Полный текст (492 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
ذكر عودة ذلك الأفعوان إلى ممالك فارس
وخراسان وفتكه بملوك عراق العجم واستصفائه تلك الممالك والأمم
ثم عاد، بعد تمهيد البلاد وتوطيد قواعد ممالك تركستان، إلى بلاد خراسان، فاستقبله الملوك والأمراء، والسلاطين والوزراء، وسارعوا إليه من كل جانب، ما بين راجل وراكب، ملبين دعوته، حذرين سطوته مغتنمين خدمته، وسلموه الأنجاد والأغوار، والأطاد والقفار والقرى وسكانها، والذرى وقطانها، والقلاع العاصية، وربطوا بذيل أمره كل ناصية ممتثلين أوامره مجتنبين زواجره، عاقدي نطاق عبوديته بأنامل الإخلاص، تابعي رائد مرضاته على نجائب الولاء والاختصاص، فمنهم جميع من مر ذكره من المطيعين، ومن كانوا في الشواهق ممتنعين منيعين، ومن جملتهم إسكندر الجلابي أحد ملوك مازندران، وأرشيوند الفارسكوهي ذلك الأسد الغضبان، صاحب الجبال والشوامخ العاصية القلال، وإبراهيم القمي صاحب النجدة، والمعد لكل شدة، وأطاعه السلطان
стр. 72
أبو إسحاق من سيرجان، فاجتمع عنده ملوك عراق العجم سبعة عشر نفراً ما بين سلطان وابن سلطان وابن أخي سلطان، كلهم في ممالكه ملك مطاع، مثل سلطان أحمد أخي شاه شجاع، وشاه يحيى ابن أخي شاه شجاع، سوى ملوك مازندران، وسوى أرشيوند وإبراهيم وملوك خراسان ولما سلك السلطان أبو إسحاق نمط أقاربه في الطاعة وعمل على ذلك الطراز، خلف ببلده سيرجان نائباً يقال له " كودرز "
فاتفق في بعض الأيام، أنه اجتمع عند تيمور هؤلاء الملوك العظام، فكانوا عنده في خيمة له وهو بينهم وحده، فأشار واحد منهم هو شاه يحيى، وقد أمكنت الفرصة، أن يقتله ويرفع عن العالم هذه الغصة، فأجابه بعض وامتنع بعض، وقال لمن رضي بذلك منهم ومن لم يرض إن لم تكفوا، وعن هذا المقال تعفوا، أخبرته بهذه المقالة وأطلعته على هذه الحالة، فامتنعوا عن هذا الرأي المتين والفكر الرصين، لاختلافهم ولا يزالون مختلفين، وكأنه طالع أحوالهم أو تفرس أقوالهم، فأسرها في نفسه ولم يبدها لهم ثم مكث أياماً، وجلس للناس جلوساً عاماً، وقد لبس ثياباً حمراً، ودعا هؤلاء الملوك السبعة عشر طراً،
стр. 73
ثم أمر فقتلوا جميعاً في ساعة واحدة صبرا، ثم لما أبادهم، ضبط بلادهم، وجمع طريفهم وتلادهم، وقتل أولادهم وأحفادهم وأقام في ممالكهم أولاده، وأمراءه وأحفاده وأسباطه وأجناده وسبب قتله هؤلاء الملوك وفتكه، وتمزيقه ستر حياتهم وهتكه، أن بلاد العجم كانت لا تخلو عن الملوك الأكابر، ومن ورث الملك والسلطنة كابراً عن كابر، وهي ممالك واسعة، أطرافها شاسعة، مدنها وافرة، وقراها متكاثرة، وأوتاد أوتادها راسخة، وعرانين أطوادها شامخة، ومخدرات قلاعها ناشزة، ومضمرات مكانها ومعادنها غير بارزة، كواسر أكاسرها كاسرة، ونواشر جوارحها للظهور ناشرة، ونمور دعارها طامرة، وببور شطارها طافرة، وثعابين أبطالها في جداول الجدال ظاهرة، وتماسيح أقيالها في بحار الحراب قاهرة فنظر تيمور بعين بصيرته في وذيلة تأمله ومرآة فكرته، فرأى أنه لا يزكو له ورد عارضها من شوكة عارض، ولا يصفو ورد ثغر فائضها من شارب معارض، ولا يثبت له في بنيان ممالكها أساس يحكم، ولا ينبت له في بستان مسالكها غراس تنعم وكان قصده إبقاء مبانيها، وإجراء أموره
стр. 74
على ما اقتضته التوراة الجنكيز خانية فيها، فلم يمكن عمل فلاحة سلطنته في بسيط أرضها، وسوق أنهار أوامره في جرائب ممالكها طولها وعرضها، إلا بقلع علائق أنساب أكابرها، وكسر قوادم أخشاب أحساب أكاسرها، فسعى في استئصال فرعهم وأصلهم، واجتهد في إهلاك حرثهم ونسلهم، وجعل لا يسمح لهم ببزرة نطفة في أرض رحم إلا قلعها، ولا يشم منهم رائحة زهرة في كم كمين إلا قطعها وقيل إنه كان في مجلس فيه اسكندر الجلابي، وكأنه كان مجلس نشاط ومقام انشراح وانبساط، فسأل اسكندر في ذلك المحضر، وقال إن حكم القضاء بإفساد بنيتي، من تراه يتعرض لأولادي وذريتي؟ فأجابه وهو في حالة الشطح، وقد خلت علية دماغه ووضع سراج العقل منها فوق السطح أول من ينازع أولادك المشائيم، أنا وأرشيوند وإبراهيم، فإن نجا من مخاليبي منهم أحد، فإنه لا يخلص من أنياب إبراهيم الأسد، وإن أفلت منهم من ذلك البند، فإنه لا مخرج له من شرك أرشيوند، وكان أرشينود وابراهيم غائبين فلم يتعرض تيمور لاسكندر بضرر وشين وأراد بالإبقاء عليه، وقوعه
стр. 75
مع صاحبيه، فلما أفاق اسكندر، ليتم ما قال، فقال لا مفر من قضاء الله ولا مجال، ولا عتب في ذلك علي، أنطقني بذلك الله الذي أنطق كل شيء ثم إن اسكندر وإبراهيم هربا، فقبض على أرشيوند وألقاه في النازعات فصار نبأ، وهتك حريم عمره إذ جرعه أول الرعد فأقرأه آخر نوح وسبأ، ثم إن اسكندر لم ير له أثر، ولا سمع عنه إلى يومنا هذا خبر وكان كبير الهامة، طويل القامة، إذا مشى بين الناس كأنه علامة، حتى قيل أن يدي ذلك القصر المشيد كان نحواً من ثلاثة أذرع ونصف بالحديد، وإبراهيم القمي استمر على انكماشه، ثم مات على فراشه، فكان ذلك سبب إيراده الملوك وأبناءهم المهالك " فصل " ثم أن تيمور عصى عليه كودرز في قلعة سيرجان، وقال إن مخدومي شاه منصور موجود إلى الآن، وكان هذا الكلام فاشياً في الخاص والعام، فكان كودرز يتوقع ظهوره، ويزجي على ذلك أعوامه وشهوره فحاصر تيمور قلعة سيرجان، فلم يلح له عليها سلطان، فوجه إليها عساكر شيراز ويزد وأبرقوه وكرمان، وأضاف إليهم عساكر سجستان، وذلك بعد أن شملها العمران،
