← Общие книги

Общие книги · id 124358

النظريات العلمية الحديثة مسيرتها الفكرية وأسلوب الفكر التغريبي العربي في التعامل معها دراسة نقدية

حسن الأسمري

Полный текст (1 476 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

العلم يواصل تقدمه (١)، كما "أن هذا الإيمان شبه الديني بالتقدم العلمي لم يدم أكثر من قرنين. فقد تلقى أول ضربة موجعة له مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، وتلقى الضربة الثانية مع الحرب العالمية الثانية"، حيث عادت أمة العلم تتقاتل فيما بينها بوحشية مدهشة (٢). ربما يكون من مناسب الاستفادة من تواضع بعض العلماء المشهورين في هذا العصر رغم قصور تصورهم عن الدين، فهذا أحد أبرزهم في الغرب "أينشتين" يقول: "إن العلم حادّ البصر حين يكون متعلقًا بالأدوات والمناهج، ويكون فاقد البصر حين يتعلق الأمر بالقيم والأهداف"، ولم يكن بحسب "د. عفيف" "في عداد الذين يعتقدون أن التقدم العلمي والثقافي يفضي بالضرورة إلى السعادة أو حتى إلى الحضارة: "إن تحسين شروط حياة الإنسان لا تعتمد على المعرفة العلمية بالضرورة، وإنما على تحقيق المثل الأخلاقية والتقاليد الإنسانية"" (٣)، ومع أنه يؤكد وجود إنجازات من داخل العلم، ومع ذلك فهو يقول: "لكن الأمر الذي لا يقل وضوحًا هو أن المعرفة بما هو موجود لا تقود تلقائيًا إلى معرفة ما يجب أن يوجد. فقد يحيط الإنسان بمعرفة الوجود بالكامل، ويبقى رغم ذلك عاجزًا عن الاستدلال على الهدف الذي يجب أن تتجه نحوه مساعينا وتطلعاتنا" (٤)، وعن العلاقة بين الدين والعلم يقول: "إن علمًا بدون دين هو علمٌ أعرج، ودين بدون علم هو دين أعمى" (٥). فهذه الشهادة من أحد أبرز علماء العصر في العلوم الحديثة يبطل مقوله كفاية العلم، وقد يكون تصوره الديني معوجًا وفقيرًا كغالب من عاش في تلك الحضارة الفقيرة في باب الدين، إلا أنه من خلال معرفته الجيدة بالعلم يبطل مقولة شمولية العلم وقدرته على إجابة كل الأسئلة وتغطيته الحاجات الكبرى للإنسانية. وقد جاءت المواجهات للعلموية من داخل الفكر المعاصر، وينتقدونها "بأن

стр. 1262

العلم لا يستطيع الإحاطة بالجوانب المعرفية ذات الطبيعة الأخلاقية أو الجمالية أو الدينية، أو الروحية بشكل عام. كما أن -دعوى- لامحدودية قدرته أمر لا يتسق مع الواقع"، وما إن يظهر أحد من غلاة العلموية حتى يجد من يرد عليه ويبطل غلوه (١)، كما أن التقدم العلمي ذاته عندما ابتعد عن الدين انقلب عكس ما يريدون (٢). مناقشة دعوى كفاية العلم وشموليته: تحليل هذه الدعوى يكشف وهمها وزيفها ويكشف خطرها، كما يكشف الثغرات التي فيها، ويكشف زخرفها الكاذب ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢]، فماذا يُقصد بكفاية العلم وشموليته عند دعاة العلموية؟ ١ - إما أنه شارك في كل باب ومن ذلك الأبواب التي غطاها الدين. ٢ - أو أنه قد كفى في كل باب. أما دخوله كل مجال ومشاركته في أغلب أبوابها فأمر وارد، ولكن ليس كل مشارك للدين في موضوعاته تكون مشاركته صحيحه ونافعة، فإن كل الفلسفات والوثنيات والأديان الباطلة والأيديولوجيات العقلية قد شاركت وبحثت بشكل شمولي لأغلب القضايا وقدمت إجاباتها لأغلب الأسئلة الإنسانية، ولكن هل كانت مشاركتها صحيحة؟ ثم هل هي مع هذه المشاركة قد كفت الناس وشملت حاجتهم، وأفادتهم؟ في أكثر المزاعم في هذا الباب. ولكن بالعودة إلى عقلاء العالم، ولاسيّما طائفة من العلماء تجدهم يعترفون بعدم كفاية العلم، إلا أن عيشهم في حضارة علمانية وانتماءَهم لدين محرف جعلهم يحتارون في ذكر البديل أو ذكر الأصل العام الذي يحتوي الحياة ويوجهها. فمشاركة العلم إذًا لكل مجالات الحياة لا تعني الصحة فضلًا عن دعوى الكفاية، والإنسان كما يقول -سيد قطب- محدود في الزمان والمكان

стр. 1263

والوظيفة. . . . كما أنه محكوم بضعفه وميله وشهوته ورغبته فوق ما هو محكوم بقصوره وجهله. . . . فالإنسان "وهذه ظروفه، حينما يفكر في إنشاء تصور اعتقادي من ذات نفسه، أو في إنشاء منهج للحياة الواقعية من ذات نفسه كذلك، يجيء تفكيره محكومًا بهذه السمة التي تحكم كينونته كلها. . . ." (١)، إلى أن قال: "فأما حين يتولى الله -سبحانه- ذلك كله .. فإن التصور الاعتقادي، وكذلك المنهج الحيوي المنبثق منه، يجيئان بريئين من كل ما يعتور الصنعة البشرية من القصور والنقص والضعف والتفاوت .. وهكذا كان "الشمول" خاصية من خواص "التصور الإِسلامي"" (٢)، ثم ذكر صورة الشمول الحقيقية للإسلام التي لا يحققها العلم ولا غيره كما يدعيها المنحرفون عن الحق، ومن ذلك: رد هذا الوجود كله إلى المدبر الخالق سبحانه، وذلك يعطينا تفسيرًا مفهومًا لوجود الكون ابتداء، ثم لكل حركة فيه بعد ذلك، وكل انبثاقة، ولاسيّما انبثاقة ظاهرة الحياة. ثم إن التصور الإِسلامي يوضح حقيقة الألوهية بصورتها النقية، كيف لا وهي من الإله ذاته سبحانه، وما يرتبط بها من عبودية، فتعرفنا بربنا سبحانه تعريفًا متكاملًا وشاملًا، ولذلك آثاره. ثم تعرفنا بطبيعة الكون الذي نعيش فيه وخصائصه وارتباطه بخالقه، ثم تعرج على الحياة والأحياء ورابطة العبودية بينهم وبين ربهم، ثم الإنسان من هو؟ وما دورهُ؟ كما أن هذا التصور الإِسلامي يوجه خطابه للكينونة الإنسانية بكل جوانبها مع ردها إلى مصدر واحد تتلقى عنه، فيكون الإِسلام منهجًا متكاملًا للعبادة والمعاملة (٣). ولا شك أن هذه المساحة كلها لا يستطيع العلم أن يأتي بشيء ذي بال حولها، وإن شارك فلا تعني مشاركته صحة كل مسألة شارك فيها فضلًا عن دعوى كفايته. ويغلب على الملحدين دعوى المشاركة، فهم يعترفون بأن العلم يشارك الدين في موضوعاته، وأنه قد لا يريح الناس كما يفعل الدين، كما أنه قد لا يكون صحيحًا في كل مسألة. ولكنهم بسبب إلحادهم وإنكارهم للدين يجعلون مقولات الدين حول تلك الأصول هي نظريات أبدعها البشر. تكون في تخلفها

стр. 1264

بحسب المرحلة والعصر الذي قيلت فيه، حتى جاء العلم وبدأ يقدم نظرياته في تلك الأصول نفسها، وقد لا يريح وقد لا يصيب إلا أنه كعلم يقبل النقد والتطور والتصحيح بخلاف الدين الذي لم تثبت صحته أو لم تثبت فائدته. وهنا أربعة أصول فاسدة: "عدم صحة الدين" و"انتهاء فائدته" و"صحة العلم" و"وشمولية فائدته"، ويغلب عليها مشكلة البيئة التي ظهرت فيها، فإن عدم صحة دينٍ ما لا يعني عدم صحة الدين، فقد برزت في الغرب دراسات نقدية حول دينهم ثبت عندها بطلان كثير من أصوله الدينية، ثم ظهرت الدراسات الإنتربولوجية فاعتنت بالأديان البدائية وربطت هذه بتلك وخرجت بقاعدة حول عدم صحة الأديان وأنها إنتاج بشري -كما سيأتي الحديث عنه في الفصل الأخير- ولا شك أن الدين الباطل تنتهي فائدته المتوهمة سريعًا، ولكن ذلك لا علاقة له بعموم الدين وبالدين الحق، ومن هنا تبقى حاجات بشرية لا يجيب عنها إلا الدين، ومما يدل على هذا: بأن صحة العلم في أبواب لم تؤهله لتلبية تلك الحاجات البشرية حول الوجود وموجده، والإنسان وعمله ومصيره، وغاية الكون وما بعده، والغيب والآخرة، والغايات والقيم، فمع صحة العلم وفائدته في أبوابه إلا أنه لا يوجد علم مطلق يفيد في حاجات البشرية السابقة. فضلًا عن أن العلم حتى في أبوابه لم يجلب فقط الفائدة، بل جلب معه مشكلات ضخمة لم يجلبها غيره في تاريخ البشرية من جهة حجم شرها وضخامته، ويكفي النظر إلى تلك الأسلحة الحديثة وضحاياها في القرن الأخير. فهذه الأصول الفاسدة جعلتهم يُشبهون الانحرافات التي اخترعها بعضهم في الدين أو آراء وضعوها حوله، مثل تلك التي يخترعها العلماء في مجالات العلوم الرياضية والطبيعية والاجتماعية، ولا يصح هذا التشبيه، فما ابتدع الناس في أبواب الدين هو من الباطل الذي يُرد، أما ما يبدعه العلماء في أبوابهم فإن مقياسه هو مقياس العلم من أساليب التحقق المختلفة. ولذا فإن الدين الحق لا يستطيع شيء أن يغطي مكانه، أما الدين الباطل فكل ما عندهم هو إثبات بطلانه دون قدرتهم على وضع بديل عنه، وما يزعمونه في العلم إنما هو دعوى لا تصح؛ لأن الأسئلة البشرية التي سبق ذكرها حول الوجود والموجد والإنسان ودوره ومصيره والكون وغاياته وحاله ومصير الوجود مما يُقلق البشر لا يجيب عنها العلم، ويبقى مكتفيًا بأنها مسائل لا تدخل في

стр. 1265

إطار العلم، وما لا يدخل في إطاره فليس بعلم، ولا يقبل، وهذا أصل فاسد آخر؛ فإنه ليس كل ما لم يدل عليه العلم ليس بعلم؛ لأن الأدلة كما سبق في باب المنهج متنوعة، منها التجريبي الحسي ومنها الاستنباطي ومنها خبر الصادق. وقد يكابرون بأن العلم وإن لم تتحقق له الشمولية والكفاية -الآن- فإنه في الطريق إليها، ولكن هذا المزعم مع المفكرين الماديين وغيرهم يبطله علماء من دائرة العلم ذاته، ويبطله التفكير الصحيح، فالإنسان يبقى محكومًا بطبيعته ومحكومًا بوظيفته، فأما طبيعته فهي طبيعة أنه مخلوق حادث، ولهذا يبقى إدراكه محدودًا بما تحده به طبيعته. وأما وظيفته فهي وظيفة الخلافة في الأرض لتحقيق معنى العبادة لله، فوُهب من الإدراك ما يناسب هذه الوظيفة (١). وبما أنه محدود فهناك أمور تخرج عن قدرته للإحاطة بها، وإن استطاع بعقله إدراك بعض أمورها، فإن العقل الصحيح يصل إلى أمور من الدين، ولكنه لا يستطيع الإحاطة بها، فإن لم يهتد بالوحي ضلّ فيها؛ ولهذا جاءت الرسالة والنبوة وتنزيل الكتب، فأرسل الله رسله حتى لا يبقى للناس حجة، قال -تعالى-: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾ [النساء: ١٦٥]. وإن الإنسان في ما أُذِنَ له بالعلم والبحث من أمور المخلوقات ليجهل الكبير، فكيف بما لم يُأذن له به (٢)! بل قد تفتح بعض الاكتشافات عقول المكتشفين إلى مساحات أكبر من العالم المجهول وهم يظنون أن تلك المساحات ستضيق مع تلك الاكتشافات فإذا هي تتسع، وهم أمام مجال مأذون لهم فيه، ومجال محدود بين أيديهم، ويكفي النظر في عالم الذرة، وعالم الخلية، من عالم المادة أو عالم الحياة، لنرى تلك المساحة الهائلة من جهل الإنسان بهما، وهما المحدودان الصغيران الموجودان بين اليدين فكيف الأمر مع قضايا غير محسوسة من أمور المعاني أو من أمور غيبية كبيرة (٣)، وقد كان الأصل للعقلاء أن يدفعهم مثل هذا الأمر إلى الإيمان والتسليم والبحث عن الدين والإيمان،

