← Общие книги

Общие книги · id 124358

النظريات العلمية الحديثة مسيرتها الفكرية وأسلوب الفكر التغريبي العربي في التعامل معها دراسة نقدية

حسن الأسمري

Полный текст (1 476 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

تعد فكرة الابتكار السابقة صورة جيدة رغم بعض المشاكل التي تخترقها، وهي فكرة يجتهد أصحاب التأصيل الإسلامي في إبداعها، ولكن من منظور مختلف، وأبرز المشاكل التي تُفسد هذا التصور أن الأصل العام لمفكر الوضعية العربية ما زال قائمًا -أي: القسمة الثنائية إلى: "عقل ووجدان"-، بينما مثل هذا الابتكار يتوجه إلى الحقائق الموضوعية الخارجية، كما أن هذا الرأي يُخفي خلفه الهمّ الفكري الذي يقوم على التوسع في أخذ الحضارة الغربية كونها النموذج الأرقى، ولا يبقى من هويتنا إلا القالب اللغوي فقط، يقول في أحد كتب المرحلة الأخيرة من حياته: "نريد لأبناء عصرنا أن يستخلصوه من تراثهم -شكلًا لا مضمونًا- وهو ألا يجعلوا بين العقل والإيمان تعارضًا، بل أن يجعلوا بينهما تعاونًا على الوصول إلى هدف واحد، فلكل من الأداتين قسطها من الفهم وتنظيم السلوك؛ وإذا كان الأولون قد جعلوا التعارض مقصورًا على النص القرآني والأحاديث، هل يعملون فيها العقل بالتأويل، أو يقبلونها بظاهر لفظها، فنحن اليوم نجعل التعارض أو التعاون بينهما في ضدين آخرين، هما: الدين من ناحية، والعلم من ناحية أخرى؛ فإذا شئنا أن يكون لنا موقف نستمده من تراثنا، فليكن هو موقف المعتزلة والأشاعرة معًا، فمن المعتزلة نأخذ طريقتهم العقلية، ومن الأشاعرة نأخذ الوقوف بالعقل عند آخر حد نستطيع بلوغه، وبهذا نجعل الدين موكولًا إلى الإيمان، ونجعل العلم موكولًا إلى العقل، دون أن نحاول امتداد أي من الطرفين ليتدخل في شؤون الآخر" (١)، ويقول في الكتاب نفسه: "وأحسب أني لو سألت الآن: كيف ننتقل من فكر قديم إلى فكر جديد؟ كان الطريق إلى الجواب واضحًا، وهو أن أستخدم الألفاظ -التي هي في الحقيقة دالة على رؤوس الموضوعات- استخدامًا يساير العصر في مفهوماته ومضموناته حتى ولو كانت هي نفسها الألفاظ التي استخدمها الأولون، لكنهم استخدموها بمفهومات ومضمونات مختلفة" (٢). يصبح الابتكار هنا في الحقيقة صورة من صور التأويل المعروفة، والمصطلحات لا تغير الحقائق، فالابتكار هو في النهاية تأويل، فنأخذ من تراثنا

стр. 1227

اللفظ ونملؤه بمضمون جديد، ومع أنه أخذ بطريقة أهل التأويل من المعتزلة والأشاعرة، إلا أنه عاد إلى نتيجة تناقض ما أخذ به، حيث عاد إلى القسمة الثنائية، ومنع دخول أحد القسمين على الآخر، وكان الأصح لتجنب كل هذا: أن نحدد ما هو الديني وما هو العلمي؟ وهل هما قطعيان؟ ثم ننظر كيف يتم التوفيق بينهما، وإلا فبهذه الصورة المفتوحة تكون النتيجة التلاعب بالدين بحجة قبول كل ما جاء في الحضارة الحديثة. وللأسف فكل هذا التنظير لا يخلق شيئًا على مستوى التطبيق حتى لو أبقيناه على المستوى الذي يريده مفكر الوضعية، ومن ذلك ما قاله من أمثلة في أثناء حديثه عن بعض معوقات النهضة العربية، من "عدم القدرة على خلق الروح العلمية كجزء عضوي في رؤيتنا للأشياء بحيث يتعود الناس جميعًا، عن طريق التدريب على رد النتائج إلى أسبابها الحقيقية" وذكر مثالين على ذلك: ١ - كتب البعض عن سبب الانتصار في حرب أكتوبر (١٩٧٣ م): "أن التدريب الجيد والروح الجديدة هما اللذان أديا إلى هذا النصر المبين، فاحتج كتاب آخرون بقولهم: "كيف يكتبون ذلك وينسون عون الله، إذ حضر الملائكة وحاربوا في صفوف جنودنا؟ "". ٢ - "يحتج البعض عندما يرد شفاء المريض إلى مهارة طبيبه المعالج، ويقولون إن الشافي هو الله"، ثم علق: "هذا المنحى من التفكير يعطل، على نطاق واسع تفكيرنا العلمي" (١). من الواضح أن النظرة العلمية عند هذا المفكر ترجع إلى تحديد سبب النصر بالإعداد الجيد، وشفاء المريض إلى مهارة الطبيب، وهي فعلًا من الأسباب ولا اعتراض عليها عند أهل السنة، وإن كان يوجد بعض طوائف المسلمين يقولون بمذهب الجبرية وينكرون الأسباب. وقد تظهر علوم تنجح في تحديد هذه الأسباب فنرجع الفضل إلى هذا العالم أو ذاك في كشفه للأسباب، ولكن هل هذه النظرة العلمية تتعارض مع إعادتها إلى الرب سبحانه، الذي بيده كل شيء، وهو الفعال لما يريد؟ نعم توجد معارضة لو افترضنا أن هناك من ينكر الأسباب، مع أن العلم عمدته على السببية، فيقع التعارض، وعندها يقوم من

стр. 1228

توهم هذا التعارض بطلب الحل. ولكن أهل السنة يرون أن الأسباب مؤثرة في مسبباتها مباشرة، لكن من الذي جعلها مؤثرة؟ إنه الله سبحانه، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما أهل الهدى والفلاح. . . . فيؤمنون بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو على كل شيء قدير، أحاط بكل شيء علمًا، وكل شيء أحصاه في كتاب مبين". إلى أن قال: "ومع هذا لا ينكرون ما خلقه الله من الأسباب، التي يخلق بها المسببات، كما قال -تعالى-: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧] وقال -تعالى-: ﴿يَهْدِي بِهِ الله مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦] وقال -تعالى-: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦]، فأخبر أنه يفعل بالأسباب. ومن قال يفعل عندها لا بها، فقد خالف ما جاء به القرآن، وأنكر ما خلقه الله من القوى والطبائع، وهو شبيه بإنكار ما خلقه الله من القوى التي في الحيوان التي يفعل الحيوان بها مثل قدرة العبد. كما أن من جعلها هي المبدعة لذلك فقد أشرك بالله، وأضاف فعله إلى غيره، وذلك أنه ما من سبب من الأسباب إلا وهو مفتقر إلى سبب آخر في حصول مسببه، ولابدّ له من مانع يمنع مقتضاه إذا لم يدفعه الله عنه، فليس في الوجود شيء يستقل بفعل شيء إلا الله وحده" (١)، وبمثل هذا القول المبني على الفهم والعلم بالوحي يقع التوفيق ويسقط التعارض، فليجتهد علماء العلوم المختلفة في اكتشاف الأسباب لكن دون أن تُجعل هي الفاعلة وحدها. توجد في المثالين بعض الإشكالات التي تحتاج إلى تصحيح، فإن قوله بحضور الملائكة قول يحتاج إلى دليل، فإن الناس ربما يتساهلون في القول بهذه الأمور المغيبة، وهي من الأمور التي لا تُعلم في الغالب إلا بالوحي، وليس حضورها مما ينفي الأسباب، كما أن القول بأن الشافي هو الله سبحانه لا يعني إنكار السبب من مهارة الطبيب أو القوة المؤثرة الموجودة في الدواء، فكل سبب مؤثر في حصول مسببه ولكن كل سبب مفتقر إلى سبب آخر. إن الروح العلمية التي يدعو إليها المؤلف هي مما يتعارض مع الدين؛ لأنه

стр. 1229

يريد النظر فقط في الأسباب وإغفال النظر في مسبب الأسباب، وفي مدبر الكون والفعال لما يريد سبحانه، فأين التوفيق الذي يطرحه في مشروعه؟ بينما النظرة الصحيحة في حقيقة الموقف الديني وموقف أهل العلوم يظهر منها عدم وجود تعارض، فهي تثبت السبب وتحث على معرفته، ونسبة المُسبَبات إليه، مع إدراك عدم خلو سبب من مؤثر، وافتقاره دائمًا إلى سبب آخر، وأن كل ذلك لا يتعارض مع الإيمان بتقدير الله سبحانه لها. ومن نظر في أغلب ما يعرضه أهل الفكر مما يزعمونه تعارضًا بين الدين والعلم يجده يدخل في مبحث السببية (١)، وذلك أن العلوم في الغالب إنما هي في النهاية البحث عن قانون أي عن سببية، فيُقصر أهل العلوم في الاكتفاء بما اكتشفوه من سبب، ويقصر بعض أهل الدين بنفي هذا السبب، فيُظن بأن هناك تعارضًا، أو يُظن أن أهل الدين عندما يربطون كل شيء بالله سبحانه أنهم ينكرون الأسباب، وكيف ينكرونها والرب سبحانه هم من أخبرنا بوجودها. فليكتف أهل العلوم في بحثهم بإدراك الأسباب الظاهرة ولكن لا ينكروا وجود مسبب الأسباب وخالقها ومدبرها، والغالب أنهم لا ينكرونها، وإنما يقع الإنكار من أهل المذاهب الفكرية، وهو أوضح مع تلك التي اتخذت موقفًا معاديًا من الدين، وهو أبرز ما يكون في الماديين والوضعيين بسبب إلحاد الكثير من زعمائهم، وقد سبق ذكر قول "نيوتن" أحد أهم علماء العصر الحديث في الفيزياء من "أن الكون لا يمكن أن يعمل دون وجود إله" (٢). كانت الوقفة مع أحد أبرز النماذج الفكرية المعاصرة، توقفت معه؛ لأنه يرتبط بمذهب فكري له صلة كبيرة بالعلوم، وهو المذهب الوضعي، وقد اجتهد صاحب هذا المذهب في رفع شأن العلم وأحسن في ذلك، ولكنه وقع في الغلو عندما جعله الممثل الوحيد للحقيقة، وجعله الوحيد الذي يملك جواز الدخول إلى العقل بينما الدين مع الأدب والفن في ساحة الوجدان، ولم يفرق بين أن الدين يملك أخبارًا وحقائق موضوعية بينما الأدب والفن إنما هما تعبير عن المشاعر، وقد كشف البحث أثر ذلك في جعل الدين في مسار والعلم في مسار،

стр. 1230

وما تبعه من منهج للتوفيق بينهما، وإذا كان التصوّر غير صحيح فإن عملية التوفيق تكون من العبث. ورغم ما يلحظه الباحث من أشياء جيدة في فكر هذا المفكر إلا أن أثر التصورات الفاسدة أفسدت عليه مشروعه الفكري، وهو يبقى أحسن حالًا من الصنف الثاني الذي لم يُظهر أي اعتبار للدين، بل انخرط في اجترار مقولات إلحادية، بينما هذا المفكر الوضعي قد اجتهد في التحليل والنقد لكثير من الأوهام والانحرافات في عصرنا وأمتنا ولكن جهله بالإِسلام الذي اعترف بأنه لم يقرأ فيه إلا في سن متأخرة جعله يتحرك بغشاوة فكرية أفسدت مشروعه الفكري، وجعلته يصب في خدمة التغريب والوجهة العلمانية. النموذج الثاني: اللاتوفيقي: يتبنى أصحاب هذا النموذج موقفًا عدائيًا فجًا من الدين، ويرفعون تبعًا لذلك دعوى التعارض لأقصى حدٍ ممكن، ولا يتبنون من الفكر الغربي إلا ما يعارض الدين، فإن ظهر رمز فكري غربي له رؤى يُشتم منها الاقتراب من الدين هاجموه تبعًا لمهاجمة من ينتمون لهم من الغربيين، لا تظهر عندهم حالة التعارض إشكالًا معرفيًّا يحتاج إلى بحث ومعالجة، وإنما أداة في صراعهم مع الدين، ولهذا نجدهم يركزون على إسرائيليات موجودة في كتب التفسير أو أحاديث موضوعة أو أقوال شاذة أو حتى نصوص من المتشابه الذي حقه الرد إلى المحكم، وفي المقابل يتوسعون في الاغتراف من الثقافة الغربية بما في ذلك ما يُعارض الدين، بحجة أن ما ينتمي إلى الحضارة الغربية فهو ينتمي إلى العلم. ينتمي مجموعة من أفراد هذا النموذج إلى الاتجاهات اليسارية التي عرفها العالم الإسلامي من خلال الأحزاب الشيوعية وغيرها، ومن لم يكن منتميًا لهم فقد استفاد منهم فيما يتعلق بمعارضة الدين؛ ذلك أن الاتجاهات اليسارية جعلت من أصولها تحطيم الدين، وكوّنت بذلك تراثًا كبيرًا، أصبح كل كاره للدين يغترف منه وإن لم ينتسب إلى هذا التيار، وقد برز الموقف اليساري بعد أن تبنت مجموعة من الأحزاب العربية الاشتراكية وازداد حماسها لغيها مع ظهور الصحوة الإسلامية. أذكر أربعة أمثلة، أولها ماركسي "د. العظم"، والبقية وإن لم يكونوا كذلك

