← Адаб

Адаб · id 124335

شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات

ابن الأنباري

Полный текст (588 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

ترمي بنا على أعصم صم) معناه على أعصم جبال صم. ويروى: (على أعصم جون)، أي أعصم جبل جون. ومعنى البيت: وكأن المنون ترمى بنا جبلا فلا تضرنا ولا تؤثر فينا كما لا تضر الجبل. والمنون اسم كأن، وتردى خبره، وينجاب موضعه رفع، ونصب في التأويل على معنى منجابا عنه العَماء. (مُكْفَهِرَّاً علَى الحَوَادثِ لا تَرْ ... تُوُ للدَّهرِ مُؤْيِدٌ صَمَّاءُ) مكفهر، معناه هذا الجبل متراكم بعضه على بعض ممتنع مارد على الحوادث، فنحن لا تضرنا ولا نباليها. يقال وجه فلان مكفهر، إذا كان قاطبا. وقوله (لا ترتوه) الرتو: القصر من الشيء والنقصان له؛ وهو من قولك: رتوت من القوس، إذا كان بوترها استرخاء فشددته وقصرت منه؛ وأصل الرتو الشد والجمع، من ذلك قول النبي ﷺ في الحساء: (إنه يرتو فؤاد الحزين، ويسرو عن فؤاد السقيم)، أي يشد فؤاد الحزين ويقويه. وقوله (ويسرو) معناه ويكشف عن فؤاده؛ ومنه قولهم: سريت الثوب عن الرجل، إذا كشفته عنه. ويقال سروت وسريت في هذا بمعنى. و (مؤيد) معناه داهية قوية شديدة تغلب كل من تعرض لها. يقال: رجل ذو أيد وآد، أي ذو قوة. قال الله : (والسَّمَاءَ بنَيناها بأيْد)، أراد بقوة. وقال عز من قائل: (وأيَّدْناه بروح القُدْس)، أراد: قويناه. ويقال أيضا: آدنى الشيء يئودني، إذا أثقلني. قال حسان: وقامت ترائيك مُغْدوجناً ... إذا ما تنوءُ به آدَها أراد أثقلها. وأنشد أبو عبيدة:

стр. 457

إنّ القدَاح إذا اجتمعنَ فرامَها ... بالكَسر ذو حَنَقٍ وبطشٍ أيدِ عزّتْ ولم تُكسَر وإن هي بدِّدت ... فالوَهن والتكسير للمتبدِّدِ أراد: وبطش قوي. وأنشد العجاج: من أن تبدّلت بآدى آدا ويروى: (موئد) بتقديم الواو على الهمزة على إنه مفعل من الوأد. والوأد: الثقل. وقوله (صماء) معناه لا جهة لها لشدتها وامتناعها. وقال بعضهم: الصماء: التي لا يسمع الصوت فيها لاشتباك الأصوات. ونصب (مكفهرا) على النعت لأرعن. ومن رواه بالخفض جعله نعتا للأعصم على رواية الذين يرون: (وكأن المنون ترمى على أعصم صم). والمؤيد رفع بترتوه. ويروى: (ما ترتوه). وصماء نعت المؤيد، واللام صلة ترتوه. (أَيَّما خُطَّةٍ أَردتُم فأَدُّو ... ها إِلينا تَمشِي بها الأَمْلاءُ) قوله: (فأدوها إلينا) معناه فابعثوا ببيان ذلك إلينا مع السفراء. والسفير: المصلح بيننا وبينكم يمشون به إلينا وتشهد به الاملاء، فان شهدوا وعرفوا ما ادعيتم كان ذلك لكم، وإن ادعيتم ما لا تعرفه الاملاء فليس بشيء. ويروى: (أيما خطة أخذتم). و (الأملاء): الجماعات، واحدهم ملأ؛ ولا يكون الملأ إلا رجالا لا امرأة فيهم. وهو مقصور مهموز، وربما ترك همزه في الشعر. قال حسان: ودونك فاعلمْ أن نَقْضَ عُهودنا ... أبَاه المَلاَ منَّا الذين تبايعوا أبَاه البَراء وابن عمرو كلاهما ... وأسعدُ يأباه عليك ورافعُ

стр. 458

وقال أبو عبيدة: الملأ الرؤساء والأشداء. قال الله : (ألم تَرَ إلى الملإ من بني إسرائيلَ). وجاء في الحديث أن النبي ﷺ سمع رجلا من الأنصار يقول بعد انصرافه من بدر: (إنما قتلنا عجائز ثلعا)، فقال النبي ﷺ : (أولئك أملاء قريش لو احتضرت فعالهم احتقرت فعالك مع فعالهم). والملأ: الخلق، مقصور مهموز. ويقال: (أحسنوا أملاءكم)، أي أخلاقكم. قال الشاعر: تنادوا يالَ بُهثَةَ إذْ رأونَا ... فقلنا أحسنوا مَلأ جُهَينا يريد: خلقا. ويروى: (أحسنى). ويقال تمالوا، من قولك: تمالوا عليه، أي اجتمعوا عليه وتظافروا. قال الشاعر: فإن تك خيراً تحسبوا مَلأً به ... وإن يك شراًّ تشربوه تحاسيا والملا: ما اتسع من الارض واستوى، مقصور غير مهموز، ويكتب بالألف والياء، والالف أجود. قال الشاعر: ألا غنّياني وارفعا الصَّوت بالملا ... فإنّ الملا عندي يَزِيدُ المَدَى بُعْدا وقال تأبط شرا: ولكنني أروِى من الخَمر هامتي ... وأمضِى المَلاَ بالصاحب المتبدّلِ وأيما نصب بأردتم، وما صلة، كأنه قال: أي خطة أردتم. ومعنى أي الجزاء، والفاء جواب الجزاء، وتمشى مرتفع في اللفظ بالياء، ومنتصب في التأويل على الحال من الهاء، والأملاء رفع بتمشي.

стр. 459

(إِنْ نَبَشْتُمْ ما بينَ مِلْحَةَ فالصَّا ... قِبِ فيه الأَمواتُ والأَحياءُ) قوله (إن نبشتم) معناه أن أثرتم ما كان بيننا وبينكم من القتل في الوقَعات التي كانت بين ملحة فالصاقبِ، ظهرَ عليكم ما تكرهون من قتلَى قتَلْنا لم تدركوا بثأرهم. والتقدير فيه: أن نبشتم ما بين أهل ملحة فأهل الصاقب، فحذف الأهل وأقام ملحة والصاقب مقامهم. وملحة: مكان. والصَّاقب: جبل. والصاقب في غير هذا الموضع: الملاصِق. قال النبي ﷺ : (الجار أحقَّ بصَقبَه)، أي مُلاصِقيه. وقال الشاعر في حَمَام: يَهجْن على ذي الشَّوق مكنونَ عَبرةٍ ... فدمعُ الهوى يستنُّ بالخيب ساكبه وما ذاك إلاّ من جميعٍ تقرّقتْ ... بهم نيَّةٌ هاجتْ هوىً ما يصاقبُه قوله (فيه الأموات والأحياء) معناه: في هذا النَّبش والأمر الذي يثيرونه موتى قد ذهبوا ونسوا ومات امرهم، وفيه أحياء قد بقوا حديث أمرهم، ففي إثارة ذلك ما يعرف فضلنا عليكم وادعاءكم علينا الباطل. وأراد بقوله (فيه الأموات)، أي ملحة والصاقب، فاكتفى بإعادة الذكر على أحدهما. وأنشد أبو العباس عن ابن الأعرابي: يا ابن التي ادعى أنها عكل تقف ... لتعلمن اليومَ أن لم تنصرفْ أن اللئيمَ والكريمَ مختلفْ

стр. 460

أراد: مختلفان، فاكتفى بأحدهما. ويروى: (والصاقب) بالرفع، والرافع له عود الهاء عليه، وهو حينئذ مستأنف والواو التي فيه واو الحال. ومن خفضه أضمر الواو مع في وأراد: وفيه الأموات، أي وهذه حاله، كما تقول: لقيت عبد الله والشمس طالعة عليه، ولقيته الشمس طالعة عليه. وكذلك تقول: ما رأيت عالما إلا وأبوك أفضل منه، وإن شئت قلت: إلا أبوك أفضل منه. أنشد الفراء في إظهار الواو: أما قريش فلن تلقاهم أبداً ... إلا وهمْ خيرُ من يَحفَى وينتعلُ وأنشد أيضا في إظهارها: إذا ما ستورُ البيت أرخِينَ لم يكنْ ... سراجٌ لنا إلاّ ووجهُك أنوَرُ وأنشد في إضمارها: وما مسَّ كفىِّ من يدٍ طاب ريحُها ... من الناس إلاّ ريحُ كفك أطيبُ أراد: ألا وريح كفك أطيب. وأنشدنا أيضا الأصمعي في إضمارها: لقد علمتْ لا أبعَثُ العَبْد بالقِرى ... إلى القوم إلاّ أكرمُ القوم حاملهُ أراد: وإلا أكرم القوم، فأضمر الواو. وما ينتصب بنبشتم، وتأويله: أن أثرتم الأمر الذي بين ملحة. وجواب الجزاء محذوف لوضوح معناه. كأنه قال: أن نبشتم هذا هلكتم. وإن شئت كان الجواب الفاء التي في البيت الثاني، لأن النقش يضارع معنى النبش. وملحة خفض ببين، إلا أنها

