Полный текст (588 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
(بمشارِق الجبَلَيْنِ أو بمحَجَّرٍ ... فتضَمَّنتْها فَردةٌ فرُخامُها)
قال أبو جعفر: هذه المواضع كلها فيما بين فيد والجبلين. وقال غيره: مشارق الجبلين أراد:
شرقيهما. والجبلان: جبلا طيئ. وقوله (فتضمنتها): نزلت فيها. وفردة: موضع. وقال أبو زياد:
محجر: جبل حوله حجر به، وفردة: أرض، ورخامها: جبل قريب من فردة، فأضاف ذلك الجبل إلى
فردة.
والباء صلة لحلول مضمر، والهاء والألف تعود على المرية.
(فصُوائقٌ أن أَيمنَتْ فمَظِنّةٌ ... مِنْها وِحافُ القَهرِ أو طِلخامُها)
صوائق: موضع، ويروى: (فصعائد). و (أيمنت): أخذت نحو اليمن. قال يعقوب بن السكيت: يقال
أيمن الرجل ويامن، إذا أخذ نحو اليمن؛ وأشأم، إذا أتى الشام؛ وأعرق، إذا أتى العراق؛ وأنجد، إذا
أتى نجدا؛ وجلس، إذا أتى جلسا، وهي نجد. وأنشد:
قلْ للفرزدق والسفاهةُ كاسمها ... إن كنتَ تاركَ ما أمرتُك فاجلسِ
أي فأت نجدا. وأتهم، إذا أتى تهامة؛ وأعمن، إذا أتى عمان؛ وعالي، إذا أتى العالية؛ وانحجز
واحتجز، إذا أتى الحجاز؛ وأخاف، إذا أتى خيف منى. قال يعقوب: وقال يونس: يقال قد امتنى القوم،
إذا نزلوا منى. ويقال: قد نزل الرجل، إذا أتى منى. قال عامر بن الطفيل:
стр. 527
أنازلةٌ أسماءُ أم غير نازلَهْ ... أبينِي لنا يا أسمَ ما أنتِ فاعلَه
قال ابن أحمر:
وافيتُ لما أتاني أنَّها نَزَلتْ ... إن المنازل ممَّا تجمع العجبا
أي أتت منى. ويقال: غار، إذا أتى الغور، وأغار. قال الأعشى:
نبيٌّ يرى ما لا ترون وذكرهُ ... أغارَ لعمري في البلاد وأنجدا
ويروى: (وذكره لعمري غار في البلاد). ويقال: ساحل، إذا أخذ على الساحل؛ وأجبل: صار إلى
الجبل؛ وأسهل: صار إلى السهل؛ وألوى: صار إلى لوى الرمل؛ وأجد: صار إلى الجدد؛ وأفلى:
صار إلى الفلاة؛ وكوف وبصر، إذا أتى الكوفة والبصرة. قال الشاعر:
أخبِّر من لاقيتُ أنِّى مبصِّرٌ ... وكائن تَرى قبلي من الناس بصرَّا
وقوله (فمظنة منها وحاف القهر)، أي موضعها الذي تظن فيه وتعرف وتطلب وحاف القهر. يقال:
اطلب العلوم من مظانها. قال الشاعر:
فإنّ مَظِنَّة الجهلِ الشَّبابُ
وقال الآخر:
موسومة بالحسن ذات حواسد ... إنّ الحِسانَ مَظِنَّةٌ للحُسَّدِ
ووحاف القهر: موضع. وقال أبو جعفر: الوحاف: إكام صغار إلى جانب
стр. 528
القهر، والقهر: جبل. وواحد الوحاف وحفة ووحف.
والصوائق نسق على فردة، ومظنة رفع بوحاف.
(فاقْطَعْ لُبانةَ مَنْ تَعرَّضَ وَصْلُه ... ولَشَرُّ واصلِ خُلَّةِ صَرَّامُها)
معناه: اقطع لبانتك ممن تعرض وصله، أي لم يستقم وصله وأخذ على غير الطريق. ومن ذلك
يقال: بعير فيه عرضية، أي لا يواتي راكبه. وقال الأصمعي عن خلف الأحمر: سمعت أعرابيا
ينشدها:
ولخير واصلِ خُلَّةٍ صَرَّامُها
أي أحسن الناس وصلا إذا وصل أوضعهم للصرم في موضعه. ويقال في مثل من الأمثال: (كل
ألوف نفور). وقال: هو الذي يصرم في موضع الصرم، ويحسن الوصل إذا وصل. ومن لا يصرم
في موضع الصرم لا يحسن أن يصل. و (الخلة): الصديق. والخلة: الصداقة. قال الشاعر:
ألاّ أبلغا خُلَّتي جابراً ... بأنَّ خليلكَ لم يُقْتلِ
تخاطأتِ النبلُ أحشاءَه ... وأُخِّر يومي فلم يَعجَلِ
ويقال للرجل إذا صعد الجبل: عرض دابتك؛ يريد؛ خذها يمنة ويسرة، فإنه أهون عليها في الصعود.
يقول: فمن فسد وصله فلا تقعدن على صلته لتحتبس عن مآربك.
واللام لام اليمين، معناه: ووالله لشر واصل خُلَّة.
стр. 529
(واحْبُ المُحَامِلَ بالجزيلِ وصُرمُهُ ... باقٍ إذا ضَلَعَتْ وزاغ قِوَامُها)
المحامل: المكافئ. ويروى (المجامل) بالجيم. ويروى (وزال قوامها). و (احب) من الحباء، وهي
العطية. و (المحامل): الذي يحمل لك وتحمل له. فيقول: إذا حبوت صديقك الذي يحاملك فاجعل
حباءه جزلا. والمجامل بالجيم: الذي يجاملك بالمودة. ويقال: قد أجزل له العطاء، أي أكثر له.
و (صرمه باق)، أي استبق صرمه قلا تعجل به. والصرم: القطيعة؛ وهو الاسم، والصرم المصدر.
يقول: إذا ضلعت الخلة، وهي الخليل هاهنا. و (ضلعت): اعوجت. ويقال رمح ضلع، أي معوج.
ويقال ضلع فلان مع فلان، أي ميله وهواه. ويقال: لأقيمن ضلع فلان، أي عوجه. وأنشد للحذلمي:
فليقُه أجردُ كالرُّمح الضَّلِع
فليقه، يعني باطن جران البعير، وإنما يريد العنق.
قوله (وزاغ قوامها) معناه مال ولم يستقيم، ويروى: (قَوامها) بفتح القاف، و (قِوامها) بكسر القاف:
عمادها. يقال هذا قوام الأمر وهذا ملاكه. والقوام بالفتح: القامة. والملاك بالفتح، يقال حائط ليس له
ملاك، أي لا يتمالك. وقال بعضهم: معناه: وليكن صرمه باقيا عندك فلا تعجل بصرمه. ويقال معنى
قوله (وزاغ قوامها): ولم تستقم لك خلته ولم تثبت. والمعنى: لا تعاجل صديقك وخلتك بقطع الذي
بينك وبينه، أن ضلعت خلته وزاغ قلبي فليكن صرمه ماكثا عندك، فاستبقه ولا تعجل بالقطيعة. وقال
أبو جعفر: وصرمه باق معناه أثبت له مودتك، ما ثبت لك فاثبت، فان زاغ قطعته؛ كما قال النمر بن
تولب:
стр. 530
فأحببْ حبيبك حبًّا رويداً ... فليس يَعُولُك أن تَصرما
وأبغضْ بغيضكَ بُغضاً رويداً ... إذا أنتَ حاولت أن تحكُما
وفاعل ضلعت مضمر فيه من ذكر الخلة. والواو في الصرم واو الحال. معناه واحب المحامل
بالجزيل وهذه حاله. و (زاغ)، من الزيغ، وهو الميل، قال الله : (ربنا لا تُزِغْ قُلوبَنا بَعْدَ إذْ
هديتَنا).
(بِطَليحِ أَسفَارٍ ترَكنَ بَقيَّةً ... منها فأَحنَقَ صُلبُها وسَنامُها)
(بطليح أسفار) معناه بناقة كالة معيية. ويقال: طلحت تطلح، وأينق طلحى وطلائح. قال القرشي:
مَثاباً لأفناء القبائل كلِّها ... تخُبّ إليه اليَعْمَلاتُ الطَّلائحُ
والأسفار: جمع سفر. وقوله (تركن بقية) معناه لم تأكل الأسفار لحمها أجمع، أي لها كدنة وبقاء على
طول السفر. و (أحنق): ضمر. ويقال صُلُب، وصَلَب. قال العجاج:
ما زلتُ يومَ البَين ألوِى صَلَبِي
وقال أبو جعفر: معنى البيت: فاقطع لبانته بناقة معتادة للسفر قد طلحها مرة بعد أخرى، وقد هانت
عليها الأسفار.
والباء صلة لقوله: فاقطع لبانة من تعرض. والأصل في طليح مطلوحة، فصرفت عن مفعولة إلى
فعيل، فألزمت التذكير. ويقال للبعير المعيي الكال: طليح وطلح. قال الشاعر يعنى ناقة:
قلتُ لعنْسٍ قد ونَتْ طَليحِ
стр. 531
وقال الأصمعي: يقال للرجل التعب المعيى: طلح وطليح. وأنشد للحطيئة في صفة إبل:
إذا نامَ طِلحٌ أشعثُ الرأسِ خَلْفهَا ... هَداه لها أنفاسُها وزَفيرُها
ويقال: (صاحب الناقة طليحان)، إذا كان هو والناقة معييين. وحكى بعض أهل اللغة: ناقة طالح.
