← Общие книги

Общие книги · id 124358

النظريات العلمية الحديثة مسيرتها الفكرية وأسلوب الفكر التغريبي العربي في التعامل معها دراسة نقدية

حسن الأسمري

Полный текст (1 476 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

كانت المرأة ذات الشأن في الهيئة الاجتماعية، وكانت الحياة الجنسية مشاعية، لا زواج، ولما ودّع الإنسان بداوته واشتغل بالزراعة ظهر نظام البيت، ودخلت المرأة في نظام العائلة الجديد، فحرمت من استقلالها وامتلكها الرجل، وقد تسبب ظهور الدولة في تخفيف هذه العبودية على المرأة، ومع ذلك لم تنل كامل حقها أيام اليونان والرومان، وحتى مع الكنيسة التي مارست دورًا سلطويًا في أوروبا، ومع دخول الدولة أصبح الحال مرتبطًا بالسياسة (١)، ثم لخصه في مكان آخر: عاشت حرة في العصر الأول .. ثم وقع الاستعباد لها مع تشكيل العائلة .. ثم مع ظهور المدنية خف الرق ولكن بقي الاستبداد على المرأة .. حتى جاء الطور الرابع بعد مبلغ الإنسانية مبلغها من المدنية، فنالت المرأة حريتها الكاملة وتساوت مع الرجل، أما المرأة المصرية فهي في الطور الثالث (٢)، ومع أنه أدخل النصرانية دينًا له دوره في وضع المرأة، فقد سكت عن دور الإسلام في هذا التاريخ البشري كعادة أهل التغريب، فلا ينظرون للتاريخ إلا من خلال تاريخ الآخرين، وكأن تاريخهم هو التاريخ الكوني الوحيد، بينما التواريخ الأخرى حتى ولو كانت بحجم التاريخ النبوي مع الأنبياء أو تاريخ الإسلام الضخم فإنه يختفي. ضمن هذا الإطار التاريخي للتاريخ الإنساني الذي يتصوره الوضعيون الاجتماعيون يضع قاسم أمين رؤيته تبعًا لهم عن الحجاب فيقول: "ولكن ما العلاقة بين حريتها وكشف وجهها واختلاطها بالرجال ومعاملتها لهم؟ فالجواب: إن إلزام النساء بالاحتجاب هو أقسى وأفظع أشكال الاستعباد؛ ذلك لأن الرجال في أعصر التوحش كانوا يستحوذون على النساء، إما بالشراء كما بيناه وإما بالاختطاف. وفي كلتا الحالتين كانوا يعتبرون أنفسهم مالكين نساءهم ملكًا تامًا وتبع ذلك أن الرجل جرد امرأته عن الصفات الإنسانية وخصصها بوظيفة واحدة وهي أن تمتعه بجسمها. فأقرها في مسكنه. وألزمها بأن تلازمه ولا تخرج منه حتى لا يكون لأحد غيره حظ في أن يتمتع بها ولو بالنظر أو بالحديث، شأن المالك

стр. 1122

الحريص على ملكه الذي يريد أن يستأثر بجميع مزايا المتاع الذي يملكه. ولما كان من المحال ألا تعرض ضرورة تقضي على المرأة بالخروج من منزلها في بعض الأحيان أراد أن يتبعها بالحجاب حيث سارت فألزمها بستر وجهها إذا خرجت. هذا الحجاب الذي قرره الرجل في الأصل على زوجته تعدى بعد ذلك إلى البنات والأمهات والأخوات وإلى عموم النساء؛ لأن كل امرأة هي زوجة أو كانت زوجة أو مستعدة لأن تكون زوجة. فالحجاب هو عنوان ذلك الملك القديم، وأثر من آثار تلك الأخلاق المتوحشة التي عاشت بها الإنسانية أجيالًا قبل أن تهتدي إلى إدراك أن الذات البشرية لا يجوز أن تكون محلا للملك لمجرد كونها أنثى. . . ." (١). ويجيب عن سبب بقائه إلى اليوم فيقول: "وليس من الغريب بقاء الحجاب بعد زوال السبب الذي أوجده؛ أي: بعد خروج المرأة عن ملكية الرجل. . . ."، فـ"سنة التدرج أن تعيش النساء في حالة وسط بين الرق والحرية، حالة اعتبرت فيها المرأة أنها إنسان، لكنه ناقص غير تام، كبر على الرجل أن يعدّ المرأة التي كانت ملكًا له بالأمس، مساوية له اليوم" فأبقاها في مرتبة أقل منه وزعم أن الله أوجد هذه الحال، ولذا يلزم بقاؤها في بيتها وتستر وجهها إذا خرجت (٢). وبعد هذا العرض العلمي كما يزعم يصل للنتيجة الخطيرة التي يحرص المتغربون عليها: "وذلك هو السر في ضرب الحجاب، وعلة بقائه إلى الآن، فأول عمل يعد خطوة في سبيل حرية المرأة هو تمزيق الحجاب ومحو آثاره" (٣). ونجد فارقًا شاسعًا بين هذه النتيجة مقارنة بما في "تحرير المرأة" الذي يقول فيه: "ربما يتوهم ناظر أنني لا أزال أرى الآن رفع الحجاب بالمرة، لكن الحقيقة غير ذلك، فإنني لا أزال أدافع عن الحجاب وأعتبره أصلًا من أصول الأدب التي يلزم التمسك بها، غير أني أطلب أن يكون منطبقًا على ما جاء في الشريعة الإِسلامية وهو -على ما في تلك الشريعة- يخالف ما تعارفه الناس

стр. 1123

عندنا. . . ." (١)، وقوله: "ولو أن في الشريعة الإِسلامية نصوصًا تقضي بالحجاب على ما هو معروف الآن عند بعض المسلمين لوجب علىّ اجتناب البحث فيه، ولما كتبت حرفًا يخالف تلك النصوص، مهما كانت مضرة في ظاهر الأمر؛ لأن الأوامر الإلهية يجب الإذعان لها بدون بحث ولا مناقشة. لكننا لا نجد نصًا في الشريعة يوجب الحجاب على هذه الطريقة المعهودة. . . ." (٢)، وبعد عرضه أقوال المجيزين كشفها الوجه والكفين عند أمن الفتنة قال: "ولا ريب أن ما ذكرنا من مضار التحجب يندرج في حكمة إباحة الشرع الإِسلامي كشف المرأة وجهها وكفيها -ونحن لا نريد أكثر من ذلك" (٣). لاريب أن هناك فارقًا كبيرًا بين الحالين، بين الدعوة للتمسك بالحجاب وبين الدعوة لتمزيقه، ولا يكون مثل هذه الحال إلا مع تغير كبير أصاب هذا الباحث. ونبحث الآن هذا المزعم العلمي حول أصل الحجاب. [حقيقة هذا الأصل]: تأتي المسائل عند قاسم وأمثاله بعد ذلك متفرعة عن هذا الأصل حول تكون العائلة والحجاب، وكأنه مسلمةٌ لا يعتريها النقاش والشك، وبهذا يحملون متبعهم في قطار ذي سكة واحدة، فمن ركب معهم لم يبق له إلا هذا المسار، ومن هنا كان من المهم قطع الطريق من أوله. ويأتي الإشكال هنا من جهتين: إما أن الطريق الذي صنعوه غير صحيح، وهو الغالب في مثل هذه المسائل، إذ أغلبها مبني على ادعاءات نعلم بطلانها من صحيح الوحي، ولا يستطيع عاقل جاهل بالوحي الجزم بصحتها أو علميتها، أو أن الطريق صحيح ولكنه يصح على أحوال بعينها، يغلب عليها في هذا الباب أن تكون أحوالًا منحرفة عن الفطرة السوية والشريعة المستقيمة، فيُحول المرض إلى قاعدة عامة، تعمّ كل الأحوال، وفي التعميم يقع خطأ المتعاملين مع مثل هذه المناهج. يقول "محمد أمزيان": إن "البحث في مجال النظم الاجتماعية من حيث أصولها ونشأتها والعوامل التي تخضع لها في تطورها تتعرض لكثير من الأخطاء، ولا يمكن أن تحقق قدرًا من العلمية لكثرة اعتمادها على التخمين والظن

стр. 1124

والافتراض، وهذا النوع من الدراسات يمثل الجانب الميتافيزيقي أو الغيبي لعلم الاجتماع" (١)، وقد غلب البحث عن الأصل الأول للنظم الاجتماعية على نشاط الجيل الأول من علماء الاجتماع، وأمثلتهم التي يمثلون بها من الشعوب البدائية، تُعرض في قالب تطوري من أثر الدارونية، ثم أعقب هذه المرحلة مرحلة جديدة من الدراسات التي تتفحص الوضعية التطورية وتعارض الكثير من استدلالاتها ونتائجها، ومن ذلك مثلا: دراسات جديدة تدحض مسلمة القول بأن إباحية الحياة الجنسية كانت أولى مراحل تطور الأسرة الإنسانية (٢). ومهما تكن الجهود المبذولة في هذا المضمار "فإن الاختلاف سيظل قائمًا بينهم ولا يمكن التوصل إلى نتائج قطعية بالاستناد إلى معلومات الإثنوغرافيا وحدها" (٣)، فالعودة لأصل التاريخ الإنساني عبر عينات من أي باب كانت لا يمكن أن تكون الدليل القاطع، ومعلوم أن تلك الأصول البعيدة لا نملك أدلة كافية تبين لنا حقيقتها، وبهذا تكون النتيجة المنطقية أن "المنهج الوضعي قاصر عن الكشف عن حقيقة النظم الاجتماعية من حيث أصل نشأتها؛ لأنه قاصر على إدراك أبعاد التطور الإنساني الضارب في التاريخ، ولابدّ من البحث عن مصدر آخر غير المعلومات التاريخية والإثنوغرافية والإنثروبولوجية والأركيولوجية. . . .، فمهما كانت طبيعة هذه المعلومات فهي ناقصة. . . ."، وإذا كان الأمر بهذه الحال فنحن في حاجة لمصدر آخر قادر على إطلاعنا بتلك الحقبة البعيدة وقادر على هداية البحث العلمي البشري، وهذا المصدر لن يكون إلا الوحي (٤). ويتواصل الإشكال مع النظريات المطروحة لتفسير التطور من ذلك الأصل الأول إلى الصورة الحالية التي وضعها أهل تلك النظريات آخر حلقة في السلم، ومن بين أشهر الاتجاهات في ذلك: الاتجاه الوضعي والاتجاه الماركسي (٥)،