стр. 1266

وهذا ما نجده مع مجموعة ممن ارتبط بهذه العلوم من اندفاع نحو الدين والإيمان بحسب ما يجده حوله أو يمليه عليه عقله ووجدانه. وفقه شمولية الإِسلام يريح البشرية، فهو يريحهم من الحركة في أبواب لا يستطيعونها فيقفون عاجزين أمامها أو منكرين لها دون دليل، فيأتي الوحي بالحديث عنها بما يكفي ويشفي ويريح، ويفتح لهم أبوابًا للحركة، فيتحركون فيها: فيكتشفون ويبدعون، وهذا فيه رد على من يفهم من الشمولية أن فيها تعطيلًا للعقل والعمل الحر والإبداع والابتكار والاكتشاف، فكل شيء بحسب فهمهم للشمولية موجود سلفًا، وهذا لا يصح؛ فإن العقل يعمل في إطار الإِسلام في أبواب الدنيا بما ينفع ويفيد، بل حتى في أبواب الدين فهناك الاجتهاد الذي يُعد من إعمال العقل في المستجدات والتجديد الذي يعد من إعمال العقل في التصحيح، بحيث يكون الاجتهاد للمستجدات والبحث عن إطار إسلامي لها، بينما التجديد هو إزالة ما لحق بالدين من انحراف شوّه صورته وفتح الباب لانتقاصه أو الزهد فيه؛ فيُصفي الدين وينقي ما ابتدعه الناس، وعندما يكون بصفائه يكون قادرًا على الشمولية والكفاية. نماذج من الانحراف التغريبي حول هذا الباب: النموذج الأول: إذا عدنا إلى النموذج التغريبي الأول -"الداروني"- الذي ظهر قبيل الاستعمار وانتفش بعد حلوله نجده يُعلن باقتراب نهاية الدين واختفائه وزواله، وأن المساحة التي كان يشغلها الدين سيشغلها العلم ويتكفل بسدّها بحسب زعمهم، والحلّ عند "شميل" مثلًا في العلم، ولكن العلم عنده هو "المذهب الداروني" (١)، ولاسيّما في صورته البوخنرية -نسبة إلى "بوخنر"- وهو مذهب فكري نشأ على هامش العلم وليس علمًا، ومع ذلك فهو يصوره على أنه علم، وأنه البديل الذي يقوم مقام الدين، ومع ما في هذا من تضييق شديد لمفهوم العلم لا يقبله حتى بعض العلمانيين بحيث يصبح الجزئي علاجًا للكلي، ففيه دلالة مَرَضية خطيرة تدفع أصحابها لدخول جحر الضب إن دخله المتبوع.

стр. 1267

والأمر أشدّ وضوحًا عند تلميذه "سلامة موسى"، فالعلم ليس بديلًا عن الدين فقط، بل يتحول العلم إلى دين (١)، فالدين الذي كان فيه السعة والشمول ومعالجة مشكلات لا يستطيعها غيره سيكون العلم مع غلاة المتغربين الدين الجديد الذي يغطي مساحات شغلها الدين سابقًا. ومع اعتراف "سلامة موسى" بأن المدينة الأوروبية -التي هي مدينة العالم أجمع؛ لتقدم العلوم فيها بجميع فروعها- توشك أن تقع في هوة الفوضى بسبب التفاوت بين التقدم العلمي وبين القيم والنظم والأخلاق والآداب (٢). . . .، وهذه الهوة لن يكون علاجها بالرجوع للدين الحق وإنما وتبعًا لاقتراح كاتب إنجليزي -"ولز"- في "أن تؤلف توراة جديدة توافق العصر الحاضر، تضعها فئة منتقاة من العلماء والفلاسفة والأدباء، وينبغي تنقيحها كل عام وفق مطالب الحياة، ثم تترجم إلى جميع اللغات في العالم، فتكون دستورًا للناس" (٣)، ثم قال: "والخلاصة أنه لكي تنتفي الفوضى الراهنة، يجب أن تجعل الأخلاق وفق المستكشفات والمخترعات العلمية الحديثة. . . ." (٤). وبقدر ما نرى من غلو في الذات ومركزية (٥) مدهشة عند "ولز" بحيث هم من يؤلف التوراة الجديدة، ثم على العالم الانصياع لها، بقدر ما نجد هذا الانسحاق المدهش من قبل المتغربين، وإن كان الجيل الأول منهم يتماهون كثيرًا مع الغربيين بسبب الاشتراك في أصل الديانة ثم في العلمنة، فلا يستغرب ذلك منهم كما يستغرب من المتغربين في المراحل اللاحقة. وما يهم -الآن- في هذا النص هو الاعتراف بأزمة العلم الذي جُعل بديلًا عن الدين ومغطيًا مكانه بحيث يحقق الشمول ثم هو عاجز عن إسعادنا، وعاجز عن رفع الخوف والقلق حتى فيما هو ماهر فيه، فكيف بما هو ليس من مجاله من المطالب الإنسانية العالية. ثم يكون البديل هو نوع من الاحتيال على الدين الحق،

стр. 1268

فإنه لاعتراف عجيب بحاجة الناس إلى توراة، أليس هذا هو ما يهربون منه ثم هم يقعون فيه؟! فلماذا لا يكون هو الدين الحق وتُختصر كل تلك المسافة؟! النموذج الثاني: قريبًا من النموذج السابق -ولا سيّما في طريقة العلاج، وإن بصورة أذكى- ما نجده عند أحد المهتمين بالمجال العلمي مع اجتهاده في الدفاع عن العلمنة، وهو الدكتور "فؤاد زكريا"، تقتصر النظرة الشمولية عنده على الدنيا ومشكلاتها في العلاقة بالعلم مثل: الغذاء والسكان والبيئة والموارد الطبيعية والوراثة وغيرها، فهي مشكلات ناتجة عن تقدم العلم ذاته، فالتلوث مثلًا في البيئة هو بسبب التقدم العلمي، عندها يأتي السؤال في مثل هذا المثال: هل يعالجها العلم؟ (١) مع أن الأمر أعم من هذه النظرة الجزئية للحياة الدنيوية؟ فالإنسان ليس فقط بدنياه وإنما هناك أمور أخرى تشغله وتأخذ بتفكيره واهتمامه، أما الأمور الجزئية الدنيوية فقد يقال: إن العلم يمكنه الإسهام في حلها، ولكن في ذلك هروب عن الأسئلة الأعلى، ولنأخذ جوابه عن هذه الجزئية: "الآراء تختلف في هذا الموضوع، بين أولئك الذين يؤمنون بأن العلم هو الذي يستطيع أن يحل كافة المشكلات التي خلقها تقدمه السريع، وأولئك الذين ينادون بضرورة الاستعانة بمصادر أخرى غير العلم لكي نعيد ذلك التوازن الذي أخل به العلم. . . ." (٢). فأهل الرأي الأول يرون بأن تقدم العلوم الإنسانية كفيل بمعالجة الأضرار الناتجة عن تقدم العلوم الطبيعية (٣)، ولكن ألا يمكن أن يُقال باحتمال بروز مفاسد منها كما وقع من العلوم الطبيعية! وستأتي شهادات من أهل التخصص فيها بأنها تعيش أزمة لا تؤهلها لأن تكون قادرة على القيام بذاتها فضلًا عن معالجة مشكلات كبيرة كهذه. أما أهل الرأي الثاني المعترضرن على إمكانية قدرة العلم على معالجة تلك المشكلات، "فحين نتحدث عن طريقة توجيه حياة الإنسان وتنظيم مجتمعه،

стр. 1269

نخوض مجال القيم والغايات الإنسانية، وهو مجال يهم البشر جميعًا، لا العلماء وحدهم. . . . وإنما الواجب أن يشارك فيه المفكرون والأدباء والفنانون والفلاسفة، وكل من يهمه مصير الإنسانية ويفكر في هذا المصير بنزاهة وتجرد" (١)، ثم النتيجة بأنه لو "وصل عالمنا إلى المرحلة التي يكون فيها لهؤلاء العلماء مع الفلاسفة والأدباء والفنانين والمفكرين والاجتماعيين والأخلاقيين، كلمتهم المسموعة، لأمكنه أن يوازن بين تقدمه العلمي وتنظيماته الاجتماعية، وأن يحقق للبشرية ذلك الرخاء، وتلك الحياة الغنية -ماديًا ومعنويًا- التي يستطيع العلم "بقدراته الحالية" أن يحققها لنا. . . ." (٢). لا تختلف فكرة المعالجة تلك التي قدّمها "سلامة موسى" عن "ولز"، ومما يلاحظ بأن الكاتب قد أعطى مكانة مميزة للعلم، ولا مانع من ذلك، ولكنه في الوقت نفسه يرفض إدخال الدين كمجال يجلب التوازن ويحقق السعادة والطمأنينة، وإن شيئًا من التوازن لا يمنع من إدخال الدين وعلمائه في قائمة الفنانين والأدباء والمفكرين، فليسوا نَكِرة حتى يتم استبعادهم لولا هذا المرض العلماني الذي يدافع عنه الكاتب في نشاطه. فإذا تجاوزنا ما سبق فإن هذه النظرة يعيبها اختزال حياة الإنسان في النواحي الحيوانية من حياته، والوقوف فقط مع تلك الحاجات وفي حدود الدنيا فقط، وتغفل عن الآخرة، وعن ما هو أعلى من ذلك: وهو الحاجة للإيمان بالله والصلة به والشعور به وعبادته، وهذه لا يستطيع العلم الدنيوي ولا ذاك الفريق المقترح أن يحققها، ولذا تبقى الحياة القلقة النكدة، ويبقى دمار الأرض ما لم يربط الحل بالدين. النموذج الثالث: وكان الدكتور "زكي نجيب محمود" يسير في هذا الاتجاه بسبب انتمائه لمذاهب "الوضعية"، الذي يرى بأن العلم وحده يكفينا، ولكنه منذ أول الستينات بدأ يُدخل الوجدان كحاجة إنسانية، فظهر في كتابه: "الشرق الفنان" مساحة للوجدان في بناء الحضارة (٣).

