، منغمسين في السواد، لابسين أثواب الحداد، وجاء الأكابر والعظام، معظمين هاتيك العظام، ومهنئين خليل سلطان بالسلامة، ونيل سرير الزعامة قلت ووجه كل قد غدا ... مثل الربيع القادم وعين سحب قد بكت ... وثغر زهر باسم وجعلوا يقدمون التقادم السنية، والحمولات البهية، وهو يقابل كل منهم بما يليق بحشمته، وينزله في منزلته، وقال لبرندق لا تثريب، وقابله مقابلة الخليل الحبيب، ومهد لهم بساط المباسطة، وسلم إليه مسألة المغالطة، وحين ثبتت أوتاده اقتلعه، وألقاه على غفلة

стр. 360

في فم أسد المنية فابتلعه، ثم أشلى على دياره كلاب النهاب، وشهاب الالتهاب، فمزق أديمها، وهتك حريمها، ومحا حديثها وقديمها ذكر مواراة ذلك الخبث وإلقائه في قعر الجدث ثم إنه أول ما اشتغل بمواراة جده، وتنجيز أمره وإلقائه في حفرة لحده، فوضعه في تابوت من أبنوس وحمله الرءوس على الرؤوس، ومشى في تشييع جنازته الملوك والجنود، حاسري الرؤوس لابسي الثياب السود، ومعهم طوائف الأمراء والأعيان، وأنزلوه على حفيده محمد سلطان، في مدرسة حفيده المذكور، بالقرب من مكان يسمى روح آباد وهو موضع مشهور فكان هناك على أثاف، في سرداب معلوم غير خاف، وأقام عليه شرائط العزاء، من إقراء الختمات والربعات والدعاء، وتفريق الصدقات، وإطعام الأطعمة والحلاوات، وسنم قبره، ونجز أمره، ونشر على قبره أقمشته، وعلق على الجدران أسلحته وأمتعته، كل ذلك ما بين مكلل ومرصع، ومزركش ومصنع أدنى شيء من ذلك يقوم بخراج إقليم، وحبة من كدس تلك الجواهر تفوت التقويم، وعلق نجوم

стр. 361

قناديل الذهب والفضة في سماء غواشيها، وبسط على مهادها فرش الحرير والديباج إلى أطرافها وحواشيها ومن جملة هذه القناديل قنديل من ذهب زنته أربعة آلاف مثقال، رطل واحد بالسمرقندي وبالدمشقي عشرة أرطال ثم رتب على حفرته القراء والخدمة، وأرصد على المدرسة البوابين والقومة وقدر لهم الإدارات، من المسانهات والمياومات والمشاهرات، ثم نقله بعد ذلك بمدة إلى تابوت من فلاذ، صنعه رجل من شيزار ماهر في صنعته أستاذ، وقبره في مكانه المشهور، تنقل إليه النذور، وتطلب عنده الحاجات، ويبتهل عنده بالدعوات، وتخضع الملوك إذا مرت به إعظاماً، وربما تنزل عن مراكبها إجلالاً له وإكراما فصل في اعتدال الزمان، وأخبار خليل سلطان ولما أخذت تيمور الصيحة بالحق فصار غثا، وقعد خليل سلطان على التخت وقام الشتاء بعد أن كان جثا، مد الشعراء ألسنتهم للزمان بالمدح ولخليل سلطان بالتهنئة ولتيمور بالرثا، فسمع الشتاء وغنى صوته وأجاز، ورفع عن العالم في نهوضه الكلاكل والإعجاز فابتهج

стр. 362

الكون بورود الربيع، وشكر الروض للساحب ما أسداه إليه من حسن الصنيع، ورفع على الروابي من الشقائق أعلامه، ونصب مما زهره خيام الصنع من أزهار الأشجار خيامه، ونور الحدق بأنوار الحدائق، واستنطق بتسبيح الخالق، من خطباء الأطيار على منابر الأغصان في جوامع الرياض ما استنصت بلغاته كل ناطق، من كل مغرب في ديوان الفصاحة رائق، ومعجب بأسرار البلاغة فائق، فرقصت الأشجار، لغناء الأطيار، وصفقت الأنهار، واعتدل الليل والنهار، واكتسى البسيط الأغبر خلع السندس المزهر، وتبدلت الأغصان من قطنى الثلوج، كل ثوب بأصباغ القدرة مزهر وبدمقس الأزهار منسوج، وكل قباء صار مزهرا في كل دف أغن لكل طائر وفروج، وبسط الكون على المكان لإقدام قدوم خليل سلطان، شقق الورود والريحان " فصل " ولما فرغ خليل سلطان من ذلك شرع في تمهيد الممالك وتسليك المسالك وعلم أنه لا يتقيد به إنسان، إلا بقيد الإحسان، ولا يجتمع له البال، إلا بتفريق المال، فعقد القلب على فك طلسمات الختوم وحل