стр. 461

لا تُجرى. والصاقب نسق عليها، والأموات رفع بفي. (أَوْ نقَشْتُمْ فالنَّقْشُ تَجشَمُه النا ... سُ وفيه الصَّلاَحُ والإِبراءُ) ويروى: (وفيه السقام) ويروى: (وفيه الضجاج، ويروى: (وفيه الضجلج)، ويروى: (وفيه الإصلاح). ويروى: (إن نقشتم). والتأويل أن استقصيتم فالاستقصاء يتجشمه الناس ويتكلفونه. يقال: قد جشمتك لقاء فلان؛ أي كلفتكه. قال الشاعر: فما أجشمتُ من إتيان قومٍ ... هم الأعداءُ والأكباد سُودُ وفي الاستقصاء صلاح، أي انكشاف للأمر. يقول: أن استقصيتم صرتم من ذلك إلى ما تكرهون. ومن روى: (وفيه السقام)، أراد: وفي الناس سقام وبراءة، أي لا تأمنوا أن استقصيتم أن يكون السقام فيكم - وسقمهم أن يكونوا قتلوا أو قهروا فلم يثأر بهم ولم يطلب بثأرهم - وعسى أن يكون الإبراء منا فيستبين ذلك للناس ويصير عاره عليكم في الاستقصاء والنقش، فتركه خير فما راحتكم فيه. وقال أبو عبيد: لا أحسب نقش الشوكة من الرجل إلا من هذا، وهو استخراجها حتى لا يترك في الجسد منها شيء. قال الشاعر: لا تنقُشَنَّ برجلِ غيرِك شوكةً ... فتقَي برجلك رجلَ مَن قد شاكَها) يريد: رجل من قد دخل في الشوك. يقال: شكت الشوك فأنا أشاكه، إذا دخلت فيه. فإذا أردت إنه أصابك قلت: قد شاكني فهو يشوكني شوكا. وإنما سمى المنقاش منقاشا لأنه ينقش به، أي يستخرج به الشوك. ويقال: انتقشت من الرجل جميع حقي، أي استخرجته منه. وقال النبي ﷺ : (من

стр. 462

نوقش في الحساب عذب)، أي من استقصى عليه. والنقش رفع بما عاد من الهاء، والناس مرتفعون بفعلهم، والواو في الصلاح واو حال، والصلاح رفع بفي، والأبراء نسق عليه. (أَوْ سَكَتُّم عنَّا فكنَّا كمَنْ أَغْ ... مَضَ عَيْناً في جَفْنها أَقذاءُ) معناه: أن نبشتم على أنفسكم ما قد غاب عن الناس بادعائكم غير الحق خرج عليكم من ذلك ما تكرهون، وان سكتم عنا فلم تستقصوا كنا نحن وانتم عند الناس في علمهم بنا سواء، وكان أسلم لنا ولكم، على أنا نسكت ونغمض عينا على ما فيها منكم. وهذا مثل. و (القذى): شيء يسقط في العين. ويقال: عين قذية. ويروى: ... فكنَّا جميعاً ... مثلَ عينٍ في جفنْها أقذاء ويروى: أبعدوا في المَدَى وكونوا كمن أغ ... مض عيناً ...... أي ابلغوا غايتكم. أنشدنا أبو العباس لأبي صخر: فيا حبَّ ليلى قد بلغتً بَي المدَى ... وزدتَ على ما ليسَ يبلغُه الهجرُ أراد: الغاية. و (الأجفان): أغطية العينين. والأشفار: حروف الأجفان التي فيها الشعر، والشعر يقال له الهدب. والكاف خبر الكون، وأغمض عينا صلة من، وفي جفنها أقذاء صلة العين، والهاء تعود على العين، والأقذاء رفع بالصلة. (أَو مَنَعتم ما تُسأَلُونَ فَمَنْ حُ ... دِّثتموهُ لَهُ عَلينا العَلاَءُ)

стр. 463

معناه: أو منعتم ما تسألون من النصفة فيما كان بيننا وبينكم، فلأي شيء كان ذلك منكم مع ما تعرفون عن عزنا وامتناعنا. ثم قال: فمن حدثتموه له علينا العلاء، يقول: فمن بلغكم إنه اعتلانا في قديم الدهر فتطمعوا في ذلك منا. والعلاء من العلو والرفعة، بالعين غير معجمة. ويروى: (الغلاء) بالغين معجمة وهو الارتفاع أيضا، من قوله : (لا تَغْلُوا في دينكم غيرَ الحقّ). وما نصب بمنعتم، وتسألون صلتها، والهاء المضمرة تعود عليها، ومن رفع بما عاد من الهاء في حدثتموه، والهاء الأولى اسم حدثتم، وما عاد من الهاء الثانية خبرها، والعلاء رفع باللام، وعلينا صلة العلاء وحدثتم وأنبئتم مشبه بظننتم، تنصب الاسم والخبر، فكأنه قال: فمن ظننتموه له علينا العلاء. (هَلْ عَلِمتمْ أَيّامَ يُنْتَهَبُ النَّا ... سُ غِواراً لكلِّ حَيٍّ عُوَاءُ) قال الأصمعي: كانت العرب من نزار تملكهم الأكاسرة، وهم ملوك فارس، وتملَّك عليهم من شاءت، وكانت غسان تملكهم ملوك الروم، فلما غلب كسرى على بعض ما في يديه - وكان الذين غلبوه بني جفنة - غزا بنفسه قيصر، فضعف أمر كسرى، وغزا بعض العرب بعضا. و (الغوار): مصدر غاور القوم مغاورة وغوارا، إذا غار بعضهم على بعض. قوله (لكل حي عواء)، أي صياح، مما ينزل بهم من الإغارة عليهم. قال الشاعر: فإن يكُ شاعرٌ يَعوي فإني ... رأيتُ الكلبَ يقتلُه العُواءُ أي الصياح. يقول: فنحن حين كان الناس هكذا لم يطمع فينا أحد من العرب

стр. 464

لأنا أعزهم، وكنا يومئذ أمنع العرب، فلا تطمعوا انتم في ظلمنا وضررنا، فان لنا عزا دائما ثابتا. وقال أبو عبيدة في قوله (أيام ينتهب الناس) قال: هي أيام غزا فيروز الترك فأسروه، فضعف أمر ملك العرب، فجعلت بكر بن وائل تغير على القبائل، حتى أغارت على تميم فأصابت منهم أسرى وسبايا. والأيام نصب بعلمتم، وهي مضافة إلى ينتهب، وغواراُ نصب على المصدر، وعواء رفع باللام. ويروى: (لكل حي لواء). (إِذْ رفَعْنا الجِمالَ من سَعَفِ البَح ... رَينِ سَيراً حتَّى نَهَاها الحِسَاءُ) قوله (اذ رفعنا الجمال)، يخبر عن مغازيهم، أي قد أغرنا على من لقينا من الناس حتى انتهينا إلى النخل فاكتفى بالسعف من النخل، لأنه كما قال الجعدي: كأنّ فاها إذا تُوُسِّنَ من ... طِيب مَشَمٍّ وحُسنِ مبتَسَمِ ركِّب في السامِ والزَّبيب أقاح ... يُّ كثيب تَنْدَى من الرّهَم أراد: ركب في السام والخمر، واكتفى بالزبيب من الخمر لأنه من سببها والسام: عرق المعدن، وهو يضرب إلى السواد، فشبه اللثة به، يريد: هو يضرب إلى السواد. وشبه طيب ريقها بالخمر ثم مضينا نغير وننتهب، حتى انتهينا إلى الحستء. ومعنى (نهاها) كفها وحبسها. والحساء: جمع حسى البحر. والحسى: الماء الجاري. يقول: فلما بلغنا الحساء لم يكن وراءها مغار. ويروى: (إذ ركبنا الجمال). وإذ من صلة علمتم، والسير نصب على المصدر، والحساء رفع بفعلها.