стр. 1270

ومع ذلك تبقى الرؤية العامة لهذا المفكر متأثرة بدعوى شمولية العلم وقدرته على تغطية كل المساحات أو أغلبها، حيث بقي جانب النظام في الحياة موكولًا للعلم، بينما الجانب الوجداني يمكن أن يدخل فيه الدين مع غيره من الأمور الوجدانية، وواصل الثبات على الدعوة للعلمانية وإنْ بصورة أقلّ حدّة من سابقيه (١)، فحصر دور الدين في تقديم "المبادئ الأساسية التي نسلك على هداها، والتي من شأنها أن تبلور لنا رؤية خاصة، وموقفًا معينًا من الكون والحياة بصفة عامة" (٢)، فهو يُضيق من شمولية الدين ويوسع من شمولية العلم، ومع كل هذه التحولات لهذا الكاتب نحو تخفيف غلوّه الوضعي فقد بقي معه من آثارها أن بقي العلم الحديث هو المقدم، والعودة للدين تكون عند الحاجة. أعطى للعلم مطلق ثقته وأعطى للدين مساحة ضيقة تتبع الوجدان، وحاصل الحال أن الحياة تُركت للعلم وأبقى جزءًا ضئيلًا للدين، ويكون دور الدين -في المرحلة المتأخرة من فكره- مع هذه الحضارة المادية التي تطغى على حياتنا المعاصرة هو إعطاء القيم، بينما حقيقته أوسع من ذلك، إنه يشمل الإنسان كله، قال -تعالى-: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢)﴾ [الأنعام: ١٦٢]، ذكر "السيوطي" في "الدر المنثور": "عن أبي موسى ﵁ قال: وددت أن كل مسلم يقرأ هذه الآية مع ما يقرأ من كتاب الله" (٣). وقال "الثعالبي" في تفسيره: "وفي إعلان النبي - صلي الله عليه وسلم - بهذه المقالة ما يلزم المؤمنين التأسي به؛ حتى يلتزموا في جميع أعمالهم قصد وجه الله " (٤). فالمحيا يكون بكل ما فيه لله سبحانه، إما أنه لله؛ أي: لوجهه سبحانه، أو أنه لله؛ أي: ملك لله (٥)، وبهذا يكون الدين شاملًا لحياة الإنسان؛ لأن الإنسان هو ملك لله وعليه تبعًا لذلك أن يعيش وفق دينه الذي أمره به. قد يلحظ الباحث التقلبات حول العلاقة بالدين مع التيار التغريبي المهتم بالعلم وفلسفته، فمع الجيل الأول كانت هناك أوهام بزوال الدين وتوحد العلم

стр. 1271

بالساحة. ثم ظهرت مشكلات فأحيلت مع جيل لاحق إلى العلم ذاته، ولكن إلى شق آخر منه، بحيث يولّد المشكلات ويعالجها في الوقت نفسه ولكنه لم ينجح في ذلك. فظهر مع جيل معاصر إعادة الحديث عن دورٍ ما للدين، وإن كان دورًا ضيقًا وهامشيًا، ولا يُستغرب ذلك، فتمكن العلمنة والتغريب والشُبَه من القلوب مع ما ينازع عقلاءَهم من مشكلات يرون الدين هو الأقدر على حلها، تجعلهم بمثل هذا الاضطراب والحيرة في علاقتهم بالدين، ولكن هناك مؤشر آخر له أهميته: أن الدين ذاته يفرض نفسه بقوة ولا يمكن حتى مع المتغربين أن يتم تجاهله تمامًا، والخطورة هنا أن ينساق بعض الناس خلف المجالات التي يريد المتغربون جعلها للدين، بينما الدين أوسع من ذلك، فليس أخذ الدين من أجل الترقيع وإكمال ثغرات وحل مشكلات، وإنما أخذ الدين يكون بحق وبقوة، والاستمساك به والاعتصام به يكون أصلًا وغيره فرع عنه وتابع له. النموذج الرابع: يصعب القول بأن العلم الحديث -لوحده- فيه كفاية وأنه يشمل حاجات البشرية، ولهذا نجد المتغربين يضيفون له الثقافة التي نشأ فيها، والحضارة التي ظهرت معه، وهي هنا الثقافة والحضارة الغربية، فإذا كان العلم الحديث قد نشأ في الغرب فلنأخذه ولنأخذ ما حوله كما يقولون. يتحول العلم هنا إلى ذريعة لجلب الحضارة الغربية بكل مكوناتها لتكون بديلًا عن هويتنا وثقافتنا التي يريدون منا تركها، هذا بارز في دعاة التغريب والعلمنة من غير المهتمين بالعلم ذاته وإنما همهم الفكر والأدب الفن والثقافة الغربية، ويجعلون العلم وسيلة لذلك الهدف، ويتذرعون بمصطلح الكونية والشمولية والعالمية للثقافة الغربية. من بين أبرز من أصّل لهذا المصطلح "الكونية" "عزيز العظمة"، فهو يروج للعلمانية تحت دعوى "الكونية"، ويستند إليه لتبرير انسياق التيار التغريبي نحو أخذ كل ما في الغرب، وأن كل ثقافتنا مصيرها الفناء لتترك الباب خلفها لكونية غريبة لا محالة، وهو البديل عندهم لثقافتنا وحضارتنا وديننا. إن الغرب الحديث بكل ما فيه هو مصير العالم كله، وتاريخ الغرب هو التاريخ الكوني الذي يبتلع كل التواريخ "فالتاريخ الكوني هو تاريخ طبيعي ينتظم كل التواريخ ويصحح

стр. 1272

اعوجاج كل تاريخ مفوت بابتلاعه في كونيته الناجزة" (١). وقد داهمتنا -بحسب كلامه- هذه الثقافة الكونية الجديدة من القرن الثالث عشر/ التاسع عشر وما بعده، وأصبحت هي ثقافتنا الرسمية الجديدة التي تأسست على الثقافة والعلوم الأوروبية بينما انزوت ثقافتنا الدينية على هامشها (٢). وأبرز من طبق هذه الثقافة الكونية هو "كمال أتاتورك"، ولذا تُعدّ التجربة الكمالية العنيفة والغاشمة نموذجًا مميزًا عند هذا المتغرب، فألغى أتاتورك الخلافة ومؤسساتها الدينية في مجال التشريع "في زمان لا يحتمل الغيب والمفاهيم اللاتاريخية" كما يقول، وأبعد المؤسسة الدينية عن مجال التربية والثقافة مجاراة لوجهة تاريخية كونية لا تحتمل الدين وغيبياته أسسًا مقبولة للمعرفة والعلم، لقد "جاءت العلمانية الكمالية انخراطًا تامًا في الزمانية العالمية. . . . واستطاعت الانخراط في الكونية"، وأن مجتمعنا العربي كان له توجه عالمي ومشروع تحديثي كوني حضاري أعاقته المؤسسة الدينية بمؤازرة سياسية (٣). الحقيقة أن العلم الحديث يضيق هنا لدرجة الاختفاء لصالح مذاهب إلحادية، بما في ذلك الإلحاد الماركسي الذي يعدّه نقدًا كونيًا ينطبق على الإِسلام؛ لأنه لا يخرج عن طبائع الأديان (٤)، وهكذا يتخذ العلم ونظرياته غطاءً لهذا الاغتراب الرهيب والتبعية العمياء في صورة افتخارية عجيبة، مفادها أن المتغرب إنما هو أداة نافعة في كونية عالمية عقلانية. ويسير في المسار نفسه كاتب آخر هو الدكتور "عبد الرزاق عيد"، يُكثر من التركيز على الكونية كتعبير عن الثقافة الغربية التي يحق لها أن تحكم العالم، وكل من وقف ضدها فهو يقف ضد "العقل الكوني الحديث" (٥)، وهو "العقل الكوني المحض" الذي بلغ "الحقيقة العقلية المجردة"، وفيه نجد الحقيقة وليس

стр. 1273

الحقيقي، فالحقيقة مدارها العقل الكوني المحض، أما الحقيقي فمداره العقل القومي المحكوم بتراثه (١). . . .، وهذا "العقل الكوني الحديث يعتبر نظريات الثلاثة "داروين - ماركس - فرويد" مكونات لابد منها لنظام العقل، لكي ينتمي الإنسان لزمنه وعصره الراهن، فلا يمكن للعقل أن يمارس ذاته بشكل عقلاني -وليس خرافيا وسحريًا- إذا لم يكن قد تشرّب الرؤية الثلاثية هذه للكون والطبيعة والمجتمع والنفس، رغم أن الثلاثة يتعرضون للنقد الدائب والمستمر لا لإثبات حقيقة نظرياتهم أو بطلانها، بل لإدخال هذه الحقائق في السيرورة النسبية للمعرفة، حيث العقل الحديث لا يؤمن بحقيقة نهائية معطاة وإلى الأبد. . . . وإذا كانت الرؤية المعرفية لهؤلاء الثلاثة تلتقي مع الرؤية المادية العلمية الموضوعية لسيرورة الكون، مما يجعلها متناقضة مع العقائد الذاتية والمشاعر الدينية، إلا أن صياغة هؤلاء لأسس الفكر الكوني الحديث وتشبع العقل الغربي بنظرياتهم، لم يقض على الإيمان في هذه المجتمعات. . . ." (٢). من تناقضات هذا الكاتب -د. عيد- أن جعل الحقيقة المرتبطة بالدين "قومية" مع أن دين الإِسلام دين عام وللبشر جميعًا، أما الحقيقة المرتبطة بفكر أوروبا فهي "مطلقة" مع أنه محكوم فعلًا بواقعه، وإن كان يعود ليجعل المطلق نسبيًا، فهو يعترف بأن ماركس وداروين وفرويد ينالهم النقد لجعل أفكارهم نسبية. مع العلم أن النقد الذي تتعرض له نظريات الثلاثة ليس لإدخالها في سيرورة نسبية، فهذا إن وجد، فمن تيارات متعصبة للعلمانية، ولكن هناك تيارات أخرى تنتقدهم باسم العلم مُبيّنة بطلان مجموعة أساسية من أفكار هؤلاء، ولا شك بأن الطرف الأخير أفضل خدمة للفكر الحديث؛ وذلك أن إزالة الأخطاء والأمراض أو الاعتراف بخطئها أفضل من دمجها في سيرورة الفكر. والذي يهم الآن التركيز عليه هو هذا التحامل على ثقافتنا وتراثنا وهويتنا، الذي لا يصدر حتى من بعض أعدائنا، في مقابل تعصبٍ لا يقوم به حتى عقلاء المفكرين الغربيين، وهي حالة من الاغتراب المدهش يتفاعل مع التمركز الغربي ليولد لنا فكرًا مريضًا، فكما أن المركزية الغربية ترى عبر دعاتها أن ثقافتهم هي

стр. 1274

الممثل لنهاية التاريخ وقمة التطور العقلي، فإنها تلقى في المقابل من المتغربين من يتمثل هذا المرض الأيدلوجي، ويكون من أقوى الدعاة له في بيئتنا. وهي حالة مدهشة فعلًا، حيث يزعم كونية الآخر ويدعو لإلغاء ذاتيتنا، وتصوير الدين وكأنه خرافة أو سحر أو مشاعر، أما "ماركس" و"داروين" و"فرويد" فبعيدون عن ذلك. قد يأتي أحد الغربيين باكتشاف معرفي مهم مما يُقْدره الله عليه، ويناسب هذا الاكتشاف أن يُعمم بحيث يكون أحد المكتشفات في دائرة العلم، وهذا لا يعارضه عاقل، ولكن لا يوجد عاقل أيضًا يجعل من فكر ذلك المكتشف ونظرياته صورة كونية، وإلا فهذا يعني جعل نظرية "ماركس" و"فرويد" حول الدين باعتباره وهمًا وخطرًا -ولابُدّ من التخلص منه إما بالعلاج النفسي مع "فرويد" أو الثورة والصراع الطبقي مع "ماركس"- ذات صورة كونية يجب استيعابها. والخلاصة أن دعاة الكونية وافتراض شمولية ثقافة الغرب العلمانية يعيشون حالة اغتراب خطيرة، تضيع فيها الفواصل والفروق، ويختلط الأمر، ويصبح المغترب مهمومًا في استيعاب ثقافة الآخرين ونشرها، دون امتلاك معايير الاختيار النافع من الفكر العالمي، ودون امتلاك الهوية المميزة. ونجد في المقابل بعض العقلاء العرب -إن كانت لهم توجهات فكرية غربية- يهاجمون هذه العملية، من دعاوى لكونية النظريات والعلوم دون الوعي بحقيقة الفوارق، وفي ذلك يقول "د. علي الكنز": "وبالفعل فإن علاقتنا بالنظريات الغربية، كأية علاقة وضعية براغماتية "ذرائعية" لا يمكن أن تؤدي إلا إلى النتائج التي توصلت إليها النظريات الغربية قد نتجت عن علاقتها بالعاملين التاليين: خصوصية مجتمعاتها وقضاياها الاجتماعية والتاريخية، من ناحية، والحقل المعرفي الذي نمت بداخله وطورت قضاياها النظرية المحددة. يكمن خطأ علماء الاجتماع العرب -في نظرنا- في اعتقادهم أنه من الممكن استيراد نظريات الغرب بغض النظر عن ارتباطها بهذين العاملين. خطأ فادح يمكن اعتباره "التباسًا تاريخيًا" حقيقيًا" (١)، وهذه المقولة صحيحة حتى في ميدان العلوم الأخرى.

