مع العلم بأن هناك من العلماء من انتبه للفرق، ونبّه عليه، واعتنى بالرد على الشبهات الجديدة، مثل الشيخ مصطفى صبري الذي عاصر فترة التغريب الأولى، وفترة سقوط الدولة العثمانية حيث كان شيخ الإسلام في الدولة العثمانية، فأخرج كتابه المشهور والمهم: "موقف العقل والعلم من رب العالمين وعباده المرسلين"، فذكر أن الذين لا يقدرون الدين حق قدره على درجات متفاوتة في زعمهم الباطل، ولخص مواقفهم المتغربة في موقفين:
١ - موقف يرى أصحابه بالتعارض التام بين الدين وبين العقل والعلم.
٢ - وموقف يرى أصحابه بأن العقل يوافق أساس الدين ولكن العلم يخالفه، ومرادهم من العلم: العلم الحديث المبني على التجربة والمشاهدة، ويجعلونه المقدم؛ لقيامه على التجربة، ولا يسلمون بالاستدلالات العقلية واللاهوتية.
ثم ذكر بأنه يعتني بالرد على الفريق الثاني؛ لأن مزاعمهم أشبه بالحق مع بعدها عنه، ولخطرها على المتعلمين العصريين (١). والشيخ هنا كحال أغلب أهل زمانه قد استعان بالمنهجية الكلامية الأشعرية، ومع ذلك فجهاده معروف ومحفوظ ومشكور.
ولكن هناك اختلاف: فالعقل في المرحلة التاريخية هو العقل الفلسفي الصوري الذي تُنتج مسائله اللاهوتية عن إعمال العقل في مسائل الدين، بينما العلم في المرحلة الحديثة هو ناتج عن قياسات رياضية دقيقة وتجارب في المختبرات مضنية وملاحظات طويلة؛ ولذا غلب عليها الرياضي والطبيعي لإمكان تحقيق معرفة جيدة بها تقبل الاتفاق، ولهذا نجد الاختلاف مع إنتاجات العقول من مذاهب ورؤى، وتظهر مذاهب جديدة تنسخ سابقتها بخلاف الوضع في العلم، فهو ألصق بالاستنباط الرياضي الدقيق والتجريب في ميدان الطبيعي. فيحتاج من يناقش أهل المذاهب العقلية إلى قدرة عقلية للتحليل، ومعرفة خداع اللغة أو الصور أو الأقيسة، أما من يناقش أهل المذاهب العلمية فهو يحتاج
стр. 1192
إضافة إلى ما سبق إلى المعرفة الرياضية والتجريبية والملاحظة والمختبرات وأجهزة القياس والتجريب.
وإدراك الفرق بين نوعي التعارض لا يعني عدم الاستفادة من الجهود التاريخية التي وقفت أمام دعاوى التعارض بين النقل والعقل، أو بين النقل والذوق، أو بين النقل والمصلحة، وهي أبرز ثلاث صور عرفها تاريخنا الإسلامي من التعارض، فوقف أمامها أعلام السنة وقفتهم المشهودة، فرفعوا عن الناس الاشتباه ونقضوا دعاوى المدّعين.
بعد أن بسط الإسلام نوره على الأرض واتسع نطاقه الجغرافي وقع الاحتكاك بأمم وحضارات وثقافات أخرى أثّرت بتساؤلاتها أو بثقافتها في المحيط الإسلامي، ولكن كان هناك العلماء الكبار، فما إن تقع عند أحد المسلمين شُبهة حتى يذهب إليهم، فيذكر توهمًا من التعارض بين آية وآية، أو بين آية وحديث، أو بين نص وفهم، فيزيل العلماء ذاك التوهم بجواب مقنع، ثم اتسع الأمر، حيث قلّ أهل العلم مقارنة بالدولة الإسلامية المترامية الأطراف وكثرت الشُبه، ثم تحولت هذه الشبه إلى علوم عند طائفة من الناس، فجاء من أهل الإسلام من أراد وضع قواعد ضابطة للوضع الجديد وعاصمة من الزلل، إلا أن الأمر التبس عليهم، فوثقوا في قوة تلك الثقافات المعارضة للإسلام، وخافوا على الإسلام، فاخترعوا مناهج وأدوات هدفها رفع التعارض بين النقل والعقل، فأدخلوا في العقل ما اجترحته عقول العلماء والمفكرين والفلاسفة ومن في حكمهم، ولاسيّما ما يقع عليه اتفاق طائفة كبيرة منهم، ثم تحول ذلك النشاط إلى قانون، يرجع الدور الأكبر في تأسيسه إلى علماء الأشاعرة الكبار الذين ظهروا ما بين القرن الثالث والثامن، وقد جمع كل ذلك مبرزهم المشهور الرازي -صاحب التصانيف الكبيرة في علوم شتى- ووضعه في قانون، وأصبح هذا القانون الصغير هو أداة للتطبيق على كل حالة من حالات التعارض (١)، وإذا كان القانون يتركز في باب التعارض بين العقل والنقل، إلا أن النتيجة المتمثلة في "المقدم منهما" وفي الموقف من "المؤخر" بالتفويض أو التأويل، هي مما يمكن
стр. 1193
تطبيقه على حالات أخرى من التعارض، وفي باب دعوى التعارض بين الدين والعلم سيكون المقدم قياسًا على قانون المتكلمين هو العلم، وإن لم يُقدم بإطلاق، فسيبقى هناك التفويض والتأويل كأداتين لرفع التعارض.
قد يقع خلاف بين الصورة القديمة والجديدة في أمور مثل: هل يمكن وضع العلم في مساواة مع العقل عند هؤلاء؟ فإن لم يضعوه فيبقى الاختلاف الواضح هو في إبطال ما يُعارض به النقل من العلوم، وهنا يأتي الاختلاف بين الحالين، ويصطحب معه صعوبات كبيرة لا يشعر بها إلا من خافها، وأراد إجابة بأجوبة تخرج عن أسلوب التفويض أو التأويل إلى تحليل المعارض العلمي ذاته، والتحقق من حقيقة ما يعرضه من شبهة على المتأثرين به، وتأتي الصعوبة أن الباحث لا يجد مادة يطمئن إليها قلبه من جهة، كما أن صعوبة الموضوع وسعته وتعقيداته لا تساعده على مناقشة تفاصيل تلك المعارضات. ولست أذكر هذه الصعوبة للاعتذار بقدر ما أذكرها لبيان حقيقة المشكلة في الجهود المعاصرة، إن البعض قد استغرق في تكرير النقاش للصورة القديمة مستفيدًا من جهود علماء الإسلام -ولاسيّما ما سطره شيخ الإسلام في عدد من كتبه- بينما إذا جاء الحديث عن الصور المعاصرة تركها أو اكتفى بالإحالة على ما يشبهها في الماضي. وإدراك مثل هذه المشكلة يدفع الباحثين إلى مواجهة مثل هذه التحديات الجديدة، وتكوين جهد تعاوني؛ إذ لا يكفي فيه جهد الباحث المفرد، أو حتى المجموعات القليلة. وأذكر نصًا مهمًا لشيخ الإسلام ﵀ يوضح النقطة التي تختلف بها الدعوى الجديدة عن القديمة، وفي الوقت نفسه تبرز المساحة التي تحتاج من الباحثين المعاصرين مناقشتها بأسلوب جديد، حيث يقول حول مسألة دعوى التعارض بين النقل والعقل: "إن الكلام هنا أربعة أنواع:
أحدها: أن نبين أن ما جاء به الكتاب والسنة فيه الهدى والبيان.
الثاني: أن نبين أن ما يُقدّر من الاحتمالات فهي باطلة، قد دل الدليل الذي به يُعرف مراد المتكلم على أنه لم يردها.
الثالث: أن نبين أن ما يُدّعى أنه معارض لها من العقل فهو باطل.
الرابع: أن نبين أن العقل موافق لها معاضد، لا مناقض لها معارض" (١).
стр. 1194
أين تختلف الدعوة الجديدة عن القديمة؟ وأين هي مساحة العمل الصحيحة؟ إنها بالذات في الثالث والرابع؛ أي: في بيان أن ما يدّعي المدعي أنه معارض من العلم فهو باطل، فلم يكن في زمن العلماء السابقين إلا المعارض العقلي، وقد خصّها شيخ الإسلام -بحسب كلام الشيخ المحمود- بثلاثة أوجه في كتابه المشهور، هي: الوجه الثاني عشر، وهو مختصر جدًا، والثامن عشر، والتاسع عشر، الذي أطال فيه بحيث شمل بقية المجلد الأول والمجلد الثاني والثالث والرابع بكاملها، وتحدث أثناء ذلك عن أهم شبهتين يزعمون عقليتها ومعارضتها للنقل في باب الأسماء والصفات، إحداهما شبهة التركيب والتجسيم، والأخرى حجة الأعراض (١)، كما أنه أبطل العقليات التي يقال عنها: إنها أصل السمع وإنها تعارضه، فذكر أنها ليست مما يتوقف العلم بصحة السمع عليها، وخصص لها: الوجه الثالث والأربعين "الذي بدأ في أثناء الجزء السابع واستغرق أغلبه مع الأجزاء: الثامن والتاسع والعاشر الذي هو في آخر الكتاب"، ومن هذه العقليات: طريقة الأعراض وطريقة التركيب والاستدلال بالاختصاص (٢).
فهذه ما يقرب من ثمانية أجزاء فضلًا عن كتب شيخ الإسلام الأخرى -التي تتناول فيها المشكلة نفسها- جعلها للنوع الثالث، فإذا انتقلنا إلى الذين يرفعون العلم الحديث، هل يأتون على شيء مما سبق؟ الجواب على عكس ذلك تمامًا، فإن كثيرًا من تيارات الفكر الحديث ترى كل ما سبق من اللاهوت والميتافيزيقا الذي يأباه العقل الحديث المعتمد على العلم، ولاسيّما التيارات المادية والوضعية؛ أي: أن العلميات المزعومة تختلف عن العقليات المزعومة، ومع الاختلاف يختلف النقد والنقض وصور رفع الالتباس، حيث نجد اليوم نظريات الفلك والفيزياء والأحياء وعلم الأرض "الجيولوجيا" والأحافير وغيرها، كما نجد كشوفات علمية وأجهزة متطورة خلفها، وكل هذه لا يوجد لها أثر في عملية النقد عند العلماء السابقين؛ لأنها لم تظهر بعد.
ويوضح النوع الرابع: "أن نبين أن العقل موافق لها معاضد، لا مناقض لها معارض" صورة أخرى من الاختلاف بين النقدين، وهو درجه في الفضل، وكمال
стр. 1195
في المناقشة حول هذه الدعوى، فإن جاء أصحاب الدعوى بزعم أن العقل يعارض النقل، فيُبطل أولًا المعارض العقلي، ثم نرتقي درجة في بيان أن العقل الصريح يوافق النقل، وليس مقصد العلماء حاجتنا إلى إثبات صحة النقل بشيء خارج عنه، فإن التسليم والاطمئنان والثقة بالوحي لا يعلو عليها بشيء، وإنما كان ذلك من أسباب التنزّل مع الخصم لبيان خطئه وبيان أن ما معه من دليل ليس له، بل عليه. فإذا أتينا إلى العصور الحديثة فقد نجد بعض التيارات الفكرية المتغربة لا تُقرُّ أصلًا بتلك الأمور العقلية التراثية (١) ولكنهم يعرضون المستجدات في الميدان، ولاسيّما في ميدان البحث وهو ما له صله بالعلم، فيكون الردّ بإثبات أن العلم الحقيقي النافع الواضح لا يمكنه بحال معارضة الدين، وهذا ما وصل إليه أهل العلوم أنفسهم في مرحلة ما بعد الغرور العلمي والوضعي كما سيأتي بإذن الله.
وإذا كان النوع الثالث والرابع هما المساحة التي يتحرك فيها الباحث المعاصر، فلا يعني هذا إمكانية الحركة دون الرجوع لشيخ الإسلام ابن تيمية، فإنه حتى من سلك طريقة أهل الكلام أو الفلسفة من الإسلاميين المعاصرين لا يجدون بُدًّا من العودة إلى هذا الجهد الضخم، إنه جهد من المنزلة والقوة والحجة والبيان ما يجعله أساس كل باحث في هذه المشكلة الخطيرة -مشكلة دعوى التعارض، إن الأداة النقدية هي التي نحاول استيعابها، أما الأمثلة والتطبيقات فهي التي تتغير، والمطلوب منا نحن الباحثين إنشاء قواعدنا الصلبة وتأسيسها بالاعتماد على ما أبدعه هذا الإمام الكبير، ثم نتحرك بذلك في ميادين عصرنا بما ينفع البحث العلمي. لهذا أحاول قدر المستطاع تأسيس ما يمكن من أدوات من خلال هذا العَلَم الإمام وأطبق ذلك على مشكلة البحث والله الموفق.
