الاقتصادي، فكيف حدث هذا التحول تحت دعاوى العلمية؟ وما أبعاده في العالم الإِسلامي؟
من بين أهم المداخل التي دخل بها الربا داخل النظام الاقتصادي مدخلًا العلمانية والعلمية، فمن خلال العلمانية تم إقصاء التوجيه الديني عن المناشط الجديدة التي بدأ تأسيسها على العلم، وعندما انفلت العلم الحديث عن الدين انطلق -لأن الدين الذي كان يقيده ليس هو الدين الحق، بل دين محرف- ولكن انطلاقته دون توجيه رباني واعتماده فقط على الوهم بقدرة العلم على تصحيح المسار جعله يشتط في باب المعاملات المحرمة، فأدخلها هذا العلم الجديد ضمن البناء الاقتصادي تحت مسمى العلمية، مما يجعل الاعتراض عليها من باب الاعتراض على العلم.
وفي مقابل هذا الشطط الذي أدخل المعاملات المحرمة -لاسيّما الربا- ضمن الاقتصاد جاء تيار آخر أكثر شططًا، فسّر تحت مسمى العلمية أيضًا ظاهرة الربا كظاهرة مرضية خطيرة، ووضع مقترحاته العلمية من أجل نزعها من النظام الاقتصادي. ويُعدّ النظام الاشتراكي لاسيّما في صورته الماركسية أبرز ممثل للتوجه الثاني يقابل في ذلك النظام الرأسمالي الذي يمثل التوجه الأول المدافع عن الربا، ويتكون من هذين النظامين أشهر التوجهات الاقتصادية الحديثة. وفي مقابلهما يظهر النظام الإِسلامي للاقتصاد بخصائصه العظيمة، لاسيّما من جهة ربانيته وشموليته ومرونته (١)، ويبقى الجهد كبيرًا وملحًا على علماء المسلمين في إخراجه للعالم، والعجيب أننا بينما نجد في المسلمين من يزهد في النظام الاقتصادي الإِسلامي نجد من الغربيين من يلمح فيه "اقتصادًا فريدًا يمكن للآخرين أن يجدوا فيه شيئًا ثمينًا، ويقول: "إن التصور الإِسلامي للحياة الاقتصادية في غاية التميز، وفي منتهى السمو الأخلاقي، وليس أقل فعالية من أي شيء قدمه الغرب المادي المتهور". ويقول أيضًا: "لو عرف الاقتصاديون الغربيون المزيد عن القرآن، لفهموا قيمة الاقتصاد الإِسلامي" .. يقول ذلك في معرض رده على هنتيغتون. ." (٢).
стр. 1087
ولكن للأسف فقد غلب على الكتابات العربية الجانب الوصفي والنقلي أو التحمس للخيار الرأسمالي أو الاشتراكي، فكانت تتحدث عن النظريات الغربية كما هي؛ أي: عما هو واقع، بينما يواجه الفكر الإِسلامي جهدًا أشق، وهو الكتابة عن الشيء المأمول أو عن الشيء الذي نفقده ونسعى للحصول عليه وفق التصور الإِسلامي (١)، ويزداد الأمر صعوبة مع احتكار الغرب دراسة هذا العلم لأكثر من قرنين حيث عبّأه بكل خصائصه وظروف بيئاته هناك، متأثرًا بالظروف الموضوعية والخلفية التاريخية والأخلاقية لتلك الأرض التي نشأ عليها. ورغم تباين الدراسات إلا أنها تصدر عن أصل واحد: الفصل بين النشاط الاقتصادي والأخلاق، فعالم الاقتصاد لا يعنيه أن يكون النشاط أخلاقيًا أو غير أخلاقي، حرامًا أو حلالًا، عدلًا أم ظلمًا، وإنما يعنيه أن يحقق منفعته الآنية حتى ولو كان ذلك على حساب غيره وعلى حساب قيمه وعلى حساب دينه، وبهذا الفصل يتم إبعاد الدين عن التوجيه (٢).
الربا في الفقه الإِسلامي:
قبل دراسة صورة تأثير النظريات العلمية الاقتصادية حول الربا في الفكر التغريبي أذكر باختصار تعريف الربا في الفقه الإِسلامي مع الأدلة:
قال ابن قدامه في خلاصة مركزة هي خلاصة الفقه الإِسلامي حول الربا: "الربا في اللغة: هو الزيادة. قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾، وقال: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾؛ أي: أكثر عددًا، يقال: أربى فلان على فلان، إذا زاد عليه.
وهو في الشرع: الزيادة في أشياء مخصوصة.
وهو محرم بالكتاب، والسنة، والإجماع؛ أما الكتاب، فقول الله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ وما بعدها من الآيات.
وأما السنة، فروي عن النبي ﷺ أنه قال: "اجتنبوا السبع الموبقات". قيل: يا رسول الله ما هي؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا
стр. 1088
بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات".
وروي عن النبي ﷺ أنه لعن آكل الربا، وموكله، وشاهديه، وكاتبه. متفق عليهما في أخبار سوى هذين كثيرة.
وأجمعت الأمة على أن الربا محرم" (١).
أدلة تحريمه في الكتاب والسنة:
ومن تأمل في الآيات والأحاديث الواردة في الربا عَلِم شدّة النهي وأهمية إبعاد الربا عن النظام الاقتصادي الإِسلامي، وعن تعامل المسلم، فما وجد من تشديد فيه قلّ أن يوجد مثله في باب المحرمات، وهذا بعض ما ورد عنه في الكتاب والسنة:
اشتمل القرآن على اثنتي عشرة آية في الربا (٢)، صريحة في الربا وشديدة فيه:
قال -تعالى-: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة: ٢٧٥ - ٢٨١].
وقال -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠)﴾ [آل عمران: ١٣٠].
стр. 1089
وقال -تعالى-: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١)﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١].
وقال -تعالى-: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)﴾ [الروم: ٣٩].
ونختار من الأحاديث النبوية الكثيرة بعضها:
فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات"، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: "الشرك بالله، والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات" (١).
وعن جابر قال: لعن رسول الله ﷺ آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال "هم سواء" (٢).
وعن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة قال: قال رسول الله ﷺ : "درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ست وثلاثين زنية" (٣).
عودة العناية بموضوع الربا وفوائده:
ومن أهم الصور التي تطغى على التعاملات الاقتصادية هي القرض بفائدة، وهي صورة بارزة في النظام المصرفي الحديث وتقوم عليها كثير من التجارات المعاصرة، فمن يحصل على قرض يُردّ بفائدة غالبًا ما تكون محددة بنسبة معينة فـ"الفائدة هي الزيادة "في رأس مال القرض" في مقابل الزمن" (٤). ولهذا السبب
стр. 1090
أخذ موضوع الفائدة الربوية مساحة كبيرة داخل الفكر الاقتصادي العربي المعاصر، وكما يقول مفكر اقتصادي: "فإن الفائدة والربا من أكثر المسائل تعرضًا للجدل في الدين والاقتصاد، حتى يومنا هذا"، وقد ظهر النقاش أول الأمر مع ظهور البنوك، ثم عاد النقاش مع التحول الصحي المهم نحو البنوك الإِسلامية (١)، لهذا فتح الفكر الإِسلامي باب الحديث عن الفائدة الربوية نقدًا ونقاشًا مهمًا، وفي ذلك يقول مفكر اقتصادي: "ومما يزيد في أهمية الموضوع أن الاقتصاد الإِسلامي أول ما بدأ إنما بدأ بمسألة الفائدة والربا والمصارف" (٢).
[أصل منهجي في هذا الباب]: ليست مشكلة الربا من عدم مطابقته لمعادلات رياضية صحيحة أو من عدم استجابته لبعض الخصائص البشرية، فإنه قد يقع الصواب الرياضي والتوافق مع بعض الخصائص النفسية ومع ذلك فهذا لا يعني صوابها الشراعي إلا إذا تطابقت مع الأمر الشرعي؛ أي: أن ما يكون واقعًا قد لا يصح شرعًا، وهي مسألة في غاية الأهمية، فقد يظهر في البحوث العلمية سلامة أمر من بعض مجالاته من جهة مادية، ثم لا تصح من جهة الشرع؛ لتعلقات أخرى بالموضوع. وقد وقع الإشكال في هذا الباب بعد فصل العلوم عن الدين، ومن ذلك ما يرد في الدراسات الاقتصادية، فهو علم يركز على الثروة ورأس المال (٣)، وكيفية تنميتها ومن ثم إدخال الرفاه على الناس، وقد يصل إلى طرق سريعة في تنمية الثروة، وهنا لا تكذيب بسرعتها في تنمية الثروة ولكنه قد لا يصح في الشرع، كما هو مثلًا في موضوع الربا، فمن يشكك في كونه طريقًا سريعًا للثروة! وهي ثروة لفئة محدودة لئيمة الطباع، ترضى بسرقة جهد الآخرين، ومن هنا جاء خطورة إغفاله من جانب العلاقة الإنسانية والعلاقة بالقيم والعلاقة بالتماسك الاجتماعي التي رعاها الشرع، فليس الأمر فقط تنمية
стр. 1091
ثروة، وإنما ما أثرها على هذا الإنسان؟ فتنمية المال والثروة أمر مرغوب فيه ويقوم الدين بوضع الأصول الموجهة لهذا الباب، إلا أنه يعد الربا واحدًا من أخطر صور الانحراف بالمال التي جاء بمنعها وتحريمها. وغالبًا ما يكون مثل هذا الباب -الذي يختلط فيه الأمر بين النفع السريع ولو لطائفة من جانب والفساد من جانب- مدار إشكال وموضع اختلاف، ولكن هذا الباب قد جاء الشرع فيه بالمنع الصريح مما يرفع الالتباس ويقطع الاختلاف.
عندما تكون للمعاملة المالية ثمرة قد تظهر للبعض ومع ذلك يأتي الشرع بتحريمها، فهذا يعني أن تطبيقاتها المادية أو معادلاتها الرياضية قد تحقق الثروة السريعة ولكن علاقتها بالإنسان غير صحيحة، ومن هنا جاء التحريم، ومع ذلك فإننا لا نجد مثل هذا التحريم إلا وعثر على البديل الصحيح الحلال، ولا يشترط أن يكون في سرعة المحرم في الوصول للنتائج ولكنه الأسلم، ولذا لا يصح أن تُلبِّس علينا مفاهيم العلمية التي تُصبَغ على القضايا العملية؛ لأنه لا يكفي في مثل هذه المسائل الصحة التطبيقية، بل لابد من صحة قيمية يصبغها الشرع عليها. وغالبا يأتي التحمس لهذه المحرمات من قبل أصحاب المصالح، ومن ذلك تحمس المستغلِين لعلمية الربا في نمو الثروات وتقدم المجتمعات، وقد ظهر في الفكر الغربي من عارض المفهوم الرأسمالي للربا مثل الاشتراكية، وقامت تجربة دنيوية ناجحة، وهي تدعي أيضًا العلمية، ولكنها بنفس إشكال الرأسمالية، فقد تصح منها جوانب تطبيقية وتبقى من الناحية الشرعية محرمة، ومع ذلك فهي تكشف الإمكانيات المتنوعة في تنمية الثروة، مع أنها جميعًا لا ترقى للجائز شرعًا.