(فإِذا تَغَالَى لَحمُها فتحسَّرتْ ... وتقطَّعَتْ بعدَ الكَلال خِدامُها)
(تغالى)، معناه ذهب وارتفع. وقال الأصمعي: معناه ركب رءوس العظام وذهب ما سوى ذلك. وهو
مثل قول عتيبة بن مرداس:
غدا لحمُها فَوقَ العظام فشيّدَتْ ... به أزَزاً طيَّ البناءِ المشيَّدِ
قوله أززا، معناه لحمها مجتمع قد لزم بعضه بعضا. يقال من ذلك: تركت البيت أززا، أي يغض
بأهله. و (تحسرت) معناه تحسر عنها البدن. و (الخدام): جمع خدمة، وهي سيور تعقد في الأرساغ
ثم تشد إليها النعال إذا رقعت بها الإبل عند الحفا.
وقال أبو جعفر: أخبرني ابن الأعرابي قال: تغالى لحمها أصله تغاول فقلب، من قولهم: غاله كذا
وكذا، إذا ذهب به.
وقال غيره: يروى (فإذا تعالى لحمها) بالعين غير معجمة، على إنه تفاعل من العلو.
وتحسرت، فيه ضمير الناقة. والخدام مرتفعة بتقطعت.
стр. 532
(فلَها هِبَابٌ في الزِّمامِ كأَنَّها ... صَهْباءُ راحَ مع الجنوب جَهامُها)
(فلها هباب)، معناه فلها هيج ونشاط. يقول: إذا صارت في هذه الحال لم تنكسر ولم يذهب نشاطها.
ويقال للناقة إذا جدت وأخذها مرح شديد: هابة كأنها صهباء، ومعناه: كأنها سحابة صهباء. وقال: إذا
اصهابت قل ماؤها، وإذا قل ماؤها خفت وسرع مرها. وهو مثل قول النابغة:
صُهْباً ظِماءً أتَينَ التِّين عن عُرضٍ ... يُزْجين غَيْماً قليلاً ماؤه شَبِما)
و (الجهام): ما هراق ماءه، والواحدة جهامة. يريد: طردته الجنوب وقد هراق ماءه فخف، وإذا خف
كان أسرع مرا. فشبه الناقة بالسحابة في السرعة. والصهباء على لون القمراء من الأتن، وهي التي
يضرب لونها إلى الحمرة. ويروى: (خف مع الجنوب). وقال أبو جعفر: معناه كأنها صهباء قد
هراقت الجنوب ماءها فصارت جهاما خف فضربته الشمال. قال: وهذا مثل قول النابغة:
فأضحتْ في مَداهنَ بارداتٍ ... بمنطلقَ الجنوب على الجَهامِ
قال: قال الأصمعي: أراد فأضحت هذه الأمطار بمنطلق الجنوب على الجهام، كما يقال: بات فلان
على طعام، أي وقد أكل طعاما. فأراد أن هذه الأمطار جاءت بها الجنوب، فلما هراقت ضربتها
الشمال فقطعتها، وبرد الماء وصفا. والمدهن: النقرة في الصفا. وراح وما بعده صلة الصهباء.
(أَو مُلمِعٌ وَسَقَتْ لأَحقَب لاَحَهُ ... طَردُ الفُحولِ وضَرْبُها وكِدامُها)
ويروى: (طرد الفحالة ضربها وعذامها). ويروى: (وزرها وكدامها). و (الملمع): الأتان التي قد
استبان حملها في ضرعها، وذلك إنه يشرق للبن. يقال لذوات الحافر والسباع: قد ألمعت؛ وهي أتن
ملاميع.
стр. 533
ويقال للشاة إذا استبان حملها فأشرق ضرعها ووقع فيه اللبن واللبأ: أضرعت، فهي مضرع. ويقال:
سألت فلانا فأضرع، أي تغير وجهه؛ يريد عند المسألة. ويقال للناقة أرأت فهي مرء. وإنما توصف
الحمر بهذا، أعنى بالإلماع؛ فأما الإبل فإذا قيل عاقر أو مزلق فهو أحمد لها. قوله (وسقت): حملت
ماء الفحل. ويقال ناقة واسق وإبل مواسيق، جمع على غير قياس. ويقال: أرض تسق الماء، إذا
أمسكته. ولا أكلمك ما وسقت عيني الماء. وقوله (لأحقب)، والأحقب عير بموضع الحقب منه بياض.
(لاحه): أضمره وغيره. يقال لاحه السفر يلوحه لوحا، إذا فعل به ذلك. قال الله : (لَوَّاحةٌ
للبشَر)، أراد: مغيرة. وأنشد أبو عبيدة:
تقول: ما لاحَكَ يا مسافرُ ... يا ابنةَ عمِّى لأحَنى الهواجرُ
وقال عمران بن حطان:
يُكبكَبُ فيها الظالمون بظُلْمهم ... وجوههمُ فيها تُلاحُ وتُسفَعُ
وقوله (طرد الفحالة) معناه جعل يطرد الفحالة عنهن قبل أن يحملن، فلما حملن ذهبت الفحالة عنهن
وصار شرهن عليه. قوله (عذامها) معناه معاذمتها وهي المعاضة. ويقال فحل معذم وعذوم، أي
عضوض. ويقال: عذمه بلسانه، أي عضه. ويقال فحل وفحول وفحالة. و (زرها): عضه إياها.
وملمع نسق على صهباء.
(يَعلُو بها حدَبَ الإِكامِ مُسَحَّجاً ... قد رابَه عِصْيانُها ووِحامُها)
الحدب: ما ارتفع من الأرض. قال الله : (مِن كلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُون)، أراد: من كل مكان
مرتفع. قال الشاعر:
стр. 534
فأمَّا يومُهنَّ فيومُ سَوءٍ ... تُطاردُهن بالحدَب النسورُ
وقال الآخر:
تداركَني منه خليجٌ فردَّني ... له حَدَبٌ تستنُّ فيه الضَّفادعُ
و (الآكام): جمع أكمة، وهي أشد ارتفاعا مما حولها غليظة. ويقال أكمة وإكام، وأكم، وآكام. وقوله
(يعلو بها) معناه يعلو بالأتان يغمها بذاك، ليسبق فيما صنعت به ويذللها. وقوله (مسحج): معضض قد
عضضته الحمير. والسحج: جرح ليس بغامض. يقال سحجه، وجحشه. و (عصيانها): امتناعها
عليه. وقوله (وحامها) الوحم: الشهوة على الحمل؛ يقال امرأة وحمى، إذا اشتهت على حملها. ونساء
وحام ووحامي. وقد وحمت توحم وحما. فقال العجاج:
أزمانَ ليلى عامَ ليلى وَحَمِى
أي شهوتي. وقال أبو جعفر: قوله (يعلو بها حدب الآكام) معناه يعسفها عسفا ليس يهتم إلا بطردها،
لا يبالي أين سلكت. وإنما يعلو بها خوف الرامي. ويروى (مسجَّج) بالرفع. فمن نصبه نصبه على
الحال مما في يعلو. ومن رفعه رفعه بيعلو.
(بأَحِزَّةِ الثَّلَبوتِ يَرَبأُ فَوقَها ... قَفْرَ المَرَاقبِ خَوفُها آرامُها)
الأحزة: جمع حزيز، وهو الغليظ المنقاد المستدق، والجمع أحزة وحزان. وقال الأصمعي: قال خلف
الأحمر: سمعت أعرابيا يرويه: (بأخرة الثلبوت)، وكذلك رواه الأصمعي، قال: والأخرة مطمأنات في
الأرض تكون كالوهدة بين الربوتين تنقاد وتجري، الواحد خرير، والجمع أخرة وخرر. و (الثلبوت):
موضع:
стр. 535
ومثاله بعير تربوت، أي ذلول، وكذلك الناقة؛ والجبروت لله ؛ وامرأة خلبوت إذا
كانت خلابة. وقوله (يربأ فوقها) معناه يعلو فوق الأحزة مخافة رام أو طارد. والربيئة: الذي يعلو
ويحفظ. قال الشاعر:
فظلّ مرتبئاً للشمس تَصهره ... حتَّى إذا الشمس مالت جانباً عدَلا
معناه: فظل مرتفعا. وتصهره: تذيبه. ورواه الأصمعي: (يربأ فوقها طورا مرابئ خوفه آرامها)، أراد
مصاعد خوفه أعلامها المشرفة. وأصل الآرام أعلام كانوا ينصبونها على القبور والطرق. فأراد:
يصعد الحمار هذه الآكام كالربيئة لها، أي كالحافظ. وإنما خوف هذه الماقب أعلامها لما يكون خلفها
من صائد وغيره. ويروى: (قفرا مراقب خوفها آرامها)، ويروى: (قفرا مراقب خوفها آرامها). فمن
رفع المراقب وخفض الخوف رفع المراقب بالآرام، ومن نصب المراقب جعلها تابعة للقفر ورفع
الخوف بالآرام. وواحد الآرام إرم، وإرمى، وأيرمى.