صور الدعاوى التغريبية:
تُثار هذه الدعوى منذ مئة وخمسين سنة تقريبًا، ولكنها لم توضع في صياغة واضحة كما وضعها مثلًا أهل الكلام في تاريخنا الإسلامي وإنما أُبقيت ملتبسة في صياغتها، تُرمى دون أن تحقق، وقد يكون لهم فائدة في ذلك؛ فإنها إن بقيت
стр. 1196
بالتباسها سرى تأثيرها وأدّت وظيفتها المبتغاة؛ ذلك أن التحليل لدعوى المتغربين حول التعارض لا يجدها نتيجة أزمة روحية للباحث أو معرفية، وإنما يصل إلى أنها أداة تُرفع لمآرب أخرى. فقد يوجد فيهم من يلتبس عليه الحق ويظن بأن هناك تعارضًا بين الدين والعلم، ويُصدّق بدعاوى المبطلين ويسير في ركابها، إلا أن مجموعة من المتغربين هم منخرطون في تيارات فكرية علمانية معادية للدين، ويفرحون بأية أداة أو فكرة أو مفهوم أو دعوى ضد الدين، ولا أفضل عندهم من استخدام العلم الحديث، وهنا الفرق بين الأزمة الروحية والفعل الأيدلوجي. فإذا كانت الدعوى لم تخرج -أو لم يُرَد لها أن تخرج- في صياغة دقيقة وواضحة، فلابد لنا من التحليل لهذه الدعوى، فالنقد التحليلي هو الأنسب لمثل هذا النوع من الأمور الملتبسة، وهو الذي يكشف في النهاية حقيقة الدعوى فيوصلنا إلى ما يمكن وضعه في باب التعارض وما لا يمكن، ثم رفع الإشكال وكشف الخطأ أو الهوى.
عُرفت دعوى التعارض بين العلم داخل أوروبا، واشتهرت بعد الصراع الكبير الذي تولّد عن إعلان نظرية الفلك الحديثة، ثم تحولت الدعوى إلى ما هو أوسع مع بروز تيارات فكرية علمانية، ولاسيّما الوضعي منها والمادي، وفي تلك الخصومة وفي ذروتها جاء احتكاك المسلمين بهم، فنقلها طائفة صغيرة إلى الصحافة وتركّز الأمر على بعض النظريات، الفلك والتطور، وكان الأمر أخف حتى جاء الاستعمار البغيض للعالم الإسلامي، فنشأت في ظلّه تيارات فكرية علمانية كان أشدّها إلحادًا تلك التيارات اليسارية التي انقلبت مع ضعف الاتحاد السوفيتي سابقًا إلى تيارات حداثية أو ليبرالية، فكانت الدعوى أوسع من التحرك في مجال العلوم البحتة بل كانت على مستوى المذاهب الفكرية، فإذا حللنا هذه الدعوى -وهو تحليل يعتمد على النظر في تشكلها لأكثر من مئة عام- يمكننا إعادتها إلى الصور الآتية:
١ - دعوى التعارض بين موضوعات دينية وموضوعات علمية.
٢ - دعوى التعارض على مستوى الإطار العام: الديني والعلمي.
٣ - دعوى التعارض على مستوى المنهج بين الدين والعلم.
٤ - دعوى التعارض على مستوى الأمر الشرعي والنشاط العلمي.
стр. 1197
ففي الصورة الأولى: يأتي مثلًا دعوى التعارض في مسائل الفلك، وأبرزها نظرية الفلك الحديثة حول ترتيب المجموعة الشمسية وصورة حركتها، وهي صورة أقرب لتوهم التعارض بين موضوعات جزئية؛ أي: موضوع محدد، وهذا النوع هو أقوى ما يمكن أن يقع فيه الالتباس والاشتباه ولكن مسائله قليلة.
أما الصورة الثانية: التي على مستوى الإطار، فهذه برزت مع المذاهب الفكرية وكانت أكثر وضوحًا فيها، ولم يكن خروجها من ميدان أهل العلوم بصورة واضحة، حيث يرى أصحاب هذه التيارات أن الإطار العلمي يختلف عن الإطار الديني، إنهما متعارضان تمامًا ولا يلتقيان في مستوى الحقائق، فالدين يخاطب القلب والوجدان بينما العلم يخاطب الحواس والعقل، الدين مثل الآداب والفنون أقرب للعاطفة والعلم لا علاقة له بذلك، ثم هم آراء بعد ذلك حول أهميته: فمنهم من يرى أنه مهم مثل الأدب والفنون والأساطير لحاجة الوجدان له، ومنهم من يراه وهمًا خطيرًا لابد من التخلص منه، وأبرز صورة للطرفين في المتغربين العرب هما: "الوضعيون واليساريون".
الصورة الثالثة: هي جزء من الصورة السابقة ولأهميتها أفردت، وهي التعارض على مستوى "المنهج"، ويُركز هنا عادة على المعيار الحسي والتجريبي للعلم مقارنة بالجانب التسليمي للدين؛ لاعتماده على الغيب، فكل ما ليس بمحسوس أو لا يمكن التحقق منه فهو يتعارض مع العلم عندهم؛ لأن العلم لم يدل عليه، فجعلوا عدم دلالة المنهج العلمي عليه دلاله على عدم علميته، وبهذا فهو يتعارض مع العلم، مع أنه لا يعني عدم دلالة الدليل المعين على مسألة هو عدم صحتها أو عدم وجودها بإطلاق، فلا تلازم هنا، حيث قد يوجد دليل آخر يثبته، فالمعتبر هنا هو هل يوجد دليل يدل عليه أم لا، فالأدلة تتنوع: منها العقلي الاستنباطي ومنها العلمي التجريبي الاستقرائي ومنها الخبر المتواتر.
أما الصورة الرابعة: فهي أضعفها حجة وإن كانت أكثر الصور حضورًا، وهي القول بوجود تعارض بين الأمر الشرعي "الدين" والنشاط العلمي، فهذا إن وجد في مسائل فلا يُسمى في الحقيقة تعارضًا بين حقائق وإنما هو معارضة لأمر الله سبحانه وشرعه، وهو أمر من الناحية التصورية مُسلّم به في كل الأمم: حيث نجد لكل أمة ثقافة ومعايير قيمية تحدد مسار النشاطات، وربما تكون في صلب القوانين، فلا يسمى هذا تعارضًا، ولكن أهل التغريب يحرصون على جعله
стр. 1198
من التعارض، فهو إن لم يكن تعارضًا على مستوى الخبر فهو تعارض على مستوى الأمر الشرعي، ولله الخلق والأمر، فلا يمكن وجود مسألة علمية خبرية تتعارض مع ما أخبر الله به، ولا يمكن وجود مسألة عملية علمية تتعارض مع أمر الله سبحانه.
ومن الأمثلة على الثاني ما تأتي به النشاطات العلمية في ميدان العلوم الاجتماعية أو حتى في مجال العلوم الطبيعية، ومن أمثلتها الحاضرة موقف الشرع من الاستنساخ أو تغيير الجنس أو حتى تحديد نوع الجنين، ومثل ما يقال من تعارض بين علم الاقتصاد والدين أو علم السياسة والدين أو علم النفس والدين أو علم الاجتماع والدين وهكذا مما يرتبط بالجانب الشرعي من الدين، فقد يُحرم الله سبحانه أمورًا مثل الربا، ويأتي علم الاقتصاد ويدعي ضرورته للنمو الاقتصادي، ثم يقولون: إن هناك تعارضًا بين الدين والعلم، علم الاقتصاد يريد التقدم للبشر والنمو وهذا يتحقق بالربا بينما الدين على عكس ذلك، فهذه دعوى باطلة، وهي معارضة لأمر الله سبحانه، ولكن أهل التغريب يدخلونها ضمن التعارض بين الدين والعلم، ويقولون: انظر لمجتمع يقوم على العلم، فهم في الاقتصاد يرجعون لعلماء الاقتصاد وفي السياسة إلى علمائها وفي الاجتماع إلى علمائه، وهكذا، بينما الناس عندنا يرجعون إلى الدين، والحقيقة أن الرجوع عندنا أيضًا يكون في كل بابه إلى علمائه، فيكون عندنا علماء للاقتصاد، ينمو بالأمم والمجتمعات، فالجميع يعود إلى العلماء ولكن الاختلاف هو في الإطار الموجه، فهناك من يجعل إطاره علمانيًا وهناك من يجعله دينيًا.
تمثل الصور الأربع لدعوى التعارض بين الدين والعلم نموذجًا لتحليل الدعوى، تحليلها إلى عناصرها الأساسية، لا أقصد منه الحصر الدقيق بقدر ما أهتم بتحليل يساعدني على تصور الموضوع ومناقشة إشكالاته، فتكون الصور الأربع أنسب لي في بحثي، وهي التعارض على مستوى "الموضوعات" أو "الإطار" أو "المنهج" أو "النشاط".
وإذا كانت الصور الأربع تحلل صور التعارض فإنها لم تحدد بوضوح الموقف الذي سلكوه بعد ذلك، فالموقف مثلًا في التاريخ الإسلامي قد عُرف عند طوائف في قانون التأويل وذلك بتقديم العقل أولًا، أما النقل فيؤول أو يفوّض.
стр. 1199
ولكن الوضع هنا يختلف؛ لأنه لا يوجد شيء في الدين إلا تركوه وذهبوا إلى الغرب يستقون منه كل تصوراتهم الجديدة مكانه، ورغم فساد القانون عند المتقدمين، إلا أنهم أحسن حالًا من المعاصرين، فالمسائل عند المتقدمين محدودة على الأقل في أبواب، أما مع المتأخرين ولاسيّما في الصور الثلاث: "الإطار - المنهج - النشاط" فما يبقى شيء في الدين إلا يُنتهك؛ لهذا جاء الموقف التغريبي في الدعوة إلى علمنة الحياة، يريدون إدارة الحياة بما أخذوه من الغرب، ويبقى الدين للشأن الشخصي الفردي، الفرد هو وما يريد، أما الحياة بما فيها جانب العلوم فتترك لتقليد الغرب، قطعًا يصعب على بعضهم القول بتقليد الغرب، سيقولون مكانها عبارات جميلة مثل: "الإبداع والنشاط العقلي والعلمي"، ثم لا تجدهم إلا على موائد المذاهب الغربية، لا أحد فيهم يريد الإبداع والتفكير والاختراع والعقل والعلم في ضوء الإسلام وهديه وإنما في هدي مذاهب فكرية علمانية، وضعية أو مادية أو غيرها من المذاهب الغربية. يحصرون الحل في رفع التعارض بإبعاد الإسلام عن الحياة وجعله شأنًا شخصيًا ويستبدلون به ما يستطيعون نقله من الفكر الغربي، وفي ذلك انحطاط فكري لا مثيل له في تاريخنا الإسلامي، فإن الانحرافات القديمة كانت تحرص على إبقاء الإسلام رغم ما تُحدثه من تشويهات له بواسطة مبضع التأويل، ولكنهم لم يصلوا إلى درجة إقصائه بعيدًا عن حياتنا بمثل ما حصل في هذا الغلو التغريبي.
أول مواجهة لهذه الدعوى بصورتها التغريبية كانت من قبل الاتجاه الإسلامي التوفيقي، ولاسيّما مع أبرز رموزه الشيخ "جمال الدين الأفغاني" والشيخ "محمَّد عبده"، حيث استند الأفغاني إلى الطريقة الفلسفية في التوفيق بينما استند محمَّد عبده إلى الطريقة الكلامية، وهناك مجموعة تأثروا به، فكانوا أقرب إلى التوازن من شيخيهما في أبواب من أمثال الشيخ "حسين الجسر" في الشام أو "محمَّد رشيد رضا" السوري في مصر أو الشيخ "ابن عاشور" في تونس أو "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين" أو الشيخ "الحجوي" في المغرب (١)،
стр. 1200
وغيرهم من العلماء الأفاضل، ممن أعجب أو تأثر بدعوة الأفغاني وعبده ومع ذلك أفادهم اطلاعهم على تراث ابن تيمية وابن القيم وغيرهما من أهل السنة في اعتدال موقفهم.
هذا الاتجاه الكبير قام بأعمال كبيرة في القرن الرابع عشر، إلا أن العلاقة بين الدين والعلم وما يثيره أهل التغريب من دعاوى حول هذا الباب قد أخذت باهتمامهم وشكلت جزءًا من نشاطهم، فحرصوا على معالجتها ورفع الالتباس الذي فيها، ولهم في ذلك جهد عظيم لا ينكره أحد، فقد عاشوا فترة الاستعمار ونشاط تيارات التغريب، فواجهوا تلك الحملة الرهيبة واجتهدوا، فأصابوا وأخطئوا، يختلفون في ذلك، كل بحسب الظروف التي تُحيط به بحسب الإمكانيات العلمية والمعرفية التي يمتلكها.