стр. 465

(ثُمَّ مِلْنا عَلى تميمٍ فأَحرَمْ ... نا وفينا بَنَاتُ مُرٍّ إِماءُ) معناه: بلغنا الحساء ثم ملنا على تميم، فلما صرنا إلى بلادهم أحرمنا: دخلنا في الأشهر الحرم، فكففنا عن قتالهم. وفينا بنات مر إماء، يريد: قد سبيناهن قبل دخول الأشهر الحرم. ويروى: (وفينا بنات قوم إماء). يقال: أحرم الرجل، إذا دخل في الشهر الحرام. وقال ابن الأعرابي: تميم هو ابن مر، فأحرمنا معناه عففنا عنهم وفينا إماء لو شئنا وطئناهن، فكففنا عن قتالهم وفينا بناتهم إماء. ويقال: أحرم الرجل الشيء، إذا جعله على نفسه حراما. وحرمت الشيء أحرمه حرمانا. قال عبيد: مَن يسألِ الناس يَحرِموهُ ... وسائلُ الله لا يخيبُ وقال الآخر: وأنبئتُها أحرمَتْ قومَها ... لتَنكِحَ في معشرٍ آخَرينا أراد: حرمت قومها على نفسها. والبنات رفع بإماء، والإماء رفع بالبنات، والواو واو حال، كأنه قال: وبنات مر إماء فينا. (لا يُقيمُ العَزيزُ في البَلَدِ السَّهْ ... لِ ولا يَنْفَعُ الذَّليلَ النَّجاءُ) يقول: لم يكن العزيز الممتنع يقدر أن يقيم بالبلد السهل؛ لما فيه الناس من المغاورة والحيف والجهد، ولا ينفع الذليل النجاء، أي الهرب. يقول: إن هرب

стр. 466

الذليل لم ينتفع بذلك. والرواية المعروفة: (النَّجاء) بفتح النون، ويروى (النِّجاء) بكسر النون على إنه جمع نجوة، فتجري مجرى قولهم نسوة ونساء، وركوة وركاء. و (العزيز): القاهر الغالب. قال جرير: يَعُزُّ على الطَّريقِ بمنَكِبَيهِ ... كما ابتركَ الخَليعُ على القِداحِ أراد: يغلب على الطريق. ويقال رجل ذليل بين الذل والذلة والمذلة. ودابة ذلول بينة الذل. قال الله : (واخفضْ لهما جناحَ الذِّلِّ من الرحمة) بكسر الذال. قال الشاعر: منه الحِباء سَديد هَدُيه حسن ... عند المصائب منه الذِّلُّ والنُّبُلُ والعزيز رفع بيقيم، والنجاء رفع بينفع، والذليل نصب بوقوع الفعل عليه. (ليس يُنْجِي مُوائلاً مِنْ حِذارٍ ... رأسُ طَودٍ وحَرَّةٌ رَجْلاءُ) الموائل: الهارب طلبا للنجاة. يقال: وأل الرجل يئل، إذا نجا. قال الله : (بل لهم مَوعدٌ لن يَجِدوا من دونه مَوئلاً)، أراد: منجي. قال الشاعر: فإنْ لم أعوِّد نفسِيَ الكرَّ بعدَها ... فلا وألتْ نفسٌ عليك تحاذرُ معناه: فلا نجت. وقال الآخر: كانوا جَمالاً للجميع وموئلاً ... للخائفين وسادةً في النادي و (الحذار): ما يخاف ويحاذر، وهو مصدر حاذر حذارا. قال حاتم طي:

стр. 467

ولست بحازنٍ لغدٍ طعاما ... حِذارَ غدٍ لكلِّ غدٍ طعامُ و (الحرة) من الأرض: التي جبالها وحجارتها سود. و (الرجلاء) فيها قولان: قال بعضهم: هي حجارة سود وما يلي الجبل أبيض، وهي مع ذلك صعبية شديدة. وقال آخرون: الرجلاء التي يرتجل الناس فيها لشدتها. واسم ليس مضمر فيها مجهول كأنه قال: ليس الأمر وليس الشأن، والجملة التي بعد ليس خبرها. ويجوز أن يكون رأس طود اسم ليس وينجي خبرها. ويجوز أن تكون ليس في مذهب (ما) فتستغني عن الاسم والخبر، ويرتفع رأس طود بينجي. ويحكى عن العرب: ليس الطيب إلا المسك، معناه ما الطيب إلا المسك. وقال الشاعر: هي الشفاءُ لدائي لو تَجودُ به ... وليس منها شفاءُ الدَّاء مبذولُ فيجوز أن يكون في ليس مجهول، ويجوز أن يكون ليس في معنى ما. والشفاء رفع بمبذول، ومبذول به. والحرة نسق على رأس، ورجلاء نعتها. ويروى: ليس يُنجى الذي يُوائل منَّا (فمَلَكْنا بذلِكَ النَّاسَ حتَّى ... مَلَك المنذِرُ بنُ ماءِ السَّماءِ) قال أبو محمد التوزي: سمعت الأصمعي يروي هذا البيت سنة ثمانين ومائة، قال:

стр. 468

وأنا سألته عنه وقال الأصمعي: أنشدني هذا البيت حرد بن المسمعي وقال: لا يضره إقواؤه، قد أقوى النابغة في قصيدته الدالية وعاب ذلك عليه أهل المدينة فلم يغيره، وإنما هذه القصيدة كانت شبيها بالخطبة، قام بها الحارث مرتجلا. والارتجال: الاقتراح والابتداء من ساعته. وأراد بإقواء النابغة قوله في: زعمَ البوارحُ أن رحلتنا غدٌ ... وبذاك خبَّرنا الغرابُ الأسودُ والقصيدة مخفوضة: عجلانَ ذا زادٍ وغير مزوَّدِ وأقوى في موضع آخر فقال: يكاد من اللَّطافة يُعقَدُ وقال أبو الحسن الأثرم ويعقوب بن السكيت: لا يتم معنى (وهو الرب والشهيد) إلا بهذا البيت الذي أقوى فيه. والناس نصب بملكنا، والمنذر رفع بملك، والابن نعته. وإنما قيل له ماء السماء لأنه شبه عموم نفعه بعموم ماء المطر. (وهو الرَّبُّ والشَّهِيدُ على يَوْ ... مِ الحِيَارَينِ والبَلاءُ بَلاءُ)

стр. 469

والرب عني به المنذر بن ماء السماء. يخبر إنه قد شهدهم في هذين اليومين فعلم فيه صنيعهم وبلاءهم الذي أبلوا. وكان المنذر بن ماء السماء غزا أهل الحيارين ومعه بنو يشكر فأبلوا بلاء حسنا. و (البلاء بلاء) معناه: والبلاء شديد. فيجوز أن يكون البلاء من البلية، ويجوز أن يكون البلاء من الإبلاء والإنعام، كما قال: فما من بلاءٍ صالحٍ أو تكرُّمِ ... ولا سُودَدٍ إلاّ له عندنا أصلُ والرب في هذا الموضع: السيد. قال الله جل ذكره: (فيَسقي ربَّه خَمْراً) أراد: فيسقى سيده. والرب: المالك، يقال ربني فلان يربني ربا، أي ملكني. والرب أيضا: الإصلاح، من قولهم: أديم مربوب، أي مصلح. وفي الرب لغتان: رب بتشديد الباء، ورب بتخفيفها. أنشد الفراء: وقد علم الأقوامُ أن ليس فوقه ... ربٌ غير من يُعطى الحظوظ ويَخلُقُ والحياران: بلدان. ورواه ابن الأعرابي: (يوم الحوارين). والرب رفع بهو، والشهيد نسق عليه، ومعناه الشاهد، كما تقول عليم وعالم. وعلى صلة شهيد، والبلاء الأول رفع. (مَلِكٌ أَضلَعُ البِريَّةِ لا يُو ... جَدُ فيها لِمَا لدَيْهِ كِفاءُ) معناه: ليس في البرية أحد يضطلع من الأمور بمثل ما يضطلع، أي يحتمل مثل الذي يحتمل المنذر من الأمور الثقيلة. ويقال رجل ضليع، إذا كان كثير اللحم عظيم الجسم. وقوله (لا يوجد فيها لما لديه كفاء)، معناه ليس في البرية أحد يكافئه ولا يستطيع أن يصنع مثل ما يصنع من الخير. يقال: كافأت الرجل أكافئه مكافأة وكفاء.

стр. 470

والملك يرتفع بإضمار هو. وأضلع البرية نعته. والبرية فيها لغتان: الهمز وترك الهمز، فمن همزها أخذها من برأ الله تعالى الخلق، أي خلقهم، كما قال الشاعر: وكلُّ نفسٍ على سلامتها ... يميتُها اللهُ ثم يُبرئُها فبنى فعيلة من ذلك. ومن لم يهمزها كان له مذهبان: أحدهما أن يقول: هي فعيلة من بريت أبرى. والوجه الآخر أن يقول: هي فعيلة من برأ الله الخلق، بنيت على ترك الهمز، كما بنيت الخابية على ذلك، وهي من خبأت. والكفاء رفع بيوجد وهو اسم ما لم يسم فاعله، وفي صلة يوجد وكذلك اللام، ولديه صلة ما، وما فيها يعود على ما. (فَاتْرُكُوا البَغْيَ والتَّعدِّي وإِمّا ... تَتعَاشَوْا ففي التَّعاشِي الدَّاءُ) ويروى: (الطيخ). والطيخ: الكلام القبيح. ويقال رجل طيلخة، إذا كان مستعملا ذلك. ويقال: الطيخ: الكبر والعظمة. ويقال: طاخ يطيخ طيخا. و (التعاشى): التعامي. يقال: تعاشى يتعاشى تعاشيا. وقد عشى يعشى عشىً. ويقال: أوطأتك العِشوة والعَشوة والعُشوة، إذا خبَّرتك بما لم يكن. ويقال: عشوت أعشو عشوا، إذا نظرت نظرا ضعيفا. قال الله : (ومن يَعْشُ عن ذِكر الرحمن). وأنشدنا الفراء: متَى تأتِه تَعْشُو إلى ضوءِ نارِه ... تجدْ خير نار عندها خيرُ مُوقدِ ومعنى البيت: أن تتجاهلوا ففي ذلك الهلاك. أي اتركوا القول القبيح والتعامي عن أيامنا، فإنكم أن تعاميتم وألجأتمونا إلى الإخبار صرتم إلى ما تكرهون، وذلك إلزامكم. والتعدي منصوب لأنه نسق على الطيخ، وأسكنت الياء، وحقها أن تفتح، على لغة