стр. 1231

فإنهم يُعلنون مواقف شديدة على الطريقة الماركسية، أولهم متعصب للعلمانية ومحارب للموقف الديني "د. زكريا"، والثاني يعطي صورة لأساليب التلاعب دون أن يكون هناك مضمون فكري "د. عيد"، والثالث يمثل المرحلة الأخيرة من الأفكار المتعلمنة تحت شعار الليبرالية "د. النابلسي". المثال الأول: صاحب دعوى المعارضة المطلقة "الماركسي": هذا هو حال الماركسيين، ولا شك أن هناك تعارضًا مطلقًا، فلا يوجد أي إمكانية التقاء بين الإلحاد والإيمان، وتبعًا لذلك فهو يذهب بالدعوى إلى أقصى درجات الغلو دون أن يُقدم أي دليل، فيستخدم الألفاظ العامة ويتبنى أفكارًا مريضة ويجعلها دليلًا على التعارض، فإن بحثت عن شيء من العلوم التي معه فلا تجد شيئًا. يعترض على وجهة النظر "السائدة" التي ترى أن النزاع بين الدين والعلم نزل ظاهري ويرى العكس "إن الدين، كما يدخل في صميم حياتنا وكما يؤثر في تكويننا الفكري والنفسي، يتعارض مع العلم ومع المعرفة العلمية قلبًا وقالبًا، روحًا نصًا"، ثم يتحدث عن الإسلام: "يحوى الدين الإسلامي آراء ومعتقدات تشكل جزءًا لا يتجزأ منه عن نشوء الكون وتركيبه وطبيعته، عن تاريخ الإنسان وأصله وحياته خلال العصور. وليس من الضروري أن نشدد بأن هذه الآراء والمعتقدات تتعارض تعارضًا واضحًا وصارخًا مع معلومتنا العلمية عن هذه المواضيع بالذات" (١)، وهذا النوع يمكن أن نسميه تعارض الموضوعات، وهناك تعارض المنهج الذي يقول عنه: "إن الخلاف والنزاع بينهما يجريان إلى أعمق من ذلك بكثير عندما يمسان مشكلة المنهج الذي يجب اعتماده في الوصول إلى قناعاتنا ومعارفنا في هذه المواضيع المذكورة، والطريق التي يجب أن نسلكها للتيقن من صدق هذه القناعات أو كذبها. إن الإسلام والعلم في هذا الأمر على طرفي نقيض"، فمصدر الأول هو النقل بينما الثاني يعتمد على الملاحظة والاستدلال (٢). ثم يتحدث عن رؤية فيورباخية ماركسية حول الإشكالية فيقول: "هناك تشابه

стр. 1232

بين الدين والعلم في أن كليهما يحاول أن يفسر الأحداث وأن يحدد الأسباب، إن الدين بديل خيالي عن العلم"، إلى أن قال: "إن محاولة طمس معالم النزاع بين الدين والعلم ليست إلا محاولة يائسة للدفاع عن الدين" (١). تعطي هذه الشواهد صورة عن التصور الماركسي، وهي تصح لو وضع مكان العلم مصطلح الماركسية، ولاسيّما رؤيتها حول الدين الحق. إن العبارات المستخدمة لتَدُل على ذلك، مثل: يتعارض قلبًا وقالبًا، نصًا وروحًا، ومثل: تعارضًا واضحًا وصارخًا، ومثل: إنهما في طرفي نقيض، ومثل: إنه خيالي. لو كان هذا التعارض بكل هذا الوضوح المزعوم لما رأينا من أصحاب هذه العلوم في الغرب من يرفضه، ويرى بعدم وجود التعارض، ولما رأينا الكثير من عقلاء المسلمين وأذكيائهم قد درسوا هذه العلوم في الغرب، ولم يصلوا إلى ما وصل إليه الماركسي وأمثاله، فكل هذه الجمل من التلاعب اللغوي بالكلمات التي لا حقيقة لها إلا عند من يرى بأن الماركسية هي علمية وحقائقها من الأمور المسلمة. من الأمثلة التي يكررها المثبتون للتعارض: "وجود الكون ووجود الإنسان"، وهي مثلان أثيران عند أهل هذا الاتجاه، وهما المثلان اللذان تُركز عليهما المادية لإنكار الدين بحجة مخالفته للعلم فيهما، حيث عرف القرن التاسع عشر في أوروبا نجاحًا للتيار المادي الذي أراد إثبات أزلية الكون وأبديته معتمدًا على نظرية "نيوتن"، وأنه يمكن تفسير ميكانيكيته بقوانين تُقْصي حاجة العالم إلى افتراض وجود خالق مدبر وحافظ للكون، وكما يقول "لابلاس": "بأن الله فرضية لست في حاجة إليها"، مع أن "نيوتن" نفسه الذي تعتمد عليه ماديتهم لا يقول بهذا القول، إلا أن الفيزياء الحديثة أصبحت تختلف عن النظرة المادية الميكانيكية للكون، فما بقي يُصرّ على النظرة المادية إلا الماركسيين وأمثالهم. وبالمثل -فإن مادية القرن التاسع عشر- تعززت بنظرية داروين حول الإنسان، مفترضة أسبقية المادة وأنه بالصدفة ظهرت خلية في طينة ما، وعبر ملايين السنيين تطورت إلى هذا الإنسان العجيب، فمن السخافة جعلها ندًا لما جاء به الدين، لهذا جاء من الدارونيين أنفسهم من أثبت أن الإنسان خلق مستقل

стр. 1233

أو له وجود مستقل، قد تكون الدارونية القديمة أو المطورة جزء من علم الأحياء الحديث، ولكن هناك في المقابل تيار علمي غير مقرّ بهذه النظرية، فضلًا عن وجود تيار ثالث يرى إمكانية رفع التعارض بين الدين والدارونية. والمقصود هنا بأن من يرى التعارض بين الدين والعلم في وجود الإنسان إنما هم الماديون باعتمادهم على نظرية داروين في صورتها القديمة، ويُغفلون ما سوى ذلك، وهذا ليس لقناعة علمية؛ فإن "العظم" وأمثاله ليسوا من علماء الأحياء حتى نقول بأنه أخذ النظرية عن قناعة، فإذا كان الأمر كذلك فلما يقال بالتعارض مع أن هناك من طورها بحيث تقترب من الدين، وهناك من رأى إمكانية التوفيق بينها وبين الدين، وهناك من يعتقد عدم صحتها ولكنه يعزي المشكلة إلى أن البديل لها هو الاعتراف بالخلق وهذا ما يرفضه العلم بسبب تمكن بعض الملحدين من زمامه (١). يكشف لنا مثل هذا التصرف البعد الأيدلوجي الذي غلب على البعد المعرفي، المادية هنا تطغى على العلمية، فكُره الدين أعمى أبصارهم وجعلهم يتحمسون لكل ما يعارضه. فمن النوع الأول: ينبه هذا الماركسي بأنه سيتوجه "إلى مثال يبين بجلاء كيف يقودنا البحث العلمي إلى قناعات وتعليلات تتنافى مع المعتقدات الدينية. . . ."، ثم ذكر بأن "القارئ يعرف التعليل الإِسلامي التقليدي لطبيعة الكون ونشأته ومصيره: خلق الله هذا الكون في فترة معينة من الزمن بقوله كن فكان"، ثم ذكر "حادثة طرد آدم وحواء من الجنة"، وذكر أن الله "يتدخل من وقت لآخر في نظام الطبيعة فتكون المعجزات، أما الطبيعة فقد حافظت على سماتها. . . .". (أما النظرية العلمية حول الموضوع ذاته فلا تعترف بالخلق من لا شيء، ولا تقر بأن الطبيعة كانت من البداية كما هي عليه الآن"، ثم انتقل فجأة ليؤكد هذه النظرة العلمية بما نقله عن فيلسوف ملحد مشهور، فقال: "لقد عبر الفيلسوف والعالم الإنكليزي المعاصر برتراند رسل عن هذه النظرة العلمية في قطعة أدبية جميلة"، ثم ساقها في ما يقرب من صفحة ثم قال: "هذا المقطع الذي كتبه رسل يلخص لنا بكل بساطة النظرة العلمية الطبيعية للقضايا التالية: نشوء الكون وتطوره، نشوء الحياة وتطورها، أصل الإنسان ونشأته وتطوره، نشوء

стр. 1234

الديانات والعبادات والطقوس وتطورها، وأخيرًا يشدد على أن النهاية الحتمية لجميع الأشياء هي الفناء والعدم ولا أمل لكائن بعدها بشيء، إنه من السديم إلى السديم يعود" (١)، والنظرة العلمية لا مكان فيها للاعتراف بالغيبيات حتى ولو كان الخالق سبحانه فلا مكان له، وهذا "لابلاس" يقول: "الله فرضية لا حاجة لي بها في نظامي"، وهذا "نيتشه" يعلن موت الإله، وأن الله الذي مات في أوروبا بدأ يحتضر في بقية العالم مع التقدم العلمي (٢). ينعدم إمكانية النقاش الفكري مع مثل هذا الهذيان، ومع مثل هذه المادية الفجة، ولكن يبقى التأكيد على أهمية التفريق بين "الرؤية المادية" وبين "الرؤية العلمية"، فالرؤية العلمية تبقى عند الظواهر، ولكن عندما تتجاوز ذلك إلى إنكار العلل والغايات فهي تتحول إلى "رؤية مادية ملحدة"، وقد وقع بعض العلماء في ذلك، حيث تجاوزوا ميدانهم إلى ميدان ليس من تخصصهم، فجعلوا ما لم يدل عليه العلم غير علمي حتى الغيبيات، ومثل هذا لا يعد تعارضا مع الدين، المعارض للدين هو ما يثبتون وجوده ويثبتون في الوقت نفسه أنه يعارض الدين، وهذا الذي لم يقل به عقلاء العلماء -وهو الذي ينفي وجوده أهل الإِسلام- فهناك طائفة مهمة من العلماء يرون ضحالة الرؤية المادية، كما أن هناك تيارات فكرية وفلسفية تعادي هذه الرؤية المادية، أما أهل الدين الحق فهم ينظرون فيما يثبت من العلم فلم يجدوا شيئًا في العلم يعارض الدين معارضة معتبرة. ومن النوع الثاني، حول آدم ﵇، فيقول: "جاء في القرآن مثلًا أن الله خلق آدم من طين، ثم أمر الملائكة بالسجود له فسجدوا إلا إبليس، مما دعا الله إلى طرده من الجنة. هل تشكل هذه القصة أسطورة أم لا؟ "، إلى أن قال: "إن كانت هذه القصة القرآنية صادقة صدقًا تامًا وتنطبق على واقع الكون وتاريخه "إنها كلام منزل" لابد من القول إنها تتناقض تناقضًا صريحًا مع كل معارفنا العلمية، ولا مهرب عندئذ من الاستنتاج بأن العلم الحديث على ضلال في هذه القصة" (٣).