أضرار الربا خصوصًا والاقتصاد العلماني عمومًا:
للاقتصاد العلماني أضرار تخفى على الكثير، فتقدم الغرب يؤثر فيهم فلا يرون السلبيات التي يحتوي عليها هذا النظام، لاسيّما حجم ما ملأ به عالمنا من الربا (١)، ولاسيّما أنه يتطور وينمو داخل الحقل العلمي مما يضفي عليه طابع الفتنة، بينما الغرب بقدر تقدمه المادي يشعر بمشكلات الربا وآثارها على
стр. 1092
المجتمع، ويقوم بجهود تصحيحية ويعمل بإمكانيات ضخمة لتلافي الأضرار، ويسن تشريعات مضادة أو يوجد أوضاع جانبية تمتص المشكلات الناتجة عن الربا وتضع مسكنات لامتصاص تلك الآثار (١)، وهنا تذكير بطرف من هذه الأضرار:
يصعب ذكر ما كتبه المفكرون الاقتصاديون المسلمون عن هذه الأضرار، فهي كثيرة ومخيفة، ويكفي هنا التنبيه على صورتها الإجمالية وبعض مراجعها العلمية، فمن هذه الأضرار على الأمة: تأخرها وهو عكس ما يروج له المدافعون عن نظام الربا، والغلاء والانحرافات المالية، وتعطيل المواهب الناشئة، وتجميع المال في أيدي الأنانيين (٢)، ويقوم النظام المصرفي والاقتصاد الربوي المعاصر بإفساد الجميع، المقرض والمقترض (٣)، ولعل هذا من أسباب اللعن الذي ورد في الحديث الصحيح للطرفين ومن معهما، فقد لعن رسول الله ﷺ : "آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هم سواء" (٤)، ولا يشك المسلم بأن له آثارًا عظيمة يكفي في الدلالة عليها مثل هذا النهي الشديد الذي يقل نظيره في باب المنهيات الشرعية.
وقد عقد "محمد رامز" فصلًا مهمًا لأضرار الربا الخُلُقية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ولكل فقرة مبحث عن أضرارها (٥).
ومن أسوأ آثار النظام المعتمد على الربا "خلق اقتصاد مثقل بالديون، ذلك أن المنظمين والحكومة وعددًا كبيرًا من المستهلكين يكونون مكبلين بالدين الذي يترتب في ذمتهم للممولين، ولذلك آثار اقتصادية واجتماعية ونفسية وسياسية هامة يتعين أن تؤخذ في الحسبان" (٦)، فهذا النظام يلتهم الناس ليدخلهم في طاحونة
стр. 1093
الديون التي لا تنتهي (١)، فمع الربا أصبحت "الديون في عصرنا من المشكلات، بل من المعضلات. . . . يقول موريس آليه: "يقوم الاقتصاد العالمي برمته على أهرامات هائلة من الديون، يعتمد بعضها على بعض في توازن هش. . . . إن جميع الأزمات الكبرى في القرن التاسع عشر والقرن العشرين، ناشئة من الزيادة المفرطة في الائتمان ووعود الدفع. . . . وليس هناك أي سابقة في الماضي لوحظ فيها مثل هذا التزايد الطائش في الائتمان والاستدانة"" (٢). وقد رصد الدكتور رمزي زكي في عدد من دراساته حجم الغرق الذي يتخبط فيه العالم العربي من جراء ديون الفوائد الربوية، وإن جزءًا مما ذكره ليكفي للاعتبار بحجم مضار هذا الوباء الاقتصادي، ففيه من الأرقام المهولة مع قلة الثمرة وتوسع المخاطر ما هو أوضح دليل على خطورة الربا (٣).
القسم الثاني: الإطار الاجتماعي العام للتحول الاقتصادي الغربي:
انطلقت نظريات الفائدة من أوروبا وقد جاء ذلك بعد تحول كبير وخطير نحو العلمنة، فمع الأوضاع السيئة للكنيسة بمشاركتها مفاسد الواقع الأوروبي، فهي -وإن حرمت الربا- فقد ساندت نظام الإقطاع بكل ما فيه من مساوئ (٤)، إلا أن ميول الكثير من الناس الوحشية الأنانية كانت تتوارى خلف ستار الكبح بقوة الدِين، ولكن الحدث الأوروبي المشهور في التحول العلماني قد أبعد الدين عن ممارسة تأثيره، ومع انحسار قوة الدين جاء الاعتراف بهذه الغرائز الجامحة عند الإنسان، وتمّ إعطاؤها المبررات العلمية للانطلاق، فتحرك الناس في دنياهم بقوى الأنانية، ومن ذلك الانفتاح على الربا بعد أن وجد تبريره الاقتصادي تحت مسمى الفائدة، ولو حدثت أي فرصة لتراخي القانون أو إمكانية التحايل عليه لما أمكن السيطرة على معدلات الفائدة (٥).
стр. 1094
اختلافاتهم حول الفائدة:
ومن بين أول المشاكل التي تواجه الاقتصاديين الغربيين المتحمسين للفائدة الاتفاق على نظرية حولها، وقد ذكر باحث غربي: "إن نظرية الفائدة كانت منذ أمد بعيد، وما تزال، نقطة ضعف في علم الاقتصاد، وإن تبرير معدل للفائدة وتحديده ما يزالان يثيران الاعتراض بين الاقتصاديين، أكثر من أي فرع آخر من فروع النظرية الاقتصادية العامة" (١)، وعلق "أنور قرشي": "برغم وفرة المؤلفات بين أيدينا، فليس ثمة نظرية تحظى بتقبل عام أو كاف عن الفائدة، نظرية تستطيع أن تبرر منشأ أو أسباب "الفائدة" ومعدل الفائدة" (٢)، ولا شك أن هذا الاضطراب يبعدها عن العلمية من جهة كما أنه يفتح الباب للربا المجنون من جهة أخرى.
بدأت نظريات الفائدة مع التجاريين الأوائل الذين دافعوا عن معدل فائدة منخفض من أجل تشجيع التجارة (٣)، ثم جاءت التحولات الكبيرة في الوضع الاقتصادي الغربي التي ظهر معها علم الاقتصاد الحديث المعلمن، وتعد النظرية الاقتصادية الكلاسيكية هي أبرز مدرسة اقتصادية صاغت "مصير علم الاقتصاد" الحديث (٤).
وفي كتب الاقتصاد نظريات عديدة للفائدة، ومن النظريات التي تبرر لمشروعية الفائدة: نظرية المخاطرة، والتثمين، والاستعمال، وإنتاجية رأس المال، والزمن، والتفضيل الزمني، والسيولة، وأجر الادخار، والعمل المتراكم، والندرة، والتأمين (٥).
علق "رفيق المصري" فقال: "استطاعت نظريات الفائدة، في مجملها، أن
стр. 1095
تبرر عائدًا لرأس المال، ولكنها لم تستطع أن تبرر هذا الشكل المخصوص: الفائدة. فلماذا لا يكون الشكل المبرر حصة من الربح؟ هذا ما لم تجب عنه هذه النظريات. إن هذه النظريات تصلح لمواجهة الاشتراكية التي حرمت على رأس المال الفائدة والربح، ولا تصلح لمواجهة الإِسلام الذي حرم الفائدة في القرض، وأجازها في البيع الآجل. . . ." (١).
المعترضون على الفائدة:
من أشهر صور النقد الموجهة لها جاءت من اقتصادي غربي مشهور "كينز" الذي "وضع الألغام من تحت أسس التعامل بالفائدة" (٢)، ولا شك بوجود أصوات غربية تكشف مشكلة الفائدة الربوية، وتنتقده بشدة، وتكشف في تحليلاتها عن ربًا فاحش وتجارة بالعرض وبحياة الآخرين، وقد تعرّض من قام بذلك النقد لإقصاء من قبل المرابين الذين يتحكمون بالحياة في الغرب (٣)، "وإنه مما يدعو إلى الأسف أن يقول اللورد "كينز" وغيره بما قدمت أمثلة قليلة منه، ثم نجد من بعض المتخصصين عندنا من ينادي بتفكيك الحكم الإِسلامي وتوهينه، لعله يتسع لمعاملات مرذولة، يقال بأنها نموذج العصر الحاضر للنشاط المثمر" (٤).
المصارف الربوية:
أكبر من يقوم على الربا في هذه الأزمان هي المصارف، تحت مسمى القروض بالفائدة، وقد نشأت في أوروبا بعد ما حدث من توافق بين أصحاب المهن التالية "الصيارفة، الصاغة، التجار والمرابون" في أوروبا، وقد نشأ مع هذا الثلاثي الربا المنظم بطرق تناسب كلًّا بوضعه، ثم توحدت في المصرف أو
стр. 1096
البنك (١)، وقد أصبح لهذه المصارف عدد من المعاملات المهمة في حياة الناس (٢) ولكن أخطر ما فيها أنها احتفظت بمعاملة الربا، وأهمها وهو أخطرها "القروض" لقاء فائدة، وقد يكون عملها الأساسي (٣)، وقد تحايلت المصارف في بلاد المسلمين على التحريم بتسمية الربا بغير اسمه، فأسموه فائدة وذلك بعد افتتاح أول بنك في البلاد العربية (٤)، وهذه الفوائد قد وقع في إجازتها بعض الاقتصاديين (٥) بل بعض المنتسبين للفقه الإِسلامي (٦).
الفائدة - الربا وحقيقة التقدم:
يفرق بعض المسلمين بين الفائدة والربا، ويقولون تحت ضغط الحضارة الغربية: إن ما يحرمه الإِسلام الربا وليس الفائدة، وذلك تبعًا لما يقوله الغربيون، ففي معجم أكسفورد يُعرف الربا بأنه "مزاولة إقراض المال بمعدلات فائدة فادحة، وخاصة بفائدة أعلى من المسموح بها قانونًا"، وتبقى مشكلته عدم وجود معيار موضوعي للتفريق بين الفادح وغيره (٧)، وبعد دراسة اقتصادية مطولة لقرشي وصل إلى أنه لا فرق بين الفائدة والربا، ومن ثم فكل ما تجاوز الصفر للفائدة فهو من الربا (٨).
стр. 1097
وقد أضاف هؤلاء الذين لا يفرقون بين الربا والفائدة محمدة للفائدة لا تستحقها؛ حيث جعلوها شرط التقدم الاقتصادي، فيحذر القرشي من هذا الانهزام الناتج عن ضخامة المد الرأسمالي فـ "مع وجود الاكتساح الاقتصادي الرأسمالي، يصبح من روح العصر "المودة" الاعتقاد بأن المجتمع الحديث لا يمكن أن تقوم له قائمة بدون الـ "فائدة"، وأن الإِسلام أيضًا لم يحرم الفائدة، بل حرم "الربا" فحسب" (١)، صحيح إن الغرب في الظاهر قد خفف من الربا الفاحش بطريقة الفائدة، ومع ذلك فهي في حقيقتها استمرار لصورة الربا، أيضًا من "المهم الانتباه لمسألة: أن أسلوب المعاملة بالفوائد لم يكن من عوامل التقدم المادي، وهذه تفرقة مهمة؛ لأن أخطر الأخطاء التي يمكن الوقوع فيها هو القول بأن مشروعية الفائدة وإصدار التشريعات المنظمة لها. . . . قد كان من عوامل التقدم الصناعي والتجاري. . . . أو كان من أسباب تحقيق الرفاهية الاقتصادية للبلاد المتقدمة في الصناعة. . . . هذا خطأ لا يغتفر، إذ للتقدم أسباب ثابتة. ومن أهمها التحكم في الطاقة، وجمع الطاقة إلى الحديد فيما يعرف بالآلة والأداة الآلية،. . . . ولا تقع المعاملات بالفائدة في نطاق هذه المجموعة المميزة من عوامل التقدم. ." (٢).
القسم الثالث: الأصول النظرية العلمية للاقتصاد الحديث:
يوجد إطار نظري لعلمية الربا المزعومة نقف هنا مع بعض أصولها، فمع التحولات العلمية وما صاحبها من تقدم دنيوي بارز ظهرت -في ظل النظام الرأسمالي البشع- "نظريات "علمية! " تقول: إن الاقتصاد له قوانينه الخاصة .. قوانينه الحتمية التي لا علاقة لها بالأخلاق .. بل لا علاقة لها "بالناس" على الإطلاق" (٣).