стр. 1125

فهي من جهة مبنية على أصل غير مسلم به، ولم يسلم به إلا أتباع الاتجاه فقط، كما أن القانون الذي يفسر عملية التطور يلحقه ما لحق مبحث الأصل، والشواهد والأمثلة تخالف العمل العلمي لما فيها من انتقائية مع استبعاد ما يخالف فرضيات الاتجاه، ولذا فهم ينجحون عند تفسير الواقع ولكنهم يتيهون عند العودة للماضي أو عند وضع قانون عام للظواهر الاجتماعية، ولا يشترط أن يكون الواقع الصحيح من جهة التفسير هو الصحيح من جهة الحق والخير، فقد يكون الواقع هو المرض وينجح المفكرون في تشخيص المرض، ولكن صحة تفسير المرض لا يعني خيريته. الاستعانة بالعلم في تأكيد نتائج أصل الحجاب الاجتماعي: لقد بني قاسم دعواه على انحرافات علمية أو على أحسن الأحوال أوهامٍ علمية، ومع أن النتيجة التي وصل إليها باسم العلم لا تعد علمية فإنه مع ذلك أنهى الوضع وانتقل إلى استدلالات أخرى من ميادين للعلم لتأكيد سلامة النتيجة، وهو باب واسع وضبابي، مما يسمح بتسرب الأوهام تحت دعوى العلمية، حيث يغلب على المدعي فيها أن يذكر الدليل العلمي، وفي الفكر العلمي الحديث ما يعارضه تمام المعارضة، مما يجعل الجميع في حاجة لمرجعية أخرى، وعليا تحكم بين الطرفين. وهنا بعض ما ذكره في هذا الباب: [١] من ذلك الاستدلال بالتساوي في التكوين الجسدي للرجل والمرأة، فلماذا في رأيهم تُكلف بالحجاب! ولكن هذا الاستدلال تجد ما يعارضه من حقل العلم ذاته؛ أي: أننا نجد الدليل وضدّه، مما يعني وجود خطأ ما في التعامل مع العلوم الطبيعية التي تدرس جسد الإنسان. يرى قاسم أن أهم مسألة تسببت في استعباد المرأة، ثم حجابها هي تهمة نقصان العقل فيقول: "ولما كانت تهمة المرأة بنقصان العقل هي الحجة التي اتخذها الرجل لاستعبادها، وجب علينا أن نبحث في طبيعة المرأة لنعلم إن كانت، كما يقال أحط من طبيعة الرجل أم لا؟ " (١)، إلى أن قال: "يلزمنا لحلها أن نرجع إلى الأصول العلمية لنعلم ما تقرره فيها. . . . غير أنهم حكموا بأن المرأة ليست مثل الرجل في الخلقة، وأنه يوجد بين الصنفين اختلافات تشريحية

стр. 1126

وفسيلوجية يمتاز بها كل صنف عن الآخر. ولكن ليس في هذه الاختلافات ما يدل على أن أحد الصنفين أرقى من الآخر أو أحط منه" (١)، وهو يخلط هنا بين آراء البشر وقت انحرافهم عندما يحكمون بأفضلية مخلوق على آخر باللون أو الجنس، وهذا يخالف ما قرره الإِسلام عندما فرق من جهة الوظائف بين الذكر والأنثى، فهناك وظائف تناسب الرجل وأخرى تناسب المرأة، أما الأكرم فهو الأتقي، قال -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات:١٣] ,قال ابن كثير في تفسيره: "فجميع الناس في الشرف بالنسبة الطينية إلى آدم وحواء سواء، وإنما يتفاضلون بالأمور الدينية، وهي طاعة الله ومتابعة رسوله ﷺ ". ثم ذكر حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" (٢). ولكنه يترك هذه المعاني العظيمة التي قررها الإسلام، ويذهب إلى أمر قد لا يخالف في معلوماته، ولكن يخالف في النتائج التي يريد الوصول إليها، يقول: "والحقيقة أن المرأة أمام علم التشريح ليست أقل درجة من الرجل ولا أرقى منه، وإنما تختلف عنه؛ لأن لها وظائف تقوم بها غير وظائف الرجل" (٣). بل إننا نجد شهادات أخرى أكثر توازنًا من الناحية العلمية مع أن الدخول في هذا الباب دون الاستناد لركن قوي، يعرض الأطراف لتجاذبات قد لا تنتهي، ومع ذلك نذكر اتجاهًا آخر من داخل العلم يقول صاحبه: "إن الاختلافات الموجودة بين الرجل والمرأة لا تأتي من الشكل الخاص للأعضاء التناسلية، ومن وجود الرحم والحمل، أو من طريقة التعليم. إذ إنها ذات طبيعة أكثر أهمية من ذلك .. إنها تنشأ من تكوين الأنسجة ذاتها ومن تلقيح الجسم كله بمواد كيميائية محددة يفرزها المبيض. ولقد أدى الجهل بهذه الحقائق الجوهرية بالمدافعين عن الأنوثة إلى الاعتقاد بأنه يجب أن يتلقى الجنسان تعليمًا واحدًا، وأن يمنحا قوى واحدة ومسؤوليات متشابهة، والحقيقة أن المرأة تختلف اختلافًا كبيرًا عن

стр. 1127

الرجل. فكل خلية من خلايا جسمها تحمل طابع جنسها .. والأمر نفسه صحيح بالنسبة لأعضائها. وفوق كل شيء، بالنسبة لجهازها العصبي. فالقوانين الفسيولوجية غير قابلة للين مثل قوانين العالم الكوكبي .. فليس في الإمكان إحلال الرغبات الإنسانية محلها. ومن ثم فنحن مضطرون إلى قبولها كما هي. فعلى النساء أن ينمين أهليتهن تبعًا لطبيعتهن دون الرجال، فيجب عليهن ألا يتخلين عن وظائفهن المحددة" (١). والمسلم ليس في حاجة لتلك أو هذه إلا بقدر ما ينفعه منها، ولكن المقصود أن العلم الذي يستدل به على دعواه، الصحيح منه لا يخالف ما جاء به التشريع الرباني، وما سوى ذلك فستجد القول ونقيضه، وكلاهما ينتميان لحق العلم، ولا حلّ للمختلفين إلا بالحق، قال -تعالى-: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾ [البقرة: ٢١٣]. [٢] ومن ذلك إدخال الدراسات النفسية كحجة على المشكلات التي تترتب على الحجاب، ليصلوا إلى أهمية إزالته أو تخفيفه لأبعد حد ممكن، وتأتي النظريات النفسية حول الكبت والعقد النفسية ذات البعد العلماني في قمة التأثير، وفي ذلك تقول باحثة اجتماعية عن قاسم: "بل يذهب إلى أبعد من ذلك عندما يتناول تناولًا علميًا تأثير الحجاب في البناء النفسي والجسدي والعصبي للمرأة، فيقول: "إن الحجاب من شأنه أن يخل بنظام الجسد، وهو يضعف الأعصاب مما يجعل القوى النفسية تختل" (٢)، ونجد هذه الحملة عند متغرب آخر من نسبة كل أمراض المرأة الجسدية والعقلية والنفسية لدرجة البلاهة إلى الحجاب (٣)، ونجد عند مفكر آخر "فؤاد زكريا" دعواه بوجود ازدواجية للخطاب الإسلامي حول الحجاب "تتعلق بالسلوك المنتظر من المرأة المحجبة نفسها، فالمطلوب

стр. 1128

منها أن تكون متقشفة المظهر، حاجبة لنظرات الآخرين وأطماعهم، متباعدة قدر الإمكان عن الجنس الآخر، وفي الوقت ذاته أن تكون أنثى كاملة مع الزوج. . . . ولكن المشكلة من الوجهة النفسية أشد تعقيدًا بكثير؛ لأنها تفترض من المرأة القدرة على الجمع بين العفة المفرطة من ناحية، والإقبال المفرط على الجنس من جهة أخرى؛ ذلك لأن على هذه المرأة نفسها أن تعوض زوجها عن خشونة مظهرها الخارجي، وتثبت له أنها لا زالت الأنثى القادرة على تحقيق جميع رغباته. فكيف يمكن أن تجمع شخصية واحدة، ونفسية واحدة، بين هذين النقيضين؟ ألا يؤدي هذا التناقض بين المظهر الخارجي والممارسة الخاصة إلى أزمة نفسية أو تعقيد في التكوين الداخلي للمرأة؟ " (١). أول ما نجده حول قاسم أمين هو تضخيم مواقفه ذات البعد العلمي، ومن ذلك مسائل ذات صلة بعلم النفس بكل مذاهبه المتنافرة ونظرياته المتناقضة والمعقدة، وتتوقع أنك ستجد هذا الطرح العلمي النفسي بذكر النظريات والأدلة والنتائج فإذا نظرنا لما قاله فلا نجد إلا سطرًا أو سطرين، فأين هي العلمية! فمن ناحية شرعية يمتنع أن يوجد في شرع الله ما يضرّ جسد الإنسان أو نفسه، فما جاءت الشريعة إلا لسعادة الإنسان وصلاح حاله ومآله، كما أن الواقع لا يقدم أي دليل علمي، وإنما هو من رمي التهم وهي عادة كل من تأثر بالعلمنة والتغريب، وإلا فما يحصل للمرأة المتبرجة والتي تخالط الأجانب من إضعاف أعصابها، وما يصيبها من ضغط نفسي هو الأبرز، ولكنهم يتنكرون للفطرة، ويدّعون أن ما أصابها من جراء الاختلاط مرض لابد منه فهو ضريبة الحضارة. كما أنهم يصورون المتحجبة، وكأنها في كيس مغلق لا ترى النور ولا تشم الهواء، بينما الحجاب الإسلامي هو نوع من اللباس يغطي جمال المرأة وزينتها أمام الأجانب فقط ولا يمنعها من أي نشاط، كما أنه لا يحرمها من أي احتياج، قد نتصور تلك العقد والأمراض النفسية لو تخيلنا وجود امرأة في كيس، ولا تدري عن العالم حولها شيئًا ولا ترى نور الشمس ولا الهواء النقي ولا تتحرك ولا تمشي ولا تمارس نشاطًا بدنيًا، وهذا غير موجود في الحجاب الإسلامي. بل إننا لو سرنا في مسار الاستشهادات العلمية فسنجد دراسات من ميدان العلوم

стр. 1129

الاجتماعية تثبت عكس ما يدّعون، حيث تثبت الجانب النفسي الجيد للمتحجبة وذلك بالاعتماد على دراسات ميدانية متكئة على معرفة جيدة بميدان العلوم الاجتماعية ونظرياتها (١). النموذج الثانى: النموذج المادى الماركسى: سبق أن رأينا أن الدراسات العلمية حول المرأة والأسرة تنتمي لعلم الاجتماع الوضعي الذي تأثر كثيرًا بفكرة التطور الدارونية، وقد ظهرت اتجاهات اجتماعية مختلفة منها الوضعية التي تأثر بها "قاسم أمين"، ومنها "المادية" ولاسيّما في صورتها الماركسية، ويأتي هذا النموذج مثالًا عنها، وبقدر ما يتفقون في النتيجة حول وضع الحجاب، إلا أن الاختلاف فقط حول الأصول النظرية، وكما سبق فإن الاتفاق على خلع الحجاب لا يأتي بسبب علمية النتيجة، وإنما بسبب علمانية العلم، وهو الإطار العام الذي يضبط جميع الدراسات المنطوية تحته. نجد هذا المثال في تطورية دارونية ومادية صريحة مع سلامة موسى. ساق "موسى" مسار تطور الإنسان حيث بدأ بحسب زعمه مثل القرد يتسلق الأشجار ويعيش عليها، ثم حدثت ظروف حملت الإنسان على ترك الأشجار والعيش على الأرض، وبدأت تتطور أعضاء الإنسان بما يناسب المشي على الأرض، وقد كانت حياة الإنسان في هذه الفترة مشاعية، وفي هذه المرحلة تطور دماغه وانتقل لممارسة الصيد مما تعني الحاجة للتعاون والحاجة للغة فنشأت اللغة، وفي مرحلة الصيد نشأت "معظم خرافاته، جاءت من هذه الحقبة حين كان يستعين على الصيد بعقائد السحر والدين. ذلك أن الصيد خطر، والصائد عرضة لأن يكون فريسة ما يصيد، ولذلك كان الخوف يعم الصائدين ويحملهم على التشبث بأية عقيدة تلهمهم بعض الاطمئنان. وظهر حجاب المرأة في ذلك الوقت؛ ذلك أن أشأم كلمة أيام الصيد كانت كلمة الدم. إذ هي تحمل معنى القتل، ولما كانت المرأة تحيض كل شهر كانت لذلك يحرم على الرجل الاقتراب منها أو حتى رؤيتها قبل الخروج للصيد حتى لا يتشاءم بالدم" (٢).