стр. 471

الذين يقولون رأيت قاضيك بإسكان الياء. والتعدي وزنه من الفعل التفعل، أصله التعدو، فلما وقعت الواو طرفا وانضم ما قبلها ردت إلى الياء، والضمة التي قبلها إلى الكسرة. وأما حرف جزاء، وما صلة، والفاء جواب الجزاء، والداء رفع بقوله ففي التعاشي. ويروى: (فاتركوا الطيخ والضلال وإما). (واذكُروا حِلْفَ ذي المَجَازِ وماقُ ... دِّمَ فيه العُهودُ والكُفلاءُ) و (ذو المجاز): موضع بمكة المكرمة. قالبشر بن أبي خازم: وكان مَقامُنا ندعُو عليهم ... بأبطح ذي المجاز له أثامُ وهو الموضع الذي أخذ عمرو بن هند الملك على تغلب وبكر العهود والمواثيق، وأصلح فيه بين الحيين وأخذ منهم رهنا من أبنائهم، من كل حي ثمانين رجلا، فلذلك قوله (وما قدم فيه العهود). وواحد الكفلاء كفيل وكافل. ويقال: كفلت الرجل وكفلته وكفلت بالرجل. قال الله : (وكفَلها زكريَّا)، وقرأ بعضهم: (وكَفِلَها) بالكسر. وموضع ما نصب بالنسق على الحلف، والعهود رفع بقدم، والكفلاء نسق عليها. (حَذَرَ الخَوْنِ والتَّعدِّي وهَلْ يَنْ ... قُضُ ما في المَهَارقِ الأَهواءُ) ويروى: (حذر الجور). والخون من الخيانة، والتعدي من الاعتداء. والمهارق: الصحف، واحدها مهرق. قال الأصمعي: المهرق فارسي في الأصل، وهو في

стр. 472

كلام الفرس (مهره كرد)، أي المصقول. وقوله (وهل ينقض ما في المهارق الأهواء)، معناه: فإن كانت أهواؤكم زينت لكم الغدر والخيانة بعدما تحالفنا وتعاقدنا فكيف تصنعون بما في الصحف مكتوب عليكم، من العهود والمواثيق والبينات، فيما علينا وعليكم؛ وذلك لا ينقضه شيء. ويروى: (ولن ينقض). وكذلك معنى هل الجحد. والحذر نصب على المصدر، والأهواء رفع بينقض، وما نصب بينقض، وفي صلة ما. (واعْلمُوا أَنَّنا وإِيّاكمُ في ... مَا اشْتَرَطْنا يومَ اخْتلَفْنا سَواءُ) ويروى: (يوم اختلفنا فيما اشترطنا سواء). والمعنى: كان من أشراطنا وتحالفنا إنه لا يجنى أحد من العرب اليكم جناية ولا إلى غيركم إلا كانت تلك الجناية علينا ونحن المأخوذون بها دون أصحابها، واشترطتم علينا مثل ذلك. يقول: فنحن وأنتم في هذه العهود والمواثيق سواء. وان كفت من اسم العلم وخبره. (أَعَلَيْنا جُناحُ كِنْدَةَ أن يَغْ ... نَم غَازِيهمُ ومِنَّا الجزاءُ) قال الأصمعي: كانت كندة كسرت خراجها على الملك، فبعث إليهم رجالا من بني تغلب فقتلوا فيهم وأسروا. فيقول: أن كانت كندة فعلت هذا بكم فلم تقدروا أن تمنعوا وتأخذوا بثأركم منهم، فعلينا تريدون أن تحملوا ذنبهم وجنايتهم إليكم. أي أتغنم كندة فيكم ويكون جناح ما صنعوا علينا. و (الجناح): الإثم، وهو رفع، وكندة نصب وهو في موضع خفض، وإن نصب بفقد الخافض، والغازي رفع بيغنم، والجزاء رفع بمن.

стр. 473

(أَم عَلَينا جَرَّى حِنيفةَ أو ما ... جمَّعَتْ من مُحاربٍ غَبْراءُ) معناه: هل علينا في العهود والمواثيق التي أخذتموها علينا أن تأخذونا بذنوب حنيفة وما أذنبت لصوص محارب. و (الغبراء): الصعاليك، وهم الفقراء. قال طرفة: رأيتُ بني غبراءَ لا يُنكرونني ... ولا أهلُ هذاكَ الطرافِ الممدّدِ وجاء في الحديث: (كان النبي ﷺ ليستفتح بصعاليك المجاهدين)، أي يفتتح القتال بهم تيمنا. وكان من حديث حنيفة التي ذكرها: أن شمر بن عمرو الحنفي، وهو أحد بني سحيم، لما غزا المنذر بن ماء السماء غسان، وكان أم شمر غسانية، فخرج يتوصل بجيش المنذر بن ماء السماء، يريد أن يلحق بالحارث بن جبلة الغساني، فلما دنا من الشام سار حتى لحق بالحارث بن جبلة، فقال له شمر بن عمرو: أتاك مالا تطيق! فندب الحارث بن جبلة مائة رجل من أصحابه، وجعلهم تحت لواء شمر بن عمرو الحنفي، ثم قال: سر حتى تلحق بالمنذر بن ماء السماء وتقول: إنا معطوه ما يريد وينصرف عنا. فإذا وجدتم منه غرة فاحملوا عليه. فخرج شمر ابن عمرو يسير في أصحابه حتى أتى عسكر المنذر، فدخل عليه فأخبره برسالة الحارث بن جبلة، فركن إلى قوله، واستبشر أهل العسكر وغفلوا بعض الغفلة، فحمل الحنفي عليه بالسيف فضرب يافوخه وسال دماغه، ومات من الضربة مكانه، وقتلوا بعض من كان حول القبة، وتفرق أصحاب المقتول، فقال أوس بن حجر في ذلك: نبّئت أن بني سُحيمٍ أدخلوا ... أبْياتَهمْ تامورَ نفْسِ المُنذرِ والتامور: دم القلب. وقال بعض أهل اللغة: إنما قيل لهم غبراء لأنهم أخلاط من كل ضرب. وقال

стр. 474

آخرون: الغبراء: قوم يجتمعون فيتناهدون. ويقال إنما قيل للفقراء بني غبراء، لأن الفقر ألصقهم بالأرض. والغبراء: الأرض، ويقال: الغبراء: السنة الشديدة، وهو يرجع إلى معنى الفقر. وجرى رفع بعلى، وما نسق على جرى، وغبراء رفع بفعلها. (أَمْ جَنَايا بَنى عَتيقٍ فَمنْ يَغْ ... دِرْ فإِنّا مِن حَربِهِمْ بُرآءُ) ويروى: (إنا من حربهم لبراء). ومن العرب من يقول: فلان براء منك، ولا يثنيه ولا يجمعه ولا يؤنقه. قال الله : (إني براءٌ مما تعبدون). ومنهم من يقول: القوم براء منكم، ومنهم من يكسر الباء فيقول: القوم براء، على مثال ظراف. قال الشاعر: فإنّ أباكم الأدنى أبوكم ... وإنَّ صدورهم لكم بِراءُ والجنايا رفع بالنسق على جرى، ومن رفع بما في يغدر، وبراء خبر إن، ومن صلة برآء، ويروى: (فإنا من غدرهم بُرآء). (أَم عَلينا جَرَّى العِبادِ كما نِي ... طَ بجَوْزِ المحمَّلِ الأَعباءُ) معناه: أن بعض العباد، وهم العباديون، أصابوا في بني تغلب دماء فلم يدرك بنو تغلب بثأرهم منهم، فيقول: تريدون أن تحملوا علينا ذنوب هؤلاء وتعلقوها عليما كما عُلَّق بوسط البعير الأثقال. و (نيط) معناه علِّق. و (الجوز): الوسط، وجمعه أجواز. أنشد الفراء: فهي تنوشُ الحوضَ نَوشاً مِن عَلا ... نَوشاً به تقطع أجوازَ الفلا و (المحمل): البعير. و (الأعباء): جمع عبء، وهو الثقل. والكاف في موضع نصب، والأعباء اسم ما لم يسم فاعله.