ويلخص لنا الباحث الإِسلامي "فكري نعمان" الأصل النظري العلمي لهذا التوجه الاقتصادي الجديد فيقول: "منذ بدء الدراسة العلمية للاقتصاد ساد في مجال الدراسات الاقتصادية فكرتان وضعهما رواد الاقتصاد الكلاسيكي.
стр. 1098
الأولى: أن الحياة الاقتصادية تسير وفقًا لقوانين طبيعية محددة تسيطر على الكيان الاقتصادي للمجتمع، وواجب العلماء تجاه تلك القوى المسيطرة على الحياة الاقتصادية هو تتبعها بالبحث والتقصي والدراسة بهدف استكشاف قوانينها العامة وقواعدها الأساسية.
الثانية: أن تلك القوانين الطبيعية كفيلة بضمان السعادة للبشرية إذا عملت في جو "حر" وتيسر لجميع أفراد المجتمع التمتع بالحريات الرأسمالية.
وقد نشأ عن الفكرة الأولى: البذرة العلمية للاقتصاد الرأسمالي ووضعت الفكرة الثانية بذرته المذهبية. وهكذا قدم الليبراليون نظامهم مدعين أنه ليس من اكتشافهم أو اختراعهم، بل هو نظام قائم على قوانين الطبيعة الكفيلة برخاء الإنسانية؛ فكل تدخل من جانب الإنسان في هذا القانون هو جريمة في حق القوانين الطبيعية العادلة" (١).
ويربط "صادق العظم" بين المادية الميكانيكية المبنية على فيزياء "نيوتن"، وبين التوجه الجديد للاقتصاد مع "سميث"، فقد وضع العظم مدخلًا للتصور العلمي - المادي للكون وتطوره، ليحولها إلى مادية ميكانيكية قاسية امتدت بظلالها لكثير من العلوم، ومن ذلك علم الاقتصاد، فيقول: "أما في مجال النشاط الاقتصادي فتصبح الوحدة البسيطة "الإنسان الاقتصادي" "كما سماها آدم سميث"، الذي يتحرك دومًا وبصورة أوتوماتيكية بدافع زيادة أرباحه إلى أقصى حد ممكن وخفض خسائره إلى أدنى حد ممكن. ويتركب النشاط الاقتصادي العام للمجتمع من مجموع التأثيرات المتبادلة بين "الذرات الإنسانية الاقتصادية" وفقًا لحركتها الآلية، وذلك ضمن مجال السوق الحرة بخصائصها وقوانينها الثابتة" (٢).
وسبب الدور الذي أُعطي للقوانين الطبيعية أنه بعد تحول الغرب نحو العلمانية بحث عن مصدر جديد كلي مكان الدين فكان الطبيعة، وقد أصبح لها
стр. 1099
جرس خاص عند أغلب المفكرين الجدد، وامتدت إلى الاقتصاد (١)، يقول باحث غربي: "وصار لزامًا على الذين نبذوا الإيمان بالله كلية أن يبحثوا عن بديل لذلك، ووجدوه في الطبيعة، أما الذين ظلوا على استمساكهم بالدين ولو باللسان -وإن لم يكن في الواقع كما هو أغلبهم- فقد اعتقدوا أن الله يعبر عن إرادته عن طريق الطبيعة وقوانينها، وليس بوسيلة مباشرة، وبذلك لم تعد الطبيعة مجرد شيء له وجود فحسب، وإنما هو شيء ينبغي أن يطاع، وصارت مخالفتها دليلًا على نقص في التقوى والأخلاق" (٢)، فأُطلق على رواد علم الاقتصاد الحديث اسم الطبيعيين، وتحول إلى نظام له اسمه ومفاهيمه، ويمكن تسميته بالاقتصاد الطبيعي.
ويمكن "اعتبار الأفكار الاقتصادية للطبيعيين مشتقة من نظام أعم وأكثر شمولًا، ألا وهو النظام الطبيعي. . . . وبعبارة أخرى تعتمد الأفكار الاقتصادية الطبيعية على نظرة الطبيعيين للعالم. . . . فلقد اعتقد الطبيعيون أن العالم محكوم بقوانين عامة وثابتة لا تتغير، وأن هذه القوانين لا تقتصر على العالم الطبيعي فحسب، بل وتشمل المجتمع الإنساني أيضًا. وما وظيفة العالم سواء في المجال الطبيعي أم الاجتماعي إلا السعي لاكتشاف هذه القوانين الأزلية حتى يتسنى ضمان التوافق والانسجام بين هذه القوانين والنشاط الإنساني في جميع صوره وأشكاله. وأكد الطبيعيون أن البؤس الاجتماعي واستحواذ الفقر في زمانهم إنما يعود إلى التباين الكبير بين القوانين الوضعية ومقتضيات النظام الطبيعي" (٣).
وقد قامت لهم تصورات اقتصادية تبعًا لهذا التصور، ومن ذلك مبدأ الحرية الاقتصادية التي تتوافق مع القوانين الطبيعية في نظرهم، وستتوسع هذه الحرية لتقتحم مجال الربا المحرم دينيًا، إلا أن الحلال والحرام لا مكان له في النظام العلماني القائم على الطبيعة وقوانينها، فالمهم في العلمانية أن يكون النظام الاقتصادي علميًا بزعمهم من وجهة اقتصادية وقانونيًا من جهة اجتماعية. وقد اتصل "آدم سميث" الشخصية الأبرز في الاقتصاد الحديث بهؤلاء الطبيعيين
стр. 1100
وبالبيئة العلمية الجديدة القائمة على البحث عن قوانين طبيعية لكل شيء (١) فأسس لعلم الاقتصاد الحديث وجعله متماشيًا مع هذه الحرية والعلمية الطبيعية، وقد بلغ الانسياق مع العلمية الطبيعية الحتمية حدًا متطرفًا في عدم أخلاقيتها مع "مالتس" الذي يرى أن هذه القوانين الطبيعية الحتمية تؤدي للتفاوت الطبقي، وينتج عنها أن الفاقة والبؤس هما النصيب الحتمي للغالبية العظمى من الشعب، "وأن كل محاولة للتخفيف عن كاهل الطبقة المعدمة بصرف النظر عن دوافعها الإنسانية النبيلة لابد وأن تؤدي في النهاية إلى زيادة بؤس وفاقة الطبقة العاملة. وعليه فالإنسان المستنير بحسب رأي "مالتس" يجب أن يشجب إعادة توزيع الثروة وغيرها من السبل الرامية لتحسين أوضاع الطبقات الفقيرة، كما يجب أن يسفه هؤلاء المصلحين السذج الذين لو أخذ المجتمع بآرائهم المبنية على الخيال لا الواقع لازداد بؤسًا وتعاسة" (٢).
نموذجان للانحراف في باب التعامل بالربا:
النموذج الأول: الرأسمالي:
نجد دفاعًا قويًا عن الفائدة عند عدد من الاقتصاديين، ويربطون مصير التقدم الاقتصادي بالربا، فمثلًا الدكتور "سعيد النجار" الذي يرى أن سعر الفائدة يؤدي وظيفة حيوية، وأن إلغاءها بدعوى اندراجها في الربا، يعود بأوخم العواقب وأفدح الأضرار على الأمة الإِسلامية، وأن سعر الفائدة هو الجهاز العصبي للنظام المصرفي، وأن السير لإلغائها قد يكون نهاية الاقتصاد المصري (٣). وقد علق عليه د. رفيق المصري فقال: "إن الذين قالوا بأن علينا أن نقبل الحضارة الغربية بخيرها وشرها، وحلوها ومرها، أرى قولهم مقبولًا في حالة واحدة: عندما تستغلق على مفكرينا وقادتنا أي قدرة على التمييز، فننضم إلى القافلة، فإذا تقدموا تقدمنا معهم، وإذا سقطوا سقطنا.
إن الدكتور النجار يبدو لي أنه، ككثيرين غيره، قد يقبل الابتكار، لكن من جهة الرأسماليين، لا من جهة المسلمين، وهو عالم، ولكنه مقلد "للمذهب
стр. 1101
الرأسمالي" غير مجتهد فيه، ولا في غيره" (١).
ومن بين المتحمسين للفائدة الربوية نجد الدكتور "محمَّد الأبرش"، عادًّا إياها شرطًا للاقتصاد الحديث مع اتفاقه مع من يحرم الربا على التحريم لكنه يخصه بربا النسيئة الذي يكون أضعافًا مضاعفة، ويرفض دخول الفائدة المقننة تحت مسمى الربا، وهو في كل ذلك يزعم لموقفه الالتزام بالعلمية الحديثة ومبادئها.
تظهر هذه العلمية ابتداء في المنهجية التي ينظر بها ومنها للاقتصاد، فيفرق بين أصحاب منهجيتين، بين مَنْ مصدره الدين، الذي يحب أن ينظر إلى الحياة والعالم -بما في ذلك الاقتصاد- كعلم اجتماعي وسياسي تابع للدين، ويساوي من جعل منهجه الدين مثل من جعل منهجه الماركسية، كلاهما في نظره سواء أصحاب نظرة شمولية، بينما الرأسمالي كأنه "المفكر المستقل الموضوعي النزعة الذي يقوده العلم الحديث والأخلاق الإنسانية"، فالمتدين يُخلط بالماركسي، وهما غير مستقلَين وغير علميين وبعيدان عن الأخلاق الإنسانية "يفتقرون إلى الموضوعية، متحيزون في نظرتهم بحكم عقائدهم وإيمانهم بصحة ما يقولون، اجتماعيون سياسيون أو متسيسون في توجهاتهم، أنصار فكر شمولي مرجعي يؤولونه على طريقتهم، وبما ينسجم مع تصوراتهم المتشددة. . . ."، بخلاف الرأسمالي الذي يفتح الباب للاستغلال والتجارات المحرمة القائمة على الغرر والغش والغبن فيُعَد عند هذا المفكر علميًا وموضوعيًا وأخلاقيًا (٢) بينما تعد الرأسمالية غير أخلاقية عند كل عاقل (٣).
إن هذه النظرة محكومة بأيديولوجيا علمانية شديدة لا تقدر المرجعية الدينية، ولا تنتبه لشمولية الدين، وإلا كيف يقارن من مرجعيته الإِسلام بمن مرجعيته الماركسية، كما أن ما يقوله حول علمية المفكر العلماني وموضوعيته وأخلاقيته من الأمور المبالغ فيها، وفي المقابل اتهام من جعل النور مصدره بالافتقار للموضوعية والعلمية وهذا من أعجب ما نسمع ونقرأ، قطعًا هذه حملة
стр. 1102
كلامية مزيفة عن مدح المنهجية العلمانية -الرأسمالية- وذم المنهجية الإسلامية، وهذه المنهجية أوصلته إلى قوله الآتي: "ومع ذلك، وعلى كل، وبدون تحيز لأحد، فأنا أومن كاقتصادي مفكر -وهذا ليس محاولة لتطويع الاقتصاد أو الإسلام لبعضهما البعض, لأني أومن أن كلًا من علم الاقتصاد المعاصر أو الإسلام مجالان مختلفان ولكنهما يمكن أن يكونا متلازمين وغير متعارضين في نفس أي اقتصادي مسلم- أن الفائدة غير الربا من حيث اللغة والمفهوم" (١)، "ولهذا ما زلنا نقول: إن الربا حرام وإن الفائدة بالمفهوم الحديث لا علاقة لها بالربا لا كمبدأ ولا كممارسة" (٢)، والربا "لا علاقة له مباشرة بالفائدة التي اعتبرها علم الاقتصاد الحديث شرعية علمية، فهي نتاج آلية سوق مفتوحة، وأجر عمل، وتفضيل وقت، ومكافأة على إحجام عن استهلاك وشيك أو فوري، لا استغلال لأحد فيها، يتم تحديدها بعرض وطلب حقيقيين يتم في سوق شفافة مفتوحة للمراقبة. . . ." (٣). فالتشريع عند الكاتب لعلم الاقتصاد، فهو الذي اعتبرها "شرعية علمية"، وإذا أمكن تصور اعتبارها أجر عمل وتفضيل وقت ومكافأة فإنه لا يمكن تصور حقيقة قوله: إنه لا استغلال لأحد فيها، ولا قوله: بهذه السوق الشفافة المفتوحة، ومع ذلك فمن قَبِل بتحريم الربا لوجود الدليل الصريح فعليه أن يُرجع الفائدة أيضًا لحكم الشرع، فإن علم الاقتصاد العلماني ليس مقياسًا للعلمية المقبولة لوحده بل هو في حاجة بعد ذلك لتحكيم شرع الله فيه.