стр. 1235

فانظر إلى هذا الهوس المادي في قوله: "تتناقض تناقضًا صريحًا مع كل معارفنا العلمية" مع أن بعض الدارونيين يرون بأن الإنسان له وجود مستقل، كما أن هناك من العلماء من يعارض هذه النظرية، فضلًا عن وجود الكثير من المفكرين يرفضونها، فأين نجد لقوله: "كل معارفنا العلمية" مكانًا نضعه فيه؟ أما إذا كان مقصده قصة خلق آدم، فإنها أمر لم يكن ليُعلم إلا بخبر الصادق، وهو أمر لم يأت إلا عن طريق النبوات، ولذا فيقال هل يوجد في العلم ما ينفيها؟ أما قولهم إنه لم يدل عليها، فقد سبق بأن عدم دلالة العلم على شيء لا يعني عدم صحته، فإن العلم له حدود من جهة كما أنه يتطور من جهة أخرى، ومع ذلك فإذا جاءنا شيء من الغيبيات ولا يوجد عليه دليل استقرائي أو استنباطي، فإننا نبحث عن صحة الخبر، وخلق آدم ﵇ مما تواتر ذكره عند أهل النبوات. والخلاصة أننا مع هذا المثال لا نجد "العلم" حتى نبحث عن حقيقة تَعَارُضه مع الدين وإنما نجد "المذهب المادي"، في صورته الإلحادية الفجة. ولا شك بأن التعارض بين الدين والرؤية المادية الإلحادية قائم إلى أقصى حدوده، بل إن كثيرًا من أهل العلوم يعارضون المذهب المادي إلى أقصى الحدود فمن باب أولى أهل الدين. المثال الثاني: على دعوى تعارض الإطار والتشريع والتعصب للعلمانية: يعد الدكتور "فؤاد زكريا"، أحد الرموز الفكرية العربية المعاصرة، وهو من المدافعين بقوة عن العلمانية، والمجادل بقوة للصحوة الإِسلامية حول مشروعها الإِسلامي، وهو ذو صلة بفلسفة العلوم، وله جهود مميزة فيها، إلا أن تعصبه للعلمانية أعماه عن الحق، ومع صلته بالعلم عبر الفلسفة فهو لم يقدم شيئًا حقيقيًا يؤكد إشكالية التعارض بين الدين الحق والعلم الصريح، وتحرك عوضًا عن ذلك في مستوى التعارض بين الإطار الإِسلامي والإطار العلماني، أو في مستوى الجانب العملي والتشريعي. نجده في المستوى الأول -وفي أثناء خصامه مع الصحوة الإِسلامية- ناقدًا قولها بأن الغرب عرف الصراع بين الدين والعلم فاحتاجت للعلمانية بخلاف الإِسلام، ويردّ بأن ذلك الصراع وقع عندنا أيضًا. ونتوقع أن يذكر شواهد

стр. 1236

صحيحة على تعارض حقيقي بين الإِسلام والعلم وتتفاجأ بتحويله المسار إلى جانب آخر، فيقول بأنه وقع عندنا "تصادم بين الدين والعلم في ظل الحضارة الإِسلامية. فماذا يقول هؤلاء عن المحن التي ألمت بالمعتزلة، وابن رشد، والسهروردي، والحلاج، على سبيل المثال؟ "، ويُعد هذا شاهدًا من القديم، ويضيف شاهدًا معاصرًا فيقول: "ماذا نقول عن الاضطهاد الذي ألحقه رجال الدين، أو مؤسسة الأزهر، بطه حسين، وعلي عبد الرازق، ومحمد أحمد خلف الله، وكثير غيرهم من المفكرين"، ثم قال: "قد يقال إن الحالات السابقة تتعلق بشخصيات كانت تتحدى مبادئ دينية أساسية، وكان الصدام معها محتومًا. ومع عدم اعترافنا بصحة هذا الدفاع، فإنا سنجد الوضع مماثلًا في تعامل رجال الدين الإِسلامي مع كثير من النظريات العلمية والفكرية الحديثة. فما زال دارون وفرويد حتى اليوم موضوعين في القائمة السوداء، لدى جميع المفكرين الإِسلاميين، ولاسيّما رجال الدين منهم، وما تزال تعاليمهما ونظرياتهما تُلعن كل صباح ومساء على أيدي أشخاص لم يقرؤوا عنهما إلا ما كتبه شركاؤهم في الفكر. بل مجرد الإشارة إلى اسميهما، ومعهما اسم ماركس بالطبع، يُعد من المحرمات في أكثر البلاد تمسكًا بالتعاليم الشكلية للإسلام" (١)، وأقف مع هذا النص: ١ - كنا نتوقع أنه سيذكر أمثلة على التصادم بين "الدين والعلم" فهذا هو ينقلنا إلى صراعات اجتماعية وسياسية وفكرية لا علاقة لها بميدان العلم، وكان الأولى الوقوف مع الدعوى دون الالتفاف عليها، فقد وجدنا أنفسنا أمام أسماء أشخاص وليس أمام علوم ونظريات حقائق. كان الصراع في أوروبا واضحًا في ميدان العلم قبل طرح العلمانية، بين دين محرف وعلوم جديدة، فهي نظرية علمية تنتمي للعلم سواء كانت صحيحة أو خاطئة أو مجرد إجراء نظري، المهم أنها تنتمي لميدان العلم، وهذا لا نجده في الأمثلة التي ذكرها من العالم الإِسلامي، فلا أحد ينتمي إلى العلوم الرياضية الاستنباطية أو العلوم الطبيعية التجريبية وإنما هي أسماء في ميدان الفلسفات والأفكار. كما أن الأسماء العربية المعاصرة لا يُسلم له بحصول اضطهاد في حقهم،

стр. 1237

إذا توحي العبارة بصنوف التعذيب والحرمان والسجن والقتل والوحشية التي عرفتها أوروبا، بينما هو نزاع فكري على الصحف، وفي الحياة الثقافية مما يوجد في كل مكان. أيضًا أين هو الاضطهاد مع تلك المكاسب الكبيرة التي حصل عليها هؤلاء والمناصب العالية التي ارتقوها؟ ٢ - أما الاتهام بوجود تصادم بين الدين والعلم بسبب الموقف السلبي للمفكرين الإِسلاميين مع دارون وفرويد وماركس والتعامل السلبي لرجال الدين الإِسلامي "مع كثير من النظريات العلمية والفكرية الحديثة"، فإن هذا الموقف السلبي لا علاقة له بموضوع العلاقة بين الدين والعلم، فهو صراع على مستوى الأفكار وليس على مستوى العلم، فإن "دارون وفرويد وماركس" ليسوا هم العلم، وإنْ انتمى نشاط بعضهم إلى العلم، فليس من واجب المسلمين إدخال كل ما صادفوه من الأفكار والعلوم أو التوافق معها، قد يصح هذا في أمة لا دين لها ولا تاريخ لها ولا هوية لها، وقد يصح في أمه لا يوجد لديها ما تزن به ما حولها. فليس كل ما ظهر في الغرب يجب علينا اتباعه -حتى وإن انتمى لمجال العلم- إلا بعد تمحيصه والتأكد من حاجتنا إليه، وعند الصحوة الإِسلامية -التي يخاصمها الكاتب- من المتخصصين في العلوم ما يؤهلها لإبداء الرأي في "فرويد" و"ماركس" وغيرهم، كما أن الأمة الإِسلامية عمومًا فيها من أهل العلوم ما يؤهلهم لبيان المناسب من غير المناسب، وليست خصومتهم مع أفكار "ماركس" و"فرويد" خصومة مع العلم وإنما مع موقفهما الإلحادي، فإنهم يرون بأن نشاطهما العلمي يصل لنتائج غير علمية مثل قولهما بأن الدينَ وهمٌ وخرافة وخطر على البشرية، ثم تبحث عن سند علمي لدعواهما فلا تجد، عندها تعلم بعدها عن العلم. فمن الطبيعي أن يقع التصادم والتعارض بين الفكر الإِسلامي والفكر الماركسي مثلًا، ولكن هذا لا يُعد من التعارض بين الدين والعلم. ننتقل إلى مستوى آخر -الثاني- من التعارض يدّعيه الكاتب بين الدين والعلم، وهو التعارض العملي فيقول: "قد يقال أيضًا إن تلك النظريات كانت تنطوي على نتائج تهدد القيم تهديدًا خطيرًا، ولكن، حتى لو صح هذا الدفاع، فماذا نقول عن كشوف علمية محايدة لم تكن تستهدف المساس بالدين من قريب أو بعيد، كالهندسة الوراثية وأطفال الأنابيب؟ إن أمثال هذه الكشوف ما زالت تحتاج إلى مباركة هيئات دينية عليا قبل أن تصبح مشروعة في المجتمع

стр. 1238

الإِسلامي. . . ." (١)، فتحمس الكاتب للعلمانية جعله ينفر من كل إطار إسلامي لحياة المسلمين، فإنه في كل مكان لابد من إطار، وكل المجتمعات البشرية لا تعيش دون قيم وثقافة ونظام وأخلاقيات وتشريعات تحيط أي نشاط له صلة بالمجتمع، فهناك فرق بين الجانب العلمي وتطبيقاته، والأمران يحاطان بالتوجيه في الإطار الإِسلامي، فرائد المسلم وموجّهه هو الدين، وهو لا يجد نفسه إلا في البحث عن حكم الله سبحانه والامتثال له. فهذا النوع لا يدخل في باب التعارض بين الدين والعلم، وإنما هو في حاجة إلى تشريع، وشريعتنا هي الإِسلام، فما كان موافقا للإسلام قبلناه وما كان مخالفًا لأوامره ونواهيه من التطبيقات لم نقبل به ويصبح معارضًا للشرع، فليس كل ما صح في العلم تقبله الأمم والثقافات والشرائع فما بالك بشريعة الإِسلام الخاتمة، عندها لا يكون حرص المسلمين على الحكم الشرعي من المعارضة للعلم، وإنما هي من باب البحث عن موافقته للشرع، فالعلم هنا صحيحٌ من وجه، ولا ينكر الدين قيامه وتحققه، ولكن ليس كل صحيحٌ بجائز أو نافع؛ لوجود جوانب أخرى تكتمل الصورة بها، فإن الجوانب العملية قد يصح وجهها المادي ولكن لا يصح وجهها الإنساني، كما سبق بيان ذلك في الفصل الثالث من الباب الثاني. لقد كشف لنا هذا المفكر عن نوعين من دعوى التصادم والتعارض لا حقيقة لهما، حيث جعل التصادم بين الدين والأفكار هو من التصادم بين الدين والعلم، وليس الأمر كذلك، وفي المثال الثاني جعل التطبيقات العملية هي دليل على التصادم، ولا أدري كيف لمفكر مشهور أن يقول بمثل هذا القول وهو يعلم أنه حتى في البلاد العلمانية عندما يراد تطبيق بعض الاكتشافات العلمية فلابد من تشريع لذلك. المثال الثالث: مثال على أساليب التلاعب بدعوى التعارض: تفاجئك بعض دور النشر التغريبية بإخراجها مجموعة من الكتب في طباعة فاخرة ذات مضمون ومحتوى سقيم، ومن ذلك ما تخرجه دار "الطليعة" للدكتور "عبد الرزاق عيد". أقف مع أحد كتبه (٢) حيث أظهرَ فيه دعوى التعارض ودافع

стр. 1239

فيه وبقوة على العلمانية، فهو كاتب عنده قدرة على التطويل دون أن يأتي ببينة على دعواه سوى تشكيل الألفاظ بصور مختلفة، فقد خصّ الشيخ "يوسف القرضاوي" بكتاب وجعل نقده ستارًا للدعوة إلى العلمانية. تكلم في القسم الثالث منه على دعوى التعارض، ومن ذلك قوله: "ومن ثمّ فإن أخطر الجهالات إنما تتم باسم العقل والعلم، وأكبر دلائل هذا الجهل المقنّع بالعلم، حديث الشيخ عن عدم التعارض بين "حقائق العلم وقواطع الإِسلام، فلا مجال للصراع بينهما كما حدث في ظل أديان أخرى، فالدين عندنا علم، والعلم عندنا دين". إن فكرة عدم التعارض بين الدين والعلم التي طالما يرددّها العقل الفقهي بطمأنينة تدعو للدهشة، وكأنهم يكفي أن يقولوا ذلك حتى تكون الأمور كذلك، كأوليات التفكير السحري، القائم على الحقيقة الكامنة في الكلمات وليس في الواقع. . . ." (١). نتوقع أن نجد بعد هذا النص الساخن إشكاليات حقيقية مستعصية على الجميع، ومنذرة بتعارض لا حلّ له، وصعوبات تزلزل مقولة الشيخ القرضاوي، ثم نبحث في كل القسم المخصص للموضوع فلا نجد إلا كلمات وجمل مزعجة لا تسمن ولا تغني من جوع، كلها استهزاء وسخرية، ثم تبحث خلفها عن قضايا فكرية جوهرية تستحق النقاش فلا تجد، بل تجد مع السخرية شيئًا من الكذب الذي لا يشك فيه عاقل (٢). يعود بعد صفحات من السباب والشتائم فيقول: "والعجب أن الفقهاء سُعاة بريد السماء من مديري المقدس، لا يفتأون يرددون في كل مناسبة أن الإِسلام لا يتناقض مع العلم، مضيفين عبارة "كما حدث في ظل الأديان الأخرى" بحسب تعبير الشيخ" (٣). ونتوقع أن نجد بعد هذا النص أيضًا شيئًا ذا بال التي سيوردها كدلائل، فلا نجد إلا كلامًا قد سبق وقاله في الصفحات السابقة، ثم بعد عدد من المقاطع يتفضل علينا بمثال دليلًا على دعوى التعارض: "أعني قصة نشأة