стр. 76
وكان نائبها يدعى شاه أبا الفتح، فحاصروها نحواً من عشر سنين، وهم ما بين ظاعنين عنها وعليها مقيمين، وهي بكر لا تفتح لطالبها باباً، وعانس لا يملك خاطبها منها خطابا وكان تيمور ولى كرمان، شخصاً يدعى " إيدكو " من إخوان الشيطان فكان هو المشار إليه، ومن العسكر هو المعول عليه
ولما تحقق كودرز من شاه منصور وفاته، وخذله الأنصار، وأعجزه الانتصار وفاته، كان أبو الفتح يراسله كل ساعة، ويتكفل له عند تيمور بالشفاعة، أذعن للصلح، واستعمل في ذلك أبا الفتح، ونزل مترامياً عليهم، وسلم الحصن إليهم فحنق إيدكو عليه، لكون عقد الصلح لم ينحل على يديه، فقتله من ساعته، ولم يلتفت إلى أبي الفتح وشفاعته، فأخبر تيمور بذلك وكان في بعض الممالك، فغضب عليه غضباً شديداً، ولكن فات التدارك " فصل " مما يحكى عن إيدكو هذا متولي كرمان أنه كان بها للسلطان، أحمد أخي شاه شجاع ولدان صغيران، أحدهما يدعى سلطان مهدي والآخر سليمان خان، وكان سليمان خان في غاية الحسن واللطافة، حاوياً معني الملاحة والظرافة، معبى بالكمال،
стр. 77
مربى بالدلال، ألفاظه رائقة، وألحاظه راشقة، والأرواح إليه شائقة، وأرباب الألباب له عاشقة، حركاته في القلوب ساكنة، ولفتاته للخلق فاتنة، كما قيل
نسيم عبير في غلالة ماء ... وتمثال نور في أديم هواء
وعمره إذ ذاك ستة أعوام ولكن مفتتن به الخاص والعام، فعزم إيدكو على إتلافهما، وإلحاقهما بأسلافهما، ولم يكتف من تلك الدرة بأنها صارت يتيمة، لا رق لأمهما التي خربت ديارها لكونها مخدرة كريمة، ولم يكن لها مدافع ولا عنها ممانع فطلب من الجلادين من يعتمد في ذلك عليه، فلم تطب نفس أحد أن تمتد يده بمكروه إليه، ومضى على ذلك مدة، والخلق بسبب هذه القضية في ضيق وشدة، حتى وجدوا عبداً أسود، كأنه للبلاء مرصد، وكأن الشياطين له عبدة والعفاريت جنود وحفدة، وثوب ليل القهر من سدا سواده انتسج، وأصل الشجرة التي طلعها كأنه رؤوس الشياطين من حبة فؤاده نبتت فنتج، يستلذ عند صدى صوته خوار الثيران، ويستحسن عند خيال صورته مشاهدة الغيلان قلت
стр. 78
زبانية النيران تكره وجهه ... وحين تراه تستعيذ جهنم
قد نزع الله من قلبه المرحمة، وجبل فؤاده على المأثمة فأرغبوه أن يختلهما، ويقتلهما، وكانت عين سليمان خان رمدا، وقد سكن في حجر دايته وتهدى فدخل عليه ذلك الظالم من ساعته، واغتاله وهو راقد في حجر دايته، وضربه في جنبه بخنجر، وأنفذه من الجنب الآخر، فارتفع الضجيج والولولة، ووقع العجيج في الناس والزلزلة، وعم المأتم أمه الوالهة وأهلها، وطفق الناس يبكون عليها ولهاً، والظاهر أن هذه الأمور، كانت بإشارة تيمور، وعسكر ذلك الظلوم الكفار، ما كان يخلو عن مثل هذه الشرور والأشرار، ولو كان فاعله من غيرهم، لكن لعلة المصاحبة والمرافقة كان يسير بسيرهم
حكاية
لما ارتحل من الشام بجنوده الغزيرة، كان مع واحد منهم أسيرة، كشفت أيدي النوائب قناع عصمتها ولطمتها، وعلى يدها بنت لها
стр. 79
رضيع ففطمتها، فلما قربوا من حماة، جعلت البنت تئن أنين الأواه، ولما بها من المضض المنكى تنكد وتبكي ومعهم جمال من بغداد، منطو على الفساد، محتو على النكاد، مجبول على الغلاظة والقساوة، معمول من الفظاظة والغباوة، ممتلئ من البذا متضلع من الأذى، لم يخلق الله تعالى في قلبه من الرحمة شيئاً فينتزع، ولم يودع لسانه لفظاً من الخير فيستمع، فأخذ تلك البنت من أمها، فدار في وهما أنه إنما أخذها ليخفف عنها من همها، وكانت راكبة على جمل ثم انقطع ساعة عن الثقل ثم وصل ويده خالية وقهقهته عالية، فاستكشفت أمها حالها، فقال مالي ومالها فهوى عقلها ووهى، فطرحت نفسها ونحت نحوها، فأخذتها وانقلبت وأتت بها وركبت، فتناولها منها مرة أخرى، على أن لا يسومها ضراً، ثم غاب عنها ورجع وقد صنع كما صنع، فألقت نفسها ثانية، وعدت إليها ثانية وجاءت وهي عانية، وقطوف حياتها دانية، فركبت وأخذتها، وضعتها على كبدها التي منها فلذتها، فأخذها منها مرة ثالثة، بنية في الفساد عابثة، وحلف لها يميناً حانثة أنه بحملها ينوء، ولا يمسها
стр. 80
بسوء، فحملها ساعة ثم خرج عن سنة الجماعة، ورمى بها في بعض البطاح وفعل بها ما فعله اليهودي بصاحبه الأوضاح وجاء ويده الدامغة، في الإثم ملأى ومن البنت فارغة، وقد سلبها سلبها، وجلب إلى أمها جلبها، فاطرحت نفسها باكية، ورامت الرجعى جارية، فقال لها لا تتعبي، كفيتك همها فارجعي واركبي، فبكت وصاحت، وأنت وناحت، ووقعت في العناء وإن كانت قد استراحت، والناس على دين ملوكهم، سالكون طرائق سلوكهم
سبب دخوله إلى عراق العرب
وإن كان إيذاؤه لا يحتاج إلى علة وسبب
ولما خلص لتيمور جميع ممالك العجم، ودانت له الملوك والأمم، وانتهت مراسيمه إلى حدود عراق العرب، غضب السلطان أحمد صاحب بغداد واضطرب، فجهز جيشاً عرمرماً، وجعل رئيسهم أميراً مقداماً مقدماً، يدعى سنتاي، فتوجه الجيش نحو الجغتاي، فبلغ تيمور خبر الجيش وخبره، فسر بذلك قلبه وانشرح صدره، فجعل ذلك سبباً لمهاوشته، وذريعة لمحاربة ملك العراق ومناوشته، وأنفذ جيشاً كراراً، بل بحراً زخاراً، فتلاقيا بصدق نية، على مدينة