ومن تَعصُب هذا الباحث للفائدة الربوية هجومه على من أظهر القول بخلافها، ولو كان علميًا بحجم المتحمسين لها من علماء الاقتصاد الغربيين مثل "كينز"، ويعده من الانحراف عن المسار الصحيح، ويرى بأن اعتراضاته قد ذهبت مع سقوط الشيوعية إلى غير رجعة (٤).
وفي المقابل يشن هجومًا شديدًا على الفكر الاقتصادي الإِسلامي في صفحات كثيرة، نتركها فهي معتادة، ويُكتفى هنا من كلامه بمسألة مهمة، وهي هجومه على المشروع الإِسلامي البديل، فيقول: "نعود إلى مشكلة البديل للنظام
стр. 1103
الرأسمالي الحر بصيغه المتعددة، فالربا والفائدة ليستا أكثر من مدخل إلى الهجوم على الثقافة الغربية، والبديل لهذا كله هو النظام الإسلامي الذي تشكل البنوك الإِسلامية رأس حربته" (١)، ثم صبّ عليها نقده، ولم يسمح لها حتى من باب التجريب والتنويع بالوجود وإعطائها الفرصة (٢).
ونختم آراء هذا الاقتصادي بتساؤل طرحه يقول فيه: "هل الفائدة أمر أساسي لا غنى عنه في مجتمع اليوم؟
الإجابة: نعم ما دام الاقتصاد يتبع المبادئ الطبيعية والإنسانية والرأسمالية، ومن الممكن نظريًا تصور وجود اقتصاد ذي طابع طوباوي أخلاقي أو عقائدي "إيديولوجى" سواء أكان ماركسيًا أم دينيًا، لا يحتاج الفائدة، ولكن مثل هذا الاقتصاد سيكون بالتأكيد اقتصادًا بدائيًا ومتخلفًا ومنعزلًا، إذ سيعتمد على الأخلاق الحميدة لبعض البشر، يعتمدون على الإيثار فيما بينهم، لا على مبدأ تبادل المصالح بالتساوي، وهذا يعني استطرادًا أن إلغاء الفائدة بشكل كامل يؤدي إلى انكماش الاقتصاد، ليصبح مجرد اقتصاد متكلف مصطنع" (٣).
وقد رد عليه الدكتور "رفيق المصري" فقال: "وحتى رجال الفكر الاقتصادي الغربي، فإنهم لا ينكرون المثالي، بل يفردون له فرعا علميًا، هو الاقتصاد المعياري "أو القيمي أو التقديري". . . . واهتموا به في نطاق السياسة الاقتصادية، وحاول بعضهم استبعاده في نطاق النظرية الاقتصادية، محاولة منهم لإضفاء صفة العلم على الاقتصاد، وتقريبه ما أمكن من العلوم الدقيقة، أو الطبيعية، أو التجريبية" (٤).
النموذج الثانى: اليساري:
تنطلق علمية النظام الرأسمالي المزعومة من دعوى مسايرة قوانين الطبيعة، والتشبه بها، فكما نعرف قوانين الطبيعة فنستفيد منها كذلك تقوم معرفة قوانين الاقتصاد فنستفيد منها، هذه هي العلمية، ومن ذلك التسليم بمعاملة الفائدة؛
стр. 1104
لأنها تتفق مع هذه القوانين، وأما الأخلاقيات الدينية فلا مكان لها في العلم الموضوعي.
وبما أن النتائج كانت وخيمة، إذ وصلت الأمور لباب مسدود داخل الغرب، فولّد إلانحراف انحرافًا أشدّ، فجاءت الأفكار الاشتراكية الرافضة للربا والرأسمالية الشرهة بمذهبها الاقتصادي، وكان أشهرها الماركسية ذات النموذج الشيوعي المنهار قبل سنوات، ومع ذلك تبقى الاشتراكية مذهبًا مؤثرًا في الأوضاع الغربية، وتعد عامل كبح -رغم ضعفها- للغلو الرأسمالي، وسيبقى الوضع الاقتصادي هناك متأرجحًا بينهما رغم الغلبة للرأسمالية زمن العولمة، وكما هي موجودة في الغرب فكذلك هي في بلاد المسلمين، فما زال هناك من يدافع عن الرؤية الماركسية بعد تقريبها من الإِسلام، ومن ذلك هذا النموذج الذي نعرضه الآن.
تبدأ المسألة مع النموذج اليساري ببيان أصل الربا، فإذا كان الرأسماليون يرونه وضعًا طبيعيًا تحت اسم الفائدة؛ لأنه موافق للقوانين الطبيعية الاقتصادية، فإن الماركسيين يرونه مرضًا أفرزته أوضاع اقتصادية غير سوية، ويرجعونه إلى الاستغلال الطبقي، وتبقى مشكلتهم في الحل المطروح القائم على دعوى إلغاء الطبقية وسيادة البوليتاريا، فبتغيير الوضع الطبقي يختفي الربا.
وتدّعي الماركسية لتصورها العلمية، وقد سوقها دعاتها في العالم الإِسلامي تحت اسم الاشتراكية العلمية، وهي ترتبط بالجدلية المادية التى سبق الحديث عنها مرارًا، ومن صور دعوى العلمية ما يأتي في هذا النموذج الذي يحدثنا عن أصل الربا فيقول:
"لقد نشأ رأس المال الربوي مع ظهور الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج "الماعون". ومع تطور التبادل والعلاقات السلعية النقدية في المشاعية البدائية. لقد أصبحت الملكية الخاصة الناشئة أداة تمايز واختلاف بين الناس، أدى إلى تركز المال بيد القلة من ناحية، ونشر الفقر والبؤس بين الأكثرية الكادحة. ومنذ ذلك الوقت انقسم المجتمع إلى طبقات، القلة منها مسيطرة وثرية، والأخرى تئن تحت نير العبودية والاستغلال وتمثل الجماهير الواسعة" (١).
стр. 1105
مع التحولات الأوروبية وظهور التجار والصناعيين وقع صراع مع المرابين حول مستوى الربا، فصدرت قوانين تحدد مستوى الفائدة في حدود ٥ - ٨%، إلا أن أثرها كان محدودًا ويسهل التحايل عليه. عندها لجأ التجار والصناعيون لطريقتين: إقراض بعضهم وتجنب المرابين مع مواصلة حملاتهم على المرابين من خلال البرلمانات، فأنشأ البنك وسيلة للإقراض فيما بينهم في مواجهة بيوت الربا، فظهر هنا مفهوم الفائدة في مقابل الربا، وانكمش رأس المال الربوي لظهور رأس المال الصناعي، وهما من حيث الشكل يعطيان فائدة ربوية، ولكن هناك بعض الفروق من جهة مستوى الفائدة فهي محددة، وأطراف الاقتراض (١).
تظهر أسئلة حول النظرية: عن أصل نشأة الربا؟ وعن حتمية الوقوع فيه عند وجود الطبقات؟ فالملكية أمر فطري وغريزي، ولا يمكن أن يكون الربا سببًا حتميًا للملكية، نعم الملكية تُعد مشكلة لمن لم يضبطها بالدين، وقد ظهرت مجتمعات متدينة لا تعرف الربا مع وجود الملكية فيها. كما أن الطبقات قد وجدت في مجتمعات دون وجود الربا. وبهذا فلا تلازم بين الملكية وبين الفروق الاجتماعية وبين الربا، فإذا وجدت ملكية محكومة بالدين فإنها لا تسمح بوجود الربا وغيره من المعاملات الاستغلالية. وهذا التقرير مهم؛ لأن الماركسي يُرتب على الحتمية المادية مواقف عملية من أجل القضاء على الربا، قد تكون نتائجها موازية لسلبيات الربا وأكثر، وهذه المواقف العملية المغلوطة نجدها مع الكاتب السابق، وذلك في الحل الذي يقترحه وفق مذهبه، فـ "الحل: البطشة الكبرى ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)﴾ صدق الله العظيم. والبديل هي الجماعة الإِسلامية فـ "الإِسلام ليس أيدلوجيًا فحسب، بل إنه ثورة اجتماعية أيضًا. ثورة ترمي إلى بناء مجتمع لا طبقي حر، مؤسس على "القسط والعدل". مجتمع يتكون من أفراد أحرار وواعين وشاعرين بالمسؤولية"" (٢).
ويأخذ على الفقهاء غموض قولهم عن أصل الربا ومصادره حتى يمكن القضاء عليه، ويأخذ عليهم عدم ربطه بالاستغلال الطبقي، ويأخذ عليهم نظرتهم للغنى والفقر بحيث يردّون الغنى والفقر لاختلاف المواهب والقدرات وليس
стр. 1106
للملكية الخاصة التي هي مصدر الثراء والسيطرة والاستعباد والشر (١).
وبعد استعراضه لآيات تحريم الربا قال:"نلاحظ هنا أن الآيات لا تأمرنا بترك الربا فحسب، وإنما تأمرنا بالقضاء عليه، باعتباره مصدرًا من مصادر الظلم الاجتماعي. ولن يتحقق ذلك إلا في مجتمع لا طبقي. وقيام النظام الإسلامي الجماعي كبديل وهذه هي الحرب "الثورة" الثي أذن الله لنا بها لإلغاء الربا، وكل أشكال السحت لكونه استغلالًا لا طبقيًا. والجماعة هي الموكولة بالحرب "الثورة"، وذلك عن طريق الصراع والدفع الطبقي. . . . ولذلك كانت رسالات السماء كلها ذات طابع اشتراكي. وجميع الرسل وأتباعهم وحوارييهم كانوا يدعون إلى الجماعية والاشتراكية. . . ." (٢).
إن التصور الضيق لأصل الربا وربطه بالجدلية المادية وعلاقات الإنتاج المادي جلب الضيق أيضًا للعلاج المقترح، وليس العلاج بالتلاعب بالوحي وعسف نصوصه لتتوافق مع الرؤى الماركسية، وإنما بالعودة إليه كما هو وكما جاء به رسول الهدى، وكما بينه لأمته وأخذه سلف الأمة، لقد نجح هؤلاء في كشف مفاسد الربا ولكنهم تكلفوا في تحديد أصل نشأته تحت دعوى العلمية، كما أنهم شطحوا بعيدًا في طريق العلاج المطروح تحت دعوى العلمية أيضًا، والنماذج الحية شاهدة على فساد الاتجاهين -المتحمس للربا تحت مسمى الفائدة، والمحارب له تحت مسمى الاستغلال الطبقي- فمع الغرب الرأسمالي نجد ضحايا الفوائد الربوية بينما نجد في البلاد الشيوعية الانهيار الاقتصادي الذي أعقب التطبيقات الاشتراكية، فتحول الاستغلال الطبقي من فئة الرأسماليين إلى طبقة الحزب الشيوعي الحاكم (٣)، فبقي الشر كما هو على الإنسان الذي ابتعد عن دين الله. وما أجمل ما قاله الدكتور "عيسى عبده" في مثل هؤلاء: "ولا أريد أن أقسو في النقد، وإنما أحذر من التورط في الظن بأن الأنظمة التي وضعها الإنسان، قد فاقت نظامًا وضعه الرحمن، وأحذر من الظن بأن كتاب الله
стр. 1107
قد خلا من تقرير كل قاعدة فيها صلاح البشر. إما تفصيلًا أو إجمالًا" (١).