стр. 1130

فهذه صورة أخرى حول أصل الحجاب، وهي تشترك مع ما طرحه قاسم أمين في باب تحول المرأة ضحية الاستعباد، وقد انتقل من أصل الحجاب إلى واقعه، فزعم أنه أكبر عائق من تحررها وتقدمها، وألصق بالحجاب أقذع الأوصاف، واعتبر "أثر الحجاب على المرأة أقسى ما يمكن أن تُبتلى به الأمة، حتى ولو كان زلزالًا أفضى إلى موت عشرة ملايين مواطن، ولم يبق سوى مليون؛ لأنه قد خلص إلى نتيجة، مفادها أن هبوط مستوى المرأة من الإنسانية إلى الحيوانية، سبب لهذا الحجاب" (١)، ورآه المرض الحقيقي لتأخر نسائنا (٢). نجد تصحيحًا ماركسيًا لكلام "سلامة" من أحد المعجبين به حول أصل الحجاب وذلك بوضع سكة قطار مادية أحادية: "وهذا صحيح، وإن كانت "النجاسة" في مفهوم المجتمع القديم، لم تتعلق بالدم كما يرى سلامة؛ لأن التفسير العلمي للحجاب هو الإحساس الجديد بالملكية. ففي المجتمع المشاعي -حيث العلاقات الجنسية غير مقيدة- لا نجد الحجاب. وإنما وجد -لأول مرة- مع ميلاد الملكية الفردية. فالنجاسة هناك "اقتصادية" في الأغلب "كما بدأ انتشار ستر العورة كطريقة صريحة لامتلاك النساء". بالرغم من أن "سلامة موسى" يرى أن ستر العورة كان عملية تزيين مثيرة للجنس. وهذا صحيح أيضًا. ولكن هذه الزينة المثيرة نفسها لم تبدأ إلا مع إحساس المرأة بحاجتها "الاقتصادية" للرجل. فلم يصبح ساعداها، وإنما جسدها، مركز الإغراء. ولما كانت الفروق التي حدثت للمجتمع الإنساني، بعد تطوره من العبودية إلى الرأسمالية المعاصرة، لم تصنع تغييرًا حاسمًا لمركز المرأة، فإن جسدها ظل بؤرة إغرائها للرجل .. أو لمستقبلها الاقتصادي، ولذا بقي "الحجاب" و"الفصل بين الجنسين" و"الثأر للشرف". . . . كرواسب حية نامية على العمود الفقري للنظام الطبقي، الممتد من بداية المجتمع العبودي حتى مجتمعنا الرأسمالي الحديث" (٣)، ثم قال هذا الماركسي: "والحجاب -في النهاية- ليس جدران الحريم، ولا البراقع السود، وإنما هو نظام اجتماعي بأكمله"، ويرى أن كل المساواة بين الذكر والأنثى الموجودة في النظام الرأسمالي لن تنجح إلا إذا تغير النظام الاجتماعي

стр. 1131

الطبقي (١)، ثم هو يبشر بما يحدث في نصف العالم الذي ينتقل لطور جديد طور "المرحلة الاشتراكية في الاقتصاد والاجتماع على السواء، إذ إن أدوات الإنتاج التي كانت تملكها طبقة فحسب، أعيدت -أو في سبيل إعادتها- إلى القوى المنتجة .. للرجل والمرأة جميعًا" عندها يختفي "ذلك الوضع الشاذ -وهو سيطرة الرجل على المرأة- بدخول المرأة ميادين الإنتاج، إذ تنتفي الدوافع التي كانت سببًا في سيطرة الرجل" (٢)، ويسقط مع سقوط المجتمع الطبقي الحجاب، وكل نظام يقترب من الفطرة، من زواج وأسرة وتربية للأبناء وممارسة الجنس وغيرها (٣). تقع هذه النظرة في نفس الإشكاليات التي تقع فيها النظرة السابقة من جهة أصل العائلة، فهي تقع في بؤرة إشكالية إقامة دعوى عن إباحية جنسية أول الوجود الإنساني، إلا أن الحجاب هنا ولد مع الملكية الفردية وما تبعه من ظهور المجتمع الطبقي، فيختزل الأمر في الجانب الاقتصادي، ويختزل تبعًا لذلك تاريخ الإنسانية في هذا الجانب، ثم يربط الحل بالجانب نفسه، ويطرح النموذج الشيوعي نموذجًا طوباويًا لمجتمع في اتصال جنسي قائم على الحب دون الحاجة لنظام الأسرة، ويقوم المجتمع بتربية الأطفال، وتختفي كلمة لقيط، والشرف والعار وكل الأمور التي هي إفراز شاذ لمجتمع طبقي، ولا شك أن ذلك النموذج الذي يعرضونه قد سقط سقطة مهولة، وقد كان من أكبر ضحاياه المرأة في تلك المجتمعات، حيث تشير التقارير الدولية عن أكبر عملية تجارة للرقيق الأبيض من الجمهوريات الاشتراكية التي بشر بها هذا الماركسي وأمثاله. وفي الختام قد يكون من المناسب ذكر موقف منسوب لقاسم أمين في آخر حياته: "لقد كنت أدعو المصريين قبل الآن إلى اقتفاء أثر الترك، بل الإفرنج في تحرير نسائهم، وغاليت في هذا المعنى حتى دعوتهم إلى تمزيق ذلك الحجاب، وإلى إشراك النساء في كل أعمالهم ومآدبهم وولائمهم .. ولكني أدركت الآن خطر هذه الدعوة بما اختبرته من أخلاق الناس، فلقد تتبعت خطوات النساء في كثير من

стр. 1132

أحياء العاصمة والإسكندرية لأعرف درجة احترام الناس لهن، وماذا يكون شأنهم معهن إذا خرجن حاسرات، فرأيت من فساد أخلاق الرجال بكل أسف، ما حمدت الله على ما خذل من دعوتي، واستنفر الناس إلى معارضتي .. ، رأيتهم ما مرت بهم امرأة أو فتاة إلا تطاولوا إليها بألسنة البذاء، ثم ما وجدت زحامًا في طريق فمرت به امرأة إلا تناولتها الأيدي والألسنة جميعًا .. إنني أرى أن الوقت ليس مناسبًا للدعوة إلى تحرير المرأة بالمعنى الذي قصدته من قبل" (١). وفي خاتمة هذا المبحث نصل إلى أن التغريب قد تلبّس بالعلم ونظرياته من أجل علمنة الحياة العملية، وأن العلم لم يكن سوى قناع لتلك المهمة، أما العلم الصحيح النافع فلا يكون مخالفًا لما جاء به الدين، وقد ظهر أن ما يقولون: إنه علم ويعارض الدين أنه ليس كذلك، سواء في باب الأخلاق، أو في باب الربا، أو في باب التداوي، أو في باب الحجاب، وأن العلم الصحيح والنافع منه تجده يسير بجانب الدين ويتفق معه دون مشكلات بخلاف ما ادعي علميته مع المتغربين فهو يصطدم بالدين. وبهذا ينتهي الحديث عن الأمثلة المقترحة، ومعها ينتهي الفصل الثالث، وبذلك يختم الباب الثاني. وقد بُحث في هذا الباب التأثر المنهجي في الفكر التغريبي بالانحراف المصاحب للعلم الحديث، وذلك في ثلاثة فصول: الفصل الأول عن التأثر المنهجي في مصدر التلقي وطرق الاستدلال، وقد نوقش ذلك في مبحثين الأول عن المصدر وأثر الانحراف في هجر الوحي، والثاني عن أثر الموضوعية في استبعاد الدين. والفصل الثاني كان عن التأثر المنهجي في طريقة التعامل مع القضايا الغيبية الاعتقادية، وقد نوقش في مبحثين: الأول عن الأصل المنهجي الذي يسبب مثل هذا الانحراف، وهو الانحراف في الغيب، بينما المبحث الثاني يطرح أمثلة وقع فيها الانحراف. والفصل الثالث كان عن التأثر المنهجي في طريقة التعامل مع القضايا الشرعية العملية، وقد نوقش في مبحثين: الأول عن الأصل المنهجي الذي يسبب مثل هذا الانحراف وهو أثر العلمنة ومفاهيمها، بينما المبحث الثاني يعرض أمثلة وقع فيها الانحراف.

стр. 1133

الباب الثالث صور لدعاوى باطلة ونظريات منحرفة ظهرت في الفكر التغريبي حول الدين والعلم وخطورتها وفيه فصلان: • الفصل الأول: صور لدعاوى أظهرها الاتجاه التغريبي باسم العلم الحديث. • الفصل الثاني: صور من ثأثر الفكر التغريبي بنظريات علمية منحرفة حول مفهوم الدين.

стр. 1134

الباب الثالث صور لدعاوى باطلة ونظريات منحرفة ظهرت في الفكر التغريبي حول الدين والعلم وخطورتها بعد النجاح الباهر للعلم في العصر الحديث، واستقلاله عن الفلسفة وعن الدين في إطار الحضارة الغربية، أصبح يمثل عند تيارات الفكر أيدلوجيا جديدة تنافس الفلسفة والدين في تلك الحضارة، وقد نشبت صراعات فكرية كبيرة بسبب ذلك، وهي مشكلة خاصة بالبيئة الغربية أساسًا، وترتبط بالتطورات والتغيرات التي شهدها واقعهم، ولكن أهل التغريب أبوا إلا نقل تلك المشكلات للبيئة الإِسلامية، وتصويرها وكأنها مشكلات كونية، ومن ذلك الرؤى الجديدة حول: "العلاقة بين الدين والعلم"، أو "حول رؤية العلم للدين". فمن جهة "العلاقة بين الدين والعلم" ظهرت مجموعة دعاوى أبرزها "ثلاث": الأولى، دعوى أهمية إبعاد الدين عن العلم تحت مبدأ علمنة العلم، فقد أوحت التجربة الغربية الناتجة عن الصراع بين الكنيسة والعلم وبتشكل مجتمع علماني دنيوي بأهمية علمنة العلم. والثانية، تجاوزت مسألة الفصل بين المجالين إلى دعوى وجود تعارض بين الدين والعلم، وذلك لصالح العلم؛ لأن العلم مبني

стр. 1135

على الحقائق، ومن ثم فنتيجة رفع دعوى التعارض الاهتمام بالعلم وإهمال الدين، وهنا تظهر الدعوى الثالثة كبديل عن الدين المُهمَل، وهي القول بكفاية العلم لشموليته، فما من باب إلا طرقه، فليُترك الدين ويكتفى بالعلم. وقد خصصت لهذه الدعاوى الفصل الأول، وأتناول كل واحدة منها بمبحث مستقل على النحو الآتي: الفصل الأول: صور لدعاوى أظهرها الاتجاه التغريبي باسم العلم الحديث. المبحث الأول: دعوى أهمية علمنة العلم ورفض التأصيل الإِسلامي مظاهرها وخطرها. المبحث الثاني: دعوى التعارض بين الدين والعلم الحديث. المبحث الثالث: دعوى كفاية العلم الحديث لحاجة الإنسان وشموليته بدلًا عن الدين. ومن جهة "رؤية العلم العلماني للدين" ظهرت مجموعة علوم تهتم بدراسة الدين بعد دعوى استقلال العلم عن الدين، بحيث أصبح بإمكانه دراسة أي شيء بما في ذلك الدين الذي انفصل عنه؛ أي: أن الدين يُدرس دراسة علمية، ومن هنا تدخل النظريات العلمية حول الدين، وقد كثرت في الغرب، ولكن أهمها مع المتغربين "ثلاث": أوّلها، نظريات التطور حول الدين التي ارتبطت بداروين ثم بالدارونية الاجتماعية، وثانيهما، نظريات حول الدين ظهرت في علم النفس، وثالثها، نظريات حول الدين ظهرت في علم الاجتماع. وقد خصصت لهذه النظريات حول الدين الفصل الثاني، في ثلاثة مباحث، يتناول الأول النظرية التطورية في تفسير الدين، والثاني عن النظرية النفسية، والثالث عن النظرية الاجتماعية، على النحو الآتي: الفصل الثاني: صور من تأثر الفكر التغريبي بنظريات علمية منحرفة حول مفهوم الدين. المبحث الأول: التأثر بنظرية داروين التطورية من علم الأحياء حول الدين. المبحث الثاني: التأثر بنظريات من علم النفس حول الدين. المبحث الثالث: التأثر بنظريات من علم الاجتماع حول الدين.