стр. 1240

الكون. فكلها -الديانات- تتفق حول أن بداية نشأة البشر كانت مع آدم وحواء، ومن ثم فإن عمران الأرض كان نتاج خطيئة آدم وطرده من الجنة، وأن البشرية بكاملها تدفع ضريبة خطيئة آدم هذه التي أغوته بها زوجه حواء، فكانت رفيقته في اللعنة" (١)، هكذا يقول بمثل هذه السخرية والاستخفاف بآدم وحواء ﵉، فكيف بما هو دون ذلك. وبعد هذه الفجاجة عاد بعد جولة من الكلام ليتساءل: "أليس جميع الديانات قد رفضت نظرية داروين مثلًا؟ هل الإِسلام الذي لا يرى تعارضًا بين العلم والدين "كما حدث في الأديان الأخرى" على حد زعم القرضاوي، أخذ موقفا خاصًا .. واعترف بنظرية داروين. . . ." (٢)، وكأن شرط إثبات صحة الإِسلام مرتبط بقبولنا لنظرية "داروين"، في حرص منه على الخلط بين الأمور، فهؤلاء لا يفرقون بين الأمور المختلفة، فإن الإِسلام إذا وجد حقائق أثبتها العلم وتأكد منها العالَم فلن تجده رافضًا لصحته؛ لأن الإِسلام أوجب على أتباعه الاعتراف بالصواب مهما كان، ونظرية "داروين" ليست من الحقائق التي تجبرنا على التوفيق والتسليم بها. يفضل الكاتب موقف النصرانية عندما انسحبت وتركت العلم، وما مارسته من المكر والدهاء أمام أعنف الأفكار، مثل ما عبر عنه "نيتشه": "بموت الله" بأن الذي مات هو إله الفلاسفة التجريدي، "فلم تشأ الكنيسة أمام الحقائق العلمية الجبارة في شتى حيزات الوجود الطبيعي والإنساني أن تعود للتشدق بفتاوى قروسطية في رفض هذا وإدانة ذاك، وتكفير خيرة ما أنجبه العقل البشري في القرون الأخيرة كما يفعل مشايخنا الإجلاء. ." (٣)، وإلى الآن تتواصل الألعاب الكلامية دون أن نجد خلفها أي قضايا تستحق التوقف باستثناء هذا الغلو العلماني الذي لم يتقبله حتى اليهود والنصارى، ثم أتحفنا بعد هذا الهجاء بدليل للدعوى، حيث قام بنقل صفحات من كتاب "صادق العظم": "نقد الفكر الديني" دليلًا على صحة دعواه، فأصبحت كل هذه المقدمات الكلامية من أجل نقل

стр. 1241

بعض صفحات كتاب العظم، التي هي في النهاية مقولات ماركسية لا علاقة لها بميدان العلم. ومع ما تلقاه الماركسية من نقدٍ حتى من قبل الماركسيين المتحولين، وعدم القبول للتيار الماركسي في تيارات التغريب الغربي، إلا أن مسألة الطعن في الدين التي قام بها الماركسيون تلقى رواجًا عند المتغربين المعاصرين، وهذا النموذج يتكرر بكثرة، أي النموذج الشتائمي الذي يُكثر من ادعاءات التعارض بين الدين والعلم ثم يُحيلك في النهاية إلى مقولات ماركسية على أنها هي العلم. المثال الرابع: المثال الليبرالي: كان المصطلح الغالب في وصف المتغربين في النصف الثاني من الرابع عشر/ العشرين: اليسار والحداثة والقومية، ولكن مع انحسار اليسار في العالم، ولاسيّما بعد سقوط الاتحاد السوفيتي طفح على السطح مصطلح الليبرالية ليأخذ بمجموعة من المفكرين القدامى فضلًا من استئثاره بالشباب الجدد. ويبرز الدكتور "شاكر النابلسي"، كأحد المنافحين عن الليبرالية والمهتمين بعلمنة المجتمع، أكتفي من هذا المفكر بما أثاره في موضوع دعوى التعارض. ففي أثناء حديثه عن رؤية ما يسميه باليمين العربي عن العلمانية، وسبب رفضهم لها بأنها نُقلت إلينا ملتبسة بمشاكل غربية لا علاقة لنا بها، والمشكلة هنا بأن الغربي يرى الدين والعلم متضادين متعارضين، بينما وبحسب رأي أهل اليمين فإنهم لا يرون تضادهما ولا اختلافهما، فلماذا تُنقل إلينا بهذه الإشكالية؟. فجاء "النابلسي" مدافعًا عن صحة رؤية الغربي في دعوى التعارض قائلًا: "ولكن ما تفسير الشواهد الآتية في العالم الغربي المسيحي وفي العالم الإِسلامي، التي تشير كلها إلى تعارض الدين مع العلم وتضاد الدين للعلم. وأن كل واحد منهما يسعى لإلغاء الآخر. . . ." (١)، وعندما نبحث عن الشواهد إذا بها الشواهد نفسها التي يكررها أغلبهم، لا جديد فيها، ولا علاقة لها بالعلم، ولا صحة لكونها شواهد على دعوى التعارض، يقذف أحدهم بالدعوى ثم يعيد تكرير الشواهد التي يذكرونها في العادة، وسأذكر بعض ما قاله:

стр. 1242

١ - لماذا قتْل أو طرْد أو تشريد عشرات المفكرين والفلاسفة في تاريخ المسلمين لولا التعارض بين رجال الدين ورجال العلم (١). ٢ - لماذا ترفض الماركسية التي هي بحسب قوله: "تُشكل علميًا نصف التاريخ الحديث الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للبشرية"، فهذا عنده من التعارض بين رجال الدين والعلم (٢). ٣ - "لماذا ما زال تطبيق المناهج العلمية الغربية المختلفة على التاريخ الإِسلامي وشواهده وآلياته وكيفية كتابته ومصادره وإخضاع هذا التاريخ للحفر والتفكيك والتأويل والتفسير على ضوء النظريات الإبستمولوجية "المعرفية" الحديثة غير مرغوب فيه وممنوع. . . ." (٣). وفي باب النظريات العلمية يقول: ١ - "لماذا ما زالت بعض المدارس والمعاهد العلمية التي تشرف عليها الكنيسة حتى الآن في الغرب، وخاصة في أمريكا، تمنع تدريس كافة النظريات العلمية التي فيها رائحة معارضة لتعاليم الدين وخاصة ونظرية التطور لداروين. . . .؟ " (٤). ٢ - "لماذا ما زالت كثير من المدارس في أنحاء مختلفة من العالم العربي تُحرّم وتمنع الكثير من النظريات العلمية التي تعارض نظرية الخلق والتطور التي جاءت في القرآن وعلى رأسها نظرية التطور والنشوء ونظريات فرويد في علم النفس. . . ." (٥). وفي باب المعارضة الشرعية يقول: ١ - لماذا يمنع تدريس علم الجنس لولا التعرض بين رجال الدين ورجال العلم (٦).

стр. 1243

٢ - لماذا تمنع المرأة من تخصصها في الأمراض التناسلية للرجال ما دامت هذه رغبتها لولا التعارض (١). هذه أهم الشواهد التي قدمها الكاتب دليلًا على تعارض الدين والعلم، ومن ثم خطأ من قال بعدم وجود التعارض، ويتضح أن متقدمهم ومتأخرهم يكرر الشواهد نفسها بنصّها أو بمعناها أو بنوعها، وأن المقصود الدفاع عن العلمانية وليس البحث عن الحقيقة، ولا يفرقون بين التعارض المعتبر والتعارض الأيدلوجي، والثاني غالب على شواهدهم، وهو تعارض غير معتبر؛ لأنه تعارض غير صحيح، ونحن إنما نتكلم على وجود تعارض حقيقي بين الدين والعلم بالشروط المعتبرة عند العقلاء. والكاتب هنا لا يعيد التعارض إلى مشكلة بين الدين والعلم، وإنما إلى مشكلة بين رجال الدين ورجال العلم، ورغم أنه يضعها بين رجال المجالين إلا أن الشواهد والسياق يجعلها بسبب من يسميهم رجال الدين، فهم سبب إشكاليه التعارض "ونحن نقول هنا رجال الدين، وليس الدين نفسه لأن رجال الدين بفقههم وتفسيراتهم وتحليلاتهم وبإسقاطاتهم الشخصية الخاصة هم الذين في النهاية يحرمون ويحللون الكثير من المحرمات ويحرمون الكثير من المحللات" (٢)، فإذا رجعنا إلى الشواهد السابقة نجد فيها: ١ - التضليل، فقد يشعر القارئ مع الشاهد الأول بأن هناك مجزرة تاريخية ارتكبت في حق العلماء من قبل رجال الدين كما حدث في أوروبا في الصراع بين الكنيسة والعلم، وإن حدث شيء من العقوبة أو الاعتداء على أحد فليس ذلك بسبب ما عنده من علم. ٢ - الخلط بين العلم والمذاهب الفكرية، فالماركسية مثلًا أو بعض المناهج الفلسفية التي عرفها الفكر الغربي لا تُعد هي العلم، فالعلم له موضوعاته وله مناهجه، وللفلسفة موضوعاتها ومناهجها، فالرؤية الماركسية حول الدين لا يمكن قبولها مطلقًا ولا علاقة لها بالعلم، كما أن المناهج التاريخية التي تحوّل الإِسلام إلى "ظاهرة تاريخية" لا علاقة لها بالسماء والملائكة والوحي والنبوة

стр. 1244

الرسالة لا يمكن قبولها مطلقًا ولا علاقة لها بالعلم. إن ما يدعيه الكاتب هو تعارض حقيقي ولكنه ليس بين الدين والعلم وإنما بين الدين والإلحاد. أما بقايا الأفكار الماركسية التي لا علاقة لها بالدين أو المناهج المعرفية غير الأيدلوجية، فهي كغيرها من المعارف، تقبل الصواب والخطأ وليست هي مما يبحث هنا. ٣ - يكرر هؤلاء في العادة نظرية "داروين" أو "ماركس" أو "فرويد"، وقد سبق الكلام عليها، ولكن هنا لفتة ذكرها الكاتب، فإن الغرب وإن منعها في بعض مدارسه لم يمنع ذلك من تقدمه؛ لأن التقدم المادي والمعرفي لا يرتبط بنظرية "داروين" أو "فرويد"، ولذا يكون الامتناع أحيانًا عن الشيء؛ لعدم وجود فائدة له أو لعدم تحوله إلى حقيقة علمية، فنظرية "فرويد" خالفها مجموعة من الفرويديين، فما بالك بمدارس أخرى لعلم النفس، وبما أننا أمة مستهلكة للمعرفة، فلماذا نأخذ كل شيء؟ لماذا لا نكتفي بما تحققت صحته وبانت منفعته؟ فضلًا عن أن نرفع ذلك إلى موقع الحقائق الكبرى التي تجد ما يؤهلها لمعارضة الدين! ٤ - نجد في النموذج الأخير "تدريس الجنس أو دراسته" موضوعًا لا علاقة له بالتعارض بين الدين والعلم، فالدين هنا لا يعارضها بمعنى إلغاء حقائقها وإنما يوجه الدين إلى أولى الصور بتعلمها وتعليمها، بينما الكاتب هنا يدخل أمورًا -كغيره- لا علاقة لها بمفهوم التعارض الذي يُبرز كإشكالية في المجال الثقافي. فلا يوجد أحد يقول إن هذه المعلومات غير صحيحة، ولكن ما الضوابط لنشرها في المجتمع؟ وكيف يكون ذلك؟ وهي مسألة تختلف كما سبق في الأمثلة السابقة عن دعوى التعارض. جاء التنويع في الأمثلة؛ لأن كل مدعي للتعارض يبرز الدعوى في سياق، ثم يركز على جانب من الجوانب في دعواه، بينما الآخر يركز على جانب آخر، وثالث يركز على جانب ثالث وهكذا، وإن كانت في نهاية الأمر وعبر تحليلها تعود إلى شواهد محدودة يغلب عليها سياسة التعميم أو الإجمال أو التلبيس، وما قدموه من شواهد في باب العلم قليل، وهو مع ذلك ليس من الحقائق القطعية، وليس مما يترتب عليه تخلّف أمتنا وضعفها. فلماذا يحرص هؤلاء على ما يعارض الدين، ويرون أنه سبيل تقدمنا؟ بينما المجال واسع في العلوم النافعة والصحيحة والمقطوع بصوابها! لماذا لم تتوجه هممهم إلى تصفية الوافد ونقد ما يصطدم بديننا منه؟ لولا