(حَتَّى إذا سَلَخَا جُمادَى سِتّةًٍ ... جَزْءاً فطالَ صِيامُه وصيامُها)
ورواه الأصمعي: (حتى إذا سلخا جمادى كلها). وقوله (سلخا) يعنى العير والأتان خرجا. وجمادى:
شدة القر، وكذا كان الشتاء في ذلك الزمان، وفيها كان يكون أول المطر. فيقول: خرج عنها كلب
البرد وأنبتت الأرض، واستقبلا الجزء، فصاما عن الماء. وقال في ذلك أحيحة بن الجلاح:
إذا جُمَادَى منعَتْ قَطرَها ... زانَ جنَابِي عَطَنٌ مُعْصِفُ
стр. 536
أراد: كانت له نخل، فصيَّر للنخل عطنا. وليست ترعى الإبل أكثر من شهرين. قال حميد بن ثور:
رعَيْن المُرارَ الجَوْن من كلِّ مِذنبٍ ... دَميثٍ جُمادَى كلَّها والمحرَّما
أراد: جمادى الآخرة ورجبا، وسماه المحرم لأنه من الأشهر الحرم. وقال رؤبة:
شهرين مرعاها بقِيعان السَّلَقْ
والسلق: مطمأن من الأرض بين ربوتين. وقال العجاج:
عشراً وشَهرين يَسُنُّ عَزَبا
يعني إنه ترك في الكلأ شهرين وعشرا. يسن: يصقل ويحسن القيام عليه. وقال أبو ذؤيب:
بِه أبَلَتْ شهرَيْ ربيعٍ كليهما ... فقَدْ مارَ عنها نَسْؤُها واقترارُها
والنسء: بدء السمن. ومار: ماج فيها. والاقترار: أن تبول الدابة بولا خاثرا في رجلها. يقال: قد
تقررت الإبل في أسؤقها، إذا أكلت اليبيس فخثرت أبوالها.
ويقال (صام) إذا قام وثبت. ويقال صام النهار، إذا ركد حين ترتفع الشمس. ويقال صام الماء، إذا
سكن. قال العجاج:
بحيث صام المِرجَل الصاديُّ
وقال الشماخ:
متى ما يَسُفْ خيشومُه فوق تلعة ... مَصامةَ أعيار من الصيف يَنْشِجِ
يعني حمار الوحش. والمصامة: موضع أرواث الأعيار في الصيف، إذا شمه
стр. 537
الحمار نشج، أي تهيأ للنهاق. وقال بعض الرجاز:
لا تَسقِه صيِّبَ عَزَّافٍ جُؤَرْ ... حتَّى يصوم في النَّهارِ والأكَرْ
وقال أبو جعفر: أراد حميد بن ثور بقوله (جامدى كلها والمحرما) أشهر جماديين والمحرم. ويشهد له
قول العجاج:
عشْراً وشهرينَ يسُنُّ عَزَبا
أي يسن أتنه في المرعى يحفظها ويرعاها. وأجود الربيع وأحمده شهران، إلا إنه إذا جاء الجود
والخصب كان ثلاثة أشهر. قال: أبو وجزة جعله ثلاثة أشهر في بعض شعره. وقال غيره: جزء
مصدر جزأت الإبل تجزأ جزءا، يذهب إلى إنه اسم مأخوذ منه. قوله (صيامه وصيامها): قيام العير
وقيام الأتن، لأن الصيف قد جاء وانقطعت المياه.
وستة تختفض بإضافة جمادى اليها، أي متمم ستة وخاتم ستة أشهر. يريد سلخا أشهرا آخرها جمادى
الآخرة وأولها المحرم. وروى: (ستة) بالنصب. فمن رواه هكذا جعل الستة تابعة لجمادى، أي سلخا
أشهرا ستة، فاكتفى بجمادى من الأشهر. وقوم من العرب يجعلون جمادى الشتاء. ويروى: جزآ، أي
قطعا.
(رَجَعا بأَمِرهما إلى ذِي مِرَّةٍ ... حَصِد ونُجْحُ صَريمةٍ إِبرامُها)
رجعا بأمرهما إلى ذي مرة، معناه كان ينازعها وتنازعه ثم رجعا بأمرهما، أي صار الشأن إليه.
و (المرة): الرأي. وأصل المرة إحكام الفتل، فضربه مثلا. وقال أبو زيد: يقال أن فلانا لذو مرة، إذا
كان قويا محتالا. قال الله : (ذو مِرَّة فاستوَى) معناه ذو عقل وشدة. وأنشد الفراء:
قد كنتُ قبل لقائكم ذا مِرَّة ... عِندي لكلِّ مُخاصم ميزانُه
стр. 538
و (حصد): مبرم محكم. يقال وتر حصد ومحصد ومحكم، إذا كان متداني القوى شديد الفتل. ويقال:
غيضة حصدة، إذا كانت ملتفة النبت. ومنه قول عنترة:
طوراً يجرَّد للطعان وتارة ... يأوِي إلى حَصِد القسيِّ عَرمرِم
و (الصريمة): الخصلة المقطوعة إذا قطعت وعزم عليها. وأصل الصرم القطع. يقول: فنجح
صريمة أن تصرم أمرها وتحكمه فلا يلتبس؛ فإذا لم تُحكمها فليس بنجح. و (الإبرام): الإحكام.
وما في (رجعا) يعود على الحمار والأتان، وحصد نعت لذي، والنجح رفع بالإبرام. والمعنى: رجعا
بأمرهما في الورد إلى رأى ذي مرة حصد.
(ورَمتْ دَوابرَها السَّفا وتَهيَّجَتْ ... رِيحُ المَصَايفِ سَومُها وسَهَامُها)
الدوابر: مآخير الحوافر، واحدتها دابرة. والسفا: سفا البهمى، وهو كشوك السنبل؛ وهو يجف إذا جاء
الصيف؛ واحدته سفاة. والبهمى: شجر. والسفا: التراب. قال الأعشى:
فلا تَلمسِ الأفعى يداك تُريدُها ... ودعْها إذا ما غَيَّبتْها سَفاتُها
стр. 539
وقال الآخر يرثي رجلا:
وحالَ السَّفا بيني وبينك والعِدَى ... ورهنُ السَّفا غَمْر النقيبة ماجدُ
أي حال التراب بيني وبينك. ومثله قول ذي الرمة:
رمَى أمَّهاتِ القُرْدِ لذعٌ من السَّفا ... وأحصَدَ من قُرْيانه الزَّهَر النَّضْرُ
وتهيجت: هاجت. سومها: مرها. يقال: خله وسومه، أي مضيه. ويقال جاءنا جيش سوم الجراد، أي
يمر مر الجراد في كثرته. قال ساعدة:
فلم ينْتبِهْ حتَّى أحاط بظَهره ... حِسابٌ وسِربٌ كالجراد يَسُومُ
حساب: عدد كثير. وسرب: قطيع رجال. يسوم: يمر ويمضي. قال أمية:
فما تَجرى سوابقُ مُلجَمات ... كما تَجري، ولا طيرٌ تَسُوم
- ذكر النجوم - والسهام: ريح حارة. ومعنى البيت: ورمت دوابر الحمير السفا، أي نخستها ليبس
السفا وجفافه، وهيجت ريح المصايف الحشيش فهاج الحشيش.
والواو في ورمت واو الوقت، ومع رمى إضمار قد، تقديره: وقد رمت دوابرها، أي رجعا بأمرهما
وقت رمى دوابرها السفا، كما تقول: جاءني زيد وقد طلعت الشمس، تريد: في وقت طلوع الشمس
عليه. ويروى: (ورمى دوابرها السفا). فمن أنث قال: السفا مؤنثة، ومن ذكر قال: هو مما يذكر
ويؤنث. وكل فعل لمؤنث متقدم عليه إذا حيل بينه وبين الاسم صلح فيه التذكير والتأنيث.
(فتنازَعا سَبِطاً يَطيرُ ظِلالُه ... كدُخانِ مُشْعَلة يُشَبُّ ضِرامُها)
معناه: فتنازع العير والأتان سبطا، أي غبارا مرتفعا طويلا. (ظلاله):
стр. 540
ما يظل منه. (مشعلة): نار وقد أشعلت. (يشب): يوقد ويهيج. ويقال للمرأة البيضاء: قد شب لونها خمار أسود لبسته. وكذلك
الشب اليماني يشب الشيء الذي يصبغ به، والقلى يلقى به في العصفر ليشبه. والرجل المشبوب:
الحسن الجميل. ومنه قول ذي الرمة:
إذا الأروع المشبوبُ أضحى كأنَّه ... على الرّحل ممَّا منَّه السَّير عاصدُ
والضرام: جمع ضرم؛ وضرم: جمع ضرمة، وهو كل هدب تسرع فيه أنار ليس بجزل. والجزل:
الغليظ من الحطب. وقال أبو جعفر: عدَوَا عدواً سريعا حتى أثارا به الغبار. ويقال الضرام هو
الحطب.
ويطير موضعه نصب في التأويل، والهاء يعود على الغبار، والمعنى: فتنازعا غبارا طائرا ظلاله.
والكاف منصوبة على النعت للسبط.
(مُشمولةٍ غُلِثَتْ بنابتِ عَرفج ... كدُخانِ نارٍ ساطعٍ أَسنامُها)
مشمولة من نعت مشعلة، أي نار قد أصابتها الشمال فهو أجدر أن تنفخها. (غلثت) معناه خلط ما
أوقدت به. (بنابت عرفج)، أي بغضه وطريه، فهو أكثر لدخانها؛ لأنه رطب حين طلع. والنبات:
الحديث منه. ومن ذلك قول الحارث بن وعلة الشيباني:
ووطئتَنَا وطئاً على حَنَقٍ ... وَطْءَ المقيَّدِ نابتَ الهَرْمِ
стр. 541
أي أخضر الهرم وصغاره حين طلع. ولو كان الهرم يابسا ووطئ عليه لم يتكسر. ومثل قول لبيد قول الراعي:
كدُخانِ مُرتجلٍ بأعلى تَلعةٍ ... غَرثانَ ضرَّم عرفجاً مبلولا
وكل خلطين غليث. يقال هو يأكل الغليث، أي يأكل البر والشعير مخلوطين. ويقال: اغلث هذا
الطعام، أي اخلطه. ويقال: وجد فلان تغليثا، كأنه اختلاط من نفسه. ويقال قتل فلان النسر بالغلثى،
أي خلط له في طعامه ما يقتله. ويقال: علث طعامه بالعين أيضا. وقوله (إسنامها): ما ارتفع منها.