стр. 1136

إذًا، يبحث الباب الثالث في الفصل الأول المشكلات التي أثارها المتغربون بين الدين والعلم من جهة العلاقة، مثل: "العلمنة" و"التعارض" و"الكفاية", بينما يبحث الفصل الثاني المشكلات التي أثارها المتغربون بين الدين والعلم من جهة دعوى التصور العلمي للدين، مثل "التطورية" و"النفسية" و"الاجتماعية".

стр. 1137

الفصل الأول صور لدعاوى أظهرها الاتجاه التغريبي باسم العلم الحديث وفيه ثلاثة مباحث: • المبحث الأول: دعوى أهمية علمنة العلم ورفض التأصيل الإسلامي: مظاهرها وخطرها. • المبحث الثاني: دعوى التعارض بين الدين والعلم الحديث. • المبحث الثالث: دعوى كفاية العلم الحديث لحاجة الإنسان وشموليته بدلًا عن الدين.

стр. 1138

الفصل الأول صور لدعاوى أظهرها الاتجاه التغريبي باسم العلم الحديث يبحث هذا الفصل في دعاوى تغريبية حول العلاقة بين الدين والعلم، فإن للعلم نظرياته التي سببت صراعًا حادًا داخل الحضارة الغربية بين الكنيسة والعلم، مما دفع بدعوى "العلمنة" للواجهة كحل، وهي مبنية على وجود "تعارض" بين الدين والعلم ونظرياته، وكانت في الحضارة الغربية قائمة بين الكنيسة والعلمانية في جوهرها، ومن نتائج ذلك القول مع طائفة كبيرة بـ"كفاية" العلم. وقد انتقلت هذه المشكلات للبيئة الإِسلامية مع المتغربين، فنشروا نظريات هدفها إثارة المشكلات، ومن ثم تحمسوا لـ"علمنة" العلم بحجة تخليصه من قيود الدين، ورفعوا من شأن "التعارض" بين الدين والعلم، وما ترتب على ذلك من مواقف اتخذوها، وانساقت طائفة من المتغربين في دعوى "كفاية" العلم. فهذه ثلاثة مباحث تناقش هذه الانحرافات التي أقامهما المتغربون بين الدين والعلم حول "العلمنة" و"التعارض" و"الشمول".

стр. 1139

المبحث الأول دعوى أهمية علمنة العلم ورفض التأصيل الإِسلامي مظاهرها وخطرها تتميز الأمة الإِسلامية بمركزية العلم فيها، فالعلم ركن أصيل في الإِسلام، لهذا يرتبط العلم بالدين ارتباطًا وثيقًا، وقوة الدين وصحته وسلامته تعني قوة العلم، بخلاف الحضارة الغربية الحديثة، حيث ارتبط تقدم العلم فيها بالانفصال عن الدين، وبما أن المتغربين مقتدون بالغرب، فقد ظنوا أنه لا علم إلا بالانفصال عن الدين. يرتبط العلم في التاريخ الإِسلامي بهذا الدين الحق الذي أوجد هذه الأمة، وجعلها خير أمة أخرجت للناس، وكلما ارتبط العلم بهذا الدين العظيم نمى وازدهر ونفع، فإن انفصل عن الدين انحسر أمره وظهر ضرره. وقد وقع ضعف في عصور المسلمين الأخيرة أصاب كل شيء بما في ذلك العلم، ومع ذلك فما كان يتوقع أحد أن يأتي ذلك اليوم الذي يُدْعى فيه للفصل بين الدين والعلم؛ لأن الأمة تعرف أن الدين هو سبب ظهور هذه الأمة العالمة، فكيف يأتي يوم يُطلب فيه تنحية الدين عن نشاطات حياة المسلم! وكذا الفطرة السليمة لا تجد مشكلة

стр. 1140

بين الدين والعلم (١)، ومع ذلك جاء من يتحمل وزر هذه الدعوى، ويزعم أنها الطريق لنهضتنا العلمية، فكيف برزت هذه الدعوى؟ وما علاقتها بالعلم الحديث ونظرياته؟ ومن خلفها؟ وما حقيقتها؟ وما خطرها؟ وأسئلة أخرى يتناولها هذا المبحث بالتحليل والدراسة. وبما أن المظلة التي استظلت بها هذه الدعوى هي العلمانية "أي: طلب علمنة العلم" فستكون الدراسة من خلال هذه المظلة. تعريف العلمانية: يُطلق على المجتمعات الغربية أنها مجتمعات علمانية، وكذا دولها حيث يقال: هي دولة علمانية وتنصّ دساتيرها على العلمانية، وتكون الدولة ومؤسساتها تبعًا لذلك علمانية، بما في ذلك العلم الحديث الذي برع فيه الغرب، وأول ما يواجه الباحث هنا مشكلات التعريف والاختلافات حوله؛ لأن منها ما يركز على صورته الفكرية الذي عُرف في الوسط الفلسفي والفكري، ومنها ما يركز على صورته الاجتماعية من تبني تيارات واتجاهات لهذا المفهوم والدعوة له ونشره، ومنها ما يركز على صورته القانونية البارزة في دساتير الدول الغربية، ومن قلدها بعد أن نُص عليها في تلك الدساتير، ومنها ما يركز على ثماره ونتائجه التطبيقية في مجالات الحياة من تعليم وسياسة واقتصاد وفكر وثقافة وفنون وآداب وعلاقات وغيرها. وما يهمنا أنه مصطلح ظهر للتعبير عن أمرين، وتبعًا لذلك تكونت له رؤية، والأمران هما: "الفصل بين الدين ودنيا الناس، والاهتمام بالدنيا وإغفال الآخرة"، ولن يحقق المفهوم عمله إلا برؤية، ومن هنا ظهر المصطلح برؤية جديدة تعارض الرؤية الدينية. وأكتفي هنا بالتعريف اللغوي والترجمة العربية له، ثم أنتقل لأحدث التعريفات له في اللغة العربية: مصطلح "العلمانية" مصطلح له شهرته في السنوات الأخيرة، وقد جمع أستاذنا الكريم الدكتور "السيد أحمد فرج" في كتابه: "جذور العلمانية" مجموعة أبحاث حول تحديد هذا المصطلح، نختصرها هنا: "العلمانية" مصطلح أفرزته

стр. 1141

الحياة الأوروبية، ويراد به كما جاء في "المورد": "عدم المبالاة في الدين، أو بالاعتبارات الدينية" (١)، وفي معجم "ويبستر" "علماني: (secular)، دنيوي: (worldly)، أو لا ديني: (pagan) ، ومن معانيها: الشيء الذي يحدث مرة واحدة في عصره، أو جيل أو شيء مرتبط بعصره. وأشهر معانيه الآن: الأمور الدنيوية المتمايزة عن الأشياء الروحية، غير العقدية، وغير التي لها صفة الخلود "الأخروي"" (٢). (والعلمانية: secularism، فهي رؤية للحياة، أو في أي أمر معين يعتمد أساسًا على أنه يجب استبعاد الدين، وكل الاعتبارات الدينية وتجاهلها، ومن ثم فهي نظام أخلاقي يعتمد على قانون يقول: بأن المستويات الأخلاقية، والسلوكيات الاجتماعية يجب أن تحدد من خلال الرجوع إلى الحياة المعيشية، والرفاهية الاجتماعية، دونما الرجوع إلى الدين" (٣)، ويختصر "الخطيب" أهم دلالاتها في المعاجم الفرنسية فيقول: "دنيويّ، أو زمني، أو عامي، أو قرني، أو دهري، أو ترابي، أو عالمي" (٤). وتقول "دائرة المعارف البريطانية" في تعريف كلمة " secularism": " هي حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس عن الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بالحياة الدنيا وحدها. ذلك أنه كان لدى الناس في العصور الوسطى رغبة شديدة في العزوف عن الدنيا، والتأمل في الله واليوم الآخر. ومن أجل مقاومة هذه الرغبة طفقت الـ" secularism" تعرض نفسها من خلال تنمية النزعة الإنسانية، حيث بدأ الناس في عصر النهضة يظهرون تعلقهم الشديد بالإنجازات

стр. 1142

الثقافية البشرية، وبإمكانية تحقيق طموحاتهم في هذه الحياة القريبة. وظل الاتجاه إلى الـ" secularism" يتطور باستمرار خلال التاريخ الحديث كله باعتبارها حركة مضادة للدين ومضادة للمسيحية". "وهكذا يتضح أنه لا علاقة للكلمة بالعلم، إنما علاقتها قائمة بالدين ولكن على أساس سلبي؛ أي: على أساس نفي الدين والقيم الدينية عن الحياة. وأولى الترجمات بها في العربية أن نسميها "اللادينية" بصرف النظر عن دعوى "العلمانيين" في الغرب بأن "العلمانية" لا تعادي الدين، إنما تبعده فقط عن مجالات الحياة الواقعية: السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية .. إلخ، ولكنها تترك للناس حرية "التدين" بالمعنى الفردي الاعتقادي، على أن يظل هذا التدين مزاجًا شخصيًا لا دخل له بأمور الحياة العملية" (١). وتتفق كلمة الباحثين السابقين على أنه لا صلة للعلمانية بالعلم، وفي ذلك يقول "الخطيب" بعد السرد السابق لها في المعاجم الفرنسية: "فكل واحدة من هذه النسب تصلح أن تكون مقابلًا للكلمة الفرنسية (seculaire), إلا العلم فلا يدخل في مدلولاتها في أي مرجع غير عربي. . . ." (٢)، وهي النتيجة نفسها التي توصل إليها الدكتور السيد فرج (٣)، وتبعًا لذلك تذهب الأبحاث السابقة إلى أن المصطلح العربي العَلمانية مشتق من العَالَم بفتح العين، ويذهب إلى هذا مجموعة من المدافعين عن العلْمَنة أيضًا (٤)، وفي المقابل هناك طائفة من المدافعين عن العلمانية يرون أن أصلها مشتق من العِلم، بكسر العين (٥). وإذا كانت الكلمة بعيدة عن العلم من جهة الترجمة، إلا أن المدافعين عن