стр. 475

(أَم عَلَينا جَرَّى قُضاعةَ أَمْ لَيْ ... سَ علينا ممَّا جنوْا أَنداءُ) هذا تعبير منه لبنى تغلب لما فعلت قضاعة. يقول: أفعلينا ما جنت قضاعة؟ وذلك أن قضاعة غزت بني تغلب فقتلوا فيهم وسبوا. فيقول: أفتريدون أن تحملوا علينا ذنوب هؤلاء الذين أذنبوها إليكم، وليس علينا فيما جنوا أنداء. يريد: ليس يندانا مما جنوا شيء هذا كله تعيير منه لبني تغلب، وعمرو بن كلثوم يسمع. والأنداء اسم ليس، واحدها ندى، وعلينا خبر. (لَيْسَ مِنَّا المضرَّبُونَ ولا قَيْ ... سٌ ولاَ جَنْدَلٌ ولا الحَدَّاءُ) هؤلاء قوم من بني تغلب ضربوا بالسيوف فعيرهم بهم. والحداء: قبيلة من ربيعة، ويقال: هو رجل من ربيعة. والمضربون اسم ما لم يسم فاعله، والأسماء التي بعدهم نسَق عليهم. (أَم عَلينا جرَّى إِيادِ كما قِي ... لَ بطَسْمٍ أَخوكمُ الأَبَّاءُ) معناه: أم علينا في العهد الذي كان بيننا وبينكم أن نؤاخذ بما جرت إياد. وقال هشام بن محمد الكلبي: كانت إياد بن نزار تنزل سنداد، وسنداد: نهر فيما بين الحيرة إلى الابلة، وكان عليه قصر يحج العرب اليه، وهو القصر الذي ذكره الأسود بن يعفر:

стр. 476

أرضُ الخورنق والسَّدير وبارقٍ ... والقصرُ ذو الشرفات من سِندادِ قال: ولم يكن في نزار حي أكثر من إياد ولا أحسن وجوها ولا أمد أجساما، ولا أشد امتناعا. وكانوا لا يعطون الإتاوة - وهي الخراج - وكان من قوتهم أنهم أغاروا على امرأة لكسرى أنوشروان، فأخذوها وأموالاً لهم كثيرة، فجهز لهم كسرى الجيوش مرتين، كل ذلك تهزمهم إياد. ثم إنهم ارتحلوا حتى نزلوا الجزيرة، فوجه إليهم كسرى ستين ألفا، وكان لقيط بن معمر الإيادي ينزل الحيرة، فكتبَ إلى أياد وهو بالجزيرة: سلامٌ في الصحيفة من لَقِيطٍ ... إلى مَنْ بالجزيرة من إيادِ بأنَّ الليثَ كسرى قد أتاكم ... فلا يشغَلْكمُ سَوْقُ النِّقادِ أتاكم منهمُ ستُّون ألفاً ... يزجُّون الكتائب كالجرادِ على حَنَقٍ أتينَكمُ فهذا ... أوانُ هلاككم كهلاك عاد فلما بلغ كتاب لقيط إيادا استعدوا لمحاربة الجنود الذي بعث بهم كسرى، فالتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا، حتى رجعت الخيل وقد أصيب من الفريقين. ثم إنهم بعد ذلك اختلفوا فيما بينهم، وتفرقت جماعتهم، فلحقت طائفة منهم بالشام، وأقام الباقون بالحيرة. وقال الأصمعي: كان جديس وطسم أخوين، فكسرت جديس على الملك

стр. 477

خراجها، فأخذت طسم بذنب جديس. يقول: فتريدون أن تحملوا علينا ذنوب الناس كما قيل لطسم: أن أخاكم كسر الخراج فنحن نأخذكم بذنبه. والأخ رفع بالأباء، وجملة الكلام اسم ما لم يسم فاعله. (عَنَناً باطلاً وظُلماً كما تُع ... تَرُ عن حَجرِة الرَّبيِض الظِّباءُ) (عننا) معناه اعتراضا. يقول: انتم تعترضون بنا اعترضا وتدعون الذنوب علينا، ظلما وميلا علينا. يقال عن يعن عنونا، إذا اعترض. وقوله (تعتر)، العتر: الذبح. والعتيرة: الذبيحة، وهي ذبيحة كانوا يذبحونها في رجب لآلهتهم، يسمونها الرجبية. قال النبي ﷺ : (لا فرعة ولا عتيرة). فالفرعة: أول ولد تلدة الناقة، كانوا يذبحونها لآلهتهم. وجمعه فرع. ويقال: قد أفرع القوم، إذا فعلت إبلهم ذلك. ويقال: قد عتر يعتر عترا، إذا ذبح العتيرة. قال: زهير: ثمّ استمرّ فأوفى رأسَ مرَقبة ... كصاحب العِتر دميَّ رأسَهُ النسُك و (الحجرة): الحظيرة تتخذ للغنم. و (الربيض): جماعة الغنم. وكان الرجل من العرب ينذر نذرا على شائه إذا بلغت مائة أن يذبح عن كل عشرة منها شاة، وكانت تلك الذبائح تذبح في رجب، وكان ذلك واجبا عليهم في دينهم، فكان الرجل منهم إذا دخل رجب وقد بلغت شاؤه مائة، وبخل أن يذبح من غنمه شيئا، صاد الظباء وذبحها عن غنمه؛ ليوفى بها نذره. فقال الحارث: أنتم تأخذوننا بذنوب غيرنا كما ذبح أولئك الظباء عن غنمهم. والحجرة: الناحية. يقال في المثل:

стр. 478

(تأكل وسطا وتربض حجرة). والعتر نصب على المصدر، والكاف نصب له على النعت، وما مصدر. ويروى: (عبثا باطلا شدوخا)، أي يشدخ الناس بشدته. (وثَمانُونَ مِن تميمٍ بأَيدِي ... همْ رِماحٌ صُدورهُنَّ القَضاءُ) وثمانون من تميم، معناه أن عمرا أحد بني سعد بن زيد مناة بن تميم، خرج في ثمانين رجلا من بني تميم غازين، فأغار على ناس من بني تغلب يقال لهم بنو رزاح، كانوا ينزلون أرضا يقال لها نطاع، قريبة من اليمن، فقتل فيهم وأخذ أموالا كثيرة. وقوله (صدورهن القضاء) معناه الموت. والثمانون رفع بما عاد من الهاء والميم، والرماح رفع بالباء وما بعدها صلتها، والقضاء رفع بالصدور. (لم يُخَلُّوا بني رِزاحٍ ببَرقا ... ءِ نِطاعٍ لهمْ عليهمْ دُعاءُ) ورواه أبو العباس: (ببرقاء). نصب برقاء لأنها لا تجري لمدة التأنيث. ونطاع، نعت برقاء. ومن رواه ببرقاء نطاع، قال: كل ما لا يجرى إذا أضيف جرى. (لهم عليهم دعاء): يدعون الله تعالى عليهم. (تَرَكُوهمْ مُلحَّبِينَ فَآبُوا ... بِنِهابٍ يَصَمُّ فيه الحُدَاءُ) ويروى: (يصم منه الحداء). قوله (ملحبين): مقطعين بالسيوف. و (آبوا): رجعوا. وقوله (بنهاب)، معناه ما انتهبوا من أموال بني رزاح. وقوله (يصم فيه الحداء) معناه أن الإبل والمواشي التي أخذت من بني رزاح لها جلبة

стр. 479

ورغاء، فجلبتها أكثر من أن يسمع فيها الحداء. وملحبين نصب على الحال من الهاء والميم، والحداء رفع بيصم. ويروى: (يُصم) أي يصادف قوما صما. يقال أصممتهم، إذا صادفتهم صما. (وأَتَوهُمْ يَسترَجعون فلم تَر ... جِعْ لهُمْ شامَةٌ ولا زَهراءُ) ويروى: (ثم آبوا يسترجعون)، أي رجعت بنو رزاح وقد اجتمعوا إلى بني تميم يسترجعون ما أخذوا منهم. فلم يرجع لهم شامة ولا زهراء، أي رجعوا خائبين ولم يرجعوا بناقة سوداء ولا بيضاء. ويكون في الغنم وغير الغنم. والشامة سوداء والزهراء بيضاء. ويروى: (ولا غبراء)، أي ما ليس بخالص البياض. والشامة رفع بيرجع، والزهراء نسق عليها. (ثُمَّ فاءُوا مِنهمْ بقاصِمَة ال ... ظَّهرِ ولا يَبْرُدُ الغليلَ الماءُ) ثم فاءوا: رجعوا، يعنى بني رزاح ومن حشد معهم من بني تغلب وغيرهم. فرجعوا بقاصمة الظهر، أي قصمت بنو تميم ظهورهم، حيث ساقوا أموالهم وتبعوهم فلم يصلوا إلى شيء مما أخذ منهم، فرجعوا خائبين. وقوله (ولا يبرد الغليل الماء) معناه الذي في صدورهم من الحزن والبلاء الذي نزل بهم لا يبرده الماء، أي لا يسكنه. والغليل: الحرارة التي تكون في الصدر. ويروى: (ولا يبرد الصدور الماء)، أي لما فيها من عظيم الحرارة. والقاصمة: الكاسرة. والتأويل: رجعوا بداهية تكسر الظهر. والباء صلة فاءوا، والماء رفع بيبرد، والغليل نصب به. (ثُمَّ خيلٌ من بَعْدِ ذاك مع الغَ ... لاّقِ لا رأْفةٌ ولا إِبقاءُ)