стр. 81
سلطانية، فصدق كل منهما صاحبه الضراب، وسدد لنحره ألسنة الأسنة وسهام الحراب، واستمد بحر الجغتاي من أفواج أمواجه واصطدم، فانكسر في قساطله قنيات جند سنتاي فانهزم، ووصل فلهم إلى بغداد، وتشتتوا في البلاد فألبس السلطان أحمد سنتاي المقنعة، وأشهره في بغداد بعد أن ضربه وأوجعه، وكف تيمور عن عناده، وقفل متوجهاً إلى بلاده
سكون ذلك الزعزع الثائر
وهدوء ذلك البحر المائر لتطمئن منه الأطراف فيحطمها كما يريد ويدير بها الدوائر
ثم إن تيمور خرج من سمرقند إلى ضواحيها، وجعل ينتقل في جوانبها ونواحيها، وبنى حواليها قصبات سماهن بأسماء كبار المدن والأمهات، وقد صفت له سمرقند وولاياتها، وممالك ما وراء النهر وجهاتها، وتركستان وما فيها من البلاد ونائبها من جهته يدعى خدايداد وخوارزم التي بها فتك وسطا، وكاشغر وهي في نحر ممالك الخطا، وبلخشان وهي ممالك على حدة عن ممالك سمرقند متباعدة، وأقاليم خراسان وغالب ممالك مازندران،
стр. 82
ورستمدار وزاولستان وطبرستان والري وغزنة واستراباد، وسلطانية وقزوين وسائر تلك البلاد وجبال الغور المنيعة، وعراق العجم وفارس الشامخة الرفيعة، وكل ذلك من غير منازع، ولا مجاذب ولا ممانع، وله في كل مملكة من هذه الممالك ولد، أو ولد ولد أو نائب معتمد
إنموذج مما كان يغور ذلك الظلوم الكفور
من عساكره في بحور، ويغوص على أمور، ثم يفور بشرور ومن جملة ذلك غوصه مما وراء النهر وخروجه من بلاد اللور
ثم إنه مع اتساع مملكته وانتشار هيبته وصولته وشيوع أراجيفه في الأقطار، وبلوغ تخاويفه تجاويف الأقاليم والأمصار، وثقل أثقاله، وعدم اختفاء توجهه إلى جهة وانتقاله، كان يجري في جسد العالم، مجرى الشيطان من ابن آدم، ويدب في البلاد، دبيب السم في الأجساد قلت
يصوب يمنة ويصيب يسرة ... وينوي جبهة والقصد نقره
بينا يكون له في المشارق بيارق فيالق، إذ لمع له في الغرب بوارق
стр. 83
بوائق، وبينما نغمات طبوله وضربات أعواده تقرع في حصار العراق وأصبهان وشيراز، وإذا برنات أوتاره وبوقات أبواقه تسمع في مخالف الروم ومقام الرهاوي وركب الحجاز فمن ذلك أنه مكث في سمرقند مشغولاً بإنشاء البساتين وعمارة القصور، وقد أمنت منه البلاد واطمأنت الثغور، فلما انتهت أموره وبلغ الكمال قصوره، أمر بجمع جنده، إلى سمرقنده، ثم أمرهم أن يصنعوا لهم قلانس ابتدعها، وعلى صورة من التركيب والتضريب اخترعها، فيلبسونها ويسيرون، وما بين إلى أين يصيرون، ليكون ذلك لهم شعاراً، وقد كان أرصد له في كل جهة من مماليكه جشاراً، ثم رحل عن سمرقند، وأشاع أنه قاصد خجند، وبلاد الترك وجند ثم إنه اندمس في دردور عسكره وإنقمس، كأنه في لجة بحر انغمس، ولم يشعر أحد أين عطف، ولا أنى قصد المختطف، ولا زال في تأويب وآساد، وجوب بلاد بعد بلاد، يسر سير الكواكب، ويجري جري المراكب ويطرح ما وقفه وكل من نجائب الجنائب، حتى نبع من بلاد اللور، ولم يكن لأحد به شعور، وهي بلاد عامرة، خيراتها
стр. 84
متكاثرة وفواكهها وافرة، اسم قلعتها بروجرد وحاكمها عز الدين العباسي، وقلعتها وإن كانت في الحضيض لكن كانت تسامي بمناعتها حصون الجبال الرواسي، وهي مجاورة همذان ومتاخمة عراق العرب كأذربيجان، فأحاط بالقلعة وما حواليها وحاصر ملكها المتولي عليها ولما كان صاحبها بلا عدد ولا عدد ولا أهبة ولا مدد، وكان في صورة المتوكل المحتسب وأتاه البلاء من حيث لا يحتسب، لم يسعه إلا طلب الأمان، والانقياد له والإذعان، فنزل إليه وسلمه قياده فقبض عليه وضبط بلاده، ثم أرسله إلى سمرقند وحبسه، وضيق عليه نفسه ونفسه، ثم بعد ذلك بمدة حلفه ورفع عنه ما نابه وصالحه على جمل من الخيل والبغال، ورده إلى بلاده، واستنابه
ولما استخلص ذلك الكفور ولايات تلك الكفور، واصل السير إلى همذان، في أقرب زمان، فوصل إليها وأهلها غافلون فجاءها البأس بياتاً أو هم قائلون، فخرج إليه منها رجل شريف يقال له " مجتبى " وكان عند الملوك مصطفى ولديهم مرتضى، فشفع فيهم فشفعه على أن يبذلوا مال الأمان، ويشتروا بأموالهم ما من عليهم
стр. 85
من الأرواح والأبدان، فامتثلوا أمره وفعلوا، ووزعوا ذلك فجمعوه، وإلى خزائنه نقلوا، فدعته نفسه الجانية أن طرح عليهم المال ثانية، فخرج إليه ذلك الرجل الجليل، ووقف في مقام الشفاعة مقام البائس الذليل، فقبل شفاعته، ووهبه جماعته، ثم إنه سدك بمكانه وجثم، حتى تلاحق به عسكره والتأم
ابتداء تخريب ذلك الخرب أذربيجان
وممالك عراق العرب
ولما بلغ السلطان أحمد بن الشيخ أويس ما فعله بغنم رعايا جيرانه اللور وهمذان ذلك الأويس، وعلم أنه لابد له من قصد مملكته ودياره، لأنه هو بادأه بالشر وطرح على شراره طائر شراره، وإن عسكره وإن كان كالسيل الهامر فإنه لا مقاومة له ببحره وتياره، وأنه إذا جاء نهر الله بطل نهر عيسى، ولا مقابلة لسحرة فرعون مع عصا موسى قلت
السيل يقلع ما يلقاه من شجر ... بين الجبال ومنه الصخر ينفطر
حتى يوافى عباب البحر تنظره ... قد اضمحل فلا يبقى له أثر
فاستعد للبلاء قبل نزوله، وتأهب له قبل حلوله فتشمر للهزيمة،
стр. 86
