Полный текст (588 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
(فآليْتُ لا ينفَكُّ كَشْحي بِطانَةً ... لأَبيض عضْبِ الشَّفْرتين مهنَّدِ)
قوله (فآليت) معناه حلفت. والإيلاء: مصدر آليت. ويقال هي الألية، والأُلوة، والإلوة، والألوة.
ويقال: يا فلان أبل فلانا يمينا، أي احلف له يمينا تطيب بها نفسه. قال اوس بن حجر:
كأنَّ جديدَ الأرض يُبْليلك عنهم ... تقيُّ اليمينِ بعدَ عهدِك حالفُ
معناه: كأن جديد الأرض يحلف لك. وقال الآخر:
تسائلُ أسماءُ الرّفاقَ وتبْتلى ... ومن دون ما تَهوينَ بابٌ وحاجبُ
يقول: تستحلفهم بالله هل رأيتم فلانا. ومن دون ما تهوين باب وحاجب، معناه أن الرجل الذي تطلبه
كان محبوسا. وقال كثيِّر:
فإنِّي لأُبْلِى من نساءٍ سَوائها ... فأمَّا على ليلى فإنِّيَ لا أُبْلى
معناه: لا أحلف. ويروى:
فأقسمت لا ينفكُّ كَشحِي بِطلنةً ... لعَضْب رقيق الشَّفْرتين مُهَنَّدِ
فقوله: لا ينفك، معناه لا يزال. و (العضب): السيف القاطع. و (الكشح): الخاصرة وما اضطمت
عليه الأضالع. ويروى (أضلاع). وشفرتا السيف: حداه. و (مهند): منسوب إلى الهند، وهي نسبة
على غير قياس. وقال أبو عمرو: التهنيد: شحذ السيف.
والبطانة منصوبة على خبر لا ينفك، وكشحي في موضع رفع لأنه هو لاسم.
стр. 212
(حُسَامٍ إذا ما قُمْتُ مُنتصرا به ... كفَى العوْد منه البَدْءُ ليس بمِعْضدِ)
(الحسام): القاطع من السيوف. ويقال للرجل الماض: إنه لحسام. ويقال للرجل إذا انكسر عند
جرأته: كل حسامه. ويقال: قد حسمته عن كذا وكذا وفطمته وقطعته بمعنى. ويقال: قد حسم قطعه،
بمعنى كواه لينقطع عنه الدم. وقوله (منتصرا) معناه متابعا للضرب. ويقال: قد تناصر القوم على
رؤية الهلال، إذا تتابعوا. ويقال: قد نصر الله تعالى أرض بني فلان، إذا جادها بالمطر. قال الراعي:
إذا انسلَخَ الشَّهرُ الحرامُ فودٍّعِي ... بلادَ تميمٍ وانصري أرضَ عامِرِ
ويقال منتصرا معناه ناصرا. وقال أبو جعفر: منتصرا معناه انتصر من ظلمي. وقوله: (كفى العود
منه البدء)، يقول: كفت الضربة الأولى التي بدأ بها أن يعود ثانية. و (المعضد): الردى من السيوف
التي تمتهن في قطع الشجر. وما قطع من الشجر فهو عضد. وقال بعضهم: المعضد، والددان،
والكهام، والمنثنى من السيوف: الكليل.
ونصب (منتصرا) على الحال من التاء. والبدء يرتفع بكفي، واسم ليس مضمر فيها
(أَخي ثِقَةٍ لا ينْثَني عَنْ ضريبةٍ ... إِذا قيلَ مَهْلاً قال حاجزُه قَدِ)
قوله (لا ينثني عن ضريبة) معناه إذا ضرب به لم يرجع. و (الضريبة): المضروبة. ومضرب
السيف ومضربه. والمضرب من الاسم، والمضرب المصدر. ويقال:
стр. 213
المضرب على رأس شبر من ظبته. وقوله (إذا قيل مهلا).
قال الذي يحجزه، قد فرغ. وقال الطوسي: حاجزه الهاء للسيف،
و (حاجزه) هاهنا: حده. وقوله (قد) معناه حسب، أي قد فرغ. ويقال: قد عبد الله درهم، أي حسب عبد
الله درهم. ويقال: قدي درهم، وقدني درهم.
وأخي ثقة نعت لما تقدم قبله. ويجوز في النحو: أخا ثقة، نصب لما تقدم قبله وعلى المدح أيضا.
والرواة مجمعة على الخفض. ومهلا منصوب على تقدير المصدر، وهو مما يكون للواحد والاثنين
والجمع والمؤنث بلفظ واحد.
(إِذا ابتَدَرَ القَوم السِّلاحَ وَجدْتَني ... مَنيعاً إذا بَلَّتْ بقائمِهِ يَدِي)
قوله (إذا ابتدر القوم)، معناه إذا عجلوا إليه وتبادروا. ويقال: ناقة بدرية، إذا كانت تبكر اللقاح وتنتج
قبل الإبل، وذلك من فضل قوتها. قال الراجز:
لسالم أن سَكَت العَشِية ... عن البكاء ناقةٌ بدريَّهْ
وقال أبو عبيدة في قوله تعالى: (إسرافاً وبداراً) معناه مبادرة قبل أن يدرك ويونس منه الرشد. ومن
ذلك سمى البدر بدرا، لأنه بادر غيبوبة الشمس فطلع قبل أن تغيب. ويقال: سمى بدرا لامتلائه
واستدارته. ويقال غلام بدر وجارية بدرة، إذا كانا ممتلئين سمنا. وسميت البدرة بدرة لامتلائها.
ويقال: بدرة وبدر، وبدر جمع الجمع. و (السلاح) يذكر ويؤنث. قال الفراء: قالت امرأة من بني أسد:
إنما سمي
стр. 214
جدنا دبيرا لأن السلاح أدبرته. يقال: وجدت الذي ضاع أجده وجدانا، ووجدا، ووجدانا أكثر
في كلامهم. وأنشدنا أبو العباس:
أنشِدوا الباغي يُحبُّ الوِجدانْ ... قلائصاً مختلفاتِ الألوانْ
منها ثلاثٌ قُلُصٌ وبَكْرانْ
وأضل رجل بعيرا له فجعل ينشده ويقال: من وجده فهو له، فقيل له: فما تصنع به؟ فقال: أين فرحة
الوجدان! وقال أبو جعفر: معنى قوله إذا ابتدر القوم السلاح، إذا فوجئوا بالغارة فدهشوا كنت منيعا.
وقوله (إذا بلت بقائمه يدي)، معناه إذا علقت بقائمه يدي وظفرت به. ويقال: بللت بكذا وكذا، إذا
ظفرت به. ويقال: لئن بللت به لتجدنه رجل سوء. قال ابن أحمر:
فبَلِّى أن بَلِلْتِ بأريحيٍّ ... من الفِتيان لا يمُسِي بطينا
يَلُوم ولا يُلاَم ولا يُبالي ... أغَثاًّ كان لحمُك أم سمينا
وقائم السيف: مقبضه. وقلته: قبيعته. ويقال: سيف مقلل؛ أي متمم. قال الكميت:
فدونكموها آلَ أحمد إنَّها ... مقَّللةٌ لم يألُ فيها المقلِّلُ
ويروى: لم يأل فيها المتمم، والمتمم هو الكميت نفسه. وقال أبو جعفر في قوله مقللة: معناه قليلة
لكم. قال: ويقال مقللة معناه مزينة، من قللة السيف.
ويدي في موضع رفع ببلتْ.
стр. 215
(وبَركٍ هُجُودٍ قد أَثارتْ مَخَافتي ... نَوَادِيه أَمشِي بعضْبٍ مجرَّدِ)
قال الأصمعي: البرك: جماعة إبل أهل الحواء. وقال أبو عبيدة: البرك يقع على جميع ما يبرك من
الجمال والنوق على الماء وبالفلاة، من حر الشمس أو الشبع، الواحد بارك والأنثى باركة. قال متمم:
ولا شارفٍ جَشَّاءَ هاجَتْ فرجّعتْ ... حنيناً فأبكى شجوُها البَرْك أجمعا
والبرك في غير هذا: الصدر. ويقال برك وبركة، إذا أدخلت الهاء كسرت أوله، وإذا سقطت الهاء
فتحت. ويقال لزياد: الأشعر بركا، أي الأشعر صدرا. وذلك أن صدره كان فيه شعر كثير. ومثل
البَرك والبِركة صفو الماء وصفوته. و (الهجود): النِّيام. ويقال: قد تهجّد الرجل، إذا سهر. وقال
الأصمعي ذكر أعرابي امرأته فقال: عليها لعنة المتهجدين! أي الساهرين بذكر الله ﷻ . وقوله
(قد أثارت مخافتي) معناه خوفُها إياي. يقال خفتُ الشيء مخافة وخوفاً وخيفة. قال الشاعر:
فلا تقعُدنَّ على زخَّةٍ ... وتُضمِرَ في القلب وجداً وخِيِفَا
وخيف: جمع خيفة. ويقال: ما خفته، أي ما رجوته وما أمّلته. قال الأعشى يذكر الخمرَ وبيت
الخمّار:
стр. 216
ومِزهرُنا مُعمَلٌ دائبٌ ... فأيُّ أولئك أزْرى بها
ترى الصَّنْجَ يَبْكى له شَجْوَه ... مَخافةَ أن سوفَ يُدعَى بها
معناه رجاء أن يُدعى بها. قال أبو جعفر: الهاء للخمر، وذلك أن الخمارين إذا أتاهم الذين يشربون
أسمعوهم الغناء ليطربوا ويشتهوا الخمر. وقال في قوله (فأي أولئك أزرى بها) عنى بأولئك الصّنج
والعود والملاهي. يقول: أي هذه الملاهي أزرى بالخمر؛ أي هذه تزيد فيها وتحرّض المشتري على
الشّرى. وقال غيره: معنى قوله مخافة أن سوف، خوف أن سوف يُدعى بها. و (نواديه): أوائله وما
سبق منه. ويروى (نواديها). ونوادي الخيل والإبل والحُمر: ما سبق منها وأوائلها. ومعنى (أثارت
مخافتي)، أي أثار ما شذ منها خوفها مني أن أعقرها وأنحرها للأضياف. وإنما خص النوادي لأنه لا
يُفلت من عقري ما شذّ فند. وأمشي حال، أي قد أثارت مخافتي نوادي هذا البَرك في حال مشي إليه
بالسيف. ويقال مشى يمشي مشياً، وإنه لحسن المشية. و (العضب): القاطع. و (المجرّد): المسلول
من غمده، وهو المُصلت أيضاً. ويقال: أن فلانة لحسنة المجرد والتجريد والجُردة، إذا كانت حسنة إذا
تجرّدت من ثيابها.