стр. 480

يريد: غزتكم بعد بني تميم خيل من الغلاق. (لا رأفة)، يقول: ليس لأصحاب الغلاق رأفة بكم ولا إبقاء عليكم. والغلاق: رجل من بني يربوع بن حنظلة، من تميم، كان على هجائن النعمان بن المنذر الأكبر، وكان أغار على بني تغلب فقتل فيهم. والخيل رفع بما عاد من المضمر، معناه: لا عندهم رأفة، والرأفة رفع بالصفة. (ما أَصَابُوا مِن تَغْلَبيٍّ فمطْلُو ... لٌ، عَلْيهِ إذا توَلَّى العَفَاءُ) ويروى: (إذا أصبنا العفاء). يقول جاءكم الغلاق ومن معه بحرد وغيظ وأصابوا فيكم، فكل من أصابوا من بني تغلب فقد طل دمه، أي أهدر دمه ليس له من ينتصر له. قال أبو عبيد: كان أبو عبيدة يقول: فيه ثلاث لغات: طل دمه طلا وطلولا، وطل دمه، وأطل دمه إطلالا. وقال أبو زيد: قد طل دم فلان الحاكم، إذا أبطله. وقوله (عليه إذا تولى العفاء) هذا دعاء عليه. يريد: فعلى دمه العفاء. والعفاء: الدروس في هذا الموضع. يقال: عفا الله أثرك يعفوه، أي محاه. ويقال: قد عفا الرسم، إذا درس. وهذا كله تعيير لبني تغلب. وموضع ما نصب بأصابوا، ومعناها الجزاء، والفاء جواب الجزاء، ومطلول رفع بإضمار هو، والعفاء رفع بعليه. (كتَكالِيفِ قَومِنَا إِذْ غَزَا المنْ ... ذِرُ هَلْ لابنِ هِندٍ رِعاءُ) التكاليف من التكلُّف، يعير بني تغلب. وذلك إنه لما قتل المنذر بن ماء السماء انحازت طائفة من بني تغلب عنه، وقالوا: لا نعطي أحدا من ولده طاعة! فلما ولي عمرو بن هند - وهو عمرو بن المنذر بن ماء السماء، وكانت أمه هند بنت عمرو

стр. 481

بن حجر بن الحارث آكل المرار - بعث إلى الذين انحازوا عن أبيه من بني تغلب يدعوهم إلى الرجوع إلى طاعته والى الغزو معه، فأبوا أن يجيبوه وقالوا: مالنا نغزو معك، أرعاء نحن لك! فإنما حكى الحارث في قوله (هل نحن لابن هند رعاء) قول بني تغلب. فغضب عمرو بن هند عند ذلك، وأراد أن يغزو غسان يطلب دم أبيه، فبعث في أهل مملكته فاستنفرهم، فنفر معه من كل حي جماعة، وبكر بن وائل، وقوم من بني تغلب، فلما اجتمع له ما أراد من عشائر العرب رأس عليهم أخاه النعمان بن المنذر، وأمره أن يغزو غسان ويجعل أول غزوته على الذين خالفوه من بني تغلب. وقال بعض الرواة: كان عمرو بن هند غزا واستخلف أخاه النعمان، فمر ببني تغلب فقتل قوما ممن خالفه، فلذلك قال الحارث بن حازة في البيت الأول: ما أصابوا من تغلبي فمطلو ... لٌ، عليه إذا تولَّى العَفاءُ ثم قال: (كتكاليف قومنا) يقول: كما كلفوا أن يرجعوا إلى عمرو بن هند فقالوا: لا نرجع. فجعل أول غزاة عليهم، فقتل من قتل منهم فطلت دماؤهم، فعيرهم الحارث بقتل الغلاق إياهم، فطُلت دماء من قُتل منهم، كما طُلت دماء هؤلاء الذين قتل عمرو أيضا حين كلفوا الطاعة فأبوا. ثم أن عمرو بن هند لما فرغ من بني تغلب أقبل يريد الغسانيين، فمر ببعض مدن الشام فقتل ملكا من ملوكهم، وأخذ بنتا له وكان اسمها ميسون، واستنقذ أخاه امرأ القيس بن المنذر بن ماء السماء، وكان أسر يوم قتل المنذر بن ماء السماء. والكاف معناه مثل، والرعاء رفع بنحن. (إِذْ أَحَلَّ العَلاةَ قُبّةَ مَيْسو ... نَ فأّدنَى دِيارِها العَوصاءُ)

стр. 482

ويروى: (إذ أحل العلياء قبة ميسون). وميسون: بنت الغساني التي قتل أباها وأخذها وقبتها وقدم بها. والمعنى: لما قدم عمرو بن هند بميسون الغسانية وقد قتل أباها أنزلها العلياء. والعلياء: ارض قريبة من العوصاء. والعوصاء: ارض اقرب دار، أنزلها عمرو بميسون حين أخرجها من الشام. ويقال: قد أحل الرجل منزل، إذا أنزله فيه. وهو من قول الله : (الذي أحَلَّنا دارَ المُقَامة). وقد حل الرجل يحل حلولا. وإذ معناه لما أحل المنذر العلاة قبة ميسون. وأدنى رفع بالعوصاء، والعوصاء به. (فتأَوَّتْ لهم قَراضِبَةٌ مِنْ ... كُلِّ حَيٍّ كأَنَّهُمْ أَلقاءُ) ويروى: (فتأوت له قراضبة)، تأوت: اجتمعت حين دعاهم إلى الغزو. والقراضبة: الصعاليك، وهم الفقراء، واحدهم قرضوب، ويقال قرضاب أيضا. وقوله (كأنهم ألقاء)، واحد الألقاء لقي، وهو الشيء المطروح الذي لا يكترث به. واللقى من الرجال: الخامل الذي لا يعرف، فذكره مطروح ملقى. ويقال لثياب المحرم إذا ألقاها عند فراغه من الحج: لقي وألقاء. وقال بعض الرواة: الألقاء: جمع لقوة، وهي العُقاب. والقول الأول هو الذي نختاره. ومن صلة تأوت. والألقاء خبر كأن، وهو ممدود واحده مقصور يكتب بالياء. (فَهَداهُمْ بالأَسودَينِ وأَمْرُ اللّ ... هـ بِلْغٌ يَشْقَى به الأَشقياءُ) معناه: هدى عمرو بن هند أصحابه وجمعهم حين غزا بهم، و (الأسودان): التمر والماء، وإنما قيل لهما أسودان وواحدهما ابيض لأن العرب تغلب أحد الاسمين على الآخر. من ذلك قولهم: سنة العمرين، يريدون أبا بكر وعمر رضي الله

стр. 483

سبحانه عنهما. والموصلان يريدون الموصل والجزيرة. والبصرتان: البصرة والكوفة. والقمران الشمس والقمر. وقال بعضهم: الأسودان: الليل والنهار. وقال آخرون: الأسودان: رجلان والأبيضان: الماء واللبن. قال الشاعر: ولكنه يأتي لَي الحولُ كاملاً ... وماليَ إلاّ الأبيضَينِ شرابُ وقوله (وأمر الله بلغ)، معناه بالغ بالسعادة والشقاء، فمن كان سعيدا بلغته السعادة، ومن كان شقيا بلغه الشقاء فيشقى به. وقال الحرمازي: بلغ معناه نافذ يبلغ حيث يشاء والأمر رفع ببلغ، ويشقى موضعه رفع في التأويل على الاتباع لبلغ، ويجوز أن يكون منصوبا على الحال مما في بلغ. (إِذْ تَمَنَّوْنَهُمْ غُروراً فساقَتْ ... هُمْ إِليكمْ أُمْنِيَّةٌ أَشْراءُ) يقول: تمنيتم لقاءهم أشرا، أي بطرا، فساقتهم إليكم أمنية ذات أشر، أي ذات بطر. يقول لبني تغلب: تمنونهم، يعنى تمنون عمرو بن المنذر وأصحابه الذين تجمعوا له، وذلك أنكم قلتم: من عمرو ومن معه؟ إنما معه قراضبة قد جمعوا له من كُلّ مكان لقتالنا، فليتنا قد لقيناهم فيعلم عمرو كيف نحن وهو. وهذا أمنيتهم. وإذ صلة هداهم، وغرورا نصب على المصدر، وتمنونهم مرفوع في اللفظ بالتاء، وإذ مضافة إليه في التأويل.