стр. 1245

هواهم فيما يُعارض الدين وتأثرهم بمذاهب غربية لا تبالي بالدين! أليس من المفترض من هؤلاء المطلعين على الأفكار الحديثة والعلوم العصرية وفلسفاتها أن يختاروا لأمتهم: أزكاها وأنفعها وأصوبها، بدل تهافتهم على الظنيات أو على فلسفات لا علاقة لها بالعلم، أو هي مما ينطبق على أديان باطلة وليس على الدين الحق، أو على أفكار مريضة معادية للدين؟ لماذا كل هذا الإصرار على نظريات معينة هي مجال اعتراض حتى داخل ميدان العلم ذاته؟ إن هذه الأسئلة تأتي بحق بعد أن رأينا بأن ما يقدمونه من شواهد على التعارض لا يدل على إشكال معرفي واشتباه منهجي، وإنما عن هوى أو أيديولوجيا قبيحة وصريحة. المثال الخامس: لم يسلم مجال علمي أو فكري دخله المتغربون من إثارة التعارض بين الدين والعلم الحديث، مستندين في ذلك إلى نظريات العلم، وقد يصرحون بذلك وقد يفعلون ما هو أخطر من بثّ السمّ دون تصريح، ومن ذلك هذا المثال: فقد أخرج لويس عوض كتابًا حول فقه اللغة العربية بعنوان "مقدمة في فقه اللغة العربية"، واعتمد فيه كثيرًا على بحوث المستشرقين التي تعاملت مع اللغة العربية غالبًا بانتقاص واضح، وما يهمنا هنا هو ذكر إقحام مشكلة التعارض في باب بعيد عن مشكلة العلاقة بين الدين والعلم، ففي حديثه عن نشأة اللغة العربية مرّ بمسألة ذات علاقة بالموضوع حول إنكار أن تكون أرض اليمن قد عرفت الخصوبة في يوم من الأيام، وانتقل إلى نظريات جيولوجية تثبت وجهة نظره، مع أنه يوجد رأي جيولوجي آخر يثبت مرور أرض اليمن في مرحلة قديمة بخصوبة، وهذا ما نجده من حديث القرآن حول أرض سبأ وما كان فيها من خصوبة، وهو يعترض على القول الثاني ويؤيد الأول، ولا شك أن في هذا نوع من إبداء رأي يخالف ما ورد في القرآن، مع أنها مسألة تحتاج حتى عند القول بالخصوبة لتفسير شرعي يعطي نوعًا من التوضيح عن حدود تلك الخصوبة، وليس هذا مجال بحثها، وإنما المقصود كيف أنه تثار مثل هذه المعارضات للوحي باسم العلم في كل فرصة يجدونها (١).

стр. 1246

وفي النهاية يمكن القول أن دعوى التعارض هي أكبر دعوى تاريخية عرفها الفكر البشري، وأن هذه الدعوى تظهر بأشكال مختلفة، وهي دعوى عندما تقام ضدّ الدين الحق ذات نسب بدعوى إبليس عندما امتنع عن السجود مدعيًا التعارض فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] (١)، وما كان من هذا النوع فهو قابل للتجدد ما بقي إبليس، وهو باق إلى قيام الساعة. ومع ذلك فقد يلتبس الأمر على بعض الناس، وعلاج ذلك يكون بالعلم القطعي. وبعد أن عُرض معنى التعارض وصوره وطرق الناس في التعامل معه، وصور تعامل المتغربين معه، ينتقل البحث إلى دعوى ثالثة حول العلاقة بين الدين والعلم، وهي: دعوى كفاية العلم الحديث لحاجة الإنسان وشموليته بدلًا عن الدين.

стр. 1247

المبحث الثالث دعوى كفاية العلم الحديث لحاجة الإنسان وشموليته بدلًا عن الدين الكفاية من "كفى يكفي كفاية، إذا قام بالأمر. وفي الحديث: من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه؛ أي أغنتاه عن قيام الليل، وقيل: تكفيان الشرّ وتقيان من المكروه، وفي قوله سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. معناه أو لم يكف ربك أو لم تكفهم شهادة ربك، ومعنى الكفاية هاهنا أنه قد بين لهم ما فيه كفاية في الدلالة على توحيده" (١). والشمول من "شملهم الأمر يشملهم شملًا وشمولًا عمّهّم واشتمل عليه الأمر أحاط به" (٢). وبين الكفاية والشمول علاقة، فعندما يكون الشيء كافيًا في شيء فهو شامل له، ومن ذلك مزعم المتغربين بأن في العلم الحديث كفاية عن غيره، وفيه غنية، فيكون فيه عموم وسعة تعطي الكفاية. ومشكلة الدعوى هنا زعم أصحابها

стр. 1248

أن العلم الحديث وما فيه من نظريات، وما بني عليه من ثقافة، يُغني عن الدين، ويغطي ما كان يغطيه الدين، مع مزية في العلم لم تكن في الدين، وهو أنه بديل صحيح عن أوهام وخرافات عند الغلاة منهم، أو هو البديل الأنسب لواقع البشرية اليوم بعد تطورها، وُيقلص الدين من مجاله الواسع الذي عُرف به إلى مجال ضيق يتعلق بالروحانيات والقيم عند الأكثر من المتغربين. ويسمى هذا الاتجاه بـ (العلموية scientism)، ويعرفها "طه عبد الرحمن" فيقول: العلموية تقابل اللفظ الإِنجليزي (scientism) " هي عبارة عن النزعة التي يعتقد أهلها أن العلم قادر على الإحاطة بحقائق الأشياء وعلى النهوض بحل المعضلات التي تواجه العقل الإنساني وعلى تلبية مختلف مطالبه من المعرفة" (١)، ويقول الدكتور "أحمد شوقي": "العلموية scientism" تعني "القدرة غير المحدودة للعلم على تفسير كل ما في الكون، وبأنه في رأى بعض غلاة العلموية الوسيلة الوحيدة للمعرفة التي تملك الحل السحري لكل مشكلة" (٢)، وكذا عند الدكتور خليل أحمد: (scientism - العلموية) "الفكرة المركزية في العلموية هي أن العلم يجب أن يعقب الفلسفة وأنْ يَجُبَّها، وأنّ العلم قادر على إشباع التطلعات الإنسانية كافة" (٣). بينما المنهج الإِسلامي ضد هذه الدعوى، ولا يعترف بها، ويجد فيها هلاكًا للناس لو أخذوا بها، مع الإقرار بأن الإِسلام هو منهج حياة شامل، فهو من عند الله سبحانه، العليم الحكيم الخبير، أنزله على خلقه ليستمسكوا به، ويأخذوا به في كل جزء من حياتهم، وأن الدين الحق وحده هو الذي له الشمولية والكفاية، وغيره لا يكون إلا جزئيًا يناسب ما وضع له بما في ذلك العلوم البشرية التي يناسب كل علم منها ما يخصه، ولكن في النهاية يأتي الإِسلام ليكون حاكمًا على الجميع وموجهًا له. يتفق العقلاء أن الإنسان في حاجة إلى تصورات وأعمال، والإنسان يريد المعرفة والعمل، وهو إما أن يستقل بذاته في ذلك، وهذا مستحيل حتى مع

стр. 1249

مزاعم عصر التنوير حول مفهوم التنوير بأنه استقلال الإنسان واعتماده على نفسه وعدم حاجته إلى مصدر خارجي، حيث كان غاية ما عندهم أن تركوا عقولهم تُنظر وتشرع، ثم وجدوا ثمرتها النكدة بعد سنين، مما رفع من صيحات الإعلان بموت التنوير وفشله وتحويله إلى عكس ما زعمه. وقد كان البديل المقترح مع أهل التنوير عن الدين هو العقل، ثم جاء تحوّل مع الوضعية نحو العلم، وغالب التيارات العقلانية إما أن تتحمس للعقل أو تتحمس للعلم، ولكن ثمار الاثنين أتت على عكس ما يأملون أو يزعمون، فأهل التنوير يزعمون قدرة العقل لوحده على الاستقلال بحياة أصحابه، وأهل الوضعية يزعمون قدرة العلم على الاستقلال بحياة البشرية واستغنائها به عن غيره. كانت هذه الحال مع الفكر الغربي، أما المتغربون فقد انساق أكثرهم مع تلك التيارات وقلدوها، وزاد الأمر شبهة عليهم بأن أعينهم القاصرة لم تنظر في الغرب إلا إلى دنياه، فوجدوها دنيا متقدمة، وأن العلم الحديث وراء كل جانب من جوانب تقدمها، فتوهموا أن الحل في الاكتفاء بهذا العلم وإعطائه خاصية الحاكمية على حياة البشر إن أرادوا حياة سعيدة، فأعجبهم جانب الكمال الحيواني فيها الذي يرتبط بالجسد ومُتَعِهِ من فنون وآداب، وغفلوا عن جانب الكمال الروحاني الذي فقد كثيرًا في الحضارة المعاصرة. ولمناقشة هذه الدعوى أبدأ ببيان شمولية الإِسلام وحاجة البشرية إليه، وصورة ذلك، ثم أعرج على الدعوى بتحليلها ونقدها وعرض نماذج منها في الكتابات المتغربة. الشمولية في الإِسلام وحاجة الناس إليه فوق كل حاجة: يقوم الإِسلام على أنه الحاكم لحياة المسلمين فهو من العليم الحكيم الخبير سبحانه، وبما أن الإِسلام هو الدين الخاتم، وهو المهيمن على غيره؛ لذا كمل الدين به، وأوجب الله اتباعه، مما يدل أنه يحقق الشمولية والكفاية لما يحتاجه البشر، ومن طلب ذلك في غيره ضل وهلك وأضل وأهلك. ومما ورد في هذا الباب من الآيات القرآنية الكريمة قوله -تعالى-: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. ووُصف القرآن بأنه "مفصل" كقوله -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ

стр. 1250

عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾ [الأعراف: ٥٢]، وقوله -تعالى-: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء: ١٢]، وقال -تعالى-: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤)﴾ [الأنعام: ١١٤]، وقال -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٧)﴾ [يونس: ٣٧]، وقوله -تعالى-: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾ [يوسف: ١١١]، وقال -تعالى-: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ [هود: ١]. فهذه الآيات وما في بابها تدل على أن التفصيل من رب العالمين، وهذا التفصيل يجعله شاملًا لمطالب البشرية، بحيث تجد ذلك في الوحي إما عامًا أو مفصلًا. ومن الأدلة قوله -تعالى-: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]، وقوله -تعالى-: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨)﴾ [آل عمران: ١٣٨]، قال ابن كثير: أي القرآن (١). وقوله -تعالى-: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ [الأنعام: ٣٨]. وقوله -تعالى-: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]. قال الشاطبي ﵀ بعد ذكر بعض الآيات السابقة: "وأشباه ذلك من الآيات الدالة على أنه هدى وشفاء لما في الصدور، ولا يكون شفاء لجميع ما في الصدور إلا وفيه تبيان كل شيء" (٢)، ومن تأمل عمومًا في ما وصف به القرآن الكريم يعلم علم اليقين بأنه شامل لحياة الإنسان، وأنه لا يغني عنه شيء، وقد ذكر شيخ الإِسلام "أصل جامع في الاعتصام بكتاب الله ووجوب اتباعه وبيان الاهتداء به في كل ما يحتاج إليه الناس من دينهم، وأن النجاة والسعادة في

стр. 1251

اتباعه والشقاء في مخالفته". ثم ساق آيات كثيرة، كل آية هي أصلٌ عظيمٌ في الباب أكتفي بواحدة منها، قال -تعالى-: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف: ١٥٧] (١)، فالفلاح في الدنيا والآخرة هو باتباع النور الذي أنزل مع الرسول ﷺ ، وقد زجر الرب سبحانه من لم يكتف بالكتاب فقال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [العنكبوت: ٥١]. قال الشافعي ﵀: "فليست تنزل في أحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها، قال الله ﵎: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)﴾، وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾، وقال: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾ " (٢). وقد يَرِدُ على أحدهم كيف يكون هذا القرآن فيه هذا الشمول مع كثرة فروع الحياة وظهور نوازل جديدة ووقائع جديدة؟ وجوابه أن الوحي جاء بقواعد كلية وأصول كلية يدخل فيها كل ما يستجد مما يحتاج إلى تشريع، وفي هذا يقول الشاطبي ﵀: "تعريف القرآن بالأحكام الشرعية أكثره كلي لا جزئي؛ وحيث جاء جزئيًا فمأخذه على الكلية، إما بالاعتبار أو بمعنى الأصل، إلا ما خصه الدليل مثل خصائص النبي - صلي الله عليه وسلم -" (٣)، ويقول أيضًا حول قوله -تعالى-: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ المراد منه إكمال الكليات "فلم يبق للدين قاعدة يحتاج إليها في الضروريات والحاجيات أو التكميليات، إلا وقد بينت غاية البيان" (٤).