стр. 1143

العلمنة يعودون من النافذة بعد خروجهم من الباب لإثبات الصلة بين العلمانية والعلم من جهة جوهر رؤيتها، فيجتهدون في ربط العلمانية بالعلم بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ومن ثم يدافعون عن علمنة العلم لتعليلات يأتي الوقوف معها لاحقًا، ففي "الموسوعة الفلسفية العربية" المشهورة تعريف بالعلمانية، ويقرّ المعرِّف بها أنها غير مشتقة من العِلم، بل هي من العَالَم، ثم يقول: "ولكن ليس من قبيل الصدفة أن تذهب الأذهان إلى العِلم عند ذكر العلمانية، فما ذلك لتشابه في اللفظ فحسب، بل كذلك للصلة المضمونية. فالعلماني هو بالإجمال من يأخذ بالتصور العلمي للعالم في مقابل التصور الديني" (١)، ويقول "العظمة": "والحال أن العلمانية في توصيفها الفكري تحتمل الاثنين وتتضمنهما معًا، فالعلمانية تستند إلى النظرة العلمية بدل الدينية الخرافية إلى شؤون الكون والطبيعة على العموم، وتؤثر الكلام في علم الفلك على الكلام القرآني حول التكوير، والكلام في الجغرافيا الطبيعية على الكلام حول جبل قاف، والأخذ بالاعتبار العقلي بدل الاعتبار الإيماني والخرافي لأمور كالمعراج والطوفان وانقلاب العصي أفاعيَ، والمشي على الماء وإحياء الموتى، وشق البحر. ." (٢). والحقيقة أن التصور العلمي للعالم ليس لعلميته الكاملة، فهي علمية نسبية وغير مكتملة، ولكنه أصبح يشارك الدين في أمور حول العالم والإنسان والحياة، ويجيب بأجوبة فيها، قد تتفق مع الدين وقد تختلف معه، وبما أن العلماني يهرب من الدين، فإنه يدّعي ذهابه للعلم بسبب دخول العلم مجالات كان الدين هو الذي يتحدث عنها، وقد لا يقدم العلم الجواب المقنع في كثير من المسائل، ولكنه يقدم أجوبته باسم العلمية، فيلتصق العلماني بالعلم كبديل عن الدين، فموقفهم علماني وليس علميًا؛ لأن الموقف العلمي هو الذهاب مع الحق، فإن وجد في الدين ذهب معه وإن وجد في العلم أخذ به، وما في العلم من حقائق لا تتعارض مع الدين الحق. ويقدم الدكتور "فؤاد زكريا" حجة أخرى لهذا الربط بين العلمانية والعلم بعد أن رجّح عدم الصلة الاشتقاقية، فربطها من جهتين: فالعلم بمعناه الحديث

стр. 1144

لم يظهر إلا بعد انتزاع أمور الحياة من المؤسسات الدينية، والعلم مرتبط بهذا العالم الذي تهتم به العلمانية ويترك ما وراءه لأنواع أخرى من المعرفة، دينية كانت أم صوفية، "ولم يصبح العلم علمًا إلا منذ أن ركز اهتمامه على فهم هذا الكون المنظور، وترك شؤون الآخرة للدين، ورفض أية محاولة للخلط بين المجالين" (١). ولهذا يروّج دعاة العلْمَنة للعلمانية تحت ستار العلم، ومن ذلك قولهم: "إنها الأسلوب الوحيد لتحرير العلم من الدين" (٢)، حتى شاع عند بعض الناس أن العلمانية وإن جافت الدين فهي "تشتمل على الأفكار والمبادئ التي تشكل الفكر "العلمي" الذي يمكن أن يعين علي بناء النهضة وصنع التقدم والمساهمة "العلمية" في حل مشكلات التاريخ والاجتماع والاقتصاد والأمية. . . . أي: استقر في خلد البعض أنها هي "العلمية" التي ترتكز على النظر العلمي والبحث المنهجي والاستقراء والملاحظة. . ." (٣). وقفتان حول المصطلح: "تاريخية المصطلح، وعلاقته بالعلم ": أقف الآن وقفتين مع المصطلح، الأولى حول الظرف التاريخي لظاهرة العلمانية، والثانية حول حقيقة الصلة بين العلمانية والعلمية، فأما [الأولى] فتتفق الدراسات على أن العلمانية برزت في مرحلة الصراع الثقافي والاجتماعي بين الكنيسة وخصومها، وقد ارتكبت الكنيسة حماقات كبيرة في صراعها مع العلوم البشرية وأهلها، وادّعت تمثيل الدين في خصومتها، وما كانت أهلًا لتمثيله بما تحمله من جهل وظلم، جهل بالدين الحق وظلم للناس باسم هذا الدين المحرّف الذي تتبناه، وأخطر ما في الأمر أنها أصبحت سُلطةً ذات مكاسب من فرْض جهلها وظلمها، فجاء مشروع العلمنة كحل لفصل الكنيسة عن حياة الناس السياسية والاقتصادية والعلمية والشأن العام كله، فيبقى التدين شأنًا فرديًا، ولكن العلمانية لا يمكن أن تكون عملية فصل محايدة سلبية، وإنما كانت حركة ذات رؤية جديدة بلغت ذروتها في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر.

стр. 1145

وفي هذا المقام نعرض حديث القرآن عن هذه السلطة الكنسية الفاسدة ودعوته لمقاومتها والعودة للدين الحق، فالله سبحانه قد أخبر عن هذه السلطة الباطلة فقال -تعالى-: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١]، قال ابن كثير ﵀: "روى الإِمام أحمد، والترمذي، وابن جرير من طرق، عن عدي بن حاتم، ﵁، أنه لما بلغته دعوة رسول الله ﷺ فرَّ إلى الشام، وكان قد تنصر في الجاهلية، فأسرت أخته وجماعة من قومه، ثمَّ منَّ رسول الله ﷺ على أخته وأعطاها، فرجعت إلى أخيها، ورَغَّبته في الإِسلام وفي القدوم على رسول الله ﷺ ، فقدم عَدِيّ المدينة، وكان رئيسًا في قومه طيء، وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم، فتحدَّث الناس بقدومه، فدخل على رسول الله ﷺ ، وفي عنق عَدِيّ صليب من فضة، فقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم! فقال: بلى، إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام، فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم" (١)، فالأحبار والرهبان قد وضعوا أنفسهم في مقام من يُشرعّ ويمارس ذلك باسم الرب، وقَبِل الأتباع بهذه الحالة فوضعوا الأحبار والرهبان موضع الرب، ولا شك أنها سلطة عالية حصلوا عليها، وقد حرّم الله سبحانه قبولها وأوجب نبذها. وقال الشيخ السعدي في هذه الآيات: " ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ أي: كيف يصرفون على الحق، الصرف الواضح المبين، إلى القول الباطل المبين. وهذا -وإن كان يستغرب على أمة كبيرة كثيرة، أن تتفق على قول- يدل على بطلانه أدنى تفكر وتسليط للعقل عليه، فإن لذلك سببًا وهو أنهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ﴾ وهم علماؤهم ﴿وَرُهْبَانَهُمْ﴾ أي: العُبَّاد المتجردين للعبادة ﴿أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يُحِلُّون لهم ما حرم الله فيحلونه، ويحرمون لهم ما أحل الله فيحرمونه، ويشرعون لهم من الشرائع والأقوال المنافية لدين الرسل فيتبعونهم عليها" (٢).

стр. 1146

وقال القرطبي ﵀: "قوله -تعالى-: ﴿أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال أهل المعاني: جعلوا أحبارهم ورهبانهم كالأرباب حيث أطاعوهم في كل شيء" ثم استشهد ببيت معبرٍ لعبد الله بن المبارك: "وهل أفسد الدين إلا الملوك ... وأحبار سوء ورهبانها" (١) وفي هذا البيت تنبيه لطيف لمثل هذه السلطات الباطلة: سلطة السياسة الفاسدة التي عرفتها أوروبا في عصورها الوسطى، وسلطة الكنيسة مع الأحبار والرهبان، فأفسدوا دين الناس ودنياهم. وللقرطبي ﵀ وقفة مهمة مع قوله -تعالى-: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ [البقرة: ٧٨ - ٧٩]: "قال علماؤنا -رحمة الله عليهم-: نعت الله تعالى أحبارهم بأنه يبدلون ويحرفون فقال وقوله الحق: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾، الآية. وذلك أنه لما درس الأمر فيهم، وساءت رعية علمائهم، وأقبلوا على الدنيا حرصًا وطمعًا، طلبوا أشياء تصرف وجوه الناس إليهم، فأحدثوا في شريعتهم وبدلوها، وألحقوا ذلك بالتوراة، وقالوا لسفهائهم: هذا من عند الله، ليقبلوها عنهم فتتأكد رياستهم وينالوا به حطام الدنيا وأوساخها" (٢)، وهو إشارة واضحة إلى البحث عن الرياسة والشهرة والسلطة بما كذَبوا به على الله من أخبار أو شرائع، فبهذه السلطة الفاسدة يتحكمون في الأتباع بالباطل وبالظلم، ويظهر بذلك الفساد في دنيا الناس ودينهم مما يوجب على العقلاء نبذها والبحث عن الحق. أما الوقفة الثانية فهي عن الصلة بين العلمانية والعلمية، وقد آن الأوان لرفع هذا التلاعب الدلالي بالمصطلحات الحادثة، وكشفها بكل أبعادها، ومن ذلك الخلط المتعمد بين العلم والعلمانية، فالعلمية قبل أن تكون مطلبًا علمانيًا إن صح ذلك فهي مطلب إسلامي، فالإِسلام يطلب من أهله أن يقيموا دينهم ودنياهم

стр. 1147

على العلم، ويندهش كل عاقل من مكانة العلم في الإِسلام، رسالته تقوم على الانتقال بالأمة من الجهل للعلم، وأن تقيم حياتها على العلم، وقد سبق بيان ذلك. ولو صح حرص العلمانية على العلم فهو علم ناقص وفقير، فهو ناقص من جهة اهتمامه بعلم الدنيا فقط، وفقير لغياب التصورات والقيم التي تحيطه وترعاه، فالعلمانية تريد علمية خالية من الدين حتى فيما هو ضروري للعلم من الدين، بينما العلمية في الإِسلام علمية مستضيئة بنور الوحي ومهتدية بالدين، العلمانية منهج حياة يبعد الدين عن شؤون العالم وهذا لا علاقة له بالعلمية البشرية التي هي نشاط لمعرفة القوانين (١). والعلمية قد نشأت أساسًا في الحضارة الإِسلامية في ظل الإِسلام، بخلاف العلمانية، فقد نشأت في حضارة هاربة من الكنيسة، ومن رجع لتاريخ الفكر الغربي يجد أن الحركة العلمية انطلقت من أناس لا يرفضون الدين، فقد قامت الثورة العلمية والفكر المرتبط بها من قبل متدينين أو لا يرفضون الدين، ومنهم رجال كبار في الكنيسة، فلم تقم معهم دعوى للفصل، وإنما جاء الفصل الحقيقي "مع عصر التنوير وبلغ ذروته مع الوضعيين"، وما زالت آراء الوضعيين ذات تأثير إلى اليوم (٢)، وقد ساد تبعًا لذلك في القرنين الماضيين الاعتقاد بأن هناك تصادمًا لا يمكن تجنبه بين المعرفة العلمية والإيمان الديني، وقد آن الأوان -بحسب زعمهم- للاستعاضة عن العقائد الدينية بالعلم (٣). ومع ذلك فمن المسلم به أن العلمانية تبنّت العلم الحديث ودافعت عنه ولكن بالصورة التي تراها, وليس ذاك العلم المحايد الموضوعي، وإنما العلم المنخرط في صراع فكري داخل الغرب المختلط بتصورات فلسفية وفكرية لا دينية؛ أي: العلم العلماني وليس العلم المحايد الموضوعي. والعلم طاقة من طاقات الإنسان، وهو في حاجة إلى منهج وروح وليس أمامه سوى الدين أو العلمنة (٤)، والعلمنة قد أثبتت فشلها أن تكون روحًا للعلم،