стр. 1275

النموذج الخامس: كما اختزل الدارونيون العرب العلم في الدارونية، وأعطوه الشمولية، فقد اختزل الماركسيون العلم في الماركسية، وأعطوه الشمولية، والجميع يصرّ أن ما يقترحه ويعرضه هو آخر صورة للعلم، ومن بين الأمثلة الماركسية ما نجد عند الكاتب "صادق العظم"، فالدين الذي كان يغطي الحياة قديمًا يعد عنده بديلًا خياليًا عن العلم، رغم اشتراكهما في تفسير أحداث وتحديد الأسباب إلا أنه بديل خيالي عن العلم (١)، ولذا سيكون الدين في طريقه إلى الانهيار مع تقدم العلم (٢)، لصعوبة قبوله في ظل ثقافة علمية أتى بها الغرب (٣). ويحاول العظم استيعاب كل عفن الفكر الإلحادي الحديث تحت اسم العلم، ويقدمه على أنه البديل الوحيد للدين الخيالي، ففي "مدخل إلى التصور العلمي - المادي للكون وتطوره" الذي تحدث فيه بأن كل حضارة امتلكت نظرة عامة وشاملة حول طبيعة الكون والإنسان والحياة ولها طرق في التعبير عنه (٤)، إلا أن العصر الحديث عرف ثورة علمية أتت بالبديل العلمي لكل التصورات السابقة، تمثلت أولًا في المادية المبنية على فيزياء "نيوتن"، وهي المادية الميكانيكية (٥). ثم حدث لها تطورات، وصلت ذروتها في المادية الجدلية الماركسية، وهي النظرة البديلة عن كل التصورات السابقة "ومن المؤكد أن المادية الديالكتيكية هي أنجح محاولة نعرفها اليوم في صياغة صورة كونية متكاملة تناسب هذا العصر وعلومه، وأعتقد أن هذا جزء مهم مما عناه سارتر حين قال: "الماركسية هي الفلسفة المعاصرة"" (٦). يتم هنا اختزال العلم في الماركسية، فهلّا مع هذه التبعية العمياء قد وسّع الأمر ليشمل المذاهب الغربية، فحتى "سارتر" الذي يستشهد به كان له فلسفته الخاصة، ولكنه توجه إلى أكثر ما عندهم من إلحاد، وأخطر ما عندهم من

стр. 1276

تيار انحرف بالعلم، ليجعل من ذلك البديل العلمي عن الدين. لا شك أن الماركسية تريد أن تكون رؤية شاملة وتجيب عن كل الأسئلة البشرية ولكنها فشلت عن تحقيق الحد الأدنى من كرامة المجتمعات التي انتشرت فيها في حياتهم الدنيا، أما مجالات الحياة المعنوية وما فوق الحياة الدنيا فلم تقدم إلا ما يجلب الخواء واليأس والنكد. نعم لقد سقطت الماركسية سقطة مدوية في زمننا هذا، وأفلست فلم تُقدم ما يُقنع أهلها ويقنع المدافعين عنها لأكثر من سبعين سنة، فكيف يمكن بعد ذلك قبولها كمذهب فكري فضلًا عن قبولها بديلًا شموليًا قادرًا على تقديم بديل حقيقي للبشرية، ولهذا نجدها تبقى مع المتغربين أداة هدم فقط دون أن تقدم بديلًا مقنعًا، فمع التحولات المدهشة للماركسيين العرب نحو مذاهب أخرى، وهم من كان لهم شأن في تعصبهم للماركسية حتى تظن أن ما عندهم حقيقة لا يمكن التفريط فيها، ثم هاهم يهجرونها ولكنهم يستبقون منها ما يهدمون به الدين حتى وإن دخلوا جحر ضب آخر. النموذج السادس: ممن يرفض شمولية الإِسلام طائفة من متغربي النصارى، ومنهم لويس عوض الذي تطرف في موقفه العلماني وأخذ بالرؤية الشيوعية الماركسية، كما تجاوز الموقف الفكري إلى العمل الخفي عبر منظمات مشبوهة، ففي جوابه عن سؤال: "هل يحافظ الإِسلام حتى يومنا هذا على دعوته الشاملة؟ " فأجاب: "كلا، إذا تمكن الإِسلام من التغلب على "بيزنطيا" سابقًا، فلأنه كان دينًا علمانيًا أكثر من الدين المسيحي في القرن السابع. . . . ويبدو أن ما تحلم به الجماعة الإِسلامية هو الإِسلام البيزنطي" (١)، فالشمولية ترتبط عنده بالموقف العلماني فقط، أما الإِسلام فلا يكون بزعمه شاملًا لحياة الإنسان إلا إذا كان علمانيًا. وفي نهاية الفصل الأول، يصل الباحث إلى أن هناك عددًا من الدعاوى التغريبية ارتبطت بعلاقة العلم الحديث ونظرياته بالدين، ومن أشهرها: دعوى أهمية علمنة العلم وما صاحب ذلك من معارضة أي مشروع إسلامي لتأصيل

стр. 1277

المعرفة العلمية الحديثة، ودعوى التعارض بين الدين والعلم، ودعوى كفاية العلم. وقد ظهر أن علمنة العلم ترتبط بوضع تاريخي لا علاقة لنا به، وبمشكلات لم نعرف مثلها، وأن دعوى التعارض تُرفع عند المتغربين كأداة لإقصاء الدين أكثر من كونها تعبر عن اشتباه حقيقي أو مشكلة منهجية ومعرفية، وأن دعوى شمولية العلم وكفايته تعبر عن مرض خطير عند طائفة من المتغربين، حيث يراد منها الانتهاء من أمر الدين واستبعاده وأنّى لهم ذلك. وقد عرض خطر مثل هذه الدعاوى ونقدها مع أن كل واحدة منها تستحق دراسة مستقلة. نتركها وننتقل إلى مواقف تغريبية من الدين تحت غطاء العلوم الاجتماعية.

стр. 1278

الفصل الثاني صور من تأثر الفكر التغريبى بنظريات علمية منحرفة حول مفهوم الدين وفيه تمهيد وثلاثة مباحث: • المبحث الأول: التأثر بنظرية داروين التطورية من علم الأحياء حول الدين. • المبحث الثاني: التأثر بنظريات من علم النفس حول الدين. • المبحث الثالث: التأثر بنظريات من علم الاجتماع حول الدين.

стр. 1279

الفصل الثاني صور من تأثر الفكر التغريبي بنظريات علمية منحرفة حول مفهوم الدين التمهيد يعد الدين من أهم ما يميز المجتمعات البشرية عبر تاريخها الطويل، ولا يوجد مجتمع دون دين، إما دين الحق أو أديان الباطل. وقد كان كل مجتمع يدين بدين، ثم يطرأ عليه ما يحرف ذلك الدين أو ما يزيله ليحل مكانه دينٌ جديدٌ، وسار الأمر في الغالب على الاعتراف بعدم إمكانية العيش دون دين؛ لذا لم تنجح أي طائفة تبنت إلغاء الدين في الفكر القديم، حتى وقع ما وقع من أحداث تاريخية خطيرة داخل القارة الأوروبية أسهصت في إيجاد تيار قوي نجح مع الأيام وزاد أتباعه، حيث يرى أن الدين عبارة عن وهم وقعت فيه البشرية ولابد من التخلص منه، ثم بدأت رموز ذلك التيار كل يدلي بدلوه في أصل هذا الوهم وسبل التخلص منه، فتعددت آراؤهم في ذلك لحد التعارض والتناقض، إلا أن ما يجمعهم في الغالب هو عدم وجود دين حقيقي ذي صفة موضوعية خارجية إلا في أوهام الناس، وأن كل عناصر الدين الكبرى وأصوله من الإقرار

стр. 1280

بوجود إله ووجود عالم غيبي ووجود عالم أخروي فضلًا عن وجود النبوات وما أنزل على الرسل كله في زعمهم من الوهم. ولا شك أن الأديان المؤولة أو المبتدعة هي من أوهام الناس وثمار عقولهم القاصرة المجانبة للهدي السماوي، فهي مما ينطبق عليه الكثير من تلك المقولات، إلا أنها لا تقف عند هذا الحد؛ وإنما تتجاوز ذلك إلى نفي الوجود الموضوعي الحقيقي للدين بأصوله، ومن ثم نفي الوجود الحقيقي للدين المنزل. ربما لو وقفت تلك الحركة الفكرية في نقدها لمفهوم الدين عند ما يبتدعه الناس وتخترعه المجتمعات؛ لكان فيها ما ينفع المنغرسين في الوهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، ولكنها قفزت من نقد الوهم إلى نقد الحق والتكذيب به، فضلوا وأضلوا وسببوا للبشرية انحرافًا خطيرًا بما سنوه من سنة سيئة فتبعهم عليها الكثير ممن تأثر بهم. إذا استعيد ما سبق الحديث عنه من الصراع الكبير بين الكنيسة والحركة العلمية والفكرية الحديثة، وما نتج عن ذلك من بروز تيارات مناهضة للكنيسة ومن ثم مناهضة للدين، ونجاح هذه التيارات في الانتشار والاتساع بسبب تذمر الناس من أفعال الكنيسة ونشاط التيارات في دعوتها، إذا استُحضر كل ذلك وما تبعه من أمور؛ فإن أغلب رواد تلك التيارات لم يكونوا ضد فكرة الدين كما هم ضد الكنيسة، بل كانت لهم كتابات لاهوتية وميتافيزيقية ذات إقرار بمسلمات دينية من نوعٍ ما، حتى جاء الانعطاف مع أصحاب الدين الطبيعي الذين رفضوا أصل النبوة وأقرّوا فقط بوجود الرب سبحانه ليفتحوا المجال لرافضي الدين ولدعاة الإلحاد (١) من أمثال من يطلق عليهم "اليسار الهيجلي" أو "المتحررون الهيجليون" أو ما شابه ذلك من مصطلحات، يهمنا مدلولها القائم على الإلحاد وإنكار الدين، وكان أبرزهم وأشهرهم الفيلسوف الألماني "فيورباخ". لقد تفرغ "فيورباخ" لدراسة الدين ولكن من منظور إلحادي، وأخرج دراساته في ذلك، ثم أصبح في الغرب مرجعية للملحدين في الموقف من الدين، يقول باحث معجب به "د. أحمد عطية": "لا يوجد أحد من الفلاسفة المحدثين

стр. 1281

قد شغل نفسه بمشكلة اللاهوت مثلما فعل فيورباخ" (١). ورؤيته تتلخص في أن ""الأنثروبولوجي هو سر [حقيقة] اللاهوت"؛ أي: أن جوهر وحقيقة الدين ومعناه الباطني العميق هو الجوهر الإنساني" (٢)، ففي رؤيته بأن ما يُعتَقد بأنه الله ليس سوى الإنسان، حيث قام الإنسان بإسقاط صفاته على الإله (٣)، ويقوم الإلحاد الفلسفي الفيورباخي بعد ذلك في دعوى تخليص الإنسان من هذا الوهم. وقد نجد بعد ذلك من العرب من يرى أن عمل "فيورباخ" يُعدّ من مجال البحث العلمي في الدين، وأنه يتجاوز الفهم الضيق للدين بحسب زعمه، ففلسفة "فيورباخ" "تؤسس لكثير من العلوم التي تهتم بتحليل الدين من قبل: تاريخ الأديان، ومقارنة الأديان، وعلم الاجتماع الديني، وعلم النفس الديني، وفلسفة الدين التي تعد أوسع هذه العلوم في النظر إلى الدين، وتلك كانت أساس أبحاث فيورباخ" (٤)، ومن أجل ذلك يقول: "نذرت جهدي من الآن من أجل تقديمه إلى الثقافة العربية" (٥). لقد أخرجت الرؤية الفيورباخية إطارًا جديدًا يدخل فيه كل الأنشطة التي ترى الدين هو في حقيقته نابع من الأرض، ولا يشترط بعد ذلك العودة لفيورباخ نفسه بقدر ما تكون العودة للإطار بعد أن تعمم في الثقافة العلمانية. ولكن "فيورباخ" بقي محسوبًا على الفلسفة، وهي في الأغلب ذات واقع معارض للدين مما يجعل الناس لا يكترثون لدعوته، لولا أن دعوته قد تحملها المنتسبون لميدان العلم ولاسيّما العلوم الاجتماعية، حيث شكلت رؤيته مناخًا وإطارًا ورؤية لمن بعده، فالبعض يصرح في اعترافه منها، والبعض الآخر يتحرك في ذلك الإطار دون أن يعلن انتسابه لفيورباخ.