стр. 1252

وفي قوله -تعالى-: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، يقول ابن كثير ﵀: "هذه أكبر نعم الله على هذه الأمة حيث أكمل -تعالى- لهم دينهم، فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم، صلوات الله وسلامه عليه؛ ولهذا جعله الله خاتم الأنبياء، وبعثه إلى الإنس والجن، فلا حلال إلا ما أحله، ولا حرام إلا ما حرمه، ولا دين إلا ما شرعه، وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق لا كذب فيه ولا خُلْف، كما قال -تعالى-: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]؛ أي: صدقًا في الأخبار، وعدلًا في الأوامر والنواهي، فلما أكمل الدين لهم تمت النعمة عليهم؛ ولهذا قال -تعالى-: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ أي: فارضوه أنتم لأنفسكم، فإنه الدين الذي رضيه الله وأحبه وبعث به أفضل رسله الكرام، وأنزل به أشرف كتبه" (١). وأجد نفسي مضطرًا في باب له أهميته كهذا الباب أن أنقل مقطعين طويلين معبرين عن الموضوع وتشفع أهميتهما لطولهما: أولهما: عن شيخ الإِسلام ابن تيمية حيث قال: "قاعدة نافعة في وجوب الاعتصام بالرسالة، وبيان أن السعادة والهدى في متابعة الرسول ﷺ ، وأن الضلال والشقاء في مخالفته، وأن كل خير في الوجود -إما عام وإما خاص- فمنشؤه من جهة الرسول، وأن كل شر في العالم مختص بالعبد فسببه مخالفة الرسول أو الجهل بما جاء به، وأن سعادة العباد في معاشهم ومعادهم باتباع الرسالة. والرسالة ضرورية للعباد لابد لهم منها، وحاجتهم إليها فوق حاجتهم إلى كل شيء. والرسالة روح العالم ونوره وحياته فاْي صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور؟ والدنيا مظلمة ملعونة إلا ما طلعت عليه شمس الرسالة، وكذلك العبد ما لم تشرق في قلبه شمس الرسالة ويناله من حياتها وروحها فهو في ظلمة؛ وهو من الأموات قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]، فهذا وصف المؤمن

стр. 1253

كان ميتًا في ظلمة الجهل فأحياه الله بروح الرسالة ونور الإيمان وجعل له نورًا يمشي به في الناس، وأما الكافر فميت القلب في الظلمات. وسمى الله تعالى رسالته روحًا، والروح إذا عدم فقد فقدت الحياة قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، فذكر هنا الأصلين وهما: الروح والنور، فالروح الحياة والنور النور"، إلى أن قال: "فإن الله سبحانه جعل الرسل وسائط بينه وبين عباده في تعريفهم ما ينفعهم وما يضرهم، وتكميل ما يصلحهم في معاشهم ومعادهم، وبعثوا جميعًا بالدعوة إلى الله، وتعريف الطريق الموصل إليه، وبيان حالهم بعد الوصول إليه. فالأصل الأول يتضمن إثبات الصفات والتوحيد والقدر وذكر أيام الله في أوليائه وأعدائه، وهي القصص التي قصها على عباده، والأمثال التي ضربها لهم. والأصل الثاني يتضمن تفصيل الشرائع والأمر والنهي والإباحة، وبيان ما يحبه الله وما يكرهه. والأصل الثالث يتضمن الإيمان باليوم الآخر؛ والجنة والنار؛ والثواب والعقاب. وعلى هذه الأصول الثلاثة مدار الخلق والأمر، والسعادة والفلاح موقوفة عليها، ولا سبيل إلى معرفتها إلا من جهة الرسل؛ فإن العقل لا يهتدي إلى تفاصيلها ومعرفة حقائقها، وإن كان قد يدرك وجه الضرورة إليها من حيث الجملة"، إلى أن قال: "والرسالة ضرورية في إصلاح العبد في معاشه ومعاده، فكما أنه لا صلاح له في آخرته إلا باتباع الرسالة، فكذلك لا صلاح له في معاشه ودنياه إلا باتباع الرسالة؛ فإن الإنسان مضطر إلى الشرع؛ فإنه بين حركتين: حركة يجلب بها ما ينفعه؛ وحركة يدفع بها ما يضره. والشرع هو النور الذي يبين ما ينفعه وما يضره، والشرع نور الله في أرضه وعدله بين عباده وحصنه الذي من دخله كان آمنا. وليس المراد بالشرع التمييز بين الضار والنافع بالحس؛ فإن ذلك يحصل للحيوانات العجم؛ فإن الحمار والجمل يميز به بين الشعير والتراب، بل التمييز

стр. 1254

بين الأفعال التي تضر فاعلها في معاشه ومعاده كنفع الإيمان والتوحيد؛ والعدل والبر والتصدق والإحسان؛ والأمانة والعفة. . . ."، إلى أن قال: "ولولا الرسالة لم يهتد العقل إلى تفاصيل النافع والضار في المعاش والمعاد فمن أعظم نعم الله على عباده وأشرف منة عليهم: أن أرسل إليهم رسله؛ وأنزل عليهم كتبه؛ وبين لهم الصراط المستقيم. ولولا ذلك لكانوا بمنزلة الأنعام والبهائم بل أشر حالًا منها، فمن قبل رسالة الله واستقام عليها فهو من خير البرية، ومن ردها وخرج عنها فهو من شر البرية، وأسوأ حالًا من الكلب والخنزير والحيوان البهيم"، إلى أن قال: "وليست حاجة أهل الأرض إلى الرسول كحاجتهم إلى الشمس والقمر؛ والرياح والمطر، ولا كحاجة الإنسان إلى حياته؛ ولا كحاجة العين إلى ضوئها والجسم إلى الطعام والشراب؛ بل أعظم من ذلك؛ وأشد حاجة من كل ما يقدر ويخطر بالبال، فالرسل وسائط بين الله وبين خلقه في أمره ونهيه"، إلى أن قال: "وقال صلوات الله وسلامه عليه: "إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب" (١)، وهذا المقت كان لعدم هدايتهم بالرسل فرفع الله عنهم هذا المقت برسول الله ﷺ ، فبعثه رحمة للعالمين ومحجة للسالكين وحجة على الخلائق أجمعين"، إلى أن قال: "أرسله الله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فختم به الرسالة؛ وهدى به من الضلالة؛ وعلم به من الجهالة وفتح برسالته أعينًا عميًا وآذانًا صمًا وقلوبًا غلفًا، فأشرقت برسالته الأرض بعد ظلماتها؛ وتألفت بها القلوب بعد شتاتها، فأقام بها الملة العوجاء وأوضح بها المحجة البيضاء، وشرح له صدره؛ ووضع عنه وزره؛ ورفع ذكره؛ وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره، أرسله على حين فترة من الرسل ودروس من الكتب، حين حرف الكلم وبدل الشرائع واستند كل قوم إلى أظلم آرائهم وحكموا على الله وبين عباده بمقالاتهم الفاسدة وأهوائهم، فهدى الله به الخلائق وأوضح به الطريق، وأخرج به الناس من الظلمات إلى النور" (٢).

стр. 1255

والثاني ذكره سيد قطب حول هذه الآية ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، في "في ظلال القرآن" فقال: ". . . . إن بعض دلالته أن شريعة الله كل لا يتجزأ. كل متكامل. سواء فيه ما يختص بالتصور والاعتقاد؛ وما يختص بالشعائر والعبادات؛ وما يختص بالحلال والحرام؛ وما يختص بالتنظيمات الاجتماعية والدولية. وأن هذا في مجموعه هو "الدين" الذي يقول الله عنه في هذه الآية: إنه أكمله. وهو "النعمة" التي يقول الله للذين آمنوا: إنه أتمها عليهم". . . ."أكمل الله هذا الدين. فما عادت فيه زيادة لمستزيد. وأتم نعمته الكبرى على المؤمنين بهذا المنهج الكامل الشامل. ورضي لهم الإِسلام دينًا؛ فمن لا يرتضيه منهجًا لحياته -إذن- فإنما يرفض ما ارتضاه الله للمؤمنين. ويقف المؤمن أمام هذه الكلمات الهائلة؛ فلا يكاد ينتهي من استعراض ما تحمله في ثناياها من حقائق كبيرة، وتوجيهات عميقة، ومقتضيات وتكاليف. ."، إلى أن قال: ". . . . حتى إذا أراد الله أن يختم رسالاته إلى البشر؛ أرسل إلى الناس كافة، رسولًا خاتم النبيين برسالة "للإنسان" لا لمجموعة من الأناسي في بيئة خاصة، في زمان خاص، في ظروف خاصة .. رسالة تخاطب "الإنسان" من وراء الظروف والبيئات والأزمنة. . . . وفصل في هذه الرسالة شريعة تتناول حياة "الإنسان" من جميع أطرافها، وفي كل جوانب نشاطها؛ وتضع لها المبادئ الكلية والقواعد الأساسية فيما يتطور فيها ويتحور بتغير الزمان والمكان؛ وتضع لها الأحكام التفصيلية والقوانين الجزئية فيما لا يتطور ولا يتحور بتغير الزمان والمكان .. وكذلك كانت هذه الشريعة بمبادئها الكلية وبأحكامها التفصيلية محتوية كل ما تحتاج إليه حياة "الإنسان" منذ تلك الرسالة إلى آخر الزمان؛ من ضوابط وتوجيهات وتشريعات وتنظيمات، لكي تستمر، وتنمو، وتتطور، وتتجدد؛ حول هذا المحور وداخل هذا الإطار"، إلى أن قال: "وقال الله -سبحانه- للذين آمنوا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ .. فأعلن لهم إكمال العقيدة، وإكمال الشريعة معًا. . فهذا هو الدين .. ولم يعد للمؤمن أن يتصور أن بهذا الدين -بمعناه هذا- نقصًا يستدعي الإكمال. ولا قصورًا يستدعي الإضافة. ولا محلية أو زمانية تستدعي التطوير أو التحوير .. وإلا فما هو بمؤمن؛ وما هو بمقر بصدق الله؛ وما هو بمرتض ما ارتضاه الله للمؤمنين!