والبرك مخفوض بإضمار ربّ، والمخافة ترتفع بأثارت، والنوادي تنتصب بأثارت. وموضع أمشى
رفع في اللفظ بالألف وموضعه في التأويل نصب على الحال
стр. 217
(فمرَّت كَهَاةٌ ذاتٌ خَيْفٍ جُلاَلةٌ ... عَقيلةُ شيخٍ كالوبيلِ يَلَنْدَدِ)
يقال مر يمر مروراَ ومرّاً، إذا تقدّم وأسرع. ويقال مرّة ومرات، ومرور ومرّ. قال ذو الرّمة:
ومَرّاً بارحٌ تَرِبُ
ويقال: مر الشيء يمر مرارةً، وأمر يمر إمراراً، إذا صار مُراً. ويقال: أمررت الحبلَ، إذا أنعمت
فتله وأحكمته. والحبل ممر والرجل ممر. وقال يعقوب: الكَهاة: الضّخمة المسنة. وقوله: (ذات
خيف)، الخيف: جلد الضّرع. وبقال: ناقة خيفاء، إذا كانت عظيمة الخَيف. وبعير أخيف، إذا كان
واسعَ جلد الثّيل. وقال الطوسي: الخيف: جراب الضرع، وهو جلدته العُليا. و (الجُلالة) والجليل:
وهو الجُلال أيضاً. قال القُطامي:
جُلالٌ هيكلٌ يَصِف القِطارا
وقال أبو جعفر: يصف القطار، معناه إنه إذا كان في قطار وصف ذلك القطار به. و (العقيلة): خير
ماله؛ وكذلك عقيلة النساء: خيرتهن. وقال أبو جعفر: الشيخ هاهنا يعني أباه، أي إنه كان يشفق عليها
ويحوطها. و (الوبيل): العصا، ويقال هي العصا الطويلة الغليظة، أي قد يبس هذا الشيخ حتى صار
مثل
стр. 218
هذه العصا. والوبيل أيضاً: الحزمة من الحطب، وهي الإبالة أيضاً والايبالة. ويقال: (ضغث
على إيبالة) و (ضغث يزيد على إبالة) أيضاً. قال الشاعر:
لي كلَّ يومٍ من ذُؤاله ... ضغثٌ يَزِيد على إبَاله
و (الألندد) واليلندد: الشديد الخصومة، يبدل الياء من الهمزة كما قالوا: الأرندج واليرندج، والأرقان
واليرقان.
والكهاة مرتفعة بفعلها، وذات والعقيلة نعتان لها، والكاف والألندد مخفوضان على النعت للشيخ.
(تَقُولُ وقَد تَرَّ الوَظيفُ وساقُها ... أَلسْتَ تَرى أن قَدْ أَتَيتَ بمؤْيِدِ)
قوله: (وقد تر) معناه ندر. يقال ترّت يده وأتررتُ يده، إذا أندرتها. و (الوظيف): العظم الذي بين
الرسغ والساق، وفي اليد: ما بين الرسغ والذراع، والجميع أوظفة. ويقال ساق وأسوق وسيقان.
ويقال: رجل أسوق وامرأة سوقاء، إذا كانا حسني الأسوق. ويقال: قد سُقته بالعصا، إذا ضربت ساقه
بها. وقوله (بمؤيد) معناه بالداهية. وقال الطوسي: في الرجل خمسة أعظم من الجمل والفرس:
الرسغ، والوظيف، والساق، والفخذ، والورك. وفي اليد خمسة أعظم: الرسغ، والوظيف، والذراع،
والعضد، والكتف.
(وقال: أَلاَ ماذا تَرَوْن بشاربٍ ... شَديدٍ عليكْم بَغيُهُ متعمِّدِ)
ويروى:
إلاَ ماذا ترونَ بشاربٍ ... شديد عليها سخطُه متعيِّد
стр. 219
المتعيد: الظلوم. قال الشاعر:
يَرَى المتعيِّدون عليّ دوني ... أسودَ خفيةَ الغُلْبَ الرّقابا
و (ألا) افتتاح للكلام، وموضع ماذا نصب بترون. ويجوز أن يجعل ما في موضع رفع ويكون
التقدير: ما الذي ترونه بشارب. وشديد مخفوض على النعت لشارب، والبغي يرتفع بمعنى شديد.
(وقالَ ذَرُوهُ إنما نَفْعُها له ... وإِلاَّ ترُدُّوا قاصَى البَرْك يْزدَدِ)
يقال ذره ولا تذره وإنما أذره. ولا يقال وذرته. ويقال: نفعته منفعة ونفعا. وروى التوزي والطوسي:
(فقال ذروها إنما نفعها له). وقوله: (يزدد) معناه يزد في عقرها. ويروى: (تزدد) أي تزد في نفارها
وتذهب. و (البرك): الإبل. و (قاصيها): ما تقصى منها وتنحى.
وإنما حرف واحد، والنفع مرتفع باللام، وترد وا جزم بإلا، ويزدد جواب الجزاء.
ووزن يزدد يفتعل، أذله يزتيد، فأبدلوا من التاء دالا لأنها أشبه بالزاي، وأسكنوا الدال الثانية للجزم،
وجعلوا الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ثم أسقطوها لسكونها وسكون الدال الثانية، وكسرت الدال
الثانية للقافية.
وقال أبو جعفر: معنى البيت: ذروه لا تلتفتوا إليه، واطلبوا قاصى البرك لا يذهب على وجهه، وإلا
تردوه يذهب نفارا.
стр. 220
(فظلَّ الإِماءُ يَمْتَلِلْنَ حِوَارها ... ويُسعَى علينا بالسَّديف المسَرْهَدِ)
يقال: ظللت افعل ذلك، وظللت أفعله، وظلت افعله، إذا كنت تفعله نهارا. و (الإماء): جمع أمة،
ويقال في جمعها إمام وآم. أنشدنا أبو العباس في جمعها:
يا صاحبيَّ ألاّ لا حيَّ بالوادي ... إلاَّ عبيدٌ وآمٍ بين أذوادِ
ويقال في جمعها إموان. أنشدنا أبو العباس:
أمَّا الإماء فلا يدعُونني ولداً ... إذا ترامَى بنو الإمْوانِ بالعارِ
وقوله (يمتللن) معناه يشتوين في الملة، وهي الرماد الحار، والجمر، وموضع النار. ويقال: قد مل
خبزته يملها ملا، إذا حورها ودفنها في الجمر. ويقال: أطعمنا خبز ملة وخبزة مليلا، ولا يقال أطعمنا
ملة، لأن الملة الرماد الحار والجمر. ويقال للحفرة التي يكون فيها النار: الإرة والبؤرة. وقال يعقوب:
يقال خبز مليل. وأنشد:
لا أشتُم الضَّيفَ إلاّ أن أقول له ... أباتَك الله في أبياتِ عمَّارِ
أباتَك الله في أبياتِ مُنتزِحٍ ... عن المكارم لا عفٍّ ولا قارِ
يأبى النَّدى زاهدٌ في كل مكرُمةٍ ... كأنما ضيْفُه في مَلَّة النَّارِ
стр. 221
و (الحوار): ولد الناقة، والحوار أيضا، وجمعه أحورة وحيران. أنشد يعقوب لشاعر يصف امرأة:
تبادُر الأحورة الفُوَاقا ... دأدأةً صمعاءَ وافتلاقا
دأدأة: عدوا كعدو البعير. وصمعاء يعني المرأة جادة في فعلها. وافتلاقا: ما تأتي بالفليقة، وهي
الداهية. وقال غيره في قوله (ويسعى علينا بالسديف) معناه ينقل إلينا الأطعمة ويختلف بها علينا.
يقال سعى يسعى، إذا عدا وإذا مشى. قال الله : (إذا نُوديَ للصَّلاة مِن يَومِ الجُمُعَة فاسْعَوْا إلى
ذِكْرِ الله)، معناه: فامضوا إلى ذكر الله ﵎. وقال الشاعر:
أسعَى على جُلِّ بني مالك ... كلُّ امرئٍ في شأنه ساعِ
يقال: قد سعى على الصدقة يسعى عليها، إذا وليها. و (السديف): شطائب السنام، وهي قطعه.