стр. 1148

فما بقي إلا تصحيح المسار بالعودة للدين، وربط كل شئوننا به. ومع أن الفطرة السليمة ضد هذه القسمة وكذا العقل الصحيح، ومع أنها ترتبط بواقع تاريخي أساءت فيه الكنيسة باسم الدين أيما إساءة، ثم بواقع متطرف معارض لها تمثل في الملحدين وأمثالهم النابذين للدين كونه دينًا فقط، مع كل هذه الحقائق الجلية التي تجعل من الدفاع عن العلمنة أمرًا سخيفًا بمنطق العقلاء، فإن أصرّ هؤلاء على الاستشهاد بواقع الحركة العلمية في أوروبا العلمانية، فنضيف هنا تحليلًا للمسألة حتى نكشف أبعادًا أخرى يتجاهلها العلمانيون: تحتاج الظواهر المعقدة إلى تحليل دقيق، ومن ذلك هذا التصاحب بين الثورة العلمية والنجاح العلماني، وهنا تقدم سؤالًا نقديًا مهمًا: هل يعني هذا التصاحب وجود سببية؟؛ أي: أن العلمانية كانت سببًا في تقدم العلم كما هو قول أكثر المتغربين أو أن التقدم العلمي يؤدي للعلمانية كما هو قول طائفة أخرى، وهل يعني وجود ظاهرتين في عصر واحد وجود السببية أم أنه قد توجد ظواهر متجاورة وتكون العلاقة بينها غامضة وتفتح الباب للاستثمار من قبل القوى الاجتماعية الفاعلة بما يتوافق مع هواها؟ لم يتيسر لي رؤية دراسة عربية تبحث هذه القضية وتجيب عن هذه التساؤلات المهمة، ولاسيّما أن هناك شواهد وظواهر تُضعف من مسألة السببية الإيجابية بين العلمانية والعلم، ومن ذلك أن بداية الثورة العلمية جاءت مع متدينين، بل بعضهم من رجال الكنيسة، فالانحراف جاء من الكنيسة ولا علاقة له بالدين، كما أن العلمنة ارتبطت بأشخاص لهم موقف سلبي من الدين مما يفتح الباب للسؤال عن علاقة الحقيقة بالهوى عند هؤلاء، فإن صاحب الهوى يختلط عنده الأمر ويلتبس عليه، فتظهر دعاوى غير صحيحة، ولاسيّما إذا تعلق الأمر بأفكار وأيدلوجيات وحركات اجتماعية مثل العلمنة وغيرها. يبقى الانتباه لمسألة: وهي أن العلمنة إنْ اهتمت بالعلمية، فهو العلم الذي ينفع في جانب ويقصر عليه، وهو العلم الدنيوي، فإذا كانت العلمانية هي الدنيوية فعلمها يرتبط بالدنيا, ولا شك أن أمةً تتفرغ لهذا الباب ستبرع فيه كما برعت أمم وثنية في حضارات تاريخية سالفة وأتت بعلوم وصناعات خلدتها في التاريخ, مثل الفراعنة والإغريق وغيرهم، ولكنه قَصُر عن مجالات مهمة في حياة البشر، وهذه هي الحضارة الغربية التي بلغت في العلوم الدنيوية مبلغًا لا مثيل له، ومع ذلك فهي

стр. 1149

فقيرة جدًا في حاجات الإنسان الشمولية، ولا يعني ذلك الإنقاص من أهمية العلوم التي برعوا فيها, ولكن إنما هو بيان خطرها عندما تُفصل عن الدين، وها هم يبحثون عن بديل للدين لكي يملؤوا به حياة الإنسان كالفنون والآداب والمتع لعلها تلبي حاجته ومع ذلك لم تُلبَّ تلك الحاجات، وكان الظن بأن العلم الدنيوي هو البلسم للإنسان فإذا هو يزداد بهم شقاء، ولم تتحقق الأمنية، وكان الجدير بالمتغربين إذ اطلعوا على ثقافة الغرب وحياته أن ينتبهوا لهذه المشكلة النابعة من علمنة الحياة، وأن ينبهوا من خلفهم، وأن يشاركوا في تقديم البديل الإسلامي. قد يفتتن البعض بتجاور بعض الأمور، فيعتقد مثلًا أن تقدم العلم في الغرب جاء مع نجاح العلمانية في تلك البلاد، بسبب التجاور بينهما, ولا شك أن العلمانية خففت من تسلط الكنيسة الفاسدة والموروثات الباطلة والعقيمة، ولكن التقدم العلمي عمومًا يرتبط بمن يفتح له المجال ويشجعه وهذا ما نجده بارزًا في الإِسلام، فقد صاحب وجود الإِسلام ثورة علمية حقيقية في البيئة الإِسلامية، وارتباط العلم بالإِسلام أوضح من ارتباطه بالعلمانية؛ يرتبط بالعلمانية تقدم العلوم الدنيوية والصناعية ولكنه ظاهر الحياة الذي يفرح به الكفار بينما العلم الكامل والحقيقي هم في غفلة عنه، فالإِسلام يرتبط به تقدم العلم الديني والدنيوي وتكاملهما، أما العلمانية فيرتبط بها التقدم الدنيوي مع خسران الإيمان بالله وخسارة الآخرة، وعلى هذا فالتجاور لا يعني السببية وإن وجدت فينظر في حقيقتها، وهي هنا قد تكون مصاحبة لتقدم العلم في الغرب ولكنها ليست الوحيدة كما تقدم في الباب الأول، كما أنها لا تُقارن بدور الإِسلام (١) بربانيته

стр. 1150

وشموليته وتوازنه من جهة كونه فتح الباب ودفع بالأمة نحو العلم، كما أنه جعل ذلك التكامل بين الديني والدنيوي. ونصل من كل ما سبق إلى أن من فحص حقيقة العلمانية في الغرب يجد أن دورها في خدمة العلم إن ثبت فمحدود بالدنيوي، ومع ما فيها من محاسن فتلك المحاسن لم تكن مجهولة في الدين الحق، ويفْضل الدين الحق بقدرته على معالجة مشكلات العلم وإعطائه منظومة من القيم فضلًا عن دور الغائية الدينية في وزن بوصلة العلم. تعد العلمانية جهدًا لتقليص حجم مساحة الدين في حياة الناس، ولكن الحياة بعد ذلك تبقى مفتوحة للآراء والأهواء، آراء العقول وأهواء النفوس وميولها، فتدار الحياة بعقول متناقضة وبأهواء متصارعة، فلا يوجد عقل واحد ولا توجد رغبة واحدة، العقول محكومة بحدودها وإمكانياتها، والأهواء محكومة بتمايزات أصحابها بين الغنى والفقر أو القوة والضعف، فليس هناك هوى واحد كما أنه ليس هناك عقل واحد، قد يمكن الوصول لقواسم مشتركة توفرها عقلية متبعة من العقليات وتلم أهواءَها المتناثرة مصلحة، ولكنها عقلًا وتاريخًا لا تكفي، فهي في حاجة لمرجعية عليا تنير العقل وتهذب الرغبة، وليس إلا الدين الحق يحقق ذلك. الدين الحق على العكس من العلمانية، يجمع بين الدين والدنيا، وبين الأولى والآخرة، فهو لا يقلص الدنيا، وإنما يرعاها ويضعها في وضعها الحقيقي، بخلاف المعادلات الخاطئة التي عرفها الغرب الوسيط والحديث، ففي الوسيط أهملوا الدنيا حتى فسدت أحوال الناس فهلكوا بحجة الاكتفاء بالدين، وفي الحديث أهملوا الدين حتى فسدت حياة الناس فهلكت أرواحهم بحجة الاكتفاء بالدنيا، ويشترك الدين الباطل مع العلمانية الخبيثة في إفساد دين الناس ودنياهم، فالدين الباطل مثله مثل العلمانية الخبيثة في الأثر الخطير على البشر، فالأديان المبدلة أو المخترعة تفسد دنيا الناس ودينهم، ولذا يجد دعاة العلمنة راحة مؤقتة عند تحييد الدين وعزله، ويجدون تقدمًا دنيويًا يغرهم ويفتنهم، ولكنه يجلب معه معاناة بسبب غياب المعنى الكلي والهدف من الحياة والإجابات الحقيقية عن الرب سبحانه وعلاقة الوجود به، وعن الإنسان: أصله ومصيره، وعن الكون وموجده وغايته. نختم هذه الوقفة بطبيعة ظهور مجال علمنة العلم، فكما أنه ظهر في ظروف

стр. 1151

غربية تابعة لمشكلة انحراف الكنيسة والنصرانية، فقد ظهر من البدايات في العالم الإِسلامي مرتبطًا بالنصارى العرب، وقد سبق في فقرة الصحافة [الفصل الرابع من الباب الأول حول دور الصحافة] ذكر شيء من ذلك، ومن بين أشهر المؤسسين لهذا التوجه الجديد بطرس البستاني، الذي تأثر بالمنصرين الأمريكان فأخذ بطريقتهم في فصل العلم عن الدين مع الاجتهاد في خدمة النصرانية، حيث شارك في أول ترجمة عربية للتوراة مع رعايته المدارس العصرية والجرائد والتأليف ومن ذلك وضعه أول موسوعة بالعربية أنجز منها ستة أجزاء، وقد زاد نشاطه بقوة بعد أحداث (١٨٦٠ م) وما صحبها من تدخل الغرب لدعم النصارى وحمايتهم في لبنان وما حولها، وقد صحب بطرسُ المنصرَ الأمريكي المشهور "فان ديك" وشاركه أعماله، وأكتفي هنا بالتوقف مع دوره في صناعة فضاء علماني للعلم، وفي ذلك يقول د. المحافظة: "وسار في هذا التيار العلمي - العلماني، في بلاد الشام، أحمد فارس الشدياق،. . . . وبطرس البستاني. . . ." (١)، فقد أصبح من المشهور وصفهم بالتيار "العلمي - العلماني", وقد يستغرب لرجل مهتم بالدين مثل بطرس كيف يسعى لعلمنة العلم؟ ومن أشهر الأجوبة أن هذا التيار النصراني في ثقافته قبول الفصل بين ما لله وما لقيصر، ولكن الأهم هو أن علمنة العلم تمكنهم من اختراق المجتمع الإِسلامي، ومن ثم توظيف هذا المجال الجديد توظيفًا يخدم وضعهم، وقد أشار لذلك في مدح أكثر من كاتب علماني، مثل عزيز العظمة وهشام شرابي وغيرهما (٢). حقيقة العلمانية: من أحدث الكتابات حول تعريف العلمانية ما ذكره "المسيري"، حيث قسمها إلى قسمين: علمانية شاملة وأخرى جزئية، ثم عرف كل قسم، فـ "العلمانية الشاملة: رؤية شاملة للعالم ذات بعد معرفي "كلي وجزئي" تحاول -بكل صرامة- تحديد علاقة الدين والمطلقات الغيبية "الميتافيزيقية" بكل مجالات الحياة، وهي