ويقال أسنمها يسنمها. وإنما سمى السنام سناما لارتفاعه. وقال أبو جعفر: روى ابن الأعرابي
(أسنامها) بفتح الألف، أي ارتفاع لهبها، الواحدة سنم. وقال أبو جعفر: قال لي ابن الأعرابي: لا أقول
غلثث النار؛ لأني لا أقول خلطت النار بالوقود. وقال: هذه الرواية خطأ. وروى: (عليت)، أي ألقى
فوقها.
والكاف مخفوضة على النعت لمشمولة، وساطع نعت للنار، والإسنام رفع بمعنى ساطع.
(فمضَى وقدَّمَها وكانت عادةً ... مِنْه، إذا هي عَرّدَتْ، إِقدامُها)
معناه: مضى الحمار وقدّم الأتان لكيلا تعند عليه. (عردتا): تركت الطريق وعدلت عنه. وأصل
التعريد الفرار، ومنه قول الآخر يرثي الزبير:
غدر ابنُ جُرموزِ بفارسِ بُهمَةٍ ... يومَ اللقاءِ وكان غيرَ معرّدِ)
وكانت تلك الفعلة من الحمار إذا عردت. ولا تتقدم الأتن والثيران أبدا حتى يتقدم الفحل إلى الماء
فيشرب وينظر هل يرى بالماء شيئا يريبه.
стр. 542
والإقدام اسم الكون، والعادة خبر الكون. وإنما أنث كان والإقدام مذكر لأن الكسائي قال: إذا كان خبر
كان مؤنثا واسمها مذكرا وأوليتها الخبر فمن العرب من يؤنث كان ويتوهم أن الاسم مؤنث إذا كان
الخبر مؤنثا. فكان يجيز: كانت عادة حسنة عطاء الله تعالى، وكانت رحمة المطر البارحة. وقال غير
الكسائي: إنما بني الشاعر كلامه وكانت عادة تقدمتها؛ لأن التقدمة مصدر قدمها، إلا إنه لما انتهى إلى
القافية فلم يجد التقدمة تصلح لها فقال إقدامها. واحتج بقول الشاعر:
أزيدَ بن مصبوحٍ فلو غيرُكمْ صَبا ... غَفَرْنا وكانت من سجيَّتنا الغَفْرُ
فزعم الكسائي إنه أنث كانت لأنه أراد: كانت سجية من سجايانا الغفر. وقال الذي خالفه: بل بنى
على المغفرة فانتهى إلى آخر البيت والمغفرة لا تصلح له فقال الغفر، لأن الغفر والمغفرة مصدران.
واحتج عليه من خالفه بقول الشاعر:
أجَرْتُ عليهمُ فأبَوْا وكانت ... بديعاً أن يكون وليّ أمر
فزعم إنه أراد كانت بديعا كينونته ولي أمر، فلم يستقم البيت بالكينونة فقال (أن يكون) إذ كانت في
معناها.
وقال الكسائي: البديع مؤنث بمنزلة البدعة. واحتج عليه من خالفه بقول حاتم:
أماويّ قد طال التجنبُ والهجرُ ... وقد عذرتْنا في طِلابكمْ عَذُرُ
وقال عذري، فانتهى إلى القافية وعذري لا تصلح فيها، كما قال الآخر:
لله درُّكَ إني قد رميتُهمُ ... لولا حُدِدتُ ولا عُذرَي لمحدودِ
فقال الكسائي: قوله عُذْر أراد عُذُر مثقلة جمع عذير، مثل نذير ونذر فخفف، وهي المعذرة. قال الله
: (فما تُغْني النُّذُر)، جمع نذير. وقال
стр. 543
عز من قائل: (فستعلمون كيف نَذِير)، أراد: إنذاري.
قال الفراء: وكل قد ذهب مذهبا، وقول الكسائي أشبه بمذهب العرب.
(فتوسَّطَا عُرْضَ السرِيِّ وصَدَّعا ... مَسْجُورةً مُتجاوِراً قُلاَّمُها)
العرض: الناحية. والسرى: النهر. وصدعا معناه شققا النبت الذي على الماء ومسجورة: عين مملوة.
قال النمر:
إذا شاءَ طالَعَ مسجورةً ... تَرَى حولها النبعَ والساسَما
وقال الله : (والبحرِ المسجور) فمعناه المملو، وهو حرف من الأضداد. ويكون المسجور
المملو، ويكون المسجور الفارغ. وقول النمر (إذا شاء طالع مسجورة) معناه إذا شاء الوعل طالع عينا
مملوة. ومعنى طالعها أتاها. يقال: فلان لا يزال يطالع. وقال أبو عمرو الشيباني: يقال قد سجر
السيل الغدير والبئر يسجرها، إذا ملأها. ويقال هذا ماء سجر، إذا كانت بئر قد ملأها السيل. ويقال
أوردوا ماء سجرا. و (القلام): نبت ينبت على الأنهار، يقال هو القاقلي. وقوله (متجاورا قُلامها)،
أراد إنها لا تورد فقد عفا نبتها. ومثله قول الحطيئة:
منَعنَ مَنابتَ القُلاَّم حتَّى ... علاَ القُلاَّم أفواهَ الرَّكيّ
والسري هو الصغير من الأنهار بمنزلة الجدول. قال الله : (قد جَعَل رَبُّكِ تَحتَكِ سَرِيّاً)،
وقال الشاعر:
стр. 544
سهلُ الخليقة ماجدٌ ذو نائل ... مثلُ السرِيّ تمُدُّه الأنهارُ
ويقال معنى (توسطا) خاضا الماء. ورواه أبو جعفر (عرض السري) بفتح العين، ولم يعرف الضم.
و (متجاورا) نعت لمسجورة، والقلاَّم مرتفع بمتجاور.
(مَحفوفةً وَسْطَ اليَرَاعِ يُظِلُّها ... منه مُصَرَّع غابة وقيامُها)
محفوفة، يعني العين. عنى إنها حفت بالقصب نابتا فيها. وأصله إنه ينبت في أحفتها، أي جوانبها.
(يظلها منه) معناه يظل العين المسجورة من اليراع. ويروى (منها) على تأنيث اليراع، والاختيار
(منه). وقال بعضهم: معنى يظلها منه، من نباتها. و (اليراع): القصب، واحدته يراعة. ويقال لكل
منخوب القلب: يراعة؛ يشبه بالقصبة، أي هو لا قلب له مثل القصبة الجوفاء. و (الغابة): الأجمة،
وجمعها غاب. أي يظل العين ما سقط من هذا القصب وما لم يسقط.
ومحفوفة تنتصب على النعت لمسجوة.
وقال أبو جعفر: السري يحمل من العين. يصف شدة عطشهما، وإنه حملها على توسط السري ولم
يخافا راميا ولا غيره، على كثرة ما حوله من النبت.
(أَفتلكَ أَمْ وحشيّةٌ مَسبوعةٌ ... خَذَلَتْ وهاديَةُ الصِّوارِ قِوَامُها)
معناه: أفتلك الأتان التي تشبه ناقتي أم بقرة وحشية مسبوعة، أكل السبع ولدها فهي مذعورة. وقوله
(خذلت): تأخرت عن القطيع. ومثله خدرت. يريد: خذلت أصحابها
стр. 545
من الوحش وأقامت على ولدها ترعى قربه وتلفت إلى البقر، فإذا رأتها طابت نفسها وعلمت أن الصوار لم يفتها. و (الهادية): التي تهدى الصوار، أي تكون في أوله. والهوادي: الأوائل من كل شيء، من الخيل والإبل والحمر.
ويقال: جاءت الحمر يهدى بها فحلها. ومنه قيل للأعناق، أي هي أوائل. و (الصوار): القطيع من
البقر. ويقال قد صار الشيء يصوره. إذا قطعه؛ وصاره يصوره ويصيره، إذا أماله وإذا جمعه. أنشد
الفراء:
وفرعٍ يَصِير الجيدَ وَحفٍ كأنه ... على اللِّيت قنوانُ الكرومِ الدوالِح
أراد: يجمع. قال الله : (فصُرهُنّ إليكَ) أراد: فضمهن إليك واجمعهن. وقال الشاعر:
مأوى يتامَى يصُور الحيَّ جفنتُه ... ولا يَظَلُّ لديه اللحم موشوما
وأنشد الفراء:
تغرّب أبائي فهلاّ صراهمُ ... من الموت أن لم يذهبوا وجُدودي
ويقال صُوَار وصوِار وصيار، والجمع أصورة وصيران. وقوله (قوامها) معناه تهتدى بأول
الصوار. يقال: هذا قوام الأمر وقيامه، أي به يقوم الأمر.
وتلك ترتفع بإضمار: شبيهة ناقتى، والوحشية نسف على تلك.
(خَنْساءُ ضيَّعتِ الفَريرَ فلم يَرِمْ ... عُرْضَ الشَّقائِق طَوفُها وبُغامُها)
خنساء: بقرة. والخنس: تأخر الأنف في الوجه وقصره أن يسبغ إلى الشفة.
стр. 546
والبقر كلها خنس. ويقال قد خنس عنه، إذا تأخر عنه. وقد أخنس عنه شيئا من حقه؛ ومنه اشتق
حنيس اسم رجل. و (الفرير): ولد البقرة؛ وأصل الفرير الخروف، وهو من ولد الضأن؛ ولكن البقرة
تجري مجرى الضائنة، والأروية تجرى مجرى الماعزة. ويقال فرير وفرار. ومثله مما جاء من
الجمع على فعال شاة رُبى وغنم رباب، وظئر وظوار، ورخل ورخال. قوله (لم يرم) معناه لم يبرح.