و (المسرهد): الحسن الغذاء، ومثله المسرعف، والمخرفج، والمعذلج. قال الطوسي: المسرهد: السمين.
وقال أبو جعفر: كانوا يأنفون أن يأكلوا الأحورة.
والإماء اسم ظل، وخبر ظل ما في يمتللن، والباء في السديف اسم ما لم يسم فاعله.
(فإِن مُتُّ فانْعِيني بما أَنا أَهْلُهُ ... وشُقِّل علىَّ الجيبَ يا ابنةَ مَعَبدِ)
قوله: (فانعيني) معناه فاذكريني واذكري من أفعالي ما أنا أهله. يقال: ينعى على فلان ذنوبه فلان،
إذا كان يعددها عليه ويأخذه بها. قال الشاعر:
خَيلانِ من قومي ومن أشياعهم ... خفضوا أسنَّتَهم وكُلٌّ ناع
стр. 222
أي ينعى على صاحبه ذنوبه ويعددها عليه. وفيه معنى آخر، وهو أن يكون أراد: وكل نائع، أي
عطشان إلى دم صاحبه، فقلبه فجعل الياء بعد العين. ويكون هذا من قولهم: جائع نائع، أي عطشان.
ويقال النائع تابع للجائع في مثل معناه، كما يقال حسن بسن. وروى التوزي والطوسي: (فانعيني لما
أنا أهله). ويقال شققت الشيء شقا. والشق: نصف الشيء. والشق أيضا: المشقة. قال الله :
(لم تكونوا بالغِيهِ إلاّ بشِقِّ الأنفس)، أي إلا بالمشقة على الأنفس. ويقال جيب وجيوب، وقد جبت
القميص وجيبته، أي قطعت جيبه. وقطعت الجيب. إنما خص الجيب لأن الشق من الجيب أمكن.
والفاء جواب الجزاء، وما في معنى الذي، وأنا مرفوع بالأهل، والتقدير: فانعيني بالذي أنا مستأهله.
و (لا تجعليني كامرئ ليس همه كهمي ولا يغني غنائي ومشهدي)، معناه لا تسوى بيني وبين من لا
يشبهني في شجاعتي وكرمي. وموضع الكاف نصب بليس، وموضع غنائي نصب والتقدير فيه: ولا
يغني مثل غنائي.
والغناء إذا فتحت عينه مد، وإذا كسرت فصر وكان مضادا للفقر. وربما اضطر الشاعر إلى مده،
وهو مما لا يقاس عليه. أنشد الفراء:
سيُغنيني الذي أغناكَ عني ... فلا فَقرٌ يدوم ولا غِناءُ
(بَطيءٍ عَن الجُلَّي سَريعٍ إلى الخَنا ... ذَلولٍ بأَجْماعِ الرِّجال مُلَهَّدِ)
ويروى: (بطيء عن الداعي). يقال بطؤ يبطؤ بطئا وبطأة وبطاء. و (الجلي): الأمر العظيم، إذا
ضمت الجيم منه قصر وإذا فتحت مد فقيل
стр. 223
الجلاء يا فتى. و (الذلول): ضد الصعب. ويروى: (ذليل
بإجماع الرجال)، روى ذلك التوزي والطوسي وغيرهما. والذليل: ضد العزيز. والذل: ضد العز
والذل: ضد الصعوبة. قال الله ﵎: (واخفِضْ لهما جَناحَ الذُّلِّ من الرِّحمة). وقرأ سعيد بن
جبير، وعاصم الجحدري: (جَناحَ الذِّلِّ) بكسر الذال. و (الإجماع): جمع جُمع وجِمع، وهو قبض
الرجل أصابعه وشده إياها للكز. يقال: ضربه بجمع كفه بجمع كفه، إذا جمع أصابعه ثم لكزه. قال:
لقد أشمتَتْ بي أهلَ فَيدَ وغادرتْ ... بجسميَ حِبْراً بنتُ مَصَّانَ باديا
وما فعلَتْ بي ذاكَ حتَّى تركتُها ... تقلّبُ رأساً مثل جُمْعيَ عاريا
ويقال: ماتت المرأة بجُمع وجِمع، إذا ماتت وولدها في بطنها. ويقال لها إذا ماتت وهي بكر لم
تزوج: هي بجُمع وبجِمع. و (الملهد) والملهز واحد، وأصله الغمز. يقال: لهده، إذا ضغطه وغمزه.
ويقال: لكزه ووكزه، ولهذه، ولهزه، ووهزه. وقال أبو عبيد: لا يقال لكزه، إنما يقال وكزه وبهزه.
وقال غيره: في قراءة عبد الله بن مسعود: (فنكَزَه مُوسى فقضَى عليه). وقال رؤبة:
دعْ ذا فقد يُقرَع للأضَزّ ... صَكِّي حجاجَيْ رأسِه وبَهْزِي
قال الطوسي: الملهد: المدفع. وقال أبو جعفر: ملهد: لا ينهض بحمل، إذا حمل حمالة أو أمر لا
ينهض به ولم يطقه، فلهده الحمل.
والبطيء، والذلول، والملهد، نعوت لامرئٍ.
стр. 224
(ولو كُنْتُ وَغلاً في الرِّجال لَضَرَّني ... عَداوةُ ذِي الأصحاب والمتوحَّدِ)
و (الوغل): الضعيف من الرجال. والواغل. الداخل على القوم في شرابهم من غير أن يدعى.
والوارش: الذي يدخل في طعامهم من غير أن يُدعى، مثل الطفيلي. والوغل: الشراب الذي يشربه
الطفيلي. قال الشاعر:
إن أكُ مسكيناً فلا أشرب ال ... وَغْلَ ولا يَسلم منِّي البَعيرْ
الوغل: الضعيف في القوم وليس منهم. يقال: قد أوغل في الأرض، إذا أبعد في الذهاب. وقد وغل
يغل وغولا. ويقال (ضره) يضره ضرا ومضرة وضارورة، وقد ذاره يضيره ضيرا، وضاره يضوره
ضورا لاهل العالية. ويقال: ليس عليك في ذلك الأمر مضرة ولا ضارورة. والضر: ضد النفع.
والضر: الهزال. ويقال: عاداه معاداة وعداوة. ويقال: رجل عدو، وامرأة عدوة وعدو، وقوم عدو.
ويقال قوم أعداء بالمد، وعِدِّى بالكسر والقصر وعُداة بضم العين وإدخال الهاء. والاختيار إذا ضممت
العين أن تدخل الهاء، وقد يجوز أن تسقطها؛ فإذا كسرت العين لم يجز إدخال الهاء. وأنشدنا أبو
العباس:
معاذَةَ وجهِ الله أن أُشمِتَ العِدَى ... بليلي وإن لم تَجزني ما أدينها
وقوله (عداوة ذي الأصحاب) أي عداوة من كان معه جماعة. ويقال صاحب وأصحاب وصحبان
وصحب، والصحاب والأصحاب، وهم الصحب. و (المتوحد) الفرد من الرجال الذي ليس معه أحد.
ويقال متوحد، ووحد، وأحد. والأصل في أحد وحد، فأبدلوا من الواو المفتوحة همزة، وهذا قليل في
المفتوحة، إنما يحسن في المضمومة
стр. 225
والمكسورة، كقولهم: وُجوه وأُجوه، وإسادة ووسادة، وإنما ذكر
الفعل وقال: (لضرني عداوة)، ولم يقل ضرتني، لأنه حمله على معنى لضرني بُغض ذي الأصحاب.
(ولكنْ نَفَى عَنِّى الأَعادي جُرأَتي ... عَليهمْ وإِقدامي وصِدْقي ومَحْتِدي)
ويروى: (ولكن نفى عني الرجال جراءتي). ويروى: (ولكن نفى الأعداء عني جراءتي). فيقول:
محتدى وصدقي وجرأتي نفين عني إقدام الرجال وتسرع الأعداء إلى أن يقدموا عليَّ بالمساءة.
ويقال: نفيت الشيء أنفيه نفيا، ونفاية، إذا نحيته عنك. والنفي: ما تطاير من الرشاء عن يد المستقى
من الماء. قال الراجز:
كأن مَتنَيه من النفيِّ ... مواقعُ الطَّيرِ على الصُّفِيّ
ويقال: جرؤ الرجل جرأة وجراءة. ويقال: أقدم يقدم إقداما، واستقدم استقداما. ويقال: إنه لجريء
المقدم، أي جريء عند الإقدام. ويقال: نحر فلان مقدمة ابله، وهي التي تبكر في اللقاح. والمحتد.
والمنصب، والضئضئ، والحنج، والبنج، والبؤبؤ، والإص، والقبص، والسنخ، والنِّجار، والنُّجار،
والنَّجر: الأصل.
والجرأة موضعها رفع بفعلها، وهو نفي. والإقدام والصدق والمحتد منسوقات على الجرأة.
стр. 226
(لعَمْرُكَ ما أَمرِي عَلَّى بغُمَّةٍ ... نهاري ولا ليلِي عليَّ بِسَرْمَدِ)
(الغمة): الغم. والغمة أيضا: الأمر المبهم الذي لا يهتدي له. قال الله ﵎: (ثُمَّ لا يكُنْ
أمرُكمْ عليكم غُمَّةً). وقول طرفة (بغمة) معناه إذا هممت بشيء أمضيته ولم يشتبه على الوجه فيه.