стр. 363

الرموز، وصرف الموانع والتوابع عن تلك المطالب والكنوز، وقوى العزيمة على فتح الخبايا وصيد عصافير القلوب ببذر حبات الهبات تحت شباك العطايا، ففرق ما كان شتت جده في جمعه شمل البرايا، وثقل الكواهل بتخفيف ما أثقل ظهر غيره بالمآثم والخطايا، وأوسق أحمال الآمال، وربوع الأطماع بالأموال وأمطر أيادي يمينه بالنوال ففاض الخير من صوب الشمال، وملأ الأفواه والمسامع والمقل من الناس، بما أفرغ من حواصل الكنوز والصناديق على أغتام الجند والأكياس، فنثر أغصان الدوح عند ورود الربيع أصناف أزهاره، فكأنه أنامل كفه المنتظمة في نثار درهمه وديناره، وجاد السحاب بدردره وأمطاره، فضاهى جود جوده الهامي على العالم وأقطاره، فقيد الناس كلهم بهذا القيد، ونحوا صراف بذله معربين له بالإطاعة فترك عمر ويزيد ذكر من أظهر العناد والمراء وتشبث بذيل المخالفة والعصيان من الأمراء والوزراء غير أن بعض تلك القواد، وزعماء الوزراء والأجناد أعلن

стр. 364

ما كان أسره، ووضع المضمر من العصيان موضع المظهر، فأول من شهر سيف العصيان، وفوق سهام العدوان، وشرع بمخالفة الرديني، خدايداد الحسيني، متولي ما وراء نهر سيحان، وأطراف تركستان فوجد من كان قد عزم على نفض يده من عقد الطاعة، إماماً يقتدى به في البغي ومفارقة الجماعة، لا سيما وقد كان صواغ الربيع قد أذاب بجمراته سبائك الجمد والثلوج، ورصع بما أخرجه من ذلك ديباجه الأرض وروضات الجنات وأرباض المروج، واستمعت أموات الحشرات صيحة الرعود بالحق فقالت ذلك يوم الخروج فاقتفى خدايداد، في العصيان والعناد، شيخ نور الدين، وكان عند نور الدين من المتقدمين، وذوي الآراء والتمكين، فانخزل جهارا، وسار ليلاً ونهارا، فوصل إلى خدايداد، وقوى منه الظهر والأعضاد، وشاركه في التمرد والفساد ثم بعده فرط نظام الطاعة شاه ملك، وأخذ في طريق المخالفة وهو منهمك، وخرج من سمرقند وهو يصرخ، وقطع جيحون ووصل إلى شاه رخ، وكان نظير شيخ نور الدين، وذا رأي مكين، وفكر رصين، فلم يكترث خليل سلطان

стр. 365

بالعاصي وأكرم من لم يعص، وعمم بتاج إنعامه كل رأس وما خص ذكر أخبار ألله داد صاحب أشباره وإخلائه إياها وقصده دياره، وما صنعه في تدبير الملك وأثاره قولاً وفعلاً وإشارة، إلى أن أدرك في ذلك دماره وبوراه ثم إن ألله داد جمع أخصاءه ليلة ورود الخبر إليه، وشاورهم فيما يصنع وما يبني أموره عليه، فاتفقت كلمتهم واجتمعت مشورتهم على قصد دياره، وإخلائه أشباره فإنهم كانوا في ذلك المكان كالفسيق في شهر رمضان، والزنديق بين قراء القرآن فلما طوى الجو ملاءته المسكية، ونشر على المكان مروطه الكافورية، وألقى ثعبان الفجر من فيه على هذا السقف المرفوع خرزته المضية، حضر إلى خدمة الله داد، أمراء الجيش على عادتهم ورءوس الأجناد، من الترك والخراسانيين والهنود والعراقيين فاختلى بأفاضلهم، ومداره مقاولهم، ونشر لهم من هذه القضية طيها، وطلب من آرائهم فيها رشدها وغيها، واستكتمهم أمرها، لئلا يستنشى المغول نشرها، وأنى لعين الشمس في الصحو الإستتار؟ وكيف يخفى على ذي عينين

стр. 366

النهار؟ فكل من فوض الأمر إلى مرسومه، وطرح قصة هذه القضية في جيب مكتومه، فاستدعى من أولئك الرفاق، أن يكونوا معه فيما يراه على طبق الوفاق، فأجابوه إلى سؤاله، وربطوا أفعالهم بأقواله، فأكد ذلك بطلب أيمانهم أن إسرارهم في ذلك كإعلانهم، فشرع كل في المحالفة، أنه ليس في موافقته مخالفة، وأنه مهما رآه الله داد امتثله، وما أمر به فعله وحين أمن غائلة مخالفتهم وعصيانهم، وحصل له اليسار بربطه أعناقهم بأيمانهم، قال أي جماعة الخير، وقيتم الضر وكفيتم الضير، أرى أن أكون في صلاة هذا الأمر إمامكم، فأتقدم بجماعتي إلى سمرقند أمامكم فأمهد الأمور لكم، وأرسل إلى بلدكم هذا بدلكم، وأيم الله لا يأخذني قرار ولا هدو، ولا أترككم مضغة لطاغم في ثغر العدو، فإن رأيتم أن تضبطوا بحسن الاتفاق أموركم، وتحموا قريحة ورد قلعتكم من سورة شارب العدو وسؤركم، فلن أمهلكم إلا بقدر ما أقطع نهر خجند، وأصل إلى سمرقند، فأمهلوني ريثما أصل، وبخليل سلطان أتصل فتبعوا مراده، واقتفوا ما أراده، وعاهدوه أن لا يختلفوا من بعده،