غلب عليهم استثمار قانون أهل الكلام، لقد وجدوه آلة مناسبة لمواجهة المشكلة الجديدة، فكما واجه هذا القانون العقلَ قديمًا يمكنه مواجهة العلم حديثًا، مع الاجتهاد في التأويل عند الحاجة أو التفويض والتسليم عند عدم الاستطاعة، مع الاعتقاد أن للنص معنى لم تدركه عقولنا. مع أن هناك تعديلات تقع في التطبيق أجدها والعلم عند الله من التأثر بما اطلعوا عليه من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، فتجد عند بعضهم الاحتياط في إبداء الرأي، وتجد العناية بصحيح السنة، وتجد محاولة تجاوز بعض الأصول العقدية الكلامية أو الصوفية التي تؤثر في التصور الصحيح للدين وعلاقته بالحقائق العقلية أو العلمية، وهي ميدان بحث واسع لا يتسع له المقام (١).
стр. 1201
لقد كان الهدف نبيلًا عند الاتجاه التوفيقي وصاحبه جهد عظيم لا يمكن الاستهانة به، ومع ذلك فقد تلبّس بما يُضعفه وهو الاعتماد على آلة كلامية ثبت عدم صلاحيتها لحل الإشكال، ولاسيّما بعد النقد الجذري لهذه الآلة مع شيخ الإسلام ابن تيمية، فلا يصح من عالم عاقل قد اطلع على ذاك النقد العظيم أن يتغافل عنه ويعود من جديد لمثل هذه الآلة، وهذا هو المأخذ المهم على الاتجاه التوفيقي، ولهذا سيبقى ابن تيمية ﵀ حيًا بعلمه ما وجد دعوى للتعارض، ولاسيّما إذا استعيد قانون التأويل الكلامي المشهور.
ولكن عمل الاتجاه التوفيقي لم يكن كله سعي للتوفيق، بل هناك إلى جانبه عمل نقدي مهم، استلم دعاوى المتغربين وأنهكها وكشف الكثير من باطلها وزيفها والأهواء التي خلفها، وهي مساحة كبيرة من نشاطهم، وهي مادة جيدة لا يستغني عنها الفكر الإسلامي المعاصر.
وخلاصة القول إن الاتجاه التوفيقي قدم نقدًا مهمًا للاتجاه التغريبي حول دعوى التعارض، وهي مادة ثرية تحتاج إلى تمحيص لإخراج المفيد منها، ومع ذلك ففي الجانب الآخر، أي جانب ما سلّموا به من توهم التعارض قد عالجوه بأداة لا تصلح لذلك، فمفاسدها أكثر من مصالحها، وكثير من مسلماتها خطأ محض سبق لأهل السنة بيانها. فإن جاء مفكر أو باحث إسلامي يخالف هذا الاتجاه في مسعاه التوفيقي فلا يعني أنه لا يستفيد من مسعاه النقدي، كما أن الاستفادة من الاتجاه التوفيقي من نقده لا يعني عدم التنبيه إلى خطأه في عمله التوفيقي.
أصول عامة حول دعوى التعارض بين الدين والعلم:
هناك أصول عامة يُسلّم بها الفكر الإسلامي قبل تنزله في مناقشة الاتجاه التغريبي في مسألة دعوى التعارض، وأهمها:
١ - اليقين التام بما في الوحي، وهذا اليقين عند المسلم لا يزعزعه شيء، فإنْ التبس عليه أمرٌ رجع إلى الكتاب والسنة وإلى أولي العلم بهما، مع تمام التسليم بأن الرب سبحانه كلامه حق وصدق، قال -تعالى-: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧]، وقال -تعالى-: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢] وأنه العليم الحكيم، فلا يكون في أمره إلا ما يوافق علمه وحكمته
стр. 1202
سبحانه. وينتج عن هذا الاعتقاد العظيم ثقته بأنه لا توجد حقيقة علمية أو عملية تعارض آيات الله سبحانه ووحيه إلى رسله، وإن ادعى أحدٌ خلاف ذلك لم يتزلزل إيمانه ويقينه وثقته بما بين يديه من الوحي.
٢ - أن ما جاء عن رسول الله ﷺ هو حق وصدق، وكل من ادعى معارضته فهو مخالف للرسول ﷺ ومعتقد في حقه أسوأ الاعتقاد، وفعله من فعل جنس معارضي الرسول ﷺ الذين قال الله فيهم: ﴿مَا يُجَادِلُ في آيَاتِ اللهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ في الْبِلَادِ (٤)﴾ [غافر: ٤]، وقال -تعالى-: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوَا (٥٦)﴾ [الكهف: ٥٦]. ويلزم منه أن الرسول ﷺ لم يبين للناس هذا الوحي حتى يتركهم لتلك المعارضات، أو أنه لبّس عليهم وهو أشنع، أو أنه على غير علمٍ بما أخبرنا به. ففيه اتهام بعدم القدرة على البيان وهو أفصح الخلق ﷺ ، أو عدم الصدق مع أمته وهو أنصح الخلق لأمته ﷺ ، أو عدم العلم واتهامه بالجهل وهو أعلم الناس ﷺ . فكل من يزعم بوجود معارضة للوحي فهو يعارض الرسول ﷺ ، ويتهمه بواحدة من التهم الثلاث، وإن لم يصرح بذلك، ولكنها لازم قول من ادعى المعارضة.
٣ - أن الأدلة تتنوع، وأعلاها وحاكمها والمهيمن عليها هو كلام الله تعالى المنزل ثم الخبر عن الصادق المصدوق ﷺ ، فالقرآن الكريم قطعي الثبوت وكذا السنة "المتواترة" أما حديث "الآحاد" فمنه القطعي الذي احتفت به القرائن وتلقته الأمة بالقبول ومنه الظني، أما من حيث الدلالة فمنها القطعي ومنها الظني وذلك في القرآن والسنة، وهي تحوي الخبر المحض وتحوي الدليل العقلي والحسي، فتكون بذلك أدلة شرعية كما سبق بيانه في فصل سابق (١). وهنا يأتي ضلال من لم يتبع الهدى ويترك الوحي ولا يعتمد إلا الدليل العقلي أو الدليل الحسي ويرفض غيرهما، وما لم يدلّا عليه عندهم فلا يعدّونه من العلم، فيقع الإعراض عن الوحي بسبب هذا الاشتراط الفاسد، وقد قال ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤]، فتجدهم يخرجون ما دلّ عليه الوحي من دائرة العلم، مع أنه أعلى درجات العلم، فيعيشون عيشة ضنكًا.
стр. 1203
٤ - إذا كان من مذهب أهل السنة عدم وجود التعارض فإنهم أيضًا لا ينكرون الدليل العقلي أو الدليل الحسي، ولا يدّعون بطلانهما، فهما من الأدلة الصحيحة المعتبرة، ولكنهما ليسا على هيئة واحدة، فالدليل العقلي منه ما هو حق ومنه ما هو باطل ومثله الحسي، وكما أنهم يعلمون أن الدليل النقلي قد يكون فيه الضعيف والموضوع فلا يحتجون به، فكذا الحال مع الأدلة العقلية والحسية؛ لذا لا يرفضون ما صح منه أو ما هو مفيد، بل هو من الحق الذي لا يكذب به أحد.
٥ - أن أهل السنة عند مناقشة دعاوى التعارض فليس لوجود شك عندهم أو حيرة أو تلبيس، فهم واثقون في الوحي متمسكون به مصدقون بما فيه، ولكن المناقشة فقط لدفع تلك الدعاوى الكاذبة أو الملتبسة حتى لا يتخذها أعداء الأمة وسيلة لتشكيك الناس في دينهم أو حرمان آخرين من الإقبال على الإسلام (١).
مناقشة الدعوى:
وستكون مناقشة الدعوى من خلال خمسة مداخل:
أولًا: أهمية رفع التعميم والإجمال:
نجد عادة مثل هذا الادعاء: هناك تعارض بين الدين والعلم، فلابد أن نفهم ماذا يُقصد بالدين وماذا يقصد بالعلم، ولهذا نجد الاحتراز عند شيخ الإسلام في التعارض القديم، فينص أنه لا تعارض بين النقل الصحيح والعقل الصريح، ومثله نقول إنه لا تعارض بين الدين الصحيح والعلم الصريح؛ لأن الدين هنا أول ما أطلق كان يراد به النصرانية أساسًا واليهودية تبعًا لظهور المشكلة في مجتمع نصراني في الأساس. فلا يصح اتخاذ دين واحد ذريعة للتعميم إلى كل دين إلا إذا ثبت أن كل الأديان فيها هذه المعارضة، وهذا من باب التنزل مع المخالف.
стр. 1204
كما أن العلم هنا ليس درجة واحدة بل هو مستويات، فضلًا عن أن أغلب ما يُقال إنه علم يعارض الدين هو من المجال الفكري الذي لا علاقة له بميدان العلم إلا علاقة الاستغلال والاستثمار لما يخدم أهداف هذا التيار الفكري أو ذاك. فأجمل لفظ العلم هنا، وعندما حُلل ما يريدون به من مفردة "علم" ظهرت ثلاث صور قد يقع منها التعارض مع الدين؛ لأنها في الحقيقة ليست من العلم، ولذا فهي معارضة للدين وليست تعارضًا، فمن يتحرك من خلال "الإطار العلماني" أو "المنهج الحسي" أو "النشاط العملي" فهو لا يأتي بحقائق واقعية خارجية تتعارض مع الدين، وإنما يأتي بفلسفة يعارض بها الدين.
وعلى هذا فالتحليل للمفردتين الأساسيتين، ورفع الإجمال والتعميم عنهما يحيلان الموضوع من دعوى التعارض إلى عمل معارضة للدين، وهي من جنس الصدّ عن دين الله سبحانه، قال -تعالى-: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩)﴾ [آل عمران: ٩٩].
فمن يتحرك في الإطار العلماني ويرى بأن العلم مصدره البشر ولا علاقة لنا بالوحي، فهو يعارض دين الله ويصد عن سبيله، ومن يجعل الحسي هو شرط العلم وما سواه فليس بعلم هو ممن يصدّ عن سبيل الله، ومن يأتي بنظريات في العلوم الاجتماعية "العملية" ويصادم بها دين الله فهو ممن يصدّ عن سبيل الله.
وهذه في الحقيقة لا يُقال عنها أنها تتعارض مع الوحي تعارض الحقائق، وإنما هي معارضة للوحي.
ثانيًا: ما المقدم عند التعارض ؟
فإذا رُفع "الإجمال والتعميم" فإنه لا يُقال بتقديم العلم على الدين بحجة أن العلم يعتمد الحقائق المحسوسة، مع أنه ليس كله كذلك، وإنما -وهذا من باب التنزل مع الخصم- نقول كما قال علماء أهل السنة، هل الدليل النقلي والعلمي هما القطعيان أو الظنيان؟ أو ما كان أحدهما قطعيًا والآخر ظنيًا؟
فأما إن أريد بهما القطعيان، فلا نُسلم بإمكان التعارض حينئذ؛ لأن القطعي لا يعارضه قطعي آخر، وأما إن أريد بهما الظنيان، فالمقدم هو الراجح مطلقًا، سواء كان الدليل النقلي أو الدليل العلمي، وجاء التقديم بسبب الرجحان
стр. 1205
وليس بسبب كونه نقليًا أو عقليًا أو علميًا. وأما إن أريد به أن أحدهما قطعي، فالقطعي هو المقدم مطلقًا، وإذا قُدر أن العقلي أو العلمي الحسي هو القطعي كان تقديمه لكونه قطعيًا لا لكونه عقليًا أو عمليًا حسيًا، وبهذا يُعلم أن تقديم العقلي مطلقًا خطأ أو العلمي الحسي كذلك، كما أن جعل جهة الترجيح كونه عقليًا أو علميًا حسيًا خطأ أيضًا (١). قال ابن القيم ﵀ بعد ذكره للأقسام الثلاثة: "فهذا تقسيم متفق على مضمونه بين العقلاء. فأما إثبات التعارض بين الدليل العقلي والسمعي والجزم بتقديم العقلي مطلقًا، فخطأ واضح معلوم الفساد عند العقلاء" (٢).
وهو الذي يُرفع به التوهم، فإن جاء شيء من العلم فلا يُقدم بإطلاق، وإنما يُنظر فيه هل هو قطعي أو ظني، ثم يُنظر فيما يتوهم معارضته من الدين هل هو قطعي أو ظني، فلا يمكن وجودهما في التعارض القطعي، وإن جاء أحدهما قطعيًا قُدم لأنه قطعي، وإن كانا ظنيين انتقلنا إلى الترجيح بينهما. وقد يظن من يجهل حقيقة الدين أن في مثل هذا التقسيم شيء من تقليل شأن الدين (٣)، والحقيقة أن هذا من تعظيم الدين، فالكلام هنا ليس عن الدين أو العلم، وإنما هو عن أدلة ومسائل توجد فيهما، وإلا فالمقدم هنا هو الدين مطلقًا وهو الوحي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولكن إذا جاءت أدلة ومسائل توَهم المتوهمُ فيها تعارضًا، فإن الدين يأمر أصحابه بالعلم والبرهان وتقديم الحق على غيره، وهذا التقسيم الذي ذكره أهل السنة هو الذي يستقيم به الأمر.