و (سرمد): دائم. يقول: ليس ليلي عليَّ بالدائم غير المنقطع، إذا نزل بي هم لا أتوجه فيه، ولكن ماض
في أمري. قال الفراء: يقولون سرمدا سمدا. قال: فيجعلون سمدا تابعا لسرمد كما يقولون حسن بسن.
والعمر مرفوع بجواب القسم، والأمر موضعه رفع بغمة؛ ونهاري موضعه نصب على الوقت.
(ويَوْمَ حبَسْتُ النَّفسَ عِنْدَ عِرَاكِهِ ... حِفَاظاً على عَوْراتهِ والتَّهدُّدِ)
معناه: ورب يوم حبست نفسي عند عراك اليوم، وهو علاجه. يقال اعتركت الإبل على الحوض،
إذا ازدحمت عليه. ويقال: أرسل ابله عراكا، إذا أرسلها على الحوض جميعا. وإذا ازدحم الناس في
ورد أو حرب قيل: هم في عراك. والمعترك: المزدحم. قال الشاعر:
قَذَفوا صاحبَهم في ورطةٍ ... قَذْفَكَ المقْلَةَ وسْطَ المعَتَركْ
وقال الطوسي: (ويوم حبست النفس عند عراكها). وقال: عراكها اعتراك
стр. 227
القتال والحرب. وقوله (حفاظا)، معناه محافظة. ويروى: (على روعاته). والروعات جمع روعة، وهي الفزعة: يقال:
راعني الأمر يروعني روعا، إذا أفزعك. ويقال: وقع ذلك في روعي، أي في خلدي. فيقول: صبرت
نفسي على روعات اليوم وتهدد الأعداء إياي، حفاظا على روعات ذلك اليوم. و (العورة): موضع
المخافة، وهي الفرج أيضا.
(علَى مَوطنٍ يَخشَى الفتى عِندَه الرَّدَى ... مَتَى تَعترِكْ فيه الفرائصً تُرعَدِ)
(الفرائص): جمع فريصة، وهي المضغة التي تحت الثدي مما يلي الجنب عند مرجع الكتف، وهي
أول ما يرعد من الإنسان ومن كل شيء عند الفزع. و (الردى): الهلاك. ويقال: ردِى يردى ردى
ومردى. قال الشاعر:
وإنّ لي يوماً إليه موئلي ... متى أنَلْهُ أرْدَ مَردَى أوَّلي
فيقول: حبست نفسي في موطن يخشى الردى عنده ذو الفتوة؛ حفاظا على عوراته، وصبرا مني
لنفسي على روعاته.
وعلى صلة حبست. والتقدير: حبست النفس في عراكها على موطن. وتعترك جزم بمتى، وترعد
جواب الجزاء.
وروى أبو عمرو الشيباني هاهنا بيتا لم يروه الأصمعي ولا ابن الأعرابي، وهو:
(وأَصْفَرَ مَضْبُوحٍ نَظَرتُ حِوَارَه ... على النَّار واستَوْدعُتُه كفَّ مًجْمِدِ)
قال أبو عمرو: يعنى بالأصفر قدحا، وإنما صفره لأنه من نبع أو سدر.
стр. 228
والأصفر في غير هذا الموضع: الأسود. قال الله : (صَفْراءُ فاقعٌ لونُها)، فمعناه سوداء.
وقال الأعشى:
تَلك خيَلي منه وتلك ركابي ... هُنَّ صُفْرٌ ألوانُها كالزَّبيبِ
وقوله (مضبوح): ضبحته النار وضبته، إذا غيرت منه. وقوله (نظرت حواره) معناه انتظرت فوزه
وخروجه. والحوار: مصدر حاورته محاورة وحوارا. وقوله (على النار) معناه عند النار، وذلك في
شدة البرد، كانوا يوقدون النار وينحرون الجزور ويضربون بالقداح، واكثر ما يفعلون ذلك بالعشي
في وقت مجيء الضيف. قال النمر:
ولقد شهدتُ إذا القداحُ توحدت ... وشهدتُ عند اللَّيلِ مُوقِدَ نارِها
عن ذاتِ أوْليَةٍ أساودُ ربَّها ... وكأنّ لونَ المِلح فوق شفارها
قال أبو جعفر: اساود رب هذه الناقة، أي أخادعه عنها. و (توحدت): أبى كل أحد أن يأخذ إلا الفذ
من صعوبة الزمان.
وقوله (واستودعته كف مجمد)، قال يعقوب: المجمد، الذي يأخذ بكلتا يديه ولا يخرج من يديه شيء.
وقال أبو جعفر: يقال أجمد الرجل، إذا لم يكن عنده خير ولا فضل.
وأصفر مخفوض بإضمار رب، ومضبوح نعته.
(سَتُبْدِي لكَ الأَيَّامُ ما كُنْتَ جاهلاً ... ويأَتِيكَ بالأَخبارِ مَن لمْ تُزَوِّدِ)
قوله (سَتُبْدِي لكَ الأَيَّامُ)، معناه ستظهر لك ما كنت جاهله. وقوله (ويأَتِيكَ بالأَخبارِ مَن لمْ تُزَوِّدِ)،
معناه يأتيك بالخبر من لم تسأله عن ذلك.
стр. 229
قال الأصمعي: حدثني رجل من أهل الصلاح، وهو من أضاخ قال: قدم علينا رجل لم نعرفه فقلت
له: من أنت؟ قال: أنا جرير. فلما عرفناه قلنا له: من أشعر الناس؟ قال: الذي يقول: (غد غد ما
أقرب اليوم من غد).
(سيأَتيك بالأَخبار من لم تَبِعْ له ... بَتاتاً ولم تَضرِبْ له وقتَ مَوعدِ)
تمت قصيدة طرفة بغريبها وأخبارها، وهي مائة بيت وبيتان
الحمد لله رب العالمين والصلاة على محمد وآله أجمعين
стр. 230
٣ - قصيدة زهير بن أبي سلمى
стр. 231
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري النحوي: قال يعقوب بن إسحاق السكيت:
كان من حديث زهير بن أبي سلمى وأهل بيته أنهم كانوا من مزينة، وكان بنو عبد الله غطفان
جيرانهم وقد ولدتهم بنو مرة، وكان من أمر أبي سلمى - واسمه ربيعه بن رياح، وخاله أسعد بن
الغدير بن سهم بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض - وإن أسعد خرج هو وابنه كعب بن
أسعد في ناس من بني مرة يغير على طيئ، ومعه أبو سلمى، فأصابوا نعما وأموالا فرجعوا حتى
انتهوا إلى أرضهم، فقال ربيعة بن رياح وهو أبو سلمى، لخاله أسعد بن الغدير وابنه كعب: أفردا لي
سهمي. فأبيا عليه ومنعاه حقه، فكف عنهما حتى إذا كان من الليل أتى أمه فقال: والذي يحلف به
لتقومن إلى بعير من هذه الإبل فلتقعدن عليه أو لأضربن بسيفي ما تحت قرطك! فقامت أمه إلى بعير
منها فاعتنقت سنامه، فقال أبو سلمى يرتجز:
ويلٌ لأجمال العجوز منِّي ... إذا دنَوتُ ودنونَ مني
كأَنَّني سَمَعْمعٌ من جِنِّ
السمعمع: الخفيف.
فخرج بها وبالإبل حتى انتهى بها إلى مزينة، فلذلك حيث يقول:
لتَغْدواً إبل مجنَّبة ... من عند أسعدَ وابنه كعب
الآكلين صَريح قومهما ... أكل الحُبارَى بُرعُمَ الرُّطْبِ
البرعم: وعاء الزهر، يقال برعم وبراعيم.
стр. 232
فلبث فيهم حينا، ثم إنه أقبل بمزينة مغيرا على بني ذبيان، حتى إذا مزينة أسهلت وخلفت بلادها،
ونظروا إلى أرض غطفان، تطايروا راجعين وتركوه وحده، فذلك حيث يقول:
من يشتري فرساً كخير غزوُها ... وأبت عشيرةُ ربِّها أن تُسِهلا
وأقبل حين رأى ذلك من مزينة حتى دخل في أخواله بني مرة، فلم يزل في بني عبد الله بن غطفان
إلى اليوم.
وكان ورد بن حابس قتل هرم بن ضمضم المزني الذي يقول فيه عنترة:
ولقد خشيتُ بأن أموتَ ولم تكنْ ... للحرب دائرةٌ على ابَنْي ضمضمِ
قتله في حرب عبس وذبيان قبل الصلح، ثم اصطلح ولم يدخل حصين بن ضمضم أخوه في الصلح،
فحلف ألا يغسل رأسه حتى يقتل ورد بن حابس أو رجلا من بني عبس ثم من بني غالب، ولم يطلع
على ذلك أحدا، وقد حمل الحمالة الحارث أبو عوف بن أبي حارثة، وهرم بن سنان بن أبي حارثة.