стр. 1152

رؤية عقلانية مادية تدور في إطار المرجعية الكامنة والواحدية المادية التي ترى أن مركز الكون كامن فيه غير مفارق أو متجاوز له. "فالعلمانية الشاملة وحدة وجود مادية"، وإن العالم بأسره مكون أساسًا من مادة واحدة، ولا قداسة لها, ولا تحوي أية أسرار، وفي حالة حركة دائمة لا غاية لها ولا هدف، ولا تكترث بالخصوصيات، أو التفرد، أو المطلقات، أو الثوابت. في هذه المادة -بحسب هذه الرؤية- تشكل كلٌّ من الإنسان والطبيعة؛ فهي رؤية واحدية طبيعية مادية" (١)، وهذا المعنى الشمولي هو الأقرب لأغلب دعاتها العرب، فقد لخص الدكتور خالد منتصر -أحد المدافعين عن العلمنة- دعوات العلمانيين في مصر فقال: بأن "العلمانية في جوهرها ليست سوى التأويل الحقيقي والفهم العلمي للدين" وأنها "نظرية في المعرفة وليست نظرية في السياسة، ذلك أن العلمانية محاولة في سبيل الاستقلال ببعض مجالات المعرفة عن عالم ما وراء الطبيعة وعن المسلمات الغيبية. . . ." علق الدكتور أحمد برقاوي: "وهذا ما يتفق عليه معظم العلمانيين في الوطن العربي" (٢). فإذا نظرنا لمعالم هذه الرؤية الشاملة التي تحوي العلم وغيره نجد ما يلي: ١ - أنها رؤية ذات أصول وتصورات، تقوم على أن الكون مستقل غير محتاج لغيره وأنه مكتف بذاته. ٢ - هدفها الصريح تحديد العلاقة بين الدين والحياة بحيث يُلغى الدين أو يبعد. ٣ - لا غيبيات ولا قداسة.

стр. 1153

٤ - لا غاية ولا هدف. ٥ - لا خصوصيات ولا مطلقات ولا ثوابت. ٦ - مادية العالم، وهو أظهر في التيارات الفكرية المادية (١). وقد سارت علمانية العلم المسار نفسه، فكان لها مظاهر خطيرة، منها ما هو في صلب النشاط العلمي ومنها ما هو من المتخيل حول العلم، ومن تلك المظاهر: ١ - تصور بديل عن الخالق سبحانه لتفسير الظواهر المختلفة، بحيث يرفضون إعادة الأمر لله، فالعلمانية تُبعد الله عن أي تفسير للعالم المخلوق، والعالم يحوي داخله ما يكفي لتفسيره دون حاجة إلى اللجوء إلى أي شيء خارج النظام الطبيعي (٢). ٢ - ترك البحث في الغايات والاكتفاء بالتفسير، أو ذكر غايات مثالية ذهنية لا تجيب عن حيرة الناس وتساؤلاتهم الفطرية، وهو مرتبط بالمظهر الأول، كما أنه يرتبط بإغفال العلمانية للبعد الأخروي. ٣ - التذبذب بين "آلية - ميكانيكية - وحتمية" الظواهر، ومنع أي تغير فيها إلا ما تقره عقولهم المرتبطة بالتصور النيوتني، وبين النسبية واللايقين المتروكة للمادة المرتبطة بالتصور المعاصر "النسبية والكوانتم"، وعدم الإقرار بالربوبية، ورفض الإيمان بالخلق والقدر. ٤ - رفض أي تفسير ديني وإن كانت النفوس تقبله وتقر به الفطر وتقبله العقول السليمة، وذلك يعود لمرض الشبهات وأمراض النفاق والإلحاد. ٥ - انشغال العلم بمجالات ليست من اختصاصه، ولاسيّما في الجانب الديني، وقد برز ذلك مع غرور التيارات العلموية التي تزعم شمولية العلم العلماني، وسيأتي لها مبحث مستقل. ٦ - إغفال العلاقة بالأصول الدينية، فنشاط العلم يكون في التصور العلماني

стр. 1154

بعيدًا عن النظر في العلاقة بالرب والغيب والدين والرسالات والآخرة والكون المخلوق، وقصة "لابلاس" وأمثاله مشهورة، والكلام هنا ليس عن الجزئيات العلمية مثل معادلات رياضية أو تفاعلات كيميائية، وإنما المقصود عن الأطر العامة التي هي أساسية في التصور الإِسلامي لكل نشاط بشري. ٧ - رفض أي ضابط ديني قيمي للعلم، ويرى العلمانيون أن هذا من باب فتح الباب لحرية العلم حتى وإن خالف الحق الديني، وهذا يكثر في باب العمليات، فقد نجد الشرع يعارض بعض الأمور العلمية لمفاسدها وليس لعدم إمكانها، وهم يرون أن العلم لا يعرف هذه الموانع إلا ما تمنعه عقولهم. ٨ - جعل العلم مقياسًا لما يُقبل أو يرفض من الدين، والحق هو في العكس، مع توسيع مفهوم العلم هنا بحيث يدخل فيه ما هو محل اشتغال داخل العلم وإن لم يكن علمًا، وفي المقابل يرفضون جعل الدين مقياسًا للمجال العلمي. ٩ - ما يترتب على هذا التصور من جعل العلم ومؤسساته ومراكزه بعيدة عن الدين منفصلة عنه، فينطلق التصور الذهني إلى واقع مؤسساتي رافضًا للدين وطاردًا له، كما هو حال مؤسسات التعليم وجامعاته، مما دفع بالمتدينين في الغرب إلى فتح مدارس خاصة بهم لا تتبع الدولة (١). فهذه أبرز معالم العلمانية، وهي تعد قاسمًا مشتركًا عند أغلب التيارات الفكرية الغربية، وقد نجحت تلك التيارات في جعل العلمانية من صلب دستور الدولة الغربية الحديثة، وهي علمانية نجحت في فرض رؤيتها على المجالات المهمة في الحياة الغربية بما في ذلك المجال العلمي، فامتدت المعالم السابقة إليه، تُمدّه بالتصور البديل والروح والغذاء، وهي نفسها التي نراها تدخل في دعوى علمنة العلم، وهي التي يواجهها الفكر الإِسلامي بكل قوّة.

стр. 1155

مشكلة الفصل العلماني بين الدين والعلم وأثره: ليست عملية الفصل العلماني فقط في إبعاد الدين عن العلم بمعنى عدم الاستدلال بآية أو حديث على مسائله الرياضية أو الطبيعية، فهذه لا يقول بها حتى الاتجاه الديني الداعي للتأصيل الإِسلامي، والاتجاه العلماني يذكر هذا عادة من باب السخرية من التيار الإِسلامي وإلا فالعلمانية ليست إبعاد الدين فقط وإنما هي إبعاد الله عن العلم، وهنا بالذات يقع الفرق بين الرؤيتين الدينية والعلمانية، فالعلمانية عندما تمتنع عن ذكر الله سبحانه في ميدان العلم يرتبط بذلك عدد كبير من التصورات والنتائج، يصبح العالم لوحده ويسبح في هذا الفراغ المظلم، مجرات بنجومها وأرض صغيرة توجد فيها هذه الحياة، ويشتغل العلم العلماني في هذا العالم التائه، وعندما يوضع سؤال: من أين جاء هذا العالم؟ يرفض العلم العلماني إعادة ذلك لله؛ لأنه بحسب العلم العلماني جواب غير علمي. وعندما يأتي سؤال عن غاية العالم أو عن مصيره، عندها يمنع العلم العلماني البحث في الغايات؛ لأنه غير علمي، ومصير العالم يبحث فقط في حدود العلم الذي يحدد مصير الكون دون ربط ذلك بمصير أخروي فهذا مبحث غير علمي. وعندما يأتي تعليل للحوادث الكونية بربطها بتدبير الخالق سبحانه، فهذا في العلم العلماني تعليل غير مقبول، وتجدها في النهاية مرتبطة بإبعاد الله سبحانه عن العلم بسبب علمانيته، وفي ذلك يقول محمَّد قطب عن علمانية العلم في أوروبا: "ولكن أوروبا بدأت من هذه الحماقة ثم لجت فيها إلى أبعد الحدود .. مجرد ذكر اسم الله في البحث العلمي يعتبر إفسادًا للروح العلمية، ومبررًا لطرح النتائج العلمية كلها ولو كانت كلها صحيحة بمقياس العلم ذاته الذي جعلوه إلهًا من دون الله! بل مجرد الاعتقاد بوجود الله، وأنه هو خالق الخلق وخالق الكون كفيل بإخراج العالم من دائرة العلماء الذين يعتد بهم ويؤخذ بآرائهم ولو كانت آراؤه صحيحة بمقياس البحث العلمي، بل إنه يحيط ذلك العالم بالارتياب والشك في كل ما يقول، ويجعله موضع الزراية من العلماء "الحقيقيين" الذين لابد أن يكونوا ملحدين لتكون آراؤهم موضع التسليم! " (١).

стр. 1156

بحسب هذا التصور قامت العلمانية أولًا بتفريغ العلم من كل صلة بالدين ومفاهيمه، ثم وضعت تصورًا جديدًا ورؤية جديدة لا تسمح بدخول أي مفهوم ديني، حتى وإن كان هو المفهوم الصحيح أو المناسب، وقد يعترف بعضهم بخطل قوله، ولكن إن لم يقل به، فالمصير هو الاعتراف بالدين، فالعلماني يعيش رؤية مفادها أن العالم كون مغلق مكتفٍ بقوانينه مستقل، وأن الإنسان مستقل بعقله لا حاجة له إلى شيء خارج عنه، منفصل عن الرب وعن الآخرة، وهما ركنان مهمان في الدين يتجاهلهما العلماني، فتجده في تفسيراته العلمية منفصلًا عن الرب سبحانه، وفي غاياتها منفصلًا عن الآخرة، والمقصود هنا أثر الإيمان بهذين الركنين على مسيرة العلم، وليس المقصود أن نأتي بذكرهما لإثبات تفاصيل العلوم الرياضية والفيزيائية والكيميائية، وإنما المقصود الابتعاد عن التصور العلماني القائم على الاعتقاد بكون مستقل مستغنٍ عن موجده، وقد عرف حسين أمين العلمانية بأنها: "محاولة في سبيل الاستقلال ببعض مجالات المعرفة عن عالم ما وراء الطبيعة، وعن المسلمات الغيبية" (١). والمسلم يرفض هذه الرؤية حتى مع من لم يقتنع بعمومها، فهي من جهة منفصلة عن الإيمان بالله وما يلزم ذلك من لوازم، وهي من جهة أخرى تُهمل الحياة الأخروية، وهما من أخطر ما وقعت فيه علمانية العلم. يقوم التصور الإِسلامي على ربط هذا الوجود بخالقه، على الإيمان بربوبية الرب سبحانه ومقتضيات ذلك الإيمان من تدبيره سبحانه لأمر العالم، كما يقوم على الإيمان بألوهيته سبحانه ومقتضيات ذلك من عبودية، كما يقوم على ربط هذا العالم بمستقبله الحقيقي وهو اليوم الآخر، ومقتضيات ذلك، وهذا عكس الرؤية العلمانية التي تفصل العالم عن خالقه كما تفصلهم عن مستقبلهم الحقيقي. يتضح خطر فصل العلم عن الله، الخالق المدبر العليم الحكيم، في العلوم الطبيعية ونظرياتها، كما يتضح خطر فصل العلم عن الآخرة في العلوم الاجتماعية والإنسانية ونظرياتها؛ فوجود الكون والحياة والإنسان وسير العالم غير مرتبط عندهم بالرب سبحانه، هناك فصل حاد وهو أشد مع الماديين منهم، كما أن