و (عرض): ناحية وجانب. و (الشقائق): جمع شقيقة، وهي أرض غليظة بين رملتين. وقوله
(طوفها) معناه لم تزل تطوف فيه. و (بغامها): صوت تختلسه اختلاسا. فأراد إنها تطوف وتبغم
متلددة إذا فقدت ولدها. ويقال للذكر من أولاد البقرة فرقد، وجمعه فراقد؛ ويقال للأنثى فرقدة. ويقال
للذكر أيضا بحزج وللأنثى بحزجة. ويقال للذكر أيضا بَرغَز وبُرغُز، وللأنثى بَرغزة وبُرغُزة. ويقال
للذكر أيضا جُؤذُر، وللأنثى جُؤذُرة، وللجمع جآذر. قال الشاعر:
إنّ من يدخل الكنيسة يوماً ... يَلقَ فيها جآذاراً وظباءَ
وقال العجاج:
وكلَّ عيناءُ تُزَجِّي بَحزَجا
وقال عمرو بن أحمر:
يُهِلُّ بالفرقدِ رُكبانُها ... كما يُهِلُّ الراكب المعتمرْ
وفي الفرقد قولان: يقال هو ولد البقرة، ويقال هو النجم. ويقال للذكر من أولاد البقر: ذرع. قال
الأعشى:
كأنَّها بعد ما أفضَى النجادُ بها ... بالشَّيِّطَين مَهاةٌ تبتغي ذَرَعَا
وخنساء نعت الوحشية، والطوف رفع بيرم، والبغام نسق عليه.
стр. 547
(لمعَفَّرٍ قَهْد تَنازعَ شِلْوَهُ ... غُبْسٌ كَواسبُ لايُمَنُّ طعامُها)
المعفر: الذي يترك من الرضعة والرضعتين حتى يستمر، وذلك إذا أرادت أمه أن تفطمه؛ وهو
التعفير. و (القهد): ضرب من الضأن تصغر آذانهن تعلوهن حمرة؛ والجمع قهاد. و (شلوه): بقيته.
وشلو كل شيء: بقيته. ويقال: اشتليت القوم، إذا أدركت شلوهم فاستنقذته. قال الراجز:
أن سليمانَ اشتلانا ابنَ عَلِي
وقال العجاج وذكر الأثافي:
غُبْساً على أشلاءِ هابٍ أغبَسَا
ويقال: ذهبت ماشية فلان وبقيت له شلية؛ والجمع الشلايا. ولا يقال إلا في المال. و (الغبسة):
صفرة إلى سواد. و (كواسب): ذئاب تكسب ما تأكل. وقوله (لا يُمن طعامها) يقول: ليس طعامها من
عطاء أحد يمنه، إنما هو كسبها. وقال الأصمعي: المعفر: الذي عفر بالتراب. وقال غيره: يقال
عفروا صبيكم عند الفطام، وهي الأم التي ترضعه مرة وتتركه أخرى لتعوده الفطام. ويقال: عرضوا
صبيكم إذا ولد، وهي أن تمسحه لكي يمتد وترجع مفاصله. ويقال قد عفرت ولدها، إذا أطعمته الشيء
من الطعام مع اللبن عند الفطام. ويقال (تنازع شلوه) معناه لحمه. وواحد الغبس أغبس، وهي الذئاب
التي تقدم وصفها.
واللام صلة يرم، والطعام اسم ما لم يسم فاعله. ويقال اللام معناها من أجل،
стр. 548
والتقدير: من أجل معفر. قال الله : (وإنه لحبِّ الخير لشَديد)، معناه من أجل حب المال لبخيل.
ويقال: القهد: اللطيف.
(صَادَفْنَ مِنْه غِرّةً فأصبْنَها ... إِنّ المَنَايا لا تَطِيشُ سِهامُها)
صادفن منه، معناه من الفرير، وهو الولد. (فأصبنها) معناه فأصبن الغرة. ويروى: (فأصبنه) على
معنى فأصبن الولد. وقوله: (إن المنايا لا تطيش سهامها) معناه لا تخف سهامها ولا تحطئ، بل
تقصد. وأصل الطيش الخفة، ومنه قولهم: فلان طياش. والمنية لا سهام لها، وإنما هذا مثل. والطيش:
أن يخف السهم. ولا يقصد إلا رزين السهام.
وما في صادفن يعود على الذئاب، وخبر أن ما عاد من الهاء والألف.
(باتَتْ وأَسبَلَ واكفٌ مِن دِيمةٍ ... يُروى الخمائلَ دائماً تَسجامُها)
أسبل: سال واسترخى. يقال: أسبل إزاره ورفله. ويقال: جاء يجر سبلته، إذا جاء يجر إزاره. وقال
أبو زيد: يقال أسبلت السماء إسبالا، وهو المطر، وهو بين السحاب والأرض حين يخرج من
السحاب ولم يصل إلى الأرض. والاسم السبل، وهو المطر. قال اوس بن حجر:
وقتَلى كمثل جذوع النخي ... لِ يغشاهمُ سَبَلٌ منهمرْ
وقال جرير:
لم ألق مثلَك بعد عهدك منزلً ... فسُقِيتَ من سَبَل السماك سجالا
стр. 549
وقال عمر بن أبي ربيعة:
ألم تَربعْ على الطَّللِ ... ومَغْنى الحيِّ كالخِلَلِ
تعفّى رسمَه الأروا ... حُ مَر صَباً مع الشَّمَلِ
وأنداءٌ تباكره ... وجَونٌ واكفُ السَّبَلِ
قوله (واكف) يعني المطر يكف عنها. و (الديمة): مطر يدوم ويسكن ليس بالشديد. يقال: دامت
السماء تديم ديما. وحكى الأصمعي عن بعض الأعراب: (ما زالت السماءُ ديَمْاً ديَمْاً). وقال الزاجر:
أنا الجوادُ ابنُ الجوادِ ابنِ سَبَلْ ... إنْ ديَّموا جادَ وإنْ جادوا وبَلْ
وقال أبو زيد): قال العنبري: (إن دوموا جاد). و (الخمائل): جمع خميلة، وهي رملة تنبت الشجر
وتعشب. وكل ذي خمل خميلة. وقوله (تسجامها): صبها. يقال: سجمت عينه، إذا هراقت الدمع.
ومعنى البيت: باتت هذه البقرة بعد فقدها ولدها ممطورة تمطرها الديمة.
و (يروى) صلة الديمة، ودائما نصب على الحال مما في يروى. والتسجام رفع بمعنى الديمومة.
(تَجتافُ أَصْلاً قالصاً مَتنبِّذاً ... بعُجُوبِ أَنقاءٍ يميلُ هَيَامُها)
تجتاف: تدخل فيه تستكن في جوفه، تتجوف أصلا قالصا، أي مرتفعا قد انقلص وليس بمسترسل.
يقال قلص يقلص قلوصا. فيقول: اجتافت شجرا قالص الفرع لا يغطيها وهو متنبذ، أي متفرق، ولا
يجتمع أصلاه فيكون أكثف له.
стр. 550
(عجوب): مآخيرها، واحدها عجب؛ وعجب كل شيء: مؤخره. و (أنقاء) جمع نقا، وهو ما ارتفع
طولا من الرمل. والنقا لا ينبت شيئا إذا طال، إنما تنبت خواصره. و (الهيام): ما انهار من الرمل
ولم يتمالك. وقال أبو عمرو: القالص: المتنحى من الشجر. وقال غيره: المتنبذ: المتفرق، ويقال هو
المتنحى، لأنه من نبذت الشيء، إذا نحيته وطرحته. قال الله : (فَنَبَذُوه وراء ظُهورهم) أراد:
طرحوه. قال الشاعر:
إن الذين أمرتَهم أن يَعدِلوا ... نَبذوا كتابَك واستُحِلَّ المَحْرَمُ
ورواها الاصمعي: (يجتاف آصل قالص متبدد). وقال الاصمعي: سمعت أبا عمرو بن العلاء وقد
اشترى غرشا فقال للذي اشتراه: (أريد منك عشرة آصل) يريد جماعة أصل. وآصل كما تقول حبل
وأحبل. ويروى: (تجتاب أصلا) بالباء، أي تدخل البقرة فيه. يقال جاب فلان الفلاة، إذا دخلها. قال
الله : (الذينَ جابُوا الصَّخْرَ بالوادِ) أراد نقبوا الصخر فدخلوا فيه وابتنوا المساكن.
وقال الشاعر:
ظلَّت تجوب يداها وهي لاهيةٌ ... حتَّى إذا جنَح الإظلامُ والغَسَقُ
وقال الآخر:
فلم يَنْج منهم في البحور ملجِّجٌ ... ولم يُنجِ مَن جابَ الصخورَ اجتيابُها
ويقال معنى قوله تجتاب إنها تحفر أصل الشجرة فتقطع عروقها وتفرق؛ وإنما تفعل ذلك لتوسع
لنفسها. ويقال انهار الرمل وانهال بمعنى. وقال بعضهم في قوله (تجتاف أصلا): هو مثل قول ذي
الرمة:
مَيلاءَ عَن مَعدِن الصِّيران قاصيةٍ ... أبعارُهنَّ على أهدابها كُثَبُ
стр. 551
والمعنى: إنها متنحية عن معظم الشجر، متنحية عن الطريق لتأمن.
وتجتاف موضعه نصب في التأويل على معنى باتت مجتافة أصلا. والباء صلة تجتاف.
(يَعلُو طريقةَ مَتْنها مُتواترٌ ... في ليلةٍ كفَرَ النُّجومَ غَمامُها)
معناه: يعلو طريقة متن هذه البقرة متواتر، أي مطر متتابع. وقال أبو عمرو: طريقة المتن: ما بين
الحارك إلى الكفل. وقال الأصمعي: المتواتر أن يجيء شيء ثم يكون هنيهة ثم يجيء شيء آخر.