وعلم أن إيابه سالماً نصف الغنيمة، واقتصر من بسيط فقه المقاتلة والمقابلة على الوجيز، وصمم على الخروج من ممالك بغداد والعراق وتبريز وقال لنفسه النجاء النجاء وجهز ما يخاف عليه صحبة ابنه السلطان طاهر إلى قلعة النجا، وأرسل إلى تيمور الأشعار والهجاء، فمن ذلك ما ترجمته فقلت
لئن كانت يدي في الحرب شلا ... فرجلي في الهزيمة غير عرجا
ثم قصد البلاد الشامية، وذلك في سنة خمس وتسعين وسبعمائة، في حياة الملك الظاهر أبي سعيد برقوق رحمه الله تعالى فوصل تيمور إلى تبريز ونهب بها الذليل والعزيز، ووجه إلى قلع النجا العساكر لأنه كانت معقل السلطان أحمد وبها ولده وزوجته والذخائر، وتوجه هو إلى بغداد ونهبها ولم يخربها ولكن سلبها سلبها وكان الوالي بالنجا رجلاً شديد البأس يدعى ألتون، عند السلطان أحمد مأمون، وله إليه ركون، ومعه جماعة من أهل النجدة، وأولي البأس والشدة، نحو من ثلاثمائة رجل في العدة وكان ينزل بهم ألتون إذا أخذ الليل في السكون، ويشن الغارة على تلك العساكر
стр. 87
والمكان المسكون، فوهن أمر العسكر فأبلغوا تيمور هذا الخبر فأمدهم بأربعين ألف مقاتل مشهور مع أربعة أمراء كبيرهم يدعى قتلغ تيمور، فوصلوا إلى القلعة ولم يكن إذ ذاك ألتون بها، وكان قد خرج للغارة على من في ضواحيها، فبينا هو راجع وإذا بالنقع ساطع فلما اطلع طلع الخبر قال " أين المفر " فقيل كلا " لاوزر " فعلم أن لا ملجأ من الله إلا إليه، فثبت جأشه وحاشيته وتوكل عليه، وقال إن الرؤوس في مثل هذا المقام إنما يكونون تحت الأعلام، فاحطموا نحو قلب هؤلاء اللئام، فأما أن تبلغوا المرام أو تموتوا على ظهر الخيل وأنتم كرام، إذ لا ينجيكم من هذا الكرب سوى الطعن الصادق والضرب، قلت
كريماً مت وإلا مت لئيما ... فما والله بعد الموت موت
فتعاضدوا بهمة صادقة، وعزيمة على حصول الخلاص من الله تعالى واثقة، وقد أحاطوا بهم إحاطة الشبكة بالسمكة، وصاروا في وسطهم كالمغزل في الفلكة، وقصدوا الراية وحامليها، ومن يليها وذويها، فساعدهم ساعد سعد لحيان بنصرته، وحل عنهم القبض الداخل
стр. 88
وأنكيس عقلته، فاسالوا على راياتهم ذات البياض من الدماء حمرة، وفتحت لجماعتهم طريق إلى عتبة النصرة، فلاح لهم فلاح وجنح لهم نجاح، فنجوا من الشرور، وحصل لهم السرور، بعد أن قتلوا من العسكر أميرين أحدهما قتلغ تيمور ولما وصل هذا الخبر إليه، اسودت الدنيا في عينيه، بل انقلب الكون والمكان عليه، ثم نهض إليها بنفسه، وربض عليه بحرسه، وأحاط بجوانبها وألقم الحرس أفواه مضاربها
صفة قلعة النجا
وهذه القلعة أمنع من العقاب، وأرفع من السحاب، يناجي السماك سماكها، ويباهي الأفلاك استمساكها، كأن الشمس في شرفها ترس من الإبريز على بعض شرفها، وكأن الثريا في انتصابها، قنديل معلق على بابها، لا يحوم طائر الوهم عليها، فأنى يصل طائش السهم إليها، ولا يتعلق بخدم خدمتها خلخال خيال وافتكار، فضلاً عن أن يحلق على معصم عصمتها من عساكر الأساورة سوار وكان ألتون قد تربى في ترائب ترابها، وأهل مكة أخبر بشعابها، فصار كلما سجى الليل الساجم، وأرصد
стр. 89
لسراق الشياطين عيونه الرواجم، هبط من تلك القلال، وسرى سري طيف الخيال ودب دبيب الشحم في اللحم، والماء في العود والنار في الفحم، من درب لم تتوهمه الظنون، بعون من لا تراه العيون، بحيث لا يشعر به الحرس، ولا يبصر به العسس، ولا يزال يتلو عليهم آيات الإغفاء، وينفث بطلسمات الاستخفاء، ويتقرب ويترقب، حتى يلوح له في الحي مضرب، فيقتل ويسلب، وينهب ويهرب، فيكر سالماً ويفر غانماً فلم يزل ذلك دأبهم ودأبه، حتى أعجز تيمور وأصحابه، فلم ير تيمور أوفق من الارتحال، لضيق المجال وعسر المنال، فارتحل عنها بعد أن رتب عليها للحصار اليزك، واستمر الحصار مدة طويلة والقضاء يقول له اصبر فإنها لن تعجزك، قيل إنها مكثت في الحصار اثنتي عشرة سنة وسبب أخذه لها أن ألتون المذكور، كان له أخ بالفسق مشهور، فحصل بينه وبين أم السلطان طاهر، خيانة أوجبت عليها ما يجب على العاهر، فاطلع على ذلك طاهر بن السلطان أحمد، فقبض عليهما، وقتلهما، سالكاً في ذلك الرأي الأحمد وكان إذ ذاك ألتون عن القلعة غائباً، قد خرج منها
стр. 90
وقصد للغارة جانباً، فلما رجع ألتون أغلقوا باب القلعة عليه، ورموا بأخيه من فوق السور إليه، وأخبروه خبره، وعجره وبجره، فقال جزاكم الله أحسن الجزاء، وجعل حظكم من الخيرات أوفر الأجزاء لو كنت عالماً فعله، أو حاضراً قتله، لعاملته بما هو أهله، وفعلت به ما يجب فعله، ولحل به من الزمان دواهيه، وأريتكم العبر فيه، ولأشهرته في خلق الله تعالى وبريته، وناديت عليه هذا جزاء من يخون ولي نعمته ثم طلب الدخول فقطعوه عن الوصول، فقال أما أخي فإنه جنى فذاق ثمرة ما جناه، وأما أنا فقلبي على الوفاء بعهدكم من الأزل وإلى حين وفاتي لم أزل موالي وليكم ومعادي عدوكم فإن طردتموني فإلى أين أذهب، وإن رددتم رغبتي فيكم ففيمن أرغب، فقالوا ربما أدركتك الحمية، ولحقتك العصبية، فتذكرت أخاك، وتفكرت شدتك بعد رخاك فنقمت، وانتقمت، واعوججت بعد أن استقمت، وتكدر منك ما صفا وظهر ما اختفى، ناهيك قصة الأخوين مع ذات الصفا قلت
стр. 91
ويمكن وصل الحبل بعد انقطاعه ... ولكنه تبقى به عقدة الربط