стр. 367

ولا يحلوا بعد ارتحاله من رقابهم حبل عهده، فأمر عليهم رأس جنود العراق، وكان هو أكبر الرفاق بالاتفاق، وفرز كل مسلحة في أسوارها من كل سالح جزءاً مقسوماً، وصار زعيم أولئك السالحين كالنبي في أمته مع أنه كان يدعى معصوماً فصل ثم أمر الله داد بتنجيز الأمور، وخرج سابع عشر رمضان المذكور، ولم يلتفت إلى برد وحر، وكان قد استوطن أشبارة واستقر، ونقل إليها حريمه وأولاده، وبذلك أمر حاشيته وأجناده، فاقتلع الكل معه كبيرا وصغيرا، ولم يدع بها مما يتعلق به فتيلا ولا نقيراً، فساروا تارة دبيباً وحيناً زحفا، وطوراً تسومهم الأرض من ثلجها خسفا، وآونة تسقط السماء عليهم كسفا، فأدركهم العيد المرموق، في مكان يدعى قولا نجوق، من أبرد البلاد، كأنه ينبوع ريح عاد قلت إذا احتاجت جهنم زمهريرا ... تنشق منه أنفاس الهجير

стр. 368

ذكر ورود مكتوبين إلى ألله داد من خليل سلطان وخدايداد، تخالفت معانيهما وتصادمت فحاويهما فورد عليه مرسوم من خليل سلطان، يذكر فيه ما حصل لجده من حادث الزمان، وأنه استولى على سريره، وأطاعه من الملوك كل كبير القدر وصغيره، وأن الأمور بحمد الله مستقيمة، وقواعد الملك على عادتها القديمة مقيمة، فلا يحدث أمراً، ولا يخرج من بحر مدينته برا، وليسدك بمكانه، وليتثبت بأشبارة مع طوائف جنده وأعوانه، وليطيب خاطر الجزء والكل، فإنه عقب ذلك يرسل إليهم بدل الكل من الكل فتحير الله داد وتفكر، وحاسب نفسه هل يربح في سفره ذلك أو يخسر، ففكر وقدر " فقتل كيف قدر " فبينما هو في أمره يعيد ويبدي، ويلحم في شقة أفكاره ويسدي، وإذا بقاصد خدايداد " الحسيني " ورد عليه، يستحثه على الخروج من أشبارة والوصول سريعاً إليه، فوجد لخروجه من أشبارة عند خليل سلطان مندوحة، وعاش فنام وهو مغمض العينين بعد أن مات وعيناه مفتوحة، فطوى بساط تردده، وتوجه ببسط أمله نحو مقصده

стр. 369

ولكن كان بينه وبين المراد، خرط القتاد، والموانع التي ذكرها طالب الوصول إلى سعاد، مع زيادة نهر سيحون وخدايداد فواصل التأويب والأساد، حتى وصل إلى خدايداد، فابتهج برؤيته، واستجح مقصوده بطلعته ثم قطعا نهر خجند، وقصدوا ضواحي سمرقند، ووصلا على حين غفلة وفترة إلى مكان يسمى تيزك، وقد شهرا للعدوان الحسام وشرعا للفتك النيزك، فاحتاطا على جشار تيمور فنهباه، وتغلبا على ما وصلا إليه من نقد وجنس فسلباه، وأكثرا هنالك شراً وفسادا، وأشبها في ذلك تسعة رهط ثمودا وعادا وكانت هذه أول شرارة شر وبدعة سقطت من سقط الزند، وبسطت يدها بالفتن بعد قبض تيمور ممالك سمرقند، لأن أهلها كانوا قد أمنوا الشرور، ووقوع الفتن في حياة تيمور، فحين دهمهم أولئك المفترون، أتاهم العذاب من حيث لا يشعرون، وذلك في شوال سنة سبع، وهو العام الذي خلا فيه من تيمور الربع، وما أمكن السلطان خليل، تدارك هذا الخطب الجليل ذكر من خلفه ألله داد بأشبارة من الطوائف وما وقع بعده بينهم

стр. 370

من التناكر والتخالف وأما أمر من خلفه ألله داد، في أشبارة من طوائف الأجناد، فإنهم خافوا من المغول حلول حينهم، فتحزبوا واختلف الأحزاب من بينهم، فمنهم فرقة قال قائلهم أنا على عهدي قوي فلا أخون وأمين، وقد استمسكت يدي بعروة عهد مكين، وارتبطت بحبل حلف فلا أصير من أهل الشمال باليمين، وأدنى ذلك أن نصبر حتى يصل من ألله داد رسول أو كتاب، وننظر ما يبين فيه من سلوك سنة فنميز بصائب نظرنا الخطأ في من ذلك الصواب، فإن وافق ذلك مرادنا امتثلنا ما يقول، واتبعنا في ذلك الكتاب والرسول، وتوجهنا في تلك الساعة، سالكين السنة مع الجماعة، وإن جالحنا في كلامه بخطاب أجلح، عدلنا إلى الاعتزال ومال كل منا في مصلحة نفسه إلى القول بوجوب رعاية الأصلح ومنهم شيعة مالت إلى رفض تلك الدارة، والمبادرة إلى الخروج من أشباره، وانتقلوا من تكرار هذه المجادلة إلى القتال، وقطع رأس أحد رؤوس الخراسانيين في مصاف النزال ومنهم طائفة أهمتهم أنفسهم فلو يلبثوا إلى عشية أو ضحاها،