يقال: تواترت الإبل والقطا تتواتر تواترا. ويقال واتر فلان كتبه، إذا قطعها. قال الله : (ثمَّ
أرسلنا رسلَنا تَتْرى) فمعناه منقطعة، بيك كل رسولين برهة من الزمان. وقال أبو هريرة رضي الله
سبحانه عنه: (لا بأس بقضاء رمضان متواترا)، يريد: متقطعا. وقال سديف:
حضرُّ الشر يا أمية فأنعَىْ ... عيشَ دنياكِ وائذني بالشَّتاتِ
أنعيمٌ أزمان جَوْرِكِ تترى ... ونعيم أزماننا هيهاتِ
وقوله (كفر النجوم) معناه غطاها. يقال كفرت المتاع في الوعاء، إذا غطيته. ويقال: قد كفر على
درعه بثوب، إذا ستره. وسمي الكافر كافراً لأنه يغطى نعم الله سبحانه وتقدس وتوحيده. ويقال لليل
كافر؛ لأنه يستر الأشياء بظلمته. قال الراجز:
فوردَتْ قبل انبلاج الفجرِ ... وابنُ ذكاءَ كامنٌ في كَفْرِ
يريد في ستر. والكافور من الطلع من هذا مأخوذ، وجمعه كوافير. وقوله الله ﵎: (أعجبَ
الكفَّارَ نباتُه)، معناه أعجب الزراع، وواحد هم كافر. وإنما قيل للزراع كافر لأنه إذا ألقى البذر في
الأرض غطاه بالتراب. ويقال في قوله (يعلو طريفة متنها): هي اللحمتان عن يمين الصلب ويساره؛
وهي السليلة ايضا. ويقال الطريقة الجدة. والجدة: الخطة، وجمعها جدد. قال الله :
стр. 552
(ومِن الجبال جُدَدٌ بِيضٌ). والغمامة: السحابة، وجمعها غمام. ويروى: (متواترا) بالنصب. فمن رفعه رفعه
بيعلو وقال: هو المطر؛ ومن نصبه نصبه على الحال من الضمير الذي في يعلو، وهو من ذكر
الرمل الهيام.
(وتُضيءُ في وَجْهِ الظَّلامِ مُنِيرَةً ... كجُمَانة البَحْرِيِّ سُلَّ نِظامُها)
قوله (وتضيء) يعنى البقرة من شدة بياضها. يقال أضاءت النار تضيء إضاءة، وضاءت تضوء؛
وهو الضَّوء والضُّوء. وقال الأصمعي: سُرق لأعرابي شيء فقال: (اللهم ضوئ عنه). قوله (منيرة):
مضيئة. يقال: أنار الشيء فهو منير، ونار فهو نير. ووجه الظلام: أوله، وكذلك وجه النهار. قال
الشاعر):
من كان مسروراً بمقتل مالك ... فليأتِ نِسوتنا بوجه نهارِ
وقوله (كجمانة البحري): خريزة تعمل من فضة. قوله (سل نظامها) معناه خيطها، فخرت تهوى.
وهذا مثل قوله:
وهَي عِقدُها فارفضَّ منها الطَّوائفُ)
ومثله قوله:
لآلئَ منحدرات صِغارا
ومثله:
كاللؤلؤ المسجورِ أغفِل في ... سِلك النِّظام فخانَه النَّظْمُ
стр. 553
وقال أبو عمرو: (كجمانة) أراد اللؤلؤة، فشبه البقرة بها في بياضها. وقال غيره: سل نظامها، لأنها
إذا سقطت من الخيط كان أضوأ لها. ومعنى البيت أن هذه البقرة كلما تحركت في الليل اشرق لونها،
فهي كالدرة التي انقطع سلكها فسقطت. فجعل الدرة هاهنا جمانا. ويقال الجمانة تتخذ من الفضة على
هيئة اللؤلؤ.
ومنيرة نصب على الحال مما في يضيء، والكاف منصوبة لمنيرة على النعت.
(حتّى إذا حَسَر الظَّلامُ وأَسفَرَتْ ... بكَرَتْ تَزِلُّ عن الثَّرَى أَزلامُها)
حسر الظلام: ذهب. وأسفرت: صارت في سفر الصبح. وسفره: بياضه وإضاءته. والثرى: التراب
المبتل. يقال: لا توبس الثرى بيني وبينك، أي لا تذهب ما بيننا من المودة. قال جرير:
فلا توبسوا بيني وبينكم الثرى ... فإنّ الذي بيني وبينكمُ مُثرِي
فيقول: أصبحت قوائمها من خفتها لا تثبت على الأرض من الطين. وأزلامها: قوائمها التي كأنها
قداح. وهذا مثل. والأزلام: القداح والسهام، واحدها زُلم وزَلم. قال الشاعر:
بات يقاسيها غُلامٌ كالزَّلَمْ ... مُهفهَفُ الجنبين خَفَّاقُ القدمْ
وقال:
تعدو إذا حُرِّك مجدافُها ... عَدْوَ رَباعٍ مفردٍ كالزَّلَمْ
والأزلام مرتفعة ببكرت، وتزل في موضع نصب في التأويل على الحال، والتقدير: بكرت زالة عن
الثرى.
стр. 554
(عَلِهَتْ تَرَدَّدُ في نِهاء صُعائدِ ... سَبعاً تُؤَاماً كاملاً أَيّامُها)
العله: خفة من جزع. يقال عله الرجل يعله علها، إذا خف من جزع أو شتم أو شيء يؤذيه. قال
الراجز:
كجنَب العَلْهَى إلى رئالها
والعله: الجزوع، وهو الذي تقول العرب هلع. ورواه الأصمعي:
علهَتْ تَلَدَّدُ في شقائق عالجٍ ... سِتاًّ به حتَّى وفَتْ أيَّامُها
تلدد: تردد. يقال فلان يتلدد، إذا كان يأخذ مرة في شق ومرة في شق آخر. واللديدان: جانبا العنق.
ولديدا الوادى: جانباه. واللدود: دواء يصب في أحد شقي الفم، فيرى إنه سمى لدودا لأنه يصب في
جانبي الفم. و (النهاء): جمع نِهْى ونَهْى، وهو المكان له حاجز ينهى الماء أن يفيض. ويقال هو
التنهية وجمعها التناهي. ولم يعرف أبو عمرو نِهْى بالكسر، وعرفه غيره. وقال بعضهم: النهى جمعه
أنه، والأنهاء جمع أنه. وليس كذلك، إنما الأنهاء جمع نِهْى ونَهْى، كما تقول عدل وأعدال، وحبر
وأحبار. وقوله (سبعا تؤاما) معناه سبع ليال بأيامهن. والتوأمان: الاثنان، والجمع توائم وتؤام. والنهاء
عندى جمع أنه، كما تقول عبد وأعبد، والعباد جمع الأعبد. و (صعائد): مكان. ويروى: (علقت
تبلل). فمعنى علقت جعلت؛ يقال علق فلان يفعل كذا وكذا، وجعل وقعد وعبا. والتبليل: لزوم الأمر
والدوام عليه. ويقال العله والوله: ذهاب العقل. ويقال معنى تبلل: تغنى وتطرب في البكاء على
ولدها. أنشدنا أبو العباس عن ابن الأعرابي:
ينفّرن بالحِيَحاءِ شاءَ صُعائدٍ ... ومن جانب الوادي الحمام المبِّللا
стр. 555
قال: المبلل: الدائم الهدير، وهو دعاؤه. والهدير: القرقرة. وقال ابن أحمر في العله - وهو ذهاب
العقل -:
وخَيلٍ يَعْلَه الداعي إليها ... متى ركب الفوارس أو مَتى لا
(أو متى لا)، يقول: أو متى لم يركبوا.
وتردد موضعه نصب في التأويل، على معنى علهت مترددة. والأيام رفع بكامل.
(حتّى إذا يَئَستْ وأَسحَقَ حالقٌ ... لم يُبْلِهِ إِرضاعُها وفطِامُها)
معناه إذا يئست من ولدها. ورواه الأصمعي: (حتى إذا ذهلت). قال أبو عبيدة: ذهلت: سليت
ونسيت. وأنشد لكثيّر:
صحا قلبُه يا عزَّ أو كاد يَذْهَلُ
أي يسلى. وقال أبو عمرو: يقال ذهَلْت وذهِلْت.
و (أسحق): أخلق، كما يخلق الثوب. ويقال صوب سُحق وسَحق، إذا أخلق وانجرد. والحالق:
الضرع الملآن. يقال: أصبحت ناقتك حالقا وحاقلا. قوله (لم يبله إرضاعها وفطامها) أي لم يبله أن
أرضعت وفطمت، ولكنها ثكلت فحزنت وتركت العلف فغرزت، أي انقطع لبنها. يقال أرضعت
ترضع إرضاعا فهي مرضعة ومرضع، والجميع مراضيع ومرضعات. وقد رضع الولد يرضع،
ورضع يرضعُ رَضاعا ورِضاعا ورَضاعة ورِضاعة ورَضعا. قال الراجز:
داوِيَّةً شَقَّتْ على اللاعي الشَّكعْ ... وإنَّما النَّوم بها مثل الرَّضِعْ
стр. 556
يا ليتَ لي نَعلينِ من جلد الضَّبُعْ ... وشُرُكاً من أستها لا تَنْقطعْ
كلَّ الحذاءِ يجتذِي الحافي الوقعْ
ويقال: أسحق: بلى؛ أي قل لبن الضرع. ويقال: حلق الضرع فهو حالق، وأسحق فهو مُسحق.
ولم يبله إرضاعها وفطامها صلة حالق.