وبعد، فقد عُرض موضوع اقتصادي مهم وخطير وهو موضوع الفائدة والربا، وصورة عن تطوره في الفكر الاقتصادي الحديث المتشبع بالعلمانية، وقد ظهر في هذا العلم نظريات مختلفة ترتبط بالبيئة الثقافية الغربية العلمانية، وقد ظهر موقفان يرتبطان بالعلم، موقف متحمس للفائدة والربا وموقف رافض له، ويطرح الرافض للربا بديلًا أكثر شططًا. وقد وجد من العرب من تحمس للأول ووجد من تحمس للثاني، وقد عُرض مثال عن الأول ومثال عن الثاني، وبيان ما فيهما من تبعية عمياء للنظريات الغربية، وهروب من الشرع الرباني. وسنترك هذا الباب ونذهب لباب آخر من الأبواب العملية التي وقع فيها الانحراف تحت مسمى العلمية، وهو حجاب المرأة المسلمة.
* * *
الرابع: في باب حجاب المرأة المسلمة:
قد لا يبالغ الباحث إذا قال: إنه قد كُتب شيء ضخم عن المرأة، لاسيّما حول حجابها، وأن ما كتب في هذا القرن لم يكتب مثله في كل أزمنة المسلمين، وربما يعود السبب في اتساع الموضوع إلى دخول مرجعية أخرى غير المرجعية الإسلامية، وهي المرجعية التغريبية، التي تسللت في وقت مبكر إلى المجتمع الإِسلامي لتمارس دورها الخطير، حيث كان هناك ضعف وتخلف يرجع للبعد عن الدين، وهذا الضعف والتخلف مدّ بظلاله على أغلب أوضاع المسلمين بما في ذلك وضع المرأة المسلمة، فلم يكن حالها بحسن كحال العالم الإِسلامي عمومًا، ويرجع سبب تردي وضع المرأة المسلمة إلى ما طرأ على المسلمين من البدع والانحرافات وما صحب ذلك من جهل وتخلف، مما يجعل الوضع متأزمًا وفي حاجة لإصلاح، وفي هذه الظروف دخل التغريب كخط جديد لمناقشة وضع المرأة من بين قضايا كثيرة أصبحت في ساحة النقاش بين المرجعية الإِسلامية والمرجعية التغريبية.
الغالب في التغيرات الاجتماعية إنما تأتي من وجود نموذج مغاير، يتم
стр. 1108
تقليده أو التأثر به، وربما لهذا السبب نجد التأكيد الإسلامي في النهي عن التشبه بنماذج اجتماعية ذات مكونات تخالف الشرع (١)، وبهذا تحافظ الأمة الإسلامية على تميزها وشخصيتها دون أن تذوب في مجتمعات أخرى، ومن هنا يأتي النهي عن التشبه بالمخالفين للمسلمين لما لهذا التشبه من أثر على المجتمع الإِسلامي. وقد وقع تفريط من بعض المسلمين في هذا الأمر في العصر الحديث، فأسرتهم نماذج يخالطونها أو سافروا إليها وبدؤوا في نشرها داخل المحيط الإسلامي، ثم توسع الأمر عندما أصبح الأمر يتعلق بنشر ما يعارض الشرع، وفي هذه الحالة بالذات، تم التوجه إلى ما هو أبعد من نشر الظواهر وذلك بالبحث عن تأصيل ثقافي لها، وهنا تم الانتقال إلى مجال الفكر للبحث عن مستندات تسوغ مثل هذه الدعوات الجديدة، فمنهم من اكتفى بالمرجعية الإسلامية ولكن بعد تأويلات متعسفة أو اجتهادات غير صحيحة من أجل تشريع الواقع الجديد، وهناك من ذهب للغرب فغرف من تياراته الفكرية فيما يخص المرأة، وقد وجدت المجموعة الثانية شيئًا كثيرًا مما قيل حول المرأة والأسرة والعلاقة بين الجنسين والمجتمع وغيرها، يتنازع ذلك تيارات كثيرة ذات رؤى مختلفة بل متناقضة وقع هؤلاء في أسرها وتورطوا في تناقضاتها، فنقل كل طرف من النقلة ما وقع عليه أو ما قيد إليه، وعاد به للبيئة الإسلامية، كل ينشر من وجهة النظر التي تأثر بها، لينتقل ذاك الخوض إلى العالم الإسلامي وبصورة أشدّ؛ ذلك لأن الغرب قد أنهى علاقته بالدين مع نجاح العلمنة وبقي الاختلاف دائرًا عندهم بين التيارات العلمانية، أما في العالم الإِسلامي فالخلاف أشدّ؛ لأنه اختلاف يدور من جهة بين التيارات العلمانية المقلدة للغرب فيما بينها، ومن جهة أخرى بين هذه التيارات المتعلمنة وبين الفكرالإسلامي.
بدأ النموذج المغاير حول شخصية المرأة المسلمة يظهر في العالم الإسلامي بعد الحضور المكثف للأوروبيين في البلاد الإسلامية، ولاسيّما بعد حملة "نابليون" وما أظهره من إفساد لحال المرأة، ثم دخول نظام الامتيازات والحماية، ثم الاستعمار الذي سمح بوجود مكثف للأوروبيين والمرأة المتعلمنة
стр. 1109
المصاحبة له، وقد افتتن البعض بهذا النموذج الجديد القائم على سفور المرأة ومخالطتها الرجال، فبدأ بعضهم في تقليد هذه النماذج ويتحايلون على التشريع الإسلامي من أجل ذلك، ولكن التأسيس الفكري لم يبرز بوضوح إلا لمن سافر للغرب ولاسيّما للدراسة وعايش النموذج الجديد في أوروبا، فانبهر بحال المرأة هناك، وأغراه جوانب من تميزها عن جوانب من المهالك التي وقعت فيها، وربما يكون حال المرأة التي يعرفها في بلاد المسلمين -من تخلف وجهل وضعف وأخلاقيات رديئة والظلم الذي يلحقها من الأعراف أو من كثير من الرجال الذين لا يلتزمون الشرع- قد أغراه بهذا النموذج الغربي، ولاسيّما إذا كان المبتعث ضعيفًا في العلم الشرعي وغير عارف بحقيقة التصور الإسلامي عن المرأة، فيظن أن واقع المرأة المسلمة الذي عايشه هو الممثل للتصور الإِسلامي فيهرب منه إلى التصور العلماني، بينما هو يترك نموذجًا منحرفًا ليدخل في نموذج علماني أشدّ انحرافًا وأكثر خطورة على شخصية المرأة المسلمة.
[الطريقان]: نجد طريقين خطيرين للتأثر، طريق وجود النموذج العلماني للمرأة في بلاد المسلمين، وطريق مشاهدته من قبل المبتعثين في بلاده الأوروبية، ويتحدث الجبرتي عن أول صور الطريق الأول في أثناء الحملة الفرنسية المشهورة، وبما أحدثوه من أثر على حجاب المرأة المسلمة، فقال في حوادث سنة (١٢٥٢ هـ): "ومنها تبرج النساء وخروج غالبهن عن الحشمة والحياء؛ وهو أنه لما حضر الفرنسيس إلى مصر ومع البعض منهم نساؤهم، كانوا يمشون في الشوارع مع نسائهم وهن حاسرات الوجوه لابسات الفستانات والمناديل الحرير الملونة ويسدلن على مناكبهن الطرح الكشميري والمزركشات المصبوغة، ويركبن الخيول والحمير ويسوقونها سوقًا عنيفًا مع الضحك والقهقهة ومداعبة المكارية معهم وحرافيش العامة، فمالت إليهم نفوس أهل الأهواء من النساء الأسافل والفواحش، فتداخلن معهم لخضوعهم للنساء وبذل الأموال لهن، وكان ذلك التداخل أولًا مع بعض احتشام وخشية عار ومبالغة في إخفائه، فلما وقعت الفتنة الأخيرة بمصر وحاربت الفرنسيس بولاق وفتكوا في أهلها وغنموا أموالها، وأخذوا ما استحسنوه من النساء والبنات صرن مأسورات عندهم، فزينوهن بزي نسائهم وأجروهن على طريقتهن في كامل الأحوال، فخلع أكثرهن نقاب الحياء بالكلية، وتداخل مع أولئك المأسورات غيرهن من النساء الفواجر. ولما حل
стр. 1110
بأهل البلاد من الذل والهوان وسلب الأموال واجتماع الخيرات في جور الفرنسيس ومن والاهم، وشدة رغبتهم في النساء وخضوعهن (١) لهن وموافقة مرادهم وعدم مخالفة هواهن ولو شتمته أو ضربته بتاسومتها، فطرحن الحشمة والوقار والمبالاة والاعتبار واستملن نظراءهن واختلسن عقولهن؛ لميل النفوس إلى الشهوات وخصوصًا عقول القاصرات، وخطب الكثير منهم بنات الأعيان وتزوجوهن رغبة في سلطانهم ونوالهم، فيظهر حالة العقد الإسلام وينطق بالشهادتين؛ لأنه ليس له عقيدة يخشى فسادها، وصار مع حكام الأخطاط منهم النساء المسلمات متزييات بزيهم ومشوا معهم في الأخطاط للنظر في أمور الرعية والأحكام العادية والأمر والنهي والمناداة، وتمشي المرأة بنفسها أو معها بعض أترابها وأضيافها على مثل شكلها وأمامها القواسة والخدم وبأيديهم العصي يفرجون لهن الناس مثل ما يمر الحاكم ويأمرن وينهين في الأحكام.
ومنها أنه لما أوفى النيل أذرعه ودخل الماء إلى الخليج وجرت فيه السفن وقع عند ذلك من تبرج النساء واختلاطهن بالفرنسيس ومصاحبتهم لهن في المراكب والرقص والغناء والشرب في النهار والليل في الفوانيس والشموع الموقدة وعليهن الملابس الفاخرة والحلي والجواهر المرصعة وصحبتهم آلات الطرب، وملاحو السفن يكثرون من الهزل والمجون، ويتجاوبون برفع الصوت في تحريك المجاديف بسخيف موضوعاتهم وكنائف مطبوعاتهم، وخصوصًا إذا دبت الحشيشة في رؤوسهم، وتحكمت في عقولهم فيصرخون ويطبلون ويرقصون ويزمرون ويتجاوبون بمحاكاة ألفاظ الفرنساوية في غنائهم، وتقليد كلامهم شيء كثير.
وأما الجواري السود فإنهن لما علمن رغبة القوم في مطلق الأنثى ذهبن إليهم أفواجًا، فرادى وأزواجًا، فنططن الحيطان وتسلقن إليهم من الطيقان ودلوهم على مخبآت أسيادهن وخبايا أموالهم ومتاعهم وغير ذلك" (٢)، وهو نص -رغم طوله- يعبر أوضح تعبير عن هذا التحول الخطير في بيئة إسلامية، وطريقة انتشار النموذج العلماني الجديد في شأن المرأة، ودور المحتل في نشر نمط
стр. 1111
جديد سيكون له شأنه الخطير فيما بعد، ولكنه بقي على مستوى طائفة من المجتمع مع الشعور عند الناس بأن هذا انحراف، وليس لذلك أي مشروعية (١)، ولكن سيأتي من يشرع لهذا الأمر فيما بعد من قبل المبتعثين ودعاة المذاهب الفكرية الجديدة.