стр. 371

ثم تحملوا وخرجوا من المدينة وتركوا الدار تنعي من بناها، فلم يسع الباقين إلا اتباعهم في الخروج، لأن مقاماتهم من أول الزمان هناك كانت كبنيان القصور على الثلوج، فتحملوا بقضهم وقضيضهم، وتجهزوا بصحيحهم ومريضهم وتركوا البلد بما فيه من غلات ومستغلات، ونعم وخيرات، وأموال وأقمشة، ونفائس مدهشة، ولم يبق فيه من تلك الأمم المسجونة، سوى ما عجزوا عن حمله من أموال مشحونة، وسوى امرأة واحدة مجنونة، ولحقوا بألله داد، وهو عند خدايداد، فلم يعنف واحداً منهم بما فعل، واعتذر إليهم بأن خدايداد منعه أن يتوجه إلى سمرقند ويجهز لهم البدل، وأمرهم بالإقامة معه مستوفزين، وأن يكونوا لفرصة التوجه إلى سمرقند إذ لاحت منتهزين ذكر ما تم لألله داد مع خدايداد وكيف ختله وخلبه واسترق عقله وسلبه ثم إن خدايداد، تحقق بوقوع هذا الفساد، وتأكد العداوة بين خليل سلطان وألله داد، فركن إليه بعض الركون، وجعل يستشيره

стр. 372

فيما يصير من أمره وما يكون، وكان عند خدايداد طائفة من مماليك الأجناد، وتخلفوا من العساكر في تلك البلاد، وقد ضيق عليهم المسالك، وأراد أن ينقلهم من مالك إلى مالك فلم ينعم له ألله داد بذلك، وقال إن عادة الأكياس استجلاب خواطر الناس خصوصاً في مبادئ الأمور، وحدوث أوائل الشرور، فلا تنفر عنك الخلق وعاملهم أولاً بالإحسان والملق وأي فائدة من قتل هؤلاء وتمزيق أديمهم، سوى نفي الصداقة وتأكد العداوة بيننا وبين مخاديمهم، وربما يكون في خاطر أحد مخاديمهم نفرة من خليل سلطان، ويروم لذلك ظهراً وملجأ يلوذ به من رفيق ومكان، فتلجئه الضرورة إلى أن يقصد ممالك تركستان، فإذا آذيته في متعلقيه أنى يبقى له إليك ركون واطمئنان؟ وأقل ما تفعل مع هؤلاء يا إنسان، إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، ومخاديم هؤلاء لنا رفقاء، ولخليل سلطان أصدقاء، فإن زرعت معهم الجميل، ملكت كل رقيق وجليل، وألقيت العداوة بين من عاداك من صديق وخليل فلما سمع كلامه، ألقى إلى يده من ذلك

стр. 373

الأمر زمامه، فأشار عليه، بسراحهم وإحسان إليهم في غدوهم ورواحهم، فزاد في نجاحهم، وراش محصوص جناحهم وصرفهم بالعز في طريق مراحهم، فدارت بالسعد أفلاكهم، واجتمعت بهم أملاكهم ملاكهم ذكر ورود كتاب من خليل فيه لفظ رقيق لحل أمر جليل ثم إن وافد خليل سلطان وفد على ألله داد، يطلب منه السعي في لم الشعث فيما وقع بينه وبين خدايداد، وأن يستعطف خاطره إلى الرضا، ويستقبل المودة ويعفو عما مضى، ومهما طلبه يتكفل به، ويعد قربه من أفضل قربه، ويكون هو السفير بينهما، وتقر بالصلح عينهما، فتوجه ألله داد، إلى خدايداد، أبلغه هذه الرسالة، وبين له ما في هذا القول من رقيقة وجلالة وسبب العداوة التي كانت بين خليل سلطان، وخدايداد على ما ذكر أن خليل سلطان، كان في أوائل الزمان، مجاوراً لخدايداد، في تلك البلاد، وكان جده جعله ناظراً عليه، وفوض أمور تربيته إليه، وكان كزاً جافياً، وجلفا جاسياً، فكان يعامله بالفظاظة، ويقابله بالكثافة

стр. 374

والغلاظة وكان خليل سلطان لطيف الذات، ظريف الصفات، نسيم أخلاقه لا يحمل من خدايداد زعازعه، وبرد مزاجه اللطيف لرقة حاشيته، لا يثبت لمجاذبة المشاقة والمنازعة، فتولد من تلك القساوة بينهما العداوة، وسعت بينهما الوشاة، إلى أن دس له مهلكاً فسقاه فكأنه أحسه، فتدارك نفسه، وتعاطى علاجه، وما يصلح مزاجه، فقضى الزمان أن نصل من تلك الداهية، فنجا منها وليتها كانت القاضية، وبقى فيه من ذلك أرج أورثه العرج، فصارت العداوة الخاصة عامة، وغدت هذه الفعلة لهذا المعلول علة تامة فصل ثم إن ألله داد، حلف لخدايداد، الأيمان الغلاظ الشداد، وأكد هذه الأيمان، بأن استصحب معه القرآن، وأشار إليه، ووضع يده عليه، وزاد تأكيداً بأيمان الطلاق، وبالالتزامات والنذور والعتاق، أنه لا يقبض عن طاعته يدا، ولا يستحيل عليه أبدا، وأنه إن توجه إلى سمرقند يجهد في رأب ما انصدع،