ثالثًا: "موضوعات الغيب وموضوعات الشهادة - الأكثر إشكالًا ":
يرتفع الكثير من الإشكال بالأصلين السابقين؛ أي: بتجاوز "التعميم والإجمال" أولًا، فهما مظنة الالتباس، ثم بالاعتماد على القطعي دون القول بأنه
стр. 1206
النقلي أو العقلي أو الحسي. وباصطحابهما ندخل إلى أكثر صور التعارض المزعومة اشتباهًا وهي النوع الأول: أي: التعارض بين الموضوعات الجزئية، حيث يتكئ عليه أهل التغريب في جعله أداة لإقصاء الدين أو التكذيب بنصوصه، بحجة أن ما يقدمه الدين من معلومات عن موضوعات بعينها يتعارض تمامًا مع العلم الحديث، وليكن النموذج على ذلك إقامتهم التعارض بين ما ورد في الدين عن أمر الكون، ولاسيّما موضوعات الفلك وبين ما يرد في العلم الحديث حول الموضوع نفسه، وذلك أنها أول مسألة سببت نزاعًا في الفكر الحديث، في الغرب أولًا ثم في العالم الإسلامي، وما زالت تُثير بعض المشاكل، من أبسط مسائلها كالقول بكروية الأرض ودورانها حول نفسها ودورانها حول الشمس والمجموعة الشمسية ونظامها إلى الأعقد والأغمض وهو الكون الكبير، كما أن هذا العلم يُعدّ من أقوى العلوم الطبيعية التي اكتسبت مقدارًا كبيرًا من الدقة والعلمية. وبمثلها يفرح المعارض للدين أو الهارب منه ويرفعها أداة اتهام للدين، وعلى عكسه المؤمن الذي قد يلتبس عليه الأمر ويقع في حيرة وألم، بينما إذا حُقق الأمر وُجد أنه لا تعارض حقيقي في الموضوع وأن مدّعي التعارض قد غلبه هواه عن النظر الموضوعي للإشكالية.
وذلك أن الموضوعات التي يُدّعى فيها التعارض، إما أنها موضوعات كبرى عن خلق الكون والحياة والإنسان وأمثالها، أو موضوعات جزئية مثل بعض مسائل الفلك، وهي أيضًا قد كان خلقها في الماضي البعيد وقبل وجود الإنسان، وما بقي منها هو الجزئي الظاهر المستمر في الحدوث، وبهذا فنحن أمام أمر غيبي قديم أو أمر ظاهر موجود، الغيبي يتعلق بأمور كبرى مثل وجود الكون والظاهر مثل كروية الأرض وحركتها حول نفسها وحول الشمس.
فإذا رجعنا إلى الدين وجدنا فيه حديثًا حول الأمرين ولهدف معين، وإذا رجعنا إلى العلم الحديث في الفلك والفيزياء الكونية وجدنا فيه حديثًا حولهما أيضًا، ومن الواضح أنهما لا يتشابهان ولكن عند المحقق يعلم أيضًا أنه لا يشترط من عدم التشابه وجود التعارض.
١ - الموضوعات الكونية الكبرى التي هي من الغيبيات:
يُعد خلق العالم من الأمور الغيبية، ولكن الغيب منه ما هو غيب مطلق،
стр. 1207
فلا يعلمه أحد إلا بالخبر، ومنه ما هو نسبي قد يعلمه قوم ويجهله آخرون، أو يُجهل في وقت ويُعلم في وقت.
ومن معتقد أهل السنة أن للغيبيات الوارد ذكرها في النصوص معنى يعرفه المخاطب وحقيقة لا يعرفها، ومن ذلك الجنة ونعيمها أو الباري سبحانه وصفاته، فما ورد من نعيم الجنة نعرف معناه ولكن لا نعرف حقيقته؛ أي: لا نعرف كيف هو، ومثل ذلك صفات الباري سبحانه نعرف معناها ولكن لا ندرك حقيقتها، ويدخل في ذلك الأمور الكونية، ومن ذلك مثلًا ما نجده في الوحي من خلق السموات والأرض في ستة أيام، فإن المعنى واضح ولكن حقيقته من أمور الغيب، فمن الذي يستطيع الجزم بما حدث في هذه الأيام؟ ومن الذي يستطيع الجزم بتحديد طول هذه الأيام؟ فالذي نعلمه أن هناك أيامًا ستة، الله أعلم بطولها، وقع فيها خلق السماوات والأرض، الله أعلم بكيفيته، وبحسب القاعدة المشهورة: "المعنى معلوم والكيف مجهول"، وإن كان مجهولًا فقد لا يكون كلّه من الغيب المطلق، فقد يصل البشر إلى بعض المعرفة ببعض أموره.
فلو جاء زاعم ثم قال: إن هناك تعارضًا مثلًا في الزمن، ففي الوحي نجد ستة أيام بينما يذكر أهل العلوم غير ذلك من الأزمان، فلا يدخل هذا النوع في أبواب التعارض؛ لأن الزمن الذي ورد في القرآن غير الزمن الذي يتحدث عنه أهل العلوم الحديثة، ذاك زمن غيبي نعرف معناه ونجهل حقيقته، بينما زمن أهل العلوم زمن يقاس بعالم الشهادة وبالمحسوس، وبالمعاش، وهذا هو ما يستطيعون بحثه إن سلّم أهل الاختصاص لهم بصحة ما ذهبوا إليه وأجمعوا عليه.
ومثل هذا لا يقع فيه التعارض، نعم لو جاء من يقول بأن العلم يثبت أن الكون أزلي، ولم يخلق فهذا فيه تعارض بيّن، وهو ما تبناه الماديون رغم أن العالم الفيزيائي الذي اعتمدوا عليه لا يقول بهذا القول وهو نيوتن، كما أن الفيزياء المعاصرة ضدّ هذا القول ومن أبرز نظرياتها نظرية الانفجار العظيم، وهي نظرية تُسلم بزمن معين ظهر فيه هذا الكون (١). فيكون هناك إطار زمني جاء في الدين، وإطار زمني ذكره أهل العلوم الحديثة، أما حقيقة ما ورد في الدين فالله أعلم به، الذي نعلمه هو المعنى وأنه ستة أيام، أما أهل العلوم فيقولون بأنه زمن
стр. 1208
طويل إذا قيس بالمُشاهد، وهو أمر الله أعلم بحقيقته وإن كنا نعلم معناه؛ فإن الله تعالى خاطبنا بما نعلم. أما أهل الاختصاص الطبيعي فلهم مقاييسهم وحساباتهم وملاحظاتهم، وهو أمر لا نتحدث عنه، فليس الأمر مما يتطلب منا تكذيبهم أو تصديقهم، فبما أنه لا يوجد لدينا دليل قطعي فإنه لا يصح لنا التكذيب بأمر نجهله وإنما يُترك لأهل الاختصاص، ولكن في المقابل فمن غير الصحيح الاستعجال بتفسير النصوص الدينية بمثل هذه المعلومات العلمية.
إن بحث أهل العلوم في المثال السابق، حول "الزمن" إنما هو فيما نجهله نحن؛ أي: في جانب الكيف، وهو أمر غيبي، ولكنه من الغيب النسبي الذي لا يمنع من وجود طائفة من البشر في زمن من الأزمان يعرفون بعض المعلومات عنه، ولاسيّما إذا توفر لهم من الأجهزة والمقاييس والأدوات ما يساعدهم على ذلك، ولكن ما يصلون إليه ليس من القطعي، وإنما هو من النظريات التي تُطرح، والنظرية تُعد محاولة للإجابة، وهي في فلسفة العلم ظنية الدلالة؛ وقد يأتي في زمن لاحق ما يغير فيها أو يطورها أو يلغيها، وعلى هذا فما قدمه العلم في هذا الباب يكون في أحسن أحواله دليل ظني، ومعلوم أن المقدم عند التعارض بين القطعي والظني هو القطعي.
٢ - الموضوعات الجزئية:
تأتي الموضوعات الكبرى غالبًا عن أمور غيبية في الماضي أما الموضوعات الجزئية فهي أمور حادثة مشاهدة ظاهرة للبشر، فالدين والعلوم البشرية في النوع الأول يتكلمان عن أمر غيبي، أما في النوع الثاني فعن أمور ظاهرة مشاهدة ليست من الغيب.
فمن الغيب وجود الكون، ومنه أمور من الغيب النسبي، ومن المشاهد حركة الأرض والشمس والنجوم. ومن الغيب خلق آدم وحواء ﵈، وهو أيضًا من الغيب النسبي، ومن المشاهد خلق الجنين، فخلق آدم من أمر الغيب الذي يُعلم في الأساس بالخبر، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في تفسير سورة العلق: "فأما خلق آدم من طين، فذاك إنما علم بخبر الأنبياء أو بدلائل أخر. ولهذا ينكره طائفة من الكفار الدهرية وغيرهم الذين لا يقرون بالنبوات. وهذا بخلاف ذكر خلقه في غير هذه السورة. فإن ذاك ذكره لما يثبت النبوة وهذه السورة أول
стр. 1209
ما نزل وبها تثبت النبوة فلم يذكر فيها ما علم بالخبر بل ذكر فيها الدليل المعلوم بالعقل والمشاهدة والأخبار المتواترة لمن لم ير العلق" (١)، والشاهد من هذا هو التفريق بين الغيب والشهادة، فما ورد من الغيب نعرف معناه ونجهل الكيفية، إلا إن جاء في الخبر ما يوضحها لنا، أما الشهادة، فإن تحدث عنها الدين فهو يتحدث عما نشاهده، فإذا أتينا إلى هذا الباب فإن العاقل من أي ملّة تصيبه الدهشة وهو يرى أنه لا يوجد شيء مما ورد في الإسلام يعارضه شيء من العلم، بل إن العقلاء تصيبهم دهشة وهم يجدون في القرآن أمورًا من التفاصيل لم يكتشفها العالم إلا بعد قرون، ومن هنا لم تظهر مشكلة في دين الإسلام مع الحقائق العلمية بخلاف الأديان الأخرى: المبدلة والوضعية، فقد عرفت مشاكل كثيرة مع الحقائق العلمية.
ومع ذلك فليست كل الموضوعات بالوضوح نفسه، فهناك موضوعات معقدة في باب العلوم، وهذه الموضوعات قد جاء الحديث عنها في القرآن الكريم، وقد وجد فيها بعض المتغربين فرصة للتشهير بالدين وإثبات تناقضه أو تعارضه مع العلم الحديث، ومن بين ما يكثر الحديث عنه نظرية الفلك، لهذا أجعلها النموذج في الإشكال مع بيان عدم صحة جعلها وسيلة لإثبات التعارض بين الدين والعلم.
لقد سبق الحديث عن صورة إثارة هذه المشكلة في الفصل الرابع من الباب الأول، وقد رأينا أنها كانت مشكلة في الطائفة النصرانية في الأساس، وأن من عاصر المشكلة من المسلمين لم يجدوا فيها ما يصح جعله من التعارض بين الدين العلم الحديث، وكانت نتيجة الفقرة آنذاك أنها لم تُشكل مشكلة عند المسلمين. ومع ذلك فقد لا تبحث في كتاب من كتب المتغربين، له صلة بالموضوع إلا ذُكِر التعارض بين الدين والعلم مُمثِلًا بها، وقد وجدت عند مجموعة يتناقلون فرية افتروها ويتناقلونها عن أحد العلماء المعاصرين من قوله بأن الأرض لا تدور وعند بعضهم أنه مسطحة وأن من قال بغير ذلك فهو كافر (٢). ومع ذلك فمرادي في هذه
стр. 1210
الفقرة إثبات الجانب المنهجي والمعرفي، وإلا فالظاهر من أحوالهم هو سيطرة اتجاهاتهم العلمانية عليهم وفرحهم بأي شيء يوهم التعارض حتى يجعلوه دليلًا في إثبات المعارضة ومن ثم إقصاء الدين. فماذا يقال في هذا النوع؟
من المعلوم بأن القرآن جاء بلسان عربي مبين، وأنه نزل بلسان العرب، ولهذا هو مفهوم عندهم، فلابد عند فهم النصوص من مراعاة معهود العرب في خطابها، وعندما تكلم على أمور الكون والمخلوقات المشاهدة فهو يتكلم بما هو معهود عندهم، وهدفه تحقيق التوحيد والعبودية لله، وقد ذكر الإِمام "الشافعي" ﵀ صورًا من معهود العرب في خطابها، ومن ذلك:
١ - أنها تخاطب بالشيء منه عامًا ظاهرًا تريد به العام الظاهر، ومثاله من القرآن الكريم قوله -تعالى-: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات: ١٣] فهذا يعم جميع الناس.
٢ - وتخاطب بالشيء عامًا ظاهرًا تريد به العام ويدخله الخصوص، ومثاله من القرآن الكريم قوله -تعالى-: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: ٧٥]، فكل أهل القرية لم يكن ظالمًا، لكنهم كانوا مغلوبين على أمرهم.