أما الطريق الثاني فهو الأقوى والأعمق والأخطر، وهو القائم على مشاهدة النموذج العلماني في بلاده من قبل المبتعثين لدراسة العلوم، ثم عودتهم لتأصيل ما رأوه من ناحية فكرية، معتمدين على الجهود الفكرية الضخمة الموجودة في الغرب، ومن أبرز الأمثلة نجد الطهطاوي وقاسم أمين، وإن كان بينهما فارق كبير، فالأول ابن الأزهر، وكان ممن تعلم العلوم الشرعية وبرع فيها، ثم جاءت رحلته لأوروبا للإشراف الديني على طلاب البعثة، أما الثاني فقد درس في المدارس العصرية، ثم درس الحقوق وجاءت رحلته لأوروبا تكميلًا لهذا الباب. اشتهر الطهطاوي منتصف القرن الثالث عشر / التاسع عشر والثاني أول القرن العشرين، الأول وقت التحولات الكبيرة في العالم الإسلامي وشارك فيها بقوة، والثاني وقت الاستعمار وما فيه من تغريب خطير. يظهر إعجاب الطهطاوي بوضع المرأة في أوروبا مع ملاحظاته النقدية الأخلاقية على أوضاعها الجديدة، ومع ذلك جاءت دعوته للعناية بالمرأة من منظور محافظ وأكثر قربًا من المفاهيم الإسلامية وأغلب ما قاله هو من الأمور الصحيحة والمقبولة حول أهمية تربية الفتاة المسلمة وتعليمها وإصلاح حالها، ولكن هناك نموذج يبرز أمامه ورآه في الغرب وقد يصف بعض صوره بإعجاب بما في ذلك ما يخالف الشرع من أبواب الاختلاط المنهي عنه، ولكن للطهطاوي جذور في الأزهر التي تحميه بإذن الله من الانغماس في الشطط؛ لهذا نجد عنده توازنًا معقولًا بين إصلاح وضع المرأة مع عدم الوقوع فيما وقعت فيه المرأة الأوروبية، وقد كان موقفه من الحجاب موقف الداعي إلى المحافظة عليه، بحيث تتحجب باستثناء الوجه والكفين على اجتهاد فقهي معروف، وبيّن أن هذا لا يمنعها من التعليم النافع (٢)، مع أنه قد يقع الانحراف من بعض المتخصصين في الشريعة والله المستعان.
стр. 1112
وقد اختلف الأمر مع قاسم أمين وأمثاله، فهم من جهة أصحاب صلة ضعيفة بالعلم الشرعي وضعف في فهم التصور الإسلامي حول هذه القضايا الكبرى، ومع ذلك دخل قاسم أمين في الاهتمام بشأن المرأة، ولاسيّما بعد عودته من أوروبا وهو ضعيف الإمكانيات الشرعية مما يجعله فريسة سهلة لتيارات التغريب، فامتلأ بشبهاتهم حول المرأة ومن ذلك حجابها، وبرز كداعية لهذه الأفكار الجديدة حول المرأة، وأصبح فيما بعد رمزًا من رموز العناية بوضع المرأة، ولاسيّما في مسار تغريبها، فتشكّلَ طريق جديد حول وضع المرأة يجعل مرجعيته غربية كما يجعل النموذج المثالي -بصريح العبارة أو دون الشعور بها- للمرأة العصرية هو النموذج الغربي.
تحول شأن وضع العناية بالمرأة من شأن إسلامي إلى إسلامي وتغريبي، وقد اتسعت دائرة التغريب مع الاحتلال الغربي، فظهرت تيارات تغريبية تتنافس في نشر التغريب في بلاد المسلمين، فلم يعد اتجاه واحد بل اتجاهات، وكل واحد منها يتبع مدرسة غربية: ينشر أصولها ويدافع عنها بما في ذلك نشر موقف المدرسة الغربية المُتبَعة حول وضع المرأة (١).
وقد وجد المتغربون العرب ترسانة فكرية ضخمة حول وضع المرأة، ونقلوها إلى العالم الإسلامي، بما في ذلك ما يتعلق بالعلاقة بين الجنسين، ومسائل الزي والزينة والمظهر المتعلقة بالمرأة، ووضع المرأة في المجتمع، وغيرها من المسائل، ومن تلك الترسانة ما يخالف التشريع الإسلامي فيما يخص المرأة المسلمة وما يخالف التصور الإسلامي عمومًا حول المرأة، والعلاقة بين الجنسين، والأسرة، والإنسان. ومن هذه الترسانة ما يزعمون بأن له علاقة بالعلم، الذي يعد عندهم الفيصل الحاسم في مسائل البشرية اليوم.
مجمل القول حول الحجاب في الإسلام:
يشكل الحجاب الشرعي أصلًا مهمًا من أصول الوضع الاجتماعي الإسلامي، ويأتي هذا الأصل في ظل التصور الإسلامي الأوسع عن المجتمع وعلاقة أفراده بعضهم ببعض وعن طريقة العيش التي يسلكونها. ومزيته العظمى
стр. 1113
أنه يطابق الفطرة السوية التي خلق الله الإنسان عليها، فلا يغفل عن شيء من هذه الفطرة كما أنه لا يفرض عليها شيئًا ليس في تركيبها الأصيل قال -تعالى-: ﴿ألَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك:١٤]، وقال -تعالى -: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩)﴾ [الذاريات:٤٩]، وقال -تعالى-: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ [الروم:٢١]، وقال -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء:١].
فهذا مقطع ورد في الكتاب الحكيم حول صورة المجتمع، فالرب سبحانه قد خلق الزوجين، وجعل بين الزوجين علاقة تجاذب، ومن خلالها يقع السكن والمودة والرحمة واللباس، ويبثّ منهما المجتمع الكبير الكثير من الرجال والنساء.
والكثير يحتاج لتنظيم "دقيق محكم يمنع الخلل الذي ينشأ -كلما اتسعت الدائرة- من الفوضى التي لا يضبطها دليل. لقد استلزم وجود رجال كثير ونساء -لا رجل واحد وامرأة واحدة- تنظيم صورة التجاذب الذي يحدث حدوثًا فطريًا بين الرجال والنساء. لكي لا يصبح فوضى تصطدم فيه مختلف التجاذبات، فتؤدي إلى ضياع السكن المرجو لكل نفس من جهة، وتؤدي إلى فساد روابط المجتمع من جهة أخرى" (١).
وفي هذا السياق يمنع الإسلام الاختلاط، وإن وقع بسبب فيكون مع الحجاب، ويمنع التبرج والفتنة، ويكره خروج المرأة دون سبب، ويمنع إبداء الزينة للأجانب، وهنا يقع التعارض التام بين الثقافة التغريبية ببعدها الفكري والثقافي والاجتماعي، حيث تقوم على الإغراء والتبرج وإبراز الفتنة، وقد صحب ذلك نمو رأسمالي بشع يهتم بتسليع الأنثى وتعبيدها للموضة والأزياء والجمال.
وهنا تتحقق المعادلة المهمة في تحقيق غاية التجاذب الفطرية دون الانحراف بها، ومن هنا جاء التشريع الإسلامي للحجاب بوصفه منظومةً متكاملةً من الأفعال والقيم المرتبطة بها، ونزل في ذلك آيات محكمات ومنها آيات
المسلم وفي تنظيم العلاقة بين الجنسين، وعندما يقع الإخلال بهذا الجزء المهم يتأثر تبعًا لذلك التنظيم الاجتماعي الإسلامي، وبتأثره يقع الفساد العريض في المجتمع، وهو فساد تعرفه المجتمعات المعاصرة، ولكنها تدعي إمكانية التعايش معه وأنه ضريبة الحداثة والتقدم ورفض بحث طرح الحل الإسلامي للموضوع، مع أن جميع المؤشرات تبيّن ذاك المسار الخطير للبشرية بسبب الانفلات في باب العلاقة المفتوحة بين الجنسين وباب إهمال الأخلاقيات الدينية المتعلقة باللباس وأخلاقيات العلاقة بين الجنسين (١).
نماذج من الانحراف في باب الحجاب:
النموذج الأول: قاسم أمين والمراحل الثلاث لموقفه من الحجاب:
إذا جاء الحديث عن الحجاب في العصر الحديث يبرز اسم قاسم أمين كرمز ارتبطت به قضية الحجاب، ويُعد ما عرضه من قضايا حول المرأة -عمومًا والحجاب خصوصًا- مدار الحديث عند أغلب من جاء بعده، وتبحث هذه الفقرة علاقة ما عرضه تحت دعوى العلمية ونظريات العلم فقط.
يذكر الدارسون لنشاط قاسم أمين حول المرأة -ولاسيّما حجابها- ثلاث مراحل: [المرحلة الأولى] الرد على كاتب أوروبي "داركور" الذي ألف كتابًا في نقد المجتمع المصري ونقد فيه وضع المرأة في مصر وأعاد السبب للحجاب، فتألم "قاسم" من هذا الهجوم وقام بتأليف كتاب باللغة الفرنسية في الرد عليه، ومن ذلك دفاعه عن حجاب المرأة المسلمة وعن حكمة منع الإِسلام من الاختلاط بين الجنسين (٢). جاءت [المرحلة الثانية] بعد عودته من فرنسا، وقد رأى في فرنسا صورة جديدة للحياة، وتأثر بها، واطلع على الفكر الأوروبي الحديث وأصحابه ومنهم "نيتشه" و"داروين" و"ماركس" و"سبنسر" و"رينان" و"فولتير" وغيرهم، كما أن هناك حركات نسائية عُرفت في القرن
стр. 1116
الثالث عشر / التاسع عشر داخل أوروبا وأمريكا (١)، كما أنه في هذه المرحلة قد خالط دعاة الاتجاه الإِسلامي الجديد في مصر جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وتأثر بهم، كما أنه بعد عودته من البعثة عاش واقعًا جديدًا تحت الاحتلال البريطاني وعاصر تغيرات ضخمة في العالم الإسلامي، وفي هذه الأجواء أخرج كتابه الثاني بعنوان:"تحرير المرأة"، وقد ناقش فيه مشكلات مختلفة حول وضع المرأة المصرية، وناقش فيه مسألة الحجاب معتمدًا في هذه المسألة بالذات على التراث الإسلامي، فاختار منه القول بجواز كشف الوجه والكفين. ولكن الإطار الذي بحث فيه هذه المسألة يختلف عن سابقه، فقد برز التأثير الخارجي عليه من جهة مرجعية أفكاره الجديدة، أما عودته للتراث فهي من باب البحث عن سند تراثي لأفكاره الجديدة، ويقال: إن المباحث الفقهية التي في الكتاب قد اعتمد فيها على الشيخ محمد عبده إن لم يكن الشيخ هو من كتبها (٢).