стр. 1256

إن شريعة ذلك الزمان الذي نزل فيه القرآن، هي شريعة كل زمان، لأنها -بشهادة الله- شريعة الدين الذي جاء "للإنسان" في كل زمان وفي كل مكان، لا لجماعة من بني الإنسان، في جيل من الأجيال، في مكان من الأمكنة، كما كانت تجيء الرسل والرسالات. الأحكام التفصيلية جاءت لتبقى كما هي. والمبادئ الكلية جاءت لتكون هي الإطار الذي تنمو في داخله الحياة البشرية إلى آخر الزمان؛ دون أن تخرج عليه، إلا أن تخرج من إطار الإيمان! والله الذي خلق "الإنسان" ويعلم من خلق؛ هو الذي رضي له هذا الدين؛ المحتوي على هذه الشريعة. فلا يقول: إن شريعة الأمس ليست شريعة اليوم، إلا رجل يزعم لنفسه أنه أعلم من الله بحاجات الإنسان؛ وبأطوار الإنسان! ". . . . (ويقف المؤمن ثانيًا: أمام إتمام نعمة الله على المؤمنين، بإكمال هذا الدين؛ وهي النعمة التامة الضخمة الهائلة. النعمة التي تمثل مولد "الإنسان" في الحقيقة، كما تمثل نشأته واكتماله. "فالإنسان" لا وجود له قبل أن يعرف إلهه كما يعرفه هذا الدين له وقبل أن يعرف الوجود الذي يعيش فيه كما يعرفه له هذا الدين. وقبل أن يعرف نفسه ودوره في هذا الوجود وكرامته على ربه، كما يعرف ذلك كله من دينه الذي رضيه له ربه. و"الإنسان" لا وجود له قبل أن يتحرر من عبادة العبيد بعبادة الله وحده؛ وقبل أن ينال المساواة الحقيقية بأن تكون شريعته من صنع الله وبسلطانه لا من صنع أحد ولا بسلطانه. إن معرفة "الإنسان" بهذه الحقائق الكبرى كما صورها هذا الدين هي بدء مولد "الإنسان" .. إنه بدون هذه المعرفة على هذا المستوى؛ يمكن أن يكون "حيوانًا" أو أن يكون "مشروع إنسان" في طريقه إلى التكوين! ولكنه لا يكون "الإنسان" في أكمل صورة للإنسان، إلا بمعرفة هذه الحقائق الكبيرة كما صورها القرآن .. والمسافة بعيدة بعيدة بين هذه الصورة، وسائر الصور التي اصطنعها البشر في كل زمان! "، إلى أن قال: "ويقف المؤمن ثالثًا: أمام ارتضاء الله الإِسلام دينًا للذين آمنوا .. يقف أمام رعاية الله -سبحانه- وعنايته بهذه الأمة، حتى ليختار لها دينها ويرتضيه .. وهو تعبير يشي بحب الله لهذه الأمة ورضاه عنها، حتى ليختار لها منهج حياتها". . . ."إن ارتضاء الله الإِسلام دينًا لهذه الأمة، ليقتضي منها ابتداء أن تدرك قيمة هذا الاختيار. ثم تحرص على

стр. 1257

الاستقامة على هذا الدين جهد ما في الطاقة من وسع واقتدار .. وإلا في أنكد وما أحمق من يهمل -بله أن يرفض- ما رضيه الله له، ليختار لنفسه غير ما اختاره الله! .. وإنها -إذن- لجريمة نكدة" (١). ومن المهم إدراك أن شمولية الإِسلام وكفايته وحاجة الناس إليه، والتي هي فوق حاجتهم لكل شيء، لا يعارض مطلب الحاجة إلى العلوم العصرية، فلا تعارض بين حاجة الناس للدين وحاجتهم لهذه العلوم، بل إن طلب هذه العلوم يُعد جزءًا من الدين عندما يرتبط الطلب بالنافع منها، كما ذُكر ذلك عن أهل العلم الشرعي في مباحث سابقة (٢). ولذا فإنه لا حاجة لهذه الدعوى، ولا ندري كيف تظهر في المسلمين، فعلاقة العلوم البشرية النافعة بالدين هي علاقة الجزء بالكل والفرع بالأصل، فما يكون من الدين له صور، منها: أنه مما يأمر به الدين، ويحث على طلبه، مما ينفع الناس في دينهم أو دنياهم. والدين يحث على ما ينفع، وعلى طلب القوة، ويقع الانحراف عندما يُكتفى بالجزء وُينبذ الكل، ويؤخذ الفرع ويترك الأصل، هنا تكون هذه العلوم مفصولة عن حياتها ونورها، فتعوم دون هداية، وتتحول إلى أداة إفساد، عندما تفقد الإطار والتوجيه والإرشاد الرباني. يظهر بين الأسباب الاغترار بالعلم الحديث والفتنة به، ومن ثمّ الفتنة بالحياة الدنيا، وذلك ما حذرنا منه القرآن الكريم فقال -تعالى-: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣]، وقال -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥)﴾ [فاطر: ٥]، وقال -تعالى-: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠]، وقال -تعالى-: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٢١٢]، وقال -تعالى-: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وقال -تعالى-: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ [الروم: ٧]، وآيات كثيرة أخرى تحذر من الفتنة بهذه الحياة، وإن كان ذلك لا يعني إهمالها، وإنما يكون ذلك بعمارتها كما أراد خالقنا سبحانه. فإذا اجتمع مع الفتنة بالدنيا مرض قلبي وبغض للدين،

стр. 1258

فهذا مما يدفع بأصحابه إلى مثل هذه الدعوى القائمة على شمولية العلم وكفايته وعدم الحاجة للدين. وقد برزت هذه الدعوى أول ما برزت في أوروبا مع ازدهار العلوم البشرية فيها ونمو تيارات فكرية علمانية ومادية -فأظهرت دعاوى منها الوضعية والعلموية القائمة على الغلو في العلم الحديث، وقد ذكر سيد قطب بأنه جاءت دعوات لهجر "التصور الإيماني المشرق الصادق الواضح الجميل" من بعض عشاق الفلسفة ومن بعض عشاق العلم، إلى "التصورات الفلسفية الكئيبة الغامضة المعقدة الجانبية" مع الفلاسفة، وكذلك "يلح علينا بعض عشاق "العلم" .. تارة مع التواضع والاعتراف بأن العلم لن يصل إلى هذه الحقيقة، وتارة مع الادعاء العريض بأن في العلم الكفاية والغناء عن "الدين"! " (١). ثم ذكر منهم "جوليان هاكسلي" المتبجح مستندًا إلى جهالات دينية كدليل على الاستغناء عن الدين كله، وفي ذلك يقول: "والحالة الخاصة التي تواجه الدين في المدنية الغربية هي: أن الاعتقاد في الله أدى كل ما يستطيع من فائدة، وليس في وسعه أن يفعل أكثر من ذلك. . . . ولقد أوصلنا تقدم العلوم، والمنطق، وعلم النفس، إلى طور أصبح فيه الإله فرضًا عديم الفائدة، وطردته العلوم الطبيعية من عقولنا حتى اختفى كحاكم مدبر للكون، وأصبح مجرد أول سبب أو أساسًا عامًا غامضًا"، وقد سبقه إلى هذا القول العالم الرياضي والفلكي المشهور "لابلاس" عندما سأله "نابليون" عن مكانة الرب في نظامه المقترح عن الكون، فقال: إنه فرض لا أحتاجه، وهكذا حال بعض المسلمين عندما يؤلفون كتبًا في العلوم الطبيعية، ثم لا تجد شيئًا من ربط هذا الكون المخلوق بخالقه، وغفلتهم مع قوانينه وسننه التي يسير بمقتضاها عن واضع كل ذلك وخالقه ومدبره. يقول "هكسلي" بعد ذلك: "وبإحلال المعرفة محل الجهل في هذا الميدان، وزيادة سيطرة الإنسان على بيئته نتيجة لتفكيره، يتلاشى الإله كما يتلاشى الشيطان قبله، وآلهة الدنيا القديمة، وجنيات الغابات والبحيرات، والأرواح المحلية" (٢). يستند هذا الإلحاد الأحمق على دعاوى متناقضة وتعميمات كاذبة ترفضها

стр. 1259

العقول الصحيحة، ولكنه الإلحاد الحاقد الذي يدفعهم لهذا الغلو والتناقض، وقد جاء الرد عليهم سريعًا كما سبق في الفصل الأول من داخل العلم ذاته: حيث انقلب العلم المعاصر على كثير من دعاوى الغلو التي عرفتها تيارات "الوضعية" و"العلموية" و"المادية"، وجاء الرد من واقع المجتمعات المعاصرة، التي عرفت التقدم في العلوم العصرية، كيف تساوى شرها مع خيرها، وضرها مع نفعها، وأصبحت مشكلات العلم تُخيف العقلاء وتحبط كل تلك الدعاوى بكفاية العلم. اكتسب العلم الحديث ولاسيّما في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر -بحسب كلام "باشكيل"- مفهومين هما: أنه معرفة مطلقة قطعية وغيره ليس كذلك. كما أنه معرفة مطلقة شاملة؛ لذا فهو يبحث في كل شيء وما لا يدخل فيه يطرد من عالم الحقيقة، وقد تسبب هذا التوسع للعلم بصراعه مع الدين، فالعلم يوسع كل يوم من ساحته ويخطو نحو السيطرة على عقل الإنسان وروحه (١). فظهرت نزعة المغالاة في العلم التي تخضع له سائر الأشياء في ضوء نجاحاته الكبيرة، ومع ظهور كتب كثيرة في الغرب تعالج هذه المشكلة، إلا أنها لم تحظ بعناية كتلك الوضعية التي حظيت بعناية (٢). ولكن هذه "الوضعية" و"العلموية" و"المادية" قد اصطدمت بتحديات وأسئلة تخفف من غلوها وتدفع العاقل للبحث عن إجابات خارج دائرة العلم الحديث، ومن ذلك: ماذا توصلنا إليه تلك الوضعية والغلو في العلم؟ وما القيم التي توصلنا إليها في النهاية؟ فقد غمرتهم إنجازات العلم ومكتشفاته وأنستهم الجانب المظلم الذي ولد بجانبه عندما انفصل عن التوجيه السماوي. يكفي حتى في الجانب المادي أن نرى الجانب المخيف المرتبط بالعلم: الحروب المدمرة والمهولة في القرن الرابع عشر/ العشرين، الدمار البيئي المخيف، اليأس وفقد معنى الحياة؛ فكيف تكون الحياة في المقابل عندما لا يكون هناك إيمان بالرب سبحانه أو باليوم الآخر (٣). عندما يحصر العلم همّه في هذه الآلة الكونية لفحص أجزائها وتعرف قانون

стр. 1260

سيرها، إنما يعنيه من وراء هذا البحث تنظيم الجهد الإنساني وتنسيقه على وفق ذلك القانون الآلي، ويُهمل السؤال عن صانع هذه الآلة وواضع ذلك النظام لعدم تخصصه في ذلك، وتُلام إذا جعلت ذلك الحد قيدًا للعقل حيث يغرق في اللحظة الحاضرة ويقتنع بها هاربًا عن الماضي السحيق والمستقبل البعيد والغيب المحيط، فيهبط من عرش إنسانيته إلى صف الحيوانية "ويسكت ذلك الصوت السماوي الذي يناديه من أعماق روحه، مستحثًا له على استكمال فطرته، زاجرًا له عن الاكتفاء بنظره في حاضر الأشياء وحاضره، عن التطلع إلى مبدئها ونهايتها، وإلى مبدئه ونهايته" (١). رغم أن الاتجاه الوضعي والحسي والمادي "العلموي" قد جعل المرجعية العليا للعلم إلا أنه -في الغرب- واجه أسئلة صعبة، واعترف بها مفكرون في دائرة العلم ذاته، وبحسب "كلشني" فمن هذه الأسئلة: التشكيك في قدرة العلم على تامين إجابات حيال الأسئلة الرئيسية التي تشغل الإنسان: كيف ابتدأت الأشياء؟ من أجل ماذا نحن هنا؟ ما هدف الحياة؟ البدايات والنهايات؟ وغيرها. لقد كان الثمن باهظًا عند الاستسلام لذلك الغرور بالعلموية والحسية، وغيرها (٢). ولهذا لم يعد مستغربًا نقد العلم، بل أصبح ظاهرة فكرية صحيحة في الغرب وذلك -وبحسب "أحمد شوقي"- لا يتعارض مع الدفاع عنه وعن منجزاته، والنقد هو روح العلم (٣). ثم ذكر ثلاثة اتجاهات يصب فيها نقد العلم هي: "العلموية - العلاقة بين الدين والعلم - مدى حيادية العلم"، ويهمنا منها الأول: "وتعني العلموية باختصار الاقتناع بالقدرة غير المحدودة للعلم على تفسير كل ما في الكون، وبأنه في رأي بعض غلاة العلموية الوسيلة الوحيدة للمعرفة التي تملك الحل السحري لكل مشكلة. . . . وينتقد هذا الاتجاه بأن العلم لا يستطيع الإحاطة بالجوانب المعرفية ذات الطبيعة الأخلاقية أو الجمالية أو الدينية، أو الروحية بشكل عام. كما أن لامحدودية قدرته أمر لا يتسق مع الواقع" (٤)، إن هؤلاء يقدمون صورة من صور عبادة العلم التي لا تتفق مع كون