стр. 1157

الإنسان -عندهم- ونشاطه ومجتمعه وحياته لا تربط بالآخرة؛ لذا تتحدد هذه الأمور مجتمعة بحياة دنيوية مع غفلة عما بعدها. إذًا فالانفصال عن الإيمان بالله وعن اليوم الآخر أمر يخالف تمامًا التصور الإِسلامي، ولا يُعد المعتَقِد به مسلمًا؛ لأن أهم أصول الإِسلام هي الإيمان بـ"الله سبحانه" "وجوده وربوبيته وأسمائه وصفاته وألوهيته"، والتصور العلماني ينقض هذا الأصل تمامًا. كما أن "اليوم الآخر" هو أصل آخر من أصول هذا الدين الذي ينقضه التصور العلماني. يريد التصور العلماني في أخف صوره دينًا علمانيًا تُشكِّله العلمانية كما تريد، لا كما جاء في الوحي وجاءت به الرسل ونزلت به الكتب، ولذا تجد عند بعضهم تهويمات حول الاعتراف بوجود أعلى مطلق معنوي هو سرّ وجود العالم وسر سننه، ولا يتجاوزون ذلك، ويرفضون تجاوز ذلك. من آثار الفصل بين العلم والدين: وقع الغرب بإبعاد هذين الأصلين العظيمين "الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر" عن الحياة والعلم في مشكلات تفوق المكاسب في الجوانب الإنسانية العليا (١)، والعاقل هو من اتعظ بغيره؛ فمع افتراض حسن النية لدى البعض من دعاة علمنة العلم بسبب انبهارهم بتلك المنجزات فإن العاقل لا يعميه جانب عن جانب. لقد سبق في الفصل الأول من الباب الأول صور من تلك المشكلات، مثل: الغرور العلمي المتمثل في التيارات العلموية التي أضرت بالعلم والحاجات الإنسانية العليا. وانفتاح الباب للملحدين لينشروا إلحادهم بواسطة العلم. وانفتاح الباب للعبثيين ليعبثوا بواقع البشر من خلال الاستثمار البشع لمكتشفات العلم دون مراعاة للعالم من حولهم؛ لعدم ارتباطهم بأصول كبرى توجه مسار العلم. كما أوصلت الثقة بالعلم إلى بدائل عن الدين موهومة وخطيرة أوصلتهم إلى القلق والنكد والمرض ويصرّون على تجرعها بحجة أنها ضريبة التقدم، فقد كان الظن بأن العلم العلماني سيجيب عن كل التساؤلات، ويعالج كل

стр. 1158

المشكلات ويحقق كل الرغبات، فلما تعقد الوضع ظهر من قال: إن العلم هو من سيتولى بنفسه معالجة نقصه من خلال العلوم الاجتماعية (١)، وهو فرار من مواجهة المشكلة والبحث عن بدائل وهمية لمعالجتها. ربما رفعت العلمانية من شأن العلم الدنيوي ولكنهم خسروا ما هو أعلى منه، وصدق الله: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ [الروم: ٧]، فالآخرة وما يرتبط بها من الإيمان بالله والقبول بالدين والتسليم لصورة الإنسان فيه وإمكانياته وحدوده وحاجاته تمّ إغفالها في التصور العلماني للعلم، ومن غفل عن الحقيقي واكتفى بالظاهر بقي قلقًا وشقيًا ومضطربًا؛ لأنه لا يملك سوى الظاهر ولا يركن لباطن يثبته، "قال ابن عباس في قوله -تعالى-: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ [الروم: ٧]؛ يعني: الكفار، يعرفون عمران الدنيا، وهم في أمر الدين جهال" (٢)، وقد تأكد هذا المعنى وظهر لنا بوضوح مع علمنة العلم الحديثة. بالنظر إلى واقع علمنة العلم الغربية، نجد أنها قامت على أسس وارتبطت بمسببات لا توجد في الإطار الإِسلامي، فمن الأسس هذا الفصل الذي ابتدعته العصور الوسطى الغربية بين الديني والدنيوي تحت شعار: "دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله"، وصورة العلاقة بين المخلوق وخالقه؛ إذ هي من الجهتين الدينية الكتابية والدينية الوثنية تقوم على الصراع والمغالبة، حيث يجتهد المخلوق في الاحتيال على خالقه، واقتناص الفرص في سرقة العلم والمعرفة والأسرار، وقد سمحت مثل هذه التصورات الباطلة بنجاح مفهوم العلمنة. كما أن هناك مسببات اجتماعية في الحياة الغريبة، تمثلت بوضوح في ذلك الصراع العنيف بين الكنيسة والعلم والفكر، وما نتج عنه من غلبة التيار العلماني وإقصاء للجانب الديني (٣). ولكن الثمار بعد ذلك كانت خطيرة، فقد تسبب هذا الفصل في نشوء تيار متطرف، قام أولًا بطرد كل المسلمات الدينية من مجال العلم، وثانيًا بوضع تصورات جديدة بديلة، وإن لم تكن مقنعة ولكن لابد من بديل، وثالثًا بحراسة

стр. 1159

شديدة تمنع تسرب أي مفهوم ديني إلى العلم. وإذا فحصنا هذه الأسس والمسببات والتيار المتطرف العلموي العلماني، ثم بحثنا عن مبررات انتقالها إلينا، فلا نجد شيئًا يبرر ذلك، فالأسس الإِسلامية تدفع نحو العلم والنظر والعقل والتفكر والتدبر والاعتبار والتبصر واليقين والحجة والبرهان، مع عدم وجود مشكلة انفصال بين الخالق والمخلوق، وعدم وجود أساطير مؤثرة، فلا يوجد إلا الحق الذي لا يأتيه الباطل، ولم يظهر انفصال بين الديني والدنيوي، ولم يقع صراع بين الإِسلام والعلم، ولم يقف علماء الإِسلام موقفًا معارضًا للعلوم، فقد سَلِمت الأمة من كل هذه المشاكل، بل على العكس من ذلك، فالحضارة الإِسلامية هي التي حفظت العلوم وطورتها وأوجدت أرضية لنمو مناهج علمية جديدة، مناهج لعلوم الدين كعلم الإسناد والتخريج الذي لم يُعرف في أية أمة قبل أمة الإِسلام، مما حفظ لنا الوحي، وكعلم أصول الفقه الذي يزن طريقة تعامل العقل المسلم مع مصادر الدين في التفسير والتجديد، وكالمنهج التجريبي في العلوم الدنيوية الذي وضع تلك العلوم على السكة الصحيحة, ويبقى بعد ذلك من يقود القطار، وقيادة القطار ليست في منزلة من دلّ على السكة، فضلًا عن مكتشفات علمية جديدة، ومع ذلك لم يظهر معها ومع أهلها أي صراع، وبهذا يصبح الإصرار على علمنة العلم مرضًا فكريًا وليس فيه شبهة مصلحة ترجى، فلماذا يتشدد دعاة العلمنة في تقليدهم في أمر لا ثمرة منه بل ضرره بيّن من المنظور الإِسلامي؟! مواجهة علمنة العلم بالتأصيل الإِسلامي للعلوم: عندما وجد الفكر الإِسلامي أن علمنة العلم في العالم الإِسلامي قد اشتد ضررها، وبأن خطرها دفع إلى الواجهة أهمية التأصيل الإِسلامي للعلوم الحديثة بعد أن أثرت فيها العلمنة كثيرًا؛ فبسبب اعتمادنا على الغرب في هذه العلوم، وهي هناك مُخترقة من قبل التيارات العلمانية، فقد دخلت إلينا محملة بأحمال فكرية خطيرة، ولذا فلابد من اجتهاد إسلامي لمواجهة هذه المشكلة، وقد تمثل ذلك في أهمية التأصيل الإِسلامي لها. وقد عُرِض هذا المشروع بمسميات كثيرة يهمنا في النهاية الهدف المشترك وهو: تبيئة هذه العلوم بجعلها متلائمة مع التصور الإِسلامي عن الرب سبحانه والكون والإنسان والدين والغيب واليوم الآخر، وهذه الأصول الكبرى لم يراعها العلم الحديث بسبب مشكلة العلمنة، لذا وقع في انحرافات خطيرة.

стр. 1160

ولابد بعدئذٍ من تصحيح مسار النهضة والتحديث والإصلاح؛ لأن هناك من يجرّه نحو التغريب والعلمنة، بينما مشروع الأمة لتصحيح المسار هو مشروع إسلامي، وإذا كان كذلك فيجب أن يندرج كل نشاط ضمن هذا المشروع في الإطار الإِسلامي، ومن ذلك طلب العلوم العصرية، وهذا ما ترفضه تيارات التغريب المُخترقة بأمراض العلمنة، ولذا انبرى منهم مجموعة لمحاربة دعوى التأصيل الإِسلامي لعناصر التحديث المختلفة المقتبسة من الحضارة الغربية، ومنها العلم، بحجة أن فكرتها -في الغالب- تقتضي أن العلم لا دين له. أحسنهم حالًا من يرى أن الدين يبقى في مجاله الغيبي الوجداني الشخصي بينما العلم بمجاله الحسي العقلي الموضوعي، ويسيران في تجاور دون أن يتدخل أحدهما في مجال الآخر، بحيث يخرج الدين من مجال العلوم تمامًا وتسير بنهجها لوحدها ويبقى الدين في مجاله الغيبي، وربما يستندون تراثيًا بموقف ابن رشد الذي يقول بوجود حقيقتين: إحداهما للخاصة وأخرى للعامة، ولا يصلح أن تدخل إحداهما على الأخرى، ويكون طريق التعامل مع النص بالتأويل (١)، ولا يُدرَى عن حقيقة مقولة المعاصرين، هل هي من التكتيك أم هي قناعة؟؛ لأن مرجعها القلب ولا أحد يطلع على ذلك، ولكن مع افتراض التسليم بصدق قناعتهم بالدين، فإن تصورهم عنه تصور خطير يناقض الدين تمامًا، ويهمنا هنا ما له صلة برفض التبيئة الإِسلامية للمقتبس الغربي، حيث جعلوا من فكرة المجالين أداة لرفض الأسلمة، بحجة ترك مجال العلم لوحده، والحقيقة أن هذه الدعوى هي جوهر العلمانية؛ لأن العلم الذي فرض استقلاله بمجاله لم يترك الدين، بل هو مع ذلك قد تطفل على مجال الدين ذاته بتوزيع تصورات جديدة أو بعرض تأويلات وتفسيرات أو بتحليل أو نقد، بينما يمنع الدين في المقابل من ذلك. إن هذا الفصل بين المجالين رغم انحرافه من جهة التصور للدين، فهو تصور صوري لا حقيقة له؛ لأنه فتح المجال للعلم المعلمن على حساب الدين، وساق الناس في البيئات العلمانية لإقصاء الدين وإهماله ونسيانه ثم الكفر به والتنكر له.
следующие страницы →