стр. 1282

وفي هذا الإطار الفيورباخي برزت نظريات تدّعي انتماءها للعلم ولكنها فيورباخية في حقيقتها، وذلك في موقفها من الدين، وأهمها -ولاسيّما تلك التي عُرِفَ لها صدى في الفكر التغريبي- ثلاث وهي: "المذهب الداروني"، و"مدرسة التحليل النفسي الفرويدية"، و"علم الاجتماع" ولاسيّما الماركسي منه. يتناول هذا الفصل الحديث عن امتداد هذا المفهوم الفيورباخي عن الدين إلى ميادين مختلفة من ميادين العلوم، وقد يختفي اسم فيورباخ ولكن يبقى المفهوم سائدًا في أعمال مجموعة من الملحدين الذين اشتهروا بالنشاط في العلوم الاجتماعية والطبيعية، وجعلوا تصوره عن الدين هو الصورة أو الإطار الذي يفهمون به الدين.

стр. 1283

المبحث الأول التأثر بنظرية داروين التطورية من علم الأحياء حول الدين قليلة هي النظريات العلمية في العلوم الطبيعية التي تثير إشكالًا مع الدين مقارنة بنظريات العلوم الاجتماعية، إلا أنها الأكبر أثرًا والأكثر إشكالًا إذا ظهرت معارضتها للدين أو تُوهم ذلك، فالعلم الحديث داخل أوروبا بدأ صراعه مع دين أوروبا بنظرية في ميدان العلوم الطبيعية، وامتدت أكثر من مئة عام حتى جاء الدوي الثاني بنظرية من علم الأحياء/ البيولوجيا في منتصف القرن الثالث عشر/ التاسع عشر ذات الأثر الضخم في أوروبا والغرب وربما العالم. ولا شك أن أوروبا تأثرت كثيرًا بسبب ما حدث من آثار "نظرية الفلك" مع "كوبرنيكوس" وأصحابه"، ومع "نظرية التطور" مع "لامارك" و"داروين" وصديقه "الاس"" (١)، ولاسيّما في علاقة الغربيين بدينهم وبتصورهم للعلم والإنسان فالعلاقة بالدين كانت متوترة، وجاءت النظريتان لتوظّفا في صالح الاتجاه العلماني، كما أنها

стр. 1284

تضع تصورًا جديدًا للعلم والإنسان يمثل بديلًا عن التصور الديني. ورغم كثرة النظريات العلمية والفلسفية إلا أنه لم يقع مثل أثر هاتين النظريتين من ميدان العلوم الطبيعية، وحتى تلك التي من ميدان العلوم الاجتماعية هي ذات صلة بالدارونية ولاسيّما "الماركسية" و"التحليل النفسي" و"الدوركايمية" و"التطويرية". يأتي "داروين" في قائمة علماء الأحياء، وربما يكون هو الأبرز في تاريخها الحديث، وقد عرف هذا العلم بعد "داروين" تطورًا مذهلًا وشهد ثورات خطيرة أبرزها ما حدث في باب الجينات ومسألة الاستنساخ، إلا أن أهم ما يرتبط بهذا العلم هو نظرية التطور، وهي نظرية ما زالت مثار جدل إلى ساعتنا هذه. للنظرية جانب علمي يُبحث في ميدان علم الأحياء مع علوم أخرى تُستمد منها الحجج، وهي أمور ليس في مقدور أي مفكر أو باحث مناقشتها وهو من خارج تلك العلوم، إلا أن لها جانبًا فلسفيًا ظهر بارزًا في مذهب مستقل وهو "الدارونية" أو "التطورية" أراد له أصحابه أن يكون مذهبًا شاملًا إلحاديًا في إيدلوجيته يكون بديلًا عن الدين، غير أنه لا يعترف بعقائد الدين مستبدلًا لها بعقائد من اختراع مؤسسيه، ومن المهم التفريق بين النظرية وبين إيحاءاتها الفلسفية والتطبيقات الأيدلوجية التي لا علاقة لها بالعلم (١). إذا بحثنا في أخطر ما أثارته النظرية والمذهب النابت حولها ووظف في الصراع مع الدين نجد أمرين: الأول: إيجاد تصور عن وجود الحياة ووجود الإنسان يراد له أن يكون منافسًا للتصور الديني إن لم يكن بديلًا عنه، فالحياة وجدت صدفة في خلية ما في هذا العالم المادي، ونبعت عن الطبيعة، والإنسان جاء نتيجة تطور، لم يكن نتيجة خلق إلهي مستقل (٢). الثاني: إذا كان العلم يخالف رؤية الدين في الموضوعين: "الحياة" و"الإنسان"، والعلم هنا هو الصورة الدارونية له؛ فقد وصلت الدارونية بشقها الملحد وهو الأبرز والأشهر إلى دعوى خرافة الرؤية الدينية، ومن ثم البحث عن أصل ظهور الدين من خلال المنظور الداروني التطوري. وفي النصف الثاني من

стр. 1285

القرن الثالث عشر / التاسع عشر (١) برزت "محاولات تطبيق النظرية التطورية على الدين بالذات، التي لاقت رواجًا هائلًا"، وإن كانت ظهرت دراسات بعدها بينت ضعف النظرية التطورية. يقول "كرين برينتون": "حقًا أن صراعًا هامًا بين الدين والعلم احتل مكان الصدارة على أثر صدور كتاب داروين أصل الأنواع. . . . في عام (١٨٥٩ م). وبدأ فكر داروين في نظر كثير من المسيحيين، خاصة بعد أن روج له تلامذته في الخارج، ليس فقط منافيًا للتفسير الحرفي لسفر التكوين، بل إنه في رأيهم إنكار صريح لأن يكون الإنسان مختلفًا بأي وجه من الوجوه عن الحيوانات الأخرى إلا فيما يتعلق بالتطور الطبيعي المحض لجهازه العصبي الذي استطاع بفضله أن يغرق في التفكير الرمزي، وأن تكون له أفكاره الدينية والأخلاقية الخاصة. ." (٢). لقد بُذلت جهود جبارة من أجل تحويل فروض الأمر الأول "مادية الحياة" و"تطورية المخلوقات" إلى حقائق ومع ذلك لم تُكلل بالنجاح، فلم ينجحوا في إيجاد حياة من المادة (٣) وإن كان فيهم من يتنبأ مع التطورات في علوم الجينات بإمكانية تحقيق ذلك في المستقبل. ومثلها ضخامة ما جمعوا من شواهد من شتى العلوم لإثبات صحة التطور، ومع ذلك يأتي ما بين فترة وأخرى ما يضرب تلك الشواهد، مما يجعلها في دائرة الفرض (٤)، ويصبح المعتقد بها ليس لوجود موضوعي حقيقي خارجي لها بقدر ما هو ميل وهوى نحوها، والميل يرتبط غالبًا بالقناعات والرغبات الشخصية لا بالحقائق الموضوعية الخارجية. وإذا كان الأمر الأول مما يمكن للمعترض مطالبتهم بالإثبات العلمي؛ لأنه لو افتُرض صحته فلابد له من شاهد يقبل التصديق أو التكذيب، إلا أن الأمر الثاني لا علاقة له بالعلم وإنما هو من باب الفلسفة والفكر والأيدلوجيا، ولهذا كانت الدارونية والتطورية كمذهب فلسفي تدخل في باب المنافسة مع مذاهب أخرى، فقد تبرز في وقت أو في بيئة، ثم تضعف أو تصبح مثار استهجان

стр. 1286

ويتجاوزها الناس إلى غيرها في وقت آخر، كما هو الحاصل مع الدارونية التي غطّت عليها مذاهب أخرى ظهرت في القرن الرابع عشر/ العشرين. هناك من ربط ظهور الدارونية بأوضاع التحولات الأوروبية، وقد كانت في مجال الدين والقيم تحولات خطيرة (١)، وهناك من تحدث عن أثرها في كثير من الأوضاع السياسية والاقتصادية والفكرية في الغرب، بل تأثيرها في العلم ذاته ولاسيّما العلوم الاجتماعية (٢)، مما يجعل تجاوز ما أفرزته من مشكلات يحتاج لوقت طويل، وقد جاءت دراسات تتناول تلك الأبعاد، إلا أن هذا المبحث يقف فقط مع ما أثّرت به على أتباعها المتغربين في موقفهم من الدين. والمُلفت للنظر أن الدارونية قد جذبت طائفة مهمة من أصحاب الخيار الإلحادي، فـ"ماركس" و"أنجلز" قائدا أبرز مذهب مادي إلحادي أُعجبا بها، ووجدا فيها أرضًا خصبة لمذهبهما، فضلًا عن الدارونيين البارزين الذين تبنوا مذهبًا ماديًا إلحاديًا أو آخرين خارج الدارونية مثل "فرويد" أو"نيتشه" أو غيرهما، فقد أخذت شهرة في فترة ما، ولا شك أن المرحلة التي تمر بها أوروبا أسهمت في ذلك، ولكن الوضع لم يستمر على هذه الحال، حيث بدأت خيارات أخرى تتصدى للإلحاد متبنية في الوقت نفسه مصادر علمية. لم يكن الفكر الغربي الحديث خاليًا من المشكلات مع الدين، ولكن النظرية الدارونية أضافت مشكلاتها ولاسيّما في ادعاء أصحابها أنها تُمد الفكر المعارض للدين بأدلة علمية من ميدان العلم، ومما ركزت عليه نفي "صفة الخلق عن الخالق ، ونسبته إلى الطبيعة. فقال دارون: "الطبيعة تخلق كل شيء ولا حد لقدرتها على الخلق. . . . ونفت الغاية من الخلق. فالإله الجديد -الطبيعة- يخبط خبط عشواء. . . ." وأخيرًا ركزت على حيوانية الإنسان وماديته" (٣). وقد أخذ مجموعة من المفكرين بهذه الأبعاد إلى أقصى مداها، ونظروا للإنسان كحيوان داروني متطور (٤)، أوجد في أثناء تطوره تصورات كثيرة وصلت إلى