(وتسمَّعَتْ رِزَّ الأَنيِس فراعَها ... عن ظَهر غَيب والأَنيسُ سَقَامُها)
ويروى: (وتوجست ركز الأنيس)، أي تسمعت البقرة صوت الأنيس فأفزعها ولم تر الناس. والرّز
والرّكز: الصوت الخفي. قال الله : (أوْ تسمعُ لهم رِكْزاً) أراد صوتا خفيا. وأخبر أنها أحست
الناس. عن ظهر غيب، معناه من وراء حجاب، أي تسمع من حيث لا ترى. وقوله (والأنيس سقامها)
معناه هلاكها، أي يصيدها.
وفاعل تسمعت ضمير البقرة، وفاعل راعها ضمير الرّزّ.
(فَغدَتْ كِلاَ الفرجَينِ تَحسِنُ أَنّه ... مَولَى المَخَافَةِ خَلْفُها وأَمامُها)
غدت من الغدو. وخبر أنها خائفة من كلا جانبيها، من خلفها وأمامها. و (الفرج): الواسع من
الأرض. والفرج أيضا: الثَّغر. والثَّغْر: موضع المخافة، والفروج هي الثغور، قال حارثة بن بدر:
على أحَد الفَرجَين كان مؤمَّري
стр. 557
أي على سجستان وخراسان. وكان على عهد الحجاج يقول: (استعملتك على الفرجين والمصرين،
وعمان والبحرين).
يريد: هي تحسب أن خلفها مخافة وأمامها كذلك. قوله (مولى) معناه أولى بالمخافة، وولى المخافة.
قال الله : (النّارُ هي مَولاَكم) أراد هي أولى بكم. وقال : (وأنَّ الكافرين لا
مولَى لهم).
وكلا في موضع رفع بما عاد من الهاء التي في قوله (أنه) في قول الكسائي. وقال الفراء: موضع
كلا رفع بموضع تحسب، لأنه عاد بذكر كلا، وذكرها الهاء التي مع أن. ومثله من مسائل النحو: عبد
الله ظننت إنه قائم، قال الكسائي: عبد الله يرتفع بما عاد من الهاء، لأن أن كالصلة للظن، وتقديره
عبد الله ظننته قائما. وقال الفراء: عبد الله رفع بموضع ظننت، لعودته بذكر عبد الله، ولأن أن لا
يعرب ما بعدها ما قبلها. ومولى المخافة مرتفع لأنه خبر أن، وخلفها وأمامها يرتفعان بالترجمة عن
الفرجين، معناه هما خلفها وأمامها. قال ذو الرمة:
وصحراءَ يَحمى خلفُها ما وراءها ... ولا يَخْتطيها الدَّهرَ إلاَّ مُخاطِرُ
ويروى: (فعدت) بعين غير معجمة، على إنه فعلت من العدو.
(حَتَّى إذا يئسَ الرُّماةُ وأَرسلُوا ... غُضْفاً دَواجنَ قافلاً أَعصامُها)
معناه: حتى إذا يئس الرماة من البقرة أن تنالها نبلهم. وقال أبو عبيدة وقطرب: يكون يئس بمعنى
علم، واحتجا بقول الله : (أفلم يَيْأس الذين آمنوا أن لو يشاءُ اللهُ لهدَى النَّاسَ جميعا)، وقالا:
معناه أفلم يعلم الذين آمنوا. واحتجا
стр. 558
يقول سحيم بن وثيل اليربوعي:
أقول لهم بالشِّعب إذ يأسِرونني ... ألم تَيْأسوا أني ابنُ فارسِ زَهدمِ
أراد: ألم يعلموا. واحتج قطرب بقول الآخر:
ألم ييأس الأقوامُ أنى أنا ابنُه ... وإنْ كنتُ عن أرض العشيرة نائيا
وقرأ ابن عباس ﵄: (أفلم يتبيَّن الذين آمنوا)، ويروى بيت سحيم: (إذ يأسرونني)
و (ييسرونني)، فيأسرونني من الأسر، وييسرونني: يقتسمونني، مأخوذ من الميسر. وقال أبو عبيد: قال
القاسم بم معن: وهوازن تجعل يئست بمعنى علمت. قال أبو عبيد: ويحكى عن الكلبي إنه قال: هي
لغة وهبيل حي من النخع. ويجوز أن يكون يئس في بيت لبيد بمعنى علم. يريد: حتى إذا علم الرماة
انهم لا ينالونها. وقال الفراء: معنى بيت لبيد: حتى إذا يئسوا من كل شيء مما يمكن إلا الذي ظهر
لهم أرسلوا. فهو معناه حتى إذا علموا أن ليس له وجه إلا الذي رأوا وأرسلوا كان ما سواه يأسا. وقال
الفراء في قول الله : (أفلم ييأس الذين آمنوا): أفلم ييأسوا، علما منهم بأن لو شاء الله سبحانه
لهدى الناس جميعا، أي يوئسهم العلم؛ لأن الله قد أوقع إلى المؤمنين إنه لو شاء الله لهدى
الناس جميعا، فكان فيه العلم مضمرا، كما تقول في الكلام: يئست منك ألا تفلح علما، كأنك قلت علمته
علما. وأنكر الكسائي أن يكون يئس بمعنى علم، وقال: لم أسمع أحدا من العرب يقول يئست بمعنى
علمت. قال: ولكنه عندي يخرج معناه من اليأس نفسه، وذلك أن يكون لمَّا سأل المشركون رسول الله
ﷺ قرآنا تسير به الجبال أو تكلم به الموتى اشرأب له المؤمنون لأن يفعل الله
﵎ ذلك فيؤمن المشركون، فأنزل الله : (أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاءُ الله
لَهَدى
стр. 559
الناسَ جميعا) بمعنى: أفلم ييأسوا من ذلك علما منهم بأن لو يشاء الله تعالى لفعل ذلك. فأضمر
العلم.
ومعنى بيت لبيد: لما يئس الرماة أن تبلغها سهامهم أرسلوا غضفا، أي كلابا مسترخية الآذان،
واحدها أغضف. ويقال الغضف: إدبار الأذن إلى الرأس وانكسار طرفها إلى الرأس. والكلاب كلها
غضف. يقال غضفت أذنه تغضف غضفا، وقد غضفها يغضفها غضفا. ويقال للحية إذا تطوى: قد
تغضف. ويقال قد تغضف البئر على من فيها فقتلتهم. وقال بعض أهل اللغة: إذا كان الاسترخاء في
الأذن خلقة فهو غضف؛ فإن أرخاهما ولم يكن ذلك خلقة فهو غاضف. و (الدواجن): المعودة للصيد.
وقوله (قافلا أعصامها) معناه يابسة قلائدها التي في أعناقها. وإنما جعلها كأنها ربط القرب. وعصام
القربة: ما شدت به. ويقال قفل جلده يقفل قفولا وقفلا، إذا يبس.
وجواب حتى إذا (أرسلوا)، والواو مقحمة، كما قال تعالى: (حتَّى إذا جاءوها وفُتحتْ أبوابُها)، أراد:
فتحت أبوابها، فأقحم الواو.
وقال بعض النحويين: أرسلوا نسق على يئس، والجواب محذوف، أراد: حتى إذا يئس الرماة
وأرسلوا ظفروا ولحقوا؛ فحذف الجواب لمعرفة المخاطبين به.
وقال بعض النحويين: واحد الأعصام عصام، وقال: هو جمع على غير قياس. وقال غيره: واحد
الأعصام عصم. وقال: هو في الجمع بمنزلة قولك قُفل وأقفال، وبرد وأبراد.
(فَلَحِقْنَ واعتَكَرتْ لها مَدْرِيَّةٌ ... كالسَّمْهَريَّةِ حَدُّها وتَمامُها)
فلحقن، معناه فلحقت الكلاب هذه البقرة فرجعت البقرة عليهن تطعنهن. قوله (اعتكرت) معناه
رجعت. يقال فلان عكار في الحرب، أي عطاف. (مدرية) يعنى البقرة لها مدرى، أي قرن.
و (السمهرية): القناة الشديدة. يقال اسمهر الأمر، إذا اشتد. واسمهرت ليلته. وكل شديد مسمهر. قال
الشاعر:
стр. 560
والليلةِ الأخرى التي اسمَهرَّتِ
وقال بعض أهل اللغة: السمهرية: الرماح الطوال المستوية.
والكاف في موضع رفع على النعت لمدرية. وحدها وتمامها يرتفعان على الاتباع لمدرية.
(لِتذُودَهُنَّ وأَيْقَنَتْ أن لم تَذُدْ ... أَنْ قَدْ أَحَمَّ مَع الحتوفِ حِمامُها)
لتذودهن: لتطردهن وتمنعهن. قال الله : (امرأتينِ تَذُودان)، أي تحبسان الغنم. وقال
الشاعر:
وقد سَلبَتْ عصاك بنو تميم ... فما تدرى بأي عَصاً تذودُ
ويروى: (أجم من الحتوف). فأحم مع الحتوف حمامها، معناه حان حمامها وحتفها من بين الحتوف.
فيقول: قد علمت أن لم تطرد الكلاب أن أجلها قد حضر. وكل ما كان قد حان وقوعه يقال فيه أجم،
بجيم معجمة. قال الشاعر:
حيِّيا ذلك الغزال الأجمَّا ... أنْ يكن ذا كمُ الفراق أجَمَّا
وقال زهير:
وكنتُ إذا ما جئت يوماً لحاجةٍ ... مضَتْ وأجمَّت حاجة الغَدِ ما تَخلُو
وقال علي بن الغدير:
فإن قريشاً مُهلَكٌ من أطَاعها ... تُنافس دُنيا قد أجمَّ انصرامُها
وأحم، بحاء غير معجمة، معناه قدِّر. والحمام: القدر، واحدته حمَّة.