٣ - وتخاطب بالشيء عامًا ظاهرًا تريد به الخاص، مثاله من القرآن الكريم قوله -تعالى-: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦]، ودل القرآن على أن وقودها إنما هو بعض الناس، لا كلهم، كما في قوله -تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء: ١٠١].
٤ - وتخاطب بالشيء ظاهرًا يعرف في سياقه أنه يراد به غير ظاهره، مثاله من القرآن الكريم قوله -تعالى-: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢]، المراد أهل القرية، وأهل العير (١).
وقد ذكر الشيخ "محمَّد بن عثيمين" ﵀ من القواعد حول أدلة الأسماء والصفات بعض ما يفيدنا في موضوعنا، ومنها القاعدة الثانية: "الواجب في
стр. 1211
نصوص القرآن والسنة إجراؤها على ظاهرها دون تحريف لاسيما نصوص الصفات حيث لا مجال للرأي فيها"، واستدل بقوله -تعالى-: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٤]، وقوله -تعالى-: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢)﴾ [يوسف: ٢]، وقوله -تعالى-: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣)﴾ [الزخرف: ٣]، وعلق: "وهذا يدل على وجوب فهمه على ما يقتضيه ظاهره باللسان العربي، إلا أن يمنع منه دليل شرعي" (١)، وفي القاعدة الرابعة يقول: "ظاهر النصوص ما يتبادر منها إلى الذهن من المعاني، وهو يختلف بحسب السياق، وما يضاف إليه الكلام، فالكلمة الواحدة يكون لها معنى في سياق ومعنى آخر في سياق. وتركيب الكلام يفيد معنى على وجه ومعنى آخر على وجه" (٢).
فإذا انتقلنا من هذه القواعد إلى موضوعنا ونظرنا في النصوص المتعلقة بالكون لوجدناها نزلت بما يفهمه العرب من لسانهم، والظاهر من النص لا يعني بأية حال أنه يخالف الحقيقة، وإنما هو بحسب سياقه كما ورد في استقراء الشافعي ﵀، فمن استعجل من المعاصرين في نسبة معنى إلى آية من الآيات المتعلقة بأمور الكون دون انتباه لقواعد أهل العلم فقد يغلط، وكذا من جاء من أهل العلوم الحديثة أو ممن قرأها وزعم وجود آية تعارض هذه الحقيقة العلمية، فإنما أوتي من جهله بالنص القرآني وجهله باللسان العربي، فيقع في الغلط، ومن الأمثلة على الموضوع ما يُقال من تعارض في موضوع حركة الأرض والشمس بين العلم والدين.
فالنظرية الحديثة تقول بدورة الأرض حول نفسها ودورتها حول الشمس، كما أن الشمس تدور حول نفسها وتتحرك ضمن المجرة التي هي فيها، فيأتي أحدهم ويقول بأن القرآن يتعارض مع العلم في الموضوع، ويستشهد مثلًا بقوله -تعالى-: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ في فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ [الكهف: ١٧].
فإذا رجعنا إلى قواعد علماء الشريعة فالأصل أن تبقى هذه الآية على ظاهرها ما لم يدل دليل على خلاف الظاهر، وفي ذلك يقول أحد علماء الشريعة
стр. 1212
المعاصرين الشيخ محمَّد بن عثيمين ﵀: "وفي قوله -تعالى- ﴿إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ﴾ ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ﴾ دليل على أن الشمس هي التي تتحرك وهي التي بتحركها يكون الطلوع والغروب خلافًا لما يقوله الناس اليوم من أن الذي يدور هو الأرض، وأما الشمس فهي ثابتة، فنحن لدينا شيء من كلام الله، الواجب علينا أن نجريه على ظاهره وألا نتزحزح عن هذا الظاهر إلابدليل بيّن، فإذا ثبت لدينا بالدليل القاطع أن اختلاف الليل والنهار بسبب دوران الأرض فحينئذ يجب أن نؤول الآيات إلى المعنى المطابق للواقع، فنقول: إذا طلعت في رأي العين، وتزاور في رأي العين، تقرض في رأي العين، أما قبل أن يتبين لنا بالدليل القاطع أن الشمس ثابتة والأرض هي التي تدور وبدورانها يختلف الليل والنهار فإننا لا نقبل هذا أبدًا"، إلى أن قال: "ولكن لو تيقنا يقينًا أن الشمس ثابتة في مكانها وأن الأرض تدور حولها، ويكون الليل والنهار، فحينئذ تأويل الآيات واجب حتى لا يخالف القرآن الشيء المقطوع به" (١).
والتأويل الذي ذهب إليه الشيخ عند ثبوت النظرية الحديثة يستفاد من سياق الآيات؛ لأن أهل العلم يحملون القرآن على ظاهره، وقد يأتي في الآية أو في آيات أخرى ما يجعل له احتمال معنى آخر، وهذا هو الظاهر الاصطلاحي عند الأصوليين، وكما في مختصر الروضة: "الكلام: نص وظاهر ومجمل" ووجه انحصار الكلام في ذلك "هو أن اللفظ إما أن يحتمل معنى واحدًا فقط، أو يحتمل أكثر من معنى واحد، والأول النص، والثاني: إما أن يترجح في أحد معنييه أو معانيه، وهو الظاهر، أو لا يترجح، وهو المجمل" (٢).
و"النص" في اصطلاح الفقهاء والأصوليين هو الصريح في معناه؛ أي: كونه خالص الدلالة عليه، لا يشوبه احتمالُ دلالة على غيره، وحكمه ألا يُترك إلا بنسخ (٣).
стр. 1213
أما "الظاهر" فهو اللفظ المحتمل معنيين فأكثر، هو في أحدها أظهر، ولا يعدل عنه إلا بتأويل (١). وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أربعة شروط لصحة هذا التأويل (٢).
وأما "المجمل" فهو اللفظ المتردد بين احتمالين فصاعدًا على السواء، فلا رجحان له في أحدهما عن الآخر (٣).
وهذا التقسيم أيضًا ذكره أهل العلم في أبواب العقائد ومجادلة المخالفين، ولاسيّما في موقفهم من النصوص، فقال ابن القيم ﵀: "ألفاظ القرآن والسنة ثلاثة أقسام: نصوص لا تحتمل إلا معنى واحدًا. وظواهر تحتمل غير معناها احتمالًا بعيدًا مرجوحًا. وألفاظ تحتاج إلى بيان، فهي بدون البيان عرضة الاحتمال".
القسم الأول: يفيد اليقين بمدلوله قطعًا، "وعامة ألفاظ القرآن من هذا الضرب، هذا شأن مفرداته، وأما تركيبه فجاء على أصح وجوه التركيب، وأبعدها عن اللبس، وأشدها مطابقة للمعنى. فمفرداته نصوص أو كالنصوص في مسماها، وتراكيبه صريحة في المعنى الذي قصد به. . . ." (٤).
القسم الثاني: "ظواهر قد تحتمل غير معانيها الظاهرة منها، ولكن قد اطردت في موارد استعمالها على معنى واحد، فجرت مجرى النصوص التي لا تحتمل غير مسماها" (٥).
стр. 1214
وأما القسم الثالث: "إذا أحسن رده إلى القسمين قبله عرف مراد المتكلم منه، فالأول يفيد اليقين بنفسه، والثاني يفيده باطراده في موارد استعماله، والثالث يفيده إحسان رده إلى القسمين قبله. . . ." (١)، فإن المجمل يجد بيانه في نصوص أخرى.
إذا علمنا هذا التقسيم حول دلالة النصوص عندها نفهم الموقف الصحيح عند التعارض في باب الموضوعات، ونفهم في السياق نفسه موقف علمائنا مثل موقف الشيخ ابن عثيمين السابق، فأهل السنة الأصل عندهم هو الوحي وهو المقدم، وعند وجود تعارض فالمقدم هو القطعي، وما لم يكن قطعيًا فالأصل هو البقاء على ظاهر النص لا نتحول عنه إلا بيقين، وإذا صرفناه إلى معنى آخر فإننا سنجد من النصوص ما يدل عليه، والشيخ عندما فسر الآية بما يظهر للعين وليس بما يتعلق بحركة المجموعة الشمسية فإن في نفس السورة ما يدل على هذا المعنى، قال -تعالى- عن ذي القرنين: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦]، قال الشيخ ﵀: "ومعلوم أنها تغرب في هذه العين الحمئة حسب رؤية الإنسان" (٢)؛ أي: أن الظاهر هنا بحسب كلام الإِمام الشافعي غير مراد، ولكن من وقف على شاطئ البحر عند غروب الشمس يرى بعينه كأنها تغرب في الماء، ومعلوم أنه لا أحد يقول بذلك، وبهذا نفهم ما ورد من آيات حول الموضوعات الكونية.
لا يعني أن الشيخ ﵀ قد سلّم قطعًا بالنظرية الجديدة، ولكنه يضع القاعدة الصحيحة في الموضوع، فمن عادة أهل السنة تعظيم الوحي، وعدم ترك الظاهر المتبادر إلا بحجة بيّنة، وهو لم يقتنع مثلًا بالمعارض، ولكنه في الوقت نفسه يفتح الباب لمن ثبت عنده القطع بأنه يجب عليه بيان معنى للآية لا يخالف المحسوس القطعي، وبما أنه لم يتأكد من المسألة فإنه لا يجزم بخطأ المخالف، فأهل العلم لا يعدون هذه من مسائل الاعتقاد، ولذا لم يرد منها شيء في كتب العقائد، وإنما جاءت من أجل هداية الناس إلى التوحيد، وتؤخذ بهذا المقدار، أما التوسع في هذه العلوم فهو لأهل الاختصاص فيها، وبسبب إدراك أهل العلم
стр. 1215
لهذا الأمر لا تجدهم يشنعون على من خالف اجتهادهم أو ما يرونه أولى بالصواب، وهذه النظرية تُدرّس في المدارس، ومع ذلك لم يقف ضدها العلماء المبرِّزُون عند الأمة موقفًا مشنِّعًا، وإنما بعضهم يرى عدم ترك الظاهر إلا بدليل قطعي، وهو الأمر المتفق مع مذهبهم أنه لا يُقدم إلا القطعي، فلو ثبت أن ما قاله العلماء المحدثون قطعيًا لما حمل أحدهم آية على خلاف الحقيقة لعدم جواز ذلك، ولكن العالم إن لم يجزم بشيء فإنه يحترز من التشنيع على من اعتقد صحة هذه النظرية أو تلك، ولهذا لا نجد لأهل العلم تشنيعًا على من أخذ بالنظرية، رغم أن بعضهم يتحرج من تقديم ما دلت عليه على ظاهر النص لعدم تأكده من صحة النظرية، فهو يرى أن أغلب المسلمين إنما هم يقلدون الغربيين.
وإنني أجد من بعض المنتسبين لأهل الدين من يتقحّم هذه الأبواب العظيمة ويقطع بأن النصوص تدل على ثبات الأرض ودوران الشمس حولها، وتبديعه لمن خالف رأيه، مع أن أهل العلم المعتبرين يرونها تُدرّس في مدراس المسلمين ولم ينكروا ذلك، فلو تأكد الأمر عندهم ما سكتوا عن باطل، وإنما سكوتهم رغم تحفظ بعضهم بسبب عدم ترجح الأمر عندهم. لهذا يجدر بمن تقحم هذه الأبواب من غير أهل العلم أن يتقي الله سبحانه، فإنه قد يفتح على المسلمين من الشرور بسبب جهله أو تسرّعه أكثر مما يظن من الخير، والمعادون للدين يفرحون بمثل هذه الاجتهادات ويجعلونها دليلًا على التعارض بين الدين والعلم، والأولى بهم الاقتداء بعلماء الشريعة والرجوع إلى قواعد أهل العلم، وهذا الكلام نقوله حتى لا نترك للمخالف سبيلًا علينا، فإنه يذهب إلى بعض كتب التفاسير ويجد فيها "الإسرائيليات" و"الموضوعات" فيجعلها من الدين وينسبها له، أو يذهب إلى بعض من اجتهد وأخطأ أو أتى بقول شاذ من المعاصرين ويجعله حجة على مذهبه الباطل، والحق أحق أن يتبع، ومن أراده فلا يذهب إلى نص مكذوب أو إسرائيلي، ولا يذهب إلى قول ضعيف أو خطأ أو شاذ ويجعله حجه لمذهبه، فهو حجة عليه وليس له.
وخلاصة القول إن الآيات عن الأمور الكونية التي تحدثت عنها العلوم الطبيعية، إما أنها حدثت في الغيب، فما جاء من آيات عنها نعلم معناه ونجهل حقيقته، ولكن تلك الحقيقة ليست دائمًا من الغيب المطلق، وإنما هي من الغيب النسبي الذي قد يُمكّن الرب سبحانه بعض خلقه من المعرفة ببعض أمورها، ومثل
стр. 1216
هذه لا يكون التعارض فيها؛ لأن ما في النصوص يتعلق بغيب لا نعرف حقيقته على وجه التفصيل ككل المغيبات. أو أنها من أمور الشهادة، وما ورد فيها من النصوص أغلبه من الظاهر أو من المشتبه الذي عادة أهل الإيمان رده إلى المحكم، والأصل فيها هو الظاهر منها، إلا أن يدل دليل قطعي على غير الظاهر، عندها يُفسر النص بأقرب معنى يجمع بين بقاء النص مع بيان المعنى المقطوع به.