стр. 1287

تصوره للدين والإله والروح والغيب والآخرة وغيرها من الأمور. ومع أن الجميع يتفقون بأن نظرية داروين لم تقل بشيء من هذا، ولكن الفلسفة التي قامت عليها أتت بكل هذه الأمور، ثم يزعمون ارتباطهم بأحدث نظرية علمية ومن ثم بالعلم في أبرع صوره، فإذا أتيت إلى النظرية وجدت بأن لها مشكلتها في إطار العلم ذاته، وإذا أتيت إلى الدارونية الاجتماعية؛ وجدت نفسك أمام تيار أيدلوجي مادي يريد استغلال العلم وتقويله فيما يخدم أيدلوجية صاحب المذهب. يقول "محمد قطب" بعد أن استعرض استثمار ثلاثة من اليهود البارزين لنظرية داروين وأبعاد ذلك: "ومن حصيلة هذا كله حدثت حركات ضخمة في المجتمع الغربي في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين"، والتقوا "عند نقطة رئيسية، متصلة ومتصاحبة: الحملة على الدين والأخلاق والتقاليد، ونفي القداسة عنها، وتشويه سمعتها أو التشكيك في قيمتها. والقيام بهذه الحملة باسم "العلم" والبحث العلمي. والربط بين هذا التحليل الديني والانحلال الخلقي وبين "التطور"" (١). لا تبتعد الدارونية الاجتماعية التطورية والمتأثرون بنظرية داروين من خارج الدارونية الاجتماعية عن الإطار الفيورباخي المادي الذي يذهب إلى هدم الدين باعتباره وهمًا وخرافة، إلا أن الفئة الجديدة تزعم ابتعادها عن النظرية الفلسفية -الفيورباخية مثلًا- واتصالها بالنظريات العلمية -الدارونية أساسًا- وإن وصلت إلى نفس نتائج الفئة الفيورباخية وأصبحت الدارونية تيارًا كبيرًا في أوروبا. ظهور الدارونية العربية: إذا تركنا أوروبا على حالها في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر وانتقلنا إلى العالم الإسلامي نجد صورة أخرى، حيث كان العالم الإسلامي كما رأينا في مباحث سابقة يمر بتحولات خطيرة، وقد برزت أوضاع كثيرة منها التوجه الاستعماري الأوروبي وما صحب ذلك من أدوات استخدمها الغرب لتحقيق توجهه، وأخطر ما قابل ذلك بروز فئة نصرانية علمانية -بناها الغرب ثم الاستعمار- تبنت بعض المذاهب الغريبة الشاذة ووظفتها في تدمير الدين أو إقصائه عن الحياة، وأشهر

стр. 1288

تلك الفئات مجموعة اعتنقت الدارونية في أقبح صورها، وروّجت لأسوأ ما فيها، مدعية بشكل قطعي أن هذه حقائق علمية ستكون بديلًا عن الدين. كان هذا الحدث في الربع الأخير من القرن التاسع عشر في وقت لا يوجد تيارات كبرى تتبنى الدعوة لها، أو أحزاب سياسية تجعل ذلك من ضمن أنشطتها، كما لا يوجد مجتمع قابل لمثل هذه الآراء يستطيعون الحركة فيه بيسر وسهولة، بل لا يتصور أحد إمكانية حركتهم في المجتمع الإسلامي بمثل تلك الأفكار، إلا أنهم مع ذلك نجحوا في إثارة الجدل ونشر أفكارهم وإشغال الفكر لأكثر من نصف قرن عبر ما اصطلح عليه آنذاك بـ"النشوء والارتقاء"، فكيف حدث ذلك؟ التنظيمات الوحيدة التي لها نشاط في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر هي "المحافل الماسونية"، فكانت إلى حدٍ ما الميدان الوحيد لاستقطاب أصحاب الأفكار الشاذة ودعمهم آنذاك، ومع ذلك فنشاطهم محدود بالنخب من قادة سياسيين أو اقتصاديين أو عسكريين، وهي دائرة مغلقة لا تتصل بالمجتمع. إلا أن هناك منفَذَين مهمين ظهرا في تلك المرحلة، هما: "المدارس العصرية" التي أنيط بها تحقيق المعرفة بالعلوم العصرية المهمة، و"الصحافة". فانخرط هؤلاء المتأثرون بالمذاهب الغربية الشاذة في المدارس العصرية لمعرفتهم بلغة أجنبية وتحصيلهم بعض المعارف العصرية، إلا أن نطاقها محدود في طلاب المدارس رغم أهميتهم، لهذا جاء العمل الفعلي عبر الصحافة، حيث كانت الصحف الأبرز آنذاك تحت إدارة مجموعة من النصارى العرب، ولم تكن الصحافة في تلك المرحلة صحافة أخبار بقدر ما كانت صحافة أفكار، وكانت الأفكار الجديدة التي فتحت لها صفحاتها هي أفكار المتأثرين بمذاهب غربية وعلى رأسها الدارونية. وإذا كانت صحافة أفكار فإن الفكرة التي طغت على تلك الصحافة هي "الدارونية -التطورية- النشوئية" في المقام الأول وكل ما له ارتباط بها. وقد سبق في مبحث الأسباب ذكر دور الصحافة في نشر الدارونية (١)، وإشغال القراء بها، حتى وصل الأمر بتحويلها كرؤية جديدة توجه فكر طائفة من المفكرين.

стр. 1289

برزت أسماء تبنت الدارونية أهمها "شبلي شميل، وسلامة موسى" (١) مع آخرين مثل "فرح أنطون"، "جورجي زيدان"، "إسماعيل مظهر"، وغيرهم، وكان ميدانهم الفعلي للحركة هو الصحافة لعدم إمكانية ذلك في مواقع أخرى، ولا مجال للبحث عن سبب جرأتهم في عرض هذه الأفكار الشاذة واستئثارهم بالصحافة البارزة في تلك المرحلة؛ لأن السبب واضح في الحماية التي حصلوا عليها من قبل البلاد الغربية مما جعلهم في ظل الامتيازات الممنوحة لهم يتحركون ضد دين الأمة ومصالح المجتمع المسلم بما يتوافق مع مصالح الغرب، فكان منهم من تحرك على صعيد العمل الميداني؛ ومنهم من تحرك على صعيد النشاط الفكري الهدام، وأبرزهم دعاة الدارونية. فتحت مجلة قال "المقتطف" صفحاتها لـ"شبلي شميل" فضلًا عن إصداره لمجلة "الشفاء" وكتابته في صحف ومجلات لبنانية ومصرية كثيرة (٢)، أما "سلامة موسى" فبعد عودته من أوروبا سنة (١٩١٣ م) احترف الصحافة "باعتبارها الوسيلة المثلى التي يستطيع من خلالها التأثير في محيطه"، ثم أصدر مجلته الأسبوعية "المستقبل"، ثم في سنة ١٩٢٠ يسهم في إنشاء أول حزب اشتراكي مصري، حيث يتحول عمل هؤلاء من "المحافل الماسونية" إلى أحزاب سياسية مصرح بها من قبل إدارة المستعمر، ثم يتولى لمدة سبع سنوات رئاسة تحرير مجلة "الهلال" المشهورة، ثم يتحول لإنشاء مجلته "المجلة الجديدة" من (١٩٢٩ - ١٩٤٢ م)، لحوالي أربع عشرة سنة (٣). ويأتي في موقف أخف منهما في الدارونية موقف فرح أنطون صاحب مجلة "الجامعة" و"جورجي زيدان" صاحب مجلة "الهلال" و"إسماعيل مظهر" صاحب مجلة "العصور"، و"إبراهيم حداد" صاحب مجلة "الدهور" (٤)، حيث نلحظ أن الجميع جعل منفذه نحو نشر الدارونية أو الفكر المرتبط بتطورات أوروبا هو الصحافة الفكرية.

стр. 1290

أصبح المصطلح المعبر به عن مذهبهم هو "مذهب النشوء والارتقاء"، حيث تواضعوا على إطلاقه مُعبّرًا عن مجمل أفكارهم المقتبسة من العلوم الطبيعية والكيميائية والاقتصادية والتاريخية المعروفة في أوروبا القرن الثالث عشر/ التاسع عشر، ولاسيّما "داروين"، "والاس"، "ليل"، "سبنسر"، و"هيكل" الذي جاهر بالنتائج الفلسفية الإلحادية المترتبة على اكتشاف "داروين"، و"بخنر" وغيرهم (١)، وأصبحت "الدارونية" أشبه بالإطار المفاهيمي المرجعي لإنتاجهم الفكري الذي يطرحه أصحاب الموسوعة العربية بوصفه إنتاجًا نهضويًا (٢)، مع أنها في حقيقتها دعوة إلحادية لا علاقة لها بنهضة أمتنا. مع أن الموسوعة السابقة ألمحت على استحياء أن الدارونية العربية أقرب إلى كونها دعوة أيدلوجية إلا أنها لم تتجاوز ذلك، ومما ألمحت إليه: - الترابط الذي يلاحظه الباحث بين طرح قضايا علمية مثل مبدأ التولد الذاتي، وطرح قضايا دينية مثل وجود الله وعقيدة خلود النفس والخلق من عدم وغيرها. - الترويج لأكثر أشكال المذهب غلوًا وتطرفًا من أفكار علمية وفلسفية إلحادية والتي نادى بها غلاة المذهب الداروني في أوروبا. - استخدامهم لمناهج نقدية جذرية للإطاحة بمقومات ثقافة المجتمع وتصوراتهم عن الكون والإنسان التي تشكلت عبر ثقافتهم الدينية (٣). تُشكل مجموعة الأعمال السابقة صورة واضحة لأبشع صور الانحراف التغريبية الحديثة، فتَحْتَ مسمى العلم ونظرياته أُدخلت أفكار ومناهج ودعوات للإطاحة بالدين، وصوّروا العلم وكأنه عدو للدين، بل كأن هدفه الحقيقي هو إزالته، مما يجعلنا أمام تيار يناقض تمامًا رسالة الأمة إلى العالم، رسالتها في إقامة الإسلام ونشره، بينما هذا التيار على العكس يحمل رسالة هدم هذا الإسلام. أقف مع النموذجين البارزين في هذا الاتجاه الداروني وهما: "شبلي

стр. 1291

شميل" و"سلامة موسى"، فهما في أغلب الكتابات التغريبية زعيمان فكريان مهمان، ويوضعان عادة كقيادة للفكر العلمي في فكرنا الحديث (١)، حيث نجد أنهما في النهاية وقعا ضحية مراهقة فكرية قادتهما إلى الإلحاد وتبني نماذج فكرية غربية فجة لا علاقة لها بالعلم بقدر ما هي حالات مرضية تحاول عبر الالتصاق بالعلم استغلاله وتوجيهه في خدمة أهوائها. إذا رجعنا إلى أعمال "شميل" و"موسى" نجد أن النظرية الدارونية قد أخذت حيزًا كبيرًا من كتاباتهما، سواء كان ذلك في الجانب العلمي منه -بعيدًا عن صحته من عدمها- أو الجوانب الأيديولوجية المرتبطة بتلك النظرية، فألّف "شميل" "فلسفة النشوء والارتقاء"، وترجم "شرح بخنر على مذهب دارون" مع مقالات في الصحافة، أما "سلامة موسى" فألف الكثير منها تحت تأثير الدارونية، مثل: "مقدمة السبرمان"، "نشوء فكرة الله"، "نظرية التطور وأصل الإنسان"، "الإنسان قمة التطور". وهذه من مجموعة كتب تصل إلى خمسين كتابًا تدور في الغالب بحسب كلامه حول فلسفة التطور. وبما أنهما يتحركان في إطار "الفكر العربي" وداخل "الأمة الإسلامية" في فترة التحول الحديثة فإن هناك سؤالًا: هل كان ما ينقصنا هو الدارونية؟ إنه سؤال مهم يكشف جوابه عن سرّ تركيزهم على الدارونية. لماذا أخذت الدارونية كل هذه المساحة في مشروعهما الفكري وفي كتابات مجموعة عاصرتهما وعاصراها؟ لقد كان ينقص الأمة الإسلامية أشياء مهمة برع فيها الغرب، فلماذا أخذت تلك الأمور مستوى أدنى؟ بينما رُفع من سنان الدارونية وكأن ما ينقصنا هو الدارونية، وأن شرط النهوض أن نتحول إلى دارونيين! إن مجموعة من يكتبون عن الفكر العربي المعاصر -ويضعون دعاة الدارونية كرواد لنهضتنا- لا يبحثون مثل هذه الأسئلة، وينطلقون في تبجيل أيديولوجي غير أخلاقي وغير عقلاني. بينما هم في الحقيقة رواد لتيار عربي المظهر واللسان، غربي القلب والعقل ممن تغربوا وانساقوا لأكثر المذاهب تطرفًا في عدائها للدين، وليست المسألة فقط تقليدًا وانهزامًا حضاريًا أمام الغرب؛ بل هو أوسع مع تلك الفئة التي نبتت في وقت انهيار العالم الإسلامي، أمام