стр. 375

ورد ما انفدع ورتق ما بين الجانبين انفتق، ورفع ما في خواطرهما من الشحناء والعداوة انخرق، وأن يجهز له تومان إحدى نساء تيمور وحاصل الأمر أن تكفل بحسم مواد الشرور، وإصلاح الأمور، وإن عجز عن رفع الشنان، ومحو سطور العدوان، فإنه لا يستحيل عن مصادقة خدايداد في السر والإعلان، وصار يتملق ويترقق، ويتوصل بتمويهات زخارفه إلى مجاري فكره ويتسلق ويشدد أيماناً ترجف القلوب وتصدع، بالله الواحد ويثنى بالطلاق الثلاث من زوجاته الأربع، وكان مخيمهم على ساحل سيحون ممتدا، وهو عن شاه رخية نحو من بريدين بعدا فعبر سهم ختله إلى سويداء قلبه بمكر ودخل، وغربله إذ طحن معه ناعماً ما زرعه بيمينه في ساحله ونخل، إلى أن سمح بإطلاقه، بعد تأكيد عهده وميثاقه، فرجع ألله داد إلى وثاقه، واجتمع بحاشيته ورفاقه، وكانوا في شاه رخية، وأخبرهم بهذه القضية، وكان قد هيأ قبل ذلك أمره، وأخذ من كل جهة أسلحته وحذره، ثم إنه شمر الذيل، وقطع سيحون بالمراكب تحت جنح الليل

стр. 376

ذكر لحوق ألله داد بخليل سلطان وحلوله مكرماً معززاً في الأوطان وحين حصل على هذا الجانب، ولم يبق له في ذلك الجانب حاضر ولا غائب أمر في الحال، بعكم الأحمال، وشد الأثقال، وأخذ الأهبة، قبل النهبة، فأفرغوا عليهم سوابغ السلاح، وأذن بصلاة الرحيل قبل الفلاح وقدم ضعفة أهله والأثقال أمامه، ونقض بهذا الأذان شروط الإقامة، وطير إلى خليل سلطان يخبره بهذه الأخبار، وما جرى بينه وبين خدايداد وكان وصار، ويستمده باستقبال المدد، وإرسال العدد " والعدد " لاحتمال أن خدايداد الأبله، يتفطن لغائلة هذه الفعلة فيخطر بباله ردهم، ويرسل وراءهم من يصدهم ثم ساروا كالسهم الصائب، وصاروا كالنجم الثاقب، فما أصبح لهم الصباح، إلا وقد ظهر لهم من السعد فلاح، وجازوا كل قاتم الأعماق خاوي المخترق، وقطعوا على أنوال المسير مما أسدته مطاياهم من مزهر الرياض ألوان الشفق، فواصلوا بالسير سراهم، فساروا نهارهم أجمع حتى غشيهم مساهم، وحين أخذ منهم اللغوب، وكل الراكب

стр. 377

والمركوب، وسدلت عليهم عنقاء الظلام الجناح، عدل بهم إلى بعض البطاح، فحط عنه واستراح، ورسم أن " لا " توقد نار، ولا يطمع أحد في طعم النوم بقرار، ولا يشام في جفن طرف سيف ولا سيف طرف، ثم التهموا ما يسد الرمق وصلوا صلاة الخوف، فعبدوا الله على حرف، وأمهلوا ريثما قطعت الدواب العليق، ثم أمر فحملوا وركبوا متن الطريق ذكر تنبه خدايداد، بأن ألله داد خبل عقله بأنكال وأنكاد ثم إن خدايداد تنبه من رقدته، وارعوى من ليلته، وعلم أن ألله داد خلبه نهاره ذلك وسحره، وكشف شمس عقله ولعب به في دست حلفه وقمره، فعض كما يعض الظالم على يديه، وعبى في الحال عسكراً جراراً وأنفذه إليه، فأسرعوا وراءه والتمسوا لقاءه، فلم يروا له عيناً ولا أثر، ولا رووا عنه من أحد حديثاً ولا خبراً، فلم يزالوا في طلبه حائرين دائرين، ثم غلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين ووصل ألله داد إلى مقصده، فوجد وظيفة الوزارة شاغرة فاستولى عليها بمفرده، إذ قبل دخوله كان شيخ نور الدين قد خرج، وشاه ملك وكل من رام العصيان كان قد دب ودرج، فابتهج بقدومه

стр. 378

خليل سلطان، وقدمه كما كان، على سائر الوزراء والأركان، فتمكن ألله داد كيف شاء، وتصرف في معاني الملك ببديع بيانه إخباراً وإنشاء، وتعاطى في الحال تمهيد الأمور، وتجهيز السرايا وحفظ الثغور، فتراجع أمر الناس وانضبط، وانتظم عقد الملك بعدما انفرط، واستقر حال الناس، وتمكنت القواعد على الأساس وكان هو وبزندق وأرغون شاه وآخر يدعى كجوك يدبرون مصالح المملكة، ويسلكون بكل أحد مسلكه، ولكن ألله داد هو الدستور الأعظم، والمشار إليه المفخم، وعليه مدار القبض والبسط، ونظام عقود الحل والربط، واستمر شيخ نور الدين وخدايداد، يغيران على البلاد، ويزيدان في الشر والفساد، واستوليا على أطراف تركستان، وممالك تلك البلدان، منها سيرام وتاشكند، وأندكان وخجند، وشاه رخية وأترار وسغناق، وغير ذلك مما في تلك الأكناف والآفاق، فكانوا يقطعون سيحون، ويتوجهون إلى ممالك ما وراء النهر ويغيرون، فتارة يتوجه إليهم خليل سلطان، وتارة يجهز لهم طوائف من الجند والأعوان، وعلى كل تقدير فإنهما كانا