ومن تفحص كتابه يعلم أن مشكلته تكمن في الإطار الذي وضع فيه مباحث كتابه أو في الرؤية الموجهة لتلك المباحث وليس في تفاصيل ما ذكره؛ أي: في إطار الأفكار الجديدة التي تأثر بها وإطار التحول الاجتماعي التغريبي الذي جرّه إليه، وقد اختلط في هذا الكتاب بعض المحتوى الجيد بالإطار الخطير الموجّه لمسار كتابه؛ وذلك أن وضع المرأة لم يكن بذاك الوضع الجيد في الواقع الاجتماعي، وكان بحاجة لإصلاح كغيره من المسارات التي وقع فيها الانحراف والضعف والظلم، فلامست كتاباته بعض تلك الأوجاع، ولكن الإطار الذي تحركت فيه كتابته قد بدأ يميل اتجاه التغريب، ومع ذلك فليس كل المحتوى تغريبيًا، فالأخطاء التي فيه مألوفة في الحقل الإسلامي ويمكن معالجتها ضمن هذا الحقل، حتى جاء كتابه الثالث ممثلًا للمرحلة الثالثة الذي جمع فيه بين الإطار التغريبي والمحتوى التغريبي "المرأة الجديدة" الذي صدم به المجتمع المسلم وحيّر الباحثين في فكره، فاختلفت آراؤهم حول مشكلة هذا الكتاب،
стр. 1117
فهناك من يراه الامتداد الطبيعي لمسيرته وكأنه يسلك التدرج (١)، وهناك من يراه ردة فعل على تلك المواجهة العنيفة التي لقيها من الأزهر والفقهاء مما دفعه لموقف انتقامي يدفع للأسى (٢). أما مضمون الكتاب -وهو ما يهمنا- فهو إعلان تغريبي صريح عن رأيه في مشكلات المرأة، وهو دعوة دون مواربة لتقليد حال المرأة الأوروبية، فالمرأة الجديدة هي المرأة الأوروبية، ومع أنه أحال لكتابه السابق عن رأيه في الحجاب إلا أن الحقيقة أبعد من ذلك، فالرؤية الجديدة لم تعد تسمح بالعودة لكتابه السابق؛ وذلك أن الكتاب الجديد يقطع أي طريق للعودة.
[دعوى العلمية للمرحلة الثالثة]: ومن صور الانفصال بين الكتاب السابق "تحرير المرأة" وهذا الكتاب "المرأة الجديدة" دعوى العلمية التى برزت بوضوح في كتابه الثالث، وترتبط العلمية هنا في الغالب بالعلوم الاجتماعية المعروفة داخل فرنسا نهاية القرن التاسع عشر (٣)، والمتأثرة إلى حد بعيد بالفكرة التطورية المستمدة من نظرية "داروين"، ومع أنها لم تكن غائبة في كتابه السابق إلا أنها كانت مضمرة أما هنا فقد صرح بها.
يقول د. محمد عمارة: "ولقد كان طبيعيًا أن يؤمن قاسم أمين بالتطور والتقدم كقانون علمي، ليس في نطاق الظواهر الطبيعية فقط كما اشتهر عند تشارلز داروين (١٨٠٩ - ١٨٨٢ م) في ذلك العصر، بل في الظواهر الخاصة بالحياة الإنسانية،. . . ." (٤) وهي الدارونية الاجتماعية التي اختطفت لفترة من الزمن الفكر الغربي وسار معها أغلب المتغربين باسم العلمية.
وتقول د. ليلى الأحيدب من قسم الاجتماع: "وقد خطا قاسم أمين بهذه الأفكار خطوات مهمة عندما أخضع قضية تحرير المرأة وغيرها من القضايا الاجتماعية للمنطق العلمي، فقد كان من المؤمنين بتطبيق مبادئ المنهج العلمي عند تناول قضايا المجتمع والأسرة، متأثرًا في هذا بأوغست كونت،. . . . وقد أراد قاسم أمين أن يصلح الخلل القائم في مسألة المرأة بناء على ما أثبته العلم
стр. 1118
الطبيعي الحديث من أن المرأة مساوية للرجل عقلًا. . . ." (١)، وأنه "حاول أن يطرح القضية طرحًا علميًا مستندًا إلى المنهج العلمي في دراسة التاريخ والمجتمع" (٢).
وتمدح زينب الخضيري علمية "قاسم" وتصفها قائلة: "فمنهج قاسم أمين هو منهج عالم الاجتماع الذي وقف على آخر ما وصلت إليه هذه المناهج"، ويدلّ "على إحاطة دقيقة بنتائج شتى العلوم الحديثة الطبيعي منها والاجتماعي، والذي أتاحته لقاسم أمين ثقافته الغربية" (٣)، وقد يقلل بعض المتغربين من هذه العلمية باعتبارها غير متماسكة وذات انتقائية براجماتية وتفقد أصلها المادي العلمي (٤).
لا شك أن هذه الشهادات من قبل المعجبين به تحمل مبالغة لا يحتملها مضمون الكتاب، ولكنها العادة مع المعجبين أو أصحاب الأهواء، نعم هو يقلد الدراسات الاجتماعية المعلمنة ولكن التقليد لا يعني العلمية، فقد انساق في نمط من الدراسات ذات البعد العلماني، وانغمس في نظريات اجتماعية ينقض بعضها بعضًا دون أن يملك زمام الاختيار والتصحيح والنقد، إنها في الحقيقة تبعية عمياء، مفادها أن المدنية الغربية قد قدمت الجواب الكامل في وقتها وما بقي إلا أخذه وتربية الأبناء عليه، وهذه لا تتوافق مع مزاعم العلمية التي يحرص أتباعه على إلصاقها به، فهو يقول مثلًا: "هذا هو الداء الذي يلزم أن نبادر إلى علاجه (٥)، وليس من دواء إلا أننا نربي أولادنا على أن يعرفوا شؤون المدنية الغربية ويقفوا على أصولها وفروعها وآثارها. إذا أتى هذا الحين -ونرجو ألا يكون بعيدًا- انجلت الحقيقة أمام أعيننا ساطعة سطوع الشمس، وعرفنا قيمة
стр. 1119
التمدن الغربي. وتيقنا أنه من المستحيل أن يتم إصلاح ما في أحوالنا إذا لم يكن مؤسسًا على العلوم العصرية الحديثة، وأن أحوال الإنسان مهما اختلفت، وسواء كانت مادية أو أدبية خاضعة لسلطة العلم" (١) ويقول: "من هذا يتبين أن نتيجة التمدن هي سوق الإنسانية في طريق واحد. وأن التباين الذي يشاهد بين الأمم المتوحشة أو التي لم تصل إلى درجة معلومة من التمدن منشؤه أن أولئك الأمم لم تهتد إلى وضع حالتها الاجتماعية على أصول علمية. هذا الذي جعلنا "نضرب الأمثال بالأوروبيين" ونشيد بتقليدهم، وحملنا على أن "نستلفت الأنظار إلى المرأة الأوروبية". ." (٢)، ومن ذلك تقليدهم في ما توصلوا إليه حول المرأة؛ لأنها علمية وليست من قبل العادات ولهذا بحسب كلامهم لا نجد اختلافًا عند الغربيين حول تلك المسائل وهو دليل على علميتها، والعلم لا يختلف من مكان لمكان "فهذه أولًا مسألة اجتماعية، فهي بذلك مسألة علمية، ولا غرابة بعد ذلك في حصول الاتفاق فيها" (٣).
فهو يجعل من هذا الاتفاق دلالة على علميتها، وهو لم ينتبه إلى أن هذا الاتفاق لا يشترط فيه العلمية بقدر ما يكون الاتفاق أحيانًا بسبب الإطار العام الذي تتحرك فيه جميع المدارس، وهو هنا الإطار العلماني الذي وحّد تلك المدارس في قضايا، وهذا التوحيد لا علاقة له بالعلمية إذا كان المراد بها القول الصواب الذي لا تغير فيه، بل إنه حتى في الدراسات الغربية المعاصرة نجد الحديث عن النظام السائد في مرحلة زمنية معينة ويدور الجميع ضمن هذا النظام "الإبستمي" كما طرحه ميشيل فوكو (٤)، أو النموذج الإرشادي "البرداي" الذي يجتذب الجميع لفترة زمنية كما شرحه كون في "بنية الثورات العلمية" (٥)، وبهذا تكون المعارف البشرية ذات بعد نسبي مهما بلغت دقتها وإجماع الناس عليها ما
стр. 1120
لم تجد مصدرًا حقيقيًا لتوثيق هذا الاختيار أو ذاك، ولن يكون ذلك إلا بالوحي. مع العلم أن القول بهذا الاتفاق داخل العلوم الاجتماعية لا حقيقة له، فالاختلاف بين المدارس الاجتماعية شأنه كبير، لدرجة أن هناك من يعلن نهاية هذه العلوم وفشلها وحاجتها إلى مسار جديد (١)، فاتفاقهم لا يعني علميتها كما أن الاتفاق مُنَازع عليه، وأسوأ من ذلك ضيق العلمية بحيث جعل العلم هو ما قاله الوضعيون بشتى مدارسهم وُيخرج من ذلك أساس العلم وهو الوحي.
[أصل الحجاب]: يبدأ الاختلاف عند قاسم أمين بين منهجه القديم القائم على أن الحجاب شريعة يجب المحافظة عليها وبهذا يكون أصله الأمر الإلهي، وبين منهجه الجديد الذي يعتمد فيه العلمية -كما يقول ويقول أصحابه- القائم على وضع تصور جديد عن أصل الحجاب، وبهذا تختلف النتائج، ففي الأول يصل إلى أهمية المحافظة عليه بالصورة الشرعية التي اختارها بالتحجب ما عدا الوجه والكفين وخروج المرأة للتعلم والعمل، أما مع الثاني فيصل إلى أهمية تمزيق الحجاب. وقبل مناقشة هذه العلمية نعرض رأيه الجديد، وهو رأي يعتمد الأفكار الاجتماعية حول أصل العائلة والقيم المرتبطة بها، الذي يبدأ عادة بالإقرار أن الحجاب يعد ظاهرة اجتماعية بالمفهوم العلمي للظاهرة، ومهمة علماء الاجتماع دراسة هذه الظواهر، وغالبًا ما يجعلون محورها العائلة وأصل تكونها، وغالبًا ما يعتمدون على عينات من شعوب أمية ونائية في إفريقيا وأستراليا غيرها، باعتبار هذه القبائل تقترب من الأصل القديم للنظام العائلي، ثم ينطلقون منه في خط تطوري إلى النموذج الغربي على أنه أعلى درجات هذا التطور، وقد انساق قاسم أمين مع هذا التصور، فيبدأ ببيان المنهج "لا يمكن معرفة حال المرأة اليوم إلا بعد معرفة حالها في الماضي. تلك هي قاعدة البحث في المسائل الاجتماعية"، وهي تقوم على ادعاء إمكانية استقراء الحوادث الماضية عبر المؤرخين وما نجده من تأييد عبر السياح الأوروبيين في المجتمعات البدائية التي تؤكد ما ذكره المؤرخون، ومنها يقوم الباحث الاجتماعي بدراساته (٢)، ثم ذكر خلاصة أبحاثهم: في المرحلة الأولى وقبل تكوّن العائلة
стр. 1121
كانت المرأة ذات الشأن في الهيئة الاجتماعية، وكانت الحياة الجنسية مشاعية، لا زواج، ولما ودّع الإنسان بداوته واشتغل بالزراعة ظهر نظام البيت، ودخلت المرأة في نظام العائلة الجديد، فحرمت من استقلالها وامتلكها الرجل، وقد تسبب ظهور الدولة في تخفيف هذه العبودية على المرأة، ومع ذلك لم تنل كامل حقها أيام اليونان والرومان، وحتى مع الكنيسة التي مارست دورًا سلطويًا في أوروبا، ومع دخول الدولة أصبح الحال مرتبطًا بالسياسة (١)، ثم لخصه في مكان آخر: عاشت حرة في العصر الأول .. ثم وقع الاستعباد لها مع تشكيل العائلة .. ثم مع ظهور المدنية خف الرق ولكن بقي الاستبداد على المرأة .. حتى جاء الطور الرابع بعد مبلغ الإنسانية مبلغها من المدنية، فنالت المرأة حريتها الكاملة وتساوت مع الرجل، أما المرأة المصرية فهي في الطور الثالث (٢)، ومع أنه أدخل النصرانية دينًا له دوره في وضع المرأة، فقد سكت عن دور الإسلام في هذا التاريخ البشري كعادة أهل التغريب، فلا ينظرون للتاريخ إلا من خلال تاريخ الآخرين، وكأن تاريخهم هو التاريخ الكوني الوحيد، بينما التواريخ الأخرى حتى ولو كانت بحجم التاريخ النبوي مع الأنبياء أو تاريخ الإسلام الضخم فإنه يختفي.