وهذا يعني أنه لا يوجد تعارض حقيقي بين منقول صحيح قطعي وشيء من العلوم الحديثة الصحيحة القطعية، والله أعلم.
رابعًا: ملابسات الدعوى التاريخية والأيدلوجية:
يكشف التحليل التاريخي بأن دعوى التعارض بين الدين والعلم تاريخية؛ أي: ترتبط بالتاريخي أكثر من ارتباطها بالحقائق، إنها مشكلة تاريخية ترتبط بأحداث تاريخية من جهة وببعض المذاهب الفكرية دون غيرها من جهة أخرى، ومن بين أوضح ما يكشف ذلك وجود علماء مشهورين يرفضون دعوى التعارض.
أما الجانب التاريخي للدعوى فيرتبط أساسًا بما حدث في أوروبا مع الثورة العلمية، وما دار من صراع كبير بين أنصار أهل العلوم وبين الكنيسة الممثل السيئ للدين داخل أوروبا، ولا تجهل الأمة الإسلامية خطورة ما تحويه الكتب المقدسة بحسب زعمهم من معلومات، فإنه قد وصل إلينا بعضها في بعض كتب التفسير من الإسرائيليات مما جعلها تُمثل إشكالًا جاهد العلماء في رفعه بعد ذلك. فقد كان هناك أمور كونية ورد ذكرها في القرآن الكريم، ومن عادة النفوس تطلعها لمعرفه مثل هذه الغيبيات، وكان أهل الكتاب عندهم الشيء الكثير حولها، فأخذ بها بعض المسلمين وأدخلوها من باب الاستئناس في توضيح ما ورد به النص معتمدين على الأذن النبوي في الحديث عن بني إسرائيل (١). وقد أضافت الكنيسة في الغرب على تلك العجائب تسلطًا على المخالف مع سوء تعامل مع الناس مما جعل العقلاء ينفرون منها ويتبعون ما دلّ عليه العقل والعلم. ولم تظهر مثل هذه الصورة في بلاد المسلمين إلا في فترات الجهل
стр. 1217
الشديدة، وهي فترات لا تطول بفضل الله؛ لوجود العلماء المجددين الذين يجددون أمر الدين، ولذا لم يُعرف أن أحد المشتغلين بالطب أو الحساب أو الفلك أو غيرها قد أنكر عليه أحد شيء من علومه إنما يكون الإنكار على أبواب العقائد الباطلة وهي ليست من العلم.
وأما الجانب الأيدلوجي للدعوى فيرتبط أساسًا بما حدث في أوروبا بعد فصل الدين عن الدولة، وبروز العلمانية التي نشأ معها مذاهب إلحادية من جهة الدين، واشتهرت في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر، وهؤلاء لم يكونوا يعترفون بالدين حتى يقولوا بوجود تعارض بينه وبين الدين، ومع ذلك فبسبب حربهم ضد الدين أبرزوا هذه الدعوى معتمدين على ذاكرة الأوروبيين حول الصراع القديم ومبرزين التناقضات التي لم تسلم منها علوم الكنيسة، وبرز ذلك مع اليسار الهيجلي، ولاسيّما "فيورباخ" و"ماركس" أو مع الوضعية من "سيمون" إلى تلميذه "كونت" وغيرهما (١).
فهناك أخطاء تاريخية غربية، وخطأ المتغربين العرب إطلاقها وتعميمها، وهناك مذاهب أيدلوجية غربية، وانحراف المتغربين اتباعها وتقليدها، ويحرص المتغربون على تجاهل الأمرين: "تاريخية المشكلة وأيدلوجيتها" مع أن الانتباه لهما يكشف لنا نسبية المشكلة وارتباطها إما بواقع معين أو بتيار معين.
هذا ولا تعني تاريخية المشكلة عدم وجودها، فإنه كما يقول أحد المشتغلين بفلسفة العلم: "لم تخل فترة من فترات التاريخ البشري من ظهور دعاة التناقض بين الدين والعلم"، ولكن التحليل التاريخي يكشف أن السبب يعود إما إلى أديان باطلة كما أن معسكر العلم بحسب تعبير الباحث السابق لديه: "عدم اكتراث بتوضيح موقفه أحيانًا، أو بتبادل الهجوم في أحيان أخرى، وكأن الدفاع عن العلم يقتضي الهجوم على الدين. وهذا كله موقف مغلوط كما سنرى، والمستقبل يقتضي تجاوزهما تمامًا" (٢)، ولا يرجع الأمر إلى معسكر العلم فقط، بل إلى المذاهب المادية والوضعية التي جعلت خيارها العقدي هو الإلحاد، ولهذا تقف من كل موضوع ديني موقف العداء، ففي البلاد العلمانية التي تتيح
стр. 1218
حرية الرأي نجدها تحاول تجاهل المتدين مثل ما حدث مع "بيير دوهيم" العالم الفيزيائي المعروف وهو كاثوليكي متدين، فبعد موته لم يكمل طباعة مؤلفه المشهور في تاريخ العلم، وعلل "الكسندر كويري" مؤرخ العلم البارز السبب: في سعي المؤلف إلى التدليل على أن جذور العلم الحديث توجد في إلهيات القرون الوسطى، مما دعى الجهات العلمية ذات النفوذ إلى منع صدوره بشكل خفي (١). ونجد في جزء آخر من هذه البلدان كالاتحاد السوفيتي سابقًا بحسب دستور سنة (١٩٣٦ م) بأنه يحق لكل شخص أن يتكلم أو يكتب ضد الدين كما يشاء أما الدفاع عن الدين فممنوع (٢).
فمثل هذه الأيدلوجيا تؤثر في التوازن والاعتدال في البحث عن الحقيقة وتجعل من دعوى التعارض مسلمة لا رجعة عنها، ويؤثر ذلك في المحتكين بها، وعند التحقيق التاريخي والثقافي يتبدى تاريخيتها وزيفها، ومما يدل على ذلك أنه في دائرة العلوم الحديثة هناك من يرفض مثل هذه الدعوى ويرفض تحويلها إلى نزل مطلق، ولنأخذ أبرز علماء الفيزياء في العصر الحديث "نيوتن" الذي بنت عليه الأيدلوجيا المادية مذهبها في دعوى التعارض، ففي إحدى الدراسات نجد النتيجة الآتية: "وخلافًا لكثير من المفكرين اليوم، لم ير نيوتن تعارضًا بين العلم والدين، وكتب أن الكون لا يمكن أن يعمل دون وجود إله، وأنه لولا الرعاية الربانية المستمرة لتوقف الكون ثم لانهار. . . ." (٣)، ويشدد "على أن الحكمة ونفاذ البصيرة لا توجدان في كتاب الطبيعة فحسب، بل في الكتب المقدسة أيضًا. . . ."، وقد كانت كتاباته حول الدين أكثر من كتاباته الأخرى (٤).
وبقدر ما يكشف التحليل "لتاريخية الدعوى وأيدلوجيتها" عدم سلامة تلك الدعوى في "الموضوعات" فإنه يكشف بصورة أوضح مدى عمقها في بقية صور التعارض، في تعارض "الإطار" و"المنهج" و"العمل"، والأغلب يستندون في بقية التعارضات إلى صحة الدعوى الأولى، فعليها يقوم دعوى التعارض الكلي بين
стр. 1219
إطارين "الدين" و"العلم" أو بين منهجين "الخبر" و"الحس" أو بين مرجعيتين "النص" و"التاريخ".
خامسًا: التفسير العلمي للنصوص الدينية:
مما يقلب الدعوى إلى نقيضها ما ظهر من صنوف التفسير العلمي للنصوص الشرعية فضلًا عن جهود لدراسة الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة، لتُثبت بأن العلم لا يعارض الوحي، بل إن الوحي قد سبقت فيه إشارة أو نص إلى موضوعات ما عرفها البشر إلا في العصور المتأخرة، ليقيم الله سبحانه حجته على خلقه بما برعوا فيه، فإن كان العرب قد برعوا في اللسان فقد نزل عليهم الوحي بإعجازه البياني، وإذا كان الناس اليوم قد برعوا في العلوم، فقد جاء الوحي بما يدل أنه من خبر السماء عندما رجعوا إلى نصوص تتعلق ببعض المكتشفات الحديثة، قال -تعالى-: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا في الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾ [فصلت: ٥٣]، قال ابن كثير ﵀: "على كون القرآن حقًا منزلًا من عند الله، ، على رسوله ﷺ " (١).
يتفق هذا الوضع الجديد مع مبدأ من مبادئ الباحث وهو: أن البشر كلما اجتهدوا للبحث عن الحقائق بعقولهم أو علومهم، فإن ما يصلون إليه من حقائق لا يعارض الوحي إن لم يجدوا في الوحي ما يدل عليه، وأن البشر كلما بلغ بحثهم عن الحقيقة قوةً وإتقانًا ووضوحًا، فإنهم يقتربون أكثر من حقيقة الوحي في أموره الكونية والخلقية.
وإن هناك لدلالة مهمة فيما أبداه أهل التفسير العلمي للنصوص الشرعية أو أهل الإعجاز العلمي أو أهل التأصيل الإسلامي للعلوم، هذه الدلالة تؤكد بأن دين الإسلام لا يمكن بحال من الأحوال أن يتعارض مع العلوم الصحيحة، لا شك بوجود مشاكل في هذا النوع من النشاط، وهناك أخطاء، وهناك تجاوزات، يرجع الكثير منها بسبب دخول أناس إلى هذا الميدان وهم ليسوا أهلًا لذلك، إما
стр. 1220
أن عندهم معرفة بالعلم الشرعي ثم اقتحموا العلوم العصرية دون أن يُلموا بها جيدًا، فوقع بسبب ذلك أخطاء وتجاوزات، هذا إذا استبعدنا متاجرة بعضهم بمثل هذه الكتابات إذ نكتفي بالجانب المنهجي منها. فأقول إن لمثل هذا النشاط فيما صحّ منه وسَلِم من الأخطاء والتجاوزات لدلالات مهمة لا يمكن لعاقل أن يتنكر لها، وهي: أن العلم الصحيح لا يعارض بحال النقل الصحيح، بل إن العلم الصريح الصحيح المحقق ليدل على ما دلّ عليه النقل، ويكفينا من كل هذا النشاط الكبير في بابنا هذا مثل هذه النتيجة.
دراسة لبعض النماذج التغريبية التي ترفع من شأن دعوى التعارض:
سبق في الباب الأول نموذج دخول المشكلة -أي: مشكلة دعوى التعارض- عبر الصحافة من خلال كُتاب نصارى تأثروا بالاتجاهات المادية في أوروبا (١)، ومع ذلك فقد حاولوا عرضها بأسلوب غير مستفز رغم ما أثاره ذلك من عاصفة، واشتهر في أثناء عرض نظرية الفلك الجديدة ونظرية التطور، وقد كانت العاصفة داخل النصارى رغم أن الصحف التي يتولاها النصارى موجهة للجميع.
فلقد حرصوا على عدم التصادم ولوّحوا بمنهج التأويل كحل للمشكلة، وقد سبق تحليلها بما يناسب وضعها في سياق التفاعل والتأثر في الباب الأول، إلا أنه بعد دخولها جاء من يتجاوز التأويل ويدعوا بزعمه إلى ترك تلك الأوهام الدينية والاكتفاء بالعلم، نأخذ مثلين مؤشرًا على التوجه الجديد عبر الصحافة في بدايات إثارة المشكلة:
المثال الأول: كانت مجلة "الهلال" تركز على الجانب التربوي، وفي أحد الأعداد عرضت مقالًا لـ"أمير بُقْطُر" عن "الجيل المصري المقبل - تكوينه من ناحيتي الأخلاق والشخصية" فذكر نماذج للتربية في مدارس الغرب، ثم لفت إلى أهمية الحوار والسؤال ومن ذلك مثلًا قوله: "إذا تعارض الدين مع العلم فأيهما تصدق؟
ما الفائدة من الدعاء لله أن ينزل الغيث "المطر" في فترات الجفاف، طالما نحن نعلم أن المطر خاضع لقوانين طبيعية جوية هيهات أن يعمل الخالق
стр. 1221
على كسرها" (١).
المثال الثاني: نجده في الصحافة التركية بعد تحولها إلى دولة علمانية فكتب أحدهم مقالة: "على أبواب افتتاح الجامعة"، ومما قاله: "إننا بينما ندرس نظرية داروين في النشوء والارتقاء من جانب، نلقن الصغار في المدارس الابتدائية في دروس الدين معلومات غير علمية من جانب آخر، فمثلًا نلقنهم مثل هذا الدعاء: "يا رب! أنت خالقي وخالق أبي وأمي وخالق الأحياء والجمادات وأنت رازقنا"" (٢).