فأقبل رجل من بني عبس ثم أحد بني مخزوم حتى نزل بحصين بن ضمضم، فقال: ممن أنت أيها
الرجل؟ قال: عبسي. قال: من أي عبس؟ فلم يزل ينتسب حتى انتسب إلى غالب، فقتله حصين،
وبلغ ذلك الحارث بن عوف، وهرم بن سنان، فاشتد ذلك عليهما، وبلغ بني عبس فركبوا نحو
الحارث، فلما بلغ الحارث ركوب بني عبس وما قد اشتد عليهم من قتل صاحبهم، - وإنما أرادت بنو
عبس أن يقتلوا الحارث - بعث إليهم بمائة من الإبل معها ابنه وقال للرسول: قل لهم: آللبن أحب
إليكم أم أنفسكم؟ فأقبل الرسول حتى قال لهم ما قال، فقال ربيع بن زياد: أن أخاكم قد أرسل إليكم
الإبل أحب إليكم أم ابنه تقتلونه؟ فقالوا: بل نأخذ الإبل ونصالح قومنا فيتم الصلح، فذلك قول زهير
حيث يمتدح الحارث بن عوف وهرم بن سنان.
стр. 233
قال زهير بن أبي سلمى، وهو ربيعة، بن رياح بن قرة بن الحارث بن مازن بن ثعلبة بن برد بن
لاطم بن عثمان بن مزينة بن أد بن طابخة بن الياس بن مضر. وآل أبي سلمى حلفاء في بني عبد
الله بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر:
(أَمِنْ أُمِّ أَوفَى دِمنةٌ لم تَكلمِ ... بحَوْمَانة الدَّرَّاجِ فالمتثَلِّمِ)
قال الأصمعي: قوله (أمن أم أوفى)، معناه أمن دمن أم أوفى دمنة لم تكلم، أي أمن منازل أم أوفى.
وهذا على التفجع، كما قال الهذلي:
أمنك برقٌ أبيت اللَّيلَ أرقبه ... كأنَّه في عِراص الدار مصباحُ
ومعنى لم تكلم: لم يتكلم أهلها. و (الدمنة): آثار الناس وما سودوا بالرماد وغير ذلك. وإذا اسود
المكان قيل: قد دمن هذا المكان. والد من: البعر والسرجين. أنشدنا أبو العباس:
وقد ينبت المرعى على دِمَن الثرى ... ويبقى حزازات النفوس كما هيّا
والد منة في غير هذا الحقد، وجمعها دمن. قال الشاعر:
ومن دِمَن داويتها فشفيتها ... بسَلمك لولا أنت طال حروبُها
стр. 234
والحومانة جمعها حوامين: أماكن غلاظ منقادة. وقال أبو العباس: يروى (الدُّراج) بضم الدال. وقال
يعقوب: قال الأصمعي: الدَّراج بفتح الدال. وقال: حومانة الدراج والمتثلم: موضعان بالعالية منقادان.
قال الشاعر:
زقَا ثم قَوقَا بعد ما لعبت به ... حوامينُ أمثالُ الذّئاب السوافدِ
والدمنة رفع بالصفة، ولم تكلم صلة الدمنة، والباء حال للدمنة، وكسرت الميم لأن الجزم إذا حرك
حرك إلى الخفض، واحتيج إلى كسرها إصلاحا للقافية، وجعلت الياء صلة لكسرة الميم.
(دِيارٌ لها بالرَّقْمَتَيْن كأَنَّها ... مَراجعُ وَشْمٍ في نَواشِرِ مِعصَمِ)
قال الأصمعي: الرقمتان إحداهما قرب المدينة والأخرى قرب البصرة، وإنما صارت هاهنا حيث
انتجعت. وقال يعقوب: قوله بالرقمتين معناه بينهما. وقال الكلابي: الرقمتان بين جرثم وبين مطلع
الشمس بأرض بني أسد، وهما أبرقان مختلطان بالحجارة والرمل. والرقمتان أيضا: حذاء ساق
الغرو، وساق الغرو: جبل في أرض بني أسد. والرقمتان أيضا بشط فلج أرض بني حنظلة. وقوله
(مراجع وشم)، أي معاطف، أي رجع الوشم وأعيد. وكلما رجعت شيئا فقد رددته. يقال فلان يرجع
صوته بالقرآن وغيره. فشبه وشوم الديار، أي الآثار التي فيها بمراجع الوشم. والوشم: أن يثقب
ظاهر الذراع بإبرة أو غيرها ثم يحشى بالكحل والنؤور ليخضر. وقال أبو جعفر: واحد المراجع
رجع، وهو على غير القياس. وقال يعقوب: النواشر عصب الذراع من ظاهرها وباطنها، واحدتها
ناشرة. وقال أبو جعفر: النواشر عروق ظاهر الذراع خاصة.
والهاء والألف اسم كأن، و (المعصم): موضع السوار وهو أسفل من الرسغ، والرسغ: موصل
الذراع بالكف. والديار يرتفع بإضمار هي، واللام صلة الديار، والمراجع خبر كأن، وفي صلة الوشم.
ويروى: (ودار لها بالرقمتين).
стр. 235
(بِهَا العِينُ والآرَامُ يَمْشِينَ خِلفةً ... وأَطلاؤُها يَنْهضْنَ من كلِّ مَجْثَمِ)
العين: البقر، واحدها أعين وعيناء، وإنما سميت عيناء لسعة عينها. والآرام: ظباء بيض خوالص
البياض، واحدها ريم وريمة، ومساكنها الرمل. وقال يعقوب: العفر ظباء تعلو بياضها حمرة، قصار
الأعناق والقوائم، ومساكنها القفاف والجلد، وهي معزى الظباء، ومراعيها العضاه، لأنها أخف الظباء
لحوما. قال: والأدم ظباء بيض البطون سمر الظهور طوال الأعناق والقوائم، ومساكنها الجبال، وهي
إبل الظباء، وهي أغلظ الظباء ممضغة لحم، وهي مشرفة القطوات مجدولة المتون. قال يعقوب:
وقال الأصمعي: وليس يطمع الفهد في العفر لسرعتها. وقال أبو جعفر: العفر تكون في بلاد هذيل
وقيس وأسد في جبالهم. وأما الأدم عند بني تميم فمساكنها الرمال، وهي البيض الخالصة البياض.
وأنشد لذي الرمة:
ذكرتُكَ أن مَرَّت بنا أمُّ شادنٍ ... أمامَ المطايا تشرئبُّ وتَسنَحُ
من المؤْلفاتِ الرَّمل أدماءُ حُرّةٌ ... شُعاعُ الضُّحى في متْنها يتوضَّحُ
وقال أبو جعفر: وإبل الظباء هي في الظباء كالإبل، أي هي أنبلها وأطولها أعناقا. وقال يعقوب في
قوله (خلفة): معناه إذا مضى فوج جاء آخر، وأصله إذا ذهب شيء خلف مكانه شيء آخر. وإنما
أراد أن الدار أقفرت حتى صار فيها ضروب من الوحش.
قال ابن الأنباري: الدليل على صحة هذا عندي قول الله : (وهو الذي جَعَل اللَّيِلَ والنَّهار
خِلْفةً)، معناه أن أحدهما يخلف الآخر، من فاتته صلاة بالليل صلاها بالنهار. قال الشاعر:
стр. 236
تَربَّبَها التَّرعيب والمَحضُ خِلفةً ... ومسكٌ وكافور ولُبنَى تَأكَّلُ
الترعيب: السنام. والمحض: اللبن. أراد: إذا مضى الترعيب خلفه اللبن. وحكى يعقوب عن بعض
أهل اللغة إنه قال: خلفة معناه مختلفة، يريد أنها تردد في كل وجه. وقال أبو جعفر: معناه في أمن
وخصب. وقوله (وأطلاؤها ينهضن)، معناه أنهن ينمن أولادهن إذا أرضعنهن ثم يرعين، فإذا ظنن
أن أولادهن قد أنفدن ما في أجوافهن من اللبن صوتن بأولادهن فنهضن للأصوات ليشربن. فقال: هذا
مثل بيت ذي الرمة:
كأنَّها أمُّ ساجي الطرف أخدَرها ... مستودَعٌ خَمرَ الوعساء مَرخُوم
لا ينعَش الطَّرفَ إلاّ ما تخوَّنَه ... داع يناديهِ باسم الماءِ مبغومُ
و (الطلا): ولد البقرة والظبي والشاة، ويقال له طلا من ساعة يولد إلى نصف شهر. وقد يستعار
الطلا لأولاد الناس. و (المجثم) للغزال والأرنب والطائر: موضعه الذي يجثم فيه. يقال جثم يجثِم
ويجثُم. قال أبو عبيدة: الجثوم للطائر والإنسان بمنزلة البروك للإبل. قال الله : (فأصبحوا
في دارهم جاثمين). وأنشد أبو عبيدة:
صاحب طَلْح أو عِضاه أو سَلَمْ ... إذا الجبانُ بين عِدْليْه جَثَمْ
ويروى (مجثم) بكسر الثاء. فمن فتح الثاء قال المجثم اسم من جثم يجثم، كما يقال المدخل من دخل
يدخل. ومن قال مجثِم بكسر الثاء قال: هو الاسم من جثَم يجثِم.
стр. 237
(وقَفْتُ بها منْ بعد عِشرين حِجَّة ... فَلأْياً عَرَفْتُ الدّارَ بعد توَهمِ)
معناه عهدي بها منذ عشرين حجة، عرفتها بعد أن توهمت فلم أعرف. و (لأيا): بعد إبطاء وجهد
عرفتها. قال يعقوب: يقال التأت عليه الحاجة، إذا أبطأت، تلتئي التياء. ويقال التوت عليّ، إذا
عسرت. وأمر ألوى، إذا كان عسرا. قال: ويقال فعله لأيا بعد لأي، أي بعد إبطاء وشدة. وقال أبو
جعفر: يقال التأت، إذا عسرت؛ والتوت: طالت؛ ومنه لي الغريم، وهو مطله ودفعه. وأنشد:
تُسيئين لَيّاني وأنت ملية ... وأحسِنُ يا ذات الوِشاح التقاضيا
وقال يعقوب: الحَج والحِج لغتان. قال: والحِجة مكسورة لا تفتح. وسمعت أبا العباس يقول: الحِج
الاسم والحَج المصدر. قال: وربما قال الفراء: هما لغتان.