стр. 379

لا يثبتان، وينهزمان، وسيأتي ذكر ذلك كما كان ذكر ما وقع في توران بعد موته من حوادث الزمان وأما المغول، فإنه لما اتصل بهم خبر وفاة ذلك المخذول، وكان بلغهم أنه صوب أحجار كيده إلى هشم تلك الثغور، وفوق نبال قصده إلى خرق تلك البطون والنحور، لم يشكوا في أن ذلك شرك مكيدة، وأحبولة مصيدة، فلم يقر لهم قرار، وتنادوا الفرار الفرار، وتشتتوا في البلاد، وتشبثوا بأذيال القلاع ورؤوس الأطواد، ولجئوا إلى الحصون والجروف، وتماوتوا في قعر المغارات والكهوف، وكذلك كل ذي يمين من أهل الدشت والشمال، وتوزعوا في الأحقاف والرمال، وصار أهل المشرق والخطا وإلى حدود الصين ومن في ذلك الوجه يسرحون " لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلاً لولوا إليه وهم يجمحون " والحق أنه كان في هيبته وعتوه، وقد عرج إلى أن أهلك العالم شرقاً وغرباً بالأرج، وصار كما قيل تكاد قسيه من غير رام ... تمكن في قلوبه النبالا

стр. 380

تكاد سيوفه من غير سل ... تجد إلى رقابهم استلالا تكاد سوابق حملته تغنى ... عن الأقدار صونا وابتذالا فلما ترادف هذا الخبر، وتكرر سمرقند هذا السكر، واشتهر إسناده حتى ترقى من الآحاد إلى التواتر، وتقرر هذا الحق عند كل أحد فلم يسع فيه جحود ولا تناكر، تراجع فؤاد كل إلى جوفه، وتبدل أمناً من بعد خوفه، وتنادوا يا للثارات، وشرعوا في شن الغارات، وقصد كل مستحق استرجاع حقه وكل مسترق لمسترق استفكاك رقه، فأول من نهض من الشرق المغول، وقصدوا أشبارة وآسي كول، وامتدوا في تلك البلاد، حتى جاوروا خدايداد، فهادنهم وصافاهم، وشرط لهم رد ما أخذه تيمور من مأواهم، وأن يكونوا يداً واحدة على من ناواهم، وأحسن كل منهم مع الآخر الجوار، واطمأنت بواسطة هذا الصلح تلك الديار ذكر نهوض إيدكو بالتتار وقصده ما وراء النهر وتلك الديار ثم نهض من جهة الشمال إيدكو بعساكر كالرمال، وتوجه بحزم وجزم إلى ممالك خوارزم، وكان نائبها يدعى موسيكا، فلما أحس

стр. 381

بالتتار، وخاف على نفسه البوار، أخذ أهله ومتعلقيه وسار، وذلك بعد أن هجمت التتار الرومية المضافة إلى أرغون شاه، وعبروا جيحون وهو جمد ورجع أرغون شاه إلى مأواه، فوصل إيدكو إلى خوارزم واستولى عليها، واستطرد بخيله بخارى فنهب ما حواليها ثم رجع إلى خوارزم وقد أذكى في الجغتاي اللهيب، وأنكى وولى من جهته في خوارزم وولاياتها شخصاً يدعى آنكا، فتمهدت أيضاً تلك الأماكن، واطمأنت الظواعن والسواكن، بواسطة أن خليل سلطان، قابل كل من أساء إليه بالإحسان، وصار يسترضي كل ساخط، ويستدني بمكارمه كل شاحط، ويصطاد النفوس بالنفائس، ويفترس الأسود بالفوارس، فأحبه الأجانب والأباعد، ورغب فيه كل صادر ووارد، غير أن شيخ نور الدين، وخدايداد، تماديا في الفساد، ولجا في العناد، وخربا ما تجوذب بين الطرفين من البلاد ذكر بير محمد حفيد تيمور ووصيه وما جرى بينه وبين خليله ووليه ثم إن بير محمد ابن عم خليل سلطان، وهو الذي عهد إليه تيمور، كان بعد فوت أخيه محمد سلطان، خرج من قندهار، وقصد سمرقند

стр. 382

بعسكر جرار وأرسل إلى خليل سلطان، وسائر الأكابر من الوزراء والأعيان، بأنه هو ولي العهد، وخليفة جده تيمور من بعده، والسرير حقه فأنى يغصبه؟ والملك ملكة فكيف يسلبه؟ فكل منهم جاوبه، بما يليق بما خاطبه وأما خليل سلطان فتصدى للمعارضة، وقابل كل مسألة من الخطاب بما ينافيها من المعاكسة والمناقضة، وقال لا تخلو مسألتنا يا فلان، من أن الملك في هذا الزمان، إما أن يكون بالانتساب، أو يظفر به بطريق الاكتساب، فإن كانت الأولى، فثم من هو أحق به مني ومنك وأولى، وذلك أبي أميران شاه، وعمي شاه رخ أعني أخاه، فيكون بينهما بالسوية نصفين، فما لك كلام مع وجود هذين، وأنا أولى أن أكون صاحبه، فأرعى جوانبه، وأسلك مذاهبه، إما بأن يقطع كل منهما عنى المشاغبة، ويترك لي ماله فيه ولاية المطالبة، ويقنع بما هو فيه من مملكته ويحفظ جانبه، وإما بأن يجعلني خليفته في سلطانه فأصون نصيبه ونائبه، وإن كانت الثانية فكلامك لا يستقيم، لأن الملك كما زعموا عقيم، ومن قبلي وقبلك قيل، في الأقاويل