يلفت المثالان السابقان النظر إلى وجود توجه جديد، فلم يعد الأمر مكتفيًا بعرض المشكلة في الصحافة بطريقة غير مستفزة ولم يعد هناك الحرص على عرض وسائل منهجية للتوفيق، بل أصبح التحيز مع التغريب، ومع إثبات صحة الدعوى، ومع إقصاء الدين، ومع تعميق المشكلة، حتى داخل التعليم ذاته، وحتى مع الأطفال، أصبحت الدعوى ستارًا لإعلان الإلحاد ذاته، فمن الواضح في المثالين أن الأمر تجاوز دعوى التعارض بين موضوعات إلى إطار جديد لا مكان فيه للدين.
ننتقل الآن إلى بعض النماذج الفكرية، نراها تتحرك بين مستويات مختلفة من أنواع التعارض الأربعة، هي لا تعرض الدعوى إلا لانتقاص الموقف الديني وإحلال الموقف اللاديني مكانه، وتتميز النماذج الفكرية بعدم حرصها على العرض العلمي للإشكالية؛ لأن هدفها في الأساس هدف أيدلوجي يوجه نشاطهم الفكري.
نجد أولًا أحد المدافعين عن العلمانية ممن يتبنى نشر الدعوى حجةً للعلمانية، وهو الدكتور "عزيز العظمة"، ففي عرضه لطائفة الصحفيين النصارى في بداية القرن من أمثال: "شبلي شميل" و"سلامة موسى" التي تبنت الإلحاد "ظاهرًا" وأخذت بمادية صريحة ترتب "عليها الإفصاح بكل وضوح عن تعارض أساسي تغاضت عنه الإصلاحية الإسلامية والاعتذارية المسيحية، وهو تعارض الدين والعلم، وبذلك ليس للإنسان شرائع منزلة إلا ما أنزله جهله عليه من
стр. 1222
الخرافات والأوهام، فشرائع الإنسان من صنع الإنسان وهي تابعة لحاله من الانحطاط والارتقاء" (١)، وأن الإسلام بحسب أحد أتباع "شميل" لا صلة له بالعلم، وأنه لا يساير العلم، وهو يتحدث عن نار موسى والنفخ في فرج مريم (٢). والدكتور "العظمة" أثناء عرضه لهذا التيار الذي يغرس في تاريخنا الفكري المعاصر بذور هذه الدعاوى يعرضه كتيار يمتثل الحضارة الكونية العالمية ويمثلها في فكرنا.
ويظهر في كلام "العظمة" بأن التعارض الأساسي ليس بين الدين والعلم، وإنما هو بين الدين والمادية الملحدة، فقد صرّح بأنها أخذت بمادية صريحة ملحدة، وهنا تبرز عادة هذه التلاعبات الفكرية بالمصطلحات، ومن ذلك وضع مصطلح على معنى لا يوافقه، أو وضع المصطلحات المعممة لمعاني ليست بعامة طريقةً لإنعاش تلك الدعوى وغرسها في فكرنا المعاصر.
نجد في الأفكار المتغربة عدة نماذج، من أشهرها نموذجان، الأول: يرى بوجود تعارض بسبب جعل الدين والعلم على صفة واحدة مع أنهما يشكلان مجالين مختلفين، وبسبب عدم إدراك ذلك بحسب الدعوى يقع التعارض، ولهذا تظهر عند أصحابها أهمية الفصل بينهما والتوفيق عند الحاجة، والثاني: يرى وجود التعارض مع استغلال هذا التعارض لإثبات خرافة الدين ومن ثم أهمية التخلص منه.
النموذج الأول: التوفيقي:
يعد المفكر المشهور "زكي نجيب محمود" أشهر من تبنى هذا الموقف، وقد تقلّب منهجه الفكري في مراحل، وصل بعضها من التطرف إلى تبني "الوضعية" عادًّا إياها الفلسفة الأمثل في التمذهب، وتأثر بها إلى أبعد حد، لدرجة انفصاله عن هويته وتاريخه وثقافته، وتبني النموذج الغربي، ثم جاء له تحول في آخر حياته نحو التراث، فأبرز أهمية التوفيق بين الفكر الحديث والتراث، فيظهر في مشروعه دعوى التعارض العام دون ذكر محدد للموضوعات، ولكن الذي يتميز به هو منهجه التوفيقي.
стр. 1223
حافظ "زكي" على مبادئ معينة من مرحلته الوضعية، أبرزها أن الحقيقة لا توجد إلا في العلم، وهي إما استنباطية كالرياضيات أو حسية استقرائية كالطبيعيات، ويكون العلم في النهاية إما الاستنباطي أو الاستقرائي، أما الدين فهو لا ينتمي إلى العلم، ولكنه موجود فأين نضعه؟ بما أن الإنسان مكون من عقل ووجدان، فيكون حظ العقل العلم وحظ الوجدان الدين، الوجدان هو فضاء الدين والأدب والفن وكل ما ليس بعلم.
ويجد أن التقسيم: "العقل والوجدان" يرفع مشكلة التعارض، فالعلم لا يقبل إلا بما يمكن أن نتأكد منه؛ أي: بما يقبل التحقق، أما الوجدان فيقبل ما نرتاح إليه، حتى وإن لم نجد وسيلة للتحقق من صحته.
وهنا يختفي التعارض لا لعدم وجوده وإنما لاختلاف المجالين، فلا يقال مثلًا بأن الأدب والفن يتعارض مع العلم؛ لأن أصحابها إنما يعبرون عن مشاعرهم، ولكن "زكي" لا يبين لنا الفرق بين الدين وهذه النشاطات الوجدانية، لو كان الدين تعبيرًا عن المشاعر لجعلناه في قسم الوجدان ولكنه ليس كذلك، إنه أخبار وشرائع وعقائد جاء بها الوحي. قد يأتي موضوع علمي يخالف مجال الآداب والفنون فلن تجد من يعترض وينكر ذلك، سيقول الجميع باختلاف المجالين، ولكن لو جاء ما يوهم التعارض مع الدين فلن تجد من يسكت؛ لمجيء ما يُصادم ما يعتقده الإنسان من إطار للتصور والعمل، فهو أتى بحل يزيد من المشكلة ولا يحلها، هذا إن كان هناك مشكلة. يقول: "الإنسان يعش في حياته الإدراكية في دائرتين -دائرة العقل ودائرة اللاعقل- اللاعقل هذا يشتمل على مصادر فرعية كثيرة، من بينها ما ذكرته من فن وأدب ودين وغير ذلك. أما دائرة العقل فتنحصر فقط في ما يمكن أن يخضع لقوانين الفكر والاستدلال .. أكرر أن محتوى الدائرة الثانية يعتمد على إدراكات مباشرة، فورية؛ ففي الدين، الإدراك إيماني وليس برهانيًا. إذا قيل لك هنا إن الله موجود، ففي إمكانك أن تصدق وتؤمن، من غير أن تطلب برهانًا على ذلك. هذا إيمان -هكذا أيضًا الأدب والفن: تعطي لوحة أو قصيدة، ففي مثل لمعة البرق تتعلق بها أو تنفر منها. . . ." (١).
стр. 1224
من الواضح عند الوضعيين إفقارهم العقل وحصره في أبواب ضيقة ومنعه من التوسع، وله حسناته وسلبياته، ولكن الخطأ هو إخراج الدين من مجال العقل؛ وذلك أن الدين قد جاء بأعظم الأدلة العقلية التي يصل بها العاقل إلى الحق، وقد سبق بيان ذلك في الباب الثاني، والخطأ الأعظم هو جعل الدين يوازي الأدب الفن، فيُحبس هناك ويمُنع خروجه من تلك الدائرة غير البرهانية "إن المكان -أي: مجال العقل- لا يدخله إلا من في يده جواز دخول إليه. وليس للدين أو الإيمان جواز دخول إلى بيت العقل. في الدين أنت تؤمن بالآيات الكريمة أو بوجود الله، دون أن تطلب انتقالات استدلالية أو برهانية" (١).
تجاهلت هذه الرؤية -حول مجال العقل- القسمة الأصوب، فإن العلم قد يكون مصدره الاستنباط كالرياضي، وقد يكون مصدره الاستقراء والحس كالتجريبي، وقد يكون مصدره الخبر الصحيح كالنبوات وما فيها من دين، فإن الخبر المتواتر أقوى من الرياضي والطبيعي، والنبوة حدث وقع وانتهى فلا يُطلب فيه الإثبات بالتجريب؛ لأنه لا نبي بعد الرسول ﷺ ، ولكن المطلوب هو صحة الخبر، وبهذا يكون الخبر ذا حقيقة موضوعية خارجية، ولا يرتبط قبوله بالوجدان فقط مثل قصيدة بلمعة البرق فيُقبل أو يرفض، وإنما بإثبات صحته عن طريق التواتر، وعلى هذا فالتصور لهذه الثنائية غير سليم.
وكما وقع الإشكال في التصور الثنائي وقع في طريقة التوفيق بين المتعارضين، فهو يذكر ضرورة الجمع بين الشرع والعقل ولكن كيف؟ "فنقول: إن أهم ما وصل إليه "العقل" البشري، بحركته الاستدلالية التي أشرنا إليها، هو "العلوم" وماذا يكون أي علم إلا مجموعة أحكام، أو قوانين، استدلها الباحثون من الظواهر التي تقع في مجاله؟ فإذا كان هنالك نص شرعي، فيه ما يتصل من بعيد أو من قريب، بموضوع ذلك العلم، فإن "العقل" يقضي بألا يتناقض فهمنا للنص الشرعي مع ما قد قرره جانب العلم، وإلا كان العقل هنا بمثابة من يحكم بالصواب للنقيضين معًا وفي آن واحد" (٢)، وهذا القسم الذي يتحدث عنه يناسب
стр. 1225
ما جعلته من باب التعارض بين "الموضوعات" وهو النوع الأول، وقد ذكر القسم الأخير، أي الذي هو من باب التعارض في العمليات، فيقول: "بل ربما كانت -وكثيرًا جدًا ما تكون- مقابلة بين نص شرعي في ناحية ومشكلة اجتماعية أو فردية، في ناحية أخرى، بحيث لا تجد تلك المشكلة حلها العقلي -أي: حلها العلمي- متفقًا مع ما يدل عليه ظاهر النص الشرعي، فماذا نحن صانعون؟ " (١).
يرجع "زكي" في الحل إلى الشيخ "محمَّد عبده" مستعينًا بآلته التأويلية (٢)، ولكن بعد بعض التعديلات عليها، وسؤالنا قبل الذهاب إلى التوفيق -وهو مطلب صحيح في العموم- هل يصح هذا التعارض؟ وأي طريق يخدم التوفيق هنا؟
بالرجوع إلى معياري: "تحديد المراد، وتعيين القطعي" الذين سبق ذكرهما نجد أن هذه الدعوى يذهب جزء كبير منها، ولكن على العكس من ذلك فالمفكر التوفيقي لا يريد ذلك -بحسب ظاهر النص وبحسب المشروع الفكري له- لأن حقيقة التوفيق هنا تنحصر في أخذ ما له صلة بالفكر الحديث مع التضييق المتدرج لمساحة الدين، وهي بارزة في جانب العمليات. لذا فهو يرفض التوفيق بمعنى: حذف المفكر المسلم ما يراه متعارضًا مع عقيدته؛ لأنه هنا لا يضيف شيئًا جديدًا بحسب كلامه (٣)، وهذا غير صحيح فإنه يضيف النافع الصحيح ويترك ما سوى ذلك.
يوضح منهجه بمثال: فلو كان الدين هو "أ. ب. ج" والعلم هو"س. ب. ج"، فيظهر أن الاختلاف هو بين "أ"، "س" والسؤال: هل هما يتعارضان أو يتكاملان، فإذا كان التوفيق مستحيلًا فهما متعارضان، وإن كان ممكنًا فهو تعارض ظاهري، وعليه فالتوفيق هو في "التعارض الظاهري" وذلك بأن أبتكر صورة جديدة تدمج بين "أ. س" "دمجًا يلد لنا مخلوقًا جديدًا، لا هو الطرف الأول كما كان، ولا هو الطرف الثاني كما كان"، وتكون حقيقة التوفيق ضربًا من رؤية الشيء الواحد من جانبين يتكاملان ولا يتعارضان (٤).