стр. 484

(لم يَغُرُّوكمُ غُرورا ولكنْ ... يَرفَعُ الآلُ جَمْعَهمْ والضَّحَاءُ) ويروى: (رفع الآل). ويروى: (حزبهم والضحاء) يقول: هؤلاء الذين غزوكم، يعنى عمرا وأصحابه، لم يأتوكم عن غرة، ولكن الآل والضحاء رفعا لكم جمعهم فأتوكم على خبرة منكم بهم، تنظرون إليهم والآل يرفعهم لكم. و (الضحاء): ارتفاع النهار. و (الآل): الذي يراه الإنسان من بعد في وقت ارتفاع النهار يخيل له. والآل رفع بيرفع، والضحاء نسق عليه. (أَيُّها الشَّانئ المبلِّغُ عَنّا ... عِنْدَ عَمرو وهلْ لذاك انتهاءُ)) قوله (أيها الشانئ)، يريد به عمرو بن كلثوم التغلبي. يقول: أنت تشنؤنا وتشي بنا عند عمرو الملك، ومبلِّغ عنا ما لا نعرفه. ويروى: (أيها الكاذب المبلِّغ)، ويروى: (المخبر)، ويروى: (المرقش)، ويروى: (المقرّش). ومن روى: (وهل لذاك انتهاء) أراد: هل لذاك غاية ينتهي إليها. والانتهاء رفع باللام المكسورة الزائدة. (مَلِكٌ مُقْسِطٌ وأَكمَل مَنْ يَمْ ... شِي ومِنْ دونَ ما لدَيه الثَّناءُ) المقسط: العادل. يقال: أقسط الرجل فهو مقسط، إذا عدل. وقسط فهو

стр. 485

قاسط، إذا جار. قال الله : (إنَّ الله يُحِبُّ المقْسِطِين). وقال : (وأما القاسطون فكانوا لجهنَّم حَطَباً). ويروى: (ملك باسط)، أي منبسط الأمر، قد بسط عدله في الناس. وإنما يمدح بهذا عمرو بن هند. ويروى: (أكرم من يمشي) أي فعلا، و (أكمل من يمشي) يريد به عقلا ورأيا. وقوله (ومن دون ما لديه الثناء) معناه الثناء بنا عليه اقل مما فيه، وعنده من الخير والمعروف أكثر مما نصف ونثني عليه. والملك رفع بإضمار هو، والثناء رفع بمن. (إِرَميٌّ بمثله جالَتِ الجِ ... نُّ فآبتْ لخَصْمها الأَجلاءُ) قوله (إريى) نسبة إلى إرم عاد، أي ملكه قديم كان على عهد إرم. وقال بعضهم: أراد كأن هذا الممدوح من إرم عاد في الحلم، كما قال الأغلب العجلي: جاءوا بشيخَيهم وجئنا بالأصمّْ ... شيخ لنا كان على عهد إرمْ قد كدم الشَّيبُ قفاه وكدَمْ

стр. 486

وقال آخرون: ذهب إلى أن جسمه وقوته يشبهان أجسام عاد وشدتهم. وقوله (بمثله جالت الجن)، الجن في هذا الموضع: دهاة الناس وأبطالهم. يقال للرجل إذا كان بطلا: ما هو إلا جنى. و (جالت): فأعلت من المجالاة، وهي المكاشفة. يقول: بمثل عمرو بن هند كاشفت الجن الناس فآبوا، أي رجعوا، وقد فلج خصمهم على كل من خاصمهم. و (الأجلاء): جمع الجلا. والجلا: الأمر المنكشف. قال سحيم بن وثيل: أنا ابنُ جَلاَ وطلاَّعُِ الثنايا ... متَى أضعِ العمامةَ تعرفوني أي أنا ابن البارز الأمر المنكشف. والباء صلة جالت، والأصل في جالت جالوت، فصارت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وسقطت لسكونها وسكون التاء. والأجلاء رفع بآبت، واللام صلة آبت. (مَنْ لَنا عِندَه مِنَ الخَيْر آيا ... تٌ ثَلاثٌ في كلِّهنَّ القضاءُ) ويروى: (في فصلهن القضاء)، يعني عمرو بن هند. والآيات الثلاث: العلامات الثلاث. يقول: نحن أنصح الناس للملك وأكرمهم عليه، وأجودهم منه منزلة ومكانا. (في كلهن القضاء) معناه في كلهن يقضى الناس لنا بذلك. ومن رفع بإضمار هو، والايات رفع باللام. ويروى: إنّ عمراً لنا لديه خلالٌ ... غيرَ شكّ في كلهن القضاءُ (آيةٌ شارِقُ الشَّقيقةِ إِذْ جا ... ءُوا جَميعاً لكلِّ حَيٍّ لِواءُ)) شارق الشقيقة، بنو الشقيقة: قوم من بني شيبان جاءوا يغيرون على إبل لعمرو بن هند، وعليهم قيس بن معد يكرب، وهو أبو الأشعث بن قيس، فردتهم بنو يشكر

стр. 487

وقتلوا فيهم. وقوله (شارق) معناه جاء من قبل المشرق، أي هو صاحب المشرق. ويروى عن أبي عمرو إنه قال: الشقيقة: صخرة بيضاء. والآية رفع بإضمار منهن، وهي العلامة. وشارق تابع للآية، واللواء رفع باللام الزائدة. (حَولَ قَيسٍ مُستلئمِينَ بكَبشٍ ... قَرَظيٍّ كأَنَّه عَبْلاءُ) يقول: هؤلاء بنو الشقيقة حول قيس بن معد يكرب. (مستلئمين)، أي قد لبسوا الدروع. وقوله (قرظى) نسبة إلى البلاد التي ينبت فيها القرظ، وهي اليمن. وقوله (كأنه عبلاء): هضبة بيضاء. ويروى عن أبي عمرو إنه قال: لا اعرف قيسا الذي ذكره في هذا البيت، وقال الأعبل: حجر أبيض. ومستلئمين نصب على الحال مما في جاءوا، وحول صلة جاءوا. (وصَتِيت مِنَ العَواتِكِ ماتَنْ ... هاهُ إِلاّ مُبْيضَّةٌ رَعْلاءُ) الصتيت: الجماعة. والعواتك: نساء من كندة من الملوك. وقوله (ما تنهاه إلا مبيضة رعلاء) يقول: لا يكف هذا الجمع إلا ضرب شديد موضح عن بياض العظم. والرعلاء: الضربة المسترخية اللحم من الجانبين جميعا حتى يظهر العظم، وإنما هو شدة الضرب. وبنو العواتك خرجوا مع قيس بن معد يكرب. والصتيت منخفض بالنسق على الكبش، كأنه قال: جاء بنو الشقيقة مستلئمين بكبش وبصتيت من العواتك، والمبيضة رفع بتنهاه، والهاء يعود على الصتيت. (فجَبهْناهمُ بضَربٍ كما يَخْ ... رُجُ مِن خُربةِ المَزَادِ الماءُ)

стр. 488

ويروى: (فرددناهم) والمعنيان متقاربان. وقال الأصمعي: الخربة هاهنا: عزلاء المزادة، وهو مسيل الماء منها. فشبه خروج الدم ونزوه من الجرح بخروج الماء من فم تلك العزلاء. والخربة: تجمع خربا. والمزاد: جمع مزادة. والمزادة والقربة سواء والكاف موضعها نصب ومعناها المصدر. (وحَمَلناهمُ على حَزْمِ ثَهْلا ... نَ شِلالاً ودُمِّىَ الأَنساءُ) الحزم: ما غلظ من الأرض ومن الجبل وخشن. فشبه شدة ما أصابهم وما حملوهم عليه من القتل بشدة هذا الحزم. هذا قول الأصمعي، وقال أبو مالك: وحملناهم على حزم ثهلان بعينه. يقول: جرحناهم فركبوا حزم ثهلان على خشونته. وقوله (شلالا): هرابا. وقد دميت من الجراح أنساؤهم. يقال منه: شللت الرجل أشله شلا، إذا طردته. وثهلان موضعه خفض إلا إنه لا يجري. وشلالا نصب على المصدر، وتقدير فعله شاللت شلالا. (وفَعَلْنا بِهِمْ كما عَلِم اللَّ ... هُ وما أن للحائنينَ دِماءُ) وقوله (وفعلنا بهم كما علم الله) معناه: قتلنا منهم قتلا عظيما شديدا قد علمه الله ﵎. وقوله (وما أن للحائنين دماء) معناه من عصى فقد حان أجله؛ وذلك إنه يجيء فيخاطر بنفسه، وإذا قتل فليس له من يطلب بدمه. وقال بعضهم:

стр. 489

من قدّر الله تعالى عليه الحين فليس له بقاء. ويروى: (لحائنين ذماء) بذال معجمة؛ فالذماء: بقية الروح. والكاف نصب بفعلنا، وان معناها الجحد، وهو مؤكدة لما. (ثُمَّ حُجراً أَعنِي ابنَ أُمِّ قَطَامٍ ... ولَهُ فارسِيَّةٌ خَضْراءُ) يقول: الآية الثانية التي صنعنا بحجر، وكان حجر غزا امرأ القيس أبا المنذر بن ماء السماء، بجمع من كندة كثير، وكانت بكر بن وائل مع امرئ القيس، فخرجت إليه بكر بن وائل فردته وقتلت جنوده. وقوله (وله فارسية خضراء): يقول: معه كتيبة خضراء من كثر السلاح. فارسيَّة: أي سلاحها من عمل فارس. ونصب حجرا بالنسق على الهاء والميم، أي رددنا حجرا. (أَسَدٌ في اللِّقاءِ وَرْدٌ هَموسٌ ... ورَبيعٌ أن شنَّعتْ غَبراءُ) الهموس: المختال الذي يخفى وطأة حتى يأخذ فريسته. قال الله : (فلا تَسمع إلاّ هَمْساً) أي وقع الأقدام. قوله (إن شنعت) يقول: إذا أقحطوا كان لهم ربيعا. والتشنيع: إذا أجدبت السنة وقل مطرها ونباتها فذلك التشنيع. ويقال شنَّعتْ: جاءت بأمر شنيع. و (الغبراء): السنة القليلة المطر. (فَرَددْناهُمُ بطَعنٍ كما تُنْ ... هَزُ عَنْ جَمَّةِ الطَّوِيِّ الدِّلاءُ)