стр. 383

صونوا جيادكم واجلوا سلاحكم ... وشمروا إنها أيام من غلبا وإن زعمت أن جدك عهد إليك، أو عول في وصيته لك أو عليك، فهو من أين استولى إلا بطريق التغلب، وأنى حصل له ملك وملك إلا بالاغتصاب والتألب؟ وعلى تقدير التسليم وأن أمر وصيته مستقيم، فإنه كان في حياته قسم بلاده، ووزع عليها أولاده وأحفاده، فولى والدي ممالك أذربيجان، وقرر عمي في ولايات خراسان، وابن عمي بير عمر في عراق العجم وتلك الديار، وولاك أنت من جملة ذلك قندهار، وجعلك وصيه كما رسم وأشار، وتحمل هو المظالم وانتقل، فأين نصيبي أنا من هذا النفل فاجعلوا حصتي من ذلك ما استوليت عليه، وليقنع كل منكم بما تقرر فيه وفوض إليه، ومع هذا إن تابعك أبي وعمي تابعتك، أو صادقاك على الوصية وبايعاك بايعتك، وإن سلكنا في ذلك طريق الحق، فالملك صيد والأولى به من حاز فيه قصب السبق، وإن الله أزاح علله إذ شبثني بأسبابه، وأباحه لي مباحاً ومن سبقت يده إلى مباح فهو أولى به

стр. 384

هذا وإن كلا من مدرسي فقه الملك تابعني، ومن له في عقود السلطنة شركة ترك المضاربة وطاوعني، وعد عقد توليتي مرابحة ولما وقف على سيري ألقى إلي السلم وبايعني وأما الوزراء والأعيان فأجابوه بما لا طائل فيه، سوى ما تمجه أذن مستمعيه، غير أن الخواجه عبد الأول وهو صدر صدور العلماء، والمتصرف في رؤساء ما وراء النهر من السادات والكبراء، والمنفذ سهام أحكامه في جميع الأمراء والزعماء، أجاب فأجاد، وأصاب وأفاد، واختصر واقتصر، وهصر من بير محمد ولخليل سلطان انتصر فقال في جوابه، مجاريه في خطابه نعم أنت ولي العهد، وخليفة الأمير تيمور من بعد، ولكن ما صادف طالعك سعد، ولو ساعدك البخت، كنت قريباً من التخت، فالأولى بحالك أن تقنع بما لك ومالك، وتبقى على خيلك ورجالك، وتضبط ما في يدك من ممالك، وأن أبيت إلا طلب النما، ولم تقنع بما قسم الله لك وقضى، وخرجت من مملكتك إلى هذا الفضاء، فإنك تقع في العناء، وتخرج ولايتك من يدك فتصير مذبذبا، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء

стр. 385

ذكر تجهيز خليل سلطان سلطان حسين لمناصرته وخروجه عن الخليل سلطان وقبضه على أمرائه ومخالفته ثم إن خليل سلطان لم يقنع بدقائق هذه الأقوال، وأردفها بحقائق الأفعال، وأمر بتجهيز جند مجند، إلى استقبال بير محمد، وأضافهم إلى ابن عمه والده السلطان حسين، وعين فيهم من أمراء الجغتاي كل رأس وعين، وضم إليه الظهور والأعضاد، ومنهم كجوك وأرغون شاه وألله داد، فساروا سابغي العدة، كاملي العدة وذلك في سنة سبع منتصف ذي القعدة، فعبروا جيحون إلى بلخ وخيموا في ضواحيها، وانبثوا في أقطارها ونواحيها وبينما هم مرفهو الحال، فارغو البال، قريرو العين، تمارض السلطان حسين، ثم إنه دعا الأمراء، ليقرر معهم فيما هو بصدده الآراء، وقد أكمن لهم كميناً، وأرصد لهم الرجال شمالاً ويميناً، وحين ولجوا خيسه، ودخلوا كيسه، وثب عليهم وثوب الليث على الفريسة، وأغرى بهم أسوده فوقعوا فيهم وقوع الجياع على الهريسة، ثم نادى من معه من الرفاق ضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق

стр. 386

وكان كما ذكر ذا طيش وشجاعة، وتهور ورقاعة، وصولة وجولة، يسبق فعله قوله، فأهريق في تلك الساعة، دم واحد من تلك الجماعة، يدعى خواجه يوسف وكان في حياة تيمور، نائب الغيبة بسمرقند وهو أمير مشهور، ففي الحال قتل، وإلى الدار الآخرة نقل، ثم استقل لنفسه بدعوى السلطنة، ودعا الخلائق من هاهنا ومن هنه، فدهشت أولئك الرءوس، وعلموا أنه قد حل بهم النقم والبؤس ذكر خداع ألله داد سلطان حسين وتلافيه تلافه بالمكر والمين غير أن الله داد ثبت جأشه المزءود، واستحضر تلك الساعة عقله المفقود فابتدر سلطان حسين منادياً، واستثبته في أمرهم مناجياً، وقال له بعبارة فصيحة إني لي إليك نصيحة، ثم استخلاه وقال أنا كنت مترقباً منك هذا الفعال، ومترصداً منك إظهار ما أنت بصدده، ومن أين لخليل سلطان أن يحتوي على الملك بمفرده غير أن هيبة مولانا كانت باسطة، ولم يكن بينه وبين الملوك واسطة مباسطة، ولو كان عندي من ذلك أدنى شعور، لرتبت المصالح على ما تقتضيه الأوامر الكريمة والأمور، ثم إن الخاطر الكريم يشهد بصدق