стр. 561
يقال: عجلت بنا وبكم حمة الفراق. قال الشاعر:
ألا يا لَقوم كلُّ ما حُمَّ واقعُ ... وللطَّير مَجرىً والجُنوب مَصارعُ
وقال الآخر:
أعززْ علىّ بأن أروِّع شبهها ... أو أن يذُقنَ على يديَّ حماميا
وقال أبو عبيدة: أجم وأحم واحد. وقال أبو عبيد: أحم هذا الأمر، وحَم وحُمَّ. وأما أجمَّ فليس فيه إلا
لغة واحدة.
واللام في قوله (لتذودهن) صلة لقوله (واعتكرت)، يريد: واعتكرت لكي تحبسهن. وأن منصوبة
بأيقنتْ.
(فتقَصَّدَتْ منها كَسَابِ فَضُرِّجَتْ ... بدَمٍ وغُودرَ في المَكَرِّ سُحَامُها)
فتقصدت منها كساب، معناه قصدت البقرة التي يقال لها كساب فضرجتها بالدم، أي لطختها. قال
الشاعر:
كليبٌ لعمرِي كان أكثرَ ناصراً ... وأيسَرَ جُرماً منك ضُرّجَ بالدمِ
ويقال: تقصدت معناه قصدت نحو البقرة من الكلاب كلبة يقال لها كساب. يقال قصد فلان فلانا، إذا
تعمده. وأقصد فلان فلانا، إذا قتله. ومنه قولهم: أقصدت المنية فلانا: قتلته. قال الشاعر:
فإن تكن المنيَّة أقصدتْه ... وحُمَّ عليه بالتَّلَف القضاءُ
وقال الآخر:
خَودٌ إذا كثُر الكلامُ تعوَّذَت ... بحِمَى الكلام وإن تَكَلَّم تَقْصِدِ
وقوله (غودر) معناه ترك. وسمى الغدير غديرا لأن السيل غادره. يقال غادرت الشيء وأغدرته، إذا
تركته. أنشدنا أبو العباس عن ابن الاعرابي، لابي محمد الفقعسي:
стр. 562
هل لك والعائض منك عائضُ ... والحبُّ قد تَعرضُه العوارضُ
في هجمة يُغْدِر منها القابضُ
ومعناه: ترك أخوها سحام قتيي. ويقال: بقي لساعي بني فلان غدر، أي شيء يبقى من الصدقة.
وكساب موضعها نصب بتقصدت، أي قصدت البقرة كساب. ويجوز أن تكون في موضع رفع على
معنى قصدت كساب نحو البقرة فطعنتها البقرة. ويروى: (فتقصدت منها كساب) أي قصدت كساب،
وهي الكلبة. وكساب مخفوضة في كل حال، لأنها بمنزلة قطام وحذام. قال النابغة:
أتاركةٌ تَدلّلَها قَطَامِ ... وضِنّاً بالتَّحية والسَّلامِ
وإنما ألزمت الكسر لأن معناها الأمر أكسب، فكان حكمها التسكين، فكسرت لأن المجزوم إذا حرك
حرك إلى الخفض. ويقال إنما كُسرت لأنها معدولة عن كاسبة إلى كاسب، وهي مع العدل مؤنثة،
والأسماء المؤنثة لا تنصرف، فلما اجتمع فيها مع التأنيث العدل عن جهتها حطوها منزلة فألزموها
الكسر. وأهل الحجاز يلزمونها الكسر في كل حال. وبنو تميم يجعلونها بمنزلة زينب فيقولون: قامت
قطامُ، ورأيت قطامَ، ومررت بقطامَ.
(فبِتلكَ إِذْ رَقَصَ اللَّوامعُ بالضُّحَى ... واجتْابَ أَؤدِيةَ السَّرابِ إِكامُها)
فبتلك، معناه فبتلك الناقة أقضى اللبانة. وقوله: (رقص اللوامع) معناه لوامع الآل تراها كأنها تنزو.
والآل يكون بالضحى، وهو يرفع كل شيء. والسراب يكون نصف النهار، وهو الذي يلزق بالأرض.
اجتاب: لبس. شبه السراب بالأردية.
стр. 563
ويقال: قد أرقص القوم في سيرهم، إذا ارتفعوا وانخفضوا. قال الراعي:
وإذا ترقَّصت المفازةُ غادرتْ ... ربِذاً يُبغِّل خلفَها تبغيلا
ترقصت: ارتفعت وانخفضت، وإنما يرفعها ويخفضها السراب. والربذ: الخفيف السريع. والتبغيك:
ضرب من السير. والإكام: جمع أكمة، وهي المكان المرتفع. والباء صلة أقضى.
(أَقْضِي اللُّبانةَ لا أُفرِّطُ رِيبةً ... أَو أن تَلُومَ بحاجة لُوَّامُها)
اللبانة: الحاجة. (لا أفرط ريبة) معناه لا أدع ريبة تنفذني حتى أحكمها. والتفريط: الإنفاذ والتقديم.
والريبة: الشك وما يريبك. ويقال رابني الأمر يريبني، إذا حققت منه الريبة. وأرابني، إذا توهمت
منه الريبة. قال الشاعر:
أخوكَ الذي أن ربتَه قال إنَّما ... أرَبْتَ وإنْ عاتبتَه لأن جانبُه
يقول: أتثبت فلا أتقدم في الحاجة قبل أن أستثيرها، وقبل أن آتي أمرا تكون عاقبته لائمة، أي لا
أتقدم على أمر أشك فيه. قوله (أفرط) معناه أقدم. يقال: فرط الفارط في طلب الماء، إذا تقدم فيه. قال
الله : (لا جَرَم أن لهم النَّارَ وأنَّهم مُفْرَطون)، أراد: مقدمون إلى النار معجلون إليها. وقال
النبي ﷺ : (أنا فرطكم على الحوض)، أراد: أنا أتقدمكم إليه. وقال الشاعر:
فأراد فارطُهم غَطاطاً جُثَّماً ... أصواتُه كتراطُنِ الفُرسِ
стр. 564
الغطاط: ضرب من القطا. ويقال معنى قوله (لا أفرط ريبة): أمضى في الحاجة ولا أقصر فيها
وأفرط في إمضائها وقضائها شكا وارتيابا. ويروى: (أقضى اللبانة أن أفرط ريبة) فمعناه لأن لا أفرط
ريبة، فاكتفى بأن من لا، كما قال الله : (يبيَّن الله لكمْ أن تَضِلوا)، أراد لأن لا تضلوا،
فاكتفى بأن من لا فأسقطها. ومن رواه (لا أفرط) أراد لأن لا أفرط، فحذف أن واكتفى بلا منها ورفع
المستقبل بفقد الناصب. ويجوز في العربية: لا أفرط ريبة على إضمار أنْ، كما قال الشاعر:
احفظْ لسانك لا تقولَ فتُبتَلي ... إنّ البلاءَ موكَّلٌ بالمنطقِ
(أَوَ لم تكُنْ تَدرِي نَوَارُ بأَنّني ... وصَّالُ عَقْدِ حبائلٍ جَذَّامُها)
جذام: قطاع، أي أصل في موضع المواصلة من يستحقها، وأقطع من يستحق القطيعة. نوار: امرأة
من بني جعفر.
والباء توكيد للكلام، معناه: أو لم تكن تدري نوار أنني. والهاء التي مع جذام تعود على الحبائل.
(تَرَّاكُ أَمكنةٍ إذا لمْ أَرْضَها ... أَو يَعَتَلِقْ بعضَ النُّفوِس حِمامُها)
ويروى: (أو يرتبط)، ويروى: (أو يعتقى)، ومعنى يعتقى يحتبس، وكذلك يرتبط. يقال اعتقيته عن
حاجته، أي حبسته. وقوله (بعض النفوس حمامها) أراد نفسه، لأن نفسه بعض أنفس الناس. وقال أبو
عبيدة: معناه كل النفوس، لأن الموت لا ينزل ببعض النفوس ولكنه ينزل بالنفوس كلها.
وترَّاك يرتفع بوصال وجذام.
стр. 565
(بَلْ أَنتِ لا تَدْرِينَ كَمْ مِن ليلةٍ ... طَلْقٍ لذيذٍ لهوُها ونِدامُها)
قوله (ليلة طلق) أراد طلقة، ولكنه وصفها بأمر طلق. ويقال: إنما ذكر طلقا لأنه مشبه بالمصدر، كما
تقول امرأة عدل وفطر وصوم. ويقال: يوم طلق وليلة طلقٌ وطلقة، إذا لم يكن فيهما برد ولا ريح ولا
مطر. قال الشاعر:
فليسَتْ بطَلْقٍ ولا ساكِرهْ
أي ساكنة. يقال: سكرت الريح تسكر، إذا سكنت وركدت. وسكر الشارب يسكر. و (الندام):
المنادمة. يقال نادمت الرجل منادمة ونداما.
واللهو رفع باللذة.
(قدْ بتُّ سامِرَها وغايَةِ تاجرٍ ... وافَيتُ إِذْ رُفِعَتْ وعَزَّ مُدامَها)
قوله (سامرها) معناه سامرا فيها. و (غاية تاجر) أي راية تاجر يبيع الخمر فينصبها ليعلم موضعه.
وإنما سميت غاية لأن أهل الجاهلية كانوا ينصبون راية للخيل تسمى الغاية، فإذا بلغها الفرس قيل:
قد بلغ الغاية. فصارت مثلا. قال عنترة:
رَبذٍ يداه بالقداح إذا شَتَا ... هتَّاكِ غايات التجار ملوَّمِ
أي يشتي ما عندهم من الخمر فيحطون راياتهم. وقال أبو ذؤيب:
ولا الراح راح الشَّام جاءت شَبيئةً ... لها غايةٌ يَهدِي الكِرامَ عُقابُها)
والعقاب: الراية ايضا، فلما اختلف اللفظان جمع بينهما وحسن ذلك.
следующие страницы →