стр. 1292

الاستعمار الغربي، لقد أصبحوا أداة فكرية للاستعمار في هدم الإسلام. فركزوا على نشر ما لا نفع فيه، أو ضرره أكبر من نفعه، أو هو ضرر محض، وتركوا نشر العلم النافع، وكونهم أداة هدم هو الأوضح في تفسير مثل هذه الظاهرة؛ لأنهم انسلخوا عن بني جلدتهم من النصارى ثم اشتغلوا بهدم أمتنا الإسلامية. وقد يُخيّل إلى بعضهم من عمق ضلاله أنه على الحق، وأنه يهدي الأمة العربية روائع التقدم البشري، ولاسيّما إذا أقصي عن ملته ولم يجد أحدًا يقف معه، ثم جاء بعض الغربيين ليتبناه أو يدعمه بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فإنه يحول ولاءه إلى الآخرين ويرى أنهم الأولى بالنُصرة والتأييد. ستجد لهؤلاء المبجلين للدارونيين العرب دفاعًا عنهم بأنهم يقومون بنقد للدين الفاسد، وهنا يأتي دور التفريق بين الدين الحق والأديان الباطلة "المبدلة أو المخترعة"، فإذا جاء مفكر بأداة منهجية تفيد في تخليص الناس من الدين الباطل فهو مقبول، ولكن هل يدخل فيه مثل هؤلاء؟ لا يوجد ملحد يمكن دخوله في هذا الباب، الملحد يدفعه إلحاده إلى التنكر للحقائق الدينية، ويرفض التفريق بين الدين الحق وأديان الباطل، فلا يفرق بين المختلفات، فهو يمتلك أداة يهدم بها الدين، فالمتعصب له يراها أداة للتحرر، بينما من يزن الأمور بميزان الحق والعدل ويفرق بين الأمور المختلفة، يعلم أن مثله مثل المجرم الذي حصل على سلاحه فاستخدمه في جرائمه، وهذا يقع في مجرمي الأفكار عندما يتعرفون على مناهج وأدوات فكرية فيوظفونها في الباطل، وانظر إلى ما يقوله أحد المعجبين بسلامة موسى: "ومن هنا كانت أهمية داروين لديه. . . . أن مصدر إعجابه بداروين يعود إلى أنه قد ساعده في هدم التقاليد، والوصول إلى بشرية تنأى عن الغيبيات، حينما استطاع أن يعلل علميًا كيفية ارتقاء الإنسان، وبالتالي سد الطريق على قضية الخلق الغيبية، والتي قالت بها الأديان. وهذا نفسه ما دعا البعض إلى القول بأن إنتاج سلامة موسى لخطاب الدارونية إنما كان لمواجهة الغيبيات. . . ."، و"وضعوا استخدام سلامة موسى للدارونية في إطار بناء جبهة ثقافية نقدية" (١). فتكون الدارونية بهذا المعنى وسيلة هدم في المقام الأول.

стр. 1293

من البحث في أصل الحياة إلى المادية الإلحادية: خلاصة النظرية أنه في وقت ما، خرجت الحياة من المادة أو من الطبيعة، ومع مرور ملايين السنين وعبر قانون الانتخاب الطبيعي تطورت الحياة إلى كائنات حيوانية، ومنها إلى الإنسان. وهذه هي الدارونية التقليدية. وقد جاءت معارضات داخلية مما أوجد الدارونية الجديدة، وفي بعض المعارضات أن الإنسان خلق مستقل بينما التطور قائم في بقية المخلوقات، وهي نظرية ملأت آلاف الصفحات في الأخذ والرد، وكما سبق فقد جاء من بني على هذه النظرية مذهبًا فلسفيًا، كما أن الكثير من النظريات العلمية في ميادين العلوم الاجتماعية قد تأثرت بها. إذا أتينا إلى وجهها القبيح في الفكر العربي المتغرب، فإن هذه الفكرة قد وظفت -كما سبق- كأداة في هدم الدين، وذلك في مسارات أبرزها: ١ - إنكار النبوة عبر التكذيب بقصة الخلق التي وردت عند أهل الكتاب وجاءت في دين الإسلام، فهم يرون أن قصة الخلق أبطلتها نظرية داروين، ومن ثم فلا ثقة في هذه النصوص الدينية. ٢ - القول بخالق غير الله سبحانه، والإله الجديد هو الطبيعة، فهي التي أوجدت أول خلية حية، وهي التي تحكمت في سير التطور، وكل ذلك دون غاية، وهنا توضع المادة كحقيقة مطلقة ذات تصرف مطلق دون غاية. ٣ - فإذا بطلت النبوات وعرف أنه لا فاعل سوى المادة؛ فالنتيجة النهائية هي عدم الحاجة للإيمان بإله، فجاءت أعلى صور الإلحاد في إنكار الرب سبحانه. ٤ - وإذا أمكن تفسير ما هو عسير كوجود الحياة، فإنه بالإمكان تفسير كيف وجد الدين من منظور داروني تطوري، فيكون الدين وهمًا وخرافة تسعى الدارونية إلى تدميره. ٥ - وإذا نزعت الدارونية الدين من قلوب أصحابها فهم في حاجة إلى دين، وسيكون الدين البديل هو التطورية وديانة الطبيعة. لا يشترط في هذه المسارات الترتيب أو التسلسل في حركة الداروني أو في حركة الدارونية العربية، فهي تكون متداخلة في الغالب، وإنما القصد بهذا

стр. 1294

الترتيب تقريب صورة التأثر التغريبي والعمل الأيدلوجي عند الدارونيين. وليست هذه المجموعة ممن تحسب على "علم الأحياء"؛ فليس فيهم عالم في الأحياء، مما يكشف حقيقة الصلة أنها ليست بعلم الأحياء ونظرياته، وإنما هي بمذهب فلسفي ارتبط بأحد علماء الأحياء، ولهذا يكون التحليل لهذه الحالة على حسب الوجه الذي عُرفت به. المثال الأول: ينكر "شبلي شميل" قضية الخلق الإلهي، فكل الحوادث تقع في الطبيعة، ومنها ولا شيء خارج عنها (١)، والإنسان في ذلك كالحيوان من المادة الأزلية، وكل ما فيه مكتسب من الطبيعة "وهذه الحقيقة لم يبق سبيل للريب فيها اليوم، ولو أصر على إنكارها من لا يزال مفعول التعليم القديم راسخًا في ذهنه"، وتتبع هذه المادية القول بإنكار البعث، وإنكار النبوة فليس "للإنسان شرائع منزلة إلا ما أنزل جهله عليه من الخرافات والأوهام، فشرائع الإنسان من الإنسان. ." (٢)، ويعلق "عزيز العظمة" مادحًا "يستصلح الشميل بذلك أكثر الأفكار تطورًا وطليعية في عصره، ويربطها بأفكار الأنوار التي يستلهم منها كتابات البارون دولباك، ويستنتجها بصورة مباشرة من إطار نشأتها في عموم النظرية التطورية دون مراوغة" (٣). وفي نفس السياق جاء "سلامة موسى" بالفكرة نفسها، فهو يرى تقليدًا لماديي الغرب بأن الطين قد نبض بالحياة في وقت ما، بالخلية الأولى البدائية، ثم تطورت إلى أن جاء الإنسان في قمتها، فالحياة أصلها مادي رغم كراهية الناس لذلك (٤)، وبما أنهم لا يستطيعون إيجاد دليل على نشأة الحياة من المادة فقد اكتفى بتعليل أدبي حيث قال: "وأحسن ما قيل عن الحياة بلغة الشعر التي تعتمد على أساس العلم: "إن الحياة نسيج يحوكه الضوء من الهواء" (٥)، وينتج عن هذه المادية إنكار الغيبيات والدين (٦).

стр. 1295

تنطلق الدارونية العربية المتغربة من هذه النقطة الإلحادية لتتوسع في ماديتها وإلحادها، وأجد أن كثيرًا من الدراسات انخرطت في الاعتراض عليهم مستشهدة مثلًا بوجود علماء أحياء رفضوا هذه النظرية، ولكن مثل هذا الجدل سيبقى دون نهاية إذا بقي الإطار للفريقين مختلفًا، فأهل الدين يقرون بوجود الرب سبحانه وبما أنزله على أنبيائه ورسله من الوحي، وأن هذا الوحي هو الحق، بخلاف الماديين فهم لا يقرون بكل ذلك، وسيبقى علم الأحياء بين نظريات تتجاذبه، تُعارض غالبًا عقيدة الخلق للإنسان وبقية المخلوقات الحية بما أنه علم يتحرك في الإطار العلماني المادي، ومع ذلك وبسبب المنهجية العلمية ففيها أشياء صحيحة، مما يجعلها ملتبسة، لهذا قد يظهر في ناقدي النظرية من ينقدها بكل ما فيها رغم أنها نظرية مجملة فيها عناصر صحيحة وظفت توظيفًا غير صحيح، كما أنه قد يظهر من يسلم بها ويبدأ في محاولة التوفيق بينها وبين الإسلام حتى لا ينفتح المجال للملحدين، أو حتى يرى العالم توافق الإسلام مع العلم، مع أن فيها ظنيات كثيرة بشهادة فلاسفة العلم، وقد وقع في تاريخ الفكر المعاصر هذا وهذا، فكما وظف التغريبيون النظرية فيهدمون الدين بأسلوب أيدلوجي ومذهبي صرف؛ كان هناك من المسلمين من أراد التوفيق بينها وبين الإسلام دون التأكد من صحتها والتثبت عبر المتخصصين من علماء الأحياء والكيمياء والجيولوجيا والوراثة وغيرها من العلوم، بحيث يفرقون بين الحقائق العلمية والفرضيات والأفكار الفلسفية المرتبطة بها، فيكون تقريبها من التصور الإسلامي مبنيًا على علم، إذ لا تكفي النية الحسنة في هذا الباب ما لم يصاحبها العلم الصحيح (١). وكان الأقرب والأفضل في هذا الباب -والله أعلم- أن يتفرغ الخطاب الإسلامي لنقد تلك التشوهات المرتبطة بالدارونية العربية (٢)؛ لأنها الأوضح، دون الدخول في إبطال النظرية أو تصحيحها أو التوفيق بينها وبين الإسلام، كان بين أيدينا أمر في غاية الوضوح وهو الإلحاد والمادية، فكان الأجدر دفعه