فأنشأ أيماناً واثقة، أن كلماته وعهوده صادقة، فقالوا له لا تطل الحديث فما حييت مالك عندنا مقيل ولا مبيت، فارجع من حيث جئت، وهذا آخر العهد منك غضبت أم رضيت، فأخذ يذم دهره، ويعض يديه ندامة وحسرة، على أنه أنفذ عمره، في طاعة من لم يعرف قدره، ثم دنى فتدلى، وعبس وتولى، وسيب فرسه وماله، وفرق خيله ورجاله، ولما لم يكن له ملجأ، سوى قلعة النجا وقد خرجت من يده، وألقت النار في كبده، ضرب أخماساً لأسداس، فيمن يقصده من الناس ثم أورى برأيه الزند، أن يقصد مدينة مرند، وكانت تحت حكم تيمور، وفيها أوامره تمور، فسالمها وقصد حاكمها لابساً لبدا، وتاركاً مالاً وولدا، لما اتصل بحاكمها الخبر، أحاط به الجبن والخور، فاضطرب واقشعر، واضطرم واعتكر، وأخذ الحذر ورام المفر، فقيل أنه وحده من غير رجال وعدة، فرجع عقله إليه، ودخل ألتون عليه، فأخذ في التفتيش عن أموره، ثم قطع رأسه وأرسله إلى تيمور، فتحرق لذلك
стр. 92
وانتكى وتأسف عليه وبكى، وأرسل إلى قاتله فعزله، ثم صادره وقتله
ثم أن السلطان طاهر لما أحدث هذا الحدث وتنجس بهذه الخبائث والخبث لم يمكنه الإقامة فأذن بالرحيل، وأم بجماعته قبل التحويل، إذ نشز عنه مخدرات القلعة فعجز عن إحصان تحصينها، وعنن في افتضاض أبكارها وعونها وقل جيشه وفل، فسل متاعه منها وانسل، فذل لتيمور صعابها، وفتح له من غير معالجة بابها، فولى فيها من يثق به من الأعوان، ووصى به لعلة المجاورة الشيخ إبراهيم حاكم شروان، ثم ثنى عنان الفساد، إلى صوب بغداد، فهرب السلطان أحمد كما ذكر إلى الشام في فئة، وذلك في شوال سنة خمس وتسعين وسبعمائة، فوصل إليها حادي عشريه يوم السبت، فكبتها وما حواليها أي كبت، " ثم صدر هو وقبيله عن ولاية بغدان قاصدين ديار بكر وأرزنجان "
ذكر أخبار صاحب بغداد وأسماء آبائه
والأجداد وكيفية دخوله إلى هذه البلاد
وهو السلطان مغيث الدين أحمد بن الشيخ أويس بن الشيخ حسن بن حسين ابن آقبغا بن أيلكان صاحب بغداد وأذربيجان، وما أضيف
стр. 93
إلى ذلك من ولايات وممالك، وأيلكان جده الأعلى ابن القان الكبير النجيد شرف الدين سبط القان أرغون ابن أبي سعيد وكان والده الشيخ أويس من أهل الديانة والكيس، ملكاً عادلاً، وإماماً شجاعاً فاضلاً، مؤيداً منصوراً صارماً مشكورا، قليل الشر كثير البر، صورته كسيرته حسنة، وكانت دولته تسع عشرة سنة، وكان محباً للفقراء، معتقداً للعلماء والكبراء وكان قد أخبر في منامه بوقت موافاة حمامه، فاستعد لحلول فوته، ورصد نزول موته، وخلع من الملك يده، وولاه حسيناً ولده، وهو أكبر بنيه، والأفضل من أهله وذويه، ونبذ أدانيه ودنياه، وأقبل على طاعة مولاه، واستعطفه إلى الرضا، والعفو عما مضى، ولازم صلاته وصيامه، وزكاته وقيامه، ولا زال يصلي ويصوم، حتى أدركه ذلك الوقت المعلوم، فأظهر سره المصون، وتلا " فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون " فدرج على هذه الطريقة الحسنة، وقد جاوز نيفاً ثلاثين سنة، ومن مغرب تبريز أفل قمره، وفي سنة
стр. 94
ست وسبعين وسبعمائة وصل إلى الشام خبره واستقر ولد جلال الدين حسين مكانه، وأفاض على رعيته فضله وإحسانه، وكان كريم الشمائل، جسيم الفضائل، وافر الشهامة، ظاهر الكرامة، أراد أن يمشي على سنن والده، ويحيي ما دثر من رسوم آثاره ومعاهده، فخذلته الأقدار، وخالطت صفو مساعيه الأكدار وفي سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة وصل من قصاده إلى الشام فئة، وهم القاضي زين الدين علي بن جلال الدين عبد الله بن نجم الدين سليمان العبايقي الشافعي، قاضي بغداد وتبريز، والصاحب شرف الدين بن الحاج عز الدين الحسين الواسطي وزير السلطان وغيرهما ثم في جمادى الآخرة من هذه السنة وثب السلطان أحمد على أخيه المشار إليه فقتله، وقام لينصر الملك والدين مكانه فخذله فملأ جفن حياته من الفناء سنة، وعمره إذ ذاك نيف وعشرون سنة ولما استولى السلطان على ممالك العراق، مد يد تعديه وضم جناح الشفقة والإرفاق، وشرع يظلم نفسه ورعيته، ويذهب في الجور والفساد يومه وليلته، ثم بالغ في الفسق والفجور، فتجاهر
стр. 95
بالمعاصي وتظاهر بالشرور، واتخذ سفك الدماء إلى سلب الأموال وثلم الأعراض سلما فقبل إن أهل بغداد مجوه، واستغاثوا بتيمور، فأغيثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه، فلم يشعر إلا والتتار قد دهمته، وعساكر الجغتاي خيلاً ورجلاً حطمته، وذلك يوم السبت المذكور، من الشهر المشهور، فاقتحموا بخيلهم دجلة وقصدوا الأسوار، ولم يمنعهم ذلك البحر البتار، ورماهم أهل البلد بالسهام وعلم أحمد أنه لا ينجيه إلا الانهزام، فخرج فيمن يثق به قاصد الشام، فتبعه من الجغتاي قوم لئام، فجعل يكر عليهم ويردعهم، ويفر منهم فيطمعهم، وحصل بينهم قتال شديد، وقتل من الطائفتين عدد عديد، حتى وصل إلى الحلة، فعبر من جسرها نهر دجلة، " ثم قطع الجسر ونجا من ورطة الأسر، واستمرت التتار في عقبه تكاد أنوفها تدخل في ذنبه فوصلوا إلى الجسر ووجدوه مقطوعاً، فتزاموا في الماء وخرجوا من الجانب الآخر ولم يزالوا تابعاً ومتبوعاً ففاتهم ووصل إلى مشهد الإمام وبينه وبين بغداد ثلاثة أيام "
ذكر ما افتعله من الخديعة والمكر
في بلاد أرزنجان وديار بكر
стр. 96