стр. 387

هذا الحديث وإني عبدك من قديم وسل من كان من المماليك والأجناد، الذين كانوا محصورين في أسر خدايداد، من خلصهم من حبائل أسره، وأنقذهم من ضرام ضره، وأطفأ عنهم ما التهب من شرار شره، إذ لولا أنا لكان أبادهم، وأيتم أولادهم، وفجع بهم طريفهم وتلادهم، فإنك إن تسلهم يخبروك، وعلى حقيقة الأمر وجلية الحال يظهروك، وربما أخبروك بذلك لما أتوك، ومع هذا استفت قلبك وإن أفتوك وأفتوك ولا زال يطفئ بماء خزعبلاته شواظ تفرعنه ولهيبه، ويذكي في خياشم رعونته عنبر احتياله متمسكاً بمسكنة وطيبة، ويرمي عن قوس ختله إلى سويداء خيالاته نبال مكر أنفذت فيه نصال القضاء والقدر لأنها كانت مصيبة، فأشرب مكره، وتبع أمره، وجعله ظهره، واستقدح في أموره فكره ثم أنه بعد أن أمتن عليه باستبقائه، استشاره في قتل رفقائه، فقال له لا شك أن خليل سلطان، ملك الناس بالإنعام والإحسان، وهو وإن كان في الشجاعة، قاصر اليد قليل البضاعة، لكن استعبد أبطال الرجال، بحسن الخلق وبذل الأموال، غير أن المال بمعرض الفناء والزوال،

стр. 388

وأنت بحمد الله مآثرك مشهورة، ومنازل منازلاتك " لإبطال " الأبطال معمورة، ورايات كسرك قرون الأقران على جبين الكباش منشورة، ورءوس مناطحاتك ثيران الوغى على قرون الزمان أبداً منصورة قلت فكم لززت شجاعاً في البراز فمذ ... رأى محياك ولى ضارطاً وجرى " مذ كنت رأساً وعيناً في الحروب أرى ... في رأسك الفتح بل في عينك الظفرا " وأنا أعلم أن عامة الجند سيبتهج بطلعتك، ويرقص فؤاده لحصول سكونه فرحاً بحركتك، فإنهم لابد لهم من رأس يسوسهم، وضابط همام تصان بتدبيره نفائسهم ونفوسهم، وقرم كالليث الخادر والسيل الهامر، بل كالبحر الغامر، منصور إن دعا وإن دعى فناصر، موصوف بما قال الشاعر أضاف إلى التدبير فضل شجاعة ... ولا رأى إلا للشجاع المدبر وبما قال ولا يكشف الغماء إلا ابن حرة ... يرى غمرات الموت ثم يزورها

стр. 389

وهل ثم في هذا العصر موصوف بهذه الصفات إلا أنت، وما النجدة والكرم والحسب والنسب إلا راحل حيث ما رحلت، وساكن أينما سكنت، ولو حدث شاه ملك وشيخ نور الدين، أن وراءهما منك الحصن الحصين، لأسندا إليك رواية ذلك السند السديد، ولأويا من جنابك العالي إلى ركن شديد وحاصل الأمر أنك مولى الكل وجميعهم لك عبيد، وإذا كان الأمر كذلك فقد ملكتهم، فسواء عندك أبقيت عليهم أو أبدتهم، ولكن الإبقاء أولى، ولا زالت العبيد تترقب مراحم المولى، فإن اقتضى الرأي السعيد، أن نكون كلنا موثقين في الحديد، مع زيادة قيد أيمان أكيد، فرأيه أعلى، واتباع ما يقتضيه أحرى وأولى، فاقتفى رأيه، واتخذوه علماً لأموره ورأيه، فاستتبعه لحينه، وقال اسلك ورايه ذكر أخذ سلطان حسين على أمراء الميثاق ومشيه على خليل سلطان وهم معه في الإيثاق ثم إنه أحضر الأمراء، وهم في قبضة سطوته أسراء، وقد ناوح كل من متعلقيهم مهب ناحية، وتوجه إلى دار كل المخبرون فقامت عليهم

стр. 390

النائحة والناعية، وأوثقهم بقيدي الحديد والأيمان، أن يكونوا معه في السراء والضراء على خليل سلطان، فمد كل منهم إلى القيد رجله وإلى اليمين يده، وعاهده على ما يختار وأن يقدم له نفسه وأهله وماله وولده، فحين استوثق منهم، أزاح بالأماني السوء عنهم، وتركهم موثقين في البند، ونكص قاصداً سمرقند، وأرسل إلى خليل سلطان يخبره بما دب من أمره ودرج، فليستعد لمبارزته فهاهو قد عبر جيحون وخرج، وأنه هو أيضاً طالب من ملك خاله حصته ومنازع خليل سلطان في السرير منصته تبريز خليل من سمرقنده لملاقاة سلطان حسين بطوائف جنده، ورجوع سلطان حسين مما يرومه بخفي حنين فاستعد له خليل سلطان، وخرج من سمرقند لاستقباله في أسرع زمان، ثم إن السلطان حسين أحضر ألله داد، ومن معه من الشياطين المقرنين في الأصفاد، واستأنف عليهم العهود، وأكد عليهم قيود العقود، وأحل كلا من محله، وأجاز عقده وحله، وخلع عليه وأجازه، واحترم حرم حقيقته ومجازه، وبش بأنعامه إلى متعلقيهم وهش،
следующие страницы →