стр. 1226
تعد فكرة الابتكار السابقة صورة جيدة رغم بعض المشاكل التي تخترقها، وهي فكرة يجتهد أصحاب التأصيل الإسلامي في إبداعها، ولكن من منظور مختلف، وأبرز المشاكل التي تُفسد هذا التصور أن الأصل العام لمفكر الوضعية العربية ما زال قائمًا -أي: القسمة الثنائية إلى: "عقل ووجدان"-، بينما مثل هذا الابتكار يتوجه إلى الحقائق الموضوعية الخارجية، كما أن هذا الرأي يُخفي خلفه الهمّ الفكري الذي يقوم على التوسع في أخذ الحضارة الغربية كونها النموذج الأرقى، ولا يبقى من هويتنا إلا القالب اللغوي فقط، يقول في أحد كتب المرحلة الأخيرة من حياته: "نريد لأبناء عصرنا أن يستخلصوه من تراثهم -شكلًا لا مضمونًا- وهو ألا يجعلوا بين العقل والإيمان تعارضًا، بل أن يجعلوا بينهما تعاونًا على الوصول إلى هدف واحد، فلكل من الأداتين قسطها من الفهم وتنظيم السلوك؛ وإذا كان الأولون قد جعلوا التعارض مقصورًا على النص القرآني والأحاديث، هل يعملون فيها العقل بالتأويل، أو يقبلونها بظاهر لفظها، فنحن اليوم نجعل التعارض أو التعاون بينهما في ضدين آخرين، هما: الدين من ناحية، والعلم من ناحية أخرى؛ فإذا شئنا أن يكون لنا موقف نستمده من تراثنا، فليكن هو موقف المعتزلة والأشاعرة معًا، فمن المعتزلة نأخذ طريقتهم العقلية، ومن الأشاعرة نأخذ الوقوف بالعقل عند آخر حد نستطيع بلوغه، وبهذا نجعل الدين موكولًا إلى الإيمان، ونجعل العلم موكولًا إلى العقل، دون أن نحاول امتداد أي من الطرفين ليتدخل في شؤون الآخر" (١)، ويقول في الكتاب نفسه: "وأحسب أني لو سألت الآن: كيف ننتقل من فكر قديم إلى فكر جديد؟ كان الطريق إلى الجواب واضحًا، وهو أن أستخدم الألفاظ -التي هي في الحقيقة دالة على رؤوس الموضوعات- استخدامًا يساير العصر في مفهوماته ومضموناته حتى ولو كانت هي نفسها الألفاظ التي استخدمها الأولون، لكنهم استخدموها بمفهومات ومضمونات مختلفة" (٢).
يصبح الابتكار هنا في الحقيقة صورة من صور التأويل المعروفة، والمصطلحات لا تغير الحقائق، فالابتكار هو في النهاية تأويل، فنأخذ من تراثنا
стр. 1227
اللفظ ونملؤه بمضمون جديد، ومع أنه أخذ بطريقة أهل التأويل من المعتزلة والأشاعرة، إلا أنه عاد إلى نتيجة تناقض ما أخذ به، حيث عاد إلى القسمة الثنائية، ومنع دخول أحد القسمين على الآخر، وكان الأصح لتجنب كل هذا: أن نحدد ما هو الديني وما هو العلمي؟ وهل هما قطعيان؟ ثم ننظر كيف يتم التوفيق بينهما، وإلا فبهذه الصورة المفتوحة تكون النتيجة التلاعب بالدين بحجة قبول كل ما جاء في الحضارة الحديثة.
وللأسف فكل هذا التنظير لا يخلق شيئًا على مستوى التطبيق حتى لو أبقيناه على المستوى الذي يريده مفكر الوضعية، ومن ذلك ما قاله من أمثلة في أثناء حديثه عن بعض معوقات النهضة العربية، من "عدم القدرة على خلق الروح العلمية كجزء عضوي في رؤيتنا للأشياء بحيث يتعود الناس جميعًا، عن طريق التدريب على رد النتائج إلى أسبابها الحقيقية" وذكر مثالين على ذلك:
١ - كتب البعض عن سبب الانتصار في حرب أكتوبر (١٩٧٣ م): "أن التدريب الجيد والروح الجديدة هما اللذان أديا إلى هذا النصر المبين، فاحتج كتاب آخرون بقولهم: "كيف يكتبون ذلك وينسون عون الله، إذ حضر الملائكة وحاربوا في صفوف جنودنا؟ "".
٢ - "يحتج البعض عندما يرد شفاء المريض إلى مهارة طبيبه المعالج، ويقولون إن الشافي هو الله"، ثم علق: "هذا المنحى من التفكير يعطل، على نطاق واسع تفكيرنا العلمي" (١).
من الواضح أن النظرة العلمية عند هذا المفكر ترجع إلى تحديد سبب النصر بالإعداد الجيد، وشفاء المريض إلى مهارة الطبيب، وهي فعلًا من الأسباب ولا اعتراض عليها عند أهل السنة، وإن كان يوجد بعض طوائف المسلمين يقولون بمذهب الجبرية وينكرون الأسباب. وقد تظهر علوم تنجح في تحديد هذه الأسباب فنرجع الفضل إلى هذا العالم أو ذاك في كشفه للأسباب، ولكن هل هذه النظرة العلمية تتعارض مع إعادتها إلى الرب سبحانه، الذي بيده كل شيء، وهو الفعال لما يريد؟ نعم توجد معارضة لو افترضنا أن هناك من ينكر الأسباب، مع أن العلم عمدته على السببية، فيقع التعارض، وعندها يقوم من
стр. 1228
توهم هذا التعارض بطلب الحل. ولكن أهل السنة يرون أن الأسباب مؤثرة في مسبباتها مباشرة، لكن من الذي جعلها مؤثرة؟ إنه الله سبحانه، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما أهل الهدى والفلاح. . . . فيؤمنون بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو على كل شيء قدير، أحاط بكل شيء علمًا، وكل شيء أحصاه في كتاب مبين". إلى أن قال: "ومع هذا لا ينكرون ما خلقه الله من الأسباب، التي يخلق بها المسببات، كما قال -تعالى-: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧] وقال -تعالى-: ﴿يَهْدِي بِهِ الله مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦] وقال -تعالى-: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦]، فأخبر أنه يفعل بالأسباب. ومن قال يفعل عندها لا بها، فقد خالف ما جاء به القرآن، وأنكر ما خلقه الله من القوى والطبائع، وهو شبيه بإنكار ما خلقه الله من القوى التي في الحيوان التي يفعل الحيوان بها مثل قدرة العبد. كما أن من جعلها هي المبدعة لذلك فقد أشرك بالله، وأضاف فعله إلى غيره، وذلك أنه ما من سبب من الأسباب إلا وهو مفتقر إلى سبب آخر في حصول مسببه، ولابدّ له من مانع يمنع مقتضاه إذا لم يدفعه الله عنه، فليس في الوجود شيء يستقل بفعل شيء إلا الله وحده" (١)، وبمثل هذا القول المبني على الفهم والعلم بالوحي يقع التوفيق ويسقط التعارض، فليجتهد علماء العلوم المختلفة في اكتشاف الأسباب لكن دون أن تُجعل هي الفاعلة وحدها.
توجد في المثالين بعض الإشكالات التي تحتاج إلى تصحيح، فإن قوله بحضور الملائكة قول يحتاج إلى دليل، فإن الناس ربما يتساهلون في القول بهذه الأمور المغيبة، وهي من الأمور التي لا تُعلم في الغالب إلا بالوحي، وليس حضورها مما ينفي الأسباب، كما أن القول بأن الشافي هو الله سبحانه لا يعني إنكار السبب من مهارة الطبيب أو القوة المؤثرة الموجودة في الدواء، فكل سبب مؤثر في حصول مسببه ولكن كل سبب مفتقر إلى سبب آخر.
إن الروح العلمية التي يدعو إليها المؤلف هي مما يتعارض مع الدين؛ لأنه
стр. 1229
يريد النظر فقط في الأسباب وإغفال النظر في مسبب الأسباب، وفي مدبر الكون والفعال لما يريد سبحانه، فأين التوفيق الذي يطرحه في مشروعه؟ بينما النظرة الصحيحة في حقيقة الموقف الديني وموقف أهل العلوم يظهر منها عدم وجود تعارض، فهي تثبت السبب وتحث على معرفته، ونسبة المُسبَبات إليه، مع إدراك عدم خلو سبب من مؤثر، وافتقاره دائمًا إلى سبب آخر، وأن كل ذلك لا يتعارض مع الإيمان بتقدير الله سبحانه لها.
ومن نظر في أغلب ما يعرضه أهل الفكر مما يزعمونه تعارضًا بين الدين والعلم يجده يدخل في مبحث السببية (١)، وذلك أن العلوم في الغالب إنما هي في النهاية البحث عن قانون أي عن سببية، فيُقصر أهل العلوم في الاكتفاء بما اكتشفوه من سبب، ويقصر بعض أهل الدين بنفي هذا السبب، فيُظن بأن هناك تعارضًا، أو يُظن أن أهل الدين عندما يربطون كل شيء بالله سبحانه أنهم ينكرون الأسباب، وكيف ينكرونها والرب سبحانه هم من أخبرنا بوجودها. فليكتف أهل العلوم في بحثهم بإدراك الأسباب الظاهرة ولكن لا ينكروا وجود مسبب الأسباب وخالقها ومدبرها، والغالب أنهم لا ينكرونها، وإنما يقع الإنكار من أهل المذاهب الفكرية، وهو أوضح مع تلك التي اتخذت موقفًا معاديًا من الدين، وهو أبرز ما يكون في الماديين والوضعيين بسبب إلحاد الكثير من زعمائهم، وقد سبق ذكر قول "نيوتن" أحد أهم علماء العصر الحديث في الفيزياء من "أن الكون لا يمكن أن يعمل دون وجود إله" (٢).
كانت الوقفة مع أحد أبرز النماذج الفكرية المعاصرة، توقفت معه؛ لأنه يرتبط بمذهب فكري له صلة كبيرة بالعلوم، وهو المذهب الوضعي، وقد اجتهد صاحب هذا المذهب في رفع شأن العلم وأحسن في ذلك، ولكنه وقع في الغلو عندما جعله الممثل الوحيد للحقيقة، وجعله الوحيد الذي يملك جواز الدخول إلى العقل بينما الدين مع الأدب والفن في ساحة الوجدان، ولم يفرق بين أن الدين يملك أخبارًا وحقائق موضوعية بينما الأدب والفن إنما هما تعبير عن المشاعر، وقد كشف البحث أثر ذلك في جعل الدين في مسار والعلم في مسار،
стр. 1230
وما تبعه من منهج للتوفيق بينهما، وإذا كان التصوّر غير صحيح فإن عملية التوفيق تكون من العبث.
ورغم ما يلحظه الباحث من أشياء جيدة في فكر هذا المفكر إلا أن أثر التصورات الفاسدة أفسدت عليه مشروعه الفكري، وهو يبقى أحسن حالًا من الصنف الثاني الذي لم يُظهر أي اعتبار للدين، بل انخرط في اجترار مقولات إلحادية، بينما هذا المفكر الوضعي قد اجتهد في التحليل والنقد لكثير من الأوهام والانحرافات في عصرنا وأمتنا ولكن جهله بالإِسلام الذي اعترف بأنه لم يقرأ فيه إلا في سن متأخرة جعله يتحرك بغشاوة فكرية أفسدت مشروعه الفكري، وجعلته يصب في خدمة التغريب والوجهة العلمانية.
النموذج الثاني: اللاتوفيقي:
يتبنى أصحاب هذا النموذج موقفًا عدائيًا فجًا من الدين، ويرفعون تبعًا لذلك دعوى التعارض لأقصى حدٍ ممكن، ولا يتبنون من الفكر الغربي إلا ما يعارض الدين، فإن ظهر رمز فكري غربي له رؤى يُشتم منها الاقتراب من الدين هاجموه تبعًا لمهاجمة من ينتمون لهم من الغربيين، لا تظهر عندهم حالة التعارض إشكالًا معرفيًّا يحتاج إلى بحث ومعالجة، وإنما أداة في صراعهم مع الدين، ولهذا نجدهم يركزون على إسرائيليات موجودة في كتب التفسير أو أحاديث موضوعة أو أقوال شاذة أو حتى نصوص من المتشابه الذي حقه الرد إلى المحكم، وفي المقابل يتوسعون في الاغتراف من الثقافة الغربية بما في ذلك ما يُعارض الدين، بحجة أن ما ينتمي إلى الحضارة الغربية فهو ينتمي إلى العلم.
ينتمي مجموعة من أفراد هذا النموذج إلى الاتجاهات اليسارية التي عرفها العالم الإسلامي من خلال الأحزاب الشيوعية وغيرها، ومن لم يكن منتميًا لهم فقد استفاد منهم فيما يتعلق بمعارضة الدين؛ ذلك أن الاتجاهات اليسارية جعلت من أصولها تحطيم الدين، وكوّنت بذلك تراثًا كبيرًا، أصبح كل كاره للدين يغترف منه وإن لم ينتسب إلى هذا التيار، وقد برز الموقف اليساري بعد أن تبنت مجموعة من الأحزاب العربية الاشتراكية وازداد حماسها لغيها مع ظهور الصحوة الإسلامية.
أذكر أربعة أمثلة، أولها ماركسي "د. العظم"، والبقية وإن لم يكونوا كذلك