فوصل إلى ديار بكر واستخلصها، ومن أيدي ولاتها خلصها، فعصت عليه قلعة تكريت فتسلط عليها من عساكره كل عفريت، وذلك يوم الثلاثاء رابع عشر ذي الحجة، وقد ارتجت منه البلاد أشد رجة، فحاصرها وأخذها في صفر بالأمان، ونزل إليه متوليها حسن بن يولتمور متدرع الأكفان، وفي حضنه وعلى عاتقه أطفاله، وقد ودعه أهله وماله، وأسلمته خيله ورجاله، وذلك بعد أن عاهده أن لا يريق دمه، فأرسله إلى حائط فقضه عليه وردمه، وقتل من بها من رجال وسبى النساء وأسر الأطفال، وجعل يعيث ويستأصل، ويقطع في الفساد ويوصل حتى أناخ يوم الجمعة حادي عشرين صفر سنة ست وتسعين على الموصل، فأخربها وكسرها، ثم أتى رأس عين ونهبها وأسرها، ثم إلى الرها تحول، ودخلها يوم الأحد غرة شهر ربيع الأول، فزاد عيثاً وفساداً، وجارى فيما عاند ثموداً وعادا، وخرج من تلك البلد، ثاني عشرين يوم الأحد ثم اختار من نسور قومه طائفة، على ورد الدماء حائمة وعلى قتل المسلمين عاكفة، فأخذهم واندغر وفي ممالك ديار بكر انغمر، ولم يزالوا بها عائثين، ولأذاها قاصدين،
стр. 97
وعليها ظالمين، وفيها ماردين، فقصدها بتلك العفاريت المصاليت، وواصل السير إليها فوصلها في خمسة أيام من تكريت، ومسافة ما بينهما للمجد، اثنا عشر يوماً إن لم تزد، وكان سلطانها الملك الظاهر تحقق أنه لا يضر من التجأ إليه، وقدم في ثوب الطاعة عليه، فما وسعه إلا التشبث بذيل ذممه، والانتظام في سلك خدمه
ذكر ما جرى لسلطان ماردين عيسى
الملك الظاهر من المحنة والبلاء مع ذلك الغادر الماكر
لكنه خاف غائلته، فجمع حاشيته وصاغيته، وقال إني ذاهب إلى هذا الرجل، ومظهر له الانقياد، فإن ردني حسبما أريد فهو المراد وإن طالبني بالقلعة، فكونوا أنتم على التأبي والمنعة، وإياكم أن تسلموها إليه، أو تعتمدوا في الكلام عليه، وإن دار الأمر بين تسليم القلعة وبين إتلافي، فاحتفظوا بالقلعة واجعلوا التلافي في تلافي، فإنكم إن تسلموها إليه، خرجتم من باطنكم وظاهركم، وأتى بالهلاك على أولكم وآخركم، وخسرتم شعاركم ودثاركم، وغبنتم أنفسكم ودياركم، وإذا كان كذلك فأنا أجعل نفسي فداكم، وأكفيكم بروحي
стр. 98
ما داهاكم، وبعض الشر أهون من بعض، وها أنا أجس لكم النبض ثم قصد ذلك الكالح والمفسد الطالح، بعدما استخلف ابن أخيه الملك الصالح شهاب الدين أحمد بن الملك السعيد اسكندر بن الملك الصالح الشهيد، ونزل يوم الأربعاء خامس عشري شهر ربيع الأول سنة تسع وتسعين وسبعمائة، واجتمع به في سلخه بمكان يسمى الهلالية، فقابله بشنعة، وقبض عليه بسرعة، وطلب منه تسليم القلعة فقال القلعة عند أربابها وبيد أصحابها وأنا لا أملك إلا نفسي فقدمتها إليك، وقدمت بها عليك، فلا تحملني فوق طاقتي، ولا تكلفني غير استطاعتي فأتى به إلى القلعة وطلبها منهم فأبوا، فقدمه إليهم ليضرب عنقه أو يسلموه فنبوا، فطلب منه في مقابلة الأمان من الدراهم الفضية مائة تومان وكل تومان ستون ألفاً، خارجاً عما يتقرب به إليه زلفى، ثم إنه شد وثاقه، وسد عليه ليذهب عنه ما به من قوة كل باب وطاقه، وشمر للفساد ذيله، وجعل يريح رجله ويسمن خيله، ويتفوق كاسات فساده، ويعربد على عباد الله وبلاده، واستمر على ذلك لا يعي ولا يفيق، ويتردد ما بين الفردوس
стр. 99
إلى رسمل ونصيبين والموصل العتيق ثم أمر عساكره في جمادى الآخرة أن يمروا قاصدين، ويقصدوا ماردين، فسابقوا الطير ولاحقوا السير، وجازوا بالنهار الأنهار وبالليل السيل، فقطعوا فقار القفار، قطع الهندي وعملوا في تلك الجبال والقلال بما قاله الكندي وهو
سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالاً على حال
فوصلوا إليها على غفلة، واحتووا عليها من غير مهلة، وذلك يوم الثلاثاء ثاني عشره، وقد سل الصبح حسام فجره، وطار غراب الدجى عن وكره، فصاروا سوار معصم تلك الأسوار، وأحلوا الدمار هاتيك الديار، فعموها رجفاً، وساموها خسفاً، وهدوها زحفاً، ودكوها وجفاً، وتعلقوا بأهداب أرجائها وتسلقوا بالسلالم من أرضها إلى سمائها، وكان متسلقهم على الأسوار، من القبلة رابية اليهود، ومن الغرب التلول، ومن الشرق المنشار، فأخذوا المدينة عنوة وقسراً، وملؤها فسقاً وكفرا، وترفع أهل المدينة إلى القلعة، ولم يكره أحد سواهم علو المنزلة والرفعة، واكوهدوا ملتجئين إلى قوادمها وخوافيها، وذب عنهم من القلعة بالسهام والمكاحل من كان فيها،
стр. 100
فقتلوا من ظفروا به ذكراً أو أنثى صغيراً أو كبيراً، ولم يرتضوا بما فيها نهباً وبمن فيها أسيرا، فجالد بعض الناس وأظهر لهم بعض جلادة وأراد بتثبته لهم أن يضم الجهاد إلى الشهادة، ولا زالت آيات القتال عليهم تتلى، حتى امتلأت المدينة من الجرحى والقتلى، واستمر ذلك من قبل طلوع الشمس، إلى أن صار اليوم الأمس وحين التقى على وجنتي الكون عارضا الليل، واستوفى أولئك المطففون من ظلمهم وتعديهم الميزان والكيل، وبادر نون الظلام يؤنس الشمس بالالتقام، طرأ على تلك الحركات السكون فتراجعوا ونزل العسكر مقابل عربون، وقد قتل من العسكرين ما سبق العدد، وأكثرهم كان من أهل البلد، فباتوا يعدون السلاح ويثقفونه، وينتظرون الصباح ويستبطئونه، إلى أن شق الليل مكتوم جيبه، وأظهر الظلام مكنون غيبه، وأمر الكون وجه النهار أن يضرب على جنبي الآفاق أطراف شيبه، بكروا بكور الغراب وبدروا إلى الحراب والخراب، وعصروا أهل المدينة وحاصروها أشد حصر، وهدموها وأسوارها من الظهر، فمحوا آثارها بعد العصر، ثم باءوا بالآثام