ونصب لأيا على المصدر بعرفت، وبعد صلة عرفت، والحجة نصب على التفسير عن العدد.
وأخبرنا أبو العباس عن سلمة عن الفراء قال: يقال حججت حجة وحجتين. قال: ولم أر العرب
تقول حَجة، وهو قياس إذا أردت مرة واحدة.
(أَثَافِيَّ سُفْعاً في مُعرَّسِ مِرجَلٍ ... ونُؤْياً كجذْمِ الحَوْض لم يتثَلَّمِ)
يقال أثافي وأثاف بالتثقيل والتخفيف، واحدتها أثقية مشددة. وقال هشام: إذا كانت الواحدة مشددة ففي
الجمع التثقيل والتخفيف، كقولك أمنية وأماني وأمان،
стр. 238
وأوقية وأواقي وأواق، وأثفية وأثافي وأثاف، وأوارى وأوار في جمع آرى. قال النابغة:
إلاّ أوارىَّ لأياً ما أبيّنها ... والنؤىَ كالحوض بالمظلومة الجَلَدِ
ويروى: (إلا أوارى) خفيف. قال الله : (لا يَعلمون الكتابَ إلاّ أمانيَّ). وقرأ أبو جعفر
وشيبة بتخفيف (الأماني). وكذلك الأضاحيّ والأضاحي بالتشديد والتخفيف في جمع الأضحية.
والأثافيّ والأثافي: الأحجار التي ينصب عليها القدر. وقال يعقوب: واحدتها أثفية وإثفية. قال هشام:
يقال سُرية وسِرية، وأضحية وإضحية، وذُرية وذِرية، وأوقية ولا يجوز كسر أولها، لأنهم لو فعلوا
ذلك لوجب أن تصير الواو ياء لانكسار ما قبلها فيزول الحرف عن مجراه. قال الشاعر:
فلمَّا أن بغَوا وطغَوا علينا ... رميَناهم بثالثة الأثافي
أراد: رميناهم بجيش كالجبل في شدته. وذلك أن القدر ينصب لها حجران ويجعل أصل الجبل
الحجر الثالث. فأراد بثالثة الأثافي الجبل. قال يعقوب: يقال قد أثفت القدر، وثفيتها، وأثفيتها، وقد
أثفت لها. قال خداش بن زهير:
وذلك أمرٌ لا تثَفَّي له قِدِري
وقال الفرزدق:
وقدِرٍ فثأنا غَليْهَا بعد ما غلَتْ ... وأخرى حشَشْنا بالعَوالي تؤثَّفُ
وأنشد أبو عبيدة:
وماثلاتٍ ككما يؤثْفَيْنْ
والسفعة: سواد إلى حمرة. ومعرس المرجل: موضعه على الأثافي. قال الأصمعي:
стр. 239
والمرجل: كل قدر يطبخ فيها من حجارة أو حديد أو خزف أو نحاس. وأصل التعريس نزول القوم ليستريحوا؛
وأكثره من آخر الليل، وقد يكون من أوله؛ هذا قول يعقوب. وقال أبو جعفر: النزول من أول الليل
التهويم، وفي آخره التعريس، وفي القائلة التغوير. وقال يعقوب: النؤى حاجز يرفع حول البيت من
تراب من خارج لئلا يدخل الماء البيت، وجمعه أنآء ونئي، ويقال: انتأيت نؤياً، ونأيت نؤيا. وحكى
ابن الأعرابي وغيره في النؤى نأى ونى. وجذم البيت: أصله. وقوله (لم يتثلم) يعنى النؤى قد ذهب
أعلاه ولم يتثلم ما بقى منه. ويروى (كحوض الجر). والجر: سفح الجبل. وإذا احتفر الحوض بذلك
الموضع ولم يعمق بقى دهرا طويلا لا يتغير، لصلابة موضعه وإنه ليس من الأماكن التي تحتفر فيها
الحياض. وقال أبو جعفر: الجر أسفل الجبل؛ وإنما سمى جرا لأن الحجارة تدهدأ من الجبل فتقع في
الجر فيمسكها. والجد: البئر الجيدة الموضع من الكلأ.
والأثافي موضعها نصب بعرفت، والسفع نعتها، والأثافي لا تجرى ولا يلحقها التنوين، والنؤى نسق
على الأثافي، والكاف نعت النؤى.
(فلمَّا عَرَفْتُ الدَّارَ قُلتُ لرَبْعها ... أَلاَ انعَمْ صَباحاً أَيُّها الرَّبعُ واسلَمِ)
(الربع): المنزل. يقال: هذا ربع بنى فلان، أي منزلهم. ويقال في الجمع القليل أربع، وفي الجمع
الكثير ربوع ورباع. قال المجنون:
وخيَماتُك اللاتي بمنعرَج اللوى ... بَلِينَ بِلىً لم تبْلهَنَّ ربوعُ
(ألا أنعم صباحاً) معناه لقيت يا ربع نعيما في صباحك. والدعاء في الظاهر للربع، وفي المعنى لمن
كان يسكن الربع، ممن يألفه ويحبه. وقال يعقوب: ألا انعم
стр. 240
صباحاً وعم صباحاً، وانعم ظلاما وعم ظلاما: تحية لهم.
وروى الأصمعي: (ألا عم صباحا). وقال: معناه انعم. وقال: هكذا تنشده عامة
العرب، وتقدير الفعل الماضي منه وعم يعم، ولا ينطق به. وقال الفراء: قد يتكلمون بالأفعال
المستقبلة ولا يتكلمون بالماضي منها. فمن ذلك قولهم: عم صباحا ولا يقولون وعم. ويقولون: ذر ذا
ودعه، ولا يقولون وذرته ولا ودعته. ويتكلمون بالفعل الماضي ولا يتكلمون بالمستقبل. فمن ذلك
عسيت أن أفعل ذاك، ولا يقولون أعسى في المستقبل، ولا عاس في دائم. وكذلك يقولون: لست أقوم،
ولا يتكلمون منه بمستقبل ولا دائم. وقال أبو عبيدة: ويروى: (ألا انعم صباحا) والعرب تقول: نعم
ينعَم ينعِم، وحسب يحسَب يحسِب، ويئس ييأس وييئس، ويبس ييبَس ييبِس؛ فكسر المستقبل في
هؤلاء الأحرف على غير القياس؛ لأن بناء فعل أن يكون مستقبله يفعل بالفتح، إلا هؤلاء الأحرف
وقولهم ولى يلي، وهذه حروف شاذة لا يقاس عليها.
وألا افتتاح للكلام، وانعم مجزوم على الأمر، وصباحا منصوب على الوقت. ومن رواه (ألا عم
صباحا)، قال: علامة الجزم سكون الميم. والواو التي في وعم في التقدير سقطت من الأمر بناء على
سقوطها من المستقبل، إذ كان تقدير عم في الأمر تقدير زن من الوزن، وعدْ من الوعد.
(تَبَصَّرْ خليلِي هَلْ تَرَى من ظعائنٍ ... تَحَمَّلنَ بالعَلياءِ منْ فوقِ جُرثُمِ)
قال أبو جعفر: قوله (تبصر خليلي) معناه إنه هو شغل بالبكاء فقال لخليله: تبصر أنت، لأني أنا
مشغول بالبكاء عن النظر. قال: وكذلك قول امرئ القيس:
أعنِّي على برقٍ أُريكَ وميضَه ... كلمعِ اليدين في حَبِيّ مكلَّلِ
стр. 241
وقال يعقوب: الظعائن: النساء في الهوادج، واحدتها ظعينة. ويقال للمرأة وهي في بيتها ظعينة.
والظعون: البعير الذي تركبه المرأة. ويقال: هذا بعير تظعنه المرأة، أي تركبه. والظِّعان: النسعة
التي يشد بها الهودج. و (العلياء): ما ارتفع من الأرض. وقال الأصمعي: جرثم: ماءة من مياه بني
أسد. وقال يعقوب: قال بعض الأعراب: جرثم بين القينان وبين ترمس، والترمس: ماء لبني أسد.
وأجرى الظعائن لضرورة الشعر. قال الفراء والكسائي: الشعراء تجرى في أشعارها كل ما لا
يجري، ألا أفعل منك فإنهم لا يجرونه في وجوه من الوجه، لأن من تقوم مقام الاضافة، فلا يجمع بين
إضافة وتنوين. وتحملن صلة الظعائن.