стр. 1261

العلم يواصل تقدمه (١)، كما "أن هذا الإيمان شبه الديني بالتقدم العلمي لم يدم أكثر من قرنين. فقد تلقى أول ضربة موجعة له مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، وتلقى الضربة الثانية مع الحرب العالمية الثانية"، حيث عادت أمة العلم تتقاتل فيما بينها بوحشية مدهشة (٢). ربما يكون من مناسب الاستفادة من تواضع بعض العلماء المشهورين في هذا العصر رغم قصور تصورهم عن الدين، فهذا أحد أبرزهم في الغرب "أينشتين" يقول: "إن العلم حادّ البصر حين يكون متعلقًا بالأدوات والمناهج، ويكون فاقد البصر حين يتعلق الأمر بالقيم والأهداف"، ولم يكن بحسب "د. عفيف" "في عداد الذين يعتقدون أن التقدم العلمي والثقافي يفضي بالضرورة إلى السعادة أو حتى إلى الحضارة: "إن تحسين شروط حياة الإنسان لا تعتمد على المعرفة العلمية بالضرورة، وإنما على تحقيق المثل الأخلاقية والتقاليد الإنسانية"" (٣)، ومع أنه يؤكد وجود إنجازات من داخل العلم، ومع ذلك فهو يقول: "لكن الأمر الذي لا يقل وضوحًا هو أن المعرفة بما هو موجود لا تقود تلقائيًا إلى معرفة ما يجب أن يوجد. فقد يحيط الإنسان بمعرفة الوجود بالكامل، ويبقى رغم ذلك عاجزًا عن الاستدلال على الهدف الذي يجب أن تتجه نحوه مساعينا وتطلعاتنا" (٤)، وعن العلاقة بين الدين والعلم يقول: "إن علمًا بدون دين هو علمٌ أعرج، ودين بدون علم هو دين أعمى" (٥). فهذه الشهادة من أحد أبرز علماء العصر في العلوم الحديثة يبطل مقوله كفاية العلم، وقد يكون تصوره الديني معوجًا وفقيرًا كغالب من عاش في تلك الحضارة الفقيرة في باب الدين، إلا أنه من خلال معرفته الجيدة بالعلم يبطل مقولة شمولية العلم وقدرته على إجابة كل الأسئلة وتغطيته الحاجات الكبرى للإنسانية. وقد جاءت المواجهات للعلموية من داخل الفكر المعاصر، وينتقدونها "بأن

стр. 1262

العلم لا يستطيع الإحاطة بالجوانب المعرفية ذات الطبيعة الأخلاقية أو الجمالية أو الدينية، أو الروحية بشكل عام. كما أن -دعوى- لامحدودية قدرته أمر لا يتسق مع الواقع"، وما إن يظهر أحد من غلاة العلموية حتى يجد من يرد عليه ويبطل غلوه (١)، كما أن التقدم العلمي ذاته عندما ابتعد عن الدين انقلب عكس ما يريدون (٢). مناقشة دعوى كفاية العلم وشموليته: تحليل هذه الدعوى يكشف وهمها وزيفها ويكشف خطرها، كما يكشف الثغرات التي فيها، ويكشف زخرفها الكاذب ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢]، فماذا يُقصد بكفاية العلم وشموليته عند دعاة العلموية؟ ١ - إما أنه شارك في كل باب ومن ذلك الأبواب التي غطاها الدين. ٢ - أو أنه قد كفى في كل باب. أما دخوله كل مجال ومشاركته في أغلب أبوابها فأمر وارد، ولكن ليس كل مشارك للدين في موضوعاته تكون مشاركته صحيحه ونافعة، فإن كل الفلسفات والوثنيات والأديان الباطلة والأيديولوجيات العقلية قد شاركت وبحثت بشكل شمولي لأغلب القضايا وقدمت إجاباتها لأغلب الأسئلة الإنسانية، ولكن هل كانت مشاركتها صحيحة؟ ثم هل هي مع هذه المشاركة قد كفت الناس وشملت حاجتهم، وأفادتهم؟ في أكثر المزاعم في هذا الباب. ولكن بالعودة إلى عقلاء العالم، ولاسيّما طائفة من العلماء تجدهم يعترفون بعدم كفاية العلم، إلا أن عيشهم في حضارة علمانية وانتماءَهم لدين محرف جعلهم يحتارون في ذكر البديل أو ذكر الأصل العام الذي يحتوي الحياة ويوجهها. فمشاركة العلم إذًا لكل مجالات الحياة لا تعني الصحة فضلًا عن دعوى الكفاية، والإنسان كما يقول -سيد قطب- محدود في الزمان والمكان

стр. 1263

والوظيفة. . . . كما أنه محكوم بضعفه وميله وشهوته ورغبته فوق ما هو محكوم بقصوره وجهله. . . . فالإنسان "وهذه ظروفه، حينما يفكر في إنشاء تصور اعتقادي من ذات نفسه، أو في إنشاء منهج للحياة الواقعية من ذات نفسه كذلك، يجيء تفكيره محكومًا بهذه السمة التي تحكم كينونته كلها. . . ." (١)، إلى أن قال: "فأما حين يتولى الله -سبحانه- ذلك كله .. فإن التصور الاعتقادي، وكذلك المنهج الحيوي المنبثق منه، يجيئان بريئين من كل ما يعتور الصنعة البشرية من القصور والنقص والضعف والتفاوت .. وهكذا كان "الشمول" خاصية من خواص "التصور الإِسلامي"" (٢)، ثم ذكر صورة الشمول الحقيقية للإسلام التي لا يحققها العلم ولا غيره كما يدعيها المنحرفون عن الحق، ومن ذلك: رد هذا الوجود كله إلى المدبر الخالق سبحانه، وذلك يعطينا تفسيرًا مفهومًا لوجود الكون ابتداء، ثم لكل حركة فيه بعد ذلك، وكل انبثاقة، ولاسيّما انبثاقة ظاهرة الحياة. ثم إن التصور الإِسلامي يوضح حقيقة الألوهية بصورتها النقية، كيف لا وهي من الإله ذاته سبحانه، وما يرتبط بها من عبودية، فتعرفنا بربنا سبحانه تعريفًا متكاملًا وشاملًا، ولذلك آثاره. ثم تعرفنا بطبيعة الكون الذي نعيش فيه وخصائصه وارتباطه بخالقه، ثم تعرج على الحياة والأحياء ورابطة العبودية بينهم وبين ربهم، ثم الإنسان من هو؟ وما دورهُ؟ كما أن هذا التصور الإِسلامي يوجه خطابه للكينونة الإنسانية بكل جوانبها مع ردها إلى مصدر واحد تتلقى عنه، فيكون الإِسلام منهجًا متكاملًا للعبادة والمعاملة (٣). ولا شك أن هذه المساحة كلها لا يستطيع العلم أن يأتي بشيء ذي بال حولها، وإن شارك فلا تعني مشاركته صحة كل مسألة شارك فيها فضلًا عن دعوى كفايته. ويغلب على الملحدين دعوى المشاركة، فهم يعترفون بأن العلم يشارك الدين في موضوعاته، وأنه قد لا يريح الناس كما يفعل الدين، كما أنه قد لا يكون صحيحًا في كل مسألة. ولكنهم بسبب إلحادهم وإنكارهم للدين يجعلون مقولات الدين حول تلك الأصول هي نظريات أبدعها البشر. تكون في تخلفها

стр. 1264

بحسب المرحلة والعصر الذي قيلت فيه، حتى جاء العلم وبدأ يقدم نظرياته في تلك الأصول نفسها، وقد لا يريح وقد لا يصيب إلا أنه كعلم يقبل النقد والتطور والتصحيح بخلاف الدين الذي لم تثبت صحته أو لم تثبت فائدته. وهنا أربعة أصول فاسدة: "عدم صحة الدين" و"انتهاء فائدته" و"صحة العلم" و"وشمولية فائدته"، ويغلب عليها مشكلة البيئة التي ظهرت فيها، فإن عدم صحة دينٍ ما لا يعني عدم صحة الدين، فقد برزت في الغرب دراسات نقدية حول دينهم ثبت عندها بطلان كثير من أصوله الدينية، ثم ظهرت الدراسات الإنتربولوجية فاعتنت بالأديان البدائية وربطت هذه بتلك وخرجت بقاعدة حول عدم صحة الأديان وأنها إنتاج بشري -كما سيأتي الحديث عنه في الفصل الأخير- ولا شك أن الدين الباطل تنتهي فائدته المتوهمة سريعًا، ولكن ذلك لا علاقة له بعموم الدين وبالدين الحق، ومن هنا تبقى حاجات بشرية لا يجيب عنها إلا الدين، ومما يدل على هذا: بأن صحة العلم في أبواب لم تؤهله لتلبية تلك الحاجات البشرية حول الوجود وموجده، والإنسان وعمله ومصيره، وغاية الكون وما بعده، والغيب والآخرة، والغايات والقيم، فمع صحة العلم وفائدته في أبوابه إلا أنه لا يوجد علم مطلق يفيد في حاجات البشرية السابقة. فضلًا عن أن العلم حتى في أبوابه لم يجلب فقط الفائدة، بل جلب معه مشكلات ضخمة لم يجلبها غيره في تاريخ البشرية من جهة حجم شرها وضخامته، ويكفي النظر إلى تلك الأسلحة الحديثة وضحاياها في القرن الأخير. فهذه الأصول الفاسدة جعلتهم يُشبهون الانحرافات التي اخترعها بعضهم في الدين أو آراء وضعوها حوله، مثل تلك التي يخترعها العلماء في مجالات العلوم الرياضية والطبيعية والاجتماعية، ولا يصح هذا التشبيه، فما ابتدع الناس في أبواب الدين هو من الباطل الذي يُرد، أما ما يبدعه العلماء في أبوابهم فإن مقياسه هو مقياس العلم من أساليب التحقق المختلفة. ولذا فإن الدين الحق لا يستطيع شيء أن يغطي مكانه، أما الدين الباطل فكل ما عندهم هو إثبات بطلانه دون قدرتهم على وضع بديل عنه، وما يزعمونه في العلم إنما هو دعوى لا تصح؛ لأن الأسئلة البشرية التي سبق ذكرها حول الوجود والموجد والإنسان ودوره ومصيره والكون وغاياته وحاله ومصير الوجود مما يُقلق البشر لا يجيب عنها العلم، ويبقى مكتفيًا بأنها مسائل لا تدخل في

стр. 1265

إطار العلم، وما لا يدخل في إطاره فليس بعلم، ولا يقبل، وهذا أصل فاسد آخر؛ فإنه ليس كل ما لم يدل عليه العلم ليس بعلم؛ لأن الأدلة كما سبق في باب المنهج متنوعة، منها التجريبي الحسي ومنها الاستنباطي ومنها خبر الصادق. وقد يكابرون بأن العلم وإن لم تتحقق له الشمولية والكفاية -الآن- فإنه في الطريق إليها، ولكن هذا المزعم مع المفكرين الماديين وغيرهم يبطله علماء من دائرة العلم ذاته، ويبطله التفكير الصحيح، فالإنسان يبقى محكومًا بطبيعته ومحكومًا بوظيفته، فأما طبيعته فهي طبيعة أنه مخلوق حادث، ولهذا يبقى إدراكه محدودًا بما تحده به طبيعته. وأما وظيفته فهي وظيفة الخلافة في الأرض لتحقيق معنى العبادة لله، فوُهب من الإدراك ما يناسب هذه الوظيفة (١). وبما أنه محدود فهناك أمور تخرج عن قدرته للإحاطة بها، وإن استطاع بعقله إدراك بعض أمورها، فإن العقل الصحيح يصل إلى أمور من الدين، ولكنه لا يستطيع الإحاطة بها، فإن لم يهتد بالوحي ضلّ فيها؛ ولهذا جاءت الرسالة والنبوة وتنزيل الكتب، فأرسل الله رسله حتى لا يبقى للناس حجة، قال -تعالى-: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾ [النساء: ١٦٥]. وإن الإنسان في ما أُذِنَ له بالعلم والبحث من أمور المخلوقات ليجهل الكبير، فكيف بما لم يُأذن له به (٢)! بل قد تفتح بعض الاكتشافات عقول المكتشفين إلى مساحات أكبر من العالم المجهول وهم يظنون أن تلك المساحات ستضيق مع تلك الاكتشافات فإذا هي تتسع، وهم أمام مجال مأذون لهم فيه، ومجال محدود بين أيديهم، ويكفي النظر في عالم الذرة، وعالم الخلية، من عالم المادة أو عالم الحياة، لنرى تلك المساحة الهائلة من جهل الإنسان بهما، وهما المحدودان الصغيران الموجودان بين اليدين فكيف الأمر مع قضايا غير محسوسة من أمور المعاني أو من أمور غيبية كبيرة (٣)، وقد كان الأصل للعقلاء أن يدفعهم مثل هذا الأمر إلى الإيمان والتسليم والبحث عن الدين والإيمان،
следующие страницы →