стр. 101
وقد انتشر كظلمهم الظلام
إيضاح ما أخفاه من الحيلة
وصلود زند تلك الأفكار الوبيلة
ولما آب أمله بالخيبة، ولم يمكنه تحصيل القلعة بالهيبة، شحذ فكراً وجدد مكراً، وتاب عن المقابحة، وثاب إلى المصالحة، فردع ذلك الخميس، في نهار الخميس وأرسل إليهم يقول، ضمن كتاب مع رسول علم أهل قلعة ماردين والضعفاء والعجزة المساكين والعطاش أننا قد عفونا عنهم وأعطيناهم الأمان على نفوسهم ودمائهم، فليأمنوا وليضاعفوا لنا الأدعية وهذه الرسالة نقلتها كما وجدتها، فما استب كيده، ولا أنجح قصده، لأن رصدها كانوا غير راقدين، وشياطين حرسها كانوا كهى ماردين، فارتحل ذلك البلية بكرة السبت إلى البشرية، وأرسل إلى آمد الجنود مع أمير يدعى سلطان محمود، فتوجه بجيش طام وحاصرها خمسة أيام وأرسل يستمده عليها، فتوجه بنفسه إليها، وأحلها الهوان، فطلبوا الأمان، فأمن البواب، ففتح له الباب فدخل من باب التل، ووضع السيف في الكل، فأباد الجميع وأبار العاصي والمطيع وأسروا
стр. 102
الصغار، وهتكوا أستار الحرم وحرم الأستار، وأذاقوا الناس لباس البأس، والتجأ بعض الناس إلى الجامع، فقتلوا منهم نحو ألفي ساجد وراكع، ثم حرقوا الجامع، ورحلوا وتركوها بلاقع، فهداه إبليس إلى أخذ قلعة أرجيس ثم بادر بالتحريك وحط على قلعة أونيك وفيها مصر بن قرا محمد أمير التركمان، فحاصرها وأخذها بالأمان، وذلك في سنة ست وتسعين وسبعمائة بعد عيد رمضان، ثم قتل كل من كان بها من الجند، وصير مصر إلى سمرقند " فصل " ثم استصحب الملك الظاهر بسوء نية ورحل سابع ذي القعدة سنة ست وسبعين وسبعمائة، وحبسه في مدينة سلطانية، وحبس عنده من أمرائه الأمير ركن الدين وعز الدين السليماني واسنبوغا وضياء الدين وضيق عليه بأن يقطعوا عن أهله خبره، بحيث لا يدري أحد عجره وبجره، ولما أثخنه وشد الوثائق قصد التوجه إلى دشت قبجاق، فأجرى نحوها ما أقام من الفتنة على قدم وساق، ومكث الملك الظاهر سنة لا يدري أحد خبره في يقظة ولا سنة ثم وفدت
стр. 103
الملكة الكبرى إلى سلطانية وخففت عنه ما به من ضيق وبلية، وفسحت له في مراسلة جماعته، وحرضته على طلب الدخول في رضى تيمور وطاعته، زاعمة أنها ناصحة له وطالبة مصلحته، وكان ذلك من مكايد تيمور وبإشارته
ثم رجع تيمور من الدشت في شعبان سنة ثمان وتسعين فمكث بسلطانية ثلاثة عشر يوماً ثم توجه إلى همذان، ومكث بها إلى ثالث عشر شهر رمضان، ثم استدعى من سلطانية الملك الظاهر، بإكرام تام وانشراح صدر وخاطر، ففكوا قيوده وقيود متعلقيه وعظموه غاية التعظيم مع ذويه، وتوجه إليه يوم الخميس خامس عشره ودخل عليه يوم السبت سابع عشره، فتلقاه بالاحترام واعتنقه، وأذهب عنه دهشته وقلقه، وقبله في وجهه مراراً واعتذر إليه مما فعله معه جهاراً، وقال له إنك لله ولي، ورفيع القدر كأبي بكر وعلي، وتحلل منه عما صدر في حقه عنه، وأضافه ستة أيام، وخلع عليه خلع الملوك العظام، وأحله محلا جميلا، وأعطاه عطاء جزيلا، من ذلك مائة فرس وعشرة بغال وستون ألف دينار كبكية وستة جمال، وخلع مزركشه مكلله،
стр. 104
وإنعامات وافرة مكملة، ولواء يخفق على رأسه منصوراً وستة وخمسين منشورا، كل منشور بتولية بلد، وأن لا ينازعه فيه أحد، أول ذلك الرها إلى آخر ديار بكر إلى حدود أذربيجان وأرمينية وكل ذلك من الدهاء والمكر وأن جميع حكام تلك البلاد يكونون تحت طاعته معدودين في جملة خدمه وجماعته، يحملون إليه الخراج والخدم، ولا ينقلون إلا عن أمره قدماً عن قدم، بحيث يكون شخص كل منهم من مجاوريه بما أفاء الله عليهم لظله فيئا، ويعفى هو فلا يحمل إلى تيمور ولا غيره شيئاً، وهذا وإن كان في الظاهر كالإكرام، فإنه فيما يؤول إليه وبال عليه وانتقام، وفيه كما ترى ما فيه، وإلقاء العداوة بينه وبين مجاوريه، وينجر ذلك إلى أن يلتجي إليه ويعول في كل أموره عليه، ويدخل لكثرة الأعداء تحت ضبنه، فيصل إذ ذاك منه إلى حصنه ثم إنه شرط عليه أنه كلما طلبه جاء إليه، ثم عانقه وودعه، وأمر أمراءه لتشييعه فخرج من الضيق إلى السعة، لثالث عشر شهر رمضان ليلة الجمعة، سنة ثمان وتسعين وسبعمائة، فوصل إلى سلطانية، في عيشة رضية، وحالة
стр. 105
هنية ثم عزم على تبريز في جحفل نفيس عزيز واجتمع بأميران شاه فزاد في إكرامه وعطاياه شيعه في أحسن هيئة وأيمن طور فجاء على وسطان بدليس وأرزت إلى الصور ووصل خبره إلى قبائله والعشائر، فابتهج الناس ودقت البشائر، فوصل يوم الجمعة حادي عشري شوال، وخرج أهل المدينة والأكابر للاستقبال، وسبق الناس ولي عهده الملك الصالح، فدخل المدينة بفأل سعيد وأمر ناجح، وتوجه إلى مدرسة حسام الدين، وزار والده وأمواته الماضين، وعزم على ترك التخت المنيف، والتوجه إلى الحجاز الشريف، فلم تتركه الناس خاصة وعامة، وتراموا عليه وقبلوا أقدامه، فصعد إلى محل كرامته، واستقر في كرسي مملكته وسيأتي لهذا الشأن مزيد البيان وما جرى من الأمور عند قدوم تيمور، وحلول عسكره اللئام، ماردين بعد خرابهم ممالك الشام قيل لما استقر الملك الظاهر في مملكته، اجتمع عنده جماعة من أدباء وقدماء حضرته، فاقترح عليهم أن يقولوا في ذلك شيئاً، فقال أولاً
стр. 106
بدر الدين حسن بن طيفور