(جَعَلنَ القَنانَ عَن يمينٍ وحَزْنَه ... وكَم بالقنَان من مُحلٍّ ومُحْرِمِ)
وروى الأصمعي: (ومن بالقنان). وقال: القنان: جبل بني أسد: و (الحزن) والحزم سواء، وهو
الموضع الغليظ. قال يعقوب: وقال غير الأصمعي: من الأعراب من يقول الحزم أرفع من الحزن،
وربما كان الحزم سهلا. والحزن: ما غلظ من الأرض اتطاء وارتفع. يقال: قد أحزنا، إذا صرنا إلى
الحزونة، وهو مكان حزن وأماكن حزون. وقال أبو جعفر: الحزم ما ارتفع من الأرض من الأرض
وامتد ولم يبلغ أن يكون جبلا وفيه لين؛ وأما الحزن فإنه أصلب من الحزم وكله حجارة صلبة،
ويكون متطامنا ويكون مرتفعا. وقوله (ومن بالقنان) قال يعقوب: ومن بالقنان من محل، أي ليس في
حرمة تمنعه من عهد ولا ميثاق. قال: (ومحرم) أي من له عهد أو ذمة أو جوار هو له حرمة من أن
يغار عليه؛ فهذا محرم. ومن ثم قيل مسلم محرم، أي من لم يحل من نفسه شيئا يوقع به له. ومنه قول
الراعي:
قتلوا ابنَ عفَّانَ الخليفةَ مُحْرِماً ... ودعَا فلم أر مثلَه مخذولا
стр. 242
أي كانت له حرمة من أن يقتل. وقال الأصمعي: أنشدني خلف الأحمر:
قتلوا كسرَى بليلٍ مُحرِماً ... فتولَّى لم يُشَيَّعْ بكفَنْ
معناه لم يمتع. ويقال: شتمته مسلما محرما؟! ويقال حل من إحرامه يحل حلا، بغير ألف؛ وقد أحرم.
ويقال أحل القوم، إذا خرجوا من أشهر الحرم إلى أشهر الحل. وقد تطيب عند حله وعند حرمه. وقال
أبو زيد وأبو عبيدة: يقال حل من إحرامه وأحل. وقال أبو جعفر: قوله (وكم بالقنان) معناه كم به من
عدو وصديق لنا. والمعنى إنه طلب الظعن فمر بالقنان، فيقول: حملت نفسي في طلب هذه الظعن
على شدة وممر بموضع فيه أعدائي، لو ظفروا بي لهلكت.
والقنان منصوب بجعلن والحزن نسق عليه، وكم في موضع رفع، وكذلك (من) على رواية الذين
رووا (ومن بالقنان)، ويجوز أن يكون في موضع نصب بالنسق على القنان.
(وعالَيْنَ أَنماطاً عِتاقاً وكِلّةً ... وِرَادَ الحواشي لونها لونُ عَنْدمِ)
وروى الأصمعي:
عَلَون بإنطاكيَّة فوق عِقْمةٍ ... وِرادٍ حَواشيها مشاكِهةَ الدَّمِ
وقال أبو جعفر: وقوله: (عالين أنماطا) معناه رفعن الأنماط والكلل عن الإبل التي ركبها الظعن،
وسويت لهن الأنماط، وسترن بالكلل. وقال يعقوب: وقوله: (وعالين أنماطا عناقا) معناه طرحن
المتاع أنماطا. و (وراد) معناه لونها إلى الحمرة، أراد إنه أخلص الحاشية بلون واحد، لم يعملها بغير
الحمرة. وقال: الأنطاكية أنماط توضع على الخدور، نسبها إلى إنطاكية. وقال: كل شيء جاء من
الشام فهو عندهم
стр. 243
أنطاكي. و (عقمة): جمع: عقم، مثل شيخ وشيخة. والعقم: أن يظهر خيوط أحد
النيرين فيعمل العامل به، فإذا أراد أن يشي بغير ذلك اللون لواه فأغمضه وأظهر ما يريد عمله.
وأصل الاعتقام اللي. والمشاكهة والمشابهة والمشاكلة سواء. و (العندم): البقم. وقال أبو جعفر:
الأنماط تفرش لهن في خدورهن. وقال في قوله (وراد الحواشي): أراد أنها وراد كلها. وقال: الأنماط
كلها حمر. وأنشد للنابغة:
يصونون أجساداً قديماً نعيمُها ... بخالصة الأردان خُضر المناكبِ
قال: أخبرني ابن الأعرابي إنه أراد خضرا كلها. وقال أبو جعفر: العندم: ثمر نبت لا ساق له، ينبت
في أصل الطلح كهيئة اللبلاب، له ثمرة حمراء تشبه أطراف الأنامل المخضوبة.
والوراد منصوب على النعت للكلة. فان قال قائل: الكلة واحدة فكيف جاز أن تنعت بوراد وهو
جميع؟ قيل له: وراد على لفظ واحد، وهو على مثال كتاب وحمار، فكان بمنزلة قولك مررت برجل
كرام الآباء ومررت بامرأة كرام الآباء. وأنشد الكسائي والفراء:
يا ليلةً خُرسَ الدَّجاج طويلةً ... ببغدانَ ما كادت عن الصُّبح تنجلي
جعل خرسا وهو جمع نعتا لليلة؛ لأن خرسا في تقطيع قفل وبرد وما أشبه ذلك.
стр. 244
(ظهَرنَ من السُّوبانِ ثُمَّ جزَعْنَهُ ... على كُلِّ قَيْنيٍّ ومُفْأَمِ)
قال يعقوب: (ظهرن من السوبان) معناه خرجن منه. وقوله: (ثم جزعنه) معناه عرض لهن مرة
أخرى فقطعنه لأنه يتثنى. وقال: السوبان: واد. وقال: روى الأصمعي: (قشيب مفأم). وقال أبو
جعفر: ظهرن منه معناه طلعن منه ثم جزنه. وأنكر أن يكون جزعنه عرض لهن مرة أخرى. وقال:
جزعنه: خلفنه ومررن ولم يعرض لهن بعد ذلك. وقال يعقوب: قوله: قيني أراد غبيطاً، وهة قتب
طويل يكون تحت الهودج. وقيني نسب إلى بلقين. وقشيب: جديد. يقال ثياب قشب. وقال أبو عمرو:
(ومفأم) يعنى جملا ضخما. وقال الأصمعي: مفأّم بالتشديد: قد وسع زيد فيه بنيقتان من جانبيه ليتسع.
يقال فئَّم دلوك؛ فتزيد فيه بنيقة. والبنيقة: وصلة بمنزلة بنيقة القميص. وقال أبو جعفر: القيني
الرحل. والغبيط يكون تحت الرحل، والقتب يكون تحت المتاع. القتب للإبل التي تحمل المتاع.
والغبيط للرحال. وقوله (قشيب) معناه جديد. يصف نعمتهن وأنهن ملوك. وقال: الفئيمة والبنيقة
والدخرصة واحد. قال: وإنما جعله مفأماً لضخم النساء وأن لهن أجساما.
وعالين، وظهرن، ووركن، نسق على جعلن، وفيه ضمير الظعائن. والمفأم نسق على قيني. ومن
رواه مفأم جعله نعتا للقشيب.
(ووَرَّكْنَ في السُّوبانِ يَعْلُونَ مَتْنَهُ ... عليهنَّ دلُّ النَّاعم المتَنَعِّمِ)
قال يعقوب: وركن معناه ملن فيه. يقال: أسلك طريق كل وكذا. فإذا
стр. 245
عرض لك طريق عن يمينك وشمالك فورك فيه، أي مل فيه.
ويقال: قد وركت موضع كذا وكذا، إذا خلفته وراء أوراكها.
و (المتن): ما غلظ من الأرض وارتفع. وقوله: (عليهن)، معناه على الظعائن. قال أبو جعفر: ووركن:
عدلن أوراك إبلهن ونزلن لما علون متنه وحزنه لترفقهم بهن، وهو قوله (عليهن دل الناعم المتنعم).
ويعلون، فيه ضمير الظعائن وتقديره الحال، فهو في موضع نصب في التأويل، والتقدير: ووركن
في السوبان عاليات متنه، أي في هذه الحال. ويعلون على مثال يدعون ويغزون، وتكون للمذكر
والمؤنث بلفظ واحد؛ فالواو مع المذكر مزيدة للتذكير والجمع، والواو مع المؤنث أصلية هي لام
الفعل، والنون علامة التأنيث والجمع.
(كأَنَّ فُتَاتَ العِهْن في كل موقفٍ ... وقَفْن به حبُّ الفَنَا لم يُحطَّمِ)
ويروى: (في كل منزل نزلن به). قال أبو جعفر: أراد كثرة العهن. أي أنهن قد زين إبلهن به، فمن
كثرته ينقطع ويتناثر إذا ازدحمن. وقال يعقوب: ويروى: (كأن حتات العهن) وهو ما انحت.
و (العهن): الصوف المصبوغ. فشبه ما تفتت من العهن الذي علق على الهودج إذا نزلن منه منزلا
بحب الفنا. و (الفنا): شجر ثمره حب أحمر وفيه نقطة سوداء. وقال الفراء: هو عنب الثعلب. وقوله
(لم يحطم)، أراد أن حب الفنا صحيح، لأنه إذا كسر ظهر له لون غير الحمرة. قال الأصمعي:
العهن: الصوف صبغ أو لم يصبغ، وهو هاهنا المصبوغ؛ لأنه شبه بحب الفنا.
والفتات اسم كأن، والحب الخبر. والفنا على وجهين: الفناء: نفاد الشيء؛ والفنا: عنب الثعلب،
مقصور.