ضمن هذا الإطار التاريخي للتاريخ الإنساني الذي يتصوره الوضعيون الاجتماعيون يضع قاسم أمين رؤيته تبعًا لهم عن الحجاب فيقول: "ولكن ما العلاقة بين حريتها وكشف وجهها واختلاطها بالرجال ومعاملتها لهم؟ فالجواب: إن إلزام النساء بالاحتجاب هو أقسى وأفظع أشكال الاستعباد؛ ذلك لأن الرجال في أعصر التوحش كانوا يستحوذون على النساء، إما بالشراء كما بيناه وإما بالاختطاف.
وفي كلتا الحالتين كانوا يعتبرون أنفسهم مالكين نساءهم ملكًا تامًا وتبع ذلك أن الرجل جرد امرأته عن الصفات الإنسانية وخصصها بوظيفة واحدة وهي أن تمتعه بجسمها. فأقرها في مسكنه. وألزمها بأن تلازمه ولا تخرج منه حتى لا يكون لأحد غيره حظ في أن يتمتع بها ولو بالنظر أو بالحديث، شأن المالك
стр. 1122
الحريص على ملكه الذي يريد أن يستأثر بجميع مزايا المتاع الذي يملكه.
ولما كان من المحال ألا تعرض ضرورة تقضي على المرأة بالخروج من منزلها في بعض الأحيان أراد أن يتبعها بالحجاب حيث سارت فألزمها بستر وجهها إذا خرجت.
هذا الحجاب الذي قرره الرجل في الأصل على زوجته تعدى بعد ذلك إلى البنات والأمهات والأخوات وإلى عموم النساء؛ لأن كل امرأة هي زوجة أو كانت زوجة أو مستعدة لأن تكون زوجة.
فالحجاب هو عنوان ذلك الملك القديم، وأثر من آثار تلك الأخلاق المتوحشة التي عاشت بها الإنسانية أجيالًا قبل أن تهتدي إلى إدراك أن الذات البشرية لا يجوز أن تكون محلا للملك لمجرد كونها أنثى. . . ." (١).
ويجيب عن سبب بقائه إلى اليوم فيقول: "وليس من الغريب بقاء الحجاب بعد زوال السبب الذي أوجده؛ أي: بعد خروج المرأة عن ملكية الرجل. . . ."، فـ"سنة التدرج أن تعيش النساء في حالة وسط بين الرق والحرية، حالة اعتبرت فيها المرأة أنها إنسان، لكنه ناقص غير تام، كبر على الرجل أن يعدّ المرأة التي كانت ملكًا له بالأمس، مساوية له اليوم" فأبقاها في مرتبة أقل منه وزعم أن الله أوجد هذه الحال، ولذا يلزم بقاؤها في بيتها وتستر وجهها إذا خرجت (٢).
وبعد هذا العرض العلمي كما يزعم يصل للنتيجة الخطيرة التي يحرص المتغربون عليها: "وذلك هو السر في ضرب الحجاب، وعلة بقائه إلى الآن، فأول عمل يعد خطوة في سبيل حرية المرأة هو تمزيق الحجاب ومحو آثاره" (٣). ونجد فارقًا شاسعًا بين هذه النتيجة مقارنة بما في "تحرير المرأة" الذي يقول فيه: "ربما يتوهم ناظر أنني لا أزال أرى الآن رفع الحجاب بالمرة، لكن الحقيقة غير ذلك، فإنني لا أزال أدافع عن الحجاب وأعتبره أصلًا من أصول الأدب التي يلزم التمسك بها، غير أني أطلب أن يكون منطبقًا على ما جاء في الشريعة الإِسلامية وهو -على ما في تلك الشريعة- يخالف ما تعارفه الناس
стр. 1123
عندنا. . . ." (١)، وقوله: "ولو أن في الشريعة الإِسلامية نصوصًا تقضي بالحجاب على ما هو معروف الآن عند بعض المسلمين لوجب علىّ اجتناب البحث فيه، ولما كتبت حرفًا يخالف تلك النصوص، مهما كانت مضرة في ظاهر الأمر؛ لأن الأوامر الإلهية يجب الإذعان لها بدون بحث ولا مناقشة. لكننا لا نجد نصًا في الشريعة يوجب الحجاب على هذه الطريقة المعهودة. . . ." (٢)، وبعد عرضه أقوال المجيزين كشفها الوجه والكفين عند أمن الفتنة قال: "ولا ريب أن ما ذكرنا من مضار التحجب يندرج في حكمة إباحة الشرع الإِسلامي كشف المرأة وجهها وكفيها -ونحن لا نريد أكثر من ذلك" (٣). لاريب أن هناك فارقًا كبيرًا بين الحالين، بين الدعوة للتمسك بالحجاب وبين الدعوة لتمزيقه، ولا يكون مثل هذه الحال إلا مع تغير كبير أصاب هذا الباحث. ونبحث الآن هذا المزعم العلمي حول أصل الحجاب.
[حقيقة هذا الأصل]: تأتي المسائل عند قاسم وأمثاله بعد ذلك متفرعة عن هذا الأصل حول تكون العائلة والحجاب، وكأنه مسلمةٌ لا يعتريها النقاش والشك، وبهذا يحملون متبعهم في قطار ذي سكة واحدة، فمن ركب معهم لم يبق له إلا هذا المسار، ومن هنا كان من المهم قطع الطريق من أوله. ويأتي الإشكال هنا من جهتين: إما أن الطريق الذي صنعوه غير صحيح، وهو الغالب في مثل هذه المسائل، إذ أغلبها مبني على ادعاءات نعلم بطلانها من صحيح الوحي، ولا يستطيع عاقل جاهل بالوحي الجزم بصحتها أو علميتها، أو أن الطريق صحيح ولكنه يصح على أحوال بعينها، يغلب عليها في هذا الباب أن تكون أحوالًا منحرفة عن الفطرة السوية والشريعة المستقيمة، فيُحول المرض إلى قاعدة عامة، تعمّ كل الأحوال، وفي التعميم يقع خطأ المتعاملين مع مثل هذه المناهج.
يقول "محمد أمزيان": إن "البحث في مجال النظم الاجتماعية من حيث أصولها ونشأتها والعوامل التي تخضع لها في تطورها تتعرض لكثير من الأخطاء، ولا يمكن أن تحقق قدرًا من العلمية لكثرة اعتمادها على التخمين والظن
стр. 1124
والافتراض، وهذا النوع من الدراسات يمثل الجانب الميتافيزيقي أو الغيبي لعلم الاجتماع" (١)، وقد غلب البحث عن الأصل الأول للنظم الاجتماعية على نشاط الجيل الأول من علماء الاجتماع، وأمثلتهم التي يمثلون بها من الشعوب البدائية، تُعرض في قالب تطوري من أثر الدارونية، ثم أعقب هذه المرحلة مرحلة جديدة من الدراسات التي تتفحص الوضعية التطورية وتعارض الكثير من استدلالاتها ونتائجها، ومن ذلك مثلا: دراسات جديدة تدحض مسلمة القول بأن إباحية الحياة الجنسية كانت أولى مراحل تطور الأسرة الإنسانية (٢).
ومهما تكن الجهود المبذولة في هذا المضمار "فإن الاختلاف سيظل قائمًا بينهم ولا يمكن التوصل إلى نتائج قطعية بالاستناد إلى معلومات الإثنوغرافيا وحدها" (٣)، فالعودة لأصل التاريخ الإنساني عبر عينات من أي باب كانت لا يمكن أن تكون الدليل القاطع، ومعلوم أن تلك الأصول البعيدة لا نملك أدلة كافية تبين لنا حقيقتها، وبهذا تكون النتيجة المنطقية أن "المنهج الوضعي قاصر عن الكشف عن حقيقة النظم الاجتماعية من حيث أصل نشأتها؛ لأنه قاصر على إدراك أبعاد التطور الإنساني الضارب في التاريخ، ولابدّ من البحث عن مصدر آخر غير المعلومات التاريخية والإثنوغرافية والإنثروبولوجية والأركيولوجية. . . .، فمهما كانت طبيعة هذه المعلومات فهي ناقصة. . . ."، وإذا كان الأمر بهذه الحال فنحن في حاجة لمصدر آخر قادر على إطلاعنا بتلك الحقبة البعيدة وقادر على هداية البحث العلمي البشري، وهذا المصدر لن يكون إلا الوحي (٤).
ويتواصل الإشكال مع النظريات المطروحة لتفسير التطور من ذلك الأصل الأول إلى الصورة الحالية التي وضعها أهل تلك النظريات آخر حلقة في السلم، ومن بين أشهر الاتجاهات في ذلك: الاتجاه الوضعي والاتجاه الماركسي (٥)،
стр. 1125
فهي من جهة مبنية على أصل غير مسلم به، ولم يسلم به إلا أتباع الاتجاه فقط، كما أن القانون الذي يفسر عملية التطور يلحقه ما لحق مبحث الأصل، والشواهد والأمثلة تخالف العمل العلمي لما فيها من انتقائية مع استبعاد ما يخالف فرضيات الاتجاه، ولذا فهم ينجحون عند تفسير الواقع ولكنهم يتيهون عند العودة للماضي أو عند وضع قانون عام للظواهر الاجتماعية، ولا يشترط أن يكون الواقع الصحيح من جهة التفسير هو الصحيح من جهة الحق والخير، فقد يكون الواقع هو المرض وينجح المفكرون في تشخيص المرض، ولكن صحة تفسير المرض لا يعني خيريته.
الاستعانة بالعلم في تأكيد نتائج أصل الحجاب الاجتماعي: لقد بني قاسم دعواه على انحرافات علمية أو على أحسن الأحوال أوهامٍ علمية، ومع أن النتيجة التي وصل إليها باسم العلم لا تعد علمية فإنه مع ذلك أنهى الوضع وانتقل إلى استدلالات أخرى من ميادين للعلم لتأكيد سلامة النتيجة، وهو باب واسع وضبابي، مما يسمح بتسرب الأوهام تحت دعوى العلمية، حيث يغلب على المدعي فيها أن يذكر الدليل العلمي، وفي الفكر العلمي الحديث ما يعارضه تمام المعارضة، مما يجعل الجميع في حاجة لمرجعية أخرى، وعليا تحكم بين الطرفين. وهنا بعض ما ذكره في هذا الباب:
[١] من ذلك الاستدلال بالتساوي في التكوين الجسدي للرجل والمرأة، فلماذا في رأيهم تُكلف بالحجاب! ولكن هذا الاستدلال تجد ما يعارضه من حقل العلم ذاته؛ أي: أننا نجد الدليل وضدّه، مما يعني وجود خطأ ما في التعامل مع العلوم الطبيعية التي تدرس جسد الإنسان.
يرى قاسم أن أهم مسألة تسببت في استعباد المرأة، ثم حجابها هي تهمة نقصان العقل فيقول: "ولما كانت تهمة المرأة بنقصان العقل هي الحجة التي اتخذها الرجل لاستعبادها، وجب علينا أن نبحث في طبيعة المرأة لنعلم إن كانت، كما يقال أحط من طبيعة الرجل أم لا؟ " (١)، إلى أن قال: "يلزمنا لحلها أن نرجع إلى الأصول العلمية لنعلم ما تقرره فيها. . . . غير أنهم حكموا بأن المرأة ليست مثل الرجل في الخلقة، وأنه يوجد بين الصنفين اختلافات تشريحية