стр. 490

ويروى: (فجبهناهم)، أي طعنا جباههم. قوله (كما تنهز) أي تحرك الدلاء لتمتلئ. ومعنى (عن جمة): كثرة الماء فيه، ويروى: (في جمة الطوى). وقال الأصمعي: جمة البئر: الذي قد جم فليس يستقى منه. وقال أبو مالك: جمة البئر: الموضع الذي يبلغه الماء من البئر لا يبلغ أكثر منه، فيرى ذلك الموضع مستديرا كأنه إكليل. والدلاء اسم ما لم يسم فاعله، والكاف نصب بالفعل. (وفَكَكنا غُلَّ امرئ القَيسِ عَنهُ ... بَعْدَ ما طالَ حبسُهُ والعَناءُ) يعنى بامرئ القيس ابن المنذر بن ماء السماء، وهو أخو عمرو بن هند من أبيه، وكانت غسان أسرته يوم قُتل المنذر أبوه، فأغارت بكر بن وائل مع عمرو بن هند على بعض الشام فقتلوا ملكا لغسان، واستنقذوا امرأ القيس، وأخذ عمرو ميسون بنت ذلك الملك التي ذكرها الحارث. وبعد صلة فككنا، وما معناه المصدر، كأنه قال: بعد طول حبسه. (وإَقَدْناهُ ربَّ غسَّانَ بالمنْ ... ذِرِ كَرهاً إِذْ لا تُكَالُ الدِّماءُ) يقول: قتلنا ملك غسان هذا، وإنما قتلناه بالمنذر كرها لأن لا تكال الدماء. ويروى: (وما تكال الدماء)، يقول: كانت القتلى منهم أكثر من أن تحصى، فليست تحسب الدماء ولا تكال من كثرتها. وقال بعض اهل اللغة: معنى قوله: (وما تكال الدماء): ذهبت هدرا ليس فيها قود. يقال: كيل فلان بفلان، إذا قُتل به. والهاء نصب بالفعل، والرب مفعول ثان، وكرها نصب على المصدر.

стр. 491

(وفَديناهُمُ بِتِسعَة أَملا ... كٍ نَدامَى أَسلابُهم أَغلاءُ) ويروى: (بتسعة أكلاك كرام). وكان المنذر بن ماء السماء بعث خيلا من بكر ابن وائل في طلب بني حجر آكل المرار حين قُتل حُجر، فظفرت بهم بكر بن وائل وقد كانوا دنوا من بلاد اليمن، فأتوا بهم المنذر بن ماء السماء فأمر بذبحهم وهو بالحيرة، فذبحوا عند منزل بني مرينا، وكانوا ينزلون الحيرة، وهم قوم من العباد. وفي ذلك يقول امرؤ القيس: ألا يا عَين بكِّى لي شَنِينا ... وبكِّي للملوك الذاهبينا ملوك من بني حُجْر بن عمرو ... يُساقُون العشيَّةَ يُقتلونا فلو في يوم معركة أصيبوا ... ولكن في ديارِ بني مَرينا و (الأملاك): جمع ملك، والملك يقال في جمعه ملكون وملوك وأملاك. والأسلاب رفع بالأغلاء. (ومعَ الجَونِ جَوِن آلِ بني الأَوْ ... سِ عَنودٌ كأَنَّها دَفْواءُ) الجون: ملك من ملوك كندة، وهو ابن عم قيس بن معد يكرب، وكان النبي ﷺ تزوج بنت عبد الرحمن بن الجون، وكان عبد الرحمن مسلما، وبنو الأوس من كندة. وكان الجون جاء يمنع بني عمرو بن حُجر آكل المرار ومعه كتيبة خشناء، فهزمته بكر وأخذوا ابن الجون فأتوا به المنذر. وقوله (ومع الجون) يقول: كان الجون مع ولج عمرو بن حجر ومعه هذه الكتيبة. و (العنود) هاهنا: كتيبة محكمة. و (الدفواء) هاهنا: كتيبة منحنية على من تحتها. يعني

стр. 492

أن هذه الكتيبة منعطفة على ملكها تمنعه. والأدفى من القرون المنحنية: الذي قد انحنى في عجب الوعل أو غيره، يمنع ما تحته ولا يوصل إليه. والرجل الأدفى: الذي في ظهره انحناء؛ وكذلك المرأة الدفواء إنما أخذت من هذا. وقال بعض الرواة: الدَّفواء: العقاب، والدفواء: المائلة. وإنما يريد الكتيبة، جعلها دفْواء من بغيها، يقول: كما تنقض العُقاب على الصيد كذلك تميل هذه الكتيبة من بغيها. والجون خفض بمع، والعنود رفع بمع، وكأنها دفواء صلة العنود. (ما جَزِعْنا تَحْتَ العَجَاجةِ إِذْ وَ ... لَّتْ بأَقفائها وحَرَّ الصَّلاءُ) ويروى: (إذ جاءوا جميعا وإذ تلظى الصلاء). يقول: لم تجزع حين لقينا الجون وهو في جمع كثير. و (العجاج): الغبار الذي قد أثارته الخيل بسنابكها فارتفع كأنه دخان. يقول: لم نجزع من هذه الكتيبة الخشناء. قوله (إذ ولَّت بأقفائها) معناه بأعجازها. ومن روى: (وحر الصلاء) أراد وقدت النار. يقال حر اليومُ يحر حرا، وحر المملوك يحر حرارا. والصلاء رفع بفعله وهو حر. والأقفاء: جمع قفا كما تقول ندى وأنداء، ورحى وأرحاء؛ ولا تكاد العرب تقول في جمعه أقفية، وربما قالوه كما قالوا ندى وأندية. أنشدنا أبو العباس عن ابن الأعرابي لابن محكان السعدي: في ليلةٍ من جُمادى ذاتِ أندية ... لا يُبصر الكلبُ من ظلمائها الطُّنُبا

стр. 493

وقال بعض الرواة: قوله (إذ ولت بأقفائها) معناه انبعث ما كان فيها مثل الشيء ينفتق فيخرج ما فيه. (وَوَلدْنا عَمْرَو بنَ أَمِّ أُنَاسٍ ... مِن قريبٍ لمَّا أَتانا الحِباءُ) قوله (وولدنا عمرو بن أم أناس)، يريد عمرو بن حجر الكندي، وكان جد الملك عمرو بن هند، وهند بنت عمرو بن حجر آكل المرار، وكانت أم عمرو بن حجر أم أناس بنت ذهل بن شيبان بن ثعلبة، وعمرو بن أم أناس هذا هو جد امرئ القيس الشاعر. وقوله (من قريب)، معناه السبب بيننا وبينه قريب ليس بالمتباعد، إذ أمه بنت ذهل بن شيبان، وهي جدة أم عمرو بن المنذر. وقوله (لما أتانا الحباء) يقول: حين أتانا حبلاء الملك عمرو بن حجر لما خطب إلينا ورآنا أهلا لمصاهرته. وابن أم أناس نعت لعمرو، وأناس خفض بإضافة الأم إليه. وقال الفراء: إذا كنيت امرأة بأم أناس وأم صبيان، وأم رجال، وأم نساء كان الغالب عليها ألا تجري، لأنه لما لم يكن ما أضيفت إليه اسما من أسماء الرجال معروفا كان كالاسم لها. وأنشد لبشر بن أبي خازم: وإلى ابن أم أناسَ تَعمِد ناقتي ... عمروٍ ستُنجِحُ حاجتي أو تتلفُ فلم يجر أناس. قال الفراء: ولو تُوهِّم في أناس إنه اسم لابن لها، وإن لم يكن لها ابن، جاز إجراؤه. ولما نصب بالوقت.

стр. 494

(مِثلُها تُخرجُ النَّصيحةَ للقوْ ... مِ فَلاةٌ مِن دونها أَفلاءُ) معناه: هذه القرابة بيننا وبينك أيها الملك تخرج نصيحتنا لك، ثم قال: (فلاة من دونها أفلاء) يعنى نصيحة كثيرة واسعة مثل الفلاة التي دونها أفلاء كثيرة. والأفلاء على هذه الرواية: جمع فلا؛ وفلاً: جمع فلاة. قال الشاعر: إليك أبا حفص تعسَّفتِ الفلا ... بِرَحلَي فَتلاءُ الذّراعين جلعدُ ويروى: (فلاء من دونها أفلاء)، أي يتولد من النصيحة مثل الفلاء، وهو جمع فلو. والفلو يخدع بالشيء بعد الشي حتى يسكن، ثم يفلي عن أمه: يفطم. فالأفلاء على هذه الرواية: جمع فلو، وهو على مثال قولهم عدو وأعداء. والفلاة مرفوعة على التكرير، كأنه قال: مثلها فلاة. والأفلاء رفع بمن، ومثل الظاهرة رفع بما عاد من تخرج. تمت القصيدة بغريبها وأخبارها ومعانيها.

стр. 495

٧ - قصيدة لبيد بن ربيعة
следующие страницы →