стр. 1296

ومواجهته وإبطال زيفه وأنه لا علاقة له بالعلم الصحيح الثابت، وإنما هو أيدولوجيا ترتبط بفراغات خطيرة موجودة في العلم، وليس المقصود من هذا الكلام الانتقاص من شأن جهود فكرية مدهشة ناظرت الدارونيين المتغربين وخفف من غلواء المادية والإلحاد رغم الاعتراف بوجود ملحوظات على عملهم؛ وإنما المقصود الاستفادة من تجربة أصبحنا بعيدين عنها بما يكفي للتبصر في الأمر وأخذ الدروس الكافية. أما نقد النظرية في جانبها العلمي فالأولى أن يكون من مفكر مسلم متمكن من علم الأحياء وما يرتبط بها ومتخصص فيها ومشارك في ميدانها، فمثل هذا أقدر على إعطائنا الحدود الفاصلة في كل نظرية، وقادر على توصيف مكونات النظرية: ما الجانب الفرضي فيها؟ وما القوانين أو المعادلات والحسابات الصحيحة؟ وما جوانب الضعف والقوة؟ وما القطعي فيها والظني؟ وما المحدد الواضح وما العام الغائم فيها؟ عندها يكون إبداء الرأي الديني أيسر وأقوى. لقد جعل هؤلاء الدارونيون العرب من الدارونية أداة للقول بالإلحاد ونبذ الدين، فكان الأولى الوقوف مع هذا الإلحاد ذاته قبل التعجل في التوفيق بين الإسلام والدارونية، فإن مصير الأمة ومستقبلها لم يكن مرتبطًا بتقبلنا للدارونية، فهي في مجالها العلمي نظرية أخذت شهرة كبيرة في علم الأحياء، إلا أنه عند افتراض وجود مجتمع لم يعرفها ولم يدرسها في مدارسه وحرص على العلوم النافعة؛ فإنه سيتقدم مع جهله بها، وإذا كان مصير الأمة لا يتأثر بجهلنا بتلك النظرية فإن واقع الأمة يتأثر بوجود الدارونية الملحدة كفلسفة؛ لأنها جعلت من أصولها إنكار الدين وإقامة الإلحاد، فكان الأهم من محاولات التوفيق الاجتهاد في إبطال الإلحاد الداروني. لم يتوقف الدارونيون المتغربون عند إنكار الدين، بل تجاوزوا ذلك إلى إعلان الإلحاد، وتكون المفارقة العجيبة، حيث كان العالم الإسلامي يبحث عن علوم تجعله قويًا بإسلامه، فإذا هو -عبر الدارونيين- يلتقي بالعلم وبدعاته في وجه إلحادي، فظهرت الدعوة إلى الإلحاد باسم العلم ذاته، حيث اعتبر "العلم" هو المطلق "والإله الوحيد" عند "شميل"، ورفض أي توفيق بين العلم والدين لاعتقاده بالتناقض المطلق بينهما، مستندًا في ذلك "إلى معطيات التطورية الدارونية والأفكار العلمية الأوروبية". وأنكر وجود الرب "فالمادة هي المكون

стр. 1297

لكل شيء، وهي أبدية أزلية، ومنها نشأت الكائنات. ."، ولا حاجة إلى الاعتقاد بوجود الرب في عصر العلم كما يرى شميل (١)، وأطلق على هذا الإلحاد مصطلح "الإلحاد العلمي" في انتساب للعلم (٢)، وكما يقول أحد المعجبين بشميل: "وهكذا فالله الذي يؤمن به، أمسى مع تطور حياته واتجاهه في مسار العلم الطبيعي، ضربًا من الوهم، لا مكان له بين حقائق تفكيره" (٣)، وقد استعان شميل بأفكار "بوخنر" (٤). أما "سلامة موسى" فقد وجد في أحد المتأثرين بداروين "نيتشه" (٥) أداةً مناسبةً في إعلان إلحاده (٦)، فضلًا عن طائفة أخرى ذكرهم في كتابه: "هؤلاء علموني". يُعد "الإلحاد" ظاهرة مرضية تصيب بعض الناس، وهو مرض معروف، ولكن الجديد فيه هو دعواه الارتباط بالعلم، وهي أيدلوجيا خطيرة؛ لأن العلم في أذهان الناس يرتبط بالحقيقة والمعرفة الصحيحة وله سمعة طيبة، فإذا جاء من يدّعي بأن العلم يقود بالضرورة إلى الإلحاد، وأن دلائله تشهد بالإلحاد، فذاك أمر خطير، ومع ذلك فإن مما يوقف ذاك التلاعب والعبث بالعلم هم العلماء أنفسهم، فقد رأينا في الفصل الأول من الباب الأول ظاهرة انقسام المجتمع العلمي في الغرب، وبروز النابذين للإلحاد في دوائر العلم المختلفة، مما يجعل الإلحاد فيروسًا خبيثًا ظهر ثم بدأ يختفي، ولولا تغلغل "الماركسية" وأذيالها المعاصرة وأشكالها المطورة داخل الغرب لربما كان حال العلم أبعد بكثير عن دائرة الإلحاد. إذًا فلا علاقة للإلحاد بالعلم وإلا لكان كل عالم حقيقي ملحدًا، إذ كيف تظهر عنده نتائج يقينية ثم يتركها ويستسلم للإيمان بوجود الخالق سبحانه. وينقص هذه الظاهرة الجديدة قيام المسلمين بواجبهم العلمي في تبليغ دين الله إلى خلقه، ومن ذلك إيصاله إلى هؤلاء العلماء البارعين في العلوم

стр. 1298

المادية والاجتماعية حتى ينقلوهم من الإيمان بالله سبحانه إلى التصديق بالنبوة والإقرار بالدين الحق الذي ينجيهم. وإذا كان الأصل عند "شميل - موسى" هو الإلحاد؛ فلا مجال للاعتراف بالدين، ولكن المجاهرة بالإلحاد قد تصرف الناس عنهم ولاسيّما من يعجب بهم، لهذا نجد عنايتهم بدراسة الدين أكثر من العناية بإبراز الإلحاد، وهدف دراسة الدين إقصاؤه عن الحياة، ومن الملاحظ أن "الغلاة" في ذلك أو من هو قريب منهم كان من النصارى "شميل - موسى - أنطون - زيدان. . . ."، وهؤلاء لا يخسرون شيئًا بتدمير الدين، على العكس فربما يكون دافعًا لمزيد من المكاسب في ظل الاستعمار والدعم الأجنبي. أصبحت الدارونية هي الإطار لفهم الدين فدرس "شميل" "الموضوع الديني وفق مبادئ نظرية النشوء والارتقاء. ناظرًا إلى الدين كظاهرة اجتماعية تنطبق عليها مبادئ فلسفة النشوء شأن الظواهر الطبيعية. . . ." (١)، وتبعًا لذلك فإن العلم يرتبط بالمادة، والدين لا يدخل في العلم المادي عندها يخرج الدين من العلم إلى الأوهام، ولهذا كانت الكثير من أصول الدين "تنهل من ينابيع الخيال والأوهام، فالوحي والبعث والخلود والثواب والعقاب والأخرويات وعالم الروح وعلة العلل. . . . كلها مفاهيم ذات مصدر غير مادي. وهي بالتالي تنتمي إلى عالم الأحلام والأوهام. . . ." (٢). المثال الثاني: وفي المسار نفسه يتحرك "سلامة موسى" فإلى "قبل نحو عشرة ملايين من السنين كنا مثل سائر القردة التي تأوي إلى الأشجار تأكل من ثمارها وحشراتها وتحتمي على غصونها"، واستفاد الإنسان من ذلك تعويد يديه على حركة جديدة غير المشي على أربع كبهيمة الأنعام وإنما للتسلق أيضًا، كما أن الخوف من النهار جعل العمل أكثر في الليل، فاجتمعت العينان في الوجه للحاجة إلى قوة النظر. ثم لسببٍ مجهول ترك الإنسان مجاورة القرود على الأشجار وسعى في

стр. 1299

الأرض والسهول والوديان، وتطور المشي على القدمين، وتحررت اليدان أكثر، مما مكنه من توظيفها في الصيد والإمساك، وهنا جاءت مرحلة الصيد، واحتجنا أكثر إلى حاستي السمع والنظر، فأوجدا الوعي -أي: الوجدان- في الإنسان، صاحب ذلك الوقوف بدل السير على أربع مما مكن الإنسان من حمل رأسه مما ساعد في نمو الدماغ، والفضل يعود إلى التطور الذي دفع القدمين للمشي وحرر اليدين فانتصب الإنسان وحمل دماغه، وبدأت الحواس تغذيه. ومع ترك الأشجار والخروج جماعات للصيد ولدت "اللغة" بفضل التطور كحاسة للجماعة، وبدأت أدوات الكلام من رئة وحنجرة ولسان تتطور مع ذلك حتى تقوم بوظيفة الكلام، وفي مرحلة الصيد مرت سنوات طويلة ولدت فيها "خرافاته" لاستعانته على الصيد بعقائد السحر والدين، فالصيد خطر ويحتاجون إلى شيء يلهمهم الاطمئنان فكان ذلك بالتشبث بأي عقيدة. ومع "الصيد" ظهرت رعاية بعض ما يُصاد، فظهرت رعاية القطعان، ومنها ظهر نظام القبيلة، وفيها ظهر الاعتقاد بإله. ثم جاء التحول إلى "الزراعة" فظهرت الحضارة، وظهر "الدين" الذي يجلب الطمأنينة على الزرع (١)، فجاء "الدين" في المرحلة الزراعية وإن كانت بداية أصوله من مرحلة الرعي، ويكون منبع "الدين" بحسب هذا التصور الخوف والجهل والبحث عن الطمأنينة، ويغلب على الأمثلة التي يمثلون بها ذكر الأديان الوضعية القديمة عند قدماء المصريين واليونان وغيرها، وهذه التفسيرات حتى على مستوى الأديان الوضعية هي فرضيات تنطلق من حالات حاضرة إلى الماضي البعيد جدًا، وهي موضع خلاف منهجي، إلا أن الدارونيين العرب لا ينتقلون من الحاضر إلى الماضي لدراسة أديان وضعية؛ بل ينتقلون من نتائج تلك الفرضيات حول الأديان الوضعية إلى التعميم على كل دين، ومن ذلك تعميمها على الدين الحق، فهو لا يعدو عندهم عن كونه مرحلة متطورة من تلك الأديان البدائية، وهذا "شميل" يرى بأن الدين بدأ من شعور محبة الذات بعد أن شعر بالخوف من الموت، فبحث عن شيء ينقذه ويهب له البقاء، فبدأ بعبادة آلهة لا تحصى ابتكرها خياله، ثم حصرها مع تطوره في إله واحد أقصاه عن عالم المادة والمحسوس، وتطور الدين إلى أن بلغ "مرحلة من

стр. 1300

النضج عالية مع المسيحية والإسلام" (١). وهذا أقصى ما نجده عندهم حول الدين، وهو تصور طبيعي لمن لا يقر أصلًا بالرب سبحانه، فيكون البحث منصبًا في طريقة تطور الدين كنشاط اجتماعي أو كظاهرة اجتماعية، أنتجها المجتمع بما يتوافق مع تطوره. لا شك أن "سلامة موسى" كان الأكثر كتابة ونشاطًا، حيث عاش فترة طويلة سمحت له بقول كل ما يريد ويبثه في المجتمع، مع الرعاية المميزة التي حصل عليها من هذا الطرف أو ذاك في فترة الاستقطاب الغربي لبعض الشخصيات المتحركة، ولهذا فإن النظر ليس إليه كشخص أو حتى كمفكر مستقل؛ وإنما كأداة تعبر عن أهداف مجموعة أكبر تتخذ من "سلامة موسى" لأكثر من خمسين سنة وسيلة لذلك التعبير، وإن كانت التيارات اليسارية قد تبنته بعد العشرينات من القرن العشرين (١٤ هـ) إلا أنه بقي وفيًا للدارونية أغلب حياته. فإذا وجدنا من أحدهم ادعاء العلمية، ثم إذا به يتحول إلى عدوّ للدين، فليست المسألة مسألة شخص اقتنع بهذا الاتجاه وإنما هي أوسع من ذلك، إنها فئة قد تكون غير مقتنعة بعلمية العمل ولكنها مقتنعة بفائدته في ضرب الدين، وقد رأينا مدح ماركس لبوخنر؛ لأنه يمثل أداة جيدة في هدم الدين، وإن كان عمله بحسب ماركس غير علمي من وجهة نظره (٢)، ومثله في العالم الإسلامي عندما ظهرت تلك المجموعة الحاقدة على الإسلام واتخذت من العلم إطارًا لحركتها، فإذا لم يساعدها العلم رمت به واتجهت إلى أي مفكر غربي لا يقبل الدين، وهذا مما يفسر كثرة الأدوات التي استعان بها "سلامة موسى" لضرب الدين، وهي أبعد -كما سبق- من أن تكون خيارات فردية لمشروع فكري، وإنما هو معبّر عن مصالح فئةٍ جديدةٍ رعاها الاستعمار ورأت في تحطيم الدين طريقها الوحيد لتحقيق مصالحها. ولم تُخْف الدراسات المتعصبة لـ"سلامة موسى" ذاك الأمر، فهم يعترفون بسطحيته وسذاجته في فهم العلم الحديث (٣)، إلا أنهم يرون بأن دوره الحقيقي
следующие страницы →