طغى تمر واستأصل الناس ظلمه ... وشاعت له في الخافقين الكبائر
لقد زاد بغياً فافرحوا بزواله ... لأن على الباغي تدور الدوائر
فقال ركن الدين حسين بن الأصغر أحد الموقعين ثانياً
كن من رجال إذا ما الخطب نابهم ... ردوا الأمور إلى الرحمن واغتنموا
فسلموا الأمر لما أن رأوا خطرا ... لذي الجلال فلما سلموا سلموا
فقال القاضي صدر الدين بن ظهير الدين الحنفي السمرقندي ثالثاً
طويل حياة المرء كاليوم في غد ... فخيرته أن لا يزيد على الحد
ولا بد من نقص لكل زيادة ... وإن شديد البطش يقتص للعبد
ثم قال علاء الدين بن زين الدين الحصني أحد الموقعين رابعاً
لا تحزن فالذي قضى الله يكون ... والأمر موكل إلى كن فيكون
ما بين تحرك بلحظ وسكون ... الحالة تنقضي وذا الأمر يهون
فأعجبه ذلك وأجازه خمسة آلاف درهم وصرفه والله أعلم
ذكر رجوعه من ديار بكر والعراق
وتوجهه إلى مهامه قبجاق ووصف
стр. 107
ملوكها وممالكها وبيان أوضاعها ومسالكها
ثم إنه رجع من عراقي العرب والعجم، وقد ثبتت له في ممالكها أية قدم، وذلك بعد أن قدم عليه الشيخ إبراهيم وسلمه مقاليد ما بيده من أقاليم، وتقلد طوق عبوديته، ووقف في مواقف خدمته، وانتظم في سلك عبده، وأحله محل ولده، وسنذكر كيف تغرب عليه، ومن أي طريق تقرب إليه فقصد دشت قبجاق وجد في الوخد والأعناق وهو ملك فسيح، يحتوي على مهامه فيح، وسلطانها توقتاميش، وهو الذي كان في حرب تيمور أمام السلاطين المخالفين كالجاليش إذ هو أول من بالعداوة بارزه، وفي بلاد تركستان واقفه وناجزه، ونجده في ذلك كما مر السيد بركة وبلاد الدشت تدعى دشت قبجاق ودشت بركة، والدشت باللغة الفارسية اسم للبرية، وبركة المضاف إليه هو أول سلطان أسلم ونشر بها رايات الملة الإسلامية، وإنما كانوا عباد أوثان، وأهل شرك لا يعرفون الإسلام والإيمان، ومنهم بقية يعبدون الأصنام إلى هذا الأوان فتوجه إلى ذلك الإقليم من طريق الدربند الجاري تحت حكم الشيخ
стр. 108
إبراهيم، وهو سلطان ممالك شروان، ونسبه متصل بالملك كسرى أنو شروان، وله قاض يدعى أبا يزيد، يفضل على جميع أركان دولته بالقرب إليه ويزيد، وهو دستور مملكته، وقطب سلطنته فاستشار في أمور تيمور وما يفعله، أيطيعه أم يتحصن منه أم يفر أم يقاتله؟ فقال له الفرار في رأيي أصوب، والتحصن في الجبال الشواهق أوثق عندي وأعجب فقال ليس هذا برأي مصيب، أنجو أنا وأترك رعيتي ليوم عصيب، وماذا أجيب يوم القيامة رب البرية، إذا رعيت أمورهم وأضعت الرعية، ولا عزمت أن أقاتله، وبالحرب والضرب أقابله، ولكني أتوجه إليه سريعاً، وأتمثل بين يديه سامعاً لأمره مطيعا، فإن ردني إلى مكانتي، وقررني في ولايتي، فهو قصدي وغايتي، وإن أذاني أو عزلني أو حبسني أو قتلني، فتكفي الرعية مؤنة القتل والنهب والأسار، فيولي إذ ذاك عليهم وعلى البلاد من يختار، ثم أمر بالاقامات فجمعت، وأذن للجيوش فتفرقت وتمنعت، وبمدن الولايات أن تتزين وتتزوق، وبسكانها براً وبحراً أن تأمن فتتعامل وتتأنق، وبالخطب أن تقرأ فوق المنابر باسمه، وبالدنانير والدراهم
стр. 109
أن تضرب بوسمه ورسمه، ثم حمل التقادم والخدم، وتوجه إليه بأطيب جأش وأثبت قدم، ولما وفد عليه، وتمثل بين يديه، قدم الهدايا والتحف، وأنواع الغرائب والطرف وعادة الجغتاي في تقديمهم الخدم أن يقدموا من كل جنس تسعة، لينالوا بذلك عند المهدى إليه الكرامة والرفعة، فقدم الشيخ إبراهيم من كل جنس من أجناس ما قدمه تسعة، ومن المماليك ثمانية، فقال له المتسلمون لذلك وأين تاسع المماليك؟ فقال التاسع نفسي العانية، فأعجب تيمور هذا الكلام، ووقع من قلبه بمكان ومقام، وقال له بل أنت ولدي، وخليفتي في هذه البلاد ومعتمدي، وخلع عليه خلعة سنية ورده إلى مملكته مستبشراً ببلوغ الأمنية ثم فرقت تلك الإقامات، وتوزعت الفواكه والطعامات، ففضل منها أمثال الجبال عن ذلك العسكر الذي هو كالحصى والرمال، ثم تركه وسار إلى بلاد الشمال والتتار وسبب آخر لقصده تلك الممالك وإن كان لايحتاج إلى ذلك، أن الأمير إيدكو كان عند توقتاميشس أحد رؤوس أمراء الميسرة والأعيان المتخذين في النائبات لدفعها وأرباب الرأي والمشورة، وقبيلته
стр. 110
تدعى قونكرات، وقبائل الترك كقبائل العرب واللغات كاللغات، وكان إيدكو قد أحس من مخدومه، تغير خاطر خاف منه على نفسه وكان توقتاميش شديد البأس فخشي منه حلول بأسه، فلم يزل منه متحرزاً، وللفرار إذا رأى منه ما يقتضي ذلك مستوفزا، وجعل يراقبه ويراقيه، ويداربه ويداريه، ففي بعض ليالي السرور ونجوم الكاسات في أفلاك الطرب تدور، وسلطان الخمرة قد أنفذ في أسير العقل أمره طفح أن قال توقتاميش لإيدكو، ونور البصيرة يخبو ويذكو إن لي ولك يوما، يسومك الخسف سوما، ويوليك عن موائد الحياة صوماً، ويملأ عين بقائك من سنة الفناء نوماً، فغالطه إيدكو وباسطه وقال أعيذ مولانا الخاقان، أن يحقد على عبد ماخان، وأن يذوي غراس هو أنشأه، أو يهوي أساس هو بناه، ثم أظهر التذلل والخشوع، والتمسكن والخنوع، وتحقق ما كان ظنه، وأعمل في وجه الخلاص ذهنه، واستعمل في ذلك الذكاء والفطنة، وعلم أنه إن أهمل أمره أو أمهله، أنه
فمكث قليلاً واستغفل السلطان، ثم انسلت من بين الحواشي، والأعوان، وخرج
следующие страницы →