стр. 246
(بَكرْنَ بُكوراً واستَحَرْنَ بسُحْرةٍ ... فهُنَّ ووادي الرَّسِّ كاليد في الفمِ)
يقال بكرت في الحاجة، وأبكرت، وبكرت خفيف. قال عمر بن أبي ربيعة:
أمِن آل نعم أنت غادٍ فمُبْكرُ ... غداةَ غدٍ أورائحٌ فمهجِّرُ
ويقال أيضا: ابتكرت في الحاجة أبتكر ابتكارا. ويقال: خرجنا بسحرة، أي في السحر. و (الرس):
ماء ونخل لبني أسد، والرسيس حذاءه. وروى الأصمعي: (كاليد للفم) ... وقال أبو جعفر: كاليد للفم،
أي دخلن فيه كما تدخل اليد في الفم، ولم يرد القصد. وقال يعقوب بن السكيت؛ وقوله كاليد للفم،
معناه يقصدن لهذا الوادي فلا يجزنه كما لا تجوز اليد إذا قصدت للفم ولا تخطئه.
ويقال هذا فم ورأيت فما وأخرجته من فمه، فتضم الفاء في موضع الرفع وتفتح في موضع النصب
وتكسر في موضع الخفض، فيكون معربا من جهتين. ويقال هذا فم ورأيت فما وأخرجته من فمه،
فتعربه من جهة واحدة. ومنهم يضم الفاء في كل حال فيقول: هذا فم ورأيت فما وأخرجته من فمه،
فيكون معربا من جهة واحدة. وروى أبو عبيدة عن يونس أن من العرب من يقول: هذا فم ورأيت فما
وأخرجه من فمه، فيلزم الفاء الكسر في الرفع والنصب والخفض، وهو على هذا الوجه معرب من
جهة واحدة.
стр. 247
(فلَمَّا وَرَدن الماءَ زَرْقاً جِمامُه ... وَضَعنَ عصى الحاضرِ المتخيِّمِ)
يقال: ماء أزرق، إذا كان صافيا. وهذا مثل قول هميان:
فصبّحت جابيةً صُهارِجا ... كأنه جلدُ السماء خارجا
أي لصفائه وزرقته. و (الجمام) قال الأصمعي: يقال للماء إذا خرج من عيونه فارتفع في البئر: قد
جم يجم جموما؛ ويسمى الماء نفسه جما. ويقال: استق لي من جم بئرك. ويقال: بئر جموم، أي
سريعة رجوع الماء. وقوله (زرقا) معناه لم يورد قبلهن فيكدر، فهو صاف. وقوله (وضعن عصى
الحاضر المتخيم) معناه أقمن كما يطرح الذي لا يريد السفر عصاه ويقيم. ويقال للرجل إذا أقام: ألقى
عصا التسيار. و (المتخيم) يريد الذي يتخذ خيمة، وهي أعواد تنصب وتجعل لها عوارض فتظلل
بالثمام، ويكون في جوانبها خصاص منها الريح في القيظ. فهي أبرد من الأخبية. وأنشد للأبيرد
الرياحي:
فألقتْ عصا التَّسْيار عنها وخيَّمتْ ... بأجْباءِ عذبِ الماءِ بيضٍ محافرهُ
قوله بيض محافره: معناه حفر في أرض حمراء ولم يحفر في سوداء ولا دمن. والأجباء: جمع جبا،
وهو ما حول البئر والحوض؛ وجمعه أجباء بالمد، وخيمت: اتخذت خيمة وأقامت. وقال أبو جعفر
أحمد بن عبيد: بيض محافره معناه إنه أنبط في أرض بيضاء، فهو أغزر لمائه. وقال: إنما تظلل
الخيمة بالثمام لأنه
стр. 248
أبرد ظلا من غيره. وقال أبو جعفر في بيت زهير:
وضَعْن عصىَّ الحاضرِ المتخيِّم
وصف أنهن في أمن ومتعة، فإذا نزلْن نزلن آمنات كنزول من هو في أهله ووطنه.
وزرقاً منصوب على الحال من الماء، والجمام رفع بمعنى زرق، والجمام: جمع جمة. ولما وقت فيه
طرف من الجزاء، وهو من صلة وضعن.
(وفيهنَّ مَلْهىً للطِيفِ ومنْظرٌ ... أَنيقٌ النَّاظرِ المتوسِّمِ)
اللطيف، يعنى نفسه يتلطف في الوصول إليهن. ومنظر أنيق: لم ينظر إليهن من بعيد. وقال
يعقوب: اللطيف الذي يتطلف في طلب اللهو. و (الأنيق): المعجب. يقال آنقني الشيء يونقني إيناقا.
ويقال: لهوت بالشيء ألهو به لهوا وملهى. ولهيت عن الشيء فأنا ألهى عنه لهيا، إذا تركته.
و (المتوسم): المتثبت. وقال الكلابي: المتوسم: الذي ينظر. والوسامة: الحسن. قال الله : (إنَّ
في ذلك لآيات للمتوسمِّين)، أي للناظرين المتبصرين. وأنشد أبو عبيدة:
تجردَ في السِّربال أبيضُ حازمٌ ... مُبيينٌ لعَين الناظرِ المتوسِّمِ
والملهى مرفوع بفي، والمنظر نسق عليه، والأنيق نعته، واللام صلة أنيق.
(سَعى ساعِيَا غَيظِ بن مُرَّة بعدما ... تبزَّلَ ما بَينَ العشيرةِ بالدَّمِ)
قال الأصمعي: سعى ساعيا، معناه عملا عملا حسنا. (تبزَّل): كان بينهم صلح فشقق بالدم. تبزل.
تشقق وتفطر، فسعى ساعيا غيظ بن مرة فأصلحاه.
стр. 249
ومنه قيل المبزل والبزال. ومنه بزول البعير بنابه؛ لأنه يتفطر موضعه. ومنه قيل البزلاء للرأي
الجيد؛ لأنها قد انتجعت وبزلت. ويقال: إنه لذو بزلاء. قال الراعي:
من أمرِ ذي بَدَواتٍ ما تزالُ له ... بزْلاءُ يعيا بها الجَثَّامةَ اللُّبَدُ
قال يعقوب: قال أبو عبيدة: غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض. قال: وعنى
بالساعيين خارجة بن سنان بن أبي حارثة بن مرة بن نشبة بن غيظ بن مرة، والآخر الحارث بن
عوف بن أبي حارثة.
(فأَقسَمْتُ بالبَيتِ الذي طافَ حَوْلَه ... رجالٌ بَنَوْهُ من قُريش وجُرْهُمِ)
قال أبو عبيدة: كانت الكعبة رفعت حين غرق قوم نوح ﵇، فأراد الله ﵎ تكرمة
قريش، فأمر الله أبويهم إبراهيم وابنه إسماعيل، عليهما الصلاة والسلام، أن يعيدا بناء
الكعبة شرفها الله تعالى على أسها الأول، فأرادا بناءها لما أراد الله من تكرمة قريش، فأنزل
الله تعالى في القرآن: (وإذْ يَرْفع إبراهيم القواعدَ من البيت وإسماعيل ربَّنا تقبَّلْ منَّا) ... الآية. ألا
ترى أنهما أول من رفع البيت بعدما كان رُفع، فلم يكن وهو مرفوع له ولاة منذ زمن نوح عليه
الصلاة والسلام، ثم أمر إبراهيم أن ينزل ابنه إسماعيل ﵉ بالبيت، لما أراد الله جل وعلا
من كرامة قريش، فكان إبراهيم وابنه إسماعيل ﵉ يليان البيت بعد عهد نوح ﵇،
ومكة يومئذ بلاقع، ومن حول مكة
стр. 250
يومئذ جرهم، فنكح إسماعيل ﵇ امرأة منهم. وقال في ذلك
عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي بعد ذلك:
وصاهَرَنا مَن أكرمُ النَّاسِ والداً ... فأبناؤه منَّا ونحن الأصاهرُ
قال أبو عبيدة: وحدثنا مسمع بن عبد الملك، عن محمد بن علي بن الحسين، عن آبائه، عن النبي
صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنه قال: (كان أول من فتق لسانه بالعربية المبينة إسماعيل عليه
الصلاة والسلام وهو ابن أربع عشرة سنة)، فقال له يونس: صدقت يا أبا سيار، هكذا حدثني به أبو
جزء. فإسماعيل أول من تكلم بالعربية المبينة، ثم صارت إلى قريش خاصة. وتصديق ذلك في
القرآن: (وما أرسلْنا من رسولٍ إلاّ بلسانِ قومهِ ليبيَّن لهم)، إلا أن العربية المبينة لهم بلسان قريش
قوم النبي ﷺ .
فولى البيت بعد إبراهيم ابنه إسماعيل، وبعد إسماعيل نبت بن إسماعيل، وأمه جرهمية.
ثم مات نبت بن إسماعيل ولم يكثر ولد إسماعيل ﵇، فغلب جرهم على ولاية البيت. وقال
عمرو بن الحارث الجرهمي:
وكنَّا وُلاةَ البيت من بعد نابتٍ ... نطوفُ بذاك البيتِ والخيرُ ظاهرُ
فكان أول من ولى البيت مضاض بن عمرو بن غالب الجرهمي، ثم وليه بعده كابر عن كابر، حتى
بغت جرهم بمكة - عظمها الله تعالى - واستحلوا حرمتها، وأكلوا مال الكعبة الذي يهدى لها، وظلموا
من دخل مكة، ثم لم يتناهوا، حتى جعل الرجل منهم إذا لم يجد مكانا يزني فيه دخل الكعبة فزنى.
فزعموا أن إسافا بغى بنائلة في جوف الكعبة فمسخا حجرين